باب قول الله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وقوله جل ذكره : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ أي : هذا باب في ذكر قوله عز وجل : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ذكر هنا آيتين ، وذكر ثلاث أحاديث لبيان إثبات نفس لله تعالى ، وفي القرآن جاء أيضا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي وقال ابن بطال : النفس لفظ يحتمل معاني ، والمراد بنفسه ذاته ، فوجب أن يكون نفسه هي هو ، وهو اجتماع ، وكذا قال الراغب : نفسه ذاته ، وهذا وإن كان يقتضي المغايرة من حيث إنه مضاف ومضاف إليه فلا شيء من حيث المعنى سوى واحد سبحانه وتعالى وتنزه عن الاثنينية من كل وجه ، وقيل : إن إضافة النفس هنا إضافة ملك ، والمراد بالنفس نفوس عباده ، وفي الأخير بعد لا يخفى ، وقيل : ذكر النفس هنا للمشاكلة والمقابلة ، قلت : هذا يمشي في الآية الثانية دون الأولى ، وقال الزجاج في قوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي : إياه ، وقيل : يحذركم عقابه ، وقال ابن الأنباري في قوله تعالى : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ أي : ولا أعلم ما في غيبك ، وقيل : معناه تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك . 32 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ، وما أحد أحب إليه المدح من الله . قيل : لا مطابقة هنا بين الترجمة وهذا الحديث ؛ لأنه ليس فيه ذكر النفس ، حتى قال الكرماني : الظاهر أن هذا الحديث كان قبل هذا الباب ، فنقله الناسخ إلى هذا الباب ، ونسبه بعضهم إلى أن هذا غفلة من مراد البخاري ، فإن ذكر النفس ثابت في هذا الحديث الذي أورده ، وإن كان لم يقع في هذا الطريق ، وهو في هذا الحديث أورده في سورة الأنعام ، وفيه : ولا شيء أحب إليه المدح من الله وكذلك مدح نفسه ، قلت : هذا ليس غفلة منه ؛ لأن كلامه على الظاهر ؛ لأن الذي ينبغي أن لا يذكر حديث عقيب ترجمة إلا ويكون فيه لفظ يطابق الترجمة ، وإلا يبقى بحسب الظاهر غير مطابق ، ومع هذا اعتذر الكرماني عنه حيث قال : لعله أقام استعمال أحد مقام النفس لتلازمهما في صحة استعمال كل واحد منهما مقام الآخر ، ويؤيده قول غيره : وجه مطابقته أنه صدر الكلام بأحد ، وأحد الواقع في النفي عبارة عن النفس على وجه مخصوص بخلاف أحد الواقع في قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وهذا السند بعينه مر في الكتاب غير مرة . والأعمش سليمان ، وشقيق بن سلمة أبو وائل ، وعبد الله هو ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه والحديث مضى في سورة الأنعام ومضى أيضا في أواخر النكاح في باب الغيرة بغير هذا الإسناد والمتن . قوله : أغير من الله غيرة الله هي كراهيته الإتيان بالفواحش أي : عدم رضاه به لا عدم إرادته ، وقيل : الغضب لازم الغيرة ، أي : غضبه عليها ، ثم لازم الغضب إرادة إيصال العقوبة عليها . قوله : أحب بالنصب ، والمدح بالرفع فاعله ، وهو مثل مسألة الكحل ، ويروى : أحب بالرفع ، وهو بمعنى المحبوب لا بمعنى المحب .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/403814
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة