باب قول الله تعالى ويحذركم الله نفسه
حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، سمعت أبا صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . مطابقته للترجمة في قوله : ذكرته في نفسي . والحديث من أفراده .
قوله : أنا عند ظن عبدي بي يعني إن ظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك ، وإن ظن العقوبة والمؤاخذة فكذلك ، ويقال : إن كان فيه شيء من الرجاء رجاه ؛ لأنه لا يرجو إلا مؤمن بأن له ربا يجازي ، ويقال : إني قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به ، وقال الكرماني : وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف . قوله : وأنا معه أي : بالعلم ؛ إذ هو منزه عن المكان ، وقيل : أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي . قوله : فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي يعني إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرا ذكرته بالثواب والرحمة سرا ، وقيل : معناه إن ذكرني بالتعظيم أذكره بالإنعام .
قوله : وإن ذكرني في ملأ أي : في جماعة ، ذكرته في ملأ خير منهم يعني الملائكة المقربين ، وقال ابن بطال : هذا الحديث نص من الشارع على أن الملائكة أفضل من بني آدم ، ثم قال : وهو مذهب جمهور أهل العلم ، وعلى ذلك شواهد من كتاب الله تعالى ، منها قوله تعالى : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ولا شك أن الخلود أفضل من الفناء ، فكذلك الملائكة أفضل من بني آدم ، وإلا فلا يصح معنى الكلام ، قلت : ما وافقه أحد على أن هذا مذهب الجمهور ، بل الجمهور على تفضيل البشر ، وفيه الخلاف المشهور بين أهل السنة والمعتزلة ، وأصحابنا الحنفية فصلوا في هذا تفصيلا حسنا ، وهو أن خواص بني آدم أفضل من خواص الملائكة ، وعوام بني آدم أفضل من عوامهم ، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم ، واستدلالهم بهذا الحديث على تفضيل الملائكة على بني آدم لا يتم ؛ لأنه يحتمل أن يراد بالملأ الخير الأنبياء أو أهل الفراديس . قوله : وإن تقرب إلي بشبر هكذا رواية المستملي والسرخسي بشبر بزيادة الباء في أوله ، وفي رواية غيرهما شبرا بالنصب ، أي : مقدار شبر ، وكذلك تقدير ذراعا مقدار ذراع ، وتقدير باعا مقدار باع . قوله : هرولة أي : إتيانا هرولة ، والهرولة الإسراع ونوع من العدو ، وأمثال هذه الإطلاقات ليس إلا على سبيل التجوز ؛ إذ البراهين العقلية القاطعة قائمة على استحالتها على الله تعالى ، فمعناه من تقرب إلي بطاعة قليلة أجازيه بثواب كثير ، وكلما زاد في الطاعة أزيد في الثواب ، وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأني يكون كيفية إتياني بالثواب على السرعة ، فالغرض أن الثواب راجح على العمل مضاعف عليه كما وكيفا ، ولفظ النفس والتقرب والهرولة إنما هو مجاز على سبيل المشاكلة أو على طريق الاستعارة أو على قصد إرادة لوازمها ، وهو من الأحاديث القدسية الدالة على كرم أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين .