باب قول الله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ وأن المشاورة قبل العزم والتبين لقوله تعالى : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي : هذا باب في قول الله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ الشورى على وزن فعلى المشورة ، تقول منه : شاورته في الأمر واستشرته بمعنى ، ومعنى أمرهم شورى بينهم أي : يتشاورون . قوله : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ اختلفوا في أمر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يشاور أصحابه ، فقالت طائفة : في مكائد الحروب وعند لقاء العدو تطييبا لنفوسهم وتأليفا لهم على دينهم وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم ، وإن كان الله أغناه عن رأيهم بوحيه ، روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق ، وقالت طائفة : فيما لم يأته فيه وحي ليبين لهم صواب الرأي ، وروي عن الحسن والضحاك قالا : ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجته إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل ، وقال آخرون : إنما أمر بها مع غناه عنهم لتدبيره تعالى له وسياسته إياه ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل ، وقال الثوري : وقد سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - الاستشارة في غير موضع ، استشار أبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - في أسارى بدر ، وأصحابه يوم الحديبية . قوله : وأن المشاورة عطف على قول الله . قوله : قبل العزم أي : على الشيء ، وقبل التبين أي : وضوح المقصود لقوله تعالى : فَإِذَا عَزَمْتَ الآية ، وجه الدلالة أنه أمر أولا بالمشاورة ، ثم رتب التوكل على العزم ، وعقبه عليه ؛ إذ قال : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ وقال قتادة : أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله . فإذا عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله . يريد أنه - صلى الله عليه وسلم - بعد المشورة إذا عزم على فعل أمر مما وقعت عليه المشورة وشرع فيه لم يكن لأحد من البشر التقدم على الله ورسوله لورود النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله . وشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوم أحد في المقام والخروج ، فرأوا له الخروج ، فلما لبس لأمته وعزم قالوا : أقم ، فلم يمل إليهم بعد العزم ، وقال : لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله . هذا مثال لما ترجم به أنه يشاور فإذا عزم لم يرجع . قوله : لأمته أي : درعه ، وهو بتخفيف اللام وسكون الهمزة ، وقيل : الأداة بفتح الهمزة وتخفيف الدال ، وهي الآلة من درع وبيضة وغيرهما من السلاح ، والجمع لأم بسكون الهمزة . قوله : أقم أي : اسكن بالمدينة ولا تخرج منها إليهم . قوله : فلم يمل أي : فما مال إلى كلامهم بعد العزم ، وقال : ليس ينبغي له إذا عزم على أمر أن ينصرف عنه ؛ لأنه نقض للتوكل الذي أمر الله به عند العزيمة ، ولبس اللأمة دليل العزيمة . وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن ، فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ، ولكن حكم بما أمره الله . أي : شاور النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ، ومضت قصة الإفك مطولة في تفسير سورة النور . قوله : فسمع منهما أي : من علي وأسامة ، يعني سمع كلامهما ولم يعمل به حتى نزل القرآن . قوله : فجلد الرامين وسماهم أبو داود في روايته وهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وعن عمرة ، عن عائشة ، قالت : لما نزلت براءتي قام رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على المنبر فدعا بهم وحدهم ، رواه أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة . قوله : ولم يلتفت إلى تنازعهم قال ابن بطال ، عن القابسي : كأنه أراد تنازعهما ، فسقطت الألف ؛ لأن المراد علي وأسامة ، وقال الكرماني : القياس تنازعهما ، إلا أن يقال : أقل الجمع اثنان ، أو المراد هما ومن معهما ووافقهما في ذلك . وكانت الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم أي : وكانت الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يستشيرون الأمناء ، وقيد به ؛ لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت إلى قوله . قوله : في الأمور المباحة التي كانت على أصل الإباحة . قوله : ليأخذوا بأسهلها أي : بأسهل الأمور إذا لم يكن فيها نص بحكم معين ، والباقي ظاهر . ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة ، فقال عمر : كيف تقاتل وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوا : لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تابعه بعد عمر ، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة ؛ إذ كان عنده حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من بدل دينه فاقتلوه . هذا غير مناسب في هذا المكان ؛ لأنه ليس من باب المشاورة ، وإنما هو من باب الرأي ، وهذا مصرح فيه بقوله : فلم يلتفت إلى مشورة والعجب من صاحب التوضيح حيث يقول : فعل الصديق وشاور أصحابه في مقاتلة مانعي الزكاة وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من الترك ، انتهى ، والذي هنا من قوله : فلم يلتفت إلى مشورة يرد ما قاله . قوله : من بدل دينه فاقتلوه مضى موصولا من حديث ابن عباس في كتاب المحاربين . وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبابا ، وكان وقافا عند كتاب الله - عز وجل وكان القراء أي : العلماء ، وكان اصطلاح الصدر الأول أنهم كانوا يطلقون القراء على العلماء . قوله : كهولا كانوا أو شبابا يعني : كان يعتبر العلم لا السن ، والشباب على وزن فعال بالموحدتين ، ويروى : شبانا بضم الشين وتشديد الباء وبالنون . قوله : وقافا بتشديد القاف أي : كثير الوقوف ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . 137 - حدثنا الأويسي ، حدثنا إبراهيم ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، حدثني عروة وابن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله ، عن عائشة - رضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ، قالت : ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما وهو يستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله ، وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، فقال : هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت : ما رأيت أمرا أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله ، فقام على المنبر فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ ! والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، فذكر براءة عائشة . مطابقته للترجمة ظاهرة . والأويسي بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء وبالسين المهملة عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي الأويسي المديني ، ونسبته إلى أويس بن سعد ، والأويس اسم من أسماء الذئب ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وصالح هو ابن كيسان ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب ، وعبيد الله هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود . وهذا الحديث طرف من حديث الإفك المطول قد مضى في الشهادات ، عن أبي الربيع ، وفي المغازي ، وفي التفسير ، وفي الأيمان والنذور عن عبد العزيز الأويسي ، وفي الجهاد ، وفي التوحيد ، وفي الشهادات ، وفي المغازي ، وفي التفسير ، وفي الإيمان عن حجاج بن منهال ، وفي التفسير والتوحيد أيضا عن يحيى بن بكير ، وفي الشهادات أيضا ، ومضى الكلام فيه غير مرة . قوله : ودعا عطف على مقدر ، أي قالت : عمل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كذا ودعا . قوله : حين استلبث الوحي أي : تأخر وأبطأ . قوله : أهله أي : عائشة .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/403763
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة