المؤلف: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي
عدد الأحاديث: 2٬294
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مقدمة كتاب المفهم صلَّى اللَّهُ على سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم . قال الشيخُ الفقيهُ الإمام الحافظ أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ ، الأنصاريُّ القرطبيُّ ، رحمه الله : الحمدُ للهِ كما وَجَب لكبريائهِ وجلالِه ، والشُّكْرُ له على ما غَمَرنا به من نَعْمِه وآلائه ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ غاصَ في بحار معرفة أسمائِه وجَمالِهْ ، وأشكُرُه شُكْرَ مَن عَلِمَ أنَّ شُكْرَهُ مِن جُملةِ آلائِه وأفضالِهْ . وأشهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا نظيرَ له في ذاته ولا شريكَ له في أفعالِهْ ، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله ، رسولٌ خُصَّ من الإرسالِ الإلهيِّ بعمومِهِ وخِتامِهِ وكَمالِهْ ، ومِنَ الحقِّ المُبين بصَفْوِهِ ومَحْضِهِ وزُلالِهْ ، وخُصَّ مَنْ أطاعَهُ واتَّبعه في أقوالِهِ وأفعالِهْ بمحبَّةِ الله وهدايتِه الشَّامِلةِ له في جميعِ أحوالِهْ ، وبالفَوْزِ بالنَّعيم الأكبر ، يومَ يَجِدُ كُلُّ عاملٍ مَغَبَّةَ أعمالِهْ ، صلَّى الله عليه وعلى آله الطَّيِّبِينَ الأكرَمين أهله وآلِهْ ، ورَضِيَ الله عن صَحابَته المُصطفَيْنَ لإظهارِ الدِّين وإكمالِهْ ، وبعد : فلمَّا حَصَلَ من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المَأمُولْ ، وسَهُلَ إلى حفظِه وتحصيلِه الوصولْ : رأينا أن نُكَمِّلَ فائدتَهُ للطالبينْ ، ونُسهِّلَ السبيلَ إليه على الباحثينْ ؛ بشَرْحِ غريبهْ ، والتَّنبيهِ على نُكَتٍ من إعرابِهْ ، وعلى وجوهِ الاستدلالِ بأحاديثِه ، وإيضاحِ مُشكِلاتِه حَسَبَ تبويبِهْ ، وعلى مَسَاق ترتيبِهْ ، فنجمَعَ فيه ما سمعناه من مشايخنا ، أو وقَفنا عليه في كتب أئمَّتنا ، أو تفضَّلَ الكريمُ الوهَّابُ بفهمه علينا على طريق الاختصارْ ، ما لم يَدْعُ الكَشْفُ إلى التطويلِ والإكثارْ ، حرصًا على التقريبِ والتسهيلْ ، وعونًا على التفهمِ والتَّحصيلْ ، وسمَّيته بـ : المُفْهِمْ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تلخيصِ كتابِ مُسْلِمْ . وقد اجتهدتُّ في تصحيحِ ما نَقَلْتُ ورأيت ، حسَبَ وُسْعِي فيما عَلِمتْ ، غيرَ مدَّعٍ عِصمَة ، ولا متبرِّئٍ من زَلَّة ، والعصمةُ من الله ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله ، ووجهَ اللهِ الكريمِ لا غيرَهُ قصدتّ ، وثوابَهُ أردتّ ، وهو المسؤولُ في المعونةِ عليه ، والانتفاعِ به ؛ إنه طيِّبُ الأسماءْ ، سميعُ الدعاءْ . فلنشرعْ فيما ذكرناه ، مستعينين بالله تعالى .
( 11 ) باب في الإحداد على الْمَيِّت في العدة ( 1486 - 1489 ) [1558] عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، أنْ زَيْنَبَ ابِنْةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَ: قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ ، فَمَسَّتْ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا ) ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ قَالَ حُمَيْدٌ: فقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا ، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ ، فَتَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً ، فَتَرْمِي بِهَا ، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ . ( 1488 ) ( 61 ) [1559] وعن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا ، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا ( أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا ) حَوْلًا ، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ ، فَخَرَجَتْ أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . ( 11 ) ومن باب : الإحداد على الْمَيِّت ( الخلوق )- بفتح الخاء المنقوطة - : أنواع من الطيب تخلط بالزعفران . وهو : العبير أيضًا . وأصل العوارض : الأسنان . وسُمِّيت الخدود : عوارض لأنها عليها ، من باب : تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب . والعارضان هاهنا هما : الخدَّان . والإحداد : مصدر : أحدَّت المرأة على زوجها فهي مُحِدٌّ : إذا امتنعت من الزينة . ويقال : حدَّت فهي حادٌّ . وكل ما يصاغ من ( ح . د ) كيفما تصرَّف فهو راجع إلى معنى المنع . و( قوله : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدَّ على ميت فوق ثلاث ) فاعل ( لا يحل ) المصدر الذي يمكن صياغته من ( تحد ) مع ( أن ) المرادة . فكأنَّه قال : الإحداد . ووصْفُ المرأة بالإيمان يدلُّ على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفَّى عنها زوجها المسلم : أنها لا إحداد عليها . وبه قال أبو حنيفة ، والكوفيون ، وابن كنانة ، وابن نافع ، وأشهب من أصحابنا . وقال الشافعي وعامة أصحابنا : عليها الإحداد . و( قوله : فوق ثلاث ) يعني به : الليالي ، ولذلك أنَّثَ العدد . ويستفاد منه : أن المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة ، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها ، فإن مات حميمُها في بقية يوم ، أو ليلة ألغتها ، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة . و( قوله : إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا ) ( أربعة ) منصوب على الظرف ، والعامل فيه ( تُحِدُّ ) و( عشرًا ) معطوف عليه . وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن ، المتوفَّى عنهن أزواجهن . فيدخل فيه الحرائر ، والإماء ، والكبار ، والصغار . وهو مذهب الجمهور . وذهب أبو حنيفة : إلى أنه لا إحداد على أمة ، ولا صغيرة . والحديث حجة عليه . ولا خلاف أعلمه : أنهما لا بدَّ لهما من العدَّة . فبالطريق التي تلزمهما به العدَّة يلزمهما الإحداد . و( إلا على زوج ) إيجاب بعد نفي . فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها ، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه . فلا إحداد على مطلقة عندنا ، رجعية كانت أو بائنة واحدة ، أو أكثر . وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وربيعة ، وعطاء ، وابن المنذر . وقال قوم : إن المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد . وإليه ذهب أبو حنيفة ، والكوفيون ، وأبو ثور ، وأبو عبيد . وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة ، وقد شذَّ الحسن فقال : لا إحداد على مطلقة ، ولا متوفى عنها زوجها . وهو قول يدلّ على إبطاله نَصُّ الحديث الْمُتقدِّم . وأمَّا من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده : إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها . وليس بصحيح ؛ وللحصر الذي في الحديث ، لوجود الفرق بينهما . وذلك : أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها ، لعدم الزوج ؛ إذ ليس من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها ، بخلاف المطلق ؛ فإنه حيٌّ ، متمكِّن من البحث عن أحوالها ، فافترقا . هذا إن قلنا : إن الإحداد معقول المعنى . فإن قلنا : إنه تعبد ؛ انقطع الإلحاق القياسي . ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي ؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى . وقد بينَّا : أنه يدلُّ على الحصر ، والله تعالى أعلم . وإنَّما خصَّ الله تعالى عدَّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ؛ لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدَّة ؛ لأن النُّطْفَة تبقى في الرَّحم أربعين ، ثم تصير علقة أربعين ، ثم مضغة أربعين ، فتلك أربعة أشهر ، ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك ، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر . وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ . وأنَّثَ عشرًا ؛ لأنه أراد به مدَّة العشر . قاله المبرد . وقيل : لأنه أراد الأيام بلياليها . وإلى هذا ذهب كافة العلماء . فقالوا : إنها عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر . وقال الأوزاعي : إنما أنَّث العشر ؛ لأنه أراد الليالي . فعلى قول الجمهور : تحل باليوم العاشر بآخره . وعلى قول الأوزاعي : تحل بانقضاء الليلة العاشرة . وقد احتج قوم بقوله : أربعة أشهر وعشرا : على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملاً لم يلزم فيه الإحداد . وقال أصحابنا : عليها الإحداد إلى أن تضع ؛ نظرًا إلى المعنى ؛ إذ كل ذلك عدَّةٍ من وفاة ، وإنما خَصَّ ذلك العدد بالذكر ؛ لأن الْحِيَّلَ من النساء أغلب ، وهنَّ الأصل ، والحمل طارئ . والله تعالى أعلم . ومنعه صلى الله عليه وسلم الكحل للمرأة التي تُخُوِّفَ على عينها يدلُّ : على التشديد في منع الْمُحدّ من الاكتحال بما فيه زينة ، أو طيب إذا وجدت منه بًّدا ، إثمدًا كان أو غيره . وهو مذهب الجمهور . فأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا ؛ فمنهم من قال : تجعله بالليل ، وتمسحه بالنهار . وبه قال الكوفيون ، والنخعي ، وعطاء ، والشافعي ، أخذًا بما في الموطأ من حديث أم سلمة ، من قوله : ( اجعليه بالليل ، وامسحيه بالنهار ) . ومنهم من قال : تستعمله ليلاً ونهارًا ، بحسب ضرورتها . وبه قال سالم ، وسليمان بن يسار ، ومالك ، حكاه عنه الباجي وغيره . وتأول هؤلاء قوله في هذا الحديث : ( تخوفوا عليها ) : إن هذا الخوف لم يكن محقَّقًا ، ولو كان الضرر محقَّقًا حاصلاً بلا بدَّ لأباحه لها ؛ لأن المنع إذ ذاك كان يكون حرجًا في الدِّين ، وهو مرفوع بقاعدة الشرع . و( قوله : إنما هي أربعة أشهر وعشر ) إنما تفيد التقليل والحصر . يتمسَّك بها من يرى : أن الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهر والعشر . وقد تقدَّم . و( قوله : قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ) هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن حالة المتوفَّى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع . وحاصله : أنهن كنَّ يقمنَّ في بيوتهن حولاً ملازمات لحالة الشَّعث ، والبذاذة ، والتَّفل ، ووحشة المسكن ، وفي شرار الثياب ، والأحلاس ، إلى أن ينقضي الحول ، وعند ذلك تخرج ، فترمي ببعرة مُشْعِرَة بأن أمر العدَّة المذكورة - وإن كان شديدًا - قد هان عليها في حقِّ من مات عنها كرمي البعرة . وقيل : إنَّ معنى ذلك : أنها رمت بالعدَّة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة . فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولاً . وقد دلّ عليه قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ وأشهر قول المفسرين فيها ، وأحسنه : أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى حولاً ، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها . ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر . ونسخت النفقة بالربع ، أو الثمن ؛ قاله ابن عباس وقتادة ، والضحاك ، وعطاء ، وغيرهم . وفي هذه الآية مباحث كثيرة لذكرها موضع آخر . قال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ ، وأن عدَّتها أربعة أشهر وعشر . يعني : أنها منسوخة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا و( الحِفْشُ ) هنا : الخصّ الصغير . وهو أيضًا الدرج ، وجمعه : أحفاش . و( الأحلاس ) : الثياب الخشنة ، وأصلها للدَّواب ، وهي : المسوح التي تجعل على ظهورها . و( قولها : ثم تؤتى بدابةٍ : حمار ، أو شاة ، أو طير ) سُمِّيت هذه كلها دواب ؛ لأنها تدبُّ ؛ أي : تمشي . وهذه تسمية لغوية أصلية . كما قال الله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا و( قوله : فتفتضُّ به ، فقل ما تفتضُّ ) الرواية الصحيحة بالفاء والضاد المعجمة . قال القتبي : سألت الحجازي عن الافتضاض ، فذكروا : أن المعتدة كانت لا تغتسل ، ولا تمس ماءً ، ولا تقلم ظفرًا ، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر ، ثم تفتضُّ ؛ أي : تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قبلها ، وتنبذه ، فلا يكاد يعيش . وقال مالك : تفتضُّ : تمسح به جلدها كالنُّشرة . وقال ابن وهب : تمسح بيدها عليه ، أو على ظهره . وقيل : معناه : تمسح به ثم تفتض ؛ أي : تغتسل بالماء العذب حتى تصير كالفِضَّة . وقيل : تفتض : تُفارق ما كانت عليه . قال الأزهري : رواه الشافعي : ( فتقبص ) بالقاف ، وبالباء بواحدة ، وبالصاد المهملة . والقبص : الأخذ بأطراف الأصابع . قال : وقرأ الحسن : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ذكره الهروي .
( 938 ) ( 66 ) [1560] وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَلَا تَكْتَحِلُ ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ . وفي رواية : مِنْ قُسْطٍ وْأَظْفَارٍ . و( قوله : ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْبٍ ) قال ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الْمُصَبَّغَة ، والمعصفرة ، إلا ما صُبغ بالسواد . ورخَّص فيه مالك ، والشافعي ، وعروة . وكرهه الزهري ، وكره عروة ، والشافعي العصْب . وهي : برود اليمن يعصب غزلها ، ثم يصبغ معصوبًا ، ثم ينسج فيوشَّى . وأجازه الزهري . وأجاز غليظه مالك . قال ابن المنذر : رخَّص كلُّ من يحفظ عنه من أهل العلم في البياض . قال القاضي : ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة ، فلا تمسّه الحادّ غليظًا كان أو رقيقًا . ونحوه للقاضي عبد الوهاب . قال : كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهنَّ فتمنع منه الحاد . ومنع بعض شيوخنا المتأخرين جَيِّد البياض الذي يتزين به . وكذلك الرفيع من السواد . و( قوله : ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نُبْذَةً من قُسْط ، أو أظفار ) . قال القاضي أبو الفضل : النبذة : الشيء اليسير ، وأدخل فيه الهاء لأنه بمعنى القطعة . وإنما رُخِّص لها في هذا لقطع الروائح الكريهة ، والتنظيف ، لا على معنى التَّطيب مع أن القسط ، والأظفار ليس من مؤنث الطيب المستعمل نفسه في ذلك . وظاهره : أنها تتبخر بذلك . وقال الداودي : تسحق القسط والأظفار وتلقيه في الماء آخر غسلها . والأول أظهر ؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بخورهما . ويقال : قسط - بالقاف والكاف - وأكثر ما يستعمل القسط ، والأظفار مع غيرهما فيما يتبخر به ، لا بمجردهما . ووقع في كتاب البخاري : ( قُسْطُ أظفار ) وهو خطأ ؛ إذ لا يضاف أحدهما للآخر ؛ لأنهما لا نسبة بينهما . وعند بعضهم : ( قُسْط ظَفَار ) وهذا له وجه ؛ فإن ظفار مدينة باليمن نسب إليها القُسْط . وما في مسلم أحسن ، والله تعالى أعلم . وعلى هذا : فينبغي ألا يصرف للتعريف والتأنيث . ويكون كـ ( حَذَامِ ) و( قَطَامِ ) أو يكون مبنيًّا على القول الثاني في ( حذام ) و( قطام ) أعني : مبنيًّا على الكسر .
( 1477 ) ( 27 ) [1548] وعَنْها قَالَتْ : خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاخترناه ، فَلَمْ يَعُدَّهُ علينا طَلَاقًا . و( قولها : خيَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ، فلم يعدّه علينا طلاقا ) حجة لجمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى : على أن المخيرة إذا اختارت زوجها أنَّه لا يلزمه طلاق ، لا واحدة ، ولا أكثر . وحكي عن علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما روايتان : إحداهما كما قال جماعة السلف وأئمة الفتوى : إنه لا يقع بذلك طلقة رجعية . وروي عن عليّ ، وزيد بن ثابت ، والحسن ، والليث : أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة ؛ وإن اختارت زوجها . وحكاه الخطابي ، والنقَّاش عن مالك ، ولا يصح عنه . وروي عن ربيعة نحوه في التمليك ، وهذا الحديث حجة عليهم . وأمَّا إذا اختارت نفسها ، فاختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا على أقوال : فقالت فِرْقَة : ليس للمُخيِّرة ولا للمملَّكة شيء من الطلاق . وقالت فرقة أخرى : هو ما قضت به من واحدة أو أكثر . وقيل : هو على ما نواه الزوج ، وله مناكرتها في الخيار ، والتمليك . وهو قول ابن جهم من أصحابنا وغيره . وقال بعضهم : تكون رجعية . وهو قول عبد العزيز ، والشافعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وأبي يوسف . وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه . وروي عن عمر ، وابن مسعود . وقيل : إنه واحدة بائنة . وهو قول أبي حنيفة ، وحكي عن مالك ، وروي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ . والمشهور من مذهب مالك : أن المخيرة إذا اختارت نفسها كان ثلاثًا ، وليس له المناكرة ، بخلاف التمليك ؛ فإن له المناكرة إذا قضت بالثلاث ، إذا نوى أقل من ذلك ، ولم يكن عن عوض . ثم اختلف عندنا في المخيَّرة إذا قضت بأقل من ثلاث . فقال مالك مرة : لا يلزمه ، وسقط ما بيدها . وقال أشهب : ترجع على خيارها . وقال عبد الملك : هي ثلاث بكل حال . وفي قول عائشة هذا دليلٌ على أن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الخيار يكون طلاقا ، من غير احتياج إلى النطق بلفظ يدل على الطلاق سوى الخيار ، ويُقْتَبَسُ ذلك من مفهوم لفظها ، فتأمَّله .
( 5 ) باب في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا الآية . ( 1478 ) [1547] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ . قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا ، قَالَ: فَقَالَ: والله لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا ، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى ، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ . فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا ، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا ، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ . ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ: لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا قَالَ : فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ . فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ ألَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ ، وَرَسُولَهُ ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَأَسْأَلُكَ أَلَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ . قَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا . ( 5 ) ومن باب : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا الآية . ( قوله : وَاجِمًا ، ساكتًا ) أي : مُطْرِقًا إِطراقَ المغضب . و( قوله : وَجَأْتُ عنقها ) أي : طعنت فيه ودققت . وأصل الوَجْءِ : الدَّقُّ ، والطَّعْن ؛ يقال : وجأتُ البعير : إذا طعنتُ في مَنْحَرِهِ . ووجأت الوتد : ضربتُه . ووجأته بالسكين : طعنته بها . وهذا الفعل من أبي بكر وعمر بابنتيهما مبالغة في تأديبهما ، وكذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن ، وهجرانه لهن إنما كان مبالغة في أدبهن ، فإنهن كن كثَّرنَ عليه ، وتبسَّطن عليه تبسُّطًا تعدين فيه ما يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من احترامه ، وإعظامه . وكان ذلك منهن بسبب حسن معاشرته ، ولين خلقه ، وربما امتدت أعين بعضهن إلى شيء من متاع الدنيا . ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخيرهنَّ بين إرادة زينة الدنيا ، وإرادة الله تعالى ، وما عنده ، فاخترن الله ورسوله ، والدار الآخرة . ولم يكن فيهن من توقف في شيء من ذلك ، ولا تردد فيه ، لأنهن مختارات لمختار ، وطيبات لطيب ، سلام الله تعالى عليهم أجمعين . و( قوله في هذه الرواية : اعتزلهن شهرًا ، أو تسعًا وعشرين ) ظاهره شك من الراوي ، وسيأتي حديث ابن عباس : أنَّه إنما اعتزلهن تسعًا وعشرين ، وهو الصحيح . وقول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم : لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت ) هو قول أخرجته غيرتُها ، وحرصها على انفرادها بالنبي صلى الله عليه وسلم . و( قوله لها : ( إن الله لم يبعثني معنتًا ، ولا متعنتًا ، ولكن بعثني معلمًا ، وميسرًا ) أصل العنت : المشقة . والْمُعَنِّتُ : هو الذي يوقع العنت بغيره . والمتعنِّت : هو الذي يحمل غيره على العمل بها . ويحتمل أن يقال : المعنت : هو المجبول على ذلك . والمتعنت : هو الذي يتعاطى ذلك وإن لم يكن في جبلَّته . وكأن عائشة رضي الله عنها توقعت : أنَّه إذا لم يخبر أحدًا من زوجاته يكون فيهن من يختار الدنيا ، فيفارقها النبي صلى الله عليه وسلم وأنهن إذا سَمِعْنَ باختيارها هي له اقتدين بها فَيَخْتَرْنَهُ ، وكذلك فعلنَّ . ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم : أنَّه إن سألته واحدة منهن عن فِعْل عائشة فلم يخبرها كان ذلك نوعًا من العنت ، وإدخال الضرر عليهن بسبب إخفاء ما يُسأل عنه ، فقال مجيبًا : ( إن الله لم يبعثني معنتًا ، ولكن بعثني معلمًا ميسِّرًا ) . ووجه التيسير في هذا : أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرها من أزواجه ، وسهل عليها اختيار الله ورسوله ، والدار الآخرة .
( 1484 ) ( 56 ) [1557] ومن حديث عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنْ سُبَيْعَةَ سألت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، قَالَتْ : فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي ، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا غَيْرَ أَنْه لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ . و( قول ابن شهاب : فلا بأس أن تتزوَّج حين وضعت ، وإن كانت في دمها ، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر ) هذا مذهب الجمهور . وقد شذَّ الحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وحماد فقالوا : لا تنكح ما دامت في دم نفاسها . والحديث حجة عليهم ، ولا حجة لهم في قوله في "الأم" : فلمَّا تعلّت من نفاسها تجملت للخطَّاب ؛ لأن ( تعلَّتْ ) وإن كان أصله : طهرت من دم نفاسها ، على ما حكاه الخليل ، فيحتمل أن يكون المراد به هاهنا : تعلت من آلام نفاسها ؛ أي : استقلت من أوجاعها وتغييراته . ولو سلِّم أن معناه ما قاله الخليل ، فلا حجة فيه ، وإنما الحجة في قوله صلى الله عليه وسلم لسبيعة : ( قد حللت حين وضعت ) فأوقع الحِلَّ حين الوضع ، وعلَّقه عليه ، ولم يقل : إذا انقطع دمُكِ . ولا : إذا طَهُرْتِ : فصحَّ ما قاله الجمهور . وفي حديث سُبَيْعة هذه دليل : على جواز المنازعة ، والمناظرة في المسائل الشرعية ، وعلى أخبار الآحاد ، وعلى الرجوع في الوقائع إلى من يُظَّنُّ علم ذلك عنده ، وإن كان امرأة . إلى غير ذلك .
( 10 ) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها ( 1485 ) [1556] عن سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي يَعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَجَاءَهُمْ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، وَأنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ . ( 10 ) ومن باب : ما جاء أن الحامل إذا وضعت فقد انقضت عدتها ( قول ابن عباس : عِدَّتها آخر الأجلين ) يعني : عدة الوفاة ، أو الوضع ، فلا تحل بالأول منهما ، بل بجميعهما . وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس روي عن علي ، واختاره سحنون من أصحابنا . وقال جمهور العلماء من السلف ، وأئمة الفتوى : إنها تحل بوضع الحمل وإن لم تنقض عدَّةُ الوفاة . وقد روي أن ابن عباس رجع إلى هذا . والكل متفقون على أنها إذا انقضت لها عدَّة الوفاة ولم تضع لم تحل حتى تضع . والذي حمل الفريق الأول على ذلك روم الجمع بين قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وبين قوله تعالى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وذلك أنَّها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين ، وإن اعتدَّتْ بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدَّة الوفاة . والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول . وهذا نَظَرٌ حَسَنٌ لولا حديث سُبَيْعة هذا ؛ فإنَّه نصَّ في أنها تحلُّ بوضع الحمل ، ومبيِّنٌ أنَّ قوله تعالى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ؛ محمول على عمومه في المطلقات والمتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ ، وأن عدَّة الوفاة مختصة بالحامل من الصنفين . ويعتضد هذا بقول ابن مسعود : إن آية سورة النساء القصرى نزلت بعد آية عدَّة الوفاة . وظاهر كلامه : أنها ناسخة لها . وليس مراده -والله أعلم - وإنما يعني : أنها مخصِّصة لها ؛ فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها . وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدَّة الوفاة ؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع ، وزوجها هو سعد بن خولة ، توفي بمكة حينئذ . وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة ، والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم القول في الطهارة على قوله : ( نُفِسَتْ ) .
( 9 ) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك ( 1480 ) ( 41 ) [1552] عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ - وهو مرسل على ما قاله أبو مسعود الدمشقي - أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ فَقَالَا لَهَا: وَاللَّهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ . فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ ، فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَتْ: أَيْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ أَعْمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلَا يَرَاهَا ، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنْ الْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَتْهُ بِهِ فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ امْرَأَةٍ سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا . فَقَالَتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تعالى : لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ : لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا؟ فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ ( 1482 ) ( 53 ) [1553] عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ . ( 9 ) ومن باب : لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها ( قول فاطمة لما بلغها قول مروان : ( فبيني وبينكم القرآن ) وتلت قوله تعالى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ الآية ، وقالت : هذا لمن كانت له الرجعة ، وأشارت بقولها : ( فأي أمر يحدث بعد الثلاث ؟! ) إلى قوله تعالى : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ظاهر كلامها هذا إنما هو ردٌّ على مروان في منعه البائن من الانتقال من بيتها ؛ لأنها كانت تجيز الخروج للبائن على نحو ما أباحه لها النبي صلى الله عليه وسلم وكأنها فهمت عن مروان ، أو نقل إليها : أنه يمنع البائن من الخروج مطلقا ، فاستدلَّت بأن الآية التي تلتها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية ؛ لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدَّتها ، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت ، وأما البائن فليس لها شيء من ذلك فيها ، فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة ، أو خافت عورة ، كما أباح لها ذلك النبي صلى الله عليه وسلم . هذا ظاهر صدر كلامها مع مروان ، غير أن عجز كلامها هذا يظهر منه : أن منازعتها لمروان إنما كانت في النفقة لها . فكان مروان لا يراها لها ، وهي تراها لها . وهو ظاهر قولها : ( فكيف تقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً ، وليس كذلك . فإنها قد نصَّت في أول الحديث على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نفقة لك ) فكيف تخالف هي هذا النصّ ؟ وتقول : إن لها النفقة . هذا محال ، وكأنَّ هذا وهم من بعض الرواة في قوله : ( فكيف يقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً ؟ ) . و( قولها : فعلام تحبسونها ؟ ) معناه : فلأيِّ شيء تمنعونها من الانتقال إذا لم تكن عليها رجعة ؟! وقد دلَّ على هذا قوله : ( فاستأذنته في الانتقال ، فأذن لها ) فهذا ما ظهر لي ، والله تعالى أعلم . وعلى الجملة : فحديثُ فاطمة : كثرةِ اضطرابه قاصمةٌ ، فما أولاه لاختلاف معناه ولفظه بقول عمر : الذي جعل الله تعالى الحقَّ على لسانه وقلبه .
( 1481 ) ( 54 ) [1554] وعَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الحديث . قَالَ: تَعْنِي قَوْلَهَا: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ . و( قول عائشة : ( ما لفاطمة خير أن تذكر هذا الحديث ) لا يلتفت منه إلى فَهْمِ مَنْ فَهِمَ من قول عائشة هذا نقصًا في حق فاطمة ، ولا تكذيبًا من عائشة لها على ما تقدَّم ، وإنما أنكرت عليها قولها : لا سكنى لها ولا نفقة ؛ كما نصَّ عليه الراوي . ويظهر من إنكار عائشة : أنها ترى : لها السكنى والنفقة ، كما رآه عمر ، تمسُّكًا منها بما تمسَّك هو به . والله تعالى أعلم . ويحتمل أن تكون أنكرت قولها : لا سكنى فقط ، والظاهر الأول . ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المختارة : ( تلك امرأةٌ فتنتِ الناس ، إنها كانت لسنة ، فوضعت على يد ابن أم مكتوم ) وروي عنه أيضًا أنه قال : ( تلك امرأة استطالت على أحمائها ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقل ) فلقد أفحش في القول ، واغتابها ، ولا بُدَّ لها معه من موقف بين يدي الله تعالى . وحديث فاطمة إذًا تُتُبِّعَتْ ألفاظ رواياته اسْتُخرج منها أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمِّل فطن . ووقع في "الأم" قول فاطمة : ( فشرَّفني الله بابن زيد ) و( كرمني بابن زيد ) كذا لكافة الرواة ، وعند السمرقندي : ( بأبي زيد ) فيهما ، وكلاهما صحيح ؛ لأن زيدًا أبوه ، ويكنى هو : بأبي زيد . وقيل : أبو محمد . وهذا يدلُّ على فضلها ، وتواضعها رضي الله عنها . وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قال لها : ( طاعة الله وطاعة رسوله خير لك ) فكان كما قال صلى الله عليه وسلم .
( 1483 ) [1555] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا ، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا . و( قوله للمعتدَّة : ( فَجُدِّي نَخْلِك ) وإباحته لها الخروج لجدِّ نخلها ؛ دليل لمالك ، والشافعي ، وأحمد ، والليث على قولهم : إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها ، وإنما تلزم منزلها بالليل . وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة . وقال الشافعي في الرجعية : لا تخرج ليلاً ولا نهارًا ، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة . وقال أبو حنيفة : ذلك في المتوفى عنها زوجها ، وأمَّا المطلقة : فلا تخرج ليلاً ولا نهارًا . وقال الجمهور بهذا الحديث : إن الجداد بالنهار عرفًا ، وشرعًا . أما العرف : فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل . وأما الشرع : فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن جداد الليل . ولا يقال : فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل ؛ إذ قد يكون نخلها بعيدًا تحتاج إلى المبيت فيه ؛ لأنا نقول : لا يلزم ذلك من هذا الحديث ؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة ، بحيث يحتاج إلى المبيت ، وإنما هي بحيث يخرج إليها ، ويرجع منها في النهار . و( قوله : فلعلَّكِ أن تصَّدَّقي ، أو تفعلي معروفًا ) ليس تعليلاً لإباحة الخروج إليها بالاتفاق ، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها ، والحضِّ على فعل الخير ، والله تعالى أعلم .
( 13 ) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين ( 1493 ) ( 4 و5 ) [1562] عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلْتُ عَنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِي قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ فَسَمِعَ صَوْتِي فقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: ادْخُلْ فَوَاللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ في هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ نَعَمْ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ ، وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَتْ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . وفي رواية : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا . ( 13 ) ومن باب : كيفية اللِّعان ( قوله : إنَّه قائل ) : هو اسم فاعل من : قال ، يقيل ؛ إذا نام في كِنَّه وقت القائلة . و( قوله : أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان ) هو -والله أعلم : عويمر العجلاني الْمُتقدِّم الذكر . و( قوله : إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به ) ظاهر هذا : أنَّه خطابٌ من السَّائل للنبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا لم يجبه ، فأخبره بوقوع ذلك له ، ليحقق عنده : أنه مضطر إلى المسألة فيجيبه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وقد جاء في الأم من حديث ابن عباس قال : ذكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً ، ثم انصرف ، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه : أنه وجد مع امرأته رجلاً . فقال عاصم : ما ابتليت بهذا إلا لقولي . فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث . وهذا نصٌّ في أن المبتلى به عاصم من جهة : أنه امتُحن بوقوع ذلك برجل من قومه ، فعظم عليه ذلك ، وشق عليه ، حتى تكلّف سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك المسألة القبيحة ، ورأى أن ذلك كالعقوبة له ؛ لَمَّا تكلَّم في اللعان قبل وقوعه ، والله تعالى أعلم . وأما ابتلاء السَّائل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو : وجوده الرجل مع أهله ، فهو ابتلاء آخر غير ابتلاء عاصم . و( قوله : ووعظه ، وذكَّره ) هذا الوعظ ، والتذكير كان منه صلى الله عليه وسلم قبل اللَّعان . وينبغي أن يتخذ سُنة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان . ولذلك قال الطبري : إنه يجب على الإمام أن يعظ كل من يحلّفه ، وذهب الشافعي إلى أنه يعظ كل واحد بعد تمام الرابعة وقبل الخامسة ؛ تمسُّكًا منه بما في البخاري من حديث ابن عباس في لعان هلال بن أمية ؛ أنَّه صلى الله عليه وسلم وعظها عند الخامسة . و( قوله : فبدأ بالرَّجل ) إنَّما بدأ به لأنه القاذف ، فيدرأ الحدَّ عن نفسه ، ولأنه هو الذي بدأ الله تعالى به . فإذا فرغ من أيمانه تعيَّن عليها : أن تُقابل أيْمانَه بأيمانها النافية لِما أثبته عليها ، أو الحدُّ . وهذا مما أجمع عليه العلماء . و( قوله : فشهد أربع شهادات ) أي : حلف أربع أيمان . وهذا معنى قوله تعالى : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ ؛ أي : يحَلْفُ أربع أيمان . والعرب تقول : أشهد بالله ؛ أي : أحلف . وكما قال شاعرهم : فَأَشْهدُ عِنْدَ اللهِ أَنِّي أُحبُّها فهذا لَها عِنْدِي فَمَا عنْدَهَا لِيَا ؟ وهذا مذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : هي شهادات محقَّقة من المتلاعنين على أنفسهما . وانبنى على هذا الخلاف في لعان الفاسقين والعبدين . فعند الجمهور يصحُّ ، وعند أبي حنيفة لا يصحُّ . وربما اُسْتَدَل لأبي حنيفة بما رواه أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا : ( لا لعان بين مملوكين ولا كافرين ) . وبما رواه الدارقطني من هذا المعنى ، ولا يصح منها كلها شيء عند المحدِّثين . واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان . وأولى ذلك كله ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى . وهو : أن يقول الرجل : أشهد بالله لقد زنيتِ . أو : لقد رأيتُها تزني ، أو : أن هذا الحمل ليس مني ، أو : هذا الولد - أربع مرات - ثم يخمس فيقول : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم تقوم هي فتقول : أشهد بالله لقد كَذَبَ عليَّ فيما رماني به . أو : إن هذا الحمل منه ، أو : هذا الولد ولده ، ثم تُخَمِّسُ بأن تقول : غضب الله عليها إن كان من الصادقين . وقد زاد بعض علمائنا في اليمين : بالله الذي لا إله إلا هو . ومشهور مذهبنا : أنه إن لاعنها على رؤية الزنا : نصَّ على ذلك ، كما ينصُّه شهود الزنا ، فيقول كالْمِرْوَدِ في المكحلة . وكل ذلك منهما وهما قائمان . و( قوله : ثم فرَّق بينهما ) دليل لمالك ولمن قال بقوله : على أن الفرقة تقع بنفس فراغهما من التعانهما . وقد ذكرنا الخلاف في ذلك . و( قوله في حديث ابن عمر : ( أحدكما كاذب ) ظاهره أنه بعد الملاعنة ، وحينئذ يحقق الكذب عليهما جميعًا . وقال بعضهم : إنما قاله صلى الله عليه وسلم قبل اللعان تحذيرًا لهما ، ووعظًا . ورجح بعضهم الأول . و( قوله : لا سبيل لك عليها ) دليل لمالك ولمن قال بقوله في تأبيد التحريم ، فإن ظاهره النفي العام . وقد ذكر الدارقطني زيادة في حديث سهل بعد قوله : ( ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ) وقال : ( لا يجتمعان أبدًا ) . وقال أبو داود عن سهل : ( مضت سنَّة المتلاعنين : أن يفرَّق بينهما ، ثم لا يجتمعان أبدًا ) . قال مالك : وهي السُّنة التي لا اختلاف فيها عندنا .
( 8 ) باب فيمن قال : لها السكنى والنفقة ( 1480 ) ( 46 ) [1551] عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً . ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَالَ: وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا ، قَالَ عُمَرُ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ . لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، قَالَ اللَّهُ : لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ . ( 8 ) ومن باب : فيمن قال : لها السكنى والنفقة ( قول الشعبي : لم يجعل لها سكنى ، يحتمل أن يكون معنى ذلك : أنه لَمَّا لم تطالب الزوجَ بأجرة السكنى -إذ كانت قد انتقلت من البيت الذي طلقت فيه حين خافت عورة منزلها إلى بيت أم شريك ، فلم تطالبها أم شريك بأجرة ذلك ، عبَّر الراوي عن ذلك بتلك العبارة . وإنكار الأسود على الشعبي هذا الحديث : إنما كان للذي نبَّه عليه عمرُ ـ رضي الله عنه ـ بقوله : ( لا نترك كتاب الله لقول امرأة ) ومعنى ذلك : أنه لم يجز القرآن بخبر الواحد . وقد اختلف في ذلك الأصوليون . ويجوز أن يكون قد استمر العمل بالسكنى على مقتضى العموم ، فلا يقبل حينئذ خبر الواحد في نسخه اتفاقًا . و( قوله : وسنة نبينا ) قال الدارقطني : ( وسنة نبينا ) غير محفوظة ، لم يذكرها جماعة من الثقات . قال القاضي إسماعيل : الذي في كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال وبحسب الحديث . ولها السكنى ؛ لأن السكنى موجود في كتاب الله ؛ لقوله تعالى : أَسْكِنُوهُنَّ الآية . وزاد أهل الكوفة في الحديث عن عمر : ( والنفقة ) . قلت : ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة : أن الثابت عن عمر ـ رضي الله عنه ـ قوله : ( لها السكنى ) لا غير . ولم يثبتوا قوله : ( والنفقة ) . وليس بمعروف عند أهل المدينة . ولذلك قال مالك : إنه سمع ابن شهاب يقول : المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل ، وليس لها نفقة إلا أن تكون حاملاً . قال مالك : وهذا الأمر عندنا . وإلى هذا أشار مروان بقوله : سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها ؛ أي : بالأمر الذي اعتصم الناس به ، وعملوا عليه ؛ يعني بذلك : أنها لا تخرج من بيتها ، ولا نفقة لها .
( 1497 ) [1565] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا . فَقَالَ عَاصِمٌ مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعَرِ ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ . وفي رواية : بَعْدَ قَوْلِهِ كَثِيرَ اللَّحْمِ : جَعْدًا قَطَطًا . وضد ذلك : الخدْل . وهو : امتلاء الساقين . يقال : رجل أخدل ، وامرأة خدلاء . وهو بالدال المهملة . وهو الخدلَّج أيضًا . و( الآدم ) : من الأدمة ، وهي : شدَّة السُّمْرة . يقال : رجل آدم . وامرأة أدماء : كأحمر ، وحمراء . ويجمع آدم : أُدُمٌ ، كحُمُر . وقد جاء في هذا الحديث في كتاب أبي داود ألفاظ فسَّرها الخطابي فقال : ( الأُرَيْصِحُ : تصغير الأرصح . وهو : الخفيف الأليتين . قال الأصمعي : وهو أيضًا : الأرصع - بالعين و( الأَثيبج ) : تصغير : أثبج . والثَّبج : نتوءٌ في السُّرة . والثبج أيضًا : ما بين الكاهل ووسط الظهر . و( الجمالي ) : العظيم الخلْق . شَبَّه خَلْقه بِخَلْق الجمل . ويقال من ذلك : امرأة جمالية . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم بيِّن ) ظاهره أنه دعاء في أن يبيّن له مِمَّن الولد ؟ فأجيب بأنه للذي رُمي به . وتبيَّن له ذلك : بأن الله تعالى خلقه يشبه الذي رُميت به ، وعلى الصِّفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم . ولذلك نسق قوله : ( فوضعت ) على الكلام المتقدم بـ( الفاء ) . وقيل معناه : اللهم بين الحكم في هذه الواقعة ، كما جاء في الرواية الأخرى : ( اللهم افتح ) أي : احكم ، ومنه قوله تعالى : ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ؛ أي : يحكم . و( قوله : تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء ) أي : تظهر عليها قرائن تدل على أنها بغي ، تتعاطى الفاحشة ، لكن لم يثبت عليها سبب شرعي يتعلق عليها به الرجم ، لا إقرار ، ولا حمل ، ولا بينة . فلم يقم عليها حد لتلك الأسباب المحصورة . و( قوله : أبصروها ، فإن جاءت به - وذكر النعوت المتقدمة - فهو لهلال ، وإن جاءت به - على النعوت الأخرى- فهو لشريك ) يدلُّ على أن هذا كان منه تفرسًا وحدسًا ، لا وَحْيًا . ولو كان وَحْيًا لكان معلومًا عنده . وفيه ما يدلُّ على إلغاء حكم الشبه في الحرائر ، كما هو مذهب مالك على ما قدمناه في القافة . وقوله في كتاب أبي داود لما جاءت على النعت المكروه : ( لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ) . وفي " البخاري " : ( لولا ما مضى من كتاب الله ) يُفهم من ذلك : أن الحكم إذا وقع على شروطه لا ينقض ، وإن تبيَّن خلافه . هذا إن لم يقع خلل ، أو تفريط في شيء من أسبابه . فأمَّا لو فرط الحاكم فغلط ، وتبيَّن تفريطه ، وغلطه بوجهٍ واضح نقض حكمه . وهذا مذهب الجمهور . وفيه : أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة ، والتحلية بها للتعريف ليس بغيبة .
( 1499 ) [1567] وعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ومِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ . و( قوله : لا شخص أغير من الله ) أصل وضع الشخص لِجُرم الإنسان وجسمه . يقال : شخص الإنسان ، وجثمانه ، وطلله ، وآله . كلها بمعنى واحد على ما نقل أهل اللغة . وشخص الشيء ، يشخص : إذا ظهر شخصه . وهذا المعنى على الله تعالى محالٌ بالعقل والنقل على ما قدَّمناه في غير موضع ، فتعيَّن تأويله هنا . وقد قيل فيه : لا مرتفع ؛ لأن الشخص : ما شخص وظهر وارتفع ، وفيه بُعْدٌ . وقيل فيه : ( لا شيء ) . وهذا أشبه من الأول ، وأوضح منه ؛ أي : لا موجود ، أو : لا أحد . وهو أحسنها . وقد جاء في رواية أخرى : ( لا أحد ) منصوصًا . وأطلق الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئًا من الموجودات ؛ لئلا يقع في النفي والتعطيل ، كما قال في حديث الجارية ، لما قالت : في السماء . فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في النفي ؛ لقصور فهمها عمّا ينبغي له تعالى من حقائق الصفات . وعمَّا يُنَزَّه عنه مما يقتضي التشبيهات . والله تعالى أعلم . و( قوله : ولا شخص أحبُّ إليه العذر من الله ) . أحب : مرفوعٌ على أنَّه خبر المبتدأ الذي هو : العذر ، على التقديم والتأخير . وخبر التنزيه محذوف ؛ أي : لا أحد موجودٌ العذر أحبّ إليه من الله . ويمكن فيه إعراب آخر . وهذا أوضح . و( قوله : من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين ) ذلك إشارة إلى العذر . ومعناه : الإعذار للمكلفين . قال بعض أهل المعاني : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا أحد أغير من الله ، ولا أحد أحبَّ إليه العذر من الله ) منبِّها لسعدٍ ، ورادعًا له عن الإقدام على قتل من وَجَدَه مع امرأته . فكأنه قال : إذا كان الله مع شدّة غيرته يُحبُّ الإعذار ، ولم يؤاخذ أحدًا إلا بعد إنهاء الإعذار ، فكيف تقدم على قتل من وجدته على تلك الحال ؟! والله تعالى أعلم . و( المدحة ) : المدح . وهو : الثناء بذكر أوصاف الكمال ، والإفضال ، فإذا أدخلت الهاء كسرت الميم . وإن أسقطتها فتحتها . و( قوله : من أجل ذلك وعد الله الجنة ) أي : من سبب حُبِّه للمدح وَعَدَ عليه بالجنَّة . وذِكْرُه المدح مقرونًا مع ذكر الغيرة والإعذار : تنبيهٌ لسعدٍ على ألا يعمل غيرته ، ولا يعجل بمقتضاها ، بل يتأنى ، ويترفق ، ويتثبت ؛ حتى يحصل على وجه الصواب من ذلك ، وعلى كمال الثناء والمدح بالتأني ، والرفق ، والصبر ، وإيثار الحق ، وقمع النفس عند هيجانها ، وغلبتها عند منازلتها . وهذا نحو من قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) والله تعالى أعلم . و( قول الملاعن : مالي ) يعني : أنَّه طلب المهر الذي كان أمهرها . و( قوله صلى الله عليه وسلم له : ( إن كنت صادقًا فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كاذبًا كان ذلك أبعد منها ) يعني : أنَّه لها ، على حالتي : صدقه ، أو كذبه ؛ لأنه قد كان دخل بها . وهو واجب لها عليه بعد الدخول بالإجماع . وأما لو تلاعنا قبل الدخول بها ، فقال فقهاء الأمصار : إنها كغيرها ، لها نصف الصداق . وقال الزهري : لا صداق لها جملة واحدة ؛ لأنه فسخ . وحكاه البغداديون عن المذهب . والمشهور : أن عليه النصف مع أن اللعان فسخ بغير طلاق . وحينئذ يشكل إلزام نصف الصداق . واعتذر عنه بعض أصحابنا بأن قال : إنما قسم الصداق بينهما لتعارض أيمانهما كمتداعيين شيئًا تعارضت فيه دعاويهما وبيناتهما ولا مرجح ، فإنه يقسم بينهما . وهذا ليس بشيء ؛ لأنهما لم يتنازعا في الدخول ، بل قد فرضناهما متصادقين على عدمه . وقال بعضهم : إنما قسم بينهما مراعاة للخلاف في اللعان . هل هو فسخ أو طلاق ؟ وقال الحكم ، وحماد ، وأبو الزناد : لها الصداق كله ؛ إذ ليس بطلاق .
( 1496 ) [1564] وعَنْ أَنَسَ أنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ، وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ: فَلَاعَنَهَا ، فَقَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْصِرُوهَا ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ . و( قوله في هلال بن أمية : ( إنه كان أول من لاعن في الإسلام ) هذا يقتضي : أن آية اللعان نزلت بسبب هلال بن أمية ، وكذلك ذكره البخاري . وهو مخالف لما تقدَّم : أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني . وهذا يحتمل : أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان فنزلت بسببهما معًا . ويحتمل : أن تكون الآية أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرَّتين ؛ أي : كرر نزولها عليه ، كما قال بعض العلماء في سورة الفاتحة : إنها نزلت بمكة ، وتكرَّر نزولها بالمدينة . وهذه الاحتمالات وإن بَعُدت ؛ فهي أولى من أن يُطَرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفَّاظ . وقد أنكر أبو عبد الله أخو المهلب في هذه الأحاديث هلال بن أمية ، وقال : هو خطأ ، والصحيح : أنه عويمر . ونحوًا منه قاله الطبري . وقال : إنما هو عويمر ، وهو الذي قذفها بشريك بن سحماء ، والله تعالى أعلم . وظاهر هذا الحديث : أن هلالاً لَمَّا صرَّح بذكر شريك : أنَّه قذفه . ومع ذلك فلم يحدّه النبي صلى الله عليه وسلم له . وبهذا قال الشافعي : إنه لا حدَّ على الرَّامي لزوجته إذا سَمَّى الذي رماها به ثم التعن ورأى أنه التعن لهما . وعند مالك : أنَّه يحدّ ، ولا يكتفى بالتعانه ؛ لأنه إنما التعن للمرأة ، ولم تكن له ضرورة إلى ذِكْره ، بخلاف المرأة . فهو إذًا قاذف فيحدُّ . واعتذر بعض أصحابنا عن حديث شريك : بأن يقال : بأنه كان يهوديًّا . وأيضًا : فلم يطلب شريك بشيء من ذلك . وهو حقه ، فلا متعلق في الحديث . قال القاضي عياض : لا يصحُّ قول من قال : إن شريكًا كان يهوديًّا . وهو باطل . وهو : شريك بن عبدة بن مغيث ، وهو بلوي حليف الأنصار ، وهو أخو البراء بن مالك لأمِّه . والسَّبط الشعر : هو المسترسِلُه ، المنبَسِطُه . يقال : شعرٌ سبطٌ بكسر الباء وفتحها ، لغتان و: سَبِطَ شعره ، يَسْبَط : إذا صار كذلك ، وهو ضد الجعودة . و( قضيء العينين ) : فاسدهما . قال ابن دريد في "الجمهرة" : قَضِئَتْ عين الرَّجل : إذا احمرَّت ، ودمعت . وقضئت القربة ، تقضأ قَضْأَ ، فهي قضيئة ، على وزن فعيلة : إذا عَفِنَت ، وتهافتت . و( الجعد ) في هذا هو : المتكسر ، على ضد السُّبوطة المتقدمة . وفي رواية أخرى : ( إن جاءت به جعدًا قططًا ) أي : شديد الجعودة . و( أحمش الساقين ) : دقيقهما . ويقال للمرأة : حمشاء السَّاقين . قاله الهروي ، وغيره .
( 14 ) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام ( 1494 ) ( 8 ) [1563] عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ . ( 14 ) ومن باب : ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام قد تقدَّم : أنَّه يتبعه الفراق المؤبَّد . و( قوله : وألحق الولد بأمه ) أي : إنما يدعى وينسب لأمه ، ولقومها ، أو لمواليها - إن كانت مولاة - ويرثها وترث هي منه فرضها في كتاب الله تعالى . ويرثه إخوته لأمه ميراث الإخوة للأم . وتَوْأَمَا الملاعنة يتوارثان توارث الأشقاء ؛ لاستوائهما في النفي باللعان . وما بقي من ميراث ولد الملاعنة بعد أصحاب السِّهام فلموالي أمه ؛ إن كانت مولاةً ، أو لجماعة المسلمين ؛ إن كانت عربيةً ، هذا قول مالك ، والزهري ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال الحكم ، وحماد : يرثه ورثة أمه . وقال آخرون : عصبته عصبة أمه . وبه قال أحمد بن حنبل . وروي عن علي ، وابن مسعود ، وعطاء ، وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ . وقالت طائفة : أمه عصبته ، فما بقي عن أهل السِّهام فلها . وقال أبو حنيفة : يرد ما فضل على ورثته إن كانوا ذوي أرحام . وهذا على أصله في الردّ .
( 1498 ) ( 16 ) [1566] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي . و( قوله : اسمعوا إلى ما يقول سيدكم ) قال ابن الأنباري : السيد : الذي يفوق قومه في الفخر . قلت : وذلك لا يكون حتى يجتمع له من خصال الشرف ، والفضائل ، والكمال ما يُبرز بها عليهم ، ويتقدَّمهم بسببها . كما قال : فَإِنْ كُنتَ سيَّدَنَا سُدْتَنَا وإِنْ كُنتَ للْخَالِ فَاذهب فَخُلْ و( قوله : لضربته بالسَّيف ضربًا غير مُصْفحٍ ) أي : غير ضارب بصفحه . وصفحَتا السيف : وجهاه ، وغِراراه : حدَّاه . و( قوله : إنَّه لغيور ، وأنا أغير منه ، والله أغير منِّي ) الغيرة في حقِّنا : هيجان ، وانزعاج يجده الإنسان من نفسه يحمل على صيانة الحرم ، ومنعهم من الفواحش ومقدماتها . والله تعالى مُنَزَّهٌ عن مثل ذلك الهيجان ، فإنه تَغير يدلُّ على الحدوث . فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله تعالى فإنما معناه : أنه تعالى منع من الإقدام على الفواحش ، بما توعَّد عليها من العقاب ، والزجر ، والذَّمِّ ، وبما نصب عليها من الحدود . وقد دلَّ على صحَّة هذا قوله في حديث آخر : ( وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرَّمه الله عليه ) .
( 7 ) باب فيمن قال : إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى ( 1480 ) ( 36 و 37 و 38 ) [1550] عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ . فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ولا يراك ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا أَبُو الجَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُ ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ ، فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا ، وَاغْتَبَطْتُ . وفي رواية : فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى . وفي أخرى : أنه طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وأخبر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقيلُ : فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ . ( 7 ) ومن باب : فيمن قال : إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى ( قوله : عن فاطمة بنت قيس : أن أبا عمرو بن حفص ) هكذا رواية أكثر الأئمة الحفَّاظ : مالك وغيره . وقد قلبه شيبان ، وأبان العطَّار ، عن يحيى بن أبي كثير ؛ فقال : إن أبا حفص بن عمرو . والمحفوظ الأوَّل . واسمه : أحمد ؛ على ما ذكره الداوديُّ عن النسائي . قال القاضي : والأشهر : عبد الحميد . وقيل : اسمه كنيته ، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه . و( قوله : طلقها البتة ) هذا هو الصحيح : أنه طلقها عند جميع الحفاظ . وسيأتي في حديث الجسَّاسة لفظٌ يوهم : أنه مات عنها . وله تأويل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ، ويعني بالبتة : آخر الثلاث تطليقات ، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى . لا أنه أوقع عليها لفظ البتة ، وإنما سَمَّى آخر الثلاث : البتة ؛ لأنها طلقة تَبُتُّ العصمة ، ولا تُبْقي منها شيئًا . ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عَبَّر عنها بعض الرواة بالثلاث . والرواية المفصَّلة قاضيةٌ على غيرها ، وهي الصحيحة . و( قوله : فأرسل إليها وكيله بشعير ، فسخطته ) كان صوابه أن يقول : وَكِيلَيْه ؛ لأنهما الحارث بن هشام ، وعياش بن ربيعة ؛ كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى . وفيه دليل على العمل بالوكالة ، وشهرتها عندهم . وكأنَّ إرساله بهذا الشعير كان منه متعة ، فحسبته هي نفقةً واجبةً عليه ، ولذلك سخطته ، ورأت : أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب . فحين تحقَّق الوكيلان منها ذلك ؛ أخبراها بالحكم ، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : ( لا نفقة لك ) على ما رواه مالك ، وأكثر الرواة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن فاطمة ، وعلى ما رواه الزهري ، عن عبيد الله بن عتبة . ولم يذكروا فيها قوله : ( ولا سكنى ) على أنها رواية مرسلة على ما قاله أبو مسعود . ولم يرو مالك ، ولا أكثر الأئمة هذه اللفظة في السكنى ، وإنما هي من رواية أبي حازم عن أبي سلمة . ومن رواية الشعبي عن فاطمة . وهي التي أنكرها عليه الأسود . ولأجل اختلاف هذه الطرق ، واختلافهم في تأويل قوله تعالى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ؛ اختلفوا في المطلقة البائن ، فقال بعضهم : لها السُّكنى ، والنفقة . وهو قول عمر ـ رضي الله عنه ـ وأبي حنيفة - رحمه الله - ولم يُعَرّجا على حديث فاطمة هذا . ولذلك قال عمر رضي الله عنه : ( لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة ) يعني بذلك : قوله تعالى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ؛ ولأنها محبوسة بسبب المطلق ، فنفقتها عليه ، وكذلك سُكْناها . وقال آخرون : لا سُكْنى لها ، ولا نفقة . وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وأحمد متمسِّكين بانقطاع أسباب الزوجية بينهما ، ولقوله : ( لا سكنى لك ولا نفقة ) . وقال آخرون : لها السكنى ولا نفقة . وهو مذهب مالك متمسكًا في إسقاط النفقة بما رواه من قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا نفقة لك ) . وفي إثبات السكنى بقوله تعالى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ الآية . وأمَّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في وجوب النفقة والسكنى لها . وأما المتوفى عنها زوجها ، فلا خلاف في أنها لا تجب لها نفقة ؛ لأن ماله قد انتقل لورثته . واختلفوا في السكنى ، فقال مالك : لا سكنى لها ، إلا أن تكون رقبة الدار ، ومنفعتها ملكًا للميت ، فهي أحقّ بالسكنى طول عدَّتها من ورثته . وقال أبو حنيفة وغيره : لا سكنى لها جملة بغير تفصيل . وعن مالك قولةٌ شاذةٌ نحو هذا . وإليها أشار القاضي أبو الحسن بن القصار ، وقال : هو القياس كالنفقة . و( قولها : فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك ) لا خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلقها زوجُها يجب عليها العدّة ، ثم هي - أعني : العدَّة - منقسمة بحسب أحوالهنَّ : فالحامل عدَّتُها وضْعُ حملها . والحائل إن كانت حرَّة : ثلاثة أقراء . وإن لم تكن من ذوات الأقراء : فثلاثة أشهر . وأمَّا الأمة : فقرءان ، أو شهران ، ويجري الفسخ بغير طلاق مجرى الطلاق . وأمَّا المتوفَّى عنها زوجها : فالحرَّة تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا . والأمة : شهران وخمس ليال عندنا ، وسيأتي بعض ذلك . وتفصيله في كتب الفقه . وأمُّ شريك اسمها : غَزِيَّة . وقيل : غُزَيْلة . وهي قرشية عامريّة . وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل فيها : إنها أنصارية ، على ما ذكره مسلم في حديث الجسَّاسة ، وسيأتي . وكانت كثيرة المعروف ، والنفقة في سبيل الله تعالى ، والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم . ولذلك قال : ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ـ رضي الله عنها ـ ) . وإنما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه ؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها . وفيه دليل : على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر . وهذا أولى من قول من قال : إنها كانت لَسِنَةً تُؤْذي زوجَها وأحماءهَا بلسانها ؛ فإن هذه الصِّفَة لا تليق بمن اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم لِحبِّه ابن حِبِّه . وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدَّتُها ، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرْغَبَ فيها ، ولا يُحْرَصَ عليها . أيضًا : فلم يثبت بذلك نقل مُسْنَدٌ صحيحٌ . وإنما الذي تمسَّك به في ذلك قول عائشة : ما لفاطمة خير أن تذكر هذا . وقول عمر : ( لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت ) . وقول بعضهم : تلك امرأة فتنت الناس . وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك . ويا للعجب! كيف يجترئ ذو دِينٍ أن يُقْدِمَ على غيبة مثل هذه الصحابية ؛ التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لِحِبِّه ابن حِبِّه ، لسبب خبر لم يَثْبُت . وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى : وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ إنها نزلت في فاطمة ؛ لأنها كانت فيها بذاذة لسان ، وأذى للأحماء . وهذا لم يثبت فيه نقل ، ولا يدلُّ عليه نظرٌ . فَذِكْرُ ذلك عنها ، ونسْبَتُه إليها غيبة ، أو بهتان . وأحسن ما قيل في التفسير ؛ قول ابن عمر رضي الله عنهما : إن الفاحشة : الزنا . فيخرجن لإقامة الحد عليهنَّ ؛ وتعليله منع اعتدادها في بيت أمِّ شريك بدخول أصحابه ؛ دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشقُّ عليها فيه التحرُّز من أن يُطَّلع منها على ما لا يجوز . و( قوله : اعتدِّي عند ابن أم مكتوم ) وفي رواية في الأم : ( عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم ) وكذلك جاء في آخر الكتاب . وزاد : ( رجل من بني فهر ، من البطن الذي هي منه . والمعروف خلاف هذا ، وليسا من بطن واحد . هي من بني محارب بن فهر . وهو من بني عامر بن لؤي . واختلفوا في اسم ابن أمّ مكتوم . فقيل : عمرو ، كما ذكر . وقيل : عبد الله . وكذا ذكره في الموطأ ، وفي آخر الكتاب . والخلاف في ذلك كثير ، قاله القاضي أبو الفضل عياض . و( قوله : فإنَّه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ) فيه دليل : على أن المرأة يجوز أن لها أن تطَّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة ، كالرأس ، ومعلق القرط ، ونحو ذلك . فأمَّا العورة فلا . ولكنَّ هذا يعارضه ما ذكره الترمذي من قول النبي صلى الله عليه وسلم لميمونة وأم سلمة - وقد دخل عليهما ابن أمّ مكتوم - فقال : ( احتجبا منه ) فقالتا : إنه أعمى!! قال : ( أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه ؟! ) . والجواب من وجهين : أحدهما : أن هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهانُ مولاها . وهو ممن لا يحتج بحديثه . وثانيهما : - على تقدير صحته - فذلك تغليظٌ منه صلى الله عليه وسلم على أزواجه لحرمتهنَّ ، كما غلَّظ عليهن أمر الحجاب . ولهذا أشار أبو داود ، وغيره من الأئمة . و( قوله : فإذا حللت فآذنيني ) أي : إذا انقضت عِدَّتُك . و( آذنيني ) : أعلميني . وفي لفظ آخر : ( فلا تبدئيني بنفسك ) وكل ذلك بمعنى واحدٍ ؛ أي : لا تزوِّجي نَفْسَكِ حتى تعرِّفيني . وفيه التَّعْرِيض في العدَّة . و( قولها : فلمَّا حللتُ ذكرتُ له : أن معاوية ، وأبا جهم خطباني ) فيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير ، لكن ما لم يقع التراكن ؛ على ما قدمناه . و( قوله : أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ) المعروف : أبو جهم على التكبير ، وقد صغَّره بعضهم ، وهو : أبو جهم بن حذيفة القرشي ، العدوي . وهو صاحب الأَنْبِجَانية . وقد غلط فيه يحيى بن يحيى الأندلسي فقال : أبو جهم بن هشام ، ولا يعرف في الصحابة من اسمه : أبو جهم بن هشام ولم يوافقه أحد من رواة الموطأ على ذلك . واختلف في معنى قوله : ( لا يضع عصاه عن عاتقه ) فقيل : معناه : أنه ضرَّاب للنساء ، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى . وفي أخرى : ( فيه شدَّة على النساء ) . وقيل : المراد به : أنَّه كثير الأسفار . وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك . غير أن التأويل الأول أحسن وأصحّ . وفيه ما يدل : على جواز تأديب النساء بالضرب ، لكن غير المبرح . ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز . وهو الامتناع من الزوج . قال بعضهم : واختلف في ضربهنَّ على خدمة بيوتهن . وهذا إنما يتمشَّى على قول من أوجب ذلك عليهنَّ . ولا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجلد أحدكم زوجته جلد العبد ثم يضاجعها ) لأن هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز . وهو الشديد المفرط . ولا خلاف في منع مثله . و( قوله : وأما معاوية : فصعلوك لا مال له ) هذا تفسير للرواية التي وقع فيها : تِرَبٌ . وقد تقدم : أنه يقال : ترب الرجل : إذا افتقر . وأترب : إذا استغنى . وفيه ما يدلُّ على أن ذكر مساوئ الخاطب ، أو من يعامل ، أو من يحتاج إلى قبول قوله ، أو فتياه جائز . ولا يعدُّ ذلك غيبة ، ولا بهتانًا ؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه ، لكن على جهة التعريف ، وأداء النصيحة ، وأداء الأمانة ، كما فعله أهل الحديث وغيرهم . و( قوله : ولكن انكحي أسامة ) فيه ما يدل على جواز نكاح المولى للقرشية ؛ فإن أسامة مولى ، وفاطمة قرشية ، كما تقدم . وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين ، لا النسب ، كما هو مذهب مالك . وقد روى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمِّه قالت : رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال . و( قولها : ( فنكحته ، فجعل الله في ذلك خيرًا واغتبطت ) كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقّف ، وما يدلّ على كراهتها لذلك ، كما جاء في روايةٍ في الأم : فقالت بيدها - هكذا - أسامة ، أسامة ! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( طاعة الله وطاعة رسوله خير لك ) . قالت : فتزوجته فاغتبطت .
( 6 ) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة ( 1479 ) ( 30 و31 و34 و35 ) [1549] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ . قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ . قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ نساءنا ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ . فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ . قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي ، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي . فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ ، فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ . فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ . فقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ ، وَخَسِرَ أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ ؟ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكِ ( يُرِيدُ عَائِشَةَ ) قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا ، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَكُنَّا نَحَدَّثُ : أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا ، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي فَضَرَبَ بَابِي ، ثُمَّ نَادَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ: مَاذَا ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا . بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ ؛ طَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ . فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ - وقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أن هَذَا كَائِن - حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي ، ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي . فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي هَا هُوَ ذَا يعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ فَأَتَيْتُ غُلَامًا أَسْوَدَ . وفي رواية : فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى فَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَنْحَدِرُ . فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لعمر فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ . ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَكَ . فَدَخَلْتُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ . فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: لَا . فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكِ ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى ، فَقُلْتُ: آَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَجَلَسْتُ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهَبًا ثَلَاثَةً . فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، فَاسْتَوَى جَالِسًا ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتهم الدُّنْيَا . وفي رواية : فقال : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُم الدُّنْيَا ، وَلَنَا الْآخِرَةُ . ولم يذكر : أولئك قوم . فقلت : اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَلَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ . قالت عَائِشَةَ : لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِي . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا ، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَلَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ أَجْرًا عَظِيمًا قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ . قَالَتْ : فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . قَالَتْ عَائِشَةَ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا ، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا . قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا : مَالَتْ . ( 6 ) ومن باب : إيلاء الرَّجل من نسائه الإيلاء في اللغة هو : الحلف . يقال : آلى ، يُؤلي إيلاءً ؛ أي : حلف . ويقال : تألَّى ، تألِّيًا . و: ائتلى ، يأتلي ، ائتلاءً . وهو في الشرع : الحلف على الامتناع من وطء الزوجة بيمين يلزم بها حكم أكثر من أربعة أشهرٍ بمدَّة مؤثِّرة . وتفصيلُ ذلك في كتب الفقه . و( قول عمر : واعجبا لك يا بن عباس ! ) فهم الزهري من هذا التعجب الإنكار لما سأله عنه ، وفيه بُعْدٌ . ويمكن أن يقال : إنَّ تعجبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثل هذا على مثل ابن عباس مع مداخلته لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وشُهرة هذه القصة ، وشدّة حرصه هو على سماع الأحاديث ، وكثرة حفظه ، وغزارة علمه ، ولما كان في نفس عمر من ابن عباس ، فإنه كان يُعظِّمه ، ويقدِّمُهُ على كثير من مشايخ الصحابة ، كما اتفق له معه ؛ إذ سأله عن قوله تعالى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ والقصة مشهورة . و( قوله : فلا يغرَّنك أن كانت جارتُكِ هي أوسمُ وأحب ) أراد بالجارة : الضَّرَّة ، وكنَّى بها عنها مراعاةً للأدب ، واجتنابًا للفظِ الضرر أن يُضاف لمثل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن ، ويعني بذلك عائشة رضي الله عنها ، والله تعالى أعلم . و( أوسم ) : أجمل ، والوسيم : الجميل ، فكأنًّ الْحُسْنَ وَسَمَه ؛ أي : علَّمه بعلامة يُعرف بها . و( المشربة ) : الغرفة . يقال بضم الراء وفتحها ، لغتان . و( أُسكُفة المشربة )- بضم الهمزة والكاف : عتبة الباب السفلى . و( الفقير )- بتقديم الفاء - فسَّره في الحديث بجذع يُرقى عليه ، وهو الذي جُعِلَت فيه فِقَرٌ كالدرج يُصْعَدُ عليها . أُخذ من فقار الظهر . وفي الأم : ( يرتقي إليها بعجلة ) . كذا صحيح الرواية . و( العجلة ) : درج من النخل ، قاله القتبي . وفي الأم : قالت عائشة لعمر : ما لي ولك يا بن الخطاب ! عليك بعيبتك ؛ أي : بخاصتك ، وموضع سرِّك ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( الأنصار كرشي ، وعيبتي ) . قال ابن الأنباري : معنى كرشي : أصحابي ، وجماعتي الذين أعتمدهم . وأصل الكرش في اللغة : الجماعة . وقال غيره : ومعنى عيبتي : خاصتي ، وموضع سرِّي . وأصل العيبة : الوعاء الذي يُجعل فيه الشيء النفيس الرفيع . وتعني بذلك : ابنته حفصة . و( رباح ) هذا هو بباء بواحدة من تحتها . و( رمل الحصير ) : نَسْجُه . وقال ابن القوطية : رملت الحصير رملاً ، وأرملتُه : نَسَجْتُهُ . و( متكئ ) : قال القاضي عياض : أي متمكِّنًا في قعوده كالمتربِّع ونحوه . قلت : وهذه غفلة منه عن قوله : قد أثر في جنبه . والذي ينبغي أن يقال : إن الاتكاء هو : التمكُّن ، والتثبُّت . فيكون ميلاً على جنب ، ويكون ترَبُّعًا ؛ إذ كل واحدٍ منهما متمكِّنٌ ومتثبِّتٌ . ويعني به هاهنا : التمكّن على أحد جنبيه على كل حال . و( قوله : طفق ) معناه : جعل وأخذ ، و( تَغَضَّبْتُ ) : استعملتُ الغضب ؛ أي : أسبابه . و( تبسَّم ) أي : بدأ يضحك . وفي الأم : ( كشر ) في رواية . قال ابن السكيت : كَشَرَ ، وتبسَّم ، وابتسم ، وافترَّ كلها بمعنى واحد . فإن زاد قيل : قهقه ، وزمدق ، وكركر . فإن أفرط ؛ قيل : استغرب ضحكًا . وقال صاحب الأفعال : كَشَرَ : أبدى أسنانه تبسُّمًا ، أو غضبًا . و( قوله : فقلت : آستأنس يا رسول الله ؟ قال : نعم ) هو على الاستفهام ، فيكون بهمزتين : همزة الاستفهام دخلت على همزة المتكلم . فإن شئت حققتهما ، وإن شئت حققت الأولى وسَهَّلت الثانية ، ومعناه : آنبسط في الحديث انبساط المتأنس ؟ الذي لا يخاف عتبًا ، ولا لومًا . استأذنه في ذلك . ومنه قوله تعالى : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ و( الأهب ) : جمع إهاب . وهو : الجلد غير مدبوغ . ويقال له أيضًا : أَفِيقٌ . فإذا جعل في الدِّباغ سُمِّي : منيئة . فإذا دبغ ، فهو : أديم . ورُوي : ( أُهُبٌ ) - بضم الهاء - : جمع إهاب ؛ كحمار ، وحُمُر . ويروى بفتح الهاء والهمزة ، كأنَّه جمع : أَهَبَة وأهب ؛ كثمرة وثمر ، وشجرة وشجر . و( قوله : حين استوى جالسًا : ( أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ ! ) إنكار منه على عمر لما وقع له من الالتفات إلى الدنيا ، ومدِّ عينيه إليها . وقد بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب والردع بقوله : ( أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم ) وبقوله : ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) . وفيه حجة على تفضيل الفقر . و( قوله : وكان أقسم : ألا يدخل عليهن شهرًا من أجل موجدته عليهن ) هذا يدلُّ : على أن الْمُؤلِي لا يُلْزم إيقافه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر ، كما قال الله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فإن حلف على زيادة عليها لزم إيقافه ، فإما حنَّثَ نَفْسَهُ ووطِئ ، وإما طلق ؛ هذا مذهب جمهور الصحابة ، والتابعين وأئمة الفتيا . ولم يعتبر مالك الزيادة القليلة مثل الأيام اليسيرة ، ورأى : أن لها حكم الأربعة الأشهر . واعتبرها غيره ؛ لأنها زيادة على ما حدَّده الله تعالى . ولو اقتصر عندهم على الأربعة الأشهر لم يكن موليًا . وذهب الكوفيون : إلى أنه مول . وشذ ابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، والحسن في آخرين معهم فقالوا : إن حلف على ألا يجامعها يومًا ، أو أقل ، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مول . وروي عن ابن عمر عكس هذا : أن كل من وقَّت ليمينه وقتًا ، وضرب مدَّةً - وإن طالت - فليس بمولٍ ، وإنما المولي من حلف على الأبد . وسبب خلافهم اختلافُهم في فهم الآية . وحجة الجمهور منها واضحة . ولا خلاف بينهم أنَّه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة الأشهر ، وأنه لو أحنث نفسه قبل تمامها سقط الإيلاء عنه . ثم اختلفوا : هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق ؟ وهو قول الكوفيين ، ويقدرون الآية ؛ فإن فاءوا فيهنَّ ، أو حتى يوقف الزوج ، فإمَّا فَاءَ ، وإمَّا طلق ، أو طلق عليه السلطان ؟ وهو قول الجماهير ، وهو ظاهر قوله تعالى : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ولو وقع الطلاق بمضيِّ الْمُدَّة ؛ لما كان لعزمهم على الطلاق بعدها معنى . ومشهور مذهب مالك كقول الجماهير . وحُكي عنه مثل قول الكوفيين . وقال أشهب : إن قال : أنا أفيء ، أمهل حتى تنقضي عدتها . فإن لم يفِئ بانتْ منه ، ولا خلاف بين الجماهير : أن الطلاق فيه رجعيُّ ، غير أن مالكا يقول : رجعته موقوفة على الوطء . واختلف الكوفيون في ذلك الطلاق : هل هو بائن أو رجعيٌّ ؟ ثم ظاهر قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ؛ العموم في كل مول على أكثر من أربعة أشهر ، فسواء كان إيلاؤه على وجه الغضب ، أو الرضا ، أو لمصلحة ، أو غيرها . لكن اختلفوا في هذه المسائل . فذهب مالك ، والأوزاعي : إلى أنَّه إذا أدَّى إلى مصلحة الولد أنَّه لا يكون مُوليًا ، ولا يوقف ، وهو قياس قولهم في شبه هذا مما لا يقصد به الضرر . فأمَّا لو قصد الضرر بحلفه : فلا يختلفون في أنَّه موجب لحكم الإيلاء ، وهو المفهوم من قوله : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ فإنَّ المغفرة مشعرة بالذنب ، وذلك يكون بإضراره بها أو بقصده إلى ذلك . وروي عن عليٍّ ، وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ : أنه إنما يكون مُوليًا إذا حلف على وجه الغضب ، وأمَّا على وجه الرِّضا : فلا . و( قوله : إن الشهر تسع وعشرون ) ظاهره : أنَّه دخل في أول ذلك الشهر ، وأنه كان تسعًا وعشرين ، لكن قول عائشة رضي الله عنها : أعدُّهن ؛ يدلُّ على أنَّه أراد به العدد . وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الصيام .
( 4 ) باب في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ( 1474 ) ( 20 ) [1544] عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا قَالَتْ: فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا ، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ . فَقَالَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ . فَنَزَلَ : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ تَتُوبَا إلى الله ( لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ( لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا ) . ( 4 ) ومن باب : في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ( المغافير ) : جمع مُغْفُور ، وهو : صمغ حلو له رائحة كريهة ؛ يخرجه شجر العُرْفُط ، وهو بالحجاز . و( العُرْفُط ) : من شجر العِضَاه ، وهو : كل شجر له شوك . وقيل : تشبه رائحته رائحة النبيذ . وقيل : إذا رعته الإبل خبثت رائحة ألبانها حتى يتأذى بها الناس . و( جرستْ ) : أكلتْ . يقال : جَرَستِ النحل ، تَجُرسُ جَرْسًا : إذا أكلت لِتَعسِّل . ويقال للنحل : جوارس ؛ أي : أواكل . و( العكة ) : أصغر من القِرْبَة . وقول سودة : ( لقد كدت أبادئه فرقًا منك ) -بالباء بواحدة- ؛ أي : أبتدئه بالكلام خوفًا من لومك . وفي رواية ابن الحذَّاء : ( أناديه ) من النداء . وليس بشيء . و( قولها : كان يُحبُّ الحلواء والعسل ) ( الحلواء ) : هي الشيء الْمُسْتَحْلَى ، وهو دليل على استعمال مباحات لذائذ الأطعمة ، والميل إليها ، خلافًا لما يذهب إليه أهلُ التَّعمق والغلوِّ في الدين . و( قوله : بل شربت عسلاً عند زينب ، ولن أعود له ) زاد البخاري هنا : ( وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا ) وذلك لئلا يبلغ الأخرى الخبر ، وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه ، فيتغير قلبها . وقيل : كان ذلك في قصة مارية ، واستكتامه صلى الله عليه وسلم حفصة : ألا تخبري بذلك عائشة . وقيل : أسرَّ إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر ثم عمر . والصحيح : أنه في العسل . ويعني بقوله : ( لن أعود له ) : على جهة التحريم . وبقوله : ( حلفت ) أي : بالله تعالى ؛ بدليل : أنَّ الله تعالى أنزل عليه معاتبته على ذلك ، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؛ يعني : العسل المحرم بقوله : ( لن أعود له ) تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ؛ أي : تفعل ذلك طلبًا لرضاهنَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ غفور : لما أوجب المعاتبة ، رحيم : برفع المؤاخذة . قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ؛ أي : قدَّر وبيَّن . والفرض : التقدير . وتحلة اليمين : ما يستحل به الخروج عن اليمين . وهي التي قال الله تعالى فيها : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ الآية . والأيمان : جمع يمين . واليمين التي حلف النبي صلى الله عليه وسلم بها هي قوله : ( وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا ) . وهذا أصحّ ما قيل في هذه الآية ، وأجوده . وقد روى النسائي من حديث أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرَّمها ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الآيات . وكأنَّ ابن عباس أشار إلى هذا الحديث حيث قال : إن الرَّجل إذا حرَّم عليه امرأته فهي يمين يكفرها . وقال : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقد اختلف السَّلف ومن بعدهم في تحريم الزوجة اختلافًا كثيرًا . مجموعه فيما بلغنا أربعة عشر قولاً : أحدها : لا شيء عليه . وبه قال الشعبي ، ومسروق ، وأبو سلمة ، وأصبغ . وهو عندهم كتحريم الماء والطعام . وثانيها : هي ظهار ، ففيها كفارة ظهار . قاله إسحاق . وثالثها : كفارة يمين . قاله ابن عباس ، وبعض التابعين . ورابعها : إن نوى الطلاق ؟ فواحدة بائنة ، إلا أن ينوي ثلاثًا ، فإن نوى اثنتين فواحدة ، فإن لم ينو شيئًا ؛ فهي يمين . وهو قول قاله أبو حنيفة ، وأصحابه . وبمثله قال زُفْر ، إلا أنَّه قال : إذا نوى اثنتين ألزمناه . وخامسها : إن نوى الطلاق ؛ فما أراد من أعداده . وإن نوى واحدة ؛ فهي رجعية . وهو قول الشافعي . وروي مثله عن أبي بكر ، وعمر ، وغيرهما من الصحابة والتابعين . وسادسها : إن نوى ثلاثًا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى يمينًا فهي يمين ، وإن لم ينو شيئًا ؛ فلا شيء عليه . وهو قول سفيان . وبمثله قال الأوزاعي ، وأبو ثور ، إلا أنهما قالا : إن لم ينو شيئًا ؛ فهي واحدة . وسابعها : له نيّته ، ولا يكون أقل من واحدة . قاله ابن شهاب . وثامنها : هي في المدخول بها ثلاثٌ ، ويُنْوَى في غير المدخول بها . وهو قول علي بن زيد ، والحكم ، والحسن . وهو مشهور مذهب مالك . وتاسعها : لا ينوى في أقل وإن لم يدخل بها . قاله عبد الملك في المبسوط . وبه قال ابن أبي ليلى . وعاشرها : هي لمن لم يدخل بها واحدة ، وفي المدخول بها : ثلاث . قاله أبو مصعب ، ومحمد بن عبد الحكم . وحادي عشرها : هي واحدة بائنة وإن كانت مدخولاً بها . حكاه ابن خويز منداد عن مالك . وثاني عشرها : هي واحدة رجعية . حكاه ابن سحنون عن عبد العزيز بن سلمة . وقد تداخل في العدد الذي ذكرنا قولا زفر ، والأوزاعي . فالأقوال أربعة عشر . وسبب هذا الاختلاف العظيم : أنَّه ليس في كتاب الله الكريم ، ولا سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم نصٌّ ، ولا ظاهرٌ صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة ، فتجَاذَبَها الفقهاءُ لذلك . فمن متمسِّك بالبراءة الأصلية ، فقال : لا حكم ، فلا يلزم بها شيء . ومن ملحق لهذه الكلمة بأصل يعتمده . فواحدٌ يلحقها بالظهار ، وآخر يلحقها بالنذر المطلق . وآخر يرى أنها قابلة للنية مطلقا ، أو في غير المدخول بها . وأصحابنا يحتجّون لمشهور مذهبهم بعرفٍ ثبتَ عندهم صيَّرها من كنايات الطلاق الظاهرة . والله تعالى أعلم . وهذا كله في الزوجة . وأما في الأمة : فلا يلزم فيها شيء من ذلك كله ، إلا أن ينوي به العتق عند مالك . وذهب عامة العلماء : إلى أن عليه كفارة يمين ، وكأنهم تمسَّكوا بحديث أنس الْمُتقدِّم . وقال أبو حنيفة : إذا قال ذلك حَرُمَ عليه كل ما حَرَّمَ على نفسه من طعام ، أو شراب ، أو أمة . ولا شيء عليه حتى إذا تناوله لزمه كفارة يمين . وأُمُّ الولد كالأمة على ما تقدَّم . و( قوله تعالى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا هو قوله لحفصة : ( بل شربتُ عسلاً ، وقد حلفت : لا تخبري أحدًا ) على ما تقدم في حديث البخاري . وقيل : هو تحريمه مارية على ما تقدَّم في حديث النسائي . وقيل غير ذلك . وهذان القولان أحسن ما قيل في ذلك . و( قوله : فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ؛ أي : حديث حفصة حين أفشت ما أمرها بإسراره النبي صلى الله عليه وسلم و وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؛ أي : أطْلَعَ الله تعالى نبيه على ذلك الحديث . عَرَّفَ بَعْضَهُ مشدَّدًا ، وهي القراءة المشهورة ؛ أي : عاتبها على ذلك . وأعرض عن بعضه ، فلم يبالغ في المعاتبة عملاً بمكارم الأخلاق ، وحسن المصاحبة . وقرأه الكسائي بتخفيف الراء ، من : ( عَرَفَ ) ومعناه : جازى عليه ؛ بأن غضب . يقال : عرفتُ حقَّك ؛ أي : جازيتُك عليه . و( لأعرفنَّ حقك ) بمعناه . وقال الضحاك : إن الذي أعرض عنه حديث الخلافة لئلا ينتشر . وهذا بناه : على أنَّه هو الحديث الذي أسرَّه لحفصة . وهذا القول ليس بشيء ؛ إذ لم يثبت بذلك نقل ، ولم يدلّ عليه عقل . بل النقل الصحيح ما ذكرناه . و( قوله : فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ؛ يعني : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حفصة بالخبر الذي أفشته ، فقالت مستفهمة عمن أعلمه بذلك : مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا ؟ وكأنها خَطَر ببالها أن أحدًا من أزواجه أو غيرهن أخبره . فأجابها بأن قال : نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ؛ أي : العليم بالسرائر ، الخبير بما تجنُّه الضمائر . ثم قال تعالى : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ؛ يخاطب عائشة وحفصة ، وهذا يدلُّ على أن الصحيح من الروايات رواية من روى أن هذه القصة إنما جرت لعائشة وحفصة ؛ لأجل العسل الذي شرب عند زينب ، أو لأجل مارية ، وأنهما هما اللتان تظاهرتا عليه ، كما جاء نصًّا من حديث ابن عبَّاس عن عمر على ما يأتي . وهو رواية حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمر ، عن عائشة . وأمَّا رواية أبي أسامة التي ذكر فيها : أن المتظاهرات عليه : عائشة وسودة وصفية ؛ فليست بصحيحة ؛ لأنها مخالفة للتلاوة ؛ فإنها جاءت بلفظ خطاب الاثنتين . ولو كان كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث . قال أبو محمد الأصيلي : حديث الحجاج أصحّ طرقه . وهو أولى بظاهر الكتاب . قال غيره : انقلبت الأسماء في حديث أبي أسامة ، والله تعالى أعلم . و صَغَتْ قُلُوبُكُمَا مالت عن الحق . وأراد قلب عائشة وحفصة . وعدل إلى لفظ الجمع استثقالاً للجمع بين تَثْنِيَتَيْن ، وقد جمع بينهما من قال : ظَهْرَاهُمَا مثل ظُهورِ التُّرْسَيْن . و( قوله : وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ؛ أي : تعاونا عليه بما تواطأتما عليه في العسل أو في مارية فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ ؛ أي : وليه ، ومعينه ، وكافيه ، فلا يضره من كاده ، أو من تعاون عليه . والوقف على مولاه ، حسن ، ويُبْتَدَئ : وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ أي : بعد تولي الله له . ظَهِيرٌ أي : مُعِينون له على ما يصلحه ، ويحفظه ، ويوافقه . و ظهير وإن كان واحدًا ؛ فمعناه الجمع . وقيل : كل واحد ظهير ؛ كما قال تعالى : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ؛ أي : كل واحد منكم طفلاً . و وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أحسن ما قيل فيه : أبو بكر ، وعمر رضي الله عنهما ، ومن جرى مجراهما ممن سبق إسلامه ، وظهر غناؤه . وقيل : كان حق وَصَالِحُ أن يكتب بالواو ، ولكنهم حذفوها ، ليوافق الخطُّ اللفظ . ويحتمل أن يقال : وَصَالِحُ مفرد ، لكنه سُلِك به مسلك الجنس ، والله تعالى أعلم . ثم بالغ الله تعالى في تأديب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتهديدهن بقوله : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ؛ أي : منقادات بالإسلام والاستسلام . مُؤْمِنَاتٍ ؛ أي : مصدقات بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ملازمات أحوال المؤمنين به من التعظيم والاحترام . قَانِتَاتٍ خاضعات لله بالعبودية ، ولرسوله بإيثار الطَّواعية على الغيرة النفسية . عَابِدَاتٍ يقمن لله بما له عليهن من العبادة ، وبما لك عليهن من الحرمة والخدمة . سَائِحَاتٍ ابن عباس : صائمات ، زيد بن أسلم : مهاجرات ، من السياحة في الأرض . ويمكن أن يقال : مسرعات إلى ما يرضيك ، ذاهبات فيه ، فلا يشتغلن بسوى ذلك ؛ لأن من ساح في الأرض فقد ذهب فيها ، وانقطع إلى غيرها . ثَيِّبَاتٍ جمع ثيب . قيل : يعني بذلك : آسية امرأة فرعون . وَأَبْكَارًا جمع بكر . قيل : يعني بذلك : مريم . وفيه نظر وبُعْدٌ . وما ذكرناه في هذه الآية إشارة إلى المختار . والأقوال فيها أكثر مما ذكرناه . فلنقتصر على ذلك القدر ، والله تعالى الموفق .
( 1474 ) ( 21 ) [1545] وعَنْها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَرْبَةً . فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا . فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي ، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ فَرَقًا مِنْكِ ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا ، قلَتْ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ ، قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ له مِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ له : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ . قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي . ( 1473 ) ( 18 ) [1546] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ َقالُ: إذا حَرمِ الرجل عليه امرأته فهي يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . و( قول عائشة : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن ) يُسْتَدَلُّ بهذا لأحد القولين الْمُتقدِّمين ، وهو : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن القسم عليه واجبا . ويمكن أن يصرف عن ذلك ؛ بأن يقال : إن ذلك إنما كان يفعله ؛ لأنهن كن قد أذن له في ذلك ؛ بدليل ما جاء في "الأم" : أنَّه كان صلى الله عليه وسلم يستأذنهن إذا كان في يوم المرأة منهن . وقد يُستدل به من يرى القَسْمَ واجبا ؛ لكنه بالليل دون النهار . وقال الداودي : كأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ما بعد العصر ملغى ؛ أي : جعله وقتًا مشتركًا لجميعهن . و( قولها : ( فيدنو منهنَّ ) أي : من غير مسيس . وقد جاء كذلك في بعض الروايات ، وإنما كان يفعل ذلك تأنيسًا لهن ، وتطييبًا لقلوبهن ؛ حتى ينفصل عنهن إلى التي هو في يومها ، ويتركها طيبة القلب ، والله تعالى أعلم .
( 16 ) كتاب الطلاق ( 1 ) باب في طلاق السنة ( 1471 ) ( 1 و3 و11 و14 ) [1538] عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طلق امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ُ ، وَإِنْ شَاءَ أن يطلق قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطلق لَهَا النِّسَاءُ . وفي رواية : قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طلقتُمْ النِّسَاءَ فَطلقوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . وفي رواية : أَنَّهُ طلق امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطلقهَا فَلْيُطلقهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطلق لَهَا النِّسَاءُ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ لِأَحَدِهِمْ: إمَّا أَنْتَ طلقتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، وَإِنْ كُنْتَ طلقتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ، وَعَصَيْتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِنْ طلاق امْرَأَتِكَ . وفي طريق أخرى : قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَتْ التَّطْلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعْتَدَّ بِهَا . وفي أخرى : لما ذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ نحو ما تقدم . وفيها : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طلقهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طلاقهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ ، كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي أخرى : فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُطلقهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا . وفي أخرى : قال أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَلَت لابْنَ عُمَرَ : فَاعْتَدَدْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طلقتَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعْتَدُّ بِهَا؟ وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ . ( 16 ) كتاب الطلاق الطلاق هو : حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة . والفسخ هو : إزالة ما يتوَّهم انعقاده لموجب يمنع العقد . وقد يطلق الفسخ ويراد به الطلاق على ما يأتي إن شاء الله تعالى . ( 1 ) ومن باب : طلاق السُّنَّة ( قوله : إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض ، فسأل عمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ) . وفي الرواية الأخرى : ( أن عمر لما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم تغيَّظ ، ثم أمره بمراجعتها ) . فيه دليل : على أن الطلاق في الحيض يحرم ؛ فإنه أنكره بتغيُّظه عليه ، مع أن ابن عمر لم يكن عرف تحريم ذلك عليه . فتغيَّظَ بسبب ذلك وأمره بالمراجعة . وهو مذهب الجمهور . واختلف في منع الطلاق في الحيض . فقيل : هو عبادة غير معقولة . وقيل : هو معلَّل بتطويل العِدَّة . وهذا على أصلنا في أن الأقراء هي : الأطهار . وينبني على هذا الخلافِ الخلافُ في المطلقة قبل الدخول والحامل في حال الحيض . فإذا قلنا : هو عبادة ؛ لم يجز أن يُطلقا وهما حائضان ، وإذا قلنا هو للتطويل جاز ذلك ؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها ، ولأن عدة الحامل وضع حملها . وقيل : إن علّة ذلك : خوف الإسراع إلى الطلاق ، والتساهل فيه بسبب : أنه لا يتلذذ الزوج بوطئها لأجل الحيض ، بل تنفر نفسُهُ منها ، ويهون عليه أمرها غالبًا ، فقد تحمله تلك الحالة على الإسراع في الطلاق ، والتساهل فيه . و( الطلاق أبغض الحلال إلى الله ) كما قاله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نقيض الألفة المطلوبة شرعًا ، وإنما شُرع الطلاق تخلُّصًا من الضرر اللاحق بالزوج ؛ ولذلك كُرِهَ الطلاق من غير سبب . وإلى هذا الإشارة بقوله : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة ) و( المرأة خلقت من ضلع أعوج ) الحديثين المتقدمين . وأمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر بالمراجعة دليل لمالك على وجوب الرجعة في مثل ذلك . وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي ، حيث قالا : لا يجب ذلك . وفيه دليل : على أن الطلاق في الحيض يقع ، ويلزم . وهو مذهب الجمهور خلافًا لمن شذَّ وقال : إنه لا يقع . ثم إذا حكمنا بوقوعه اعتد له بها من عدد الطلاق الثلاث . كما قال نافع ، وابن عمر في هذا الحديث على ما يأتي . و( قوله : ثم يتركها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ) اختلف في المعنى الذي لأجله منعه من إيقاع الطلاق في الطهر الثاني للحيضة التي طلق فيها . فقيل فيه أقوال : أحدها : أنه لو طلق فيه لكان كالموقع طلقتين في قُرْءٍ واحد ، من حيث : إنه لا يعتدّ بالحيض الذي طلق فيه من العِدَّة ، وليس كذلك طلاق السُّنَّة . وثانيها : أنها مؤاخذة بنقيض القصد ، من حيث : إنه عجَّل ما حقَّه أن يتأخر ، فكان كمستعجل الميراث بقتل مُوَرِّثه . وله نظائر . ولا يقال : إن هذا ليس بشيء ؛ لأن ابن عمر لم يقصد فعل المحرم ؛ إذ لم يعلم التحريم ، فلا يعاقب ؛ لأنَّا نقول : هو تقعيد القاعدة ، وبيان حكمها مطلقا ، وليس هذا من قبيل العقوبة الأخروية ، وإنما هذا من قبيل ربط الأحكام بالأسباب ، كما لو حلف فحنث ساهيًا ، فإنه يقع الحنث وإن لم يكن مأثومًا . وثالثها : إنما منع من ذلك لَتَحَقَّق الرجعة ؛ لأنه إن لم يمس فيه ؛ فكأنه ارتجع للطلاق ، لا للنكاح . وليس هذا موضوع الرجعة . ورابعها : ليطول مقامه معها . ويتمكن منها بزوال الحيض ، فتزول تلك النُّفْرَة التي ذكرناها ، فيتلذذ ، ويطأ ، فيمسك ، ويحصل مقصود الزوجية ، والألفة . وهذا أشبهها ، وأحسنها ، والله تعالى أعلم . و( قوله : فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) . ( تلك ) : إشارة إلى الحالة التي عيَّنها بقوله المتقدم ؛ لجواز إيقاع الطلاق فيها ، وهي أن تكون في طهر لم تُمَسَّ فيه ، وهي حوالة على قوله تعالى : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وفي بعض رواياته : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية : ( فطلقوهن لِقُبُلُ عدَّتهن ) . وفيها دليل واضح لمالك ، ولمن قال بقوله : على أن الأقراء هي الأطهار . كما قالت عائشة ، وغيرها . وهي حجة على من قال : إن الأقراء هي الدِّماء ؛ وهو أبو حنيفة ، وغيره . وقد دلَّ هذا الحديث : على أن طلاق السُّنة يراعى فيه وقت الطهر . وهل يكفي ذلك في كون الطلاق للسُّنة ، أو لا بدَّ من زيادة قيود أُخَر . فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : يكفي ذلك ، وليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة . وقال مالك وعامَّة أصحابه : لا بدَّ في طلاق السُّنَّة من أن يعتبر مع الوقت أن يطلقها واحدة ، ويتركها حتى تنقضي عدتها ، ولا يُرْدِفُهَا ، ومتى خالف شيئًا من ذلك خرج عن طلاق السُّنة ، ووصف بالبدعة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : هذا أحسن الطلاق . وله قول آخر : إن شاء طلقها ثلاثًا ، طلقها في كل طهر مرَّة . وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنة . وقاله ابن مسعود . واختلف فيه قول أشهب . فقال مرة مثل ذلك . وقال مرة : يجوز أن يرتجع ، ثم يطلق ثلاثًا . ومعنى طلاق السُّنَّة : هو الواقع على الوجوه المشروعة ، وطلاق البدعة نقيضه . وقد اختلف فيما إذا طلقها في طهر مسَّ فيه . فالجمهور على أنه لا يجبر على الرجعة . وقد شذَّ بعضهم فقال : يُجبر كما يُجبر عليها في الحيض . والفريقان متفقان : على أن ذلك لا يجوز لإلباس العدة عليها ؛ لأنها إن لم تكن حاملاً اعتدّت بالأقراء ، وإن كانت حاملاً اعتدت بوضع الحمل ، ولإمكان وقوع الندم للمطلق عند ظهور الحمل . واختلف عندنا فيما إذا لم تُرْتَجع المطلقة في الحيض حتى جاء الطهر الذي يجوز أن تطلق فيه . هل يُجبر على الرجعة ؛ لأنها حق عليه ، ولا يزول بزوال وقته ، أو لا يجبر ؛ لأنه قادر على إيقاع الطلاق في الحال فلا معنى للرجعة . و ( قوله : إنه طلقها تطليقة واحدة ) هذا هو الصحيح ، أنها كانت واحدة . ورواية من روى : أنها كانت ثلاثًا وَهْمٌ ، كما ذكره مسلم عن ابن سيرين : أنَّه أقام عشرين سنة يحدّثه من لا يتهم : أنه طلقها ثلاثًا حتى أتى الباهليُّ ، واسمه : يونس بن جبيْر ، يكنى : أبا غَلاب ، بفتح الغين ، وتخفيف اللام عند أبي بَحْرٍ ، وتشديدها عند غيره ، وكذا قيَّده الأمير : أبو نصر بن ماكولا - وكان ذا ثبت - فحدَّثه عن ابن عمر : أنَّه طلقها تطليقة . وقد روي كذلك من غير وجه مسألة متعلقة بالطهر الذي مسَّ فيه . وتلك : أنَّ كُلَّ من قال : إن الأقراء هي الأطهار ، فإذا طلق في طهر مَسَّ فيه ، اعتدّ له بذلك الطهر عند الجمهور خلا ابن شهاب ، فإنه يلغيه . وقد وجَّهت الحنفيةُ عليهم اعتراضًا ؛ وهو : أنهم قالوا : أمر الله المطلقة ذات الأقراء أن تعتدّ ثلاثة أقراء ، وأنتم تجعلون ذلك قرأين وبعضَ قرء ، فكان قولكم مخالفًا للنص ، فدلَّ ذلك على إبطال قولكم : إن الأقراء هي الأطهار . ودلَّ على صحة مذهبنا : أن الأقراء هي الحيض . وقد صحت تسمية الدَّم قرءا في كلام العرب ، كما قال : ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) أي : دمك . وكما قال الشاعر : يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَليَّ فَارِضِ له قُرُوءٌ كَقُروءِ الحائضِ يعني : أنه طعنه ، فكان له دم كدم الحائض . وهو المنقول عن أبي عمر ، والأخفش . والجواب : أما عن قولهم : إن الأقراء هي الحيض في اللغة ، فالمعارضة بأنها أيضًا فيها الأطهار ؛ كما قال الشاعر ، وهو الأعشى : مورّثةٍ مالاً وفي الحيِّ غبطةٍ لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوء نِسائِكا أي : من أطهارهن . وقالت عائشة : الأقراء : الأطهار . وهو منقول عن كثير من أئمة اللغة . والإنصاف : أن لفظ : ( القرء ) مشترك في اللغة ، ولكنه ينطلق عليهما ، لاشتراكهما في أصل واحد ، وذلك : أن أصل القرء في اللغة ، هو : الجمع ، كما قال الشاعر يصف ناقته : هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا أي : لم تجمع في جوفها ، أو التَّغير من حال إلى حال ، كما قالوا : قرأ النَّجْم : إذا أفل ، وإذا ظهر . وكل واحد من الأصلين موجود في الْمُسمَّى : قرءا . أمَّا الأول : فلأن الدَّم يجتمع في الرَّحم في أيام الطهر ، ثم يجتمع في الخروج في أيام الحيض . وأيضًا : فإن الطهر ، والحيض يتصل أحدهما بالآخر ، ويجتمع معه . وأمَّا الثاني : فانتقال المرأة من حال الحيض إلى حال الطهر محسوس ، وحال القرء فيما ذكرناه كحال الصريم ، فإنه ينطلق على الليل والنهار ؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه . وعند الوقوف على ما ذكرناه يحصل الانفصال عما ألزمنا الحنفية من إطلاق القرء على بعض قرء ، فإنه إذا كان القرء : الجمع بين الطهر والحيض ، فلو طلقها في آخر الطهر الذي مسَّ فيه فقد صحَّ مسمَّى القرء ؛ لاجتماع الدَّم معه . وقد انفصل حالها من الطهر إلى الحيض ، فصحَّ الاسم ، والله الموفق . وقد أجاب أصحابنا بجواب آخر ، وهو : أن قوله : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ كقوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وهي شهران وبعض شهر . وسِرُّه : أنَّ البعض بالنسبة إلى الكل قد لا يلتفت إليه ، والله تعالى أعلم . وأمَّا ما ذهب إليه ابن شهاب : فليس بشيء ؛ لأنه انفرد به دون العلماء ، ولأنه إذا ألغى ذلك أضرَّ بالمرأة ، وزاد في تطويل العدّة طولاً كثيرًا ، فإنَّه يلغي ذلك الطُّهر ، والدَّم الذي بعده ، فتشتد المضرَّة عليها ، ويحصل الحرج المرفوع بأصل الشريعة . وقول ابن عمر رضي الله عنهما : ( إمَّا أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا . وإن كنت طلقتها ثلاثًا ، فقد حرمت عليك ، وعصيت ربَّك ) . ( إمَّا أنت ) : هو بكسر الهمزة ؛ كقولهم : أبا خُراشة إِمَّا أنتَ ذا نَفَرِ فإن قوّمِيَ لم تَأْكُلْهُم الضَّبُعُ أي : إن كنت . فحذفوا الفعل الذي يلي ( إن ) وجعلوا ( ما ) عوضًا منه ، وأدغموا ( إن ) في ( ما ) ووضعوا ( أنت ) مكان ( التاء ) في كنت . هذا قول النحويين . و( قوله : وعصيت ربك ) يعني : بالطلاق ثلاثًا في كلمة . وظاهره : أنه مُحَرَّم ، وهو قول ابن عباس المشهور عنه ، وعمر بن الخطاب ، وعمران بن حصين . وإليه ذهب مالك . وقال الكوفيون : إنه غير جائز ، وإنه للبدعة . وقال الشافعي : له أن يطلق واحدة ، أو اثنتين ، أو ثلاثًا . كل ذلك سُنَّة . ومثله قال أحمد بن حنبل ، إلا أنَّه قال : أحبُّ إليَّ أن يوقع واحدةً . وهو الاختيار . والأول أولى ؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى . و( قوله : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا ) إشارة إلى أمره صلى الله عليه وسلم بالمراجعة . فكأنَّه قال للسائل : إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض ، وإن طلقت ثلاثًا لم تكن لك مراجعة ؛ لأنها لا تحل لك إلا بعد زوج . وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في الأم . و( قوله : وإن كنت طلقت ثلاثًا ؛ فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك ، وعصيت الله ) دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا وقع على ما يأتي وهو مذهب الجمهور . و( قوله : مرّه فليراجعها ، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً ) فيه دليل على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء ، وإنه للسُّنة . وهو قول كافة العلماء ، وهم على أصولهم . فمالك ، ومحمد بن الحسن ، وزفر يرون : أنَّه لا يكرر عليها الطلاق إلى أن تضع . والشافعي : يجوز تكرار الطلاق عليها فيه . وأبو حنيفة وأبو يوسف : يجعل بين التطليقتين شهرًا . و( قوله : أرأيت إن عجز أو استحمق؟! ) هذه الرواية فيها إشكال . يفسره ما وقع في رواية أخرى : ( أرأيت إن كان ابن عمر عجز أو استحمق ، فماذا يمنعه أن يكون طلاقا ) يعني : أنَّه لو طرأ عليه عجز عن الرجعة أو ذهاب عقل حتى لا يتأتى له الارتجاع ، أكان يُنحِلُّ ذلك بالطلاق المتقدم ، أو كانت المرأة تبقى معلقة ، لا ذات زوج ، ولا مطلقة . وكأنَّه يقول : المعلوم من الشريعة : أنه لو طرأ شيء مما ذكر لما كان قادحًا في الطلاق الْمُتقدِّم . فإذًا : الطلقة واقعة يحتسب له بها ، كما قال : ( فحسبت من طلاقه ) . ( واستحمق )- بفتح التاء - : مبنيًّا للفاعل ، وهو غير متعدٍّ ، فلا يجوز أن يُرَدّ لِما لم يُسَمَّ فاعله لذلك . ومعناه : حمق ، وظهر عليه ذلك . و ( قوله : وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : ( فطلقوهن لقبل عدتهن ) هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنها شاذة عن المصحف ، ومنقولة آحادًا ، فلا تكون قرآنًا ، لكنها خبر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح ، فهي حجة واضحة لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار ، كما تقدَّم . وهي قراءة ابن عمر ، وابن عباس . وفي قراءة ابن مسعود : ( لقبل طهرهن ) . قال جماعة من العلماء : وهي محمولة على التفسير ، لا التلاوة .
( 1472 ) ( 16 ) [1542] وعَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ أنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتْ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ . ( 1472 ) ( 17 ) [1543] وعَنْه أَنَّه قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ أَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ . وقول أبي الصهباء لابن عباس : ( هات من هناتك ) هي : جمع هنة . وأصلها : أنها كناية عن نكرة ، غير أن مقصوده هنا : هات فتيا من فتاويك الْمُسْتَغْرَبة . أو خبرًا من أخبارك الْمُسْتَكْرَهة . وهو إشعار باستشناع تلك المقالة عندهم . و( قوله : فلما تتايع الناس في الطلاق أجازه عليهم ) رويناه : بالياء باثنتين ، وبالباء بواحدة ، وهما بمعنى واحد . غير أن الياء باثنتين أكثر ما تستعمل في الشَّرِّ . وهي أليق بهذا المعنى ، والله تعالى أعلم . وكذلك القول في الرواية في : ( تتايعوا ) .
( 3 ) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة ( 1472 ) ( 15 ) [1541] عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ . ( 3 ) ومن باب : إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة ( قوله : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الثلاث واحدة ) وفي الرواية الأخرى : ( إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وثلاثًا من إمارة عمر ) وفي الرواية الثالثة : ( ألم يكن طلاق الثلاث واحدة ، فقال : قد كان ذلك ، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عمر عليهم ) تمسَّك بظاهر هذه الروايات شذوذٌ من أهل العلم ، فقالوا : إن طلاق الثلاث في كلمة يقع واحدة ؛ وهم : طاوس ، وبعض أهل الظاهر . وقيل : هو مذهب محمد بن إسحاق ، والحجاج بن أرطاة ، وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء . وهو مذهب مقاتل ، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة . وجمهور السَّلف والأئمة : أنَّه لازمٌ واقعٌ ثلاثًا ، ولا فرق بين أن يوقع مجتمعًا في كلمة أو مفرَّقًا في كلمات ، غير أنهم اختلفوا في جواز إيقاعه كما قدمناه . فأما من ذهب : إلى أنه لا يلزم شيء منه - وهو مذهب ابن إسحاق ومقاتل : ففساده ظاهر بدليل الكتاب ، وذلك : أن الله تعالى قال : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وهذا يَعُم كُلَّ مطلقةٍ خُصَّ منه المطلقة قبل الدخول ، ومن تعتد بالشهور والحمل . وبقيت متناولة لما بقي . لا يقال : يراد بالمطلقات هنا : الرجعية ؛ بدليل قوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ لأنَّا نقول : ليس ذلك بتخصيص لذلك العموم ، وإنما هو بيانُ حُكْم بعض ما تناوله العموم ، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ وقوله : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ونحو هذا . ووجه دلالة هذا النمط : أنَّه قد حكم بأن وقوع ما يقال عليه طلاق يقتضي منع الزوج مِمَّا كان له على الزوجة من التصرف ، ويلزمه أحكامً أُخر لا تكون في حالة الزوجية ، ولا يعني بكونه واقعًا إلا ذلك ، وإيقاع الطلاق ثلاثًا يقال عليه طلاق بالاتفاق فتلزم تلك الأحكام . وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالاً وجوابًا . ثم حديث ابن عباس هذا يدلُّ ظاهرًا على أنَّه كان الطلاق ثلاثًا واقعًا لازمًا في تلك الأعصار ، فيستدل به عليهم على جهة الإلزام ، وإن كنَّا لا نرى التمسُّك به ؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى . وعلى الجملة فمذهب هذين الرجلين شاذُّ الشاذِّ ، ولا سلف لهم فيه ، ولا بعْد في أن يقال : إن إجماع السَّلف على خلافهما - على ما يتبيَّن مِما نذكره - بَعْدُ عن السَّلف فإنهم كانوا منقسمين إلى من يراه ثلاثًا ، وإلى من يراه واحدة . والكل متفقون على وقوعه ، والله تعالى أعلم . وأمَّا من ذهب إلى أنَّه واقعٌ واحدةً ؛ فهو أيضًا فاسدٌ . وقد استدل القائلون به على صحته بثلاثة أحاديث : أحدها : حديث ابن عبَّاس هذا . وثانيها : حديث ابن عمر على رواية من روى : أنَّه طلق امرأته ثلاثًا ، وأنَّه صلى الله عليه وسلم أمره برجعتها ، واحتُسِبَت له واحدة . وثالثها : أن أبا رُكَانَة طلق امرأته ثلاثًا ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها ؛ والرَّجعة تقتضي وقوع واحدة . ولا حجة لهم في شيء من ذلك . أمَّا حديث ابن عباس ؛ فلا يصح به الاحتجاج لأوجه : أحدها : أنَّه ليس حديثًا مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما ظاهره الإخبار عن أهل عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر أبي بكر باتفاقهم على ذلك ، وإجماعهم عليه ، وليس ذلك بصحيح . فأوّل مَنْ خالف ذلك بفتياه ابن عباس . فروى أبو داود من رواية مجاهد عنه قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إنَّه طلق امرأته ثلاثًا . قال : فسكت حتى ظننت أنَّه رادّها إليه ، ثم قال : ينطلق أحدكم يركب الحموقة ، ثم يقول : يا بن عباس ! يا بن عباس ! قال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وإنك لم تتق الله ، فما أجد لك مخرجًا ، عصيت ربك وبانت منك امرأتك . وفي الموطأ عنه : أن رجلاً قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة تطليقة . فقال له ابن عباس : طلقت منك بثلاث ، وسبعة وتسعون اتخذتَ بها آيات الله هزوًا . وقال أبو داود : قول ابن عباس هو : إن طلاق الثلاث يبين من الزوجة ، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ، مدخولاً بها كانت ، أو غير مدخول بها . ونحوه عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمر . وفي الموطأ : أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود ، فقال : إنِّي طلقت امرأتي ثماني تطليقات . قال ابن مسعود : فماذا قيل لك ؟ قال : قيل لي : إنها بانت منك . قال ابن مسعود : صدقوا ، هو كما يقولون ؛ فهذا يدلُّ على وجود الخلاف فيها في عصر الصحابة ، وأن المشهور عندهم ، المعمول به ، خلاف مقتضى حديث ابن عباس . فبطل التمسَّك به . الوجه الثاني : لو سلمنا أنه حديث مسند مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان فيه حجة ؛ لأن ابن عباس هو راوي الحديث ، وقد خالفه بعمله وفتياه . وهذا يدلُّ على ناسخ ثبت عنده ، أو مانع شرعي منعه من العمل . ولا يصح أن يُظَّن به : أنه ترك العمل بما رواه مجانًا أو غالطًا ؛ لما علم من جلالته ، وورعه ، وحفظه ، وتثبته . قال أبو عمر بن عبد البر - بعد أن ذكر عن ابن عباس فتياه من طرق متعددة بلزوم الطلاق ثلاثًا من كلمة واحدة - : ما كان ابن عباس ليخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين ، إلى رأي نفسه . ورواية طاوس وهم وغلط ، لم يُعَرَّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز ، والعراق ، والشام ، والمشرق ، والمغرب . وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس . الوجه الثالث : لو سلمنا كل ما تقدَّم ؛ لَمَا كان فيه حجة ؛ للاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه ؛ وذلك : أن أبا الصهباء رواه عن ابن عباس بتلك الألفاظ المختلفة ؛ التي وقعت في كتاب مسلم كما ذكرناها . وقد روى أبو داود من حديث أيوب ، عن غير واحد ، عن طاوس : أن رجلاً يقال له : أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس . قال : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وصدرًا من خلافة عمر . فقال ابن عباس : بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وصدرًا من خلافة عمر ، فلمَّا رأى الناس تتايعوا فيها قال : أجيزوهُنَّ عليهم . فقد اضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس في لفظه كما ترى . وقد اضطرب فيه طاوس . فمرَّة رواه عن أبي الصهباء ، ومرَّة عن ابن عباس نفسه . ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة ، لا سيما عند المعارضة على ما يأتي . ثم العَجب : أنَّ معمرًا روى عن ابن طاوس ، عن أبيه : أن ابن عباس سُئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا . فقال له : لو اتقيت الله لجعل لك مخرجًا . وظاهر هذا أنَّه لا مخرج له من ذلك ، وأنَّها ثلاث . وهذه كرواية الجماعة الكثيرة عن ابن عباس ؛ كسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، ومحمد بن إلياس بن البكير ، والنعمان بن أبي عياش ، كلهم روى عنه : أنَّه ثلاث ، وأنها لا تحل له إلا من بعد زوج . الوجه الرابع : لو سلمنا سلامته من الاضطراب لَمَا صحَّ أن يحتج به ؛ لأنه يلزم منه ما يدلُّ على أن أهل ذلك العصر الكريم كانوا يكثر فيهم إيقاع المحرمات والتساهل فيها ، وترك الإنكار على من يرتكبها . وبيان اللزوم : أن ظاهره أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقع الطلاق الثلاث كثيرًا منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر أبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر ، أو ثلاث ، ويستفتون علماءهم فيفتونهم بأنه واحدة ، ولا ينكرون عليهم . مع أن الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة محرم بدليل قول ابن عمر ، وابن عباس ، للمطلق ثلاثًا : ( بانت منك ، وعصيت ربك ) . وبدليل ما رواه ابن عباس ، عن محمود بن لبيد - قال البخاري : له صحبة - قال : أُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا ، فقام غضبان ، ثم قال : ( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ ) هذا يدل على أنه محرم ، ومنكر . فكيف يكثر فيهم العمل بمثل هذا ، ولا ينكرونه ؟! هذا محال على قوم وصفهم الله تعالى بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ إلى غير ذلك مما وصفهم الله تعالى به . لا يُقال : هذا يبطل بما وقع عندهم من الزِّنا ، والسرقة ، وغير ذلك من الأسباب التي ترتبت عليها الأحكام ؛ لأنا نقول : هذه لما وقعت أنكروا تلك الأمور ، وأقاموا الحدود فيها ، ولم يفعلوا ذلك فيما ذكرناه ، فافترقا ، وصحَّ ما أبديناه . فإن قيل : لعل تحريم ذلك لم يكن معلومًا عندهم . قلنا : هذا باطل . فإنهم أعرف بالأحاديث ممن بعدهم . وقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس وابن عمر ، والله تعالى أعلم . الوجه الخامس : إن ظاهر ذلك الحديث خبر عن جميعهم أو عن معظمهم ، والعادة تقتضي - فيما كان هذا سبيله - أن يفشو ، وينتشر ، ويتواتر نقله ، وتحيل أن ينفرد به الواحد . ولم ينقله عنهم إلا ابن عباس ، ولا عنه إلا أبو الصهباء . وما رواه طاوس عن ابن عباس في الأصل قد رواه أبو داود عن طاوس عن أبي الصهباء ، عن ابن عباس . ولو رواه عنه لم يخرج بروايته عنه عن كونه خبر واحد غير مشهور . وهذا الوجه يقتضي القطع ببطلان هذا الخبر . فإن لم يقتض ذلك ؛ فلا أقل من أن يفيدنا الريبة فيه والتوقف ، والله تعالى أعلم . الوجه السادس : تطرُّق التأويل إليه . ولعلمائنا فيه تأويلان : أحدهما : ما قاله بعض البغداديين : إن معناه الإنكار على من يخرج عن سنَّة الطلاق بإيقاع الثلاث ، والإخبار عن تساهل الناس في مخالفة السُّنَّة في الزمان المتأخر عن العصرين السابقين ، فكأنه قال : كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا في ذينك العصرين واحدة ، كما يقال : كان الشجاع الآن جبانًا في عصر الصحابة . وكان الكريم الآن بخيلاً في ذلك الوقت . فيفيد تغير الحال بالناس . وثانيهما : قال غير البغداديين : المراد بذلك الحديث من تكررَّ الطلاق منه ، فقال : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . فإنها كانت عندهم محمولة في القدم على التأكيد . فكانت واحدة . وصار الناس بعد ذلك يحملونها على التجديد ، فأُلْزِمُوا ذلك لَمَّا ظهر قصدَهم إليه . ويشهد بصحة هذا التأويل قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة . وقد تأوَّله غير علمائنا على أن ذلك كان في المطلقة قبل الدُّخُول ، كما دلَّ عليه حديث أبي داود ؛ الذي تقدَّم ذكره ، وأبدى بين المدخول بها وغيرها فرقًا . فقال : إنما جعلوه في غير المدخول بها واحدة ؛ لأنها تبين بها ، وكأنَّ هؤلاء أشاروا إلى أن قوله لغير المدخول بها : أنت طالق . قد أبانها ، وبقي قوله : ثلاثًا . لم يصادف محلاً ، فأجروا المتصل مجرى المنفصل . وهذا ليس بشيء ؛ فإنَّ قوله : أنت طالق ثلاثًا . كلام واحد متصل غير منفصل . ومن المحال البَيِّن إعطاء الشيء حُكْم نَقِيضِه ، وإلغاء بعض الكلام الواحد . وأشبه هذه التأويلات الثاني على ما قرَّرناه ، والله تعالى أعلم . هذا الكلام على حديث ابن عباس . وأمَّا حديث ابن عمر : أنَّه طلق امرأته ثلاثًا ، فغير صحيح ، كما قد ذكره مسلم عن ابن سيرين ، كما قدمناه . وأيضًا : فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح ، عن طريف بن ناصح ، عن معاوية بن عمار الدُّهْني ، عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض ؟ فقال لي : أتعرف ابن عمر ؟ قلت : نعم . قال : طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السُّنَّة . قال الدارقطني : كلهم شيعة . وقال غيره : ما فيهم من يحتج به . وأمَّا حديث أبي رُكَانة فحديث مضطرب ، منقطع ، لا يُسْنَد من وجه يحتج به ؛ رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع ، وليس فيه من يحتج به ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وقال فيه : إن عبد يزيد بن ركانة طلق امرأته ثلاثًا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرجعها ) . وقد رواه أيضًا من طريق نافع بن عُجَيْر : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة ، فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أراد بها ؟ فحلف : ما أراد إلا واحدة . فردَّها إليه . فهذا اضطراب في الاسم والفعل . ولا يحتج بشيء من مثل هذا ، فقد ظهر وتبيَّن : أنَّهم لا حجة لهم في شيء مما تمسَّكوا به . فأمَّا حجة الجمهور : فالتمسَّك بالقاعدة المقررة : أنَّ المطلقة ثلاثًا ، لا تحلُّ لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره . ولا فرق بين مفرّقها ومجموعها ؛ إذ معناهما واحد لغة وشرعًا . وما يٌتَخَيَّل من الفرق بينهما فصوريٌّ ؛ ألغاه الشرع قطعًا في النكاح ، والعتق ، والإقرار . فلو قال الولي للخاطب في كلمة واحدة : أنكحتك هؤلاء الثلاث ، فقال : قبلت . لزم النكاح ، كما إذا قال : أنكحتك هذه ، وهذه ، وهذه . وكذلك في العتق ، والإقرار . فكذلك الطلاق . وقد ذكر الدارقطني جملة من الأحاديث المرفوعة عن عليّ ، وعبادة بن الصامت ، وحفص بن المغيرة ، وابن عمر كلها تقتضي البينونة ، وأنها لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره . ولم يفرِّق فيها بين المدخول بها وغيرها . رأينا ألا نطوِّل بذكرها ، ولا بذكر أسانيدها . وفيما ذكرناه كفاية ، والله تعالى الموفق للهداية ، وإنما أطنبنا في الكلام على حديث ابن عباس لأن كثيرًا من الجهَّال اغتروا به ، فأحلوا ما حرَّم الله ، فافتروا على الله ، وعلى كتابه ، ورسوله ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ، وعدل عن سبيله . وقول عمر : ( إن النَّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ) أي : مهلة ، وسعة بانتظار الرجعة . وهذا يدل على صحة التأويل الثاني كما ذكرناه .
( 15 ) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه ( 1500 ) [1568] عَنْ أبي هريرة: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ، أَنْكَرْتُهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَنَّى هُوَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ ُ ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ . ( 15 ) ومن باب : لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه لا خلاف في مقتضى هذه الترجمة . والحديث الذي تحتها شاهدٌ لصحتها . ومن قال بأن الولد يلحق بالشَّبه القافي لم ينفه لمخالفة الشَبه ولا اللون . وفي هذا الحديث : تنبيه على استحالة التسلسل العقلي ، وأن الحوادث لا بدّ أن تستند إلى أولٍ ليس بحادثٍ ، كما يعرف في الأصول الكلامية . و( الأورق ) : الأسمر الذي يميل إلى الغبرة . ومنه قيل للرَّماد : أورق . وللحمام : وُرْق . و( قوله : فلعل عرقًا نزعه ) أي : أشبهه . والعرق : الأصل من النسب . شبهه بعرق الثمرة . يقال : فلان معرق في الحسب ، وفي الكرم . وأصل النزع : الجذب . كأنَّه جذبه بشبهه له . وفي هذا الحديث : أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به العيب ، وكان على جهة الشكوى ، أو الاستفتاء لم يكن فيه حدٌّ . وقد استدل به من لا يرى الحدَّ في التعريض ، وهو الشافعي ، ولا حجة له فيه لما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .
( 2 ) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا ( 1433 ) ( 112 و113 ) [1539] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القرظي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي ، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ . قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ ، فَنَادَى : يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ . وفي رواية : أنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ . ( 1433 ) ( 115 ) [1540] وعَنْها قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ . ( 2 ) ومن باب : ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا ( قول المرأة : ( فطلقني ، فبتَّ طلاقي ) ظاهره : أنَّه قال لها : أنتِ طالقٌ البتَّة ، فيكون حجة لمالك على : أن البتَّة محمولة على الثلاث في المدخول بها . ويحتمل أن تريد به آخر الثلاث تطليقات ، كما جاء في الرواية الأخرى : ( أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا ) . وجاز أن يعبِّر عنها بالبتات ؛ لأن الثلاث قطعت جميع العُلَق ، والطلاق . ولم تبقِ شيئًا بين الزوجين . ( وعبد الرحمن بن الزبير )- بفتح الزاي ، وكسر الباء ، ولم يختلف في ذلك - : وهو الزبير بن باطا . و( هدبة الثوب ) : طرفه الذي لم ينسج ، وتعني به : ما يبقى بعد قطع الثوب من السَّدى ، شُبِّه بـ( هُدَبِ العَيْن ) وهو : الشعر النابت على حرفها . و( قوله : حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك ) مذهب الجمهور : أن هذا كناية عن الجماع . وقال بعضهم : في تصغير ( عُسَيْلَة ) دليل : على أن الوطأة الواحدة كافية في إباحتها لمطلقها . وشذَّ الحسن فقال : العسيلة هنا : كناية عن المني ، فلا تحل له عنده إلا بإنزاله . قلت : ولا شك أن أول الإيلاج مبدأ اللذة ، وتمامها الإنزال ، والاسم يصدق على أقل ما ينطلق عليه . فالأولى ما ذهب إليه الجمهور ، والله تعالى أعلم . وهذا الحديث نصٌّ في الردِّ على ما شذَّ فيه سعيد بن المسيب عن جماعة من العلماء في قوله : إن عقد النكاح بمجرده يُحلِّهُا لمطلقها . وقال بعض علمائنا : ما أظن سعيدا بلغه هذا الحديث ، فأخذ بظاهر القرآن ، وشذَّ في ذلك ، ولم يقل أحدٌ بقوله . قلت : قد قال بقول سعيد بن المسيب : سعيدُ بن جبير وجماعة من السلف ، على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في شرح رسالة ابن زيد . ويفهم من قوله : ( حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك ) استواؤهما في إدراك لذة الجماع . وهو حجة لأحد القولين عندنا في : أنه لو وطئها نائمة ، أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها ؛ لأنها لم تذق العسيلة ؛ إذ لم تدركها . وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم إما من تغطية مرادها في الرجوع إلى زوجها الأول ، أو تعجبا من تصريحها بشكواها بما عادة النساء الاستحياء منه . وفيه دليل على أن مثل هذا إذا صدر من مدَّعيته لا ينكر عليها ، ولا توبّخ بسببه ، فإنه في معرض المطالبة بالحقوق . ويدل على صحته : أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ لم ينكره ، وإن كان خالد قد حرَّكه للإنكار ، وحَضَّه عليه . و( تجهر ) : ترفع صوتها . وفي غير كتاب مسلم : ( تهجر ) من الهجر . وهو : الفحش من القول . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ) تمسَّك به داود ، وابن عُلَيَّة ، والحكم . وقالوا : لا تطلق المرأة بسبب عُنَّةِ زوجها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق عليه ، ولا ضرب له أجلاً . وجمهور العلماء من السَّلف وغيرهم على خلافهم ، وأنه يُضْرَبُ له أجل ، فإن دخل بها ، وإلا فرق بينهما . وقد حكى بعض أئمتنا الإجماع على ذلك ، وكأنَّه يريد إجماع السَّلف ، والله تعالى أعلم . ولا حجة لداود ، ولا لمن قال بقوله في الحديث الذي تمسَّكوا به ؛ لأن الزوج لم يصدِّقها على ذلك ؛ بدليل ما رواه البخاري في هذا الحديث : أنَّها لما قالت : إن ما معه ليس بأغنى عَنِّي من هذه -وأخذت هدبة من ثوبها فقال : كذبت ، والله إني لأنفضها نفض الأديم ، ولكنها ناشزة تريد أن ترجع إلى رفاعة . وإنما يضرب الأجل إذا تصادقا على عدم المسيس ، أو عرضت عليه اليمين فنكل ، على ما يقوله بعضهم . واختلف الجمهور في الأجل . فمعظمهم : على سَنَةٍ ؛ لأنه إن كان مرضًا ؛ دارت عليه فصول السَّنَة ، ولا بدَّ أن يوافقه فصل منها غالبًا ، فيرتجى برْؤُه فيها . فإذا انقضت السَّنَةُ ، ولم يبرأ دلّ ذلك على أنه زمانةٌ لازمة ، فيفرَّق بينهما رفعًا للضرر عنها . وقال بعض السَّلف : عشرة أشهر . والأمر قريب ؛ فإنه نَظَرَ في تحقيق مناطٍ . وكل ذلك فيمن يرتجى زوال ما به . وأما المجبوب ، والخصيُّ ؛ فَيُطلق عليه من غير أجلٍ .
( 12 ) باب ما جاء في اللِّعَان ( 1492 ) [1561] عَنْ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ : أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ ، وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا ، قَالَ عُوَيْمِرٌ: فوَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا . قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا ( في رواية : في المسجد ) وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ تلك سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وفي رواية : فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ . ( 12 ) ومن باب : اللِّعَان وهو موضوع لحفظ الأنساب ، ودفع المضرَّة عن الأزواج . ( قوله : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يفعل ؟ ) هذا سؤال غيران متحرِّز من الحدِّ ، متشوِّف لمعرفة الحكم ، ولو صرَّح للزمه الحدُّ ، أو يُبَيِّن ، أو يلتعن ، كما جاء في الحديث الآخر لمن صرَّح : ( البينة وإلا حدٌّ في ظهرك ) . وكونه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على السَّائل قوله : أيقتله ؟ تقرير منه على ذلك . ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص ، ولا غيرهُ . وقد عضده قول سعد : ( لو رأيته ضربته بالسيف ) . ولم ينكر عليه . بل صوَّبه بقوله : ( تعجبون من غيرة سعد ) . ولهذا قال أحمد ، وإسحاق : يهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين . واختلف أصحابنا بذلك . فقال ابن القاسم : يهدر دمه إن قتله إذا قامت البينة ؛ محصنًا كان أو غير مُحْصَن ، واستحب الدية في غير المحصن . وقال ابن حبيب : إن كان مُحصنًا فهذا الذي ينجي قاتله البينة . وقد اختلف عن عمر ـ رضي الله عنه ـ في هدر دم مثل هذا . وروي عن علي ـ رضي الله عنه ـ : يُقَاد منه . فأمَّا لو لم يأت ببيَّنة فإنَّه يقتل به ، ولا يقبل قوله عند الجمهور . وقال الشافعي ، وأبو ثور : وسعه فيما بينه وبين الله تعالى قتله . يعنيان : إذا كان محصنًا ، والله تعالى أعلم . و( قوله : كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائلَ وعابها ) يحتمل أن تكون هذه الكراهة لكثرة المسائل ، كما قد جاء النهي عنها نصًّا . ويحتمل أن تكون لقبح هذه المسألة . ويدلّ على هذا قول عاصم : ( وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألتُه عنها ) . و( قوله : قد أُنزل فيك وفي صاحبتك ) يدل : على أنه صلى الله عليه وسلم عرف أنه صاحب المسألة : فإمَّا بقرائن الأحوال ، وإمَّا بالوحي . و( قوله : فتلاعنا في المسجد ) فيه بيان : أن سنَّة اللعان كونه في المسجد ، ولم يختلف في ذلك إلا ما روي عن عبد الملك : أنَّه يكون في المسجد أو عند الإمام ، وفيه : أنه يكون بحضرة الإمام . والقياس والإجماع على أنه لا يكون إلا بسلطان . و( قوله : كذبت عليها إن أمسكتُها . فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا حجة للشافعي على جواز إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة . ووجه احتجاجه : أنه صلى الله عليه وسلم أقرَّه على ذلك . وقد انفصل أصحابنا عن ذلك بأن قالوا : إنَّه إنما أقرَّه ؛ لأن الطلاق لم يقع ؛ إذ لم يصادف محلاً ؛ فإنها قد بانتْ منه بفراغهما من اللَّعان ؛ بدليل قوله في الحديث الآخر : ( لا سبيل لك عليها ) . وقد تقدَّم القول في هذه المسألة . و( قوله صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يطلق ثلاثًا في كلمة واحدة : ( أَيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟! ) إنكارُ محقَّقٌ . و( قول ابن شهاب : ( فكانت تلك سنة المتلاعنين ) ظاهره : أنها إشارة إلى كونه طلقها ثلاثًا . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذاكم التفريق بين كل متلاعنين ) وبه تمسَّك من شذَّ من العلماء ، فقال : هو ثلاث . والجمهور على أنه ليس بثلاث . لكن اختلفوا ؛ فأكثرهم : على أنه بفراغها من اللِّعَان يقع التحريم المؤبَّد ، ولا تحل له أبدًا ؛ وإن أكذب نفسه ، متمسِّكين في ذلك بقوله : ( لا سبيل لك عليها ) . وبما جاء في حديث ابن شهاب من رواية ابن وهب : ( فمضت سنَّة المتلاعنين أن يفرق بينهما ، ولا يجتمعا ) . وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ، وعبيد الله بن الحسن ، هو واحدة بائنة ، وإن أكذب نفسه بعد اللعان حدّ ، وحلت له . وغيرهم يحدُّونه ، ويلحقون به الولد ، ولا يحلونها له ، وأشذُّ الخلاف في هذه المسألة قول عثمان البَتِّي : إنه لا يفرق بينهما . وحكاه الطبري عن جابر بن زيد . وهذا القول مردود بالنصوص الْمُتقدِّمة . قلت : وهذه الرواية ظاهرها : أنَّه لاعنها لمجرد القذف ، فإنَّه لم ينصّ فيها على رؤية الزنا ، ولا على نفي الحمل ، فيمكن أن يحتجّ بها من رأى اللعان لمجرد القذف ، وهو الشافعي ، والأوزاعي ، وفقهاء المحدثين ، والكوفيون . وهو أحد قولي مالك . ويتمسَّكون أيضًا بمطلق قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ الآية . ومشهور مذهب مالك : أنَّه لا لعان في القذف المجرد ، ويحدّ حتى ينصَّ على الزنا . وهو قول الليث ، وأبي الزناد ، والبَتِّي ، ويحيى بن إسماعيل . والصحيح : أنَّه لا متمسَّك في هذا الحديث على أن مطلق الرمي موجب للِّعان ؛ لأنه وإن كان قد سكت في هذه الطريق عن صفة الرَّمي ، فقد ذكره في رواية أخرى مفصَّلاً ، وأنَّه نفى حملها . وأمَّا الآية فمتمسكهم بها واضحٌ . ولا خلاف في صحة اللَّعان في ادعاء رؤية الزنا ، وفي نفي الحمل على الجملة ، والله تعالى أعلم .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم قال الشَّيخُ الفقيه ، الإمامُ العالمُ المُحدِّث ، أبو العبَّاس ابنُ الشَّيخِ الفَقيهِ أبي حَفْصٍ عُمَرَ ، الأنصاريُّ القُرْطُبيُّ - رحمه الله - : الحمدُ لله بمَجامِع مَحامِده التي لا يُبْلَغُ مُنتَهاها ، والشُّكْرُ له على آلائِهِ ، وإن لم يَكُن أحدٌ أحصاها . وأشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، شَهادَةَ مُحَقِّقٍ أصُولِهَا مُحيطٍ بِمَعْنَاهَا ، وَأَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسُولٌ حَلَّ مِنْ رُبَا النبوَّةِ أَعْلاَهَا فَعَلاَهَا ، وَحَمَلَ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَة إِدَّهَا ، فَاضْطلَعَ بِهَا وَأَدَّاهَا ، فجلا اللهُ بِهِ عن البصائرِ رَيْنَهَا ، وعن الأبصارِ عَشَاهَا ، صَلَّى اللهُ عليه من الصلواتِ أفضَلَهَا وأزكَاهَا ، وأبلَغَهُ عنَّا من التحياتِ أكمَلَهَا وأَوْلاَهَا ، ورَضِيَ اللهُ عن عِتْرَتِهِ وأزواجِهِ وصحابتِهِ ما سَفَرَتْ شمسٌ عن ضُحَاهَا ، وبعدُ : فلمَّا قَضَتْ نتائِجُ العُقولْ ، وأدلَّةُ الشَّرعِ المَنقُولْ : أن سَعادَةَ الدَّارَينِ مَنُوطَةٌ بمُتابَعَةِ هذا الرَّسولْ ، وأنَّ المحبةَ الحَقيقِيَّةَ باقْتِفاءِ سَبيلِهِ وَاجِبَةُ الحُصُولْ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي انْتَهَضَتْ هِمَمُ أعلامِ العُلَماءْ ، والسَّادَةُ الفُضلاءْ ، إلى البَحثِ عَنْ آثارِهْ : أقوالِهِ وأفعالِهِ وإِقْرارِهْ ، فحَصَّلُوا ذَلِك ضَبطًا وحِفظًا ، وبلَّغُوهُ إلى غَيرِهِمْ مُشافَهَةً ونَقْلاً . ومَيَّزوا صَحيحَهُ مِنْ سَقيمِهْ ، ومُعْوَجَّهُ مِنْ مُستَقيمِهْ ، إلى أن انْتَهى ذلك إلى إمَامَيْ عُلَماءِ الصَّحيحْ ، المُبَرِّزَينِ في عِلْمِ التَّعديلِ والتَّجريحْ : أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل الجُعْفيِّ البُخاريّ ، وأبي الحُسَين مُسْلِم بن الحجَّاج القُشَيْريِّ النَّيْسابُوريّ ، فجَمَعَا كِتابَيْهِما عَلَى شَرْطِ الصِّحَّة ، وبَذَلا جُهْدَهُما في تَبْرِئَتِهِما مِن كُلِّ عِلَّة ، فتمَّ لهُما المُرادُ ، وانعَقَدَ الإجْماعُ على تَلْقِيبِهِما باسْمِ الصَّحيحَيْن أَوْ كادْ ، فجَازاهُما الله عَنِ الإسلامِ أَفْضَلَ الجَزاءْ ، وَوَفَّاهُما مِنْ أَجْرِ مَنِ انْتَفَعَ بِكِتابَيْهِما أَفْضَلَ الإجْزَاءْ . غَيْرَ أنه قد ظَهَرَ لكثيرٍ منْ أئمَّة النقْلِ ، وَجَهَابِذَةِ النَّقْد : أنَّ لمسلمٍ ولكتابهِ من المَزِيَّة ؛ ما يُوجِبُ لهما أَوْلَوِيَّة ؛ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الفَضْل عِيَاضٌ الإِجْماعَ عَلَى إمامتِهِ وتقديمِهِ ، وصِحَّةِ حديثِهِ ، وتمَيْزِهِ ، وثقتِهِ ، وقَبُولِ كِتَابِهِ . وكان أَبُو زُرْعَةَ وأبُو حَاتِمٍ يُقَدِّمانِهِ في الحديثِ على مشايِخِ عَصْرِهِمَا . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحسَنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ : مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ . وقَالَ أَبُو مَرْوانَ الطّيبيُّ : كان من شُيوخِي من يفضِّل كتابَ مُسْلِمٍ عَلَى كِتَابِ البُخَارِيِّ . وَقَالَ مسلم بْنُ قَاسِمٍ فِي تَارِيخِهِ : مُسْلِمٌ جَلِيْلُ الْقَدْرِ ، ثِقَةٌ ، مِنْ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِيْنَ ، وَذَكَرَ كِتَابَهُ فِي الصَّحِيحِ ، فقَالَ : لَمْ يَضَعْ أَحَدٌ مِثْلَهُ . وَقَالَ أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ : سَمِعْتُ مُسْلِمًا يَقُولُ : مَا وَضَعْتُ شَيئًا فِي هَذَا المُسْنَدِ إِلاَّ بِحُجَّةٍ ، وَمَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ . وَقَالَ ابْنُ سُفْيَانَ : قَالَ مُسْلِمٌ : لَيْسَ كُلُّ الصَحِيْحٍ وَضَعْتُ هُنَا ، إِنَّمَا وَضَعْتُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ . وقَالَ مُسْلِمٌ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيْثِ يَكْتُبُوْنَ الْحَدِيْثَ مِائَتَيْ سَنَةٍ ، فَمَدَارُهُمْ عَلَى هَذَا الْمُسْنَدِ ، وَلَقَدْ عَرَضْتُ كِتَابِيْ هذَا عَلَى أَبِيْ زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ؛ فَكُلَّ مَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَهُ عِلَّةً تَرَكْتُهُ ، وَمَا قَالَ : هُوَ صَحِيْحٌ لَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ أَخْرَجَتْهُ . هَذَا مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ أَحْسَنُ الأَحَادِيْثِ مَسَاقًا ، وَأَكْمَلُ سِيَاقًا ، وَأَقَلّ تَكْرَارًا ، وَأَتْقَنُ اعْتِبَارًا ، وَأَيْسَرُ لِلْحِفْظِ ، وَأَسْرَعُ لِلضّبْطِ ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ صَدْرًا مِنْ عِلْمِ الْحَدِيث ، وَمَيَّزَ طبَقَاتِ الْمُحَدِّثِيْنَ فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيثْ . وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ بِهَذِهِ الصِّفَة ، وَمُصَنِّفُهُ بِهَذِهِ الْحَالَة ، ينبغِيَ أَنْ يَخُصَّ بِفَضْلِ عِنَايَة ؛ مِنْ تَصْحِيْحٍ وَضَبْطٍ وَرِوَايَة ؛ وَحِفْظٍ وَتَفَقُّهٍ وَدِرَايَة . إِذِ الاعْتِنَاءُ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُشَرِّفُ الأَقْدَار ؛ وَيُنْهِضُ الْحُجَّةَ وَيُسَدِّدُ الاعْتِبَارْ ؛ وينفع الْبَصَائِرَ ، وَيَفْتَحُ الأَْبْصَارْ ؛ وَيُمَيِّزُ عَنِ الْجَهلَةِ ، ويُلْحِقُ بِالأَْئِمَّةِ الأَْبْرَارْ ، وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَيُنْجِي مِنَ النَّارْ . وَقَدْ أَعَانَ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ عَلَى الاعْتِنَاءِ بِهَذَا الْكِتَابْ ، فَتَلَقَّيْتُهُ رِوَايَةً وَتَقْيِيدًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْلاَمِ الْعُلَمَاءْ ؛ وثَافَنْتُ فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعْضَ سَادَاتِ الْفُقَهَاءْ . فَممنْ رَوَيْتُ عَنْهُ : الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْمُحَدِّثُ الثِّقَةُ الثَّبْتُ ، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ الشَّيْخِ الزّْاهِدِ الْفَاضِلِ ، الْمُحَدِّثِ الْمُقِيدِ ؛ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ الْيَحْصِبِيُّ ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُمْسِكُ أَصْلَهُ نَحْوَ الْمَرَّتَيْنِ ، فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا شَعْبَانُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتُّمَائَةٍ . وَالشَّيْخُ الْفَقِيْهُ القَاضِي الأعْدَلُ ، الْعَلَمُ الأَْعْلَمُ ، أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الله بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ حَوْطِ الله ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، وَسَمَاعًا لِكَثِيرٍ مِنْهُ ، وَإِجَازَةً لِسَائِرِهِ ، وَذَلِكَ بِقُرْطُبَةَ فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا مَا تَقَدَّمَ : قَالاَ جَمِيعًا : حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ الْحَافِظُ ، أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ بَشْكُوَالَ ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، عَنْ أَبِي بَحْرٍ بن سُفْيَانَ بْنِ الْقَاضِي ، سَمَاعًا لِجَميعِهِ إِلاَّ وَرَقَاتٍ مِنْ آخِرِها أَجَازَهَا لَهُ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْعُذْرِيِّ ، قِرَاءَةً غَيْرَ مَرَّةٍ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ بُنْدَارَ الرَّازِيِّ ، سَمَاعًا بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَمْرُوَيْه بن الْجُلُودِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُمُ الله . وَقَدْ رُوِّيتُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَْعْلاَمِ ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً بِمِصْرَ وَغَيْرِهَا ، عَنِ الشَّيْخِ الشَّرِيفِ أَبِي الْمَفَاخِرِ سَعِيدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَأْمُونِيِّ الْهَاشِمِيِّ سَمَاعًا ، عَنِ الشَّيْخِ الإِمَامِ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّاعِدِيِّ الْفَرَاوِيِّ ، سَمَاعًا ، عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ ، سَمَاعًا ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ ؛ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ رُوِّيتُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَة ؛ بِأَسَانِيدَ عَدِيدَة ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَة ، وَالله الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَة . وَلَمَّا تَقَاصَرَتِ الْهِمَمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ بُلُوغِ الْغَايَاتْ ؛ مِنْ حِفْظِ جَمِيعِ هَذَا الْكِتَابِ ؛ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأَْسَانِيدِ وَالرِّوَايَاتْ ، أَشَارَ مَنْ إِشَارَتُهُ غُنْمْ ؛ وَطَاعَتُهُ حَتْمْ إِلَى تَقْرِيبِهِ عَلَى الْمُتَحَفِّظْ ؛ وَتَيْسِيرِهِ عَلَى الْمُتَفَقِّه ؛ بِأَنْ نخْتَصَرَ أَسَانِيدُهُ ، وَنحْذَفَ تَكْرَارُه ، وَنُنَبَّه عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ أَحَادِيثُهُ بِتَرَاجِمَ تُسْفِرُ عَنْ مَعْنَاهَا ، وَتَدُلُّ الطَّالِبَ عَلَى مَوْضِعِهَا وَفَحْوَاهَا . ( 1 ) بابُ ما تضمَّنتْهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب ( قوله : الحمد لله ) الحمدُ لغةً : هو الثناءُ على مُثْنًى عليه بما فيه من أوصاف الجلال والكمال . والشكر والثناءُ بما أَوْلَى من الإنعام والإفضال ، وقد يوضع الحمدُ موضعَ الشكر ، ولا ينعكس ؛ والشكرُ يكونُ بالقلب واللسان والجوارح . قال الشاعر : أَفَادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا قال ابن الأنباري : الحمدُ مقلوبُ المدح ، والألفُ واللامُ في الحمد : إذا نُسبتا إلى الله تعالى : للجنس ، أي : الحمدُ كلُّه له ؛ وهذا أولى مِن قول مَن قال : إنَّهما للعهد ؛ بدليل خصوصيَّة نسبتِه إلى هذا الاسمِ الذي هو أعمُّ الأسماء دَلالةً وأشهَرُها استعمالاً ؛ ألا ترى أنَّهم لم يقولوا : الحمد للمَلِكِ ، ولا للحقِّ ؟! ولأنَّه لم يجر ذكرُ معهودٍ قبله فيُحْمَلَ عليه . والمحامد : جمع مَحْمِدَة ، بكسر الميم ؛ كما قال الأحنف بن قيس : ألا أدلُّكم على المَحْمِدَةِ بلا مَريَة ؟ الخُلُقُ السَّجِيح ، والكفُّ عن القبيح . وكان قياسُ ميم المَحْمِدَة التي هي عينُ الفعل : أن تكونَ مفتوحة ؛ لأنَّ قياسَ الأفعالِ الثلاثيَّة التي يكون الماضي منها على فَعِلَ مكسور العين : أن يكون الفعلُ منها مفتوحَ العين في المصدر والزمان والمكان ؛ كالمَشْرَب ، والمَعْلَم ، والمَجْهَل ، لكنْ شذَّت عنهم كلمات . قال أبو عمرَ الزاهدُ : لم يأت على مثال فَعِلْتُ مَفْعِلَةً إلاَّ قولهم : حَمِدتُّ مَحمِدَةً ، وحَمِيتُ مَحمِيَةً ، أي : عصمت ، وحَسِبْتُ مَحسِبَةً ، ووَدِدتُّ مَوْدِدَةً ، وأنشد الراجز : مَا لِيَ في صُدُورِهِمْ مِنْ مَوْدِدَة وزاد غيره : كَبِرْتُ مَكْبِرَةً ومَكْبِرًا ؛ كما قال أعشى هَمْدان : طَلَبْتَ الصِّبَا لما عَلاني المَكْبِرُ وحكى ابنُ البياتِيّ في كتابه الكبير في ميم المحمدة الفتحَ ، ونقل عن ابن دُرَيْدٍ : مَحْمِدَة ومَحْمَدة ، بالكسر والفتح ، وقاله أيضًا ابن سِيدَه . وقال بعضهم : إنَّ المحامدَ جمع حَمْدٍ على غير قياس ؛ كالمَفَاقِر جمع فَقْر ، والأوَّل أولى ؛ لأنّ ما ليس بقياسٍ لا يقاسُ عليه ؛ إذ الجمعُ بينهما متناقض ، وقد جُمِعَ الحمدُ جمعَ القِلَّةِ في قول الشاعر : وَأَبْلَجَ مَحْمُودِ الثَّنايا خَصَصْتُهُ بأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضَلِ أَحْمُدِ و ( قوله : التي لا يُبْلَغُ مُنتهاها ) أي : لَعْجِز البشر عن الإحصاء ؛ لقصور علمهم عن الإحاطة بصفات الحق تعالى وأسمائه ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ . و الآلاء : النِّعَم ، واحده : إلى ؛ كمِعًى وأمعاء ، وقيل : أَلىً ؛ كقَفًا وأَقْفاء ؛ قال الشاعر : أَبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلا يَقْطَعُ رِحْمًا وَلا يَحوز إِلًى يُروى بالوجهين ، وقيل : إلْيٌ ؛ كحِسْيٍ وأَحْسَاء . و ( قوله : وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ) أي : أنطِقُ بما أعلمُهُ وأتحقَّقُهُ . وأصلُ الشهادة : الإخبارُ عمَّا شاهد المخبِرُ بحسِّه ، ثُمَّ قد يقال على ما يحقّقه الإنسانُ ويتقَّنَهُ وإنْ لم يكن شاهدًا للحِسِّ ؛ لأنَّ المحقَّقَ علمًا كالمدرَكِ حِسًّا ومشاهدةً . و ( قوله : شهادةَ محقِّقٍ أصولها ، محيطٍ بمعناها ) : أصولُ الشهادة : أدلَّتُها العقليَّة والسمعيَّة . والإحاطةُ تعني هاهنا : العلمَ بمعناها في اللغة ، وفي عُرْفِ الاستعمال . و مُحَمَّدٌ : مُفَعَّل من الحمد ، وهو الذي كثُرت خصالُهُ المحمودة ؛ قال الشاعر : إِلَى المَاجِدِ القَرْمِ الجَوَادِ المُحَمَّدِ ولمَّا لم يكن في الأنبياء ولا في الرسل مَنْ له من الخصالِ المحمودةِ ما لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم خصَّه الله مِنْ بينهم بهذا الاسم ؛ كيف لا ، وهو الذي يَحْمَدُهُ أهلُ المحشر كلُّهم ، وبيده لواءُ الحمد ، تحته آدمُ فَمَنْ دونَهُ ؛ على ما يأتي ؟! و الرُّبَا : جمع رَبْوة ، وهو ما ارتفع من الأرض وطاف ، وفيها لغات : فتحُ الراء وضمُّها وكسرُها ، وقد قرئ بها . وقيل : رَبَاوة : بفتح الراء وزيادة الألف ، قال الشاعر : مِن مَنْزِلي فِي عَرْصَةٍ بِرَبَاوَةٍ بَيْنَ النُّخَيْلِ إِلَى بَقِيع الغَرْقَدِ و النُّبُوَّة : مأخوذة من النبأ ، وهو الخبر ، فأصلها إِذَا الهمزُ ، ثمَّ سُهِّلت كما سهَّلوا خابية ، وهي من خَبَأْتُ ، وقيل : هي مأخوذةٌ من النَّبْوَة ، وهو المرتفعُ عن الأرض . و الأعباء : جمع عِبْء ، وهو الثِّقْل ، وأصله : ما يحمله الإنسانُ مما يَشُقُّ ويثقُلُ من عزم أو مشقَّة . و إِدُّها : أثقلُهَا وأشقُّها ؛ في الصحاح : آدَنِي الحِمْلُ يَؤُودُني ، أي : أثقلني ، ومَؤدد مثل مَقُول ، يقالُ : ما آدني فهو لي آئدٌ . قلتُ : ومنه قوله تعالى : وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا أي : لا يُثْقِله ولا يَشُقُّ عليه . و ( قوله : فاضطلع بها ) أي : قام بها وقَوِيَ عليها ، وهو بالضاد المعجمة أخت الصاد ؛ من قولهم : ضَلُعَ الرجلُ - بضمِّ اللام - ضَلاعةً ، فهو ضَلِيع ، أي : قوي وصُلْبٌ . فأما ضَلَع - بفتح اللام - فمعناه : اعوج ، ومصدره : الضَّلَع بفتحها ، واسمُ الفاعلِ مِنْ هذا أو من الذي قبله : ضالعٌ . و جَلاَ معناه : كشف ، ومنه : جلَوْتُ السيفَ والعروسَ جِلاَءً . و البصائر : جمع بصيرة ، وهي عبارةٌ عن سرعة إدراك المعاني وجَوْدَةِ فهمها . و رَيْنُ القلبِ : ما يَغْلِبُ عليه مما يُفْسِدُهُ ويُقَسِّيه ، وهو المعبَّر عنه بالطَّبْعِ والخَتْم في قول أهل السنة . و العَشَا بفتح العين والقصر : ضَعْفٌ في البصر ، وبكسرها والمد : الوقتُ المعروف ، وبفتحها والمد : ما يؤكَلُ في هذا الوقت ، مقابلَ الغَدَاء . و أزكاها : أكثرُها وأنماها ؛ من قولهم : زَكا الزرعُ يَزْكُو . و التحيَّات : جمع تحيَّة ؛ وهي هنا السلام ، وأصلُ التحية : المُلْكُ ، ومنه قولهم : حيَّاك الله ، أي : مَلَّكك الله ، قاله القُتَبِيُّ . و العِتْرة : الذرية والعشيرة ، القُرْبى والبُعْدى ، وليس مخصوصًا بالذرية ؛ كما قد ذهب إليه بعضهم حتى قال : إنَّ عترةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هي وَلَدُ فاطمة خاصَّةً . ويدلُّ على صحة القولِ الأوَّل : قولُ أبي بكر - رضي الله عنه - فيما رواه ابنُ قُتَيْبَةَ : نَحْنُ عِتْرَةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - التي خَرَجَ منها ، وبَيْضَتُهُ التي تفقَّأَتْ عنه ، وإنما جِيبَتِ عنا كما جِيبَتِ الرَّحَا عن قُطْبِها . و سَفَرَتْ : كشفَتْ ، يقال : سفَرْتُ الشيءَ سَفْرًا كشفْتُهُ ؛ ومنه سَفَرَتِ المرأةُ عن وجهها سُفُورًا : إذا أزالت خمارها ، وأما أسفر الصبحُ : فأضاء ، وأَسْفَرَ القوم : ساروا في إسفارٍ من الصبح . و الضُّحَى : صدرُ النهار ، بالضم والقصر ، وهي حين شروقِ الشمس ، وهي مؤنَّثة ، فأمَّا الضَّحاءُ ، بالمد : فارتفاع النهار الأعلى ، وهو مذكَّر ؛ قاله أبو عُبَيْد . و النتائج جمع نتيجة ، وكُنّىَ بها هنا عن البراهين العقلية ، فإنها قضت بما ذكرَناه جوازًا وإمكانًا . و أدلة الشرع : هي أخباره الصادقة ؛ فإنها قضَتْ بذلك وقوعًا وعِيَانًا . و سعادة الدارين : هي نيلُ مراتبهما ومصالحهما ، ونفيُ مفاسدهما . و منوطة : معلَّقة ، يقال : ناط الشيءَ يَنُوطُهُ : إذا علَّقه ؛ والإشارة به إلى نحو قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والهداية الحقيقية هي فعلُ الطاعاتِ الشرعيَّة ، والحصولُ على ما وعَدَ عليها من الدرجات الأخروية ؛ والإشارةُ إلى نحو قوله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ؛ وتجوز بالحقيقَة عن الهداية التي هي مجرَّدُ الإرشادِ والدَّلالَةِ التي هي نحو قولِهِ تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ . و الاقتفاء : التَّتَبُّع ؛ من قولهم : اقتفيْتُ أثَرَه وقفوْتُهُ ، وأصله من القَفَا والقافية . و ( قوله : واجبة الحصول ) أي : بحسَبِ الوعدِ الصدق والاشتراطِ الحق ؛ نحو ما تقدَّم . ولا يجبُ على الله تعالى شيء ، لا بالعقلِ ولا بالشرع ؛ فإنَّ ذلك كلَّه محالٌ على ما يعُرف في علم الكلام . و الأعلام : المشاهير ، جمع عَلَمٍ . و السَّادة : جمع سيِّد ، وهو الذي يَسُودُ غيره ، أي : يتقدَّم عليه بما فيه مِنْ خصال الكمال والشرف . وآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - : هي ما يُؤْثَرُ عنه وينقل ، أي : يُتَحَدَّث بما فيه من حسن خصال الكمال من قولهم : أَثَرْتُ الحديثَ أثرة . و ( قوله : وميَّزوا صحيحَه من سقيمِه ) : اختلفت عباراتُ المحدِّثين في أقسام الحديث ، فقال أبو عبد الله محمد بنُ عبد الله الحاكمُ النيسابوريُّ : وهو المعروفُ بابن البَيِّع في كتاب المَدْخَل له : الصحيحُ من الحديث على عشرة أقسام ؛ خمسةٌ مُتَّفَقٌ عليها ، وخمسةٌ مُخْتَلَفٌ فيها : فالأول : من المتفَّق عليه : اختيارُ البخاريِّ ومسلم ، وهو ألاَّ يَذْكُرا من الحديث إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم له راويان فأكثر ، ثم يرويه عنه تابعيٌّ مشهورُ الرواية عن الصحابة ، له هو أيضًا راويان فأكثر ؛ وكذلك مَنْ بعدهم ، حتى ينتهي الحديثُ إليهما . قال : والأحاديثُ المرويَّةُ بهذه الشريطةِ لا يبلُغُ عددها عَشَرَةَ آلاف . الثاني : مِثْلُ الأول ؛ لكنْ ليس لراويه من الصحابة إلا راو واحد . الثالث : مثله ؛ إلا أنَّ راويَهُ ليس له من التابعين إلا راو واحدٌ . الرابع : الأحاديثُ الأفرادُ الغرائبُ التي رواها الثقاتُ العدول . الخامس : أحاديثُ جماعةٍ من الأئمَّةِ عن آبائهم عن أجدادهم ، ولم تتواتَرِ الروايةُ عن آبائِهِمْ وأجدادِهِمْ إلا عنهم ؛ كصحيفة عمرو بن شُعَيْب ، وبهز بن حَكِيم ، عن أبيه ، عن جَدِّه ، وأبان بن معاوية بن قُرَّة ، عن أبيه ، عن جده ، وأجدادُهُمْ صحابةٌ ، وأحفادهم ثقات . قال : فهذه الأقسام الخمسة مخرَّجة في كتب الأئمة ، محتجٌّ بها ؛ وإن لم يخرَّج في الصحيحين منها شيء . قلتُ : يعني غَيْرَ القسم الأول . قال الحاكم : والخمسةُ المختَلُف فيها : المراسيل . وأحاديث المدلِّسين إذا لم يَذْكُروا سماعاتهم ، وما أسنده ثقةٌ وأرسلَهُ جماعةٌ من الثقاتِ غيرُهُ . وروايةُ الثقاتِ عن الحُفَّاظ العارفين . وروايةُ المبتدعة إذا كانوا صادقين . قلتُ : هذا تلخيصُ ما ذكره ، وعليه فيه مؤاخذاتٌ سيأتي بعضها . وأشبَهُ مِنْ تقسيمه : ما قاله الخَطَّابيُّ أبو سليمان ، قال : الحديثُ عند أهله على ثلاثة أقسام : صحيحٌ ، وحَسَنٌ ، وسقيم : فالصحيح : ما اتصَلَ سنده ، وعُدِّلَتْ نَقَلَتُهُ . والحسن : ما عُرِفَ مَخْرَجُهُ ؛ واشتَهَر رجاله ؛ وعليه مدارُ أكثرِ الحديث ، وهو الذي نقله العلماء ، ويستعملُهُ عامَّةُ الفقهاء . والسقيم : على طبقات ، شرُّها الموضوعُ والمقلوبُ ، ثم المجهول . وقال أبو عيسى الترمذي : كلُّ حديثٍ حَسُنَ إسنادُهُ ، ولا يكونُ في إسناده مَنْ يُتَّهَمُ بالكذب ، ولا يكونُ الحديثُ شاذًّا ، ورُوِيَ عن غير وجه ونحو ذلك : فهو عندنا حسن . وقال أبو عليٍّ الغَسَّانيُّ : الناقلون سبع طبقات : الأولى : أئمة الحديث وحُفَّاظه ، وهم الحُجَّة على مَنْ خالفهم ، ويُقبَلُ انفرادُهم . الثانية : دونهم في الحفظ والضبط ؛ ولكنَّهم لَحِقَهم في بعض روايتهم وَهَمٌ وغَلَطٌ . والغالبُ على حديثهم الصِّحَّة ، ويُصحَّحُ ما وَهِمُوا فيه من رواية الطبقة الأولى ، وهم لاحقون بهم . الثالثة : جَنَحَتْ إلى مذاهبَ مِنَ الأهواء غير غالية ولا داعية ، وصَحَّ حديثها ، وثَبَتَ صدقها ، وقَلَّ وَهَمُها ؛ فهذه الطبقة احتمَلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم . قال : وعلى هذه الطبقاتِ الثلاثِ يدورُ الحديثُ ؛ وإليها أشار مسلم في صدر كتابه لمَّا قَسَّم الحديثَ على ثلاثة أقسام ، وثلاثِ طبقات ، فلم يُقَدَّرْ له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى ، واخترمتْهُ المنيَّة . وثلاثُ طبقات أسقطَهُمْ أهلُ المعرفة : الأولى : مَن وُسِم بالكذب ، وَوَضْع الحديث . الثانية : مَن غَلَب عليهم الوَهَمُ والغَلَطُ حتى تستغرق روايتهم . الثالثة : مَن غلا في البدعة ، ودعا إليها ، وحَرَّفَ الرواية ليحتجُّوا بها . والسابعة : قومٌ مجهولون ، انفردوا بروايات لم يتابَعُوا عليها ؛ فقبلهم قومٌ ، ووقفهم آخرون . قلت : وهذا التقسيمُ أشبهُ ممَّا قبله . وعليه : فالصحيحُ : حديثُ الطبقة الأولى ، والحسَنُ : حديثُ الطبقة الثانية ، وهو حجةٌ ؛ لسلامته عن القوادح المعتبرة ، وأمَّا حديثُ الطبقة الثالثة : فاختُلِفَ في حديثها ؛ على ما يأتي . وأما الطبقاتُ الثلاثُ بعدها فهم متروكون ، ولا يُحتَجُّ بشيء من حديثهم ، ولا يُختَلَف في ذلك . ويلحق بهم السابعةُ في الترك ، ولا يُبالَى بقولِ مَنْ قَبلَهم ؛ إذْ لا طرائقَ إلى ظَنِّ صدقهم ؛ إذْ لا تُعرَفُ روايتُهُم ولا أحوالهم ؛ ومع ذلك فقد أَتَوْا بالغرائبِ والمناكِير ، فإحدى العلتين كافية في الرد ، فكيف إذا اجتمعتا ؟! و ( قوله : ومُعْوَجَّهُ من مستقيمه ) : أشار بالمُعْوَجِّ إلى ما كان منها منكرَ المتن ، ولم يشبه كلامَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ كما قال أبو الفرج ابن الجوزيُّ في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية : إن من الأحاديثِ الموضوعاتِ أحاديثَ طِوَالاً لا يخفى وضعها ، وبرودةُ لفظها ؛ فهي تنطق بأنها موضوعة ، وأنَّ حاشيةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترق عنها . وقال الشيخ : وإلى هذا النحو أشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله : إذا حُدِّثْتُمْ عني بحديثٍ تَعْرِفُونَهُ ولا تُنكِرُونَهُ ، فصدِّقوا به ، وما تنكرونه ، فكذِّبوا به ؛ فأنا أقولُ ما يُعرَفُ ولا يُنْكَر ، ولا أقولُ ما يُنْكَرُ ولا يُعْرَف ؛ خرَّجه الدَّارقُطنيُّ ؛ من حديث ابن أبي ذئب ، عن المَقْبُريِّ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . و المبرِّز : هو المُطِلُّ على الشيءِ الخارجُ عنه ، وهو اسمُ فاعلٍ من بَرَّزَ مُشدَّدَ الراء ، وأصله من بَرَزَ حقيقة ، بمعنى : خرج إلى البَراز - بفتح الباء وهو الفضاءُ المتسع من الأرض ، وضوعف تكبيرًا . البخاري : هو أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المُغِيرَة بن بَرْدِزْبَه ، وبردزبه : مجوسيٌّ مات عليها ، والمغيرة بن بردزبه أسلم على يدي يمان البخاري الجعفي والي بخارى ، ولذلك نُسبَ أبو عبد الله البخاري ، فقيل فيه : جُعْفِيُّ ، فهو الجعفيُّ ولاءً ، والبخاري بلدًا . وهو العَلَمُ المشهورْ ، والحاملُ لواءَ علمِ الحديثِ المنشور ، صاحب التاريخ الصحيح ، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريحْ ، أَحَدُ حُفَّاظِ الإسلامْ ، ومَنْ حَفِظَ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاةُ والسلامْ ، رحَلَ في طلب الحديثِ إلى القُرَى والأمصارْ ، وبالَغَ في الجمعِ منه والإكثارْ ، لقي مَنْ كان في عصره من العلماء والمحدِّثينْ ، وأدرَكَ جماعةً أدركوا التابعينْ ؛ كَمَكِّيِّ بن إبراهيمَ البَلْخِيّ ، وأبي عاصمٍ النبيل ، ومحمَّدِ بنِ عبدِ الله الأنصاريّ ، وعصامِ بنِ خالدٍ الحِمْصِيّ ، وهم أدركوا متأخِّري التابعينْ . ارتحَلَ إلى عراقِ العربِ والعَجَم ، وإلى مصرَ والحجازِ واليَمَن ، وسمع بها مِنْ خلقٍ كثيرْ رُبَّمَا يزيدون على الألفِ باليسيرْ . قال جعفرُ بنُ محمَّد بن القَطَّانُ : سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقول : كتبتُ عن ألفِ شيخٍ أو أكثر ، ما عندي حديثٌ إلا أذكُرُ إسناده . رَوَى عنه جمعٌ كبيرٌ من الأئمة الحُفَّاظ ؛ كأبي حاتم الرازي ، ومسلم بن الحَجَّاج القُشَيْري ، وأبي عيسى التَّرْمِذِيّ ، ومحمد بن إسحاق بن خُزَيْمة ، وأبي حامدِ بنِ الشَّرْقيِّ ، وإبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحَرْبي ، في آخرين يطولُ ذكرهم . وروى عنه الجامعَ الصحيحَ : أبو حيان مَهِيبُ بن سُلَيْمٍ الدَّقَّاق ، وإبراهيمُ بنُ مَعْقِلٍ النَّسَفِيُّ ، ومحمد بن يوسف بن مَطَرٍ الفَرَبْرِيُّ ، وهو آخرهم ، وقال محمد بن يوسفَ الفَربريُّ : سمع كتابَ البخاريِّ تسعون ألف رجل ، فما بقي أحدٌ يرويه غيري . ومولُد البخاريِّ يوم الجمعة بعد صلاتها لثلاثَ عَشَرَةَ ليلةً خلت من شَوَّال سنة أربع وتسعين ومائة ، وتوفِّي ليلةَ السبتِ عند صلاة العشاء من ليلة الفطر من شوال ، سنة ست وخمسين ومائتين ، وعمره : اثنتان وسِتُّون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا . شَهِدَ له أئمَّةُ عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله ، وشهدَتْ له تراجمُ كتابه بفهمه وفقهه . قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة : ما تحت أديمِ السماء أعلَمُ بالحديث من البخاري . وقال له مسلم بن الحَجَّاج ، وقد سأله عن عِلل الأحاديث ، فأجابه ، فقال له : لا يَبْغُضُكَ إلا حاسد ، وأشهَدُ أنْ ليس في الدنيا مثلك . وقال أبو بكرٍ الجَوْزَقي : سمعتُ أبا حامدِ بْنَ الشَّرْقي أو غيره يقولُ : رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يَدَيِ البخاريِّ كالصبيِّ بين يدي معلِّمه . وقال حامد بن أحمد : ذُكِرَ لعليِّ بنِ المَدِيِنيِّ قولُ محمد بن إسماعيل البخاري : ما تصاغَرْتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند عليِّ ابن المديني ، فقال : ذروا قوله هو ، ما رأى مِثْلَ نفسه . وذكر أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ : أَنَّ البخاري لمَّا قدم بغداد امتحنه المحدِّثون بأنْ قلبوا أسانيد مائةِ حديثٍ ، فخالفوا بينها وبين متونها ، ثم دفعوها لِعَشَرةِ أنفس ، لكلِّ واحدٍ عشرةُ أحاديث ، فلمَّا استَقَرَّ به المجلس ، قام إليه واحد من العشرة ، فذَكَر له حديثًا مِنْ عَشَرَتِهِ المقلوبة ، فسأله عنه ، فقال له البخاري : لا أعرف هذا . ثم سأله عن بقيَّةِ العَشَرة واحدًا واحدًا ، وهو في كلِّ ذلك يقول : لا أعرف . ثم قام بعده ثانٍ ففعل له مثلَ ذلك ، ثم قام ثالثٌ كذلك ، حتى كمَّل العشرةُ المائة الحديثِ . فلمَّا فرغوا ، دعا بالأوَّل ، فَرَدَّ ما ذَكَرَ له من الأحاديث إلى أسانيدها ، ثم فَعَلَ ببقيَّةِ العشرة كذلك ، إلى أنْ رَدَّ كلَّ متن إلى سنده ، وكُلَّ سند إلى متنه ، فبُهِتَ الحاضرون ، وأُعْجِبَ بذلك السامعون ، وسلَّموا لحفظه ، واعترفوا بفضله . وقال الدارقطني : لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء . وقال أحمد بن محمد الكراسي : رحم الله الإمامَ أبا عبد الله البخاريَّ ، فإنَّه الذي ألَّف الأصول ، وبيَّن للناس ، وكلُُّ مَنْ عمل بعده فإنما أخَذَه مِنْ كتابه ؛ كمسلم بن الحجاج ، فرَّقَ كتابه في كتبه ، وتجلَّد فيه حَقَّ الجلادة ، حيثُ لم يَنْسُبْهُ إلى قائله ، ومنهم مَنْ أَخَذَ كتابه فنقله بعينه ؛ كأبي زرعة ، وأبي حاتم . فقال محمدُ بنُ الأزهرِ السِّجْزِيُّ : كنتُ بالبصرة في مجلسِ سليمانَ بنِ حرب ، والبخاريُّ جالس لا يكتب ، فقال بعضهم : ما له لا يكتب ؟ فقال : يرجع إلى بخارَى فيكتب مِنْ حفظه . وقال محمد بن حَمْدَوَيْهِ : سمعتُ البخاريَّ يقول : أحفظ مائة ألفِ حديثٍ صحيح ، وأعرفُ مائتَيْ ألفِ حديثٍ غير صحيح . وأخبارُهُ كثيرة ، ومناقبُهُ شهيرة ، وإمامته وعدالته وأمانته متواترة ، كُلُّ ذلك مِنْ حاله معروف ، ومِنْ فضله موصوف . والعجبُ مما ذكره أبو محمدِ بنُ أبي حاتم في ترجمة البخاري ، فقال : إنَّ أبي وأبا زرعة تركاه - يعني البخاري - لأنه قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، ولم ينقُلْ شيئًا من فضائله ، وكأنَّه أعرَضَ عنه وصغَّرَ أمره . قلتُ : وهذا تركٌ يجبُ تَرْكُه ، وتصغيرٌ يتعيَّن ضِدُّه ، كيف يُنزل مثلُ هذا الإمامْ ، لحقٍّ أظهَرَهُ في الأنامْ ، وتطاعُ فيه أهواءُ الطَّغَامْ ؟! وقد ذَكَر ابن عدي هذه القصَّة ، فقال : عُقِدَ له المجلسُ بنيسابور ، فدُسَّ عليه سائل ، فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول : لفظي بالقرآن مخلوق ؟ فأعرض عنه ، فأَلَحَّ عليه ، فقال : القرآنُ قد تم غيرُ مخلوق ، وأفعالُ العباد مخلوقة ، والسؤالُ عنه بِدْعة . وهذا الذي قاله - رضي الله عنه - هو غايةُ التحقيق والتحرُّز ، ولكنْ نسألُ الله العافيةَ مِنْ إصابة عينِ الحُسَّادْ ، ومناكَدَةِ الأضدادْ ولا شكَّ ، إلا أن الرجلَ عُلِمَ فضلُهُ ، وكَثُرَ الناسُ عليه فحُسِدَ . قال عليُّ بنُ صالحِ بنِ محمدٍ البغداديُّ مستَمْلي البخاري : كان يجتمعُ في مجلس البخاريِّ أكثَرُ من عشرين ألفًا . قال المصعب : محمدُ بنُ إسماعيلَ أفقهُ عندنا مِن أحمدَ بنِ حنبل ، ولو أدركْتَ مالكًا ونظَرْتَ إلى وجهه ، ووَجْهِ محمدِ بنِ إسماعيل ، لقلتَ : كلاهما في الفقهِ والحديثِ واحد . وقال يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ : محمدُ بن إسماعيل فقيهُ هذه الأمة . وأما مسلم : فيكنى أبا الحسين بن الحَجَّاج ، قُشَيْرِيُّ النسب ، نَيْسَابوري الدار . وقد ذكر في صدر الكتاب الملخَّص - الذي هذا شرحُهُ - من أقوال العلماء في مسلم من الثناءِ عليه وعلى كتابه : جملةً صالحة ، بحيث إذا قوبلتْ بما قيل في البخاري وفي كتابه كانت مكافئةً لها أو راجحةً عليها . والحاصلُ من معرفة أحوالهما أنهما فَرَسا رِهانْ ، وأنَّهما ليس لأحد في حَلْبتهما بمسابقتهما ولا مساوقتهما يدانْ . سمع مسلمٌ بخراسان ، وارتحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر كارتحال البخاريِّ . وسمع من يحيى بن يحيى التميمي ، وقتيبة بن سعيد البلخي ، وإسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ ، وأحمدَ بنِ حنبل ، ويحيى بن مَعِين ، والقَعْنَبِيِّ ، ومسلمِ بنِ إبراهيم ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمدِ بن بَشَّار ، ومحمدِ بنِ المثنى ، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم . رَوَى عنه : إبراهيمُ بن سفيان الزاهدُ المَرْوَزِيُّ ، وأبو محمدٍ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسن القَلاَنِسِيُّ ، ولا يُرْوَى كتابُهُ إلا من طريقهما . وروى عنه أيضًا : مكي بن عَبْدَان ، ويحيى بن محمد بن صاعد ، ومحمد بن مَخْلَد ، وآخرون . توفِّي عشيةَ يوم الأحد ، ودُفِنَ يوم الإثنين لخمسٍ بَقِينَ من رجب سنةَ إحدى وستين ومائتين ، وقد وافى سِنَّ الكهولة ، مات وهو ابنُ خمس وخمسين سنة . و ( قوله : فجمعا كتابيهما على شرط الصحة ) : هذا هو الصحيحُ الحاصلُ من أشراط البخاريِّ ومسلم في كتابيهما . قال إبراهيمُ بن مَعْقِل : سمعتُ البخاريَّ يقول : ما أدخلْتُ في كتاب الجامع الصحيح إلا ما صَحَّ ، وقد تركْتُ من الصحيح خوفًا من التطويل . وقال أبو الفرج بن الجوزي : ونُقِلَ عن محمد بن إسماعيل أنه قال : صَنَّفْتُ كتاب الصحيح في سِتَّ عَشْرَةَ سنةً مِنْ سِتِّمائة ألف حديث ، وجعلته حجةً بيني وبين الله تعالى . وقال لي الفربري : قال لي محمد بن إسماعيل : ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلْتُ قبل ذلك ، وصلَّيْتُ ركعتين . وقال عبد القُدُّوس بن هشام : سمعت عشرةً من المشايخ يقولون : دوَّن محمد بن إسماعيل تراجمَ جامعِهِ بين قبر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين منبره ، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين . وقال الحسين بن محمد الماسَرْجِسِيُّ : سمعتُ أبي يقولُ : سمعتُ مسلمَ بنَ الحَجَّاج يقولُ : صَنَّفْتُ هذا المسنَدَ الصحيحَ من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة . وقال إبراهيم بن سفيان : قال لي مسلم : ليس كلُّ صحيحٍ وضعتُ هنا ، وإنما وضعتُ ما أجمعوا عليه . فهذه نُصُوصُهُمَا على أنَّ شرطهما إنما هو الصحيحُ فقطْ . وأما ما ادّعاه الحاكمُ عليهما مِنَ الشرط الذي قدَّمنا حكايته عنهما : فشيءٌ لم يصحَّ نقله عنهما ، ولا سَلَّمَ له النقَّادُ ذلك ؛ بَلْ قد قال أبو علي الجَيَّاني لمَّا حَكَى عنه ما ادَّعاه من الشرط : ليس مراده به أن يكون كلُّ خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيِّيه وتابعيِّيه ومَنْ بعده ؛ فإن ذلك يَعِزُّ وجوده ، وإنما المراد : أن هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ قد روى عنه رجلان خَرَجَ بهما عن حَدِّ الجهالة . قلتُ : فقد بطَلَ ظاهرُ ما قاله الحاكمُ بما قاله أبو علي ؛ فإنَّ حاصل ما قاله أبو علي : أنهما لم يُخَرِّجا عن مجهول من الرواة ، على أنَّ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ ذكَرَ شيوخَ البخاري ، وذكر منهم أقوامًا لم يَرْو عنهم إلا راو واحدٌ ، وسمَّاهم عينًا عينًا ، وقال : لم يرو عنهم إلاَّ راو واحد ، وليسوا بمعروفين ، فلولا التطويل لنقلنا عنه ما قاله . وعلى هذا : فشرطهما : أن يخرِّجا في كتابيهما ما صَحَّ عندهما وفي ظنونهما ، ولا يلزم مِنْ ذلك نفيُ المطاعن عن كُلِّ مَنْ تضمَّنه كتاباهما ؛ فقد يظهَرُ لغيرهما من النُّقَّاد ما خفي عنهما ، لكنَّ هذا المعنى المشارَ إليه قليل نادرٌ لا اعتبارَ به لندوره . و ( قوله : وبذلا جهدهما في تبرئتهما من كل علة ) : الجُهد ، بضمِّ الجيم : الطاقةُ والوُسْع ، وبفتحها : المَشَقَّة ، ويعني بذلك : أنَّهما قد اجتهدا في تصحيح أحاديث كتابَيْهِمَا غايةَ الاجتهاد ، غير أنَّ الإحاطةَ والكمالْ ، لم يَكْمُلاَ إلاَّ لذي العظمة والجلالْ ، فقد خَرَّجَ النقاد - كأبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ وأبي عليٍّ الجَيَّانيّ - عليهما في كتابيهما أحاديثَ ضعيفةً وأسانيدَ عليلة ، لكنَّها نادرة قليلة ، وليس فيها حديث متّفق على تركه ، ولا إسناد مجمَع على ضعفه ، لكنّها ممَّا اختُلِفَ فيه ، ولم يَلُحْ لواحدٍ منهما في شيء منها قدحٌ فيخفيه ، بل ذلك على حَسِبَ ما غلَبَ على ظَنِّه ، وحصل في علمه ، وأكثرُ ذلك ممّا أردفاه على إسناد صحيح قبله ؛ زيادةً في الاستظهارْ ، وتنبيهًا على الإشهارْ ، والله أعلم . وسيأتي التنبيه على بعض تلك الأحاديث ، إن شاء الله تعالى . ( فقوله : فتمَّ لهما المرادْ ، وانعقَدَ الإجماعُ على تلقيبهما باسم الصحيحين أو كادْ ) : هذه أو كاد : معطوفة على تَمَّ لهما المراد ، وتحرَّزنا بها عن الأحاديثِ المُعلّلةِ المنتَقَدةِ عليهما ؛ كما ذكرناه آنفاً . وأمَّا انعقادُ الإجماعِ على تسميتهما بالصحيحَيْن : فلا شَكَّ فيه ؛ بل قد صار ذِكْرُ الصحيح عَلَمًا لهما ، وإنْ كان غيرهما بعدهما قد جمَعَ الصحيح واشترَطَ الصِّحَّةَ ؛ كأبي بكرٍ الإسماعيلي الجُرْجَانيِّ ، وأبي الشيخ ابن حَيَّان الأصبهانيِّ ، وأبي بكرٍ البَرْقَانيّ ، والحاكمِ أبي عبد الله ، وإبراهيمَ بن حمزة ، وأبي ذرٍّ الهَرَوِيِّ ، وغيرهم ، لكنِ الإمامان أَحْرَزَا قَصَبَ السِّبَاقْ ، ولُقِّبَ كتاباهما بالصحيحَيْن بالاتِّفاق ؛ قال أبو عبد الله الحاكم : أهلُ الحجازِ والعراقِ والشامِ يَشْهَدون لأهلِ خراسان بالتقدُّمِ في معرفةِ الحديث ؛ لِسَبْقِ الإمامَيْنِ : البخاريِّ ومسلم إليه ، وتفرُّدِهِمَا بهذا النوع . و الجهابذة : جمع جِهبِذ ، وهو : الحاذقُ بالعملِ ، الماهرُ فيه . وقول مسلم : ليس كلُّ الصحيح وضعتُ هنا ، وإنَّمَا وضعتُ ما أجْمَعُوا عليه ، يعني به - والله أعلم - : مَنْ لقيه مِنْ أهل النقد والعلم بالحديث ، والله أعلم . و ( قوله : وَمَيَّزَ طبَقَاتِ الْمُحَدِّثِيْنَ فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيثْ ) : يعني بالقديم : منْ تقدّم زمان مسلم ، وبالحديث : زمانَ مَنْ أدركه . وهذا إشارةٌ إلى قول مسلم في صدر كتابه : أنَّه يعمَدُ إلى جملةِ ما أُسنِدَ من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فَيَقْسِمُهَا على ثلاثة أقسام ، وثلاثِ طبقات ، قال : أمَّا القسمُ الأوَّلُ ، فإنَّا نتوخَّى أن نقدِّمَ الأخبارَ التي هي أسلَمُ من العيوب من غيرها وأنقَى ؛ مِنْ أن يكونَ ناقلوها أهلَ استقامة في الحديث ، وإتقان لما نقلوا ، لم يوجدْ في روايتهم اختلافٌ شديد ، ولا تخليطٌ متفاحش . وإذا نحن تقصَّيْنَا أخبارَ هذا الصِّنْفِ ، أتبعناها أخبارًا في إسنادها بعضُ مَنْ ليس بالموصوفِ بالحِفْظِ والإتقانِ ، كالضَّرْبِ المتقدِّم ، على أنّهم - وإنْ كانوا فيما وصفنا دونهم - فإنَّ اسم السَّتْرِ وتعاطي العلمِ والصِّدْقِ يشملهم ؛ كعطاء بن السائب ، ويزيد بن أبي زياد ، ولَيْث بن أبي سُلَيْم ، فغيرُهُم من أقرانهم مِمَّن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية ، يَفْضُلُونَهُم في المنزلة والحال ؛ ألا ترى أنّك إذا وازنتَ هؤلاءِ الثلاثةَ ، عطاءً ، ويزيدَ ، وليثًا ، بمنصور بن المُعْتَمِرِ وسليمانَ الأعمشِ ، وإسماعيلَ بن أبي خالد ، وجدتَّهم مباينين لهم في المنزلة لا يدانونهم ، لا شَكَّ عند العلماء في ذلك . وذكر كلامًا في معناه إلى أن قال : فأما ما كان منها عن قومٍ هم عند أهل الحديث مُتَّهَمُونَ ، أو عند الأكثر ، فلسنا نتشاغَلُ بتخريج حديثهم ؛ كعبد الله بن مِسوَرٍ أبي جعفرٍ المداينيِّ ، وعمرو بن خالد ، وعبد القُدُّوس الشامي ، ومحمدِ بنِ سعِيدٍ المَصْلُوب ، وغِيَاثِ بن إبراهيم ، وسليمان بن عَمْرو ، وأبي داودَ النَّخَعِيِّ وأشباهِهِمْ ممن اتُّهمَ بوضع الحديث ، وتوليد الأخبار ، وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثه المنكَرُ أو الغلطُ ، أمسكنا عنهم . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وظاهرُ هذا أن مسلمًا أدخَلَ في كتابه الطبقتين المتقدِّمتين : الأولى والثانية ، غير أنَّ أبا عبد الله الحاكم قال : إنَّ مسلمًا لم يُدْخِلْ في كتابه إلا أحاديث الطبقة الأولى فقط ، وأما الثانية والثالثة : فكان قد عزَمَ على أن يخرِّج حديثهما ، فلم يُقَدَّرْ له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى ، واخترمته المنية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ومَسَاقُ كلامِهِ لا يقبَلُ ما قاله الحاكم ؛ فتأمَّله . و ( قوله : وثَافَنْتُ فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعْضَ سَادَاتِ الْفُقَهَاءْ ) أي : جالستُ ، وأصله من الثَّفِنَات ، وهو ما يتناثر من الرِّجْلَيْن والرُّكْبتين واليدين من تكرار الجلوس والعمل ؛ يقال : ثَفِنَتِ اليدُ ثَفَنًا : غَلُظَتْ من العمل ، وواحدُ الثفنات : ثَفِنَة ، وأصلها : ما يقعُ من البعير على الأرض ، ويَغْلُظُ عند الإشاخة . و ( قولنا : وَقَدْ رُوِّيتُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَْعْلاَمِ ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً ) : أعني بذلك : أنِّي قرأته كلَّه على الشيخِ الفقيهِ الزاهِدِ الفاضلِ ، تَقِيِّ الدين أبي إبراهيمَ عَوَضِ بنِ محمود ، بمصر . وممن أجازه لي : الشيخُ الفقيهُ المحدِّث ، الزاهدُ التَّلاَّءُ للقرآن ، أبو الحسين مرتضَى بنُ العفيفِ المقدسي ، لَقِيتُهُ بِقَرَافة مصر ، وسمعتُ عليه ، وقرأتُ عليه ، وأجاز لي جميعَ رواياته . ومنهم : القاضي فخرُ القضاةِ أبو الفضلِ بنُ الحباب ، أجازه لي . وكلُّهم يحدِّث به عن الشيخ أبي المفاخر المأمونيِّ بالسند المذكور في أصل التلخيص . فَاسْتَعَنْتُ بِالله تَعَالَى ، وَبَادَرْتُ إِلَى مُقْتَضَى الإِْشَارَة ؛ بَعْدَ أَنْ قَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ دُعَاءَ النَّفْعِ بِهِ وَالاْسْتِخَارَة ، فَاقْتَصَرْتُ مِنَ الإِسْنَادِ عَلَى ذِكْرِ الصَّاحِبِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَة إِلى ذِكْرِ غَيْرِهِ فَأَذْكُرُهُ لِزِيَادَةِ فَائِدَة ؛ وَحُصُولِ عَائِدَة ، وَمِنْ تَكْرَارِ الْمُتُونِ عَلَى أَكْمِلِهَا مَسَاقًا ، وَأَحْسَنِهَا سِيَاقًا ، مُلْحِقًا بِهِ مَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الرواية ؛ مُحَافِظًا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى أَلاّ أُغْفِلَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مُهِمَّاتٍ الْفَوَائِدِ ؛ فَإِذَا قُلْتُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَثَلاً ، وَأَفْرُغُ مِنْ مَسَاقِ مَتْنِهِ ، وَقُلْتُ : وَفِي رِوَايَةَ ؛ فَأَعْنِي : أَنَّهُ عَنُ ذَلِكَ الصَّاحِبِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الطَّرِيق . وَرُبَّمَا قَدّمْتُ بَعْضَ الأَحَادِيثِ وَأَخَّرَتْ حَيثَمَا إِلَيْهِ اضْطُرِرْتْ ؛ حِرْصًا عَلَى ضَمِّ الشَّيْءِ لِمُشَاكِلِهِ ؛ وَتَقْرِيبًا لَهُ عَلَى مُتَنَاوِلِه . وَقَدِ اجْتَهَدْتُ ؛ فِيمَا رَوَيْتُ وَرَأَيْتُ ؛ وَوَجْهَ الله الْكَرِيمِ قَصَدتُّ ، وَهُوَ الْمَسْؤُولُ ؛ فِي أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَكُلَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ ، وَيُبَلِّغَنَا الْمَأْمُولْ ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ ؛ الْهُدَاةِ الْمُهتَدِينَ ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ ، وَعَلَيْهِ التُّكُلاَنُ ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
1 - [ 2 ] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ . و ( قوله : لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ ) أي : يدخلها ، وماضيه : وَلَجَ ، ومصدره : الوُلُوج ؛ ومنه قوله تعالى : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ . وصَدْرُ هذا الحديث نهيٌ ، وعجزه وعيدٌ شديد ، وهو عامٌّ في كلِّ كاذبٍ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ومطلقٌ في أنواعِ الكذب . ولمَّا كان كذلك ، هابَ قومٌ من السلف الحديثَ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كعمر ، والزبير بن العَوَّام ، وأنس بن مالك ، وابن هرمز - رضي الله عنهم أجمعين - ؛ فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا وحدَّثوا قليلاً ؛ كما قد صرَّح الزبير - رضي الله تعالى عنه - بذلك ؛ لمّا قال له ابنه عبد الله - رضي الله عنه - : إني لا أَسْمَعُكَ تحدِّثُ عن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كما يُحَدِّثُ فلانٌ وفلان ؟ فقال : أَمَا إنِّي لم أكن أفارقْهُ ، ولكني سمعته يقول : مَنْ كَذَبَ عليَّ ، فليتبوَّأْ مقعدَهُ من النار . وقال أنس : إنَّه يمنعني أن أحدِّثَكُمْ حديثًا كثيرًا أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من كَذَبَ عليَّ الحديث . ومنهم : مَنْ سَمِعَ وسكت ؛ كعبد الملك بن إياس ، وكأنَّ هؤلاءِ تخوَّفوا مِنُ إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط ؛ فقلَّلوا ، أو سَكَتوا . غير أنَّ الجمهور : خصَّصوا عموم هذا الحديث ، وقيَّدوا مطلقَهُ بالأحاديث التي ذُكِرَ فيها : متعمِّدًا ؛ فإنَّهُ يُفْهَمُ منها أنَّ ذلك الوعيدَ الشديدَ إنما يتوجَّه لمن تعمَّد الكذبَ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؛ وهذه الطريقة هي المرضيَّة ؛ فإنَّها تجمعُ بين مختلفاتِ الأحاديث ؛ إذ هي تخصيصُ العموم ، وحملُ المطلق على المقيَّدِ مع اتحادِ المُوجِب والمُوجَب ، كما قرَّرناه في الأصول . هذا مع أنَّ القاعدةَ الشرعيَّةَ القطعيَّةَ تقتضي أنَّ المخطئ والناسي غيرُ آثمَينِ ولا مؤاخَذينِ ، لا سيَّما بعد التحرُّز والحذر .
المقدمة ( 2 ) بَابُ وُجُوبِ الأخْذِ عَنِ الثِّقَاتِ ، والتَّحْذيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الله عزَّ وَجلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية ، وقال : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وقال : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ . 1 /9 المقدمة - [ 1 ] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ، قَالا : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فهو أَحَدُ الْكَذابِينَ . ( 2 ) ومِنْ بابِ : وجوبِ الأَخْذِ عن الثقاتِ والتحذيرِ من الكذبِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الكَذِبُ لغةً : هو الخَبَرُ عن الشيء على خلافِ ما هو به ، غير أنَّ المحرَّم شرعًا ، المستقبَحَ عادةً : هو العمدُ المقصود ، إلا ما استُثْنِيَ على ما يأتي . ويقال : كَذَبَ ، بمعنى : أخطأ . وأصلُ الكذبِ في الماضي والخُلْفُ في المستقبل ؛ قاله ابنُ قُتَيْبَة ؛ وقد جاء الكذب في المستقبل ؛ قال الله تعالى : ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ . ويقال : كَذَبَ الرجلُ ، بفتح العين ، يَكْذِبُ ، بكسرها ، كِذْبًا ، بكسر الكاف وسكون الذال ، وكَذِبًا ، بفتح الكاف وكسر الذال ، فأمَّا كِذَّاب المشدَّدُ الذال ، فأحدُ مصادر كَذَّبَ بالتشديد . قوله تعالى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا . الفاسقُ في أصل اللغة : هو الخارجُ مطلقًا ، والفِسْقُ والفُسُوق : الخروجُ ، ومنه قولهم : فَسَقَت الرُّطَبَةُ : إذا خرجَتْ مِنْ قِشْرها الأعلى ، ومنه سُمِّيَتِ الفأرة : فُوَيْسِقةً ؛ لأنها تخرُجُ من جحرها للفساد . وهو في الشرع : خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه ، فإنْ كان إيمانًا ، فذلك الفسق كُفْرا ، وإن كان غَيْرَ إيمان ، فذلك الفِسْقُ معصية . وقرئ في السبع : فَتَبَيَّنُوا : من البيان ، و تَثَبَّتُوا ؛ من التثبُّت ، وكلاهما بمعنى متقاربٍ . ولم يختلف النَّقَلَةُ - فيما عَلِمْتُ أَنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب الوليد بن عقبة ، بعثَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني المصطَلِقِ مصدِّقًا ، فلمَّا أبصروه ، أقبلوا نحوه ، فهابهم لإحنةٍ كانتْ بينهم في الجاهلية ، وقيل : إنَّهم لم يخرُجُوا إليه ، وأخبر أنهم ارتدُّوا ؛ ذكره أبو عمر بنُ عبد البر ، فرجَعَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فأخبَرَه أنَّهُمُ ارتَدُّوا ومنعوا الزكاة ، فبعَثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ، وأمره بالتثبُّت في أمرهم ، فأتاهم ليلاً ، فسمعَ الأذان ، ووجَدَهُمْ يصلُّون ، وقالوا له : قد استبطأنا المصدِّقَ ، وخفنا غضَبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم فرجَعَ خالدٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ؛ فنزلَتِ الآية . ومقتضى الآية أنَّ الفاسق لا يُقبَلُ خبرُهُ ، روايةً كان أو شهادةً ، وهو مُجْمَعٌ عليه في غير المتأوِّل ، ما خلا ما حُكِيَ عن أبي حنيفة من حكمه بصحَّةِ عقدِ النكاحِ الواقعِ بشهادة فاسقَيْن . وحكمةُ ذلك أن الخبر أمانة ، والفسق خيانة ، ولا يوثَقُ بِخَؤون . وقال الفقهاء : لا يقبل قوله ؛ لأنَّ جُرْأَته على الفسق تَخْرِمُ الثقةَ بقوله ، فقد يجترئ على الكذب كما اجترَأَ على الفسق . فأمَّا الفاسق المتأوِّلُ الذي لا يعرف فِسْقَ نفسه ، ولا يكفرُ ببدعته : فقد اختُلِفَ في قَبُول قوله ، فَقَبِلَ الشافعيُّ شهادته ، وردَّها القاضي أبو بكر . وفرَّقَ مالكٌ بين أن يدعُو إلى بدعة فلا تُقْبَلُ ، أو لا يدعُو فتقبَلُ ، ورُوِيَ عنه : أنه لا تقبَلُ شهادتهم مطلقًا . وكلُّهم اتفقوا على أنَّ مَنْ كانت بدعته تُجرِّئُهُ على الكذب كالخَطَّابية من الرافضة ، لم تقبَلْ روايته ولا شهادته ، ولبسط حُجَجِ هذه المذاهب موضعٌ آخر . و ( قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ : دليلٌ على اشتراط العدالة في الشهادة ، ومعناها في اللغة : الاستقامةُ ، والاعتدالُ ضِدَّ الاعوجاج ، ويقال : عدْلٌ مِنَ العدالةِ والعُدُولةِ ، ويقال : عدْلٌ ، للواحد وللاثنين ولجماعة المذكَّرِ والمؤنَّث ، بلفظ واحد ؛ إذا قُصِدَ به قُصِدَ المصدر ، وإذا قُصِدَ به الصفة ، ثُنِّيَ وجُمِعَ ، وذُكّر وأُنِّث . وهي عند أئمَّتنا : اجتنابُ الكبائر ، واتِّقَاءُ الصغائر وما يناقضُ المروءةَ ، ويُزْرِي بالمناصب الدينيَّة ، والعبارةُ الوجيزةُ عنها هي : حُسْنُ السيرة ، واستقامةُ السريرة شرعًا في ظَنِّ المعدَّل ، وتفصيلُهَا في الفروع . وهل يكتفى في ظَنِّ حصول تلك الأحوال في العدل بظاهر الإسلام ، مع عدم الاطَّلاَعِ على فسق ظاهر ، أو لا بدّ من اختبارِ حاله حتَّى يُظَنُّ حصولُ تِلْك الأمور في المعدّل ؟ قولانِ لأهل العلم : الأوَّلُ : مذهبُ أبي حنيفة . والثاني : مذهبُ مالكٍ ، والشافعيِّ ، والجمهور ، وهو مرويٌّ عن عمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه . وعلى مذهب أبي حنيفة : فشهادةُ المسلمِ المجهولِ الحال مقبولةٌ ، وهي على مذهب الجمهور مردودةٌ . وقد ذكرنا حُجَجَ الفريقَيْن في كتابنا : الجامع لمقاصد علم الأصول . و ( قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ الظاهرُ مِنْ هذا الخطابِ : أنَّهُ لمن افتتَحَ الكلامَ معهم في أوَّل الآية في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وهم : المخاطَبون بقوله : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وبقوله : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ وعلى هذا الظاهر وكُلُّ مَنْ رضيه المتداينان والمتبايعان فأشهداه ، حصَلَ به مقتضى الخطاب ؛ غير أنَّهُمَا قد يرضيان بِمَنْ لا يرضى به الحاكم ، ولا يسمَعُ شهادته ، فلا ينتفعان بالإشهاد ، ولا يحصُلُ مقصودُ الشرع من الاستيثاقِ بالشهادة ؛ إذ لم يثبُتْ بما فعلاه عَقْدٌ ، ولا يُحْفَظُ به مال . ولما كان ذلك قال العلماء : إن المخاطَبَ بذلك الحُكَّامُ ؛ إذ هم الذين يَعْرِفون المرضيَّ شرعًا من غيره ، فتثبُتُ بمن يرضَوْنَهُ العقود ، وتحفظ الأموال والدماء والأبضاع ، ويحصل الفصل بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق ، وذلك هو مقصود الشرع من قاعدة الشهادة قطعًا ، ولا يحصُلُ ذلك برِضَا غيرهم ؛ فتعيَّنَ الحكامُ لهذا الخطاب الذي هو قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ . وإذا تقرَّر هذا ، فالذي يرضاه الحاكم : هو العَدْلُ الذي انتفَتْ عنه التُّهَمُ القادحةُ في الشهادة ؛ كالقرابة القريبة ، وجَرِّ المنفعة لنفسه أو لولده أو لزوجته ، وكالعداوةِ البيِّنة ، والصداقةِ المُفْرِطة - على تفصيلٍ وخلافٍ يعرف في الفقه - فقد أفادتِ الآيتان معنَييْنِ : أحدهما : اعتبارُ اجتماعِ أوصافِ العدالة التي إذا اجتمعَتْ ، صدَقَ على الموصوفِ بهما أنه عدل . والثاني : اعتبارُ نَفْيِ القوادح التي إذا انتفَتْ ، صدَقَ على من انتفتْ عنه أنّه مَرْضِيّ . فلا بدَّ من اجتماع الأمرَيْن في قبول الشهادة ؛ ولذلك لا يُكْتَفَى عندنا في التزكية بأن يقول المزكِّي : هو عدلٌ فقطْ ، بل حتى يقولَ : هو عدلٌ مَرْضِيٌّ ؛ فيجمعَ بينهما . وأما في الأخبار : فلا بُدَّ من اعتبار المعنى الأول ، ولا يشترطُ الثاني فيها ؛ إذ يجوز قَبُولُ أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الراوي لها العدلِ ، وإنْ جَرَّ لنفسه بذلك نفعًا ، أو لولده ، أو ساقَ بذلك مضرةً لعدوِّه ؛ كأخبار عليٍّ - رضي الله عنه - عن الخوارج . وسِرّ الفرْق : أنه لا يتَّهم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأن يكذبَ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء من ذلك ، فكيف يقتحمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيء من ذلك مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ ؛ فَمَنْ كَذَبَ عليَّ ، فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار . والخبر والشهادة ؛ وإنِ اتفقا في أصلِ اشتراط العدالة ، فقد يفترقان في أمور عديدة ؛ كما فصَّلناه في الأصول . وعلى الجملة : فشوائبُ المتعبّدات ومراعاةُ المناصب في الشهادات أغلب ، ومراعاة ظنّ الصدق في الرواية أغلب ، والله تعالى أعلم . و ( قوله عليه الصلاة والسلام : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فهو أَحَدُ الْكَذابِينَ ) : قيَّدناه عن مشايخنا : يُرَى مبنيًّا للفاعل والمفعول : فيَرَى بالفتح ، بمعنى : يعلَمُ المتعدِّية لمفعولَيْن ، وأنَّ سدَّت مسدَّهما . وماضي يَرَى : رَأَى مهموزًا ، وإنما تركتِ العربُ همزَ المضارع ؛ لكثرة الاستعمال ، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم : ألم تر ما لاقَيْتُ والدَّهرُ أعصُرُ ومَنْ يَتَمَنَّ العَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ وربَّما تركوا همزَ الماضي في مثل قولهم : صَاحِ هل رَيْتَ أو سَمِعْتَ براعٍ رَدَّ في الضَّرْع ما قَرَا في الحِلاَبِ ؟ ويحتمل ما في الحديث أن يكونَ بمعنى الرأي ؛ فيكون ظنًّا من قولهم : رأيتُ كذا ، أي : ظهَرَ لي . وعليهما يكونُ المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث : المتعمِّدَ للكذب علمًا أو ظنًّا . وأما يُرَى بالضمِّ : فهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله ، ومعناها : الظَّنُّ ، وإنْ كان أصلها مُعَدًّى بالهمزة من رأى ، إلا أنَّ استعمالَهُ في الظَّنِّ أكثرُ وأشهر . و ( قوله : فهو أحد الكذابين ) : رُوِّينَاهُ بكسر الباء على الجمع ؛ فيكون معناه : أنه أحد الكذابِين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين قال الله تعالى في حقهم : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الآية ؛ لأنَّ الكذبَ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كذبٌ على الله تعالى . ورُوِّيناه أيضًا - بفتح الباء على التثنية ؛ ويكون معناه : أنَّ المُحدِّث ، والمُحدَّث بما يظنَّان أو يعلمان كذبَهُ كاذبان ؛ هذا بما حدَّثَ ، والآخرُ بما تحمَّل من الكذب مع علمه أو ظنِّه لذلك . ويفيد الحديثُ : التحذيرَ عن أن يحدِّثَ أحدٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما تحقق صدقَهُ علمًا أو ظنًّا ، إلا أن يحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب ؛ فإنه لا يتناوَلُهُ الحديث . وفي كتاب الترمذيِّ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : اتقوا الحديثَ عنِّي إلا ما عَلِمْتُمْ ، فَمَنْ كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا ، فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار ، ومَنْ قال في القرآن برأيه ، فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار ، وقال : هذا حديثٌ حسن .
4 - [ 3 ] وَعَنِ الْمُغِيرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ : إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ؛ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . و ( قوله : إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ) أي : إنَّ العقاب عليه أشَدُّ ؛ لأنَّ الجرأةَ منه على الكذب أعظمُ ، والمفسدةُ الحاصلةُ بذلك أشَدُّ ؛ فإنَّه كذبٌ على الله ، ووَضْعُ شرعٍ ، أو تغييرُهُ . و ( قوله : فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) أي : لِيَتَّخِذْ فيها منزلاً ؛ فإنها مقرُّه ومسكنه ، يقال : تبوَّأَتُ منزلاً ، أي : اتَّخَذْتُهُ ونزلتُهُ ، وبوَّأْتُ الرجلَ منزلاً ، أي : هَيَّأْتُهُ له ، ومصدره : بَاءَة ومَبَاءَة . وهذه صيغةُ أمرٍ ، والمراد بها : التهديدُ والوعيد ، وقيل : معناها : الدعاء ، أي : بوَّأَهُ اللهُ ذلك ، وقيل : معناها الإخبارُ بوقوعِ العذاب به في نار جهنم ، وكذلك القولُ في حديث عليٍّ الذي قال فيه : يَلِج النارَ . وقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود ، وزاد : لِيُضِلَّ به . وقد اغترَّ بهذه الزيادةِ أناسٌ ممَّن يقصدُ الخيرَ ولا يعرفُهُ ؛ فظَنَّ أنَّ هذا الوعيدَ إنما يتناوُل مَنْ قصَدَ الإضلاَل بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأَمَّا مَنْ قصدَ الترغيب في الأعمال الصالحة ، وتقويةَ مذاهبِ أهل السنة ، فلا يتناوُلُهُ ؛ فوضَعَ الأحاديث لذلك . وهذه جهالةٌ ؛ لأن هذه الزيادةَ تُرْوَى عن الأعمش ، ولا تصحُّ عنه ، وليستْ معروفةً عند نَقَلِةِ ذلك الحديثِ مع شهرته ، وقد رواها أبو عبد الله الحاكمُ - المعروفُ بابن البَيِّعِ - من طُرُقٍ كثيرة ، وقال : إنَّها واهيةٌ لا يصحُّ منها شيء . قال الشيخ رحمه الله تعالى : ولو صحَّت ، لما كان لها دليلُ خطابٍ ، وإنما كانت تكونُ تأكيدًا ؛ لقوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ . وافتراءُ الكذبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا ، قصَدَ به الإضلالَ أو لم يقصد ؛ قاله الطحاويُّ . ولأنَّ وَضْعَ الخبر الذي يُقْصَدُ به الترغيبُ كذِبٌ على الله تعالى في وضعِ الأحكام ؛ فإنَّ المندوبَ قِسْمٌ من أقسام الأحكام الشرعية ، وإخبارٌ عن أنَّ الله تعالى وَعَدَ على ذلك العملِ بذلك الثواب ، فكلُّ ذلك كذِبٌ وافتراءٌ على الله تعالى ؛ فيتناوله عمومُ قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا . وقد استجازَ بعضُ فقهاءِ العراق نسبةَ الحكمِ الذي دَلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نسبةً قوليَّة ، وحكايةً نقليَّة ، فيقول في ذلك : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا ؛ ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعة ، تشهدُ متونُها بأنَّهَا موضوعَة ؛ لأنَّهَا تُشْبِهُ فتاوى الفقهاء ، ولا تليقُ بجزالة سيِّد الأنبياء ، مع أَنَّهُمْ لا يقيمون لها صحيحَ سَنَد ، ولا يُسْنِدونها من أئمَّةِ النقل إلى كبير أَحَد ، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد ، وشَمِلَهُمْ ذلك الذَّمُّ والوعيد . ولا شَكَّ في أنَّ تكذيبَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كُفْر ، وأمَّا الكَذِبُ عليه : فإنْ كان ذلك الكاذبُ مستحلًّا لذلك ، فهو كافر ، وإن كان غيرَ مستحلٍّ ، فهو مرتكبُ كبيرةٍ ، وهل يكفُرُ أم لا ؟ اختُلِف فيه على ما مَرَّ .
( 5 ) بَاب الإِْسْنَادِ مِنَ الدِّينِ 1 / 13 - 15المقدمة - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : إِنَّ هذَا الْعِلْمَ دِينٌ ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ وَقَالَ : لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِْسْنَادِ ، فَلمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا : سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُمْ : فَيُنْظَرُ إِلى أَهلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ ، وَيُنُظَرُ إِلَى أَهلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : الإِْسْنَادُ مِنَ الدِّينِ ، وَلَوْلاَ الإِْسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ وَقَالَ : بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ ، يَعْني : الإِسْنَادَ وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ! مَا لِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي ؟! أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ تَسْمَعُ ؟! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا ، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ . ( 5 ) ومِنْ بَاب الإِْسْنَادِ مِنَ الدِّينِ أي : مِنْ أصوله ؛ لأنَّهُ لمَّا كان مرجعُ الدينِ إلى الكتابِ والسُّنَّة ، والسنَّةُ لا تؤخذ عن كُلِّ أحد : تعيَّنَ النظرُ في حال النَّقَلَةِ ، واتِّصَالِ روايتهم ، ولولا ذلك ، لاختلط الصادقُ بالكاذب ، والحقُّ بالباطل ، ولمَّا وجَبَ الفرقُ بينهما ، وجَبَ النظرُ في الأسانيد . وهذا الذي قاله ابنُ المبارك ، قد قاله أنسُ بنُ مالك ، وأبو هريرة ، ونافعٌ مولى ابن عمر ، وغيرهم ، وهو أمرٌ واضحُ الوجوب لا يُخْتَلَفُ فيه . وقال عقبةُ بن نافع لبنيه : يا بَنِيَّ ، لا تقبلوا الحديثَ إلا مِنْ ثقة . وقال ابن معين : كان فيما أوصى به صُهَيْبٌ بنيه أنْ قال : يا بَنِيَّ ، لا تَقْبَلُوا الحديثَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مِنْ ثقة . وقال ابن عَوْن : لا تأخذوا العلمَ إلا ممن يُشْهَدُ له بالطلب . وقال سليمانُ بن موسى : لا يؤخذُ العلمُ مِنْ صَحَفِيٍّ ، وقال أيضًا : قلتُ لطاوسٍ : إنَّ فلانًا حدَّثني بكذا وكذا ، فقال : إن كان مثبتا ، فَخُذْ عنه . و ( قوله : " لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِْسْنَادِ " ) ؛ يعني بذلك : مَنْ أدرَكَ من الصحابة وكبراء التابعين . أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم ؛ إذ الكلُّ عدولٌ على مذهب أهل الحَقِّ ، كما أوضحناه في الأصول ، وكذلك : كُلُّ من خالَفَ في قبول مراسيل غير الصحابة وافَقَ على قبولِ مراسيل الصحابة . وأما كُبَرَاءُ التابعين ومتقدِّموهم فالظاهر من حالهم أنهم يحدِّثون عن الصحابة إذا أرسلوا ، فتُقْبَلُ مراسيلهم ، ولا ينبغي أن يُخْتَلَفَ فيها ؛ لأنَّ المسكوتَ عنه صحابيٌّ ، وهم عدول ، وهؤلاء التابعون هم : كعروةَ بن الزُّبَيْرِ ، وسعيد بن المسيِّب ، ونافعٍ مولى ابن عمر ، ومحمد بن سِيرِينَ ، وغيرهم مِمَّنْ هو في طبقتهم . وأمَّا من تأخَّر عنهم ممن حدَّثَ عن متأخِّرِي الصحابة وعن التابعين ؛ فذلك محلُّ الخلاف ، والصواب : قَبُولُ المراسيل إذا كان المُرْسِلُ مشهورَ المذهب في الجرح والتعديل ، وكان لا يحدِّثُ إلا عن العدول ؛ كما أوضحناه في الأصول . و ( قوله : " فَلمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا : سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُمْ " ) هذه الفتنة يعني بها - والله أعلم - : فتنةَ قتلِ عثمان ، وفتنةَ خروجِ الخوارجِ على عليٍّ ومعاوية ؛ فإنَّهم كفَّروهما حتى استحلُّوا الدماءَ والأموال . وقد اختُلِفَ في تكفير هؤلاء ، ولا يشَكَّ في أنَّ من كفَّرهم لم يَقْبَلْ حديثهم ، ومن لم يكفِّرْهُمْ اختلفوا في قَبُولِ حديثهم ؛ كما بَيَّنَّاهُ فيما تقدَّم . فيعني بذلك - والله أعلم - : أنَّ قَتَلَةَ عثمان والخوارجَ لَمَّا كانوا فُسَّاقًا قطعًا ، واختلطَتْ أخبارهم بأخبار مَنْ لم يكنْ منهم ، وجَبَ أن يُبْحَثَ عن أخبارهم فَتُرَدُّ ، وعن أخبار غيرهم ممَّن ليس منهم فتُقبَلُ ، ثم يجري الحُكْمُ من غيرهم من أهل البدعِ كذلك . ولا يَظُنُّ أحدٌ له فَهمٌ أنَّهُ يعني بالفتنة فتنةَ عليٍّ وعائشةَ ومعاويةَ ؛ إذ لا يصحُّ أن يقال في أحدٍ منهم : مبتدعٌ ، ولا فاسقٌ ، بل كلٌّ منهم مجتهدٌ عَمِلَ على حسب ظنِّه ، وهُمْ في ذلك على ما أجمَعَ عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة ، وهي أنَّ كلَّ مجتهدٍ مأجورٌ غيرُ مأثوم ؛ على ما مهَّدناه في الأصول . و ( قوله : " جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ " ) بُشَيْرٌ : بضم الباء ، وفتح الشين ، وياء التصغير بعدها ، وهو عدويٌّ بصريٌّ يكنى أبا أَيُّوب ، حدَّث عن أبي ذر ، وأبي هريرة ، وأبي الدرداء ، وحدَّث عنه : عبد الله بن بُديل ، وطَلْقُ بن حَبِيب ، والعلاءُ بن زياد . و ( قوله : " فجعَلَ لا يَأْذَنُ لحديثِهِ " ) أي : لا يُصْغِي إليه بِأُذُنه ، ولا يستمعه ؛ ومنه قوله تعالى : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . و ( قوله : " كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا ، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا " ) أي : قَبِلْنَا منه ، وأَخَذْنَا عنه . هذا الذي قاله ابن عبَّاس يشهَدُ بصحة ما تأوَّلنا عليه قولَ ابنِ سيرين ؛ فإنَّ ابن عبَّاس كان في أوَّل مرة يحدِّثُ عن الصحابة ، ويأخذ عنهم ؛ لأنَّ سماعَهُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قليلاً ؛ لصغر سنه ، فكان حاله مع الصحابة كما قال ، فلمَّا تلاحَقَ التابعون وحدَّثوا ، وظهر له ما يوجبُ الرِّيبَةَ ، لم يأخذْ عنهم ؛ كما فعل مع بُشَير العدوي . و ( قوله : " فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ " ) هذا مَثَلٌ ، وأصلُهُ في الإبل ، ومعناه : أن الناس تسامَحُوا في الحديثِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم واجترؤوا عليه ؛ فتحدَّثوا بالمرضيِّ عنه ، الذي مثَّله بالذَّلُولِ من الإبل ، وبالمنكرِ منه الممثَّلِ بالصعبِ من الإبل . و ( قوله : " لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ " ) أي : إلا ما نَعْرِفُ ثقةَ نَقَلَتِهِ ، وصحةَ مَخْرَجِهِ . و ( قوله : " إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - " ) الصحيحُ في : نُحَدَّثُ بضم النون ، وفتح الدال مشدَّدة ؛ مبنيًّا للمفعول ؛ ويؤيِّده : قوله في الرواية الأخرى : كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا . وكذلك وجدتُّه مقيدًا بخط مَن يُعْتَمَدُ على عِلْمِهِ وتقييده ، وقد وجدتُّهُ في بعضِ النسخِ بكسر الدال ، وفيه بُعْدٌ ، ولعلَّه لا يَصِحُّ .
( 4 ) بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذَّابِينَ 7- [ 5] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَْحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ ! لا يُضِلُّونَكُمْ ، وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ وَقَالَ عبد الله : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ ، فَيَتَفَرَّقُونَ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ : سَمِعْتُ رَجُلاً - أَعْرِفُ وَجْهَهُ ، وَلاَ أَدْرِي مَا اسْمُهُ - يُحَدِّثُ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً ، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ ؛ يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا . ( 4 ) وَمِنْ بَابِ التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذَّابِينَ و ( قوله : يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ ) الحديث . الدَّجَّال : هو الكَذَّابُ ، المَمَوِّهُ بكذبه ، الملبِّسُ به ، يقال : دَجَلَ الحقَّ بباطله ، أي : غطَّاه ، ودجَلَ ، أي : مَوَّهَ وكَذب به ؛ وبه سمي الكذَّابُ الأعور ، وقيل : سُمِّيَ بذلك ؛ لضربه في الأرض وقطعه نواحيَهَا ، يقال : دَجَُلَ الرجلُ ، بالفتح والضم : إذا فعل ذلك ؛ حكاه ثعلب . وهذا الحديثُ إخبارٌ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأنّه سيُوجَدُ بعده كذّابون عليه ، يُضِلُّونَ الناسَ بما يضعونه ويختلقونه ، وقد وُجِدَ ذلك على نحو ما قاله ؛ فكان هذا الحديثُ ، مِنْ دلائلِ صدقه ، ذكر أبو عُمَرَ بنُ عبد البَرِّ ، عن حَمَّاد بن زيد أنَّه قال : وضعتِ الزنادقةُ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - اثنَيْ عشَرَ ألفَ حديثٍ ، بَثُّوهَا في الناس . وحُكِى عن بعضِ الوضَّاعين : أنه تاب فبكى ، وقال : أَنَّى لي بالتوبةِ ؟ وقد وَضَعْتُ اثنَيْ عَشَرَ ألفَ حديثٍ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُلُّهَا يُعْمَلُ بها ؟! وقد كتب أئمَّةُ الحديث كتبًا كثيرة ، بيّنوا فيها كثيرًا من الأحاديث الموضوعةِ المنتشرةِ في الوجود ، قد عمل بها كثيرٌ من الفقهاء الذين لا عِلْمَ عندهم برجال الحديث . و ( قوله : فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ ! لا يُضِلُّونَكُمْ ، وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ ) كذا صحَّتِ الروايةُ فيه بإثبات النون ، والصوابُ حذفها ؛ لأنَّ ثبوتها يقتضي أن تكون خبرًا عن نَفْي وقوعِ الإضلالِ والفتنة ، وهو نقيضُ المقصود ، فإذا حُذِفَت ، احتَمَل حذفُهَا وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك مجزومًا على جواب الأمر الذي تضمَّنَهُ إيَّاكم ؛ فكأنه قال : أحذّركمْ لا يضلُّوكم ولا يفتنوكم . وثانيهما : أن يكونَ قوله : لا يضلوكم نهيًا ، ويكون ذلك من باب قولهم : لا أَرَيَنَّكَ هاهنا ، أي : لا تتعرَّضوا لإضلالهم ولا لفتنتهم . و ( قوله : إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً ، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ ) الحديثَ ، هذا ونحوه لا يتوصَّلُ إليه بالرأي والاجتهاد ، بل بالسمع . والظاهر أن الصحابة إنما تستنُد في هذا للنبيِ - صلى الله عليه وسلم مع أنه يحتملُ أن يحدِّثَ به عن بعضِ أهل الكتاب . و ( قوله : يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا ) : يُوشِكُ بكسر الشين ، وهي من أفعال المقاربة ، وماضيها : أَوْشَكَ ، ومعناه : مقاربة وقوعِ الشيء وإسراعُهُ ، والوَشْكُ ، بفتح الواو : السرعةُ ، وأنكر الأصمعيُّ الكسر فيها ، وحكى الجوهري الضَّمَّ فيها . ويستعمل يوشك على وجهَيْن : ناقصةٍ تفتقر إلى اسم وخبر ، وتامَّةٍ تستقلُّ باسمٍ واحد : فالناقصة : يلْزَمُ خبرهَا أنْ غالبًا ؛ لما فيها من تراخي الوقوع ، وتكونُ بتأويلِ المصدر ؛ كقولك : يُوشِكُ زيدٌ أن يذهب ، أي : قارَبَ زيدٌ الذَّهَابَ ، وربَّما حذفتْ أنْ ؛ تشبيهًا لها بكاد ؛ كقول الشاعر : يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا والتامَّةُ : تكتفي باسم واحد ، وهو أنْ مع الفعلِ بتأويلِ المصدر ، بمعنى قَرُبَ ؛ كما في خبر عمرو . هذا والقرآن أصله الجمع ؛ ومنه قولُ مَنْ مدح ناقته فقال : هِجَانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينَا وبه سُمِّيَ كتابُ الله قرآنًا ؛ لِمَا جمَعَ من المعاني الشريفة ، ثم قد يقال مصدرًا بمعنى القراءة ؛ كما قال الشاعر في عثمان : يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا أي : قراءةً . ومعنى هذا الحديث الإخبارُ بأنَّ الشياطين المسجونَة ستخرُجُ ، فتُمَوِّهُ على الجهلة بشيء نقرؤهُ عليهم ، وتلبِّس به ؛ حتى يحسبوا أنه قرآن ، كما فعله مسيلمة ، أو تسْرُدُ عليهم أحاديث تسندها للنبي صلى الله عليه وسلم كاذبةً ، وسميت قرآنًا ؛ لما جمعوا فيها من الباطل . وعلى هذا الوجه يستفاد من الحديث التحذيرُ من قَبُول حديث من لا يُعْرَفُ .
( 3 ) بَابُ النَّهيِ عَنْ أَنْ يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ 5- [ 4 ] عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ . قُلْتُ : أَكْثَرُ النَّاسِ يُرْسِلهُ عَنْ حَفْصٍ : لا يَذْكُرُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَأَسْنَدَهُ الرَّازِي وَحْدَهُ وهو ثِقَة . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ، وابْنُ مَسْعُودٍ : بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ . وَقَالَ مَالِكٌ : اِعْلَمْ أَنَّه لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وهو يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، َقالَ : سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ ، فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً وَفَسِّرْ ؛ حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ ، قَالَ : فَفَعَلْتُ ، فَقَالَ لِيَ : احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ : إِياَّكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ ! فَإِنَّهُ قلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلاَّ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِه وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْعُودٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً . ومعنى بحسب المرء : يكفيه ذلك من الكذب ( 3 ) ومِنْ بَابُ النَّهيِ عَنْ أَنْ يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ . ( قولُهُ عليه الصلاة والسلام : كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) : هذا الحديث رواه مسلم في كتابه من طريقين : أحدهما : طريق عبد الرحمن بن مَهدِيِّ ، عن خُبيبِ بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كفى بالمرء كذِبًا . الحديثَ مرسلا عن حفص ، ولم يذكُرْ أبا هريرة ؛ هكذا وقع عند كافَّة رواة كتاب مسلم ، ووقَعَ عند أبي العَبَّاس الرازيِّ - وحده - في هذا الإسناد : عن أبي هريرة ، فأسنده . ثمَّ أردَفَ مسلمٌ الطريق الآخر : عن عليِّ بنِ حَفْص المدائنيِّ ، عن شعبة ، عن خُبَيْب ، عن حفص ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مثله ، قال عليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيُّ : والصوابُ المرسل . والباء في بالمرء : زائدةٌ هنا على المفعول ، وفاعل كفى : أن يحدِّث ، وقد ترد هذه الباء على فاعل كفى ؛ كقوله تعالى : وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا وكذبًا وشهيدًا : منصوبان على التمييز . ومعنى الحديث : أنَّ مَنْ حدَّث بكلِّ ما سمع ، حصَلَ له الحظُّ الكافي من الكذب ؛ فإنَّ الإنسان يسمعُ الغَثَّ والسمين ، والصحيح والسقيم ، فإذا حدَّث بكل ذلك ، حدَّثَ بالسقيم وبالكذب ، ثم يُحمل عنه ، فيَكْذِبُ في نفسه أو يُكذب بسببه . ولهذا أشار مالك بقوله : لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا ، أي إذا وُجِدَ الكَذِبُ في روايته ، لم يوثَقُ بحديثه ، وكان ذلك جَرْحه فيه ؛ فلا يصلحُ ليقتدي به أحدٌ ولو كان عالمًا ، فلو بيَّن الصحيحَ من السقيم ، والصادقَ من الكاذب سَلِمَ من ذلك ، وتقصَّى عن عُهدَةِ ما يجبُ عليه من النصيحة الدينيَّة . و ( قوله : إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ ) هو بكسر اللام من الكَلَفِ بالشيء ، وهو الوَلُوعُ به ، والمحبَّةُ له ، والاعتناءُ به ؛ وهكذا صحَّت روايتُنا فيه ، وقد رُويَ من طريق الطبريِّ : عَلِقْتَ ، وهو من العَلاَقة ، وهي المحبة . والشناعة في الحديث : هو ما يُسْتَقْبَحُ ، ويُسْتنكر ؛ يقال : شَنِعْتُ بالشيء ، أي : أنكرتُهُ ، بكسر النون ، وشَنُعَ الشيءُ بضمها : قَبُحَ في نفسه ، وشَنَّعْتُ على الرجل مشدَّدًا : إذا ذَكَرْتَ عنه قبيحًا ؛ حذَّره بهذا القولِ عن أن يحدِّثَ الأحاديث المنكرة ، فيُكَذَّبُ وَيَزلُّ . و ( قوله : مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً ) أي : حديثاً لا يفهمونَهُ ولا يُدْرِكون معناه . والفتنة هنا : الضلالُ والحيرة ، وهي تتصرَّف في القرآن على أوجه متعدِّدة ، وأصلها : الامتحان والاختبار ؛ ومنه قولهم : فَتَنْتُ الذهبَ بالنار : إذا اختبرتَهُ بها ، وهذا نحو مما قال في حديث آخر : حَدِّثوا الناسَ بما يفهمون ؛ أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ ؟!
( 6 ) بَابُ الأَْمْرِ بِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَوُجُوبِ الْكَشْفِ عَمَّنْ لَهُ عَيْبٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ 1 / 6 المقدمة - [ 6 ] عَنْ عَائِشَة ؛ أَنَّهَا قَالَتْ : أَمَرَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ . اسْتَدَلَّ بِهِ مُسْلِمٌ هَكَذَا وَلَمْ يُسْنِدْهُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أبو دَاوُد فِي مُصَنَّفِه ، وَأَبُو بَكْرٍ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِه ، وَقَالَ : لا يُعْلَمُ إِلا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُون بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ صَاحِبِ بُهَيَّةَ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ : يَا أَباَ مُحَمَّدٍ ، إِنَّهُ قَبِيحٌ - عَلَى مِثْلِكَ - عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ ، فَلاَ يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلاَ فَرَجٌ ، أو عِلْمٌ وَلاَ مَخْرَجٌ . فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ : وَعَمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدًى ؛ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، قَالَ : يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ : أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أو آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ ، قَالَ : فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيْدٍ : إِنِّي لأُعْظِمُ أَنْ يَكُوْنَ مِثْلُكَ - وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَي الْهُدَى ؛ يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ - تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فيه عِلْمٌ ، فَقَالَ : أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ ، أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أو آخذ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ وَقَاَلَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ : لَمْ نَرَ أَهلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ مُسْلِمٌ : يَقُولُ : يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ ، وَلاَ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ وَقَالَ أبو الْزِّنَادِ : أَدْرَكْتُ بِالمَدِينَةِ مِائةً ، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ ، يُقَالُ : لَيْسَ مِنْ أَهلِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، وَشُعْبَةَ ، وَمَالِكًا ، وَابْنَ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الرَّجُلِ لاَ يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ ، فَيأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ ؟ فَقَالُوا : أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ : التَّنْصِيصَ عَلَى عُيُوبِ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، وَذَكَرَ كَذِبَ بَعْضِهِمْ ، والتَّحْذِيرَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ : بَابًا طَوِيلاً قَالَ فِي آخِرِهِ : وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ، وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا ، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ ؛ إِذِ الأَْخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّيِنِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ أو تَحْرِيمٍ ، أو أَمْرٍ أو نَهيٍ ، أو تَرْغِيبٍ أو تَرْهِيبٍ ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ : كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ ؛ إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَار أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا ، أو يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا ، وَلَعَلَّهَا أو أَكْثَرَهَا أحاديث أَكَاذِيبُ لاَ أَصْلَ لَهَا . فَهَذَا الْبَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ . ( 6 ) وَمِنْ بَابُ : الأَْمْرِ بِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَوُجُوبِ الْكَشْفِ عَمَّنْ لَهُ عَيْبٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ( قولُ عائشة - رضي الله عنها - : " أَمَرَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " ) . استدلالُ مسلمٍ بهذا الحديث يدُلُّ ظاهرًا على أَنَّه لا بأسَ به ، وأنّه ممّا يحتجُّ به عنده ، وإنما لم يُسْنِده في كتابه ؛ لأنَّه ليس على شَرْطِ كتابه . وقد أسنده أبو بكر البزَّار في مسنده ، عن ميمونِ بنِ أبي شَبِيبٍ ، عن عائشة ، عن النبيِ - صلى الله عليه وسلم وقال : لا يُعْلَمُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلاّ مِنْ هذا الوجه ، وقد رُويَ عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا . وقد ذكَرَهُ أبو داود في " مصنَّفه " ، فقال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خَلَف ؛ أنَّ يحيى بن يَمَانٍ أخبرهم ، عن سفيان ، عن حَبيبِ بن أبي ثابت ، عن ميمونِ بْنِ أبي شبيب ؛ أنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطَتْهُ كِسْرةً ، ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ زاهية ، فأقعدتْهُ فأكَلَ ، فقيل لها في ذلك ، فقالت : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : " أَنزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " . قال ابن الأعرابي : قال أبو داود : ميمونٌ لم يَرَ عائشة . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وعلى هذا ، فالحديثُ منقطعٌ ؛ فقد ظهر لأبي داود من هذا الحديث ما لم يظهَرْ لمسلم ، ولو ظهَرَ له ذلك ، لما جاز له أن يستَدِلَّ به ، إلا أن يكونَ يعملُ بالمراسيل ، والله أعلم أنَّ مسلمًا إنَّما قال : وذُكِرَ عن عائشة ، وهو مشعرٌ بضعفه ، وأنَّهُ لم يكنْ عنده ممَّا يعتمده . ومعنى هذا الحديث : الحَضُّ على مراعاةِ مقادير الناس ، ومراتبهم ، ومناصبهم ، فيعامل كلُّ أحد منهم بما يليقُ بحاله ، وبما يلائمُ منصبه في الدينِ والعلمِ والشَّرَفِ والمرتبة ؛ فإنَّ الله تعالى قد رتَّبَ عبيده وخَلْقَه ، وأعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " خيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُمْ في الإسلام إذا فقُهُوا " . و " أبو عَقِيل " هو : بفتح العين وكسر القاف ، واسمه : يحيى بن المتوكِّل ؛ كما ذكره في الأصل . " وبُهَيَّة " بضم الباء ، وفتح الهاء ، وما بعدها ، تصغير بَهْيَة ، وهي امرأة كانت تروي عن عائشة أمِ المؤمنين ، وهي التي سمَّتها بهذا الاسم ، وكان هذا أبو عَقِيلٍ قد روى عنها ، وعُرِفَ بها ؛ فنُسِبَ إلى صحبتها ، وقد خَرَّجَ عنها أبو داود . و ( قولُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ للقاسم : " إنَّكَ ابْنُ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ " ) إنما صحَّتِ النسبتان على القاسم ؛ لأنَّ أباه هو عُبَيدُ الله بن عبد الله بن عمر ، وأُمُّه هي ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وباسم جَدِّهِ هذا ، كان يكنَّى ؛ فـ " عمر " جَدُّهُ لأبيه الأعلى ، و " أبو بكر " جَدُّه لأمِّه ؛ فصدَقَتْ عليه النسبتان . و ( قولُ يحيى القَطَّان : " لم ير أهلَ الخير في شَيْءٍ أكذَبَ مِنْهُمْ في الحديثِ " ) يعني به : الغلَطَ والخطَأَ ؛ كما فسَّره مسلم . وسببُ هذا : أنَّ أهلَ الخير هؤلاء المعنيِّين غَلَبَتْ عليهم العبادة ، فاشتغلوا بها عن الرواية ، فَنَسُوا الحديثَ ، ثم إنَّهم تعرَّضوا للحديث فَغَلِطُوا ، أو كَثُرَ عليهم الوَهَمُ فتُرِكَ حديثهم ، كما اتفق للعُمَرِيِّ ، وفَرْقَدٍ السبخيّ ، وغيرِهِما . و ( قولُ أبي الزِّنَادِ : " أدركْتُ بالمدينة مائةً كلُّهم مأمون " ) يعني : أَنَّهم كانوا موثوقًا بهم في دينهم وأمانتهم ، غير أنّهم لم يكونوا حفَّاظًا للحديث ، ولا متقنين لروايته ، ولا متحرِّزين فيه ؛ فلم تكن لهم أهليَّةُ الأخذ عنهم ، وإن كانوا قد تعاطَوُا الحديثَ والرواية . وفُتْيَا سفيان ومَنْ بعده هي التي يجبُ العملُ بها . ولا يختلفُ المسلمون في ذلك ؛ كما ذكره مسلمٌ بعدَ هذا وأوضحَهُ . وحاصلُهُ أَنَّ ذِكْرَ مساوئِ الراوي والشاهِدِ القادحةِ في عدالتهما وفي روايتهما : أمرٌ ضروريٌّ ؛ فيجب ذلك ؛ فإنه إنْ لم يُفْعَلْ ذلك ، قُبِلَ خبرُ الكذاب ، وشهادةُ الفاسق ، وغُشَّ المسلمون ، وفسدَتِ الدنيا والدين . ولا يُلْتَفَتُ لقولِ غبيٍّ جاهلٍ يقول : ذلك غِيبَةٌ ؛ لأنَّهَا وإنْ كانت مِنْ جنس الغِيبة ، فهي واجبةٌ بالأدلَّةِ القاطعة ، والبراهينِ الصادعة ؛ فهي مستثناةٌ مِنْ تلك القواعد ؛ للضرورةِ الداعية .
( 10 ) باب ما جاء في التدبير وبيع الْمُدَبَّر ( 997 ) ( 58 و59 ) [1593] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ . وفي رواية : فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ . ( 10 ) ومن باب : بيع الْمُدَبَّر وهو الذي يعتقه سيده عن دُبُر منه ؛ بأن يقول : أنت مدَبَّرٌ ، أو : قد دبَّرتُكَ ، أو : أنت حرٌّ عن دبُر منِّي . وما أشبه ذلك مما يذكر فيه لفظ المدبَّر . ولا خلاف في أنَّه عقد شرعي مآله العتق بعد الموت . وهل هو لازم بحيث لا يحل ببيع ولا غيره ، أو هو عقد جائز ، فيجوز حله ببيع المدبَّر ، أو هبته ، ثم هل يُكره حلُّه أو لا ؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال : فذهب مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح ، وأصحاب الرأي إلى الأول . فلا يخرج عن ملك المدبَّر بوجه من الوجوه إلا بأن يعتقه . وذهب إلى الثاني عائشة ، ومجاهد ، والحسن البصري ، وطاوس ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . فيجوز أن يبيعه صاحبه متى شاء . وكرهت طائفة ذلك ، وهو القول الثالث . وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، والشعبي ، والزهري ، والنخعي . وقال الليث : يكره بيعه . فإن جهل إنسان أو غفل فباعه ، فأعتقه الذي اشتراه ، فإن بيعه جائز ، وولاؤه لمن أعتقه . قلت : وهذا قياس من ذكر في القول الثالث . وقد تقدَّم سبب الخلاف في ذلك في كتاب الزكاة . ونكتته : تعارض الأدلة . وذلك : أن التدبير عقد شرعي ، فالوفاء به واجب ؛ لقوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولقوله : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ وظاهر الأمر الوجوب ، ولأن التدبير عقد عتق موقوف على وقت ، فيلزم كالعتق إلى أجل ، ولما حكاه مالك من إجماع أهل المدينة على منع بيع المدبَّر ، أو هبته . فهذه أدلة القول الأول . ويعارض ذلك كله حديث جابر المذكور في هذا الباب . فإن النبي صلى الله عليه وسلم باع المدبَّر . وهو حجة القول الثاني ، وقد اعتذر عنه أصحابنا بأنها قضية معينة ، فيحتمل أن يكون بيعه في دين سابق على التدبير ، ويشعر بذلك قوله : ( لم يكن له مال غيره ) . ومباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لبيعه بنفسه ، فكأنه باعه عليه بالحكم للغُرماء ، والله تعالى أعلم . وأوضح المسالك ما صار إليه مالك .
( 1507 ) [1575] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال: كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ ، ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، ثُمَّ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ . ( 1508 ) [1576] وعَنْ أبي هريرة: عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْف وَلَا عَدْل . و( قوله : لا يحل أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه ) هذا يقتضي : تحريم أن ينسب أحد مولى رجل لنفسه . وحديث أبي هريرة يقتضي : تحريم نسبة المولى لغير معتقه . وكلاهما محرم هنا ، كما هو محرم في النَّسب . وقد سوَّى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في الردع والوعيد ، فقال : ( من ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فالجنة عليه حرام ) . و( قوله : بغير إذنه ) وفي الحديث الآخر : ( بغير إذنهم ) يعني : بغير إذن السَّادة . ودليل خطابه يدلُّ على أن السيد إذا أذن في ذلك جاز ، كما قد ذهب إليه بعض الناس ، وليس بصحيح ، والجمهور على منع ذلك ؛ وإن أذن السيد ؛ لأن السيد إن أذن في ذلك بعوض ، فهو المبايعة للولاء المنهي عنها ، أو ما في معناه . وإن كان بغير عوض ؛ فهي هبة الولاء ، وما في معناها ، ولا يجوز واحد منهما وإنما جرى ذكر الإذن في هذين الحديثين ؛ لأن أكثر ما يقع من ذلك ، إنما يكون بغير إذن السَّادة ، فلا دليل خطاب لمثل هذا اللفظ . وقد بيَّنا في أصول الفقه : أن ما يدلّ على جهة النطق مرجح على ما يدل على جهة المفهوم . وقد تقدَّم : أن اللعنة أصلها : الطرد والبعد . فلعنة الله تعالى هي : إبعاده للملعون عن رحمته ، وإحلاله في وبيل عقوبته . ولعنة الملائكة والناس هي : دعاؤهم عليه بذلك وذمهم له وطرده عنهم . وقد تقدَّم القول على الصرف والعدل في الإيمان .
( 4 ) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه ( 1506 ) [1574] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ ، وَعَنْ هِبَتِهِ . ( 4 ) ومن باب : النهي عن بيع الولاء وهبته إنما لم يجز بيع الولاء ، ولا هبته ؛ للنهي عن ذلك ، ولأنه أمرٌ وجوديٌّ لا يتأتَّى الانفكاك عنه كالنسب . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( الولاء لحمة كلحمة النسب ) فكما لا تنتقل الأبوة والْجُدودة ، كذلك لا ينتقل الولاء . وقد بينا وجه ذلك ومناسبته ، غير أنه يصحُّ في الولاء جرُّ ما يترتب عليه الميراث . ومثاله : أن يتزوَّج عبدٌ مُعْتَقَته ، فيولد له منها ولد ، فيكون حرًّا بحرِّية أُمِّه ، ويكون ولاؤه لمواليها ما دام أبوه عبدًا ، فلو أعتقه سيده عاد ولاؤه لمعتق أبيه بالاتفاق كما ذكرناه . وللولاء أحكامٌ خاصة ثبتت بالسُّنَّة : منها : أنه لا يرث به إلا العصبات الذكور ، ولا مدخل للنساء فيه إلا فيما أعتقن أو أعتق من أعتقن . ومنها : أنه لا يورث إلا بالكبر . فلا يستحق البطن الثاني منه شيئًا ما بقي من البطن الأول شيء . وتفصيل ذلك في الفروع . وقد حكي عن بعض السلف : أن الولاء ينتقل . ولعلَّه إنما يعني به : الجرُّ . والله تعالى أعلم . و( قوله : كتب على كل بطن عُقوله ) أي : أثبت ، وأوجب . والبطن : دون القبيلة ، والفخذ : دون البطن . والعُقول : يعني بها : الدِّيات . وذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، واستقرَّ أمره فيها آخى بين المهاجرين والأنصار ، وصالح من كان فيها من اليهود ، وميز القبائل بعضها من بعض ، وضم البطون بعضها إلى بعض فيما ينوبهم من الحقوق والغرامات ، وكان بينهم دماء وديَّات بسبب الحروب العظيمة التي كانت بينهم قبل الإسلام ، فرفع الله تعالى كل ذلك عنهم ، وألَّف بين قلوبهم ببركة الإسلام ، وبركة النبي صلى الله عليه وسلم حتى صاروا كما قال تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا الآية .
( 5 ) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد ( 1509 ) ( 22 و24 ) [1577] عَنْ أبي هريرة قال : سمعت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقَولَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مؤمنة أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْه عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ . ورواه من حديث سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ وقَالَ: فَانْطَلَقْتُ حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرْتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، فَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَدْ أَعْطَى بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ آلَافِ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ . ( 5 ) ومن باب : فضل عتق الرِّقاب ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النَّار ) . قلت : مقتضى هذا : التسوية بين عتق الذكر والأنثى ، والصحيح والمعيب ، بحكم عموم ( رقبة ) فإنها نكرة في سياق الشرط . وقد صحَّ في ذلك تفصيل . وهو ما خرَّجه الترمذي عن أبي أمامة وغيره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار ، يجزي كل عضو منه عضوًا منه ، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار ، يجزي كل عضو منهما عضوًا منه ، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار ، يجزي كل عضو منها عضوًا منها ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقد صحَّ من حديث أبي ذر أنَّه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أي الرِّقاب أفضل ؟ فقال : ( أنفسها عند أهلها ، وأغلاها ثمنًا ) . وهذا يدلُّ على أن المعيب ليس كالصحيح ، ولا الكبير مثل الصغير ، ولا القليل الثمن مثل الكثير ، لتفاوت ما بينهم ، ولما شهد حديث الترمذي بتفاوت ما بين الذكر والأنثى ؛ لزم منه التفاوت بين من ذكرناهم في ذلك . والله تعالى أعلم . وإنما فضل عتق الذكر على الأنثى ؛ لأن جنس الرِّجال أفضل ، ولأن قوام الدُّنيا والدين إنما هو بالرجال ، والنساء محل لشهواتهم ، ومقر للإنسال . وفيه : ما يدل على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق المؤمن . ولا خلاف في جواز عتق الكافر تطوّعًا . فلو كان الكافر أغلى ثمنًا ، فروي عن مالك : أنه أفضل من المؤمن القليل الثمن تمسكًا بحديث أبي ذر . وخالفه في ذلك أكثر أهل العلم نظرًا إلى حرمة المسلم ، وإلى ما يحصل منه من المنافع الدينية ، كالشهادات ، والجهاد ، والمعونة على إقامة الدين ، وهو الأصح . والله تعالى أعلم .
( 1510 ) [1578] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ ، فَيُعْتِقَهُ . و( قوله : لا يجزي ولد والدًا ) من الجزاء الذي بمعنى المجازاة . والمعنى : أنَّه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعل معه ذلك . وقد بينا فيما سبق وجه مناسبة ذلك . و( قوله : إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه ، فيعتقه ) ظاهره : أنه لا يعتق عليه بمجرد الملك ، بل : حتى يعتقه هو . وإليه ذهب أهل الظاهر ، وقالوا : لا يعتق أحدٌ من القرابة بنفس الملك ، ولا يلزم ذلك فيهم . بل إن أراد أن يعتق فحسن . وخالفهم في ذلك جمهور علماء الأمصار ، غير أنهم في تفصيل ذلك مختلفون . فذهب مالك فيما حكاه ابن خوازمنداذ : إلى أن الذي يعتق بالملك عمودا النسب علوًّا وسفلاً خاصة . وبه قال الشافعي . ومشهور مذهب مالك : عمودا النسب ، والجناحان : وهما الإخوة . وذكر ابن القصَّار عن مالك : ذوو الأرحام المحرمة . وبه قال أبو حنيفة . ومتعلق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى قد أوجب علينا الإحسان للأبوين ، كما قال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا فقد سوَّى بين عبادته وبين الإحسان للأبوين في الوجوب . وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه ، فإذا يجب عتقه ، إما لأجل الملك عملاً بالحديث ، أو لأجل الإحسان عملاً بالآية . والظاهرية لجهلهم بمقاصد الشرع تركوا العمل بكل واحد منهما للتمسك بظاهر لم يحيطوا بمعناه . ومعنى الحديث عند الجمهور : أنَّ الولد لَمَّا تسبب إلى عتق أبيه باشترائه إيَّاه : نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه . ودل على صحة هذا التأويل فهم معنى الحديث والتنزيل . وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك . فوجه القول الأول والثاني : إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المنصوص عليه في الحديث ، ولا أقرب للرجل من أبيه ؛ فيحمل على الأب ، والأخ يقاربه في ذلك ؛ لأنه يُدْلِي بالأبوَّة ، فإنه يقول : أنا ابن أبيه . وأما القول الثالث : فمتعلقه الحديث الثابت في ذلك ؛ الذي خرَّجه أبو داود والترمذي من طرق متعددة . وأحسن طرقه : ما خرَّجه النسائي في كتابه من حديث ضمرة ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق ) . قلت : وهذا الحديث ثابت بنقل العدل عن العدل ، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه . غير أن بعضهم قال : تفرد به ضمرة . وهذا لا يلتفت إليه ، لأن ضمرة عدل ، ثقة . وانفراد الثقة بالحديث لا يضره على ما مهَّدناه في الأصول ، فلا ينبغي أن يعدل عن هذا الحديث . بل : يجب العمل به لصحته سندًا ، ولشهادة الكتاب له معنى . وذلك : أن الله عز وجل قد قال : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وليس من الإحسان إلى الأبوين ، ولا للقرابة استرقاقهم ، فإن نفس الاسترقاق ، وبقاء اليد على المسترق إذلال له وإهانة . ولذلك فسخنا على النصراني شراءه للمسلم على رواية ، ولم نبق ملكه عليه في الأخرى . وإذا ثبت أن بقاء الملك إذلال ، وإهانة ؛ وجبت إزالته ورفعه عن الآباء والقرابة ؛ لأنه نقيض الإحسان ؛ الذي أمر الله به . فإن قيل : فهذا يلزم في القرابات كلّهم وإن بعدوا ؛ قلنا : هذا يلزم من مطلق القرآن . لكن النبي صلى الله عليه وسلم قد خصَّص بعض القرابات بقوله : ( من ملك ذا رحم محرم ) فوصفه بالمحرمية ، فمن ليس كذلك لا تتضمنه الآية ، ولا الحديث . والله تعالى أعلم . وفي المسألة مباحث تذكر في مسائل الخلاف . ثم حيث قلنا بوجوب العتق ، فهل بنفس الملك ، أو يقف ذلك على حكم الحاكم ؛ قولان عندنا : والأول أولى لظاهر الحديث ، ولأنه قد جاء من حديث الحسن عن سمرة : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ ) وهذا اللفظ يكاد أن يكون نصًّا في الفرض ، ولأن بقاء الأب تحت يد الملك إلى أن ينظر الحاكم ؛ فيه إذلال يناقض الإحسان المأمور به . فيجب وقوع العتق مقارنًا للملك ، وإنما صار إلى إيقافه على الحكم في القول الثاني للاختلاف الذي في أصل المسألة . قال بعض الأصحاب : فإذا حكم الحاكم بذلك وجب التنفيذ ، وارتفع الخلاف . وهذا ليس بشيء ؛ لأنه يلزم منه إيقاف مقتضيات الأدلة على نظر الحكَّام وحكمهم ، وهذا باطل بالإجماع ، ولأنه ترك الدليل لما ليس بدليل ، فإن حكم الحاكم ليس بدليل ، بل الذي يستند إليه حكمه هو الدليل . فإن اقتضى دليله وجوب العتق بنفس الملك ؛ فقد حصل المطلوب ، وإن اقتضى دليله إيقاف العتق على الحكم ؛ فإما إلى حكمه ، وهو دور ، وإمَّا إلى حكم غيره ويتسلسل .
( 3 ) باب كان في بريرة ثلاث سنن ( 1504 ) ( 10 و11 و13 ) [1572] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا ، وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا ، وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَتْ: وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ . وفي رواية : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا . ( 1504 ) ( 14 ) [1573] وعَنْها قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ ، فَدَعَا بِطَعَامٍ ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ عَلَى النَّارِ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . ( 3 ) ومن باب : كان في بريرة ثلاث سنن ( قول عائشة رضي الله عنها : كان في بريرة ثلاث قضيَّات ) تعني به : أن هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن ، وإلا فقد تبيَّن : أن فيه من ذلك العدد الكثير ، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر . ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر ؛ لكونها أصولاً لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث ، أو لكونها أهم ، والحاجة إليها أمسّ . والله تعالى أعلم . فإحدى القضيَّات الثلاث : عتقها . والثانية : تخييرها . والثالثة : أَكْلُ النبي صلى الله عليه وسلم مِمَّا تُصدِّقَ به عليها . و( قولها : وعتقت فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها ) هذه الرواية فيها إجمال وإطلاق . وقد زال إجمالها ، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين بعدها . فإن فيهما : أن بريرة كان لها زوج حين أعتقت ، وأن زوجها كان عبدًا . ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمعٌ عليه ؛ وهو : أن الأمة ذات الزوج العبد إذا أُعتِقت مخيرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته ؛ لشرف الحرّية الذي حصل لها على زوجها ، ولدفع مضرَّة المعرَّة اللاحقة لها بملك العبد لها . ولَمَّا كان هذا راجعًا لحقها ، لا لحق الله تعالى : خيّرها الرسول صلى الله عليه وسلم في أن تأخذ بحقها فتفارقه ، أو تسقطه ؛ فترضى بالمقام معه . وعلى هذا : فلو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بينهما ، ولنفي الضرر اللاحق بها . هذا مذهب جمهور العلماء . وقد شذَّ أبو حنيفة ، فأثبت لها الخيار ، وإن كان زوجها حرًّا ؛ متمسِّكًا بما قال الحكم : إن زوج بريرة كان حرًّا ، وكذلك قال الأسود . وكلاهما لا يصح . قال البخاري : إن قول الحكم مرسل ، وقول الأسود منقطع ، قال : وقول ابن عباس : ( كان عبدًا ) أصح . وكذلك رواه جماعة عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة : أنه كان عبدًا . وهو الصحيح عنها . وقد تمسَّك أيضًا أبو حنيفة بما تخيَّله من أن علَّة تخيير بريرة كونها كانت مجبورة على النكاح ، فلما عتقت ملكت نفسها . وهو مطالب بدليل اعتبار هذه العلَّة . وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه ، ولا مشهورة . وهي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة : ( ملكت نفسك فاختاري ) ولو سلمنا صحتها ، لكن لا نسلم : أن الفاء هنا للتعليل ، بل هي لمجرد العطف ، سلمنا أنها ظاهرة فيه ، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلَّة في ولاية الإجبار على الأصاغر . وذلك : أنهم يلزمهم ما عقد عليهم في حال صغرهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا إذا زال حجرهم ، واستقلوا بأنفسهم ، ولا خيار يثبت بالإجماع . لا يقال : بينهما فرق . وهو : أن جبر الأمة للرق ، وجبر الحرة للصغر ؛ لأنا نقول : ذلك الفرق صوري ، خلي عن المناسبة ؛ إذ الكل ولاية إجبار ، وقد ارتفع في الصورتين ، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما ، أو في عدمه . والله تعالى أعلم . قلت : وقد خرَّج البخاري حديث بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه : إن زوج بريرة كان عبدًا ، يقال له : مغيث ، كأني أنظر إليه خلفها يطوف يبكي ، ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو راجعته ) قالت : يا رسول الله ! تأمرني ؟ قال : ( إنما أشفع ) . قالت : فلا حاجة . وزاد عليه أبو داود : وأمرها أن تعتد . وزاد الدارقطني : عدة الحرَّة . وخرَّجه أبو داود من حديث عائشة فقال : إن بريرة عتقت وهي تحت مغيث - عبد لآل أبي أحمد - فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( إن قَرُبَكِ فلا خيار لك ) . وهذه الطرق فيها أبواب من الفقه زيادة على ما ذكره مسلم . فمنها : جواز إظهار الرجل محبة زوجته . وجواز التذلل والرغبة والبكاء بسبب ذلك ؛ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على مغيث شيئًا من ذلك ، ولا نبَّهَهُ عليه . وفيه : جواز عرض الاستشفاع ، والتلطف فيه ، وتنزل الرجل الكبير للمشفوع عنده ؛ وإن كان نازل القدر . وفيه ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرقت بين الأمر والاستشفاع ، وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم كان محمولاً عندهم على الوجوب ، بحيث لا يُرَدُّ ، ولا يُخَالَف . وفيه : النصوص : على أن الزوج كان عبدًا . وفيه : ما يدلُّ على أن تمكين المخيرة من نفسها طائعة يُبْطل خيارها . ويفهم منه : أن كل من له الخيار في شيء فتصرف فيه تصرُّف الْمُلاك مختارًا ، إنه قد أسقط خياره . وفيه : جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج . وفيه : ما يدلُّ على أن نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطلاق ؛ إذا لم تصرّح بلفظ طلاق ، ولا غيره . لكن حالها دلَّ على ذلك ، فاكتفي به ، ووقع الطلاق عليها ، وحينئذ أمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة . و( قولها : وكان الناس يتصدَّقون عليها ، وتهدي لنا ) يعني : أنها كانت معلومة الفقر ، فكانت تُقصَد بالصدقات - واجبها ، وتطوُّعها - وفي بعض ألفاظ هذا الحديث : ( يهدون لها ) ولا تناقض فيه ، فإنها كانت يُفعل معها الوجهان : الصدقة ، والهدية . وقد يجوز أن تُسمِّى الصدقة هدية ، كما قد أطلق عليها ذلك بعض الرواة فقال : ( أهدي لها لحم ) يعني به : تُصدِّق عليها ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( هو لها صدقة ولنا هدية ) . وقد اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث ، فقال بعضهم : ( أهدي لها لحم ) . وقال بعضهم : ( تُصدِّق عليها بلحم بقر ) . وقال بعضهم : ( قالت عائشة : تُصدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة ) . وقال بعضهم : ( قالت عائشة : بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بريرة بشاة من الصدقة ) . قلت : وهذان اللفظان أنصُّ ما في الباب ، فليعتمد عليهما . وقد استوفينا في كتاب الزكاة ما بقي في هذا الحديث ، مِمَّا يحتاج إلى التنبيه عليه . وفيه أبواب من الفقه لا تخفى .
( 1667 ) [1591] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى بحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ ، نِعِمَّا لَهُ . و( نعمَّا ) هي : نعم التي للمدح وزيدت عليها ( ما ) النكرة ، وهي في موضع نصب على التمييز ، كقوله تعالى : فَنِعِمَّا هِيَ
( 8 ) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح ( 1664 ) [1589] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ . ( 1665 ) [1590] وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي ، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ . قَالَ سعيد بن المسيب : وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمُّهُ لِصُحْبَتِهَا . ( 8 ) ومن باب : مضاعفة أجر العبد الصالح قد تقدَّم في الإيمان القول على مضاعفة أجر الكتابي . و( قول أبي هريرة : ( لولا الجهاد ، والحج ، وبرُّ أمِّي لأحببت أن أموت وأنا مملوك ) تصريح : بأن العبد لا يجب عليه جهاد ولا حجّ . وهو المعلوم من الشرع ؛ لأن الحجّ ، والجهاد لا يخاطب بهما إلا المستطيع لهما . والعبد غير مستطيع ؛ إذ لا استقلال له بنفسه ، ولا مال ؛ إذ لا يملك عند كثير من العلماء . وإن ملك عندنا فليس مستقلاً بالتصرف فيه . ويظهر من تمني أبي هريرة كونه مملوكًا : أنه فضل العبودية على الحرية . وكأنَّه فهم هذا من مضاعفة أجر العبد الصالح . وهذا لا يصحُّ مطلقا ؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه ؛ إذ الاستقلال بأمور الدين والدُّنيا إنما حصل بالأحرار . والعبد كالمفقود لعدم استقلاله ، وكالآلة المصرفة بالقهر ، والبهيمة المسخرة بالجبر . ولذلك سلب مناصب الشهادات ، ومعظم الولايات ، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار ، إشعارًا بخسَّة المقدار . وكونه : له أجره مرتين ؛ إنما ذلك لتعدد الجهتين ؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى بعبادته ، ومن جهة سيده بطاعته ، ومع ذلك فالحر وإن طولب من جهة واحدة ، فوظائفه فيها أكثر ، وغناؤه أعظم ، فثوابه أكثر . وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله : ( لولا الجهاد والحجّ وبرُّ أمِّي لأحببت أن أموت عبدًا ) أي : لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور .
( 9 ) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله ( 1668 ) ( 56 و57 ) [1592] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ ، فَدَعَاهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا . وفي رواية : أَنَّ رَجُلًا مِن الْأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ . ( 9 ) ومن باب : من أعتق عبيده عند موته ( قوله : إن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته ) ظاهره : أنه نَجز عتقهم في مرض موته . وفي الرواية الأخرى : ( أنه أوصى بعتقهم ) . وهذا اضطراب ؛ لأن القضية واحدة . ويرتفع ذلك : بأن بعض الرواة تجوز في لفظ : ( أوصى ) لما نفذ عتقهم بعد موت سيدهم في ثلثه ؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق وحكم الوصية به ؛ إذ كلاهما يخرج من الثلث ، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت ، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصية بالعتق دون تنجيز العتق ؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إما عتق جميعهم ، وإما عتق ثلثهم ؛ إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم . و( قوله : فجزأهم أثلاثًا ) ظاهره : أنه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم . وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد ، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة ، مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة . ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجزئوا بالقيمة ، ولعتق منهم ما يخرجه السهم ، وإن كان أقل من ثلث العدد . وكيفية العمل في ذلك مفصلة في كتب أئمتنا . و( قوله : ثم أقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ) هذا نصٌّ في صحَّة اعتبار القرعة شرعا . وهو حجة للجمهور : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول : إنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه ، ولا يقرع بينهم ، وهذا مخالف لنصّ الحديث ، ولا حجة له بأن يقول : إن هذا الحديث مخالف للقياس ، فلا يعمل به ؛ لأنا قد أوضحنا في الأصول : أن القياس في مقابلة النص فاسد الوضع . ولو سلَّمنا : أنَه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين ، وحينئذ يكون الأخذ بالحديث أولى ؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلتها في الحديث ، كما بيناه في الأصول . و( قوله : وقال له قولاً شديدا ) أي : غلظ له بالقول ، والذم ، والوعيد ؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة ، ومنعهم حقوقهم منه . ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله ، وأن المدبر ، والوصايا ، إنما تخرج من الثلث ، وأن الوصية إذا منع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث ، كما يقوله مالك .
( 17 ) كتاب العتق ( 1 ) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء ( 1501 ) [1569] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ، فَأَعْطي شُرَكَاؤهُ حِصَصَهُمْ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . ( 17 ) كتاب العتق ( 1 ) ومن باب : فيمن أعتق شركًا له في عبد قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ ، وكان له مال يبلغ ثمنَ العبد قوَّم عليه قيمة العدل ، فَأُعْطِي شركاؤه حِصَصَهم ، وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتق ) . قلت : هذا الحديث من رواية مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وهو أتقن ما روي عن نافع من ذلك ، وأكمله . فلنبحث عن كلماته . فـ( من ) بحكم عمومها تتناول كُلَّ من يلزمه العتق . وهم المكلفون ، الأحرار ، المسلمون ، ذكرهم ، وأنثاهم . فمن أعتق نصيبه منهم في مملوك مشترك نفذ عِتْقه في نصيبه ، وقوَّم عليه نصيب شريكه إن كان موسرًا ، ودفعت القيمة للشريك ، وكُمِّل على المبتدئ بالعتق . فلو من ليس بمكلف من صبي ، أو مجنون لم يلزمه العتق ، ولم يكمل عليه . وكذلك لو العبد بغير إذن سيده . فلو أذن له السيد أو أجاز انتقل الحكم إليه ، ولزمه العتق ، وكمل عليه . وأما الكفار : فلا يصح العتق الشرعي منهم . إمَّا لأنَّهم غير مخاطبين بالفروع . وإما لأن صحة القرب الشرعية موقوفة على الإسلام . فلو كان العبد مسلمًا وسيداه نصرانيين ، فأعتق أحدهما كمل عليه ؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي . وكذلك لو كان العبد وأحدُ سيديه نصرانيين ، فأعتق النصراني كمّل عليه لحقِّ المسلم على قول أشهب ، ومطرِّف ، وابن الماجشون . وفي المختصر الكبير : لا يقوَّم عليه . وقال ابن القاسم : إن كان العبد مسلمًا قوَّم عليه ، وإلا فلا ، بناءً على أن القُرْبَ لا تصحُّ منهم ، ولا يجبرون عليها . و( الشرك ) : النصيب . ومنه قوله تعالى : وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ويكون بمعنى : الشريك . لقوله تعالى : جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ويكون بمعنى : الاشتراك ، كما جاء في حديث معاذ : أنه أجاز من أهل اليمن الشرك . يعني : الاشتراك في الأرض .
( 1502 ) [1570] وعَنْ أبي هريرة: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ . زاد في أخرى : إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ . وفي رواية : قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ: يَضْمَنُ . و( الشَّقْصُ ) والشُّقَيْصُ : النصيب والجزء . والتشقيص : التجزئة . و( العبد ) : اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه ، ومؤنثه : أمة - من غير لفظه وقد حُكي : عبدةٌ . ولهذا قال إسحاق بن راهويه : إنَّ هذا الحديث إنّما يتناول ذكور العبيد دون إناثهم ، فلا يكمَّل على من أعتق شِرْكًا في أنثى . وهو على خلاف الجمهور من السَّلف ، ومن بعدهم : فإنهم لم يفرِّقوا بين الذكر والأنثى ؛ إمَّا لأن لفظ العبد يُراد به الجنس ، كما قال تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعًا . وإمَّا على طريق الإلحاق بنفي الفارق الذي هو القياس في معنى الأصل ، كما بينَّاه . ومراتبه في كتابنا في أصول الفقه . و( المال ) هنا : كل ما يُتَموَّلُ ؛ أي : يتملك ، فيباع عليه كل ما يُباع على المفلس . و( الثمن ) : أراد به هنا القيمة . والتقويم : اعتبار مقدار ثمن العبد المعتق بعضُه . ولا يكون ذلك إلا من عارفٍ بقيم السِّلع ، موثوقٍ بدينه ، وأمانته ؛ لأنَّ التقويم فَصْل بين الخصوم ، وتمييز لمقادير الحقوق . وظاهر هذا الحديث : أنَّه يقوَّم عليه كاملاً ، لا عتق فيه ، وهو المعروف من المذهب . وقيل : يقوَّم على أن بعضه حُرٌّ . والأول أصحُّ ؛ لأن جناية المعتق هي سبب تفويت مِلك الشَّريك ، فيقوَّم عليه على ما كان عليه حال الجناية ، كالحكم في سائر الجنايات المفوتة ، وهل تعتبر قيمته يوم العتق ، أو يوم الحكم ؟ قولان . والثاني هو المشهور . و( قوله : فأُعْطِيَ شركاؤه حِصَصَهم ) . الرواية : ( أعطي ) مبنيًّا للمفعول . ( شركاؤه ) مفعول لما لم يُسمِّ فاعله . وهو مُشْعرٌ بِجبرِ الْمُعتِق على الإعطاء ، وجبرِ الشَّرِيك على الأخذ . لكن إنما يٌجبرُ الشَّريك إذا لم يَعْتِق حصَّتَه ، فلو أعتقها لم يجبر على المشهور ، وسيأتي . ويعني بقوله : ( حصصهم ) أي : قيمة حصصهم . و( قوله : وعتق عليه العبد ) ( عَتَق )- بفتح العين والتاء ، مبنيًّا للفاعل ، واسم الفاعل : عتيق . ولا يقال مبنيًّا لما لم يسمِّ فاعله إلا بهمزة التعدية ، فيقال : أُعتِق ، فهو : مُعْتَق . ويستفاد منه : أن من حكم عليه بالعتق نسب إليه ، وإن كان كارهًا . وإذا صحت نسبته إليه ثبت الولاء له ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الولاء لمن أعتق ) . وظاهر هذا الحديث : أن العتق لا يكمل للعبد إلا بعد التقويم ودفع القيمة إلى الشريك . وهو مشهور قول مالك وأصحابه ، والشافعي في القديم ، وبه قال أهل الظاهر . وعليه فيكون المعتق بعضه قبل التقويم والدفع حكم العبد مطلقا . ولو مات لم يقوَّم على المعتق . ولو أعتق الشريك نفذ عتقه ، وكان الولاء بينهما . وذهبت طائفة أخرى : إلى أن عتق البعض يسري إلى نصيب الشريك ، فيلزم التكميل على الأول إن كان موسرًا ، ولا يقف ذلك على تقويم ، ولا حكم ، ولا دفع . وإليه ذهب الثوري ، والأوزاعي . وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، ومالك ، والشافعي في قولهما الآخر . وعلى هذا فيكون حكم المعتق بعضه حكم الأحرار مطلقا من يوم العتق . ولو أعتق الشريك لم ينفذ عتقه . ولو مات العبد قبل التقويم ودفع القيمة مات حرًّا . ومتمسَّك هؤلاء حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الذي قال فيه : ( من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصُه في ماله إن كان له مال ) . وأظهر من هذا : ما رواه النسائي من حديث ابن عمر وجابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أعتق عبدًا وله فيه شركاء ، وله وفاء فهو حُرٌّ ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم ) . قلت : وهذا التمسك ليس بصحيح لما يقتضيه النظر الأصولي . وذلك : أن هذه الأحاديث وإن تعدد رواتها ، وكثرت ألفاظها ؛ فمقصودها كلها واحد . وهو : بيان حكم من أعتق شركًا في عبدٍ ، فهي قضية واحدة . غير أن من ألفاظ الرواة ما هو مقيَّد ، ومنها ما هو مطلق ، فيحمل مطلقها على مقيدها . وقد اتفق الأصوليون على ذلك ، فيما إذا اتحدت القضية . وهذا من ذلك النوع المتفق عليه ، ثم إن هذا من باب الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى . والجمع أولى من الترجيح إذا أمكن باتفاق أهل الأصول . ثم ظاهر ذلك اللفظ الأول : أنَّه لو وجد التقويم دون الإعطاء لم يكمل الإعتاق إلا بمجموعهما . وهو ظاهر حكاية الأصحاب عن المذهب ، غير أن سحنونًا قال : أجمع أصحابنا : على أن من أعتق شقصًا له في عبد إنَّه بتقويم الإمام عليه حُرٌّ بغير إحداث حكم . فظاهر هذا : أن نفس التقويم على الموسر موجب للحرية ، وإن لم يكن إعطاء ، وفيه بُعْدٌ ؛ لأن التقويم لو كان محصِّلاً للعتق للزم الشريك أن يتبع ذمة المعتق إذا أعسر بالقيمة بعد التقويم . وذلك لا يتمشى ؛ لا على القول بالسِّراية ، ولا على مراعاة التقويم ولا على قوله : ( وعتق عليه ) . و( قوله : وإلا فقد عتق منه ما عتق ) . ذكره مالك عن نافع على أنّه من قول النبي صلى الله عليه وسلم وجزم بذلك . وهو الظاهر من مساق الحديث . فروايته أولى من رواية أيوب عن نافع ، حيث اضطرب في ذلك . فقال مرة : قال نافع : ( وإلا فقد عتق منه ما عتق ) ومرة قال : فلا أدري ، أشيء قاله نافع ، أم هو من الحديث ؛ لأن مالكا جازم غير شاك ! وقد تابعه على ذلك جماعة من الحفاظ عن نافع كجرير بن حازم ، وعبيد الله ، وغيرهما . وتضمَّن هذا الحديث : أنَّه لا بدَّ من عتق نصيب المعتق وتنفيذه موسرًا كان أو معسرًا . وهو مذهب كافة العلماء . وشذَّ آخرون ، فأبطلوا عتق ذلك الشقص إن كان معسرًا . وهو مصادمة للنص المذكور . وكأنَّه راعى حق الشريك بما يدخل عليه من الضرر بحرية الشقص . وهو قياس فاسد الوضع ؛ لأنه مخالف للنص . ويلزمه على هذا : أن يرفع الحكم بالحديث رأسًا ، فإنه مخالف للقياس ، حيث حكم الشرع بعتق حصة الشريك ، وإخراجها عن ملكه جبرًا ، فإن اعتذر عن هذا : بأن الشرع إنما حكم بذلك تعبدًا ، أو تشوفًا للعتق ، اعتذرنا بذلك عن تنفيذ عتق الشقص على المعتق المعسر . وحاصله : أن مراعاة حق الله تعالى في العتق مقدَّمة على مراعاة حقِّ الآدمي ، ولا سيما والعتق قد وقع على حصة المعتِق . وما وقع فالأصل بقاؤه . وظاهر حديث ابن عمر وإن اختلفت طرقه ، وألفاظه - : أن المعتق إذا كان معسرًا لم يكلف العبد السعي في تخليص ما بقي منه ، وهو مذهب كافة العلماء ما عدا أبا حنيفة ؛ فإنَّه يجبر الشريك في العتق ، واستسعاء العبد ، متمسِّكًا في ذلك بما في حديث أبي هريرة من ذكر الاستسعاء الذي قال فيه : ( فإن لم يكن له مالٌ اسْتُسعِي العبد غير مشقوقٍ عليه ) . وقد رد علماؤنا ذكر الاستسعاء المذكور في هذا الباب بوجهين : أحدهما : التأويل . وهو أن قالوا : معناه : أن يُكلَّف المتمسَّك بالرِّق عَبْدَه الخدمة على قدر ملكه ، لا زيادة على ذلك . ولفظ الاستسعاء قابل لذلك ؛ لأنه استدعاءٌ للسعي ؛ الذي هو العمل . لكن لماذا ؟ هل لحق العتق ، أو لحق السَّيد ؟ الأمر محتمل ، ولا نصَّ ، غير أن تأويلنا أولى ؛ لأنه موافق للقواعد الشرعية ، وتأويلهم مخالف لها على ما نبينه إن شاء الله تعالى . قلت : هذا معنى ما أشار إليه أصحابنا . وقد جاء في كتاب أبي داود ما يبطل هذا التأويل من حديث أبي هريرة . قال : ( فإن لم يكن له مال قوِّم العبد قيمة عدلٍ ، ثم يُستسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه ) . والوجه الثاني : الترجيح . وهو من أوجه : الأول : أن سند حديثنا أقرب سندًا من حديثهم ، فتطرُّق احتمال الغلط إليه أبعد . الثاني : أن حديثهم قد رواه شعبة ، وهشام ، وهمَّام موقوفًا على قتادة من قوله ، وفتياه . وحديثنا متفق على رفعه ، فكان أولى . والثالث : أن حديثنا معمولٌ به عند أهل المدينة ، وجمهور العلماء . وحديثهم إنما عمل به أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق ، فكيف تخفى سُنَّة على أهل المدينة ، وتظهر بالعراق ؟! وهذا في الاستبعاد والهذر ، كمستبضع التمر إلى هجر . الرابع : أن حديثهم مخالف للأصول في حق السَيِّد والعبد ، أما في حق السيد : فإنه إخراج لملك عن مالك من غير عوض ولا تنجيز عتق جبرًا . وبيانه : أن مدَّة الاستسعاء تفوِّت على السيد عبده ، وقد لا يحصل له شيء يعتق به ، فتفوت عليه منافع عبده لغير فائدة . وأما في حق العبد : فإن تكليفه السعي ليحصل له العتق في معنى الكتابة . والكتابة لا يجبر عليها العبد إذا لم يطلبها بالاتفاق بيننا وبينه . والسعي لا يجبر عليه . وأيضًا فإن منع المالك من التصرف في ملكه ، وإدخال العبد فيما لا يريده مؤاخذات لهما بسبب جناية غيرهما الذي هو المعتق . ومن الأنسب الأحرى : أَن لَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . فقد ظهر بهذه الأوجه : أن حديث ابن عمر أولى وأوجه . تنبيهان : الأول : ذهب بعض المتأخرين : إلى أن الحكم بالتكميل غير معلَّل ، وليس بصحيح . بل قد نصَّ الشرع على تعليله في الحديث الذي ذكرناه من حديث ابن عمر ، وجابر ، حيث قال فيه : ( من أعتق عبدا وله فيه شركاء ، وله وفاء فهو حرٌّ ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته ، لما أساء من مشاركتهم ، وليس على العبد شيء ) . وإذا علل ذلك بسوء المشاركة فذلك موجود فيما إذا دبَّر بعض عبده ، فيكمِّل عليه التدبير بعد التقويم . وهو أحد الأقوال في المذهب . أو لا يلحق به ذلك لمخالفة حكم الفرع حكم الأصل ؛ فإن حكم الأصل عتق ناجز لازمٌ ، إمَّا في الجزء ، وإمَّا في الكلِّ . وفي الفرع تدبير قد لا يحصل منه شيء لإمكان لحوق الدين تركة السيد ، فيباع المدبَّر ، فلا يَكْمُل التدبير . وهو القول الثاني عندنا . وإذا لم يصحّ ذلك في التدبير فالكتابة أبعد ؛ لأنها مع توقع عجز المكاتب معاوضة . وعلى هذا : فتكون علَّه الحديث قاصرة ، والله تعالى أعلم . الثاني : إن الشَّرع لَمَّا جبر الشَّريك على أخذ قيمة شقصه ، فَهِمَ العلماء من ذلك تشوُّف الشَّارِع إلى العتق . وإذا كان ذلك في ملك الغير كان أحرى وأولى في ملك نفسه . فإذا أعتق جزءًا من عبده كُمِّل عليه عتق جميعه . وهل بالسراية ، أو بالحكم ؟ قولان . القول بالسراية هنا أولى ؛ إذ لا حاجة إلى التقويم ، ولا إلى الحكم بخلاف الأصل ، فإن التقويم ثَمَّ أحوج إليه حق الشريك . وقد شذَّ بعض العلماء فمنع هذا الإلحاق ، وقصر وجوب التكميل على من أعتق شقصًا من مشترك . وكذلك شذَّ عثمان البَتِّيِّ فقال : لا شيء على المعتق إلا أن تكون جارية رائعة الجمال تراد للوطء ، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضرر . وكذلك أيضًا شذَّ ابن سيرين ؛ فرأى القيمة في بيت المال . وشذَّ آخرون منهم زفر ، والبصريون ؛ فقالوا : يقوَّم على الموسر والمعسر ، ويُتّبع إذا أيسر . وهذه كلها أقوال شاذَّة مخالفة للنصوص والظواهر ، فلا يلتفت إليها .
( 1658 ) ( 32 و33 ) [1581] وعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: عَجِلَ شَيْخٌ فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِهَا ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ ، لَطَمَهَا أَصْغَرُنَا فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُعْتِقَهَا . وفي رواية : فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ ثم ذكر نحوه . و( اللطم ) : الضرب في الوجه . و( امْتَثِلْ ) : معناه : اسْتَقِدْ ؛ أي : خذ القود . و( سابع سبعة ) : أحد سبعة . و( الصورة ) هنا : الوجه . وقد تكون : الصفة ، كما تقدَّم .
( 1659 ) ( 35 ) [1582] وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي ، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ . فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تعالى ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ ، أَوْ قال : لَمَسَّتْكَ النَّارُ . ( 1659 ) ( 36 ) [1583] وعنه : أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَا لهُ ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ ، فَتَرَكَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ . قَالَ: فَأَعْتَقَهُ . ( 1660 ) [1584] وعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى ، أقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ . و( قوله لأبي مسعود : ( لو لم تفعل للفحتك النار ) تنبيه على أن الذي فعله من ضرب عبده حرام ، فكأنه تعدَّى في أصل الضرب ؛ بأن ضربه على ما لا يستحق ، أو في صفة الضرب ، فزاد على المستحق . ولا يختلف : في أن تأديب العبد بالضرب ، والحبس ، وغيره جائز إذا وقع في محله وعلى صفته . ومساق الرواية الأخرى يدلُّ على تحريم قذف المملوك ، وأنَّه ليس فيه في الدنيا حدٌّ للقذف . وهو مذهب مالك ، والجمهور . وهو المفهوم من قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ فإن الإحصان هنا يمكن حمله على الإسلام والحرية والعفة ، على قول من يرى : أن اللفظ المشترك يحمل على جميع محامله ، ولأن العبد ناقص عن درجة الحر نقصانًا عن كفر ، فلا يحدُّ قاذفه ، كما لا يحدُّ قاذف الكافر ، ولأنَّه ناقصٌ عن درجة الحِّر ، فلا يحدُّ الحر لقذفه ؛ كما لا يقتل به . وقد ذهب قوم : إلى أن الحرّ يحدُّ إذا قذف العبد . والحجة عليهم كل ذكرناه من الحديث ، والقرآن ، والقياس .
( 6 ) باب تحسين صحبة ملك اليمين ، والتغليظ على سيده في لطمه ، أو ضربه في غير حد ولا أدب ، أو قذفه بالزنا ( 1657 ) [1579] عَنْ زَاذَانَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ ، فَرَأَى بِظَهْرِهِ أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ . قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَزِنُ هَذَا ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ . ( 1658 ) [1580] وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلًى لَنَا ، فَهَرَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ قُبَلَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي ، فَدَعَاهُ وَدَعَانِي ، ثُمَّ قَالَ: امْتَثِلْ مِنْهُ ، فَعَفَا ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَعْتِقُوهَا . قَالَوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا ، قَالَ: فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا . ( 6 ) ومن باب : تحسين صحبة المماليك كان ضرب ابن عمر رضي الله عنهما لعبده أدبًا على جناية ، غير أنه أفرط في أدبه بحسب الغضب البشري ، حتى جاوز مقدار الأدب ، ولذلك أثر الضرب في ظهره . وعندما تحقق ذلك رأى : أنه لا يخرجه مما وقع فيه إلا عتقه ، فأعتقه بنيّة الكفارة ، ثم فهم أن الكفارة غايتها إذا قبلت أن تكفر إثم الجناية ، فيخرج الجاني رأسًا برأس ، لا أجر ، ولا وزر ، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما : ( ما لي فيه من الأجر شيء ) . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من ضرب غلامه له حدًّا لم يأته ، أو لطمه ، فإن كفارته أن يعتقه ) ظاهر هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده : أن من لطم عبده ، أو تعدَّى في ضربه وجب عليه عتقه لأجل ذلك . ولا أعلم من قال بذلك . غير أن أصول أهل الظاهر تقتضي ذلك . وإنما اختلف العلماء فيمن مَثَّل بعبده مُثلة ظاهرة ، مثل قطع يده ، أو فقء عينه . فقال مالك ، والليث : يجب عليه عتقه . وهل يعتق بالحكم ، أو بنفس وقوع المثلة ؟ قولان لمالك . وذهب الجمهور : إلى أن ذلك لا يجب . وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم : ( من مثل بعبده عتق عليه ) . قلت : ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على من لطم عبده ، أو تعدَى في ضربه لينزجر السَّادة عن ذلك . فمن وقع منه ذلك أثم ، وأمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبة ، كما رفع يده عليه ظلمًا . ومحمله عندهم على الندب ، وهو الصحيح ؛ بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة ، فقالوا : ليس لنا خادم غيرها ، فقال : ( استخدموها ، فإذا استغنيتم عنها فخلوا سبيلها ) . فلو وجب العتق بنفس اللطم لحرم الاستخدام ؛ لأنها كانت تكون حرَّة ، واستخدام الحر بغير رضاه حرام . فمقصود هذه الأحاديث-والله أعلم- : أن من تعدَّى على عبده أثم ، فإن أعتقه يكفر أجر عتقه إثم تعديه ، وصارت الجناية كأن لم تكن ، ومع ذلك : فلا يقضى عليه بذلك ؛ إذ ليس بواجب ، على ما تقدَّم .
( 7 ) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس ، ولا يكلف ما يغلبه ( 1661 ) [1585] عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً ، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ . وفي رواية : بَعْدَ قَوْلِهِ: ( إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ) قَالَ: قُلْتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِنْ الْكِبَرِ ، قَالَ: نَعَمْ . وفي رواية : فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيَبِعْهُ . وفي أخرى : فَلْيُعِنْهُ . ( 7 ) ومن باب : إطعام المملوك قد تقدَّم تفسير ( الْحُلَّة ) . ( قوله : كان بيني وبين رجل من إخواني ) يعني به : عبده . وأطلق عليه أنه من إخوانه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إخوانكم خولكم ) ولأنه أخ في الدِّين . و( قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) أي : خصلة من خصالهم ، يعني بها : تعيير عبده بأمه . فإن الجاهلية كانوا يعيِّرون بالآباء والأمهات ، وذلك شيء أذهبه الإسلام بقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية ، وفخرها بالآباء . الناس كلهم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ) . و( قول أبي ذر : على حال ساعتي من الكبر ) استبعاد منه أن يبقى فيه شيء من خصال الجاهلية مع كبر سنِّه ، وطول عمره في الإسلام ، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء ذلك عليه زال استبعاده ، ووجب تسليمه لذلك القول وانقياده . و( قوله : فأطعموهم مِمَّا تأكلون ، وألبسوهم مِمَّا تلبسون ) أي : من نوع ما تأكلون وما تلبسون . وهذا الأمر على الندب ؛ لأن السَّيد لو أطعم عبده أدنى مما يأكله ، وألبسه أقل مما يلبسه - صفةً ومقدارًا - لم يذمَّه أحدٌ من أهل الإسلام ؛ إذ قام بواجبه عليه ، ولا خلاف في ذلك فيما علمته . وإنما موضع الذمِّ : إذا منعه ما يقوم به أوده ، ويدفع به ضرورته ، كما نصَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( كفى بالمرء إثْمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم ) . وإنما هذا على جهة الحض على مكارم الأخلاق ، وإرشادٌ إلى الإحسان ، وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده ؛ إذ الكل عبيد الله ، والمال مال الله ، ولكن سَخَّر بعضهم لبعض ، وملَّك بعضهم بعضًا ؛ إتمامًا للنعمة ، وتقعيدا للحكمة . و( قوله : ولا تكلّفوهم ما يغلبهم ) أي : لا تكلفوهم ما لا يطيقونه . وهو نهيٌّ ، وظاهره التحريم . و( قوله : فإن كلفتموهم فأعينوهم ) أي : إن أخطأتم فوقع ذلك منكم ، فارفعوا عنهم ذلك ؛ بأن تعينوهم على ذلك العمل ، فإن لم يمكنكم ذلك فبيعوهم ؛ كما جاء في الرواية الأخرى : ( ممن يرفق بهم ) .
( 1663 ) [1587] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ ، فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا ، فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ ، يَعْنِي لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ . ( 996 ) [1588] وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : وجَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَى إِثْمًا أَنْ تَحْبِسَ عَمَّنْ تَمْلِكُ قُوتَهُم . و( قوله : فليُقْعِدْه معه ) أمرٌ بتعليم التواضع ، وترك الكبر على العبد . وهذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يأكل مع العبد ، ويطحن مع الخادم ، ويشاركه في عمله ، ويقول : ( إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ) . و( المشفوه ) : الذي تكثر عليه الشِّفاه ، أو تغلب عليه الشِّفاه عند أكله لِقلتِه . و( الأُكْلَة ) : اللقمة - بالضم في الهمزة وهذا كله أمرٌ بمكارم الأخلاق ، واستدراج للإيثار . ونقيض ذلك : أخلاق البخلاء ، أهل النَّهم ، والجشع .
( 1662 ) [1586] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ . و( قوله : للمملوك طعامه وكسوته ) أي : يجب ذلك له على سيده ، كما قال في حديث أبي هريرة : ( يقول عبدك : أنفق علي ، أو بعني ) وهذا لا يختلف فيه . والقدر الواجب من ذلك ما يدفع به ضرورته ، وما زاد على ذلك مندوب إليه .
( 2 ) باب إنما الولاء لمن أعتق ( 1504 ) ( 8 و9 ) [1571] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي كَاتَبُونِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي تِسْعِ سِنِينَ كُلِّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقالت : إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً ، وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي ، فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا ، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ، فَأَتَتْنِي فَذَكَرَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا فَقَالَتْ: لَا هَا اللَّهِ إِذن قَالَتْ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا ، وَأَعْتِقِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلْتُ . قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ؟! ( 2 ) ومن باب : إنما الولاء لمن أعتق حديث بريرة : حديث مشهور ، كثرت رواياته ، فاختلفت ألفاظه ، وكثرت أحكامه . وقد جمع ما فيه من الفوائد في أجزاء كتب فيه الطبري ستة أجزاء ، واستخرج غيره منه مائة فائدة . والتطويل ثقيل . فلنقتصر على البحث عن مضمون ألفاظه ، ومشكل معانيه على ما شرطناه من الإيجاز . ( قول عائشة رضي الله عنها : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين ، كل سنة أوقية ) دليلٌ على جواز كتابة المرأة المأمون عليها أن تكسب بفرجها ، وعلى أن مشروعية الكتابة أن تكون مُنَجَّمة أو مُؤَجَّلة . وهو مشهور المذهب . ومن الأصحاب من أجاز الكتابة الحالَّة ، وسَمَّاها قطاعةً ، وهو القياس ؛ لأن الأجل فيها إنَّما هو فسحةٌ للعبد في التكسب ، ألا ترى : أنَّه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل المكاتب عتقه ؟! والمكاتبة : مفاعلةٌ مِمَّا لا يكون إلا بين اثنين ؛ لأنها معاقدة بين السيد وعبده . يقال : كاتب يكاتب ، كتابًا ، وكتابةً ، ومكاتبة . كما يقال : قاتل ، قتالاً ، ومقاتلة . فقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ؛ يعني به : المكاتبة . وهي عند جمهور العلماء مستحبة ؛ لأن الله سبحانه أمر بها ، وجعلها طريقًا لتخليص الرقاب من الرِّق ، والأمر بها على جهة الندب عند الجمهور خلافًا لعطاء ، وعكرمة ، وأهل الظاهر ، تمسًّكا بأن ظاهر الأمر المطلق : الوجوب ، لكن الجمهور وإن سلموا ذلك الأصل الكلِّي ، لكنهم قالوا : لا يصحُّ حمل هذا الأمر على الوجوب لأمور : أحدها : أنَّه ظاهرٌ تُخالِفُه الأصول ، فيُتْرك لها ، وذلك : أن الإجماع منعقدٌ على أن السيد لا يجبر على بيع عبده ، وإن ضُوعف له في الثمن . وإذا كان كذلك كان أحرى وأولى ألا يخرج عن ملكه بغير عوض . لا يقال : الكتابة طريقٌ للعتق . والشَّرع قد تشوَّف للعتق ، فخالف البيع . فلا يقاس عليه ؛ لأنا نمنع أن يكون للشرع تشوُّف للعتق مطلقا بل في محل مخصوص . وهو : ما إذا ابتدأ عتق الشقص ، وألزمه نفسه ، فتشوّف الشرع لتكميل الباقي . ولو اعتبرنا مطلق تشوّف الشرع للعتق للزم عتق العبد إذا طلبه مجانًا ، ولا قائل به . الثاني : أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده ، فإذا قال العبد لسيده : خُذْ كسبي وأعتقني . كان بمنزلة قوله : أعتقني بلا شيء ، وذلك غير لازم . فالكتابة غير لازمة . ( بريرة ) بفتح الباء بواحدة من تحتها ، وكسر الراء المهملة ، على وزن فعيلة ، من البِرِّ . ويحتمل أن تكون بمعنى : مفعولة ؛ أي : مبرورة ، كأكيلة السبع ؛ أي : مأكولة . ويحتمل أن تكون بمعنى : فاعلة ؛ كرحيمة بمعنى : راحمة . وظاهر قولها : ( إن أهلي كاتبوني على تسع أواق ) : أن الكتابة قد كانت انعقدت ، وصحَّت . وأن ذلك ليس بمراوضة على الكتابة . وعند هذا يكون مع ما وقع من شراء عائشة لها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا في جواز فسخ الكتابة ، وبيع المكاتب للعتق ، كما قد صار إليه طائفة من أهل العلم . وأما من لم يجز ذلك ، وهم الجمهور ، فأشكل عليهم الحديث ، وتحزّبوا في تأويله ؛ فمنهم من قال : إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت ، وإن قولها : ( كاتبت أهلي ) معناه : أنها راوضتهم عليها . وقدروا مبلغها وأجلها ، ولم يعقدوها . وقد بيَّنَّا : أن الظاهر خلافه . بل إذا تُؤمِّل مساقُ الحديث مع قولها : ( فأعينيني ) وجواب عائشة ؛ قطع بأنها قد كانت عقدتها ، وأن هذا التأويل فاسد . ومنهم من قال : إن المبيع الكتابة ، لا الرقبة . وهذا فاسدٌ ؛ لأن من أجاز بيع الكتابة لم يجعل بيع الولاء لمشتري الكتابة ، بل لعاقدها . وأشبه ما قيل في ذلك : أن بريرة عجزت عن الأداء ، فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة . وحينئذ صحَّ البيع ، إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق السيد والعبد عليه ؛ لأن الحق لا يعدوهما ، وهو المذهب المعروف . وقال سحنون : لا بدَّ من السلطان . وهذا : إنما خاف أن يتواطآ على ترك حق الله تعالى . وهذه التهمة فيها بَعُدَ ، فلا يلتفت إليها . ويدلُّ على أنها عجزت : ما وقع في الأصل من رواية ابن شهاب ، حيث قال : إن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا ، فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك ؛ فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت . فظاهر هذا : أن جميع كتابتها أو بعضها استحقت عليها ؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به ، والله أعلم . الولاء : نسبةٌ ثابتةٌ بين المعتِق والمعتَق ، تشبه النسب ، وليس منه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( الولاء لحمة كلحمة النسب ) . ووجه ذلك ما قد نبهنا عليه فيما تقدَّم . ولبابه : أن العبد في حكم المفقود لنفسه ، والْمُعْتِق يُصَيِّره موجودًا لنفسه ، فأشبه حال الولد مع الوالد . ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه ، فيعتقه ) . فإذا ثبتت هذه النسبة ترتب عليها من الأحكام الشرعية ما يترتب على النَّسب ، لكنه متأخر عنه ، فمهما وُجد نسب كان هو المتقدِّم على الولاء . ثم إن الأحكام لا تثبت بينهما من الطرفين ، بل من طرف المعتق ؛ لأنه المنعم بالعتق ، والْمُعتَق مُنْعَم عليه ، فلا جرم : يَرِثُ المعتِق المعتَق ، ولا ينعكس اتفاقًا فيما أعلم . وعلى هذا : فيلي المعتق على بنات مُعْتَقِه ، ولا ينعكس في المشهور الصحيح . وقيل : ينعكس . و( قولها : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين ) هكذا صحَّ في رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة . وقد ذكر البخاري تعليقًا من حديث يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة : قالت عائشة : ( إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها ، وعليها خمس أواق نُجِّمت عليها في خمس سنين ) . وظاهره تعارض ، غير أن حديث هشام أولى ؛ لاتصاله وانقطاع حديث يونس ؛ ولأن هشامًا أثبت في حديث أبيه وجدَّته من غيره . ويحتمل أن تكون هذه الخمس الأواقي هي التي استُحِقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام . وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم مقدار الأوقية . و( قول عائشة لبريرة في حديث هشام : إن شاء أهلك أن أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةَ ، وأُعْتِقَك ، ويكون ولاؤكِ لِي فَعَلْتُ ) . وفي حديث يونس عن ابن شهاب : أنها قالت لها : ( أرأيت إن عددت لهم عدَّة واحدة ، أيبيعك أهلك فأعتِقَكِ ، ويكون ولاؤكِ لِي ) ليس بتعارض بين الروايتين ، وإنما هو نقل بالمعنى على عادتهم الأكثرية في ذلك . وفيه دليل على صحَّة ما قلناه : أنها إنما اشترتها للعتق مع إمكان أن يكون ذلك عند عجزها عن أداء ما تَعَيَّن عليها من الكتابة . و( قول عائشة : فانتهرتها ) يعني : أنها عظم عليها أن تشتريها بمالها لتعتقها ، ثم يكون ولاؤها لمن باعها ، وأخذ ثمنها . فبأي طريق يستحق الولاء ، ولا طريق له يستحقه به ! ثم وقع بعد قول عائشة : ( فانتهرتها ) فقالت : ( لا ها الله إذًا ) . كذا لأكثر الرواة : ( فقالت ) وظاهره : أن هذا قول بريرة أجابت به عائشة لما انتهرتها مستلطفة لها ، ومُسكّنة . فكأنها قالت : فإذا كان ذلك ، يعني : موجدة عائشة . فلا أستعينك على شيء . ويحتمل أن يكون الراوي أخبر به عن عائشة ، ويؤيده ما قد وقع في بعض النسخ : ( فقلت ) مكان ( قالت ) وعلى هذا : فيكون من قول عائشة ، ويكون معناه : أن أهل بريرة لما أبوا إلا اشتراط الولاء لهم امتنعت من الشراء والعتق ؛ لأجل الشرط ، وأقسمت على ذلك بقولها : ( لا ها الله إذًا ) . والرواية المشهورة في هذا اللفظ : ( هاء ) بالمد والهمز ، و( إذًا ) بالهمز والتنوين ، التي هي حرف جواب . وقد قيّده العذري ، والهوزني بقصرها ، وبإسقاط الألف من ( إذًا ) فيكون : ( ذا ) . واستصوب ذلك جماعة من العلماء ، منهم : القاضي إسماعيل ، والمازري ، وغيرهما . قالوا : وغيره خطأ . قالوا : ومعناه : ذا يميني . وصوَّب أبو زيد وغيره المدّ والقصر . قال : و( ذا ) صلة في الكلام . وليس في كلامهم : ( لا ها الله إذًا ) . وفي البارع : قال أبو حاتم : يقال : ( لا ها الله ذا ) في القسم ، والعرب تقوله بالهمز ، والقياس تَرْكُه . والمعنى : لا والله ، هذا ما أقسم به . فأدخل اسم الله بين ( ها ) و( ذا ) . انتهى كلامهم . قلت : ويظهر لي : أن الرواية المشهورة صوابٌ ، وليست بخطأ . ووجه ذلك : أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما للأخرى على ما قررناه آنفًا . والهاء هنا : هي التي يعوَّض بها عن تاء القسم ، فإن العرب تقول : آلله لأفعلنَّ - ممدودة الهمزة ، ومقصورتها ثم إنهم عوَّضوا من الهمزة ( هاء ) فقالوا : ها الله ؛ لتقارب مخرجيهما ، كما قد أبدلوها منها في قولهم : ألا يا سَنَا بَرْقٍ على قللِ الحِمَى لِهَنَّك مِنْ بَرْقٍ عليَّ كريم وقالوا : فهيَّاك والأمر فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره ولَمَّا كانت الهاءُ بدلاً من الهمزة ، وفيها المدُّ والقصر ، فالهاء تمدُّ وتقصر ، كما قد حكاها أبو زيد . وتحقيقه أن الذي مدَّ مع الهاء كأنَّه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفًا استثقالاً لاجتماعهما ، كما تقول : آلله . والذي قصر كأنَّه نطق بهمزةٍ واحدةٍ ، فلم يحتج إلى المدِّ ، كما تقول : الله . وأما ( إذا ) فهي بلا شك حرف جواب ، وتعليل . وهي مثل التي وقعت في قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : ( أينقص الرطب إذا يبس ؟ ) فقالوا : نعم . قال : ( فلا إذًا ) . فلو قال : فلا والله إذًا ، لكان مساويًا لهذه من كل وجهٍ ، لكنَّه لم يحتج إلى القسم ، فلم يذكره . وقد بيَّنَّا تقدير المعنى ، ومناسبته ، واستقامته معنى ووضعًا من غير حاجة إلى ما تكلُّفه من سبقت حكاية كلامه من النحويين من التقدير البعيد المخرج للكلام عن البلاغة . وأبعدُ من هذا كلِّه وأفسد : أن جعلوا ( الهاء ) للتنبيه و( ذا ) للإشارة ، وفصلوا بينهما بالمقسم به . وهذا ليس قياسًا فيطرد ، ولا فصيحًا فيحمل عليه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مرويًا برواية ثابتة . وما وجد للعذري من ذلك فإصلاح منه ، أو من غيره ، ممن اغترّ بما حكي عمَّن سبق ذكرهم من اللغويين . والحق أول مطلوب . والتمسُّك بالقياس المنقول أجل مصحوب . والصحيح رواية المحدثين والله خير معين . وقول أبي زيد : ليس في كلامهم : ( لا ها الله إذًا ) شهادةٌ على نفي فلا تسمع . ثَمَّ تعارضه بنقل أبي حاتم : أنه يقال : ( لا ها الله ) وليس كل ما يقتضيه القياس نوعًا يجب وجودُ جميع أشخاصه وضعًا . و( قولها : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اشتريها ، وأعتقيها ، واشترطي لهم الولاء ) هذه اللفظة التي هي : ( واشترطي لهم الولاء ) لفظة انفرد بها هشام . والرواة كلهم لا يذكرونها . وهي مشكلة . ووجه إشكالها : أن ظاهره : أنه أمرها باشتراط ما لا يجوز ، ولا يصحّ ، ولا يلزم لمن لا يعلم ذلك ليتم البيع ، وذلك حَمْل على ما لا يجوز ، وغشٌّ ، وغرر لمن لا يعلم ذلك . وكل ذلك محال على النبي صلى الله عليه وسلم . ولَمَّا وقع هذا الإشكال العظيم تحزَّب العلماء في التخلص منه أحزابًا . فمنهم من أنكر هذه الرواية عن هشام من حيث انفرد بها عن الحفاظ . وهو : يحيى بن أكثم . والجمهور على القول بصحَّة الحديث ؛ لأن هشامًا ثقة ، حافظ ، إمام . ثم قد روى هذا الحديث الأئمة منه ، وقبلوه ، كمالك وغيره مع تَحَّرزهم ، ونقدهم ، وعلمهم بما يُقْبَلُ وبما يُرَدُّ ، وخصوصًا أمير المؤمنين بالحديث مالك بن أنس . فقد أخذه عنه ، ورواه عُمُرَه لجماهير الناس ، ولا إنكار منه ، ولا نكير عليه . فصار الحديث مُجْمَعًا على صحته . ولَمَّا ثبت ذلك رام العلماء القابلون للحديث التخلُّص من ذلك الإشكال بإبداء تأويلاتٍ ، أقربها أربعة : الأول : أن قوله : ( واشترطي لهم ) أي : عليهم . كما قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ؛ أي : عليها . ومنه قوله : أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ؛ أي : عليهم . الثاني : أن قوله : ( اشترطي ) لم يكن على جهة الإباحة ، لكن على جهة التنبيه على أن ذلك الشرط لا ينفعهم ، فوجوده وعدمه سواء . فكأنه يقول : اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم . وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء من رواية أيمن المكي عن عائشة : ( اشتريها ودعيهم يشترطون ) . الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أعلم بأن اشتراط البائع الولاء باطل ، واشتهر ذلك ، بحيث لا يخفى على هؤلاء ، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا لما علموا بطلانه أطلق صيغة الأمر مريدًا بها التهديد على مآل الحال ، كما قال تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فكأنه يقول : اشترطي لهم ، فسيعلمون : أن ذلك لا يفيد . ويؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم حين خطبهم : ( ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ؟! من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ) . فتوبيخهم بمثل هذا القول يدلُّ على أنه كان قد تقدَّم بيانه لحكم الله تعالى بإبطاله ، إذ لو لم يتقدَّم بيان ذلك لبدأ الآن ببيان الحكم لا بتوبيخ الفاعل ، لأنه باق على البراءة الأصلية . وهذه التأويلات الثلاث لعلمائنا . الرابع : ما قاله الطحاوي : أن الشافعي روى هذه اللفظة عن مالك عن هشام بن عروة بإسناده ، ولفظه ، وقال فيها : ( واشرطي لهم الولاء ) - بغير تاء وقال : معناه : أظهري لهم حكم الولاء ؛ لأن الإشراط هو : الإظهار في كلام العرب . قال أوس بن حُجْر : فأشرط فيها نفسه وهو معلم وألقى بأسباب له وتوكلاً يعني : أظهر نفسه لما حاول أن يفعل . قلت : وهذه الرواية مما انفرد بها الشافعي عن مالك ، والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم من ذلك . و( قوله : من شرط شرطًا ليس في كتاب الله ، فهو باطل ) أي : ليس مشروعًا في كتاب الله لا تأصيلاً ولا تفصيلاً . ومعنى هذا : أن من الأحكام والشروط ما يوجد تفصيلها في كتاب الله تعالى ؛ كالوضوء ، وكونه شرطًا في صحة الصلاة . ومنها : ما يوجد فيه أصله ، كالصلاة ، والزكاة ، فإنهما فيه مجملتان . ومنها : ما أصل أصله . وهو كدلالة الكتاب على أصلية السُّنة والإجماع والقياس . فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلاً ، كما قد بيَّناه في أصول الفقه . وعلى هذا فمعنى الحديث : أن ما كان من الشروط مما لم يدل على صحته دليلٌ شرعيٌ كان باطلاً ؛ أي : فاسدا مردّودًا . وهذا كما قاله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ ) . وفي هذا من الفقه ما يدلُّ على أن العقود الشرعية إذا قارنها شرط فاسدٌ بطل ذلك الشرط خاصة ، وصحَّ العقد . لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد ، الولاء في الكتابة ، واشتراط السَّلف في البيع . فلو كان ذلك الشرط مخلاًّ بركن من أركان العقد ، أو مقصودًا ؛ فسخ العقد والشرط . وسيأتي لهذا مزيد بيان في حديث جابر ، إن شاء الله تعالى . و( قوله : ولو كان مائة شرط ) خرج مخرج التكثير ؛ يعني : أن الشروط غير المشروعة باطلة ولو كثرت . ويفيد دليل خطابه : أن الشروط المشروعة صحيحة ، كما قد نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( المؤمنون على شروطهم ، إلا شرطًا أحل حرامًا ، أو حرَّم حلالاً ) خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف ، وقال : حديث حسن . و( قوله : كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق ) أي : حكم الله . كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر - لَمَّا قال له الخصم : اقض بيننا بكتاب الله تعالى- فقال : ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) ثم قضى على الزاني البكر بالجلد والتغريب ، وعلى الزانية بالرجم . وليس التغريب والرجم موجودين في كتاب الله تعالى . لكن في حكم الله المسمَّى بالسُّنة ، وكذلك اختصاص الولاء بالمعتق ليس موجودًا في كتاب الله ، لكن في حكم الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مما يسمَّى سُنَّة . و( قوله : إنما الولاء لمن أعتق ) هذا حصر للولاء على من باشر العتق بنفسه من كان من رجل أو امرأة ممن يصح منه العتق ، ويستقل بتنفيذه . وقوة هذا الكلام قوة النفي والإيجاب . فكأنه قال : لا ولاء إلا لمن أعتق . وإيَّاه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( شرط الله أوثق ) في أصحِّ الأقوال وأحسنها . وقال الداودي : هو قوله تعالى : فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ وقال : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وقال : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وهو حجة على أبي حنيفة وأصحابه القائلين : بأن من أسلم على يديه رجل فولاؤه له . وبه قال الليث ، وربيعة ، وعلي وإسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط . وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة . ولمن قال : إن من أعتق عبده عن غيره أو عن المسلمين إن ولاءه له أعني للمعتق . وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين . ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقا . وخالفه في ذلك مالك ، والجمهور ، متمسكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه بدليل اتفاق المسلمين : على أن الوكيل عن العتق معتق . ومع ذلك فالولاء للمعتق عنه إجماعًا ، فكذلك حكم من أعتق عن الغير ، وتقدره الشافعية أنه مَلَكَه ثم ناب عنه في العِتْق . وأما أصحابنا فإنهم قالوا : لا يحتاج إلى تقدير ذلك ؛ لأنه يصح العتق عن الميت ، وهو لا يملك . وفيه نظر ، فإنه إن لم يُقَدَّر الملك لزم منه هبة الولاء . وقد النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء ، وعن هبته . وإن قُدَّر الملك لم يصح العتق عن الميت ؛ لأنه لا يملك . ويُتَخَلَّص عن هذا الإشكال ببحث طويل لا يليق بما نحن بصدده . ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة ، لكن نذكر منها ما لها تعلُّق قريب بالحديث الذي ذكرناه ، وهي ثماني مسائل : الأولى : جواز كتابة من لا مال له ولا صنعة . فإن بريرة كانت كذلك . وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، والثوري ، غير أن مالكا في المشهور كره كتابة الأنثى ؛ التي لا صنعة لها . وكرهها أيضًا الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . وروي مثله عن ابن عمر . وهذا كلُّه يدل على أن ( الخير ) في قوله تعالى : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا لم يرد به المال ، بل : الدين ، والأمانة ، والقوة على الكسب . وقد ذهب قوم إلى أنه المال ، فمنعوا ما أجازه المتقدمون ، والحديث حجة عليهم . الثانية : إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء من الكتابة . وهو قول عامَّة العلماء ، وفقهاء الأمصار . وحكي عن بعض السلف : إنه بنفس عقد الكتابة حرٌّ ، وهو غريم بالكتابة ، ولا يرجع إلى الرِّق أبدًا . وحكي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : إنه إن عجز عتق منه بقدر ما أدَّى . وحكي عن عمر ، وابن مسعود ، وشريح : إنه إذا أدَّى الثلث من كتابته ، فهو حرٌّ وغريم بالباقي . وعن بعض السَّلف : الشَّطْر . وعن عطاء : مثله ؛ إذا أدَّى الثلاثة الأرباع . وقد روي عن ابن مسعود ، وشريح مثله ؛ إذا أدَّى قيمته . وأضعف هذه الأقوال قول من قال : بعقد الكتابة يكون حرًّا ، وغريِمًا بالكتابة ، فإن حديث بريرة هذا يردُّه ، وكذلك كتابة سلمان ، وجويرية ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لجميعهم بالرِّق حتى ودُّوا الكتابة . وهذه الأحاديث أيضًا حجة للجمهور على أنَّ المكاتَب على حكم الرِّق ما بقي عليه شيء منها ؛ مع ما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته درهم ) . وقد روى نحوه النسائي أيضًا من حديث عطاء الخراساني ، عن عبد الله بن عمر . والصحيح موقوف على ابن عمر . وقد رُوي مثله عن عمر ، وزيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم سلمة . ومثل هذا لا يقوله الصحابي من رأيه ، فهو إذًا مرفوع . وأما أقوال السلف ؛ فأشبه ما فيها قول علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ويشهد له ما خرَّجه النسائي أيضًا عن ابن عباس ، وعلي رضي الله عنهم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال : ( المكاتب يعتق منه بقدر ما أدَّى ، ويقام عليه الحد بقدر ما وَدَى ، ويرث بقدر ما عتق منه ) . وإسناده صحيح . ويعتضد بما رواه الترمذي عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدِّي فلتحتجب منه ) . قال : حديث حسن صحيح . قلت : وظاهره أنَّ هذا خطاب مع زوجاته ؛ أخذًا بالاحتياط ، والورع في حقهنَّ ، كما قال لسودة : ( احتجبي منه ) . مع أنه قد حكم بأخوتها له ، وبقوله لعائشة وحفصة : ( أفعمياوان أنتما ؟! ألستما تبصرانه ؟ ) يعني : ابن أم مكتوم ، مع أنه قد قال لفاطمة بنت قيس : ( اعتدي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك عنده ) . الثالثة : حديث بريرة - على اختلاف طرقه ، وألفاظه - يتضمن : أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدَّمت ، فاختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك . فمنهم من أجازه إذا رضي المكاتب بالبيع ، ولو لم يكن عاجزا . وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البرّ . وبه قال ابن شهاب ، وأبو الزناد ، وربيعة . غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه . ومنهم من قال : يجوز بيعه على أن يمضي في كتابته ؛ فإن أدَّى عتق ، وكان ولاؤه للذي ابتاعه . ولو عجز فهو عبدٌ له . وبه قال النخعي ، وعطاء ، والليث ، وأحمد ، وأبو ثور . ومنهم من منع بيع المكاتب إلا أن يعجز . وبه قال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم . وأجاز مالك بيع الكتابة ، فإن أدَّاها عتق ، وإلا كان رقيقًا لمشتري الكتابة . ومنع ذلك أبو حنيفة لأنه بيع غرر . واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة . وكل هذا الخلاف سببه اختلاف فُهومهم في حديث بريرة وقواعد الشريعة ، وقد قدمنا : أن الأظهر من الحديث جواز بيع المكاتب للمعتق ، وهو أحسنها ؛ لأنه الأظهر من الحديث ، والأنسب لقواعد الشرع ؛ لأن الكتابة عقد عتق على شرط عمل أو مال ، وقد يحصل ذلك أو لا يحصل . وبيعه للعتق إسقاط لذلك الشرط ، وتنجيز للعتق . والله أعلم . والولاء للمشتري ؛ لأن عقد الكتابة قد انفسخ . المسألة الرابعة : اتفق المسلمون على أن المكاتب إذا حلَّ عليه نجم أو أكثر ، فلم يطالبه سيده بذلك ، وتركه على حاله ؛ أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك . واختلفوا فيما إذا كان العبد قويًا على السعي والأداء . فقال مالك : ليس له تعجيز نفسه إذا كان له مال ظاهر ، وإن لم يظهر له مال كان له ذلك . وقال الأوزاعي : لا يُمَكَّن من تعجيز نفسه إذا كان قويًّا على الأداء . وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه ؛ علم له مال أو قوة ، أو لم يعلم . وإذا قال : قد عجزت ، وأبطلت الكتابة ، فذلك إليه . قلت : والصحيح : أن الكتابة لا سبيل إلى إبطال حكمها ما أمكن ذلك ؛ لأنها إما أن تكون عقدًا بين السيد وعبده ، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود ، وإما وعدًا بالعتق وعهدًا ، فقد قال الله تعالى : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا وإما عتقًا على شرط يمكن تحصيله ؛ فيجب الوفاء به ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون على شروطهم ) ولأنه لو علَّق عتقه على أجل يأتي ، أو على أمرٍ يحصل لزمه العقد ، وحصل العتق عند حصول ذلك الشرط ، فكذلك عقد الكتابة . ويستثنى من هذا بيعه للعتق ، كما بيَّناه . وإذا كان كذلك ، فلا يقبل من السيد ، ولا من العبد دعوى العجز حتى يتبين بالطرق المعتبرة في ذلك . المسألة الخامسة : إذا عجز العبد وكان السيد قبض منه بعض نجوم الكتابة حلَّ ذلك للسيد ، سواء كان ذلك من صدقة على المكاتب أو غيرها ، ولا رجوع للمكاتب بذلك ، ولا لمن أعطاه على وجه فكاك الرقبة . هذا قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، ورواية عن شريح ، ومالك ، غير أنه قال : إن ما أُعني به - على جهة فك رقبته - : لا يحل للسيد ، ويرد على ربه . وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة ردَّ على أربابه . وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب . وهو قول مسروق ، والنخعي ، ورواية عن شريح . قلت : وما قاله مالك ظاهر ، لا إشكال فيه . المسألة السادسة : فيه دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج لا يوجب طلاقها . وعليه فقهاء الأمصار . وقد روي عن ابن عباس ، وابن مسعود : أنه طلاق لها . والعجب من ابن عباس أنه أحد رواة حديث بريرة ، ومع ذلك : لم يقل بما روى من ذلك . المسألة السابعة : الولاء - وإن لم يوهب ولم يبع- يصح فيه الجرُّ في صورتين : إحداهما : وهي التي قال فيها مالك : الأمر المجمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأة حُرَّة ، ووالد العبد حر: أن الجدَّ - أبا العبد - يجرُّ ولاءَ ولد ابنه الأحرار من امرأةٍ حرَّة ، ويرثهم ما دام أبوهم عبدًا ، فإن أٌعتِقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه ، وإن مات وهو عبد كان الولاء والميراث للجد . وأما الصورة الثانية : فاختلف أهل العلم في انتقال الولاء الذي قد ثبت لموالي الأمة المعتقة في بنيها من الزوج العبد إن أعتق . فروي عن جماعة من العلماء : أن ولاءهم لموالي أمهم ، ولا يجره الأب إن أُعتق . وروي ذلك عن عمر ، وعطاء ، وعكرمة بن خالد ومجاهد ، وابن شهاب وقبيصة بن ذؤيب ، وقضى به عبد الملك بن مروان في آخر خلافته ، لما بلغه قضاء عمر به ، وكان قبلُ يقضي بقضاء مروان : أن الولاء يعود إلى موالي أبيهم ، وبهذا القول قال مالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . المسألة الثامنة : ولاء السائبة - وهو : الذي بقول له معتقه : أنت عتيق سائبة ، أو أنت مسيب ، أو ما أشبهه - : للمسلمين عند مالك ، وجُلّ أصحابه . لا للذي أعتقه . وليس للمعتق أن يوالي من شاء . وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وروي عن عمر . وقال ابن شهاب ، ويحيى بن سعيد ، والأوزاعي ، والليث : له أن يوالي من شاء ، وإلا فللمسلمين . وكان الشعبي وإبراهيم يقولان : لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته . وقال أبو حنيفة ، والشافعي رحمهما الله تعالى وأصحابهما ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود : هو لمعتقه لا لغيره ، ولا يوالي أحدًا .
( 1531 ) ( 44 و 45 و 46 ) [1613] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَكَانَا جَمِيعًا ، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكِ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ . وفي أخرى : كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ . وفي رواية : قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ - يعني ابن عمر - إِذَا بَايَعَ رَجُلًا ، فَأَرَادَ أَلَا يُقِيلَهُ ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّهةً ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ . و( قول نافع : إن ابن عمر كان إذا بايع رجلاً ، وأراد ألا يقيله ، قام فتمشى هنيهة ثم رجع إليه ) دليل : على أن ابن عمر كان يرى التفرُّق بالأبدان ، وأن ذلك يجوز . وحينئذ يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله ) ويعتذر عن ابن عمر بأن هذه الزيادة لم يسمعها ، أو لم تصح عنده . وقد حكى أبو عمر الإجماع : على جواز ما فعل ابن عمر . فإن صحَّ هذا ، فتلك الزيادة متروكة الظاهر بالإجماع . و( هنيهة ) : تصغير هنةٍ ، وهي كلمه يعبَّر بها عن كل شيء قليل .
( 1532 ) [1614] وعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - وولد في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا ، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا ، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا . و( قوله : فإن صدقا وبيَّنا ) أي : إن صدقا في الإخبار عن الثمن والمثمون فيما يباع مرابحة ، وبيّنا ما فيها من العيوب . و( بورك لهما ) أي : بورك في الثمن : بالنماء ، وفي المثمون بدوام الانتفاع به . ( وإن كذبا ، وكتما ، محقت تلك البركة ) أي : أذهبت ، ورفعت . والرَّجل الذي كان يخدع في البيوع ، هو : حَبَّان بن منقذ بن عمرو الأنصاري ، والد يحيى وواسع ، ابني حبَّان ، شهد أحدًا . أتى عليه مائة وثلاثون سنة ، وكان شُجَّ في بعض مغازيه مع النبي صلى الله عليه وسلم مأمومة خُبل منها عقله ، ولسانه . وذكر الدارقطني : أنه كان ضرير البصر . وقد روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له عهدة الثلاث ؛ إذ كان أكثر مبايعته في الرَّقيق . و ( الخلابة ) : الخديعة . ومنه قولهم : إذا لم تغْلِب فاخلُبْ .
( 1533 ) [1615] وعن ابْنَ عُمَرَ قَالَ : ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ . فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ . و( قوله : لا خيابة ) روايتنا فيه : بالياء باثنتين من تحتها مكان اللام . وهو الصحيح ؛ لأنه كان ألثغ ، يخرج اللام من غير مخرجها . وقد رواه بعضهم : ( لا خيانة ) بالنون ، وليس بالمشهور . وفي غير كتاب مسلم : أنه كان يقول : لا خذابة - بالذال المعجمة وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أنس . وقال : هو الصحيح . وقال فيه : إن رجلاً كان في عقله ضعف ، وكان يبايع ، وأن أهله أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ! احجر عليه . فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه ، فقال : يا رسول الله ! إني لا أصبر عن البيع! فقال : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ) . وخرَّجه أبو داود وقال فيه : ( إن كنت غير تارك للبيع فقل : ها وها ولا خلابة ) . وذكره البخاري في "التاريخ" وقال فيه : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال ) وفيه أبواب من الفقه مختلف فيها : أولها : أن كل من يخدع في البيوع لقلة خبرته ، وضعف عقله ، فهل يحجر عليه أم لا ؟ فقال بالحجر عليه أحمد ، وإسحاق . وقال آخرون : لا يحجر عليه . والقولان في المذهب . وثانيها : أن الغبن هل يوجب الخيار للمغبون أم لا ؟ فذهب الشافعي وأبو حنيفة ، ومالك - في أحد قوليه - إلى نفي الخيار . وذهب آخرون إلى لزوم الخيار . وإليه ذهب البغداديون من أصحابنا . ثم اختلف هؤلاء في حدِّ الغبن الموجب للخيار . فمنهم من حدَّه بالثلث . ومنهم من حدَّه بالتفاحش الذي لا يُتغابن بمثله . وثالثها : مدَّة الخيار . هل هي مقدَّرة بالثلاث في كل مبيع ، أو يختلف ذلك بحسب الاحتياج إلى اختيار المبيع على ما قد تقدم . وسبب الخلاف في هذه الأبواب اختلافهم في هذا الحديث . هل هو خاصٌّ بهذا الرجل ، أو هو عام له ولغيره ، وإذا تنزلنا على حمله على العموم ، فهل دلالة هذا الحديث على هذه الأحكام ظاهرة فيها ، أم لا ؟ وإذا تنزلنا على الظهور . فهل سلمت مِمَّا يعارضها ، أم لا ؟ وبسط هذا يستدعي تطويلاً .
( 6 ) باب بيع الخيار ، والصدق في البيع ، وترك الخديعة ( 1531 ) ( 43 ) [1612] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ . ( 6 ) ومن باب : بيع الخيار قد تقدَّم القول على أصل الخيار في الباب قبل هذا . و( البيِّعان ) تثنية ( بيع ) وهو يقال على البائع وعلى المشتري . كما يقال كل واحد منهما على الآخر . وهو اسم فاعل من : باع . كما يقال : تيِّق ، من : تاق ، وميِّقٌ من : ماق . و( قوله : كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ) وفي الرواية الأخرى : ( وكانا جميعًا ) ظاهر ألفاظ هذا الحديث وإن كثرت متواردة على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين . وإن التفرُّق المذكور فيه ؛ إنما هو بالأبدان . وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين ، كسعيد بن المسيب ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، والليث ، والثوري ، وسفيان بن عيينة ، وابن المبارك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأهل الظاهر . وذهبت طائفة من أصحابنا وغيرهم : إلى أنه محمول على ظاهره ، لكن على جهة الندب ، لا على الوجوب . وترك العمل به مالك ، وربيعة ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وأبو يوسف ، والثوري ، والنخعي في أحد قوليهما . ورأوا : أن التفرُّق إذا حصل بالأقوال وجب البيع ، ولا خيار إلا إن اشترط . والذي لأجله ترك مالك العمل بظاهر الحديث : ما نص عليه في الموطأ لما ذكر هذا الحديث ، ثم قال : وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف ، ولا أمر معمول به . وظاهر هذا : أن أهل المدينة اتفقوا على ترك العمل به . وليس ذلك الظاهر بصحيح ؛ لأن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وقد قالوا به ، وقد أنكره ابن أبي ذئب على مالك . وقد اعتذر أصحابنا عن مالك بأعذار كثيرة أجمعها : ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال على قول مالك : ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف ؛ يريد : أن فرقتهما ليس لها وقت معلوم . وهذه جهالة وقف البيع عليها ، فيكون كبيع الملامسة ، والمنابذة . وكبيع على خيار إلى أجل مجهول . وما كان كذلك فهو فاسد قطعًا ، ولا يعارض هذا الأصل بظاهر لم يتحصَّل المراد منه مفهومًا ؛ إذ تفسير ابن عمر ليس بحجة ، ولهذا عدل عن ظاهره الفقهاء السبعة ، وغيرهم من السَّلف . وأوَّلوه على أنه قد روي في بعض طرقه : ما لم يتفرَّقا ، إلا أن تكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله . رواه الليث عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره . فظاهر هذه الزيادة مخالف لظاهر أول الحديث ، فإن تأول من أخذ بظاهر الحديث لفظ الاستقالة : باختيار الفسخ تأولنا لفظ الخيار باختيار الاستقالة ، فإذا تقابل التأويلان وقف الحديث . والقياس في جانبنا . قلت : وهذا كلام وجيزٌ في لفظه ، جامعٌ في معناه لكل ما يَتَمسَّك به متمسِّك من المالكيِّين ، وممن هو على مذهبهم . فلنقتصر عليه . والله الموفق . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( إلا بيع الخيار ) معناه على مذهب الشافعي : أن خيار المجلس لا أثر له مع وجود خيار الشرط ، فلو تفرَّقا مع اشتراط خيار الثلاث لم يجب البيع بنفس التفرُّق ، بل بمضي مدة الخيار المشترط ، ويكون هذا الاستثناء من قوله : ( لا بيع بينهما ) وهو استثناء موجب من منفيّ . فكأنه قال : كلٌّ بيِّعَين فلا حُكم لبيعهما ما داما في مجلسهما إلا بيع الخيار المشترط ، فحكمه باق إلى مدته ، وإن افترقا بالأبدان . ويمكن تنزيله على مذهب مالك على هذا النحو ، غير أن التفرُّق يحمل على التفرُّق بالأقوال ، ويكون البيعان بمعنى المتساومين . غير أن الاستثناء يكون منقطعًا ؛ لأن المتبايعين بالخيار الشرطي ليسا متساومين ، بل متعاقدين ، فيكون تقديره : لكن بيع الخيار يلزم حكمه بانقضاء مدته . والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم القول في بيع الخيار وفي مدته .
( 1541 ) [1624] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أوسق ، يَشُكُّ دَاوُدُ بن الحصين . و( قوله : فيما دون خمسة أوسق ) أو ( في خمسة أوسق ) دليل على أن في العرية إنما تجري فيما يُوسَّق ويُكال . ثم هل تقصر على التمر والزبيب ، أو يلحق بهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت ؟ قولان ؛ وقد تقدَّما . والأولى : التعدية ، والإلحاق ؛ لأن المنصوص عليه في الحديث التمر ، وقد ألحق بها الزبيب قولاً واحدًا عندنا ، وليس منصوصًا عليه ، ولا سبب للإلحاق إلا أن الزبيب في معنى التمر ، فيلحق بهما كل ما في معناهما من المدخر للقوت . وقد وسَّع المناط يحيى بن عمر من أصحابنا فقاس سائر الثمار على النخل والعنب ، فأجاز بيع الثمار كلها بخرصها إذا طابت إلى الجداد . وشذَّ في ذلك شذوذًا منكرًا لم يقل به أحدٌ من أهل العلم . وقد دلَّ هذا الحديث على قصر الرُّخصة على هذا القدر فلا يزاد عليه . لكن هذا إنما شرط في بيعها من معريها بخرصها كما تقدَّم ، وأمَّا من غيره ، أو منه بالعين أو بالعروض ، فجائز مطلقا من غير تقدير . هذا هو المشهور عن المذهب . وقد روي عنه أنه لا يجوز شراؤها للمعري إلا بالخرص خاصة ، لا بغيره ؛ لأنه من باب : العود في الهبة ، ومحل الرُّخصة الخرص فيقصر عليه . وهذا هو سبب الخلاف في أكثر مسائل هذا الباب ؛ أعني : هل يقاس على الرخص ، أو لا ؟ و( قوله : فيما دون خمسة أوسق ، أو في خمسة أوسق ) هو شكٌّ من داود بن الحصين . وموضع الشك : الخمسة . فتطرح ، ويعوَّل على أن الجواز مخصوص بما دونها لأوجه : أحدها : أن الحكم لا يثبت بالشك . والثاني : أن الأصل في المزابنة المنع ، إلا فيما تحققت فيه الرخصة ، ولم تتحقق هنا في الخمسة ، بل فيما دونها . والثالث : أن الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير ، الذي تجب فيه الزكاة من هذا النوع . ويكون مالكه من الأغنياء الذين يجب عليهم مواساة الفقير . وهو الذي لا نصاب له ، فقصر المرفق على من هو من نوع الفقراء مناسب لتصرف الشرع . وبهذا قال الشافعي ، إلا أنه قال : لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق ، وأفسخه فيما فوقها . قلت : والأولى فسخه ؛ لأن الأصل منعه ؛ لأنه مزابنة ، ولم يتحقق الرافع للمنع . وقد تقدَّم : أن مالكا يشترط في جواز بيع العرية من معريها أن تُقَوَّم بالخرص عند الجداد . وهو قول جل أصحابه . ولم يجيزوه بالنقد . وزعم بعضهم : أن ذلك جاء في الحديث . ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث مع طول بحثي عنه . ومثل هذا الشرط لا يثبت إلا بالسمع ، فكأنَّ عند مالك سمع ولم يبلغنا ، والله تعالى أعلم . تنبيه : العرية عندنا مستثناة من أصول ممنوعة : من المزابنة ، والغرر ، ومن ربا التفاضل ، والنَّساء ، ومن الرجوع في الهبة . والذي سوَّغها ما فيها من المعروف ، والرفق ، وإزالة الضرر . كما قدَّمناه ، والله تعالى أعلم .
( 9 ) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا ( 1539 ) ( 61 و63 ) [1622] عن زَيْد بْن ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا . وفي رواية : رَخَّصَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَرِيَّةِ ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، يَأْكُلُونَه رُطَبًا . وفي أخرى : أَنْ يُبَاعَ بخرصها كيلا مكان تمرا . قَالَ يَحْيَى بن سعيد : الْعَرِيَّةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا . ( 1540 ) [1623] وعَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ ، مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا ، تِلْكَ الْمزابنة . إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ : النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا . ( 9 ) ومن باب : الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ وهي في اللغة - على ما نقله الجوهري - : النخلة يُعْرِيهَا صاحبها رجلاً محتاجًا ، فيجعل ثمرها له عامًا ، فيعروها ، أي : يأتيها . وهي : فعيلة ، بمعنى : مفعولة . وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت ، فصارت في عداد الأسماء ، كالنطيحة ، والأكيلة ، ولو جئت بها مع النخلة ؛ قلت : نخلة عري . وأنشد لسويد بن الصامت : لَيْسَتْ بِسَنْهاء ولا رُجبيَّة ولكن عَرَايَا في السِّنِين الْجَوائح وقال غيره : هي فعيلة ، بمعنى : فاعلة ؛ أي : عريت من ملك مُعْريها . وقال غيرهما : عراه ، يعروه : إذا أتاه يطلب منه عرية ، فأعراه ؛ أي : أعطاه إياها ، كما يقال : سألني فأسألته . وطلبني فأطلبته . فالعريَّة : اسم للنخلة المعطى ثمرها . فهي اسم لعطيَّة خاصة . وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة ، كالمنيحة : لعطية الشاة لِلَّبن . والإفقار : لما ركب فقاره . والإخبال : لما ينتفع به من المال . قلت : فقد حصل من نقل أهل اللغة : أن العرية عطية ؛ لا بيعٌ . ولما ثبت ذلك فسَّر مالك ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، والأوزاعي العرية المذكورة في الحديث : بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا ، على ما تقتضيه اللغة . غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة ، وأحكام متعددة . وحاصل مذهب مالك في العرية : أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من حائط ، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين ، والعروض ، ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا ، وذلك بشروط : أحدها : أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ . وفي الخمسة خلاف . وثانيها : أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلاً ، وعنبًا . وفي غيرهما مما يوسق ، ويدخر للقوت ، خلاف . وثالثها : أن يقوم بالخرص عند الجداد . ورابعها : أن يكون المشترى جملتها ، لا بعضها . وخامسها : أن يكون بيعها عند طيبها ، فلو باعها من الْمُعْرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز ، لتعدِّي محل الرُّخصة . وأما الشافعي : فالعرية عنده : بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمْر مُعَجَّل . فلم يعرج على اللغة المعروفة فيها . وكأنه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث ، فإنه قال : العرية : أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا . وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه ؛ لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيًّا ، فيقال : فهمه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت به عرف غالب شرعي حتى يرجِّحه على اللغة . وغايته : أن يكون رأيًا ليحيى ، لا رواية له ، ثم يعارضه بتفسير ابن إسحاق ، فإنه قال : العرايا : أن يهب الرجل للرجل النخلات ، فيّشق عليه أن يقوم عليها ، فيبيعها بمثل خرصها . ثم هو عين المزابنة المنهي عنها ، ووضع رخصة في موضع لا ترهق إليه حاجة وكيدة ، ولا تندفع بها مفسدة ، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو عروض ، ويشتري بذلك رطبًا ، فإن قيل : قد يتعذَّر هذا . قيل : فأجدر بيع الرُّطب بالتمر ؛ إذا كان لا على رؤوس النخل ؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به ، ولا يجوز ذلك ، فلا يجوز تفسير العرية بما ذكروا . وأمَّا أبو حنيفة : فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة ، أو نخلات ، ولم يقبضها الموهوب له ، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرا ، ويتمسك بالثمرة ، جاز له ذلك ؛ إذ ليس من باب البيع ، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة ؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا بالقبض . وهذا المذهب إبطال لحديث العرية من أصله فيجب اطراحه . وذلك : أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخَّص فيه في مقدار مخصوص . وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية . و( قوله : ورخص في بيع العرية بخرصها تمرًا يأكلها أهل البيت رطبًا ) الخِرْصُ -بكسر الخاء - هو : اسم للمخروص ، وبفتح الخاء هو : المصدر . والرواية هنا : بالكسر . و( أهل البيت )- على مذهب مالك ومن قال بقوله - : هم الْمُعْرُون ، فيضمنون مقدار العرية ، فيدفعون ذلك للمعرى له تمرًا عند الجداد رفقًا به حيث كفي المؤن ، وأعطي ما يقتات به . ويحصل من ذلك للمعري دفع ضرر تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها ، وسقيها ، واجتنائها . فظهر لمالك : أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف ، والرفق ، والتسهيل في فعل الخير ، والمعونة عليه . وأما على مذهب الشافعي : فأهل البيت عنده هم : المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا . وظهر له : أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب . وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى .
( 18 ) باب من أدرك ماله عند مُفلس ( 1559 ) ( 22 و25 ) [1649] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وفي رواية : أَيُّمَا امْرِئٍ فُلِّسَ . ( 1559 ) ( 23 ) [1650] وعنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدِمُ إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ ، إنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ . ( 18 ) ومن باب : من أدرك ماله عند مُفلس ( قوله : إذا أفلس الرَّجل فوجد الرَّجل عنده سلعته بعينها فهو أحق بها ) . وقوله : ( أفلس الرجل ) : في اللغة : صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير ، كما يقال : أخبث الرجل ، أي : صار أصحابه خبثاء . وأقطف الرَّجل ؛ إذا صارت دابته قطوفًا . والمفلس في عرف العرب : من لا مال له عينًا ، ولا عرضًا ، ولا غيره . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ : ( أتدرون من المفلس ؟ ) قالوا : ما هو المعروف عندهم ، فأجابوه بقولهم : من لا درهم له ، ولا متاع . وهو في عرف الشرع : عبارة عن مِدْيان قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون ، فطلب الغرماء أخذ ما بيده . وإذا كان كذلك ، فللحاكم أن يحجر عليه ، ويمنعه من التصرف فيما بيده ، ويُحَصِّله ، ويجمع الغرماء ، فيقسمه عليهم . وهذا هو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم ، كعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وعروة بن الزبير ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد . وقال النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة : ليس للحاكم أن يحجر عليه ، ولا يمنعه من التصرف في ماله ، لكن يحبسه ليوفي ما عليه ، وهو يبيع ما عنده . والحجة للجمهور على هؤلاء حديث تفليس معاذ المتقدم . وقد قال فيه الزهري : ادَّانَ معاذٌ فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قضى دينه . وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجهني الذي قال فيه : ألا إن أُسَيْفَعَ جُهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال : سَبَقَ الْحَاجَّ ، ثم ادَّان مُعرضًا . فمن كان له عليه دين فليحضر ، فإنا نبيع ماله . ولم يخالفه أحدٌ ، ثم يباع عليه كل ماله وعقاره . وقال أبو حنيفة : لا يباع عليه عقاره . وقوله مخالف للأدلة التي ذكرناها ، فإنها عامة لجميع الأموال ، ولأن الدَّين حق مالي في ذمَّته ، فيباع عليه فيه عقاره ، كما يباع في نفقة الزوجات ، ولأن الفلس معنى طارئ يوجب قسمة المال ، فيباع فيه العقار كالموت . وقد اختلف العلماء في مشتري السِّلعة إذا أفلس أو مات ، ولا وفاء عنده بثمنها ووُجِدت . فقال الشافعي : صاحبها أحق بها في الفَلَس والموت . وقال أبو حنيفة : صاحبها أسوة الغرماء فيها . وقال مالك : هو أحق بها في الفَلَس دون الموت . وسبب الخلاف : معارضة الأصل الكلِّي للأحاديث . وذلك : أن الأصل أن الدَّين في ذمَّة المفلس والْمَيِّت وما بأيديهما محل للوفاء ، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم ، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السلع موجودة ، أو لا ؛ إذ قد خرجت عن مالك بائعها ، ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع ، فلا يكون لهم إلا أثمانها إن وجدت ، أو ما وُجِد منها . فتمسَّك أبو حنيفة بهذا ، وردَّ الأخبار بناءً على أصله في ردِّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس . وأما الشافعي ومالك : فتمسكا بالأخبار الواردة في الباب ، وخصَّصَا بها تلك القاعدة . غير أن الشافعي تمسَّك في التسوية بين الموت والفَلَس بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر ، عن عمر بن خَلْدة قال : أتينا أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ في صاحب لنا أفلس . فقال : لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أفلس أو مات ، فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به . وبإلحاق الموت بالفلس ؛ لأنه في معناه ، ولم ينقدح بينهما فرق مؤثر عنده . وأما مالك : فإنه فرَّق بينهما ، لما رواه عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيُّما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ، ولم يقبض من ثمنه شيئًا ، فوجده بعينه ، فهو أحق به ، فإن مات الذي ابتاعه ، فصاحب المتاع أسوة الغرماء ) . قلت : وهذا مرسل صحيح . وقد أسنده أبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ، وهو طريق صحيح ، وفيه زيادة ألفاظ نذكرها بعد إن شاء الله تعالى ، ومذهب مالك أولى ؛ لأن حديثه أصح من حديث الشافعي ؛ لأن أبا المعتمر مجهول على ما ذكره أبو داود ، وللفرق بين الفلس والموت ، وذلك : أن ذمَّة المفلس باقية ، غير أنها انعابت ، ويمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار ، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعة شيئًا ما يرجعون عليه ، وليس كذلك في الموت ، فإن ذمَّة الميت قد انعدمت ، فلا يرتجعون شيئًا ؛ فافترقا ، والله تعالى أعلم . وقد تعسَّف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس ، ولا تتمشى على لغةٍ ، ولا قياسٍ . فلنُضرب عن ذكرها ، لوضوح فسادها . و( قوله : فوجد الرَّجل سلعته بعينها ، فهو أحق بها ) مقتضى دليل خطابه : أنَّه لو وجدها قد تغيرت عن حالها ، أو وجد بعضها ، لم يكن له أن يأخذها . وهذا يليق بمذهب أهل الظاهر . لكن علماؤنا فصلوا التغير إلى ثلاثة أنواع : النوع الأول : تغير انتقال ، كالعبد المتغير بزمانة ، أو بعتق ، أو عقد من عقوده . وكالثوب المتغير بقطعه قُمُصًا ، أو غيرها ، وكالحنطة المتغيرة بخلط مُسوِّس بها أو بغير نوعها ، أو بطحنها ، أو خبزها . وكالخشبة المتغيرة بجعلها بابًا ، أو غيره . فهذا النوع مفوِّت ، ليس له الرُّجوع معه . الثاني : تغير غير انتقال ، كالمتغير بالمرض اليسير ، وكخلط القمح بمثله . فهذا له الرُّجوع فيه ؛ إذ لا أثر لذلك التغير . ومن هذا النوع وجدان بعض السلعة . فله أن يأخذ ويضرب معهم بسهمه فيما بقي . الثالث : تغير بإضافة غير السلعة إليها ، كالعرصة تُبنى ، والغزل يُنسج . فهذا يرجع في سلعته ، ويدفع قيمة البناء ، والنسج . وله مشاركة الغرماء في تلك القيمة ؛ إن بقي له من دينه شيء . وفي هذا الباب فروع مختلف فيها بسبب تردُّدها بين هذه الأنواع . و( قوله في حديث الزهري ؛ الذي خرَّجه أبو داود : ( فإن كان قضاه من ثمنه شيئًا ، فما بقي فهو أسوة الغرماء ) بمقتضى هذا قال الشافعي ، فرأى : أن قبض بعضه مفوِّت . ولم يره مالك مفوِّتًا ، مع أنه روي معناه عن الزهري ، كما قدَّمناه من حديثه . فقال-أعني مالكا - : إن شاء ربُّ السِّلعة أن يردَّ ما اقتضى ، ويأخذ السِّلعة ، كان له ذلك . وهذا مخالف لذلك الظاهر . وفيه إشكال ، غير أنّ الذي صح عند مالك هو اللفظ الذي في "موطئه" ؛ أعني مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن ، ونصَّه ما قد بيَّنَّاه . وهو يدل : على هذا الشرط بدليل المفهوم . وحديث أبي هريرة الذي في الأصل يدلُّ على إلغاء ذلك الشرط بدليل العموم . والتمسك به راجح على التمسك بالمفهوم كما ذكرناه في أصول الفقه . فتأمل هذا ، فإنَّه حَسنٌ بالغٌ . والشافعي حيث تمسك بما رواه أبو داود من ذلك كان يلزمه أن يفرِّق بين الموت والفَلَس ؛ لأن الحديث واحد ، فإنه قال فيه : ( وأيُّما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا ، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء ) . فأخذ ببعضه ، وترك بعضه لحديث مجهول ، كما قد بيَّنَّاه . وما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصَّة ، ما حل منها ، وما لم يحل . وهو قول الجمهور ، خلا أن الشافعي قال في أحد قوليه : لا يحل عليه من دين مؤجل . وهذا ليس بصحيح للأحاديث المتقدِّمة ؛ ولأنه إذا خربت ذمَّة المفلس فقد لا تنعمر . فلا يحصل لمن تأخر دينه شيء مع أنه يمكن أن يكون عِوَض دينه موجودًا حال الفلس ، أو بدله ، فيؤخذ شيئه ولا يحصل له شيء ، وإذا كان ذلك في الفلس كان الموت بذلك أولى . وهو متفق عليه ، إلا ما يحكى عن الحسن أنه قال : لا يحل ما على الميت من دين مؤجل . وهو محجوج بما تقدَّم ؛ وبأن الدَّين إما أن يبقى متعلقًا بذمة الميت ، وهو محالٌ لذهابها ، أو بذمَّة الورثة ، وهو محال لعدم الموجب . ثم لا يلزم صاحب الدَّين اتباع ذمَّتهم ، وتسليم التركة إليهم . أو يبقى هذا الدَّين لا في ذمَّة ؛ فلا يطالب به أحدٌ ، وهو محال . فلم يبق إلا ما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .
( 1527 ) [1609] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ ، مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ . ( 1527 ) ( 37و38 ) [1610] وعنه قَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا يُضْرَبُونَ فِي أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ ، وَذَلِكِ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ . وَقال عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، إنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشْتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا فَيَحْمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ . و( قول ابن عمر رضي الله عنهما : ( كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام ، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله ) وفي الأخرى : ( جزافًا - وأنهم كانوا - يُضْرَبُون في أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم ) دليل لمن سوَّى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض ، ورأى : أن قبض الجزاف نقله . وبه قال الكوفيون ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، وداود . وهم على أصولهم في منعه في كل شيء إلا ما استثني حسب ما تقدم ، وحمل مالك رحمه الله هذه الأحاديث على الأولى والأحبِّ ، فلو باع الجزاف قبل نقله جاز ؛ لأنه بنفس تمام العقد ، والتخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه ، ولدليل الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من ابتاع طعامًا بكيل ) وما في معناه . وإلى جواز ذلك صار البتِّيّ ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، والحكم ، والأوزاعي ، وإسحاق على أصولهم . فرع : ألحق مالك رحمه الله بيع الطعام قبل قبضه بسائر عقود المعاوضات كلّها ، فمن حصل له طعام بوجه معاوضة ؛ كأخذه في صلح من دم ، أو مهر ، فلا يجوز له بيعه قبل قبضه . واستثنى من ذلك الشركة والتولية ، والإقالة . وقد روي عنه منعه في الشركة . ووافقه الشافعي ، وأبو حنيفة في الإقالة خاصة . قلت : والذي أوجب استثناء هذه الأربعة العقود عند مالك أنها عقود ؛ المقصود بها : المعروف ، والرِّفق ، لا المشاركة ، والمكايسة ، فأشبهت القرض . وأولى من هذا : مرسلان صحيحان ، مشهوران : أحدهما : قال سعيد بن المسيب في حديث ذكره -كأنَّه عن النبي صلى الله عليه وسلم - : لا بأس بالتولية ، والإقالة ، والشرك في الطعام قبل أن يستوفى . ذكره أبو داود وقال : هذا قول أهل المدينة . وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال : أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا مستفاضًا بالمدينة قال : ( من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ، ويستوفيه إلا أن يشرك فيه ، أو يوليه ، أو يقيله ) . قلت : وينبغي للشافعي ، وأبي حنيفة أن يعملا بهذين المرسلين . أما الشافعي : فقد نصَّ على أنه يعمل بمراسيل سعيد . وأما أبو حنيفة : فإنه يعمل بالمراسيل مطلقا ، كمالك .
( 1528 ) ( 40 ) [1611] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ فَنَهَاهم عَنْ بَيْعِهَا . قَالَ سُلَيْمَانُ بن يسار : فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ . وقول أبي هريرة لمروان : ( أحللت بيع الصكاك ! ) إنكار منه عليه ، وتغليظ . وهذا نصٌّ في أن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كان يفتي على الأمراء وغيرهم . وهو ردٌّ على من جهل حال أبي هريرة ، وقال : إنه لم يكن مفتيًا . وهو قول باطل بما يوجد له من الفتاوى ، وبالمعلوم من حاله ؛ وذلك : أنَّه كان من أحفظ الناس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزم الناس للنبي صلى الله عليه وسلم ولخدمته حضرًا ، وسفرًا . وأغزرهم علمًا . و( الصكوك ) : جمع صَك ٌ . وهي : التواقيع السُّلطانية بالأرزاق . وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنما هو بيع من اشتراه ممن رزقه ، لا بيع من رزقه ؛ لأن الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء ، لا المعاوضة . ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ" ، قال : إن صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار ، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها ، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا : أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب للناس ، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه ، فبلغ ذلك عمر ، فردَّه ، وقال : لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه . فإن قيل : فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعتين : بيع المعطى له ، وبيع المشترى منه ؛ إذ فيه : أن مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس ، ولم يفرق . فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث ، حيث قال : ويردُّونها إلى من ابتاعها . وكذلك فعل عمر بحكيم ، فإنه ردَّ الطعام عليه ؛ لأنه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه ، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه . والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه .
( 5 ) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل ( 1525 ) ( 29 و31 ) [1607] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ . وفي أخرى : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ . ( 1525 ) ( 31 ) [1608] ومثله عن أبي هريرة قَالَ طَاوُسٍ : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلَا تُرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ . ( 5 ) ومن باب : النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه ) وفي أخرى : ( حتى يكتاله ) . وروى أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه . وبظاهر هذا الحديث قال مالك . غير أنَّه ألحق بالشراء جميع المعاوضات ، وحمل الطعام على عمومه - ربويًا كان أو غير ربوي - في مشهور الروايتين عنه . وروى ابن وهب عنه تخصيصه بما فيه الرِّبا من الأطعمة . ورأي ابن حبيب وسحنون : أنه يتعدى إلى كل ما فيه حق توفية ، فحذفا خصوصية الطعام ، وكذلك فعل الشافعي ، غير أنَّه لم يخصَّه بما فيه حق توفية ، بل عدَّاه لكل مشترى . وكذلك فعل أبو حنيفة غير أنه استثنى من ذلك العقار ، وما لا ينقل . وقال : يجوز بيع كل شيء قبل قبضه عثمان البَتِّي ، وانفرد به . فحجة مالك رحمه الله تعالى للمشهور عنه : التمسك بظاهر الحديث ، وعضده بما ذكره في موطئه : من أنه مجمع عليه بالمدينة ، وأنه لا خلاف عندهم في منعه وقصره على ما بيع بكيل ، أو وزن من الطعام ، تمسكًا بدليل خطاب الأحاديث المتقدّمة . ثم اختلف أصحابه : هل هذا المنع شرع غير معلل بالعينة ، وإليه أشار مالك في موطئه ، حيث أدخل هذا الحديث في باب العينة ، وهو الذي عنى ابن عباس حيث قال : ( يتبايعون بالذهب ، والطعام مُرْجَأٌ ) . وأمَّا الشافعي : فإنما حذف خصوصية الطعام لما صَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم من نهيه عن ربح ما لم يضمن ؛ خرَّجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، فهذا اللفظ قد عم الطعام وغيره . ولقول ابن عباس : وأحسب كل شيء مثله . قلت : ويعتضد مذهب الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث حكيم بن حزام ـ رضي الله عنه ـ ؛ أنه قال : يا رسول الله ! إني أشتري فما يحل وما يحرم علي ؟ قال : ( يا ابن أخي! إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه ) . وروى أبو داود من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السِّلع حيث تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم . ومتمسَّكات مالك والشافعي تبطل قول عثمان البَتِّي .
( 10 ) باب فيمن باع نخلاً فيه تمر ، أو عبدا وله مال ( 1543 ) ( 80 ) [1625] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَه الْمُبْتَاعُ ، وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ . ( 10 ) ومن باب : من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤَبَّر ( قوله : من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للذي باعها ) أبار النخل ، وتأبيره : تلقيحه ، وتذكيره . وهو : أن يجعل في النخلة فحالة ، وعند ذلك تثبت ثمرتها بإذن الله تعالى . يقال : أَبَرْتُ النخلة ، أبُرها بكسر الباء وضمها ، فهي مأبورة . ومنه قولهم : ( خير المال مهرة مأمورة ، أو سكَّة مأبورة ) . ويقال : أبرت النخل - مشدَّدًا - تأبيرًا . وهي مؤبَّرة ، كقوِّمت الشيء تقويْمًا ، وهو مقوَّم . ويقال : تأبَّر الغسيل : إذا قبل الإبار . قال الراجز : تَأَبَّرِي يا خَيْرَةَ الغَسِيل إِذْ ضَنَّ أهلُ النَّخل بالفُحُول ويقال : ائتبرت ؛ إذا سألت غيرك أن يأبُرَ لك نخلك ، أو زرعك . قال : وَلِيَ الأصل الذي في مثله يُصلِح الآبِرُ زَرعَ المؤتَبر هذا إبار ثمر النخل ، وإبار كل ثمر بحسب ما جرت العادة بأنه إذا فعل به ثبت ثمره وانعقد . ثم قد يعبَّر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها ، وإن لم يفعل فيها شيء . ومن هنا اختلف أصحابنا في إبار الزرع . هل هو ظهوره على الأرض ، أو إفراكه ، وإذا تقرَّر هذا ، فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه : أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط . ويقتضي دليل خطابه : أن غير المأبورة داخلة في البيع . وهو مذهب مالك ، والشافعي ، والليث . وذهب أبو حنيفة : إلى أن الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده . وقال ابن أبي ليلى : الثمرة للمشتري قبل الإبار وبعده . وهذا القول مخالف للنص الصحيح ، فلا يلتفت إليه . وأما أبو حنيفة فالخلاف معه مبني على القول بدليل الخطاب ، فهو ينفيه . وخصمه يثبته . والقول بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر ؛ لأنه لو كان حكم غير المؤبر حكم المؤبر لكان تقييده بالشرط لغوًا لا فائدة له . فإن قيل : فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى . قيل له : ليس هذا بصحيح لغة ولا عرفًا . ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ تعين أن يقال لفهمه : أفّ ، وتف . و( قوله : إلا أن يشترطه المبتاع ) يعني : الثمر المؤبر لا يدخل مع الأصول في البيع إلا بالشرط . وصحَّ اشتراطه ؛ لأنه عينٌ موجودة ، يحاط بها ، أمن سقوطها غالبًا ، بخلاف التي لم تؤبَّر ، إذ ليس سقوطها مأمونًا ، فلم يتحقق لها وجود ، فلا يجوز للبائع اشتراطها ، ولا استثناؤها ، لأنها كالجنين . هذا هو المشهور عندنا . وقيل : يجوز استثناؤها . وهو قول الشافعي . وخرج هذا الخلاف على الخلاف في المستثنى . هل هو مبقى على ملك البائع ، أو هو مشترى من المشتري ؟ فرع : لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع ؛ جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة . قبل طيبها على مشهور قول مالك . ويرى لها حكم التبعية ؛ وإن أفردت بالعقد لضرورة تخليص الرقاب . وعنه في رواية : أنه لا يجوز . وبذلك قال الشافعي ، والثوري ، وأهل الظاهر ، وفقهاء الحديث . وهذا هو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها . و( قوله : من باع عبدًا ، فمال للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ) دليل على صحة قولنا : إن العبد يملك ، خلافًا للشافعي ، وأبي حنيفة ، حيث قالا : إنه لا يملك . وقد تقدَّم ذلك . ويلتحق بالبيع في هذا الحكم كل عقد معاوضةٍ ، كالنكاح ، والإجارة . فأما العتق فيتبع العبد فيه مالُهُ ؛ لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أعتق عبدًا وله مال ، فمال العبد له ، إلا أن يشترط السَّيد ) . وقد رواه مالك في الموطأ موقوفًا على ابن عمر . ولا يضره التوقيف ، فإن المرفوع صحيح السند . وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة ، والشافعي ، حيث قالا : إن المال في العتق للسيد . فأمَّا في الصدقة والهبة ، فهل يتبعه ماله فيهما ، أو لا ؟ قولان ، سببهما تردُّدهما بين البيع والعتق ؛ إذ فيهما شَبَهٌ من كل واحد منهما . وذلك : أن الهبة ، والصدقة خروج من ملك إلى ملك ، فأشبهت البيع ، وخروج عن ملك بغير عوض ، فأشبهت العتق . والأرجح : إلحاقها بالبيع ، وقطعها عن العتق ؛ لاختصاص العتق بمعنى لا يوجد في غيره ، على ما قد أوضحه أصحابنا في كتبهم . وأما الجناية : فالمال فيها تبع للرَّقبة ، فينتقل بانتقالها ؛ لأن العبد الجاني إذا كان له مال فالجناية فيه ، فإن وسع الجناية بقيت الرقبة لسيده ، وإن لم يكن له مال ؛ تعلَّقت برقبته ، فكأن الرقبة مرجع عند العدم .
( 4 ) باب ما جاء : أن التصرية عيب يوجب الخيار ( 1524 ) ( 23 و 25 و 26 ) [1606] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً ، فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . وفي أخرى : فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، بعد أن يحلبها ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا سَمْرَاءَ . وفي أخرى : صاعًا مِنْ طعام لَا سَمْرَاءَ . و( قوله : لا سمراء ) هو معطوف على ( صاعا ) وهمزته للتأنيث ، فلذلك لم تصرف . و( السَّمراء ) : قمحة الشام . والبيضاء : قمحة مصر . وقيل : البيضاء : الشعير . والسمراء : القمح مطلقا . وإنما نفاها تخفيفًا ، ورفعًا للحرج ، وهو يشهد لقول مالك .
( 11 ) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة ( 1536 ) ( 81 و82 و83 و84 ) [1626] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ ، وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمزابنة ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ ، إِلَّا الْعَرَايَا قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ: أَمَّا الْمُخَابَرَةُ: فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ، فَيُنْفِقُ فِيهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الثَّمَرِ . وَزَعَمَ أَنَّ الْمزابنة: بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ: عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا . وفي رواية : حَتَّى تُشْقِحَ . وفي رواية : حَتَّى تُشْقِهَ مكان تطعم ، قال وَالْإِشْقَاهُ: أَنْ تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهَا شَيْءٌ . وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنْ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ . وَالْمزابنة: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنْ التَّمْرِ . وَالْمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ . قَالَ زَيْدٌ بن أبي أنيسة : أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ . ( 11 ) ومن باب : النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة قد تقدَّم القول في أصل اشتقاق المحاقلة . وقد فسَّرها ها هنا جابر : بأنَّها بيع الزرع القائم بالحب كيلاً . وقال الجوهري في الصحاح : المحاقلة : بيع الزرع في سنبله بالبرِّ . وقد نُهِي عنه . قلت : وهذا يرجع إلى المزابنة ، كما قدمناه . وقد فسرها غيره : بأنها كراء الأرض بما يخرج منها . وهو الذي صار إليه أصحابنا . فأمَّا المخابرة فمأخوذة من الخبر - بضم الخاء - وهو النصيب . هكذا حكاه أهل اللغة ، وأنشدوا عليه : إِذَا مَا جَعلت الشاة للناس خبرة فَشَأنُك أنِّي ذاهبٌ لِشُؤوني وقال ابن الأعرابي : أصل المخابرة مأخوذ من خيبر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقرها في أيدي أهلها على النصيب منها ، فقيل : خابرهم ؛ أي : عاملهم في خيبر . قلت : وعلى هذا فلا تكون المخابرة منهيًا عنها ، وقد ثبت النهي عنها فهي غيرها . والصحيح ما حكاه الجوهري وغيره : أن المخابرة هي المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض . وهو : الخِبْر أيضًا -بالكسر- ويشهد له ما ذكرناه آنفًا عن اللغويين . وعلى هذا فيكون الفرق بين المحاقلة والمخابرة : أن المحاقلة كراء الأرض بما يخرج منها مطلقا . والمخابرة : كراؤها بجزء مما يخرج منها ؛ كثلث وربع . وقد قال بعض الناس : إنهما بمعنى واحد . والمشهور ما ذكرناه . وهو الأولى . والله تعالى أعلم . وسيأتي القول في كراء الأرض . و( قوله : ونهى عن بيع الثمرة حتى تطعم ، ولا تباع إلا بالدراهم أو الدنانير إلا العرايا ) هذا المساق فيه تثبيجٌ بالتقديم والتأخير ، وذلك أن مساقه يقتضي أن تباع الثمرة قبل طيبها بالدراهم أو الدنانير وذلك لا يجوز بالاتفاق ، لا بهما ، ولا بالعروض إلا على شرط القطع . فيجوز بالعين ، والعرض ، فلا يصح أن يكون ذلك استثناء من بيع الثمرة بوجه ، وإنما يصح رجوع الاستثناء للمحاقلة ، والمخابرة ، فإنها هي التي نهي عن بيعها إلا بالعين ، كما يأتي بعد هذا في حديث رافع بن خديج حيث قال : ( أما بالذهب والورق فلا بأس به ) . و( قوله : إلا العرايا ) مستثنى من المزابنة ، كما جاء في الحديث المتقدِّم . وترتيب هذا الحديث أن يقال : نهى عن المحاقلة ، والمخابرة إلا بالدنانير أو الدراهم ، وعن المزابنة إلا العرايا . وهذا واضح ، والله تعالى أعلم . و( قول زيد بن أبي أُنَيْسة لعطاء : ( أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ) تحتمل هذه الإشارة أن تكون عائدة إلى الحديث ، وتفسيره المتقدم . فيكون كل ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون عائدة إلى الأمور التي نهى عنها في صدر الحديث لا إلى التفسير . وهو الأولى ؛ لقول عطاء : فسَّر لنا جابر ، فذكر التفسير . التشقيح والتشقية - بالحاء والهاء - كما فسَّره الراوي بقوله : أن تحْمَرَّ وتَصْفَرَّ ، ويؤكل منها . وكذلك فسَّره أهل اللغة قالوا : يقال : أشقح النخل ، وشقَّح - مشدَّدًا - : إذا أزهى . ويقال : أشقه النخل - بالهاء - فيبدلون من الحاء هاءَ لتقارب مخرجيهما .
( 1543 ) ( 85 ) [1627] وعنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمزابنة ، والمخابرة وَالْمُعَاوَمَةِ ، وفي رواية : بَيْعُ السِّنِينَ: ( عوض الْمُعَاوَمَةُ ) . وَعَنْ الثُّنْيَا ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا . والمعاومة : بيع الثمر أعوامًا . وهو المعبَّر عنه باللفظ الآخر : بيع السنين . ولا خلاف في تحريم بيعه ؛ لكثرة الغرر والجهل . والثُّنْيَا - بالضم والقصر ، على وزن الكُبرى - هي : الاسم من الاستثناء ، وكذلك : الثَّنوى - بفتح الثاء - على وزن : طَرْفَى . ذكر ذلك في الصحاح . قال الهروي : بيع الثُّنيا هو : أن يُستثنى من المبيع شيء مجهول ، فيفسد البيع . وقال القتبي : هو أن يبيع شيئًا جزافًا ويستثني منه شيئًا . قلت : والحاصل : أن الثنيا اسم جنس لما فيه استثناء ، سواء كان ذلك من البائع ، أو من المبتاع . فيكون الأصل في كل ذلك المنع لأجل النَّهي ، غير أن في ذلك تفصيلاً يظهر بصور : الأولى : جائزة باتفاق ، وهي : أن يستثني البائع نخلات معينات من حائط ، قلت ، أو كثرت ؛ لأن البيع لم يقع عليهن ، بل على ما عداهن . الثانية : أن يستثني نخلات مجهولات ، أو كيلاً مجهولاً من الثمرة ؛ على أن يعين ذلك بعد البيع . فذلك ممنوع فاسد باتفاق ؛ لتناول النهي له وللجهل بالمبيع والغرر . الثالثة : أن يستثني من الثَّمر كيلاً معلومًا . فذهب الجمهور إلى أن ذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير . ورأوا أن ذلك النهي متناول له ؛ لما فيه من الجهالة . وذهب مالك في جماعة أهل المدينة : إلى أن ذلك جائز فيما بينه وبين ثلث الثمرة ، ولا يجوز زيادة على ذلك . ورأوا : أن خرص الثمرة وحَزْرها مما يُعرف مقدارها ، وأن استثناء القليل منها لا يكثر فيه الغرر . والقليل من الغرر مغتفر في مواضع كثيرة من الشرع . وما دون الثلث قليل . قلت : وهذا تخصيص للعموم بالنظر . الرابعة : أن يستثني جزءًا من الثَّمرة مشاعًا . فيجوز عند مالك وعامة أصحابه ، قل ، أو كثر . وذهب عبد الملك : إلى أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر . والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء الأكثر من الأقل ، وعدم جوازه . وقد بيّنا جوازه في أصول الفقه . الخامسة : أن يقول البائع للمشتري : أبيعك هذا الشيء بكذا ، على أنك إن جئتني بالثمن إلى أجل كذا رددت عليك ملكك . فهذا فاسد للنهي عنه ، ولأنه ذريعة للسَّلف الذي يجر نفعًا . ويفسخ ما لم يَفُتْ ، فإن فات ضمن بالقيمة ، ويُفيتُه ما يُفيت البيع الفاسد . السادسة : أن يعقد المشتري على أنه إن لم يأت بالثمن إلى وقت كذا فلا بيع بينهما . فاختلف فيه . فبعضهم أبطل الشرط ، وصحح العقد . ومنهم من ألزم قائله الشرط ، وجعل للآخر الخيار . والوجهان مرويان عن مالك .
( 3 ) باب لا يبع حاضر لباد ( 1521 ) [1603] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ طاوس : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا . ( 1522 ) [1604] وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقْ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . ( 1523 ) [1605] وعَنْ أَنَسِ قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ . و( قوله : لا يبع حاضر لبادٍ ) مفسَّر بقول ابن عباس : لا يكن له سمسارًا ، وظاهر هذا النهي العموم في جميع أهل البوادي ، أهل العمود وغيرهم ، قريبًا كانوا من الحضر ، أو بعيدًا ، كان أصل المبيع عندهم بشراء أو كسب . وإليه صار غير واحدٍ . وحمله مالك على أهل العمود ممن بعد منهم عن الحضر ، ولا يعرف الأسعار ، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء . وإنما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) . وذلك : أن مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية ، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا . وهذا لا يحصل إلا بمجموع تلك القيود . وبيانه : أنهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى ، وغالبهم يعرف الأسعار . وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم . فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم . وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار يقصدون الأرباح ، فلا يحال بينهم وبينها . فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم ، وأما أهل العمود ، والموصوفون بالقيود المذكورة : فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان ، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمن ، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتفق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه . وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية في ذلك دفعًا لأشد الضررين ، وترجيحًا لأعظم المصلحتين . واختلف في شراء أهل الحاضرة للبادي . فقيل بمنعه قياسًا على البيع لهم . وقيل : يجوز ذلك ؛ لأنه لما صار ثمن سلعته بيده عينًا أشبه أهل الحضر . فإذا وقع هذا البيع فهل يفسخ معاقبة لهم ، أو لا يفسخ لعدم خلل ركن من أركان البيع ؟ قولان . و( قوله : لا تُصَرُّوا الإبل والغنم ) : روايتنا فيه بضم التاء وفتح الصاد ، وضم الراء مشددة بعدها واو الجمع . ( الإبلَ ) بالنصب ، نحو : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وهو الصحيح تقييدًا ولغة . وقد قيده بعضهم ( لا تَصُرُّوا بفتح التاء ، وضم الصاد ، ونصب ( الإبل ) . وبعضهم : بضم التاء وفتح الصاد ، ورفع ( الإبل ) والأول هو الصحيح . ووجهه : أنها مأخوذة من : صريت اللبن في الضَّرع : إذا جمعته . وليست من الصَّر الذي هو الربط ، ولو كانت من ذلك لقيل فيها : مُصَرَّرة . وإنما جاء : مصراة . وإلى معناه ذهب أبو عبيد وغيره ، وعلى هذا : فأصل ( تُصَروا الإبل ) : تقربوا ، استثقلت الضمَّة على الياء ، فنقلت إلى ما قبلها ؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا فانقلبت الياء واوًا ، واجتمع ساكنان ، فحذفت الواو الأولى ، وبقيت واو الجمع ساكنة ، فحذفت لاجتماع الساكنين . و( الإبل ) : نصب على أنه مفعول ( تُصَرُّوا ) . هذا أحسن ما قيل في هذا ، وأجراه على قياس التصريف . ومعنى : ( التصرية ) عند الفقهاء : أن يجمع اللَّبن في الضرع اليومين والثلاثة حتى يعظم ، فيظن المشتري : أن ذلك لكثرة اللبن ، وعظم الضرع . وهي المسمَّاة أيضًا بـ ( الْمُحَفَّلَة ) في حديث آخر . يقال : ضرع حافل ؛ أي : عظيم . و( الْمحْفَل ) : الجمع العظيم . وقال الشافعي : التصرية : أن يربط أخلاف النَّاقة ، أو الشاة ، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمع لبنها ، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك . قال الخطابي : والذي قال الشافعي صحيح . والعرب تصُرُّ الحلوبات ، وتسمي ذلك الرباط : صِرارًا . واستشهد لهم بقول العرب : العبد لا يحسن الكرَّ ، وإنما يحسن الحلب والصرَّ . قال : ويحتمل أن تكون المصراة أصلها : مصرورة ، فأبدل من إحدى الراءين ياءً ، كما قالوا : تقضَّى البازيُّ . واختلف في الأخذ بحديث الْمُصَرَّاة . فأخذ به الشافعي ، وأبو ثور ، وأبو يوسف ، ومالك في المشهور عنه ، وابن أبي ليلى في إحدى الروايتين عنه ، وفقهاء أصحاب الحديث . ولم يأخذ به أبو حنيفة ، ولا الكوفيون ، ولا مالك ، ولا ابن أبي ليلى في الرواية الأخرى عنهما . فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن : التصرية ليست بعيب ، ولا تردّ بذلك . وقد حكي عن أبي حنيفة : أنه يرجع بأرش التصرية . ولهذا الخلاف سببان : أحدهما : أن هذا الحديث يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : ( الخراج بالضمان ) . خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس ، وقال فيه : حديث حسن صحيح . ووجهها : أن مشتري المصرَّاة ضامن لها لو هلكت عنده ، واللَّبن غلة فيكون له . وثانيهما : أنه معارضٌ لأصول شرعية ، وقواعد كليه . وبيانها بأوجه : أحدها : أن اللبن مما يضمن بالمثل ، والتمر ليس بمثل له . وثانيها : أنه لما عدل عن المثل إلى غيره فقد نحا به نحو المبايعة ، فهو : بيع الطعام بالطعام غير يد بيد ، وهو الرِّبا . وثالثها : أن الصَّاع المقابل للَّبن محدودٌ ، واللَّبن ليس بمحدود ، فإنَّه يختلف بالكثرة والقلة . ورابعها : أن اللبن غلَّة ، فيكون للمشتري كسائر المنافع ، فإنها لا تردُّ في الردّ بالعيب . ولما كان ذلك ، فالحديث وإن كان صحيحًا ؛ فإما منسوخ بقوله : ( الخراج بالضمان ) وإما مرجوح بهذه القواعد المخالفة له ، فإنها قواعد كلية قطعية . ولو لم يكن كذلك فالقياس مقدَّم عند أبي حنيفة ، وكثير من الكوفيين ، وهو قول مالك في العتبية ، وفي مختصر ابن عبد الحكم . والجواب عن السبب الأول : أنه لا معارضة بينهما ؛ لأنا لا نسلم أن اللبن خراج سَلَّمناه . لكنه إذا نشأ على ضمان المشتري ، ولبن المصراة نشأ على ضمان البائع ؛ فإنَّه كان موجودًا في الضرع حالة التبايع سلّمناه . لكن حديث المصرَّاة خاصٌّ ، وحديث الخراج بالضمان عام . ولا معارضة بينهما ، لأن الجمع بينهما ممكن بأن يُبنى العام على الخاص . وهو الصحيح على ما مهدناه في أصول الفقه . وحينئذ يبطل قول من زعم : أن حديث المصراة منسوخ بحديث : ( الخراج بالضمان ) . سلمنا المعارضة ، لكن المتقدم منهما من المتأخر مجهول ، فلا يصح الحكم بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ . والجواب عن السبب الثاني : أن حديث المصرَّاة أصل منفرد بنفسه ، مستثنى من تلك القواعد ، كما قد استثني ضرب الدِّية على العاقلة ، ودية الجنين ، والعرية ، والجعل ، والقراض ، عن أصول ممنوعة ، لدعاء الحاجة إلى هذه المستثنيات ، ولحصول مصالح خاصة منها . وبيانه في مسألة المصراة : أن الشرع إنما ضمن لبنها بالصاع دفعًا للخصام ، وسدًّا لذريعة المنازعة لتعذُّر ضبط مقدار اللبن ، فإنه يختلف بالكثرة والقلة ، ولتعذر تمييز اللبن الكائن في الضرع من الحادث . وخصَّه بالطعام ؛ لأنه قوت كاللبن ، وبالتَّمر ؛ لأنه أغلب قوتهم ، ووصفه بقوله : ( لا سمراء ) رفعًا للحرج في تكلُّف ؛ لقلتها عندهم . وعلى هذا : فلم تخرج المصراة عن قانون الالتفات للمصالح ، لكنَّها مصالح مخصوصة لا يلحق بها غيرها لعدم نظائرها ، ولو سلَّمنا أنها معارضة لأقيسة تلك القواعد من كل وجه ، لكن لا نسلم : أن القياس مقدَّم على خبر الواحد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدَّم السُّنة على القياس في حديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ حيث قال له : ( بم تحكم؟ ) قال : بكتاب الله . قال : ( فإن لم تجد ؟ ) قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ( فإن لم تجد ؟ ) قال : أجتهد رأيي . والسَّنة : تعم التواتر ، والآحاد . ولكثرة الاحتمالات في القياسات ، وقلتها في خبر الواحد . وقد أوضحنا هذا في الأصول . وهذا هو الصحيح من مذهب مالك وغيره من المحققين . وفي حديث المصراة أبواب من الفقه نشير إليها : فمنها : أن العقد المنهي عنه ، المحرّم إذا كان لأجل الآدمي لم يدلّ على الفساد ، ولا يفسخ العقد . ألا ترى : أن التصرية غش محرَّم . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسخ العقد ، لكن جعل للمشتري الخيار . ومنها : أن الغرور بالفعل معتبر شرعا ؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب . ولا يختلف في الغرور الفعلي . وإنما اختلف في الغرور بالقول ، هل هو معتبر أو لا ؟ فيه قولان : فرع : لو كان الضرع كثير اللحم ، فظنه المشتري لبنًا ، لم يجب له الخيار ؛ إذ لا غرور ، ولا تدليس ، لا بالفعل ، ولا بالقول . ومنها : جواز خيار الشرط . وهذا لا يختلف فيه . وإنما اختلف في مقداره . فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن أجل الخيار غايته ثلاثة أيام في كل شيء ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث ، وبقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي شكا إليه : أنه يُخدع في البيوع ، فقال له : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ، وأنت في كل ما تبتاعه بالخيار ثلاثًا ) . وذهب مالك إلى أن أجله غير محدود بحدٍّ ، إنما هو بحسب ما يحتاج إليه المبيع في اختياره . وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيعات . وتفصيله في الفروع . ويعتذر عن تلك الأحاديث بالقول بموجبها ؛ فإنها المدة التي تُختبر فيها المصراة ، فتعرف عادتها . ولذلك اختلف أصحابنا في الْحَلْبة الثالثة ، هل تعدُّ رضًا أو لا تُعدُّ ؟ وقول مالك : إنها لا تُعدُّ رضًا . وهو الصحيح ؛ لأن الحلبة الأولى بها ظهرت الدُّلْسَة ، وبالثانية تحقَّقت ، وبالثالثة تُعرف عادتها . قلت : ولا يتمشَّى هذا إلا إذا حُلبت في كل يوم حلبة . وأما حديث المخدوع : فالقول بموجبه أيضًا ؛ فإن ذلك الخيار صار بالشرط لنصّ النبي صلى الله عليه وسلم على اشتراطه ، ولا نزاع فيه إذا لم يكن بعيدًا يلزم منه غررٌ ، أو يلحق به ضرر ، فلو شرط فيما يختبر في عشرة أيام - مثلاً - ثلاثة لصحَّ البيع ، ولزم الشرط ، ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى . ومنها : أنَّ التصرية عيبٌ يوجب الخيار . وهو حجة على أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ؛ حيث قالا : إنَّ التصرية ليست بعيب ، ولا توجب خيارًا . وقد روي عن أبي حنيفة أنها عيب توجب الأرش . وقال زُفر -من أصحاب أبي حنيفة - : يردُّ صاعًا من تمرٍ ، أو نصف صاع من بُرٍّ . ومنها : أن بيع الخيار موضوع لتمام البيع ، واستقراره . لا للفسخ . وهو أحد القولين عندنا . وقيل : هو موضوع للفسخ . والأول أولى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن شاء أمسكها ) والإمساك : استدامة التمسك لما قد ثبت وجوده ، كما قال صلى الله عليه وسلم لغيلان : ( أمسك أربعًا ، وفارق سائرهن ) أي : استدم حكم العقود السابقة . وقد بيَّناه في الأصول . و( قوله : وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر ) وفي أخرى : ( صاعًا من تمر لا سمراء ) وفي أخرى : ( صاعًا من طعام لا سمراء ) . ذهب الشافعي وأكثر العلماء : إلى أنه لا يجوز فيها إلا الصَّاع من التمر . وقال الداودي : الطعام المذكور هنا هو : التمر . وذهب مالك : إلى أن التمر إنما ذكر في الحديث ؛ لأنه أغلب قوتهم ، فيخرج الغالب من قوت بلده ؛ قمحا ، أو شعيرًا ، أو تمرًا ؛ متمسكًا بعموم قوله : ( طعام ) فإنَّه يَعُم التمر وغيره . ومستأنسًا بأن الشرع قد اعتبر نحو هذا في الدِّيات ، ففرض على أهل الإبل إبلاً ، وعلى أهل الذهب الذهب ، وعلى أهل الورق الورق . وكذلك فعل في زكاة الفطر . وقد روي عن مالك رواية شاذَّة : أنه يخرج فيها مكيلة ما حلب من اللبن تمرًا ، أو قيمته . وقد تقدَّم قول أبي حنيفة وزُفر . وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى : يخرج القيمة بالغة ما بلغت . وأحسن هذه الأقوال مشهور مذهب مالك ؛ لما ذكرناه ، والله أعلم . واختلف أصحابنا فيما إذا رضي البائع بقبولها بلبنها . فأجازها بعضهم ، وقال : هي إقالة . وقال غيره : لا يجوز ؛ لأن اللبن غير متعين ؛ إذ لا يتميز كائنه عن حادثه ، فكيف تصح الإقالة فيه ؟!
( 1566 ) ( 36 و38 ) [1657] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ . وفي رواية : لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلَأُ . و( قوله : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ) وفي اللفظ الآخر : ( لا يبع ) فمعناه - والله أعلم - : أن الإنسان السَّابق للماء الذي في الفيافي إذا منعه من الماشية ، فقد منع الكلأ ، وهو العشب الذي حول ذلك الماء ، من الرعي ؛ لأن البهائم لا ترعى إلا بعد أن تشرب . وهذه اللام وإن سَمَّاها النحويون : لام كي ، فهي لبيان العاقبة ، والمآل ، كما قال تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا والكلام في حكم الكلأ وتفاصيله كالكلام في الماء ، فتأمَّله . وهذا الحديث يفيد النهي عن بيع الكلأ ، وهو حجة لمالك في القول بسدِّ الذرائع . وقال أهل اللغة : الكلأ - مهموزًا مقصورًا ، مفتوح الكاف - هو : العشب والنبات . والأخضر منه يُسمَّى : الرُّطْب - بضم الراء ، وسكون الطاء واليابس منه يُسَمَّى : الحشيش . وأمَّا المسألة الثانية - وهي مسألة بيع ماء الفحل - : فلا يختلف في فساده إذا وقع بلفظ البيع ، وأريد تحصيل العوض ؛ الذي هو حصول ماء الفحل في محل الرَّحم ، وعقوق الأنثى . فإنه غرر ، ومجهول . وأما على معنى إجارة الفحل للطَّرق أعوامًا معلومة ، أو إلى مدَّة معلومة : فأجازه مالك ؛ لكمال شروط الإجارة ، مع أن أخذ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق ، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة . ويكون هذا كالحجامة على ما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى وقد ذهب أبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو ثور : إلى منع ذلك جملة . والأرجح -إن شاء الله تعالى - ما صار إليه مالك ، لما ذكرناه . وبأنه قول جماعة من الصحابة والتابعين على ما حكاه القاضي عياض .
( 20 ) باب النَّهي عن بيع فضل الماء ، وإثم منعه ( 1565 ) ( 34 ) [1655] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ . ( 1565 ) ( 35 ) [1656] وعنه قال : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ ، وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 20 ) ومن باب : النَّهي عن بيع فضل الماء ( قوله : نهى عن بيع فضل الماء ) ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الذي يشرب ، فإنه السَّابق إلى الفهم ، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل . وفيه بُعْدٌ ، لا سيما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل . فدل على أنه ليس هو ، فإنَّه يكون تكرارًا بلا فائدة . وقد اختلف في المسألتين . فأما بيع الماء : فالمسلمون مُجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلاً ، فقد ملكه ، وأن له بيعه . قال بعض مشايخنا : فيه خلاف شاذٌّ ، لا يلتفت إليه . وأما ماء الأنهار ، والعيون ، وآبار الفيافي ، التي ليست بمملوكة : فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه ، ولا بيعه ، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك . وأما فضل ماء في ملك : فهذا هو محل الخلاف ، هل يُجبر على بذل فضله لمن احتاجه ، أو لا يُجبر ؟ وإذا أجبر ، فهل بالقيمة أو لا ؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية ، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه . والأرجح - إن شاء الله - حمل الخبر على عمومه ، فيجب بذل الفضل بغير قيمة . ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبًا ، وعدم المشاحة فيه ، وقلة الطعام غالبًا ، ووجود المشاحة فيه .
( 7 ) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ( 1534 ) ( 51 ) ( 1535 ) ( 50 ) [1616] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ . قَالَ: يَبْدُوَ صَلَاحُهُ: حُمْرَتُهُ وَصُفْرَتُهُ . وفي رواية : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُها ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ . وفي أخرى : نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ . ( 1536 ) [1617] وعن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى ، أَوْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ . ( 1537 ) [1618] وعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَأْكُلَ مِنْهُ ، أَوْ يُؤْكَلَ ، وَحَتَّى يُوزَنَ . قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْزَرَ . ( 7 ) ومن باب : النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ( قوله : نهى عن بيع النخل حتى يزهو أو حتى تزهي ) جاء الحديث باللفظتين . يقال : أزهت الثمرة تزهو ، وأزهت ، تزهي : إذا بدا طيبها وتلونها . حكاه صاحب الأفعال . وقال ابن الأعرابي : يقال : زها النخل يزهو : إذا ظهرت ثمرته . وأزهى : إذا احمرَّ أو اصفرَّ ، قال غيره : ( يزهو ) خطأ . وإنما يقال : يزهي . وحكاهما أبو زيد . وقال الخليل : أزهى الثمر : بدا صلاحه . قال غيره : هو ما احمرَّ منه واصفرَّ . وهو الزَّهو والزُّهو معًا . قلت : أحاديث هذا الباب ؛ وإن اختلفت ألفاظها متواردة على النهي عن بيع الثمرة - وإن أُبِّرت - حتى تصلح لأن يؤكل منها أكلاً غالبًا . وهل ذلك النهي محمول على ظاهره من التحريم - وهو مذهب الجمهور - أو على الكراهة - وهو مذهب أبي حنيفة - ؟ وعليه : فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها ، فسخه الجمهور ، وصححه أبو حنيفة إذا ظهرت الثمرة ، وبناء على أصله في ردِّ أخبار الآحاد للقياس . والصحيح مذهب الجمهور للتمسُّك بظاهر النهي ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( أرأيت إن منع الله الثمرة ، بم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق ! ) . وهذا يدل على أن بيعها قبل بدوِّ صلاحها من أكل المال بالباطل ، ولأنَّه غررٌ ، وبيع الغرر محرَّم . وعلى مذهب الجمهور ؛ فهل يجوز بيعها قبل بدوِّ الصلاح بشرط القطع - وهو مذهب عامتهم أو لا يجوز ؛ وإن شرطه ؟ وهو مروي عن الثوري ، وابن أبي ليلى ، تمسكًا بعموم تلك الأحاديث . وخصصه العامة بالقياس الجلي ؛ لأنه بيع معلوم ، يصح قبضه حالة العقد عليه ، كسائر المبيعات ، فإن وقع بيعها قبل بدوِّ الصلاح من غير شرط ؛ فهل يصح ، ويُحمل على القطع ، أو لا يفسخ ؟ قولان ، وبالثاني قال الجمهور ؛ لأنه إذا لم يشترط القطع تناوله النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها . وقد اتفق العلماء : على أنه لا يجوز شراؤها قبل البدوِّ على التبقية ، فأمَّا بعد الطيب فيجوز اشتراط البقاء عند كافة العلماء ، خلا ما ذكر من مذهب الحنفي ، وكذلك له الإبقاء وإن لم يصرَّح باشتراطه عند مالك ، إذ لا يصح اجتناء الثمرة دفعة واحدة ؛ لأن تناهي طيبها ليس حاصلاً حالة التعاقد ، وإنما يحصل في أوقات مختلفة . وقد شذَّ ابن حبيب ، فقال : هي على الْجَدِّ حتى يشترط البقاء . وما صار إليه مالك أوضح المسالك .
( 1515 ) ( 11 ) [1600] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ . ( 1517 ) [1601] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّجْشِ ونَهَى أَنْ تَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبْلُغَ الْأَسْوَاقَ . ( 1519 ) ( 17 ) [1602] وعن أبي هُرَيْرَةَ : أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ . و( قوله : لا يتلقى الرُّكبان لبيع ) وفي لفظ آخر : ( لا تلقوا الجلب ) أي : لا تخرجوا للقاء الرِّفاق القادمة بالسِّلع ، فتشتروها منها قبل أن تبلغ الأسواق . وقد اختلف أصحابنا في مسافة منع ذلك . فقيل : يومان . وقيل : ستة أميال . وقيل : قرب المصر . قلت : هذه التحديدات متعارضة لا معنى لها ؛ إذ لا توقيف ، وإنما محل المنع أن ينفرد المتلقِّي بالقادم خارج السُّوق بحيث لا يعرفُ ذلك أهل السُّوق غالبًا . وعلى هذا فيكون ذلك في القريب والبعيد حتى يصحَّ قول بعض أصحابنا : لو تلقى الجلب في أطراف البلد ، أو أقاصيه لكان تلقيًا منهيًا عنه ، وهو الصحيح ؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى عن تلقي السِّلع حتى تورد الأسواق . فلو لم يكن للسلعة سوق ، فلا يخرج إليها ، لأنه التلقي المنهي عنه . غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد ؛ لأن البلد كله سوقها . واختلف في وجه النهي عن ذلك . فقيل : ذلك لحق الله تعالى . وعلى هذا : فيفسخ البيعُ أبدًا . وقال به بعض أصحابنا . وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر . والجمهور على أنه لحق الآدمي لما يدخل عليه من الضرر . ثم اختلفوا فيمن يرجع إليه هذا الضرر . فقال الشافعي : هو البائع ، فيدخل عليه ضرر الغبن . وعلى هذا فلو وقع لم يفسخ ، ويكون صاحبه بالخيار . وعلى هذا يدل ظاهر الحديث ، فإنه قال فيه : ( إذا أتى سيده السوق فهو بالخيار ) . وقال مالك : بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم من غلاء السِّلع . ومقصود الشرع الرفق بأهل الحاضرة ، كما قد قال : ( دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) . وكأن مالكا لم تبلغه هذه الزيادة ، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى قول مالك فلا يفسخ ، ولكن يخير أهل السُّوق ، فإن لم يكن سوق ، فأهل المصر بالخيار . وهل يدخل المتلقي معه ، أو لا ؛ قولان . سبب المنع عقوبته بنقيض قصده . وقد أجاز أبو حنيفة ، والأوزاعي التلقي إلا أن يضر بالناس فيُكره . وهذه الأحاديث حجة عليهما . و( قوله : ولا تناجشوا ) أصل النجش : الاستثارة والاستخراج . ومنه سُمي الصَّائد : ناجشًا لاستخراجه الصيد من مكانه . والمرادُ به في الحديث : النهي عن أن يزيد في ثمن السلعة ليغرَّ غيره ، وكأنه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه . فإذا وقع ؛ فمن رآه لحق الله تعالى فسخ . ومن رآه لحق المشتري خيره ، فإما رضي ، وإمَّا فسخ . قال أبو عبيد الهروي : قال أبو بكر : أصل النَّجش : مدح الشيء وإطراؤه . فالنَّاجش يغرُّ المشتري بمدحه ليزيد في الثمن .
( 2 ) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه ، وعن تلقي الجلب ، وعن التصرية ، وعن النجش ( 1412 ) ( 7 ) [1598] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ . ( 1515 ) ( 10 ) [1599] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ . وَفِي رِوَايَةِ : عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ . ( 2 و3 و4 ) ومن باب : النهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه قد تقدَّم القول في كتاب النكاح على قوله : ( لا يبع بعضكم على بيع بعض ) . و( قوله : نهى أن يَسْتَام الرَّجل على سوم أخيه ) أي : يشتري . ووزن ( استام ) : استفعل ؛ أي : استدعى من البائع أن يخبره بسوم السلعة ؛ أي : بثمنها . وقد يكون مصدرًا ، فيقال : سامه بسلعة كذا ، يسومه ، سومًا . والْمَرَّة منه : سَوْمَةٌ . وقد يكسر ما قبل الواو فتنقلب ياء ؛ فيقال : سِيمَة ، كما قد جاء هنا . وقد بيَّنَّا : أن محل النهي عن البيع وعن السوم المذكورين في هذه الأحاديث ؛ إنما هو بعد التراكن .
( 1582 ) [1675] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا ، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا . و( قوله : أنَّه بلغ عمر : أن سمرة باع خمرًا ) اختلف في كيفية بيع سمرة ـ رضي الله عنه ـ الخمر على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم ، ظنًّا منه : أن ذلك جائز . والثاني : أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرًا ، والعصير يُسمَّى خمرًا ؛ كما قد سمي العنب به في قوله تعالى : إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وُسمي بذلك لأنه يؤول إلى الخمر . والثالث : أن يكون خلل الخمر وباعها خلاًّ . ولعل عمر كان يعتقد : أن ذلك لا يحلِّلها ، كما قد ذهب إليه جماعة من أهل العلم على ما يأتي . قلت : وفي هذين الوجهين بُعْدٌ . والأشبه : الأول .
( 24 ) باب تحريم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام ( 1578 ) [1671] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ فقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ . قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ . فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ مَا كَانَ عِنْدَهُم مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا . ( 24 ) ومن باب : تحريم بيع الخمر ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يعرِّض بالخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرًا ، هذا التعريض ، وهذا التوقع إنما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ومن قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وذلك : أنه لما سمع أن فيهما إِثْمًا كبيرًا ، وأن إثمهما أكبر من نفعهما ، وأنه قد منع من الصلاة في حال السُّكر ؛ ظهر له : أن هذا مناسب للمنع منها ، فتوقع ذلك . و( قوله : فمن كان عنده منها شيء فليبعه ، ولينتفع به ) فيه دليل على أن الخمر وبيعها كانا مباحين إباحة متلقاة من الشرع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر أصحابه عليها ، وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية ؛ لأن إقراره دليلُ الجواز والإباحة ، كما قررناه في الأصول . وفيه دليل على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت ، وعلى صيانة المال ، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من الوجوه المصلحية . و( قوله : فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرَّم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ، ولا يبع ) يعني بالآية : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ الآية ، وسيأتي الحديث عليها . ويعني بقوله : ( من أدركته ) أي : من بلغته وهو بصفات المكلفين من العقل والبلوغ . وقد فهمت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من نهيه عن الشرب والبيع : أنها لا ينتفع بها بوجه من الوجوه ، ولذلك بادروا إلى إراقتها ، وإتلافها . ولو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لنبَّه النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، كما نبَّه على ما في جلد الميتة من المنفعة ؛ لما قال : ( هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه ، فانتفعتم به ) وعلى هذا : فلا يجوز تخليلها ، ولا أن تعالج بالملح والسَّمك فيصنع منها الْمُرْي . وإلى مَنْع ذلك ذهب الجمهور : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم . وحكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة ، والأوزاعي ، والليث . وقد دلَّ على فساد هذا ما ذكرناه آنفًا ، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلاًّ . وسيأتي مزيد بيان على هذا . قال القاضي عياض : وفي هذا أيضًا : منع الانتفاع بها للتداوي ، وغير ذلك من العطش عند عدم الماء ، ولتجويز لقمة غص بها . وهو قول مالك ، والشافعي ، وغيرهم . وأجاز ذلك أبو حنيفة ، وأحمد . وقاله بعض أصحابنا . وروي عن الشافعي : جوازه أيضًا إذا خاف التلف ، وقاله أبو ثور . قلت : وإذا امتنع الانتفاع بها مطلقا فلا يصح تملكها لمسلم ، ولا تقر في يديه ، بل تتلف عليه . ويجب ذلك عليه . ويتلفها الوصي على اليتيم . وقد ذكر ابن خواز منداذ من قدماء أصحابنا العراقيين : أنها تملك ، ونزع إلى ذلك : بأنها يمكن أن يزال بها الغُصص ، ويُطفأ بها الحريق ، فتملك لذلك . وهذا نقل لا يعرف لمالك ، ولا يلتفت لشيء مما قيل هنالك ؛ لأنا لا نسلم جواز ذلك ، على ما ذكرناه آنفًا فيمن غص بلقمة . ولو سلمنا ذلك فلا يلتفت إليه لندوره ، وعدم وقوعه . وإنما ذلك تجويز وهمي ، وتقدير ، فاعتباره وسواسٌ أعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه ، ولم يلتفتوا إلى شيء منه .
( 1579 ) [1672] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا . فَسَارَّ إِنْسَانًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا . ( 1580 ) ( 69 و70 ) [1673] وعَنْ عَائِشَةَ قالت: لَمَّا أنَزَلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ -وفي رواية : في الربا- خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ . و( قوله صلى الله عليه وسلم للمُهْدِي راوية الخمر : ( هل علمت أن الله حرَّمها ) وقول الْمُهْدِي : لا ؛ يدلُّ على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن له الحكم ، ولم يوبخه ، ولم يذمَّه ؛ لأن الرَّجل كان متمسِّكًا بالإباحة المتقدِّمة ، ولم يبلغه الناسخ ، فكان ذلك دليلاً : على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ، بل ببلوغه ، كما قرَّرناه في الأصول . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( بم ساررته ؟ ) دليل : على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبين وجهه له ، ولا يكون هذا من باب التجسس ، بل من باب النصيحة والإرشاد . و( قوله : إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها ) الذي هنا : كناية عن اسم الله تعالى ، فكأنه قال : إن الله حرَّم شربها وحرَّم بيعها . ويحتمل أن يكون معناه : إن الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها ؛ إذ لا تراد إلا للشرب ، فإذا حرم الشرب لم يجز البيع ؛ لأنه يكون من أكل المال بالباطل . وقد دلَّ على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) يعني : شيئًا يؤكل ، أو يشرب ؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث ، ويلحق به كل محرَّم نجس لا منفعة فيه . واختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها ، كالأزبال ، والعذرة . فحرم ذلك الشافعي ، ومالك ، وجُلّ أصحابنا . وأجاز ذلك الكوفيون ، والطبري . وذهب آخرون : إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع . ورأوا : أن المشتري أعذر من البائع ؛ لأنه مضطر إلى ذلك . روي ذلك عن بعض أصحابنا . وهي قولة عن الشافعي . وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها ، والمنع من الانتفاع بها ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرِّجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكمَ بنجاستها . وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف فرأى : أنها طاهرة ، وأن المحرَّم إنما هو شربها . وهو قول شاذ يردُّه ما تقدَّم . وما كان يليق بأصول ربيعة ، فإنه قد علم : أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعشرة بسببها ، وأمر باجتنابها ، وبالغ في الوعيد عليها . فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها ، وحماية لقربانها . فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ، ولا نصّ فيه ، فلا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا ؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس . فالجواب : أنها وإن لم يكن فيها نصٌّ بالوضع الْمُتَّحِد ، لكن فيها ما يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها . ويَعْرفُ ذلك من تصفَّح الآية وتفهَّمها . ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه ، فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها . ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة ، فإن النصوص فيها قليل . وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول ، والعذرة ، والدَّم ، والميتة ، وغير ذلك ، ولا يوجد نصٌّ على تنجيس شيء مما هنالك . وإنما هي الظواهر ، والعمومات ، والأقيسة . وقوله : لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس . قلنا : لم نستدل بمجرد التحريم ، بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه ، وإن شئت أن تحرر قياسًا ؛ قلت : مستخبث شرعا ، يحرم شربه ، فيكون نجسًا كالبول ، والدَّم . وهذا هو الأولى بربيعة ، فإنه الملقَّب بـ ( ربيعة الرأي ) . والله تعالى أعلم . وقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر ، وهو سعيد بن الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة . قال : ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك ، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، كما نهى عن التخلِّي في الطرق . والجواب : أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلت ذلك لضرورة الحال ، لأنهم لم تكن لهم سُروبٌ ، ولا آبارٌ يريقونها فيها ؛ إذ الغالب من حالهم : أنهم لم تكن لهم كُنُف في بيوتهم . وقالت عائشة رضي الله عنها : إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت . ونَقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ، ومشقة ، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور ، فالتحق صبها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها ، كأرواث الدواب ، وأبوالها . وأيضًا : فإنها يمكن التحرُّز منها ، فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة ، بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلّها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها . هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها ، وأنه لا ينتفع بها . ويتتابع الناس ، ويتوافقوا على ذلك ، والله أعلم .
( 1581 ) [1674] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ، وَالْمَيْتَةِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْأَصْنَامِ . فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا ، هُوَ حَرَامٌ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ . و( قوله : ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها ) دليل : على أن أواني الخمر إذا لم تكن مضرّاة بالخمر ؛ أنه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غسلت ، ألا ترى : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه إبقاءها عنده ، ولا أمره بشقها ، ولو كانت نجسة لا يطهرها الغسل لأمره بشقِّها ، وتقطيعها ، كما فعل أبو طلحة لَمَّا قال لأنس : قم إلى هذه الجرار فكسرها . قال أنس : فقمت إلى مهراس لنا ، فضربتها بأسفله حتى تكسرت . و( الراوية ) : القربة الكبيرة التي يُحْمَل فيها الماء . وقد سُمِّي البعير الذي يحملها : راوية ؛ لأنه يحملها . وسُميت بذلك : لأنها تَرْوِي من كانت عنده ، وتُسمَّى أيضًا : مزادة ؛ لأنها زيد فيها جلد آخر ، ويحتمل أن تُسمَّى بذلك ؛ لأنها من كانت عنده في سفره كان عنده معظم الزَّاد . و( قول جابر ـ رضي الله عنه ـ : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح يقول : ( إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام ) كذا صحَّت الرواية : ( حرَّم ) مُسندًا إلى ضمير الواحد . وكان أصله : حَرَّما ؛ لأنه تقدَّم اثنان ، لكن تأدَّب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين ؛ لأن هذا من نوع ما ردَّه على الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى . فقال له : ( بئس الخطيب أنت ، قل : ومن يعص الله ورسوله ) وقد قدَّمنا الكلام عليه في كتاب الصلاة . وصار هذا مثل قوله تعالى : الله بريء من المشركين ورسوله ، فيمن قرأ بنصب ( رسولَه ) غير أن الحديث فيه تقديم ، وتأخير ؛ لأنه كان حقه أن يقدم : ( حرَّم ) على ( رسوله ) كما جاء في الآية ، والله تعالى أعلم . وهذا الحديث يدلُّ : على أن تحريم الخمر كان متقدِّما على فتح مكة ، وقد سوَّى في هذا الحديث بين الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام ، فلا يجوز بيع شيء مِمَّا يقال عليه خمرٌ . وقد قدمنا ، ويأتي : أن الخمر : كل شراب يُسكر من أي شيء كان ، من عنب أو غيره . فيحرم بيع قليله وكثيره . وقد قلنا : إن تحريم نفعه مُعَلَّل بنجاسته ، وأنه ليس فيه منفعة مسوِّغة شرعا . وأما الميتة : فيحرم بيع جميع أجزائها ، حتى عظمها ، وقرنها ، ولا يستثنى عندنا منها شيء إلا ما لا تحله الحياة كالشعر ، والصوف ، والوبر ، فإنه طاهر من الميتة ، وينتزع من الحيوان في حال حياته وهو قول مالك ، وأبي حنيفة . وزاد أبو حنيفة ، وابن وهب من أصحابنا إلى ذلك : أن العظم من الفيل وغيره ، والسن ، والقرن ، والظلف ، كلها لا تَحُلُّها الحياة ، فلا تنجس بالموت . والجمهور على خلافهما في العظم ، وما ذكر معه ، فإنها تحله الحياة . وهو الصحيح . فإن العظم والسن يألم ، وتُحَسُّ به الحرارة والبرودة ، بخلاف الشعر ، وهذا معلوم بالضرورة . فأمَّا أطراف القرون ، والأظلاف ، وأنياب الفيل : فاختلف فيها . هل حكمها حكم أصولها فتنجس ؟ أو حكمها حكم الشعر ؟ على قولين . وأمَّا الريش : فالشعري منه شعرٌ ، وأسفله عظم . ومتوسطه ؛ هل يلحق بأطرافه أو بأصله ؟ فيه قولان لأصحابنا . وقد قال بنجاسة الشعر الحسن البصري ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، لكنها تطهر بالغسل عندهم ، فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة . وإلى نحو من هذا ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل فقال : تطهر إن سُلِقَتْ بالماء . وعن الشافعي في الشعور ثلاث روايات : إحداها : أن الشعر ينجس بالموت . والثانية : أنها طاهرة كقولنا . والثالثة : أن شعر ابن آدم وحده طاهر ، وأن ما عداه نجس . وأمَّا الميتة : فلا تباع قبل الدباغ ، ولا ينتفع بها ؛ لأنها كلحم الميتة ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ، ولا عصب ) وأما بعد الدِّباغ ؛ فمشهور مذهب مالك : أنها لا تطهر بالدِّباغ ، وإنما ينتفع بها . وهو مذهب جماعة من أهل العلم . وعلى هذا فلا يجوز بيعها ، ولا الصلاة عليها ، ولا بها ، ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات ، إلا في الماء وحده . وذهب الجمهور من السَّلف ، والخلف : إلى أنها تطهر طهارة مطلقة ، وأنها يجوز بيعها ، والصلاة عليها ، وبها . وإليه ذهب الشافعي ، ومالك في رواية ابن وهب . وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أيُّما إهاب دبغ فقد طهر ) ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( دباغ الإهاب طهوره ) وغير ذلك . وكلها صحيح . ومما لا يجوز بيعه لأنه ميتة جسد الكافر . وقد أُعطي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم . فلم يأخذها ، ودفعه إليهم ، وقال : ( لا حاجة لنا بجسده ، ولا بثمنه ) . وأمَّا الخنزير ، وهو الحيوان المعروف البريُّ ، ولا تعرف العرب في البحر خنزيرًا . وقد سُئل مالك عن خنزير الماء ؟ فقال : أنتم تسمونه خنزيرًا ؛ أي : لا تسمِّيه العرب بذلك . وقد اتَّقاه مرة أخرى على جهة الورع ، والله تعالى أعلم . فأمَّا البري : فلا خلاف في تحريمه ، وتحريم بيعه ، وأنه لا تعمل الذكاة فيه . ومن هنا قال كافة العلماء : إن جلده لا يُطَهِّرهُ الدِّباغ ، وإنما يُطَهِّرُ الدباغ جلد ما تعمل الذكاة في حيه . وألحق الشافعي بالخنزير الكلب ، فلا يطهر جلده عنده . وقال الأوزاعي ، وأبو ثور : إنما الدِّباغ جلد ما يؤكل لحمه . وقد أجاز مالك تذكية السِّباع والفيل لأخذ جلودها ، وهذا إنما يتمشى على قوله بكراهة لحومها . وأما على ما قاله في "الموطأ" من أن السِّباع حرام : فلا تعمل الذكاة فيها ، فلا تطهر جلودها بالدباغ ، كالخنزير . وقد شذَّ داود ، وأبو يوسف فقالا : إنه يطهر بالدِّباغ جلدُ كل حيوان ، حتى الخنزير . ومتمسكهما : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) . ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة . وينفصل الجمهور عنهما : بأن هذا العموم محمولٌ على نوع السبب الذي أخرجه . وهو ميتة ما تعمل الذكاة فيه ، وبأن جلد الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال حالة الإطلاق ، فلا يقصد بالعموم ، كما قررناه في أصول الفقه ، وبأنه : لا يقال : إهاب إلا على جلد ما يؤكل لحمه ، كما قاله النَّضْر بن شُمَيْل . وأمَّا القياس : فليس بصحيح ؛ لوجود الفرق . وذلك : أن الأصل : ميتة ما تعمل الذَّكاة فيه . والفرع : ميتة ما لا تعمل الذكاة فيه . فكانت أغلظ ، وأفحش . والله تعالى أعلم . وأمَّا الأصنام : فهي الصور الْمُتَخِذَةُ للعبادة ، ولا خلاف في تحريم اتخاذها ، وبيعها ، وأنها يجب كسرها ، وتغييرها . وكذلك كل صورة مجسدة ، كانت صورة ما يعقل ، أو ما لا يعقل . وأما ما كان رقما في ثوب أو بناء في حائط ، ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى . و( قوله - وقد سُئل عن بيع شحوم الميتة - : لا ، هو حرام ) نصٌّ في أنه يحرم بيعها ؛ وإن كانت فيها منافع ، وذلك : لأنها جزء من الميتة كاللحم ، أو هي كالشحم مع اللحم ، فإنه عنه يكون . ولا يلزم من تحريم بيعها ، والحكم بنجاستها ، ألا يجوز الانتفاع بها ، على ما قدمناه . وهذا هو الذي يتمشى على مذهب مالك ، فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات ؛ كالزيت ، والسمن ، والعسل ، وغير ذلك ، مع الحكم بنجاسته . فقال : يعمل من الزيت النجس الصابون ، ويستصبح به في غير المساجد . ويعلف العسلُ النحلَ . ويطعم النجس الماشية . وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة . وروي عن علي وابن عمر . وقد فَرَّق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة ، وبين ما ينجس بما وقعت فيه نجاسة . فقال : لا ينتفع بالشحوم ؛ لأنها نجسة لعينها ، بخلاف ما ينجس بما وقع فيه ، فإنه ينتفع به ؛ لأن نجاسته ليست لعينه ، بل عارضة . قلت : وهذا الفرق ليس بصحيح . فإن النجاسة حكم شرعي . والأحكام الشرعية ليست صفات للأعيان ، بل هي راجعة لقول الشارع : افعلوا ، أو لا تفعلوا . كما قد حققناه في الأصول . ولو سلمناه لقلنا : إن النجاسة العينية قد اختلطت مع العارضة ولا مميز ، فحكمهما سواء . فإن قيل : فكيف يجوز أن يقال بجواز الانتفاع بشيء من ذلك ، وفي الحديث الصحيح : ( إذا وقعت الفأرة في السَّمن ، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعًا فلا تقربوه ) . والانتفاع بها قربان لها فلا يجوز ؟! ثم في الانتفاع بها التلطخ بها عند مباشرتها ، ولا يجوز التلطخ بالنجاسات شرعا . فالجواب : القول بموجب ما ذكر . فإن القرب المنهي عنه إنما هو الأكل ؛ بدليل قوله في أول الحديث : ( إن كان جامدًا فألقوها ، وكلوه ) وفي بعض طرقه : ( وكلوا سمنكم ) ثم قال بعد هذا : ( وإن كان مائعًا فلا تقربوه ) أي : بأكل . وأيضًا : فقد قررنا في أصول الفقه : أن الشرع إذا نهى عن شيء ، وأوقع نهيه عليه ، فإنما يعني به : النهي عما يراد ذلك الشيء له ، وإن سكت عنه . كما قال تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ؛ أي : بالوطء ، وكقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أي : وطؤهن ومقدماته . وكذلك العرف إذا قال العربي : لا تقرب الماء ؛ أي : لا تشربه . والخبز ؛ أي : لا تأكله . وهذا معلوم . وأما النهي عن مباشرة النجاسات : فإنما يحمل على التحريم عند محاولة فعل الطهارة شرط فيه ؛ كالصلاة ، ودخول المسجد ، ونحو ذلك . وأما فيما لم يكن كذلك فلا يكون حرامًا بالاتفاق . ثم اختلف القائلون بجواز الانتفاع بها . هل يجوز بيع ما ينتفع به منها أو لا ؟ على قولين ؛ والصحيح : منع الجواز ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( قاتل الله اليهود ، نُهوا عن الشحم ، فباعوه ، وأكلوا ثمنه ) . وفي بعض طرقه : ( إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) . وقوله : ( قاتل الله اليهود ) أي : قتلهم ؛ كقوله تعالى : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قاله الهروي . قال : وسبيل ( فَاعَلَ ) أن يكون من اثنين ، وربما يكون من واحد ؛ كقولك : سافرت ، وطارقت النعل . وقال ابن عباس : لعنهم . وقد جاء ذلك مصرَّحا به في الرواية الأخرى . وقال غيره : عاداهم . و( قوله : اجتملوها ) أي : أذابوها . يقال : جملت الشحم ، واجتملته : إذا أذبته . والجميل : الشحم المذاب . قال أبو عبيد : يقال : جملت ، وأجملت ، واجتملت .
( 1558 ) ( 20 ) [1648] وعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا كَعْبُ . فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قال : فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُمْ فَاقْضِهِ . و( قوله : إن كعبًا تقاضى ابن أبي حَدْرد دَيْنًا في المسجد ) أي : سأل من ابن أبي حدرد أن يقضيه دينه الذي له عليه ، فارتفعت أصواتهما بسبب ذلك حتى سمعهما النبي صلى الله عليه وسلم من بيته ، ولم ينكر عليهم ، فكان ذلك دليلاً على استباحة مثل ذلك في المسجد ما لم يتفاحش . فإن تفاحش كان ذلك ممنوعًا ؛ إذ قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الأصوات في المساجد . و( قوله بالإشارة : ( ضع الشطر من دينك ) دليل : على أن الإشارة بمنزلة الكلام إذا فُهِمَت ؛ لأنها دلالة على الكلام كالحروف والأصوات ، فتصح شهادة الأخرس ، ويمينه ، ولعانه ، وعقوده إذا فهم ذلك عنه ، وهذا منه صلى الله عليه وسلم أمر على جهة الإرشاد إلى الصلح . وهذا صُلح على الإقرار ؛ لأن نزاعهما لم يكن في أصل الدَّين ، وإنما كان في التقاضي . وهو متفق عليه . وأما الصُّلح على الإنكار ، فهو الذي أجازه مالك ، وأبو حنيفة والشعبي ، والحسن البصري . وقال الشافعي : الصلح على الإنكار باطل . وبه قال ابن أبي ليلى . و( قوله : قم فاقضه ) أمرٌ على جهة الوجوب ؛ لأن ربَّ الدَّين لَمَّا أطاع بوضع ما وضع تعيَّن على الْمِديان أن يقوم بما بقي عليه ، لئلا يُجْمع على ربِّ الدَّين وضيعة ومُطل . وهكذا ينبغي أن يبتَّ الأمر بين المتصالحين ، فلا يترك بينهما علقة ما أمكن .
( 1557 ) [1647] وعن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم ، وَإِذَا أَحَدُهُم يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ ألَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ . و( الخصوم ) : جمع خصم ، كفلس وفلوس . وقد يقال : خصم على الجمع ، والاثنين ، كما قال تعالى : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ويقال : خصم أيضًا للمذكر والمؤنث . و( قوله : وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه ) أي : يسأله أن يضع عنه ، ويرفق به . و( المتألي ) : الحالف . يقال : تألَّى ، يتألَّى ، وائتلى ، يأتلي . وآلى يؤلي . كل ذلك بمعنى الحلف . وفيه ما يدلُّ على أن سؤال الحطيطة والرفق جائز ؛ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إذ سمعه . وقد كره مالك ذلك ، لما فيه من المهانة ، والمنَّة . قلت : وهذه الكراهة من مالك : إنما هي من طريق تسمية ترك الأولى : مكروهًا . و( قوله : فله أي ذلك أحبَّ ) أي : الوضع أو الرفق . وكان حقه : أي ذينك . فإن المشار إليهما اثنان ، لكنه أشار إلى الكلام المتقدِّم المذكور . فكأنه قال : فله أي ذلك المذكور أحب . كما قال تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا وإذا تأملت هذا الكلام بان لك لطافة النبي صلى الله عليه وسلم وحُسن سياسته ، وكرم خلق الرَّجل ، ومسارعته إلى فعل الخير .
( 17 ) باب قسم مال المفلس ، والحث على وضع بعض الدين ( 1556 ) ( 18 ) [1646] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ . فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ . ( 17 ) ومن باب : قسم مال المفلس ( قوله : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها ) هذا الرَّجل هو معاذ بن جبل . وكان غرماؤه يهود ، فكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخففوا عنه ، أو ينظروه ، فأبوا ، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر . وظاهر هذا الحديث : أن الجائحة أتت على كل الثمرة ، حتى لم يبق له منها ما يباع عليه ، فقد ثبتت عسرته . فحكمه الإنظار إلى الميسرة ، كما قال الله تعالى . فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافًا لشريح ؛ فإنه قال : يحبس أبدًا ، ولا يلازم . خلافًا لأبي حنيفة ؛ فإنه قال : يلازم لإمكان أن يظهر له مال ، ولا يكلَّف أن يكتسب ، لا هو ولا مستولدته . وهذا كلّه مردود بنص القرآن ، وبقوله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ : ( خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك ) . ولا يجب أن يتصدق عليه ، ومن فعل ذلك ، أو حضَّ عليه كان خيرًا له ، وفيه ثواب كثير ؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة ، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان قد وقع ذلك . وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بمعاذ ليتبين خصومه : أنه ليس عنده شيء ، ولتطيب قلوبهم بما أخذوا ، فيسهل عليهم ترك ما بقي ، وليخف الدَّين عن معاذ ، وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها . وليكن ذلك سُنَّة حسنة . وفيه ما يدل على نسخ بيع الجزء في الدَّين ، كما كان في أول الإسلام . وعلى نسخه تدل الآية ، والإجماع . و( قوله : خذوا ما وجدتم ) يدلُّ على أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له ، ويستثنى من ذلك ما كان من ضرورته . وروى ابن نافع عن مالك : أنه لا يترك له إلا ما يواريه . والمشهور : أنه يترك له كسوته المعتادة ، ما لم يكن فيها فضل ، ولا ينزع منه رداؤه ، إن كان ذلك مزريًا به ، أو منقصًا . وفي ترك كسوة زوجته ، وبيع كتبه إن كان عالمًا خلافٌ . ولا يترك له مسكن ، ولا خاتم ، ولا ثوب جمعته ، ما لم تقل قيمتها .
( 13 ) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل ( 1550 ) ( 121 ) [1635] عَنْ عَمْرٍو بْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُخَابِرُ ، قَالَ عَمْرٌو: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَوْ تَرَكْتَ هَذِهِ الْمُخَابَرَةَ ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ . فَقَالَ: أَيْ عَمْرُو ، أَخْبَرَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ ، ( يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ، إِنَّمَا قَالَ: يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا . ( 1550 ) ( 122 ) [1636] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْحَقْلُ ، وَهُوَ بِلِسَانِ الْأَنْصَارِ الْمُحَاقَلَةُ . ( 1549 ) ( 119 ) [1637] وعَنْ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا .
( 23 ) باب في إباحة أجرة الحجَّام ( 1577 ) ( 62 و63 ) [1668] عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ ، وَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ . وفي رواية : إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ ، فَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ . ( 1202 ) ( 65 ) [1669] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ . ( 1202 ) ( 66 ) [1670] وعنه قَالَ: حَجَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد بَنِي بَيَاضَةَ ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْرَهُ ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 23 ) ومن باب : إباحة أجرة الحجَّام حديث أنس ؛ وحديث ابن عبَّاس يدلاَّن : على الاحتجام : الحاجم والمحجوم . وجواز أخذ الأجرة على ذلك . وقد بيَّنا وَجه كراهيتها . وفيه ما يدل : على توظيف الخراج على العبيد إذا كانت لهم صنائع ، لكن على جهة الرِّفق ، لا العنف . ويكلَّف من ذلك ما يقدر عليه ، ويُستحب التخفيف عنهم ، كما قد كلَّم النبي صلى الله عليه وسلم سادات أبي طيبة في التخفيف . و( قوله : إن أفضل ما تداويتم به الحجامة ) هذا الخطاب متوجهٌ لمن غلب عليه الدَّم ، فإخراجه بالحجامة أولى وأسلم من إخراجه بقطع العروق والفصاد . ويحتمل أن يكون الذين قال لهم هذا كان الغالب عليهم هيجان الدَّم ، فأرشدهم إلى إخراجه على الجملة بالحجامة لما ذكرناه من السَّلامة . و( القسط البحري ) يتداوى به تبخرًا واستعاطًا . وفي بعض الحديث : ( يستعط به من العذرة ) وهي : وجع الحلق . و( قوله : لا تعذِّبوا أولادكم بالغمز ) ، يعني بذلك : من إصابة وجع الحلق ؛ وهو : سقوط اللهاة من الصبيان ، فلا تعذبوه برفعها بالأصابع . وأحال على السعوط بالقسط البحري ، فإنه ينفع من ذلك إن شاء الله ، وسيأتي تكميل ذلك في الطب إن شاء الله تعالى .
( 1551 ) ( 6 ) [1639] وعنه : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ ، أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا ، فَسَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا ، عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا . فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( نقركم بها على ذلك ما شئنا ) تمسَّك به بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول . وجمهور الفقهاء : مالك ، والشافعي ، والثوري ، وأكثر علماء المدينة : على أنها لا تجوز إلا لأمد معلوم . وقالوا : إن هذا الكلام جواب لما طلبوه حين أراد إخراجهم منها . وقولهم له : على أن نكفيكم العمل ، إنما كان منهم على سبيل إظهار المصلحة المرغبة في إبقائهم في تلك البلاد ، فكأنهم قالوا : إبقاؤنا فيها أنفع لكم من إخراجنا ؛ لأنا نكفيكم مؤونة العمل في أرضكم ، وتأخذون نصف ما يخرج منها ، فإن أخرجنا بقيت الأرض أو غالبها لا عامر لها . فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ، ووقفه على مشيئته . وبعد ذلك عاملهم على عقد المساقاة ، والله تعالى أعلم . وقد دلَّ على ذلك قول ابن عمر رضي الله عنه : ( عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شطر ما يخرج منها ) . فأفرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح على الإبقاء . فإن قيل : فلم ينصّ ابن عمر على مدَّة معلومة ، لا هو ولا غيره ممن روى القصة ، فمن أين يشترط الأجل ؛ فالجواب : أن الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة فيما من شأنه أن يعرف العمل فيه بالزمان . والمساقاة من باب الإجارة ، لكن اغتُفِرَت فيها حالة جهالة مقدار ما يحصل من الأجرة . وهذا موضع الرخصة الخاصة بها ، فاستثني جواز ذلك ، وبقي تعيين الزمان على أصله من وجوب المراعاة . فإن قيل : لا نسلم أنها من باب الإجارة ، بل هي أخت القراض ، وهو أصلها ، كما قدمتم . والقراض لا يحتاج إلى ضرب مدة ، فكذلك المساقاة . فالجواب : أن المساقاة ، وإن أشبهت القراض ، فيما ذكرناه ، غير أنها تفارقه من وجه آخر ؛ وهو : أن الفائدة الحاصلة منها مقيدة في العادة بالزمان ؛ إذ الغالب من الثمرة أنها لا بدّ منها في كل سنة ، وهي الفائدة . ولذلك قلنا نحن وأبو ثور : إذا وقعت المساقاة ، ولم تتعين فيها مدة ، صحت ، وحملت على مدة فائدة تلك السَّنة ، وليس كذلك القراض ؛ إذ لا يدرى هل يحصل منه فائدة أو لا ؟ وإذا حصلت فلا يدرى ما هي ؟ فكان القراض بباب الجعل أولى ، ولذلك كان في المشهور عقدًا جائزًا ، ولا يحتاج إلى أجل . وكانت المساقاة بباب الإجارة أولى ، ولذلك كانت عقدًا لازمًا ، واحتاج إلى ضرب الأجل . وعلى هذا فيحتمل الحديث أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عيَّن للمساقاة أجلاً لم يسمعه الراوي ، فلم ينقله ، أو وقع عقد المساقاة ، وحمل على سنة واحدة ، فلما جاءت السنة الأخرى بقاهم على ذلك . وهكذا في الأعوام المتوالية ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل خيبر ليهودها على أن يعملوها من أموالهم ) يعني به : النفقة فيما تحتاج الثمرة إليه من نفقة الأجراء ، والدواب ، والعلوفة ، والآلات ، والأجر في العزاق والجداد ، وغير ذلك مما يذهب بذهاب المساقاة . وأما ما يبقى بعدها كبناء حائط ، أو حفر بئر أو نحوه فلا يلزم العامل . و( قوله : كان يعطي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كل سنة مائة وسق : ثمانين وسق من تمر ، وعشرين وسق من شعير ) دليل لمالك : على قوله : إن بياض خيبر كان تابعًا لسوادها . ألا ترى : أن الشعير خمس ، والتمر أربعة أخماس ؛ ولذلك صحَّ أن يدخل في المساقاة بالشرط ، ولكن بشرط اتفاق الجزء كما تقدَّم . وقد استحب مالك أن يلغيه للعامل رفقًا به ، وإحسانًا إليه . وهذا الحديث وغيره دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قسم أرض خيبر على خمسة أخماس ، على قسم الغنائم . وكذلك قال الشافعي . وهو مقتضى عموم قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ومالك وأصحابه يرون إيقاف الأرض للمسلمين ممن حضر وغاب ، وممن يأتي بعد ، تمسكًا بفعل عمر ـ رضي الله عنه ـ في أرض العراق والشام ومصر ، فإنه أقرها ، ولم يقسمها ، واحتج بقوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وتأول عطفه على قوله : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمتها ، أو إقرارها بأيدي أهلها ، وتوظيف الخراج عليها ، وتصييرها ملكًا لهم كأرض الصلح . فإن قيل : فكيف يرفع فعل النبي صلى الله عليه وسلم وعمله بمقتضى عموم الآية بقول عمر وفعله ؟ فالجواب : أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي فعله في قسم خيبر ليس على جهة التحتيم الذي لا يجوز غيره ، وإنما هو أحد الوجهين الجائزين . غير أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر له : أن الأولى قسمتها في ذلك الوقت ، لشدَّة حاجة أولئك الغانمين . ولما كان زمن عمر ـ رضي الله عنه ـ اتسعت أموال المسلمين لكثرة الفتوحات عليهم ؛ فرأى : أن إيقافها لمصالح المسلمين أولى من قسمتها ، وتابعه على ذلك أهل عصره ، ولم يخالفه أحد من الصحابة ، فصار كالإجماع على صحة ما فعل وجوازه . وعند هذا يظهر : أن الأولى قول الكوفيين ؛ الذي هو التخيير ؛ لأنه جمع بين الأمرين . وهو الذي فهمه عمر ـ رضي الله عنه ـ قطعًا . ولذلك قال عمر ـ رضي الله عنه ـ فيما رواه عنه مالك : لولا أن أترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانًا ، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهمانًا . فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم . فلم يبق إلا ما ذكرناه . غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر . فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ، ولم يملكها لأهل الصلح ، وهم قالوا للإمام أن يملكها أهل الصلح . وأما من لم يسلك هذه الطريقة فيلزمه : إما نسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم بفعل عمر ـ رضي الله عنه ـ وهو باطل قطعًا . وإما نسبة عمر ومن كان معه من الصحابة إلى الخطأ ، حيث فعلوا ما لا يجوز . وهو باطل قطعًا . وقد استمر العمل بين الأمة بعد ذلك الصدر على استمرار وقف تلك الأراضي التي وقف عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى الآن ، ولم يتعرض أحد إلى نقضها ، ولا إلى تغييرها عما وضعها عليه عمر - فيما علمت - حتى اليوم . فتطابق إجماع السابقين واللاحقين ، ولم يلتفت إلى من خالفهم من المتأخرين . وإنما خيّر عمر ـ رضي الله عنه ـ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بين إقطاع الأرض ، وبين ضمان الأوساق مبالغة في صيانتهن ، وكفايتهن التبذل في تحصيل ذلك ، فسلك معهن ما يطيب قلوبهن ويصونهن . ولم يكن هذا الإقطاع لمن اختاره منهن إقطاع تمليك ؛ لأنه لو كان ذلك منه لكان تغييرًا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قال عمر لعليّ والعباس : لا أغير من أمرها شيئًا ، إني أخاف إن غيرت من أمرها شيئًا أن أزيغ . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما تركت بعد نفقة عيالي ، ومؤونة عاملي فهو صدقة ) ووقف الأرض لذلك . وإنما كان إقطاع اغتلال . وذلك أنه قسم عدد الأوساق المائة على عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمن اختارت الأوساق ضمنها لها . ومن اختارت النخل أقطعها قدر ذلك لتتصرف فيها تصرف المستغل ، لا المالك ، والله تعالى أعلم .
( 14 ) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع ( 1551 ) ( 2 ) [1638] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ تَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، وكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بن الخطاب قَسَمَ خَيْبَرَ خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ ، أَوْ يَضْمَنَ لَهُنَّ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ فَاخْتَلَفْنَ ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنْ اخْتَارَتَا الْأَرْضَ وَالْمَاءَ . ( 14 ) ومن باب : المساقاة وهي مأخوذة من السقي . وأصلها : تعاهد الأشجار بالماء . ثم قد صارت عبارة - بحكم العرف- عن العمل في الأشجار بما يصلحها من سقي ، وإبار ، وجداد ، وغير ذلك من العمل الذي تصلح به الثمرة على جزء مسمى ، يأخذه العامل من الثمرة . وقد اختلف العلماء في حكمها ، ومحلها ، ووقتها . فأما حكمها : فالجواز عند مالك ، والشافعي ، وابن أبي ليلى ، وكثير من الكوفيين ، تمسّكًا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب ، وبقياسها على القراض . وهو متفق عليه ؛ لأنها في معناه . ومنعها أبو حنيفة ، وزفر من أصحابه لما فيها من الغرر ؛ ولأنها من باب : بيع الثمر قبل طيبه . وهو منهي عنه كما تقدَّم . وحمل أحاديث مساقاة خيبر على أن أهلها كانوا عبيدًا للنبي صلى الله عليه وسلم فما أخذ فهو له ، وهذا بناه على أن النبي صلى الله عليه وسلم فتحها عنوة . وهذا غير مُسَلّم له ، فإن خيبر كانت قرى كثيرة ؛ فمنها ما فتح عنوة ، ومنها ما فتح صلحًا ؛ كذلك رواه مالك ومن تابعه ، وهو قول ابن عقبة . ولو سُلِّم : أنه فتحها عنوة فلا يُسلّم أن السيد يجوز له أن يعامل عبده بالرِّبا ، ولا أن يعاقده عقدًا فاسدًا بغرر أو مجهول . وقد نصَّ في هذا : أنَّه عاقدهم عليها ، وشرط عليهم ، وشرطوا عليه . ولا يجوز أن يحمل ذلك على أنه انتزاع مال من أيديهم ، لا لغة ، ولا عرفًا . فبطل ما قالوه . وأما محلها : فمنعها داود في كل شيء إلا في النخل . والشافعي إلا في النخل ، والكرم . وأجازها مالك في سائر الشجر ؛ إذا احتاج للمساقاة . والمشهور عندنا : منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه أهله . فأمَّا داود : فقصرها على محل ورودها ، وأما الشافعي : فبناه على أنها رخصة ، ولا تتعدى الرخص . لكنه قد ألحق بالنخيل الكرم ، مع أنه ليس فيه حديث صحيح . فإن كان ثبت عنده به نقل فقد صح له المشي على ذلك الأصل ، وإن لم يثبت ذلك فليزمه مذهب داود . والإلحاق كما ذهب إليه مالك ، لأن الشجر كله في معنى النخل ، من حيث إنه يحتاج إلى علاج ، وعمل ، وسقي إلى انتهاء الثمرة . وهي أصول قائمة ثابتة يدوم أمرها ، وتدوم الحاجة إلى القيام عليها . ومن هنا فارقت الزرع القائم . فإن ألغينا هذا القيد ؛ جازت فيه المساقاة على ما تقدَّم . والله تعالى أعلم . وأما وقت انعقادها : فعند الشافعي ما لم تظهر الثمرة ؛ لأنها إذا ظهرت فقد ملكها رب النخل ، فإذا دفع جزأها في مقابلة العمل ؛ فقد باع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها . وعند مالك : ما لم تطب ، وإن كانت قد ظهرت . وعنه في ذلك بعد الطيب قولان . وأصله في ذلك : أن القراض ، والمساقاة ، عقدان مستثنيان من الإجارة المجهولة ، للحاجة إلى ذلك ، وللرفق الحاصل لرب المال والعامل ؛ إذ ليس كل من له مال يحسن القيام عليه ولا العمل فيه ، ثم من الناس من يحسن العمل ولا مال له . فاقتضت حكمة الشرع أن يرفق بكل واحد منهما على ما تيسر غالبًا . ولما ظهر له ذلك طرد المعنى ، فحيث دعت الحاجة إلى ذلك أعملها . وعلى هذا فتجوز المساقاة في النخل بعد الطيب . وفي الزرع إذا عجز عنه أهله . والله تعالى أعلم . و( قوله : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ) وفي لفظ آخر : ( عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع ) بإثبات لفظ : ( أو ) التي للتنويع . أو بمعنى : ( الواو ) كما قال في الرواية الأخرى : ( على نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع ) بغير ألف ، وظاهر هذا الحديث : أن أرض خيبر - أعني : بياضها - كان كثيرًا ، وأنه كان مقصودًا له صلى الله عليه وسلم ولهم ، وأنه ضم المساقاة في الأصول وكراء الأرض بما يخرج منها في عقد واحد . ويتمسَّك به من قال : يجوز كراء الأرض بجزء مما تنبت ، كما تقدم . ويتمسَّك به أيضًا من جوز أن يضم إلى المساقاة عقد غيرها . قلت : والجمهور على ترك هذا الظاهر لما تقدَّم في منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها . وإذا منع ذلك منفردًا للغرر والرِّبا ؛ كان أحرى ، وأولى أن يمنع إذا اجتمع مع غيره مما يكثر فيه الغرر ، ولما كان ذلك حمل الجمهور هذا على أحد محملين . فأمَّا مالك فقال : إن بياض خيبر كان قليلاً تابعًا للأصول بين أضعاف السواد ، فجاز ذلك فيه لتبعية الأصول ، وشرط في الجواز اتفاق البياض والأصول في الجزء . فلو اختلفا في الجزء لم يجز لزوال التبعية . وقال غيره : يجوز أن يكون الذين ساقى غير الذين زارع . وتكون مزارعته لمن زارعه منهم على الوجه الجائز فيها ، ثم إن الراوي نقل ذلك جملة ، ولم يفصل كيف وقعت المزارعة ، ولا من الذين سوقوا من الذين زورعوا ، والله تعالى أعلم . و( قوله : وكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ) يريد بقسمته بينهن ألا تطالبه واحدة منهن بنفقة تلك السنة ، وهذا - والله أعلم - كان بعد أن كان أزواجه طالبنه بالنفقة ، وأكثرن عليه ، كما تقدَّم في كتاب النكاح . ويدل هذا على أن ادخار ما يحتاج الإنسان إليه ، ويعده للحاجات المتوقعة في الاستقبال ، ليس قادحًا في التوكل ، ولا منقصًا منه . و( قوله : فلما ولي عمر قسم خيبر ) يعني : قسم سهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان له بخيبر الذي كان وقفه النبي صلى الله عليه وسلم لمؤونة عياله وعامله بعد إجلاء عمر رضي الله عنه اليهود منها . وإنما أجلى عمر بن الخطاب اليهود والنصارى من الحجاز ؛ لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم على بقائهم بالحجاز دائمًا ، بل ذلك كان موقوفًا على مشيئته ، ولما عهد النبي صلى الله عليه وسلم عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب ، وانتهت النوبة إلى عمر ، أخرجهم من الحجاز إلى تيماء ، وأريحاء ، على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى .
( 21 ) باب النهي عن ثمن الكلب ، والسنور ، وحلوان الكاهن ، وكسب الحجام ( 1567 ) [1658] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . ( 21 ) ومن باب : النهي عن ثمن الكلب ( قوله : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ) وفي الحديث الآخر : ( وثمن الكلب خبيث ) ظاهرٌ في تحريم بيع الكلاب كلها ، ولا شك في تناول هذا العموم لغير المأذون فيه منها ، لأنها إمَّا مضرّة ؛ فيحرم اقتناؤها ، فيحرم بيعها . وإما غير مضرة ، فلا منفعة فيها . وأما المأذون في اتخاذها : فهل تناولها عموم هذا النهي ، أم لا ؟ فذهب الشافعي ، والأوزاعي ، وأحمد : إلى تناوله لها . فقالوا : إن بيعها محرّم ، ويفسخ إن وقع ، ولا قيمة لما يقتل منها ، واعتضد الشافعي لذلك : بأنها نجسة عنده . ورأى أبو حنيفة : أنه لا يتناولها ؛ لأن فيها منافع مباحة يجوز اتخاذها لأجلها ، فتجوز المعاوضة عليها ، ويجوز بيعها . وجل مذهب مالك على جواز الاتخاذ ، وكراهية البيع ، ولا يفسخ إن وقع . وقد قيل عنه مثل قول الشافعي . وقال ابن القاسم : يكره للبائع ، ويجوز للمشتري للضرورة . وكأن مالكا رحمه الله في المشهور : لما لم يكن الكلب عنده نجسًا ، وكان مأذونًا في اتخاذه لمنافعه الجائزة ؛ كان حكمه حكم جميع المبيعات . لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها ؛ لأنَّه ليس من مكارم الأخلاق . فإن قيل : فقد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين ثمن الكلب ، وبين مهر البغي ، وحلوان الكاهن في النهي عنها . والمهر والحلوان محرمان بالإجماع ، فليكن ثمن الكلب كذلك . فالجواب : إنَّا كذلك نقول . لكنه محمولٌ على الكلب الغير مأذون فيه . ولئن سلمنا : أنَّه متناول للكل ، لكن هذا النهي ها هنا قصد به القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة ؛ إذ كل واحد منهما منهي عنه . ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر ، كما قد اتفق هنا فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغي ، وحلوان الكاهن بالإجماع ، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك ، لكنا لا نسلم : أنه يلزم من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه ؛ إذ قد يعطف الأمر على النهي ، والإيجاب على النفي . وإنما ذلك في محل مخصوص ، كما بيناه في أصول الفقه .
( 1569 ) [1661] وعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَالسِّنَّوْرِ ، فقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . و( قوله : زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسِّنَّور ) لفظ : ( زجر ) يشعر بتخفيف النهي عنهما ، وأنَّه ليس على التحريم كما قررناه بل على التنزه عن ثمنهما . وقد كره بيع السِّنور أبو هريرة ، ومجاهد ، وغيرهما أخذًا بظاهر هذا الحديث . واختلفوا في معنى ذلك ؛ فمنهم من علَّله : بأنه لا يثبت ، ولا يمكن انضباطه ، وهذا ليس بشيء . وهذه مناكرة للحِسِّ ، فإنها تنضبط في البيوت آمادًا طويلة ، وتسلُّمه ممكن حالة البيع ، فقد كملت شروط البيع . ثم إن شاء مشتريه ضبطه ، وإن شاء سيَّبَه . وأحسن من هذا أن بيعه ، وبيع الكلب ليس من مكارم الأخلاق ، ولا من عادة أهل الفضل . والشرع ينهى عما يناقض ذلك ، أو يباعده ، كما قلنا في طرق الفحل ، وكذلك نقول في كسب الحجَّام ؛ لأنه عمل خسيس ، لا يتعاطاه إلا أهل الخسَّة والدناءة كالعبيد ، ومن جرى مجراهم . و( مهر البغي ) هو : ما تأخذه الزانية على الزنى . والبغاء : الزنى . والبغيُّ : الزانية . ومنه قوله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ؛ أي : على الزنى . وأصل البغي : الطلب ، غير أنه أكثر ما يُستعمل في طلب الفساد وفي الزنى .
( 1568 ) ( 41 ) [1660] وعنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ . و( قوله : ثمن الكلب خبيث ، وكسب الحجَّام خبيث ) إن حملنا الكلب ها هنا على العموم كان الخبيث بمعنى المكروه تسوية بينه وبين كسب الحجَّام . وقد تبيَّن أنه مكروه ، وإن حملناه على غير المأذون في اتخاذه كان الخبيث بمعنى : الحرام . وحينئذ ينشأ البحث الذي قررناه آنفًا .
( 1568 ) ( 40 ) [1659] وعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: شَرُّ الْكَسْبِ: مَهْرُ الْبَغِيِّ ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ . و( قوله : شرُّ الكسب مهر البغيّ ، وثمن الكلب ، وكسب الحجَّام ) . ( الكسب ) في الأصل هو : مصدر . تقول : كسبت المال ، أكسبه ، كسبًا . وقد وقع في هذا بعض الحديث موضع المكسوب ، فإنه أخبر عنه بالثمن . وقد قدمنا القول في : ( شر ) و( خير ) في كتاب الصلاة . ومساق هذا الحديث يدلُّ على صحة ما قلناه ، من أنه لا تلزم المساواة في المعطوفات على ما ذكرناه في الأصول ، ألا ترى أنه شرَّك بين مهر البغي ، وثمن الكلب ، وكسب الحجام في ( شر ) ثم إن نسبة الشر لمهر البغي كنسبته إلى كسب الحجَّام ، مع أن مهر البغي حرام بالاتفاق ، وكسب الحجَّام مكروه . فقد صحَّ : أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجَّام أجره . قال ابن عبَّاس : ولو كان حرامًا لم يعطه . وقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجَّام ، فنهاه ، ثم سأله ، فنهاه ، ثم سأله فقال في الثالثة : ( اعلفه ناضحك ، وأطعمه رقيقك ) فلو كان حرامًا لما أجاز له تملكه ، ولا أن يدفع به حقًّا واجبا عليه ، وهو : نفقة الرقيق ، فيكون ( شرّ ) في كسب الحجَّام بمعنى : ترك الأولى ، والحضّ على الورع . وهذا مثل ما تقدَّم من قوله : ( شر صفوف النساء أولها ) . ويكون ( شرّ ) في مهر البغي على التحريم . وعلى هذا : فإما أن يحمل لفظ : ( شر ) في صدر الحديث على قدر مشترك بين المحرَّم والمكروه ، أو على أن اللفظ المشترك قد يراد به جميع متناولاته . وقد بيَّنَّا ذلك في أصول الفقه . وهذا كلُّه إذا تنزلنا على أن كسب الحجَّام هو ما يأخذه أجرة على نفس عمل الحجامة ، فإن حملناه على ما يكتسبه من بيع الدَّم . فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه ، فلا يبعُد أن يكونوا يشترونه للأكل ، فيكون ثمنه حرامًا . كما قد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) . وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث : ( ثمن الدَّم حرام ) . و( حلوان الكاهن ) هو : ما يأخذه على تكهنه . يقال : حلوت الرجل ، أحلوه : إذا أعطيته شيئًا يستحليه . كما يقال : عسلته ، أعسله : إذا أطعمته عسلاً . ومنه : قيل للرِّشوة ، ولما يأخذه الرَّجل من مهر ابنته حلوانًا ؛ لأنها كلَّها عطايا حلوة مستعذبة . وفيه ما يدلُّ على تحريم ما يأخذه الحسَّاب ، والمنجمون في الرمل ، والخط ، وغير ذلك ؛ لأن ذلك كلُّه تعاطي علم الغيب ، فهي في معنى الكهانة . وما يؤخذ على كل ذلك محرَّم بالإجماع على ما حكاه أبو عمر .
( 1570 ) ( 44 ) و( 1571 ) [1663] وعنه قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، وَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ أَنْ تُقْتَلَ . وفي رواية : إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ ، أَوْ مَاشِيَةٍ . فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا . ( 1572 ) [1664] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنْ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ . ( 1573 ) ( 48 و49 ) [1665] وعَنْ ابْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ . ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ . وفي رواية : وَأرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ . و( قول ابن عمر : كان لأبي هريرة زرع ) لا يفهم منه أحد من العقلاء تهمة في حق أبي هريرة . وإنما أراد ابن عمر : أن أبا هريرة لما كان صاحب زرع وكان محتاجًا لما يحفظ به زرعه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأجابه بالاستثناء ، فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر ، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا هم . وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو : الذي يسرحُ معها ، لا الذي يحفظها في الدَّار من السُّرَّاق . وكلب الزرع هو : الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار ، لا من السُّراق . وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسُّرَّاق الماشية والزرع . والكلب الضاري هو : المعلَّم للصيد ؛ الذي قد ضري به .
( 22 ) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها ( 1570 ) ( 45 ) [1662] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا ، فَلَا نَدَعُ كَلْبًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا . ( 22 ) ومن باب : ما جاء في قتل الكلاب حديث ابن عمر روي مطلقا من غير استثناء ، كما قال في رواية مالك عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب . وروي مقيَّدًا بالاستثناء المتَّصل ، كرواية عمرو بن دينار ، عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد ، أو كلب غنم ، أو ماشية . فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين على مقيَّدهما ، فإن القضية واحدة ، والرَّاوي لهما واحد . وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع ، كما بيَّنَّاه في أصول الفقه . وهذا واضح في حديث ابن عمر . وعليه : فكلب الصيد ، والماشية ، لم يتناولهما قط عموم الأمر بقتل الكلاب ، لاقتران استثنائهما من ذلك العموم . وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك ، وأصحابه ، وكثير من العلماء . فقالوا : بقتل الكلاب إلا ما استثني منها ، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا ، بل محكمًا . وأما حديث عبد الله بن مغفل : فمقتضاه غير هذا . وذلك : أنَّه قال فيه : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، ثم قال : ( ما بالهم وبال الكلاب ) . ثم رخص في كلب الصيد ، وكلب الغنم ، والزرع . ومقتضى هذا : أنَّه أمرهم بقتل جميع الكلاب من غير استثناء شيء منها ، فبادروا ، وقتلوا كل ما وجدوا منها ، ثم بعد ذلك رخص فيما ذكر . فيكون هذا الترخيص من باب النسخ ؛ لأن العموم قد استقرَّ ، وبردَ ، وعمل عليه ، فرفع الحكم عن شيء مما تناوله نسخ لا تخصيص . وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء . ونحو من حديث عبد الله بن المغفل حديث جابر بن عبد الله ، قال : قد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها ، فنقتله ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها فقال : ( عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين ؛ فإنه شيطان ) . فمقتضاه : أن الأمر كان بقتل الكلاب عامًّا لجميعها ، وأنه نسخ عن جميعها إلا الأسود . وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء . ولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عرضها على القواعد الأصولية ، فنقول : إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناء مقترن به ، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته . وأيضًا : فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدة ، والمنفعة بها عامَّة وكيدة ، فكيف يأمر بقتلها ؛ هذا بعيد من مقاصد الشرع ، فحديث ابن عمر أولى ، والله تعالى أعلم . قلت : والحاصل من هذه الأحاديث : أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين ، فإن كثر ضررها وغلب ، كان ذلك الأمر على الوجوب ، وإن قل وندر ، فأي كلب أضرَّ وجب قتله ، وما عداه جائز قتله ؛ لأنه سبع لا منفعة فيه ، وأقل درجاته توقع الترويع ، وأنه يُنقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين . فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي : فقتله مندوب إليه . وأما الكلب الأسود ذو النقطتين : فلا بُدَّ من قتله للحديث المتقدِّم ، وقل ما ينتفع بمثل تلك الصفة ؛ لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض ، لا نفع فيه ، وإن كان على التشبيه به ، فإنما شبه به للمفسدة الحاصلة منه . فكيف يكون فيه منفعة؟! ولو قدرنا فيه : أنه ضار ، أو للماشية ، لقتل ؛ لنصّ النبي صلى الله عليه وسلم على قتله .
( 1574 ) ( 51 ) [1666] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صيد أَوْ مَاشِيَةٍ ، نَقَصَ مِنْ أجرهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ . ( 1575 ) ( 60 ) [1667] وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا غَنَمٍ ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ . و( قوله : من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ) وفي أخرى : ( من عمله كل يوم قيراط ) . اقتنى ، واتَّخذ ، واكتسب : كلها بمعنى واحد . واختلف في معنى قوله : ( نقص من عمله كل يوم قيراطان ) وأقرب ما قيل في ذلك قولان : أحدهما : أن جميع ما عمله من عمل ينقص ؛ لمن اتخذ ما نُهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يُمسكه فيه جزآن من أجزاء ذلك العمل . وقيل : من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه ، وذلك لترويع الكلب للمسلمين ، وتشويشه عليهم بنباحه ، ومنع الملائكة من دخول البيت . ولنجاسته على ما يراه الشافعي . الثاني : أن يَحْبِط من عمله كله عملان ، أو من عمل يوم إمساكه -على ما تقدم - عقوبة له على ما اقتحم من النهي ، والله تعالى أعلم . والقيراط : مثل لمقدار الله أعلم به ، وإن كان قد جرى العرف في بلاد يعرف فيها القيراط ، فإنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا . ولم يكن هذا اللفظ غالبًا عند العرب ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( تفتح عليكم أرض يذكر فيها القيراط ، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا ) يعني بذلك مصر ، والله أعلم . وجاء في إحدى الروايتين : ( قيراطان ) . وفي أخرى : ( قيراط ) . وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب . أحدهما أشدُّ أذى من الآخر ، كالأسود المتقدم الذكر . ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف المواضع ، فيكون ممسكه بالمدينة مثلاً ، أو بمكة ينقصه قيراطان ، وبغيرهما قيراط ، والله تعالى أعلم .
( 15 ) باب في فضل من غرس غرسًا ( 1552 ) ( 7 ) [1640] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً ، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ، وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَةٌ . ( 15 ) ومن باب : فضل من غرس غرسًا ( قوله : ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة ) الحديث ؛ إنما خصَّ المسلم بالذكر لأنه ينوي عند الغرس غالبًا أن يتقوَّى بثمرة ذلك الغرس المسلمون على عبادة الله تعالى ، ولأن المسلم هو الذي يحصل له ثواب . وأما الكافر فلا يحصل له بما يفعله من الخيرات ثواب ، وغايته أن يُخَفَّف العذاب عنه ، وقد يطعم في الدنيا ، ويعطى بذلك ؛ كما تقدَّم في كتاب الإيمان . ويعني بـ ( الصدقة ) هنا : ثواب صدقة مضاعفًا ، كما قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ الآية . وفيه دليل : على أن الغراس ، واتخاذ الضياع مباح ، وغير قادح في الزهد ، وقد فعله كثير من الصحابة . وقد ذهب قوم من المتزهدة : إلى أن ذلك مكروه وقادح . ولعلّهم تمسكوا في ذلك بما قد خرَّجه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تتخذوا الضيعة ، فتركنوا إلى الدنيا ) من حديث ابن مسعود ، وقال فيه : حديث حسن . والجواب : أن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون للدنيا . فأما إذا اتخذها غير مستكثر ، وقلل منها ، وكانت له كفافًا وعفافًا فهي مباحة ، غير قادحة في الزهد ، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إلا من أخذه بحقه ، ووضعه في حقه ) فأمَّا لو غرس ، واتخذ الضيعة ناويًا بذلك معونة المسلمين ، وثواب ما يؤكل ويتلف له منها ، ويفعل بذلك معروفًا ، فذلك من أفضل الأعمال ، وأكرم الأحوال ، ولا بُعْد في أن يقال : إن أَجْرَ ذلك يعود عليه أبدًا دائمًا ، وإن مات وانتقلت إلى غيره . ولولا الإكثار لذكرنا فيمن اتخذ الضياع من الفضلاء ، والصحابة جملة من صحيح الأخبار . و( قوله : ولا يرزؤه أحد ) أي : لا ينقصه . يقال : ما رزأته زِبَالاً ؛ أي : ما نقصته . والزبال : ما تحمله النملة في فيها .
( 1552 ) ( 8 و9 ) [1641] وعنه : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي نَخْلٍ لَهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ . فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ . فَقَالَ: لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا ، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا ، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ . وفي رواية : وَلَا طَيْرٌ وَلَا شَيْءٌ ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ . وفي رواية : إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ . و ( قوله : دخل على أمِّ مبشِّر ) هذا أصحّ الروايات الواقعة في كتاب مسلم . وقد روي فيه : أمُّ مِعْبَد . وقد روي : أمُّ معبد ، أو أم مُبشر على الشك ، وقد روي : عن أم بشر . وقد روي عن امرأة زيد بن حارثة . قال أبو علي الجياني : إن الصواب : أم مبشر . قال : وكذا في ديوان الليث بن سعد . قال : وقال لي أبو عمر : أم مبشر الأنصارية بنت البراء بن معرور ، وزوج زيد بن حارثة . ويقال لها : أم مبشر قال : واسمها فيما قيل : خليدة . ولم يصح .
( 1512 ) [1595] وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَلِبْسَتَيْنِ: نَهَانا عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ . وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ ، وَلَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ ، وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا ، عنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ . و( قوله : ويكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراض ) يعني : أنه كان يجب البيع بنفس اللمس والنبذ ، ولا يبقى لواحد منهما خيرةٌ في حلّه . وبهذا تحصل المفسدة العظيمة ؛ إذ لا يدري أحدهما ما حصل له ، فيعم الخطر ، ويكثر القمار والضرر .
( 1513 ) [1596] وعنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . و( بيع الحصاة ) اختلف فيه على أقوال : أولها : أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة . وثانيها : أيُّ ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع . وثالثها : أن يقبض على الحصى ، فيقول : ما خرج كان لي بعدده دراهم أو دنانير . ورابعها : أيُّ زمان وقعت الحصاة من يده وجب البيع . فهذا إيقاف لزوم على زمن مجهول . وهذه كلها فاسدة لما تضمنته من الخطر ، والجهل ، وأكل المال بالباطل . و( بيع الغرر ) : هو البيع المشتمل على غرر مقصود ، كبيع الأجنَّة ، والسمك في الماء ، والطير في الهواء ، وما أشبه ذلك . فأمَّا الغرر اليسير الذي ليس بمقصود فلم يتناوله هذا النَّهي ؛ لإجماع المسلمين على جواز إجارة العبد والدار مشاهرة ومساناةً ، مع جواز الموت وهدم الدار قبل ذلك ، وعلى جواز إجارة الدَّخول في الحمَّام ، مع تفاوت الناس فيما يتناولون من الماء ، وفي قدر المقام فيه ، وكذلك الشرب من السقاء مع اختلاف أحوال الناس في قدر المشروب . وأيضًا : فإن كل بيع لا بدَّ فيه من نوع من الغرر ، لكنَّه لما كان يسيرًا غير مقصود لم يلتفت الشرع إليه . ولما انقسم الغرر على هذين الضربين فما تبين أنه من الضرب الأول منع . وما كان من الضرب الثاني أجُيز . وما أشكل أمره ، اختلف فيه ، من أي القسمين هو ، فيلحق به .
( 1514 ) ( 6 ) [1597] وعن ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ . وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ: أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ، ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . و( الجزور ) : ما يجزر من الإبل . والجزرة : من غيرها . و( حبل الحبلة ) بفتح الباء فيهما ، وهو الصحيح في الرواية واللغة . والحبل : مصدر حبلت المرأة - بكسر الباء - تحبل - بفتحها - : إذا حملت . والحبلة : جمع حابلة . وأصل الحبل في بنات آدم ، والحمل في غيرهن . قاله أبو عبيد . وقد فسَّره ابن عمر في الحديث . وإلى تفسيره ذهب مالك ، والشافعي . قال المبرِّد : حبل الحبلة عندي : حمل الكرمة قبل أن تبلغ . والحبْلَة : الكرمة -بسكون الباء وفتحها وقال ابن الأنباري : والهاء في ( حبلة ) للمبالغة ، كقولهم : سُخَرة . قلت : وهذه البيوع كانت بيوعًا في الجاهلية نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها ، لما فيها من الجهل والغرر ، والقمار والخطر ، وكلها تؤدي إلى أكل المال بالباطل ، فمتى وقع شيء منها فهو فاسد ، لا يصح بوجه ، ولا خلاف أعلمه في ذلك . و( اللِّبستان )- بكسر اللام - : تثنية لبسة ، وهي : هيئة اللباس . ويعني بهما : الاحتباء في ثوب واحد ، وليس على فرجه شيء ، واشتمال الصماء . وسيأتي لهما مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
( 18 ) كتاب البيوع ( 1 ) باب النهي عن الملامسة ، والمنابذة ، وبيع الحصاة ، والغرر ( 1511 ) ( 2 ) [1594] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ، أَمَّا الْمُلَامَسَةُ: فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ . ( 18 ) ومن كتاب البيوع البيعُ في اللغة مصدر : باع كذا بكذا ؛ أي : دفع معوضًا ، وأخذ عوضا منه . وهو يقتضي بائعًا ، وهو المالك ، أو من يتنزل منزلته ، ومبتاعًا ، وهو الذي يبذل الثمن ، ومبيعًا ، وهو المثمون ، وهو الذي يبذل في مقابلة الثمن . وعلى هذا فأركان البيع أربعة : البائع ، والمبتاع ، والثمن ، والمثمَّن ، وكل واحد من هذه يتعلَّق النظر فيها بشروط ومسائل ستراها إن شاء الله تعالى . والمعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه ، فإن كان أحد العوضين في مقابلة الرّقبة سُمي : بيعًا . وإن كان في مقابلة منفعة رقبة ؛ فإن كانت منفعة بضع سُمِّي : نكاحًا . وإن كانت منفعة غيرها سُمِّي : إجارة . ( 1 ) ومن باب : النهي عن بيع الملامسة والمنابذة وبيع الغرر ( الملامسة ) : مفاعلة ، وأصلها لا يكون إلا بين اثنين . وأصلها من لمس الشيء باليد . و( المنابذة ) : مأخوذة من النبذ . وهو الرَّمي . وقد جاء تفسيرهما في الحديث .
( 1543 ) ( 95 و 96 ) [1630] وعنه قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَأْخُذُ الْأَرْضَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ بِالْمَاذِيَانَاتِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ . وذكر نحو ما تقدم . وفي أخرى : قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنُصِيبُ مِنْ الْقِصْرِيِّ وَمِنْ كَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ . وذكر نحوه . و( قوله : كنا نأخذ الأرض بالثلث والربع في الماذيانات ) الماذيانات معروفة - بكسر الذال وقد فتحت وليست عربية ، ولكنها سوادية . قاله الإمام . وهي : مسايل الماء . والمراد بها ها هنا : ما ينبت على شطوط الجداول ، ومسايل الماء . وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب . و( أقبال الجداول )- بفتح الهمزة - : أوائلها . و( الجداول ) : السواقي . ويسمى الجدول : الربيع . ويجمع : ربعان . وقال الخليل : الأربعاء : الجداول . جمع ربيع . ومعنى هذا : أن صاحب الأرض كان يؤاجر أرضه بالثلث ، أو بالربع ، وبأن يكون له ما يزرع على جوانب الأنهار والجداول ، وعلى أفواهها ، وكان منهم من يؤاجر أرضه بالماذيانات خاصة ، كما قال في الرواية الأخرى . وفي هذا الحديث حجة للجمهور وأئمة الفتوى : مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة . وهو مذهب ابن عباس ، وابن عمر ، ورافع بن خديج على منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها على من أجاز ذلك ؛ وهم : الليث بن سعد ، وابن أبي ليلى ، وسفيان الثوري ، والحسن بن حي ، والأوزاعي . وهو مذهب علي وعمار ، وابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص . ووجه الاستدلال بذلك : أن هذه كانت مزارعاتهم ، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك نهى عنها ، وبين ما يجوز فعله في الأرض ، وهو : أن يزرعها بنفسه ، أو يزرعها غيره ، أو يكريها بشيء معلوم مضمون ، كما قد بيناه ، ولأن ذلك هي المخابرة المنهي عنها ، كما تقدَّم ، ولما فيه من الجهالة ، والغرر ، والخطر ، بل قد جاءت نصوص في كتاب أبي داود بتحريم ذلك : فمنها : ما رواه عن زيد بن ثابت قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة . فقيل له : وما المخابرة ؟ قال : أن تأخذ الأرض بنصف ، أو ثلث ، أو ربع . وهذا نصٌّ من تفسير الصحابي ، وهو أعلم بالحال ، وأقعد بالمقال . وقد روي أيضًا من حديث جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله ) . ( القِصْري )- بكسر القاف والراء ، وسكون الضاد - : هو الرواية الصحيحة ؛ وهو ما يبقى من الحبوب في سنبله بعد الدَّرس . وهي لغة شامية . قاله ابن دريد . وقد قيده بعضهم بفتح القاف مقصورًا ، وبعضهم بضمها مقصورًا .
( 1547 ) ( 108 و109 ) [1631] وعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهْيٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا بَعْدُ قَالَ: زَعَمَ ابْنُ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا . قال مُجَاهِدٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ مَنَعَنَا رَافِعٌ نَفْعَ أَرْضِنَا . ( 1548 ) ( 113 ) [1632] وعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى ، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مَنْ عُمُومَتِي فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا ، فَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ الْأَرْضَ فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى ، وَأَمَرَ رَبَّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يُزْرِعَهَا ، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ . ( 1548 ) ( 115 ) [1633] وعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ قَالَ: فَقُلْتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ . ( 1548 ) ( 116 ) [1634] وعنه قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ والأنهار ، وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا ، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا ، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا ، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ . و( قول ابن عمر : ( كنا نكري الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمارة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وصدرًا من خلافة معاوية ) يدل على أن ذلك كان أمرًا معمولاً به ، مشهورًا . وهو محمول على أنهم كانوا يكرونها بشيء معلوم ، مضمون . وأمَّا بالجزء مما يخرج منها فلا ، لما تقدَّم ، ثم إن ابن عمر ترك ذلك لما بلغه حديث رافع ترك ورع وتقية ، لا أنه جزم بالتحريم . ويظهر من قوله التوقف في حديث رافع بن خديج ، لكنه غلب حكم الورع ، فعمل على عادته ـ رضي الله عنه ـ . وأما سكوت ابن عمر عن مدَّة إمارة عليٍّ ، فلم يذكرها - والله أعلم - ؛ لأن ابن عمر لم يتفرغ فيها لكراء الأرض ، ولا للبحث عنها لما كان في تلك المدَّة من الحروب والفتن ، ولفراره عنها ، والله تعالى أعلم . وعلى الجملة حديث رافع بن خديج مضطرب غاية الاضطراب ، كما قد وقع في الأصل وفي غيره من كتب الحديث . فينبغي ألا يعتمد عليه ، ويتمسك في جواز كرائها بشيء معلوم بالقياس الذي ذكرناه ، غير أنه لا تكرى بطعام مخافة طعام بطعام ، فإنها ريبة . وقد أمر عمر ـ رضي الله عنه ـ بتركها . والرِّبا أحق ما حُمِيت مراتعه ، وسُدَّت ذرائعه ، أو يسلك في الامتناع من ذلك طريقة الورع ، كما سلكها ابن عمر ، وهي الأسلم ، والله تعالى أعلم .
( 12 ) باب ما جاء في كراء الأرض ( 1547 ) ( 111 ) [1628] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ . ( 1536 ) ( 89 و92 ) [1629] وعنه قال : كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ . وفي أخرى : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ ، وَلَا يُكْرِهَا . ( 12 و13 ) ومن باب : كراء الأرض نَهْيُه صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض و( قوله : من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ، ولا يُكْرِها ) حجة لمن منع كراء الأرض مطلقا ، وحرَّمه ؛ وهم : رافع بن خديج ، وابن عمر - فيما رجع إليه وطاوس اليماني ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، والحسن البصري . وخالفهم في ذلك الجمهور . ثم هم فريقان : الأول : أجاز كراءها بكلِّ ما يجوز أن يكون ثمنًا في البياعات من العروض ، والذهب ، والفضة ، والأطعمة المضمونة . وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، والثوري ، متمسكين بقوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ والإجارة بيعٌ ، وبقول رافع : أما بالذهب والفضة فلا بأس . وفي طريق آخر : أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به ، وبقياس إجارة الأرض على العقار ، وهو من أقوى أنواع القياس ، لأنه في معنى الأصل . واعتذر هؤلاء عن أحاديث النَّهي بوجهين : أما أبو حنيفة : فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد . وأما الشافعي ومن قال بقوله : فيمكن أن يقال : حملوا مطلق تلك النواهي على مقيدها ، ورأوا : أن محل النهي إنما هو ما لم يكن مضمونًا ، ولا معلومًا . ويمكن أن يقال : إنهم صرفوا ظاهر النهي إلى التنزه عن ترك الأولى والأحسن ، كما فهمه ابن عباس حيث قال : لم ينه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال : ( يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خرَجًا معلومًا ) وفي اللفظ الآخر : ( لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه كذا وكذا - لشيء معلوم - ) . وقوله : ( لم ينه ) أي : لم ينه عنه نهي تحريم ، بل نهي تنزيه ، على ما تقرر . الفريق الثاني : هو مالك وأصحابه . فالمشهور من مذهبه : أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان ؛ مما تُنبته ، أو مما لا تنبته ؛ كالعسل واللبن وغيرهما ، ولا بشيء مما تنبته ما عدا القصب والخشب . وقال ابن كنانة : لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بغير ذلك . وبه قال يحيى بن يحيى ، وقال : إنه من قول مالك . وقال ابن نافع : تكرى بجميع الأشياء كلها ؛ ما أكل منها وما لم يؤكل ؛ خرج منها ، أو لم يخرج ؛ إذا كان ما تكرى به بخلاف ما يزرع فيها ، وكأن مالكا رحمه الله جمع بين الأدلة ، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت . وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك ، وفهم : أن علة المنع : الرِّبا . وذلك : أن الأرض تكرى ليخرج منها الطعام ، فجعل لها حكم الطعام ، فلا يجوز أن تكرى بطعام ؛ لأنه يضارع طعامًا بطعام إلى أجل . وقد شهد بصحة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج ؛ فيما خرَّجه أبو داود : أنه زرع أرضًا فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسقيها ، فسأله : ( لمن الزرع ؟ ولمن الأرض ؟ ) فقال : زرعي بيدي وعملي ، لي الشطر ، ولبني فلان الشطر . فقال : ( أربيتما ، فرُدَّ الأرض إلى أهلها ، وخذ نفقتك ) . وهذا صريح : في أن ذلك من باب الربا وجهته . وهذا في الطعام واضح . وأما فيما ليس بطعام مما تنبته فسدٌ للذريعة على أصله ، والله تعالى أعلم . وهذا القدر كاف . وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنا .
( 1555 ) [1644] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ . قَالُوا: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: تَحْمَرُّ . وفي رواية : وَتَصْفَرُّ ، وَقَالَ: إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ ( 1555 ) ( 16 ) [1645] وعنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ و( قوله : إذا منع الله الثمرة ) أي : إذا منع تكاملها ، وطيبها . لأن الثمرة قد كانت موجودة مزهية حين البيع ، كما قال في الرواية الأخرى : ( إن لم يثمرها الله ) أي : لم يكمل ثمرتها . وقد تقدَّم القول في أصل الجائحة في كتاب الزكاة . واختلف أصحابنا في حدِّها . فروي عن ابن القاسم : أنها ما لا يمكن دفعه . وعلى هذا الخلاف فلا يكون السارق جائحة . وكذا في كتاب محمد . وفي الكتاب : إنه جائحة . وقال مُطرِّف وابن الماجشون : الجائحة : ما أصاب الثمرة من السماء من عَفَنٍ ، أو برد ، أو عطش ، أو حرٍّ ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ . والجيش ليس بجائحة . وفي رواية ابن القاسم : إنه جائحة .
( 16 ) باب في وضع الجائحة ( 1554 ) [1642] عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ( 1554 ) ( 17 ) [1643] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ . ( 16 ) ومن باب : وضع الجوائح ( قوله : لو بعت من أخيك ثمرًا ، فأصابته جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ) دليل واضح على وجوب إسقاط ما أُجيج من الثمرة عن المشتري . ولا يلتفت إلى قول من قال : إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ثبت من قول أنس ؛ لأن ذلك ليس بصحيح ؛ بل الصحيح : رَفْعُ ذلك من حديث جابر وأنس . على ما ذكرناه في الأصل ، واعتضد ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح . وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أحدها : لا يوضع منها شيء عن المشتري ؛ لأنها كلها في ضمانه بالشراء . وبه قال الشافعي في الجديد . وثانيها : أنها توضع عنه ، قليلها ، وكثيرها . وبه قال أحمد بن حنبل ، وأبو عبيد القاسم بن سلام . وبه قال الشافعي في القديم . وثالثها : الفرق بين أن تأتي الجائحة على الثلث فأكثر ، فتوضع عن المشتري ، أو على أقل من الثلث ، فلا توضع ، وتكون منه ، وهو قول مالك وأصحابه . حجة القول الأول : حديث أبي سعيد الخدري ؛ الذي قال فيه : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها ، فكثر دينه ، فتصدَّق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه : ( خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك ) . وهذا واضح في أنه أُجيحت الثمرة ، ولم يوضع منها شيء عن المشتري ، ويعضد هذا : بأنه قد أقبضه ؛ إذ قد خلَّى بينه وبينها . وذلك هو قبضها ، فإن قبض كل شيء بحسبه . وقد انفصل أصحابنا عن هذا الحديث : بأن الأحاديث المتقدِّمة أولى لوجهين : أحدهما : أنها ذكرت لبيان القاعدة وحكمها . وهذا الحديث واقعة معينة . فالأول أولى . وثانيهما : أنه يحتمل أن يكون اشترى تلك الثمرة بعد تناهي طيبها ، وإذ ذاك لا تحتاج إلى تبقية ، ولا إلى سَقي ، فيكون ضمانها من المشتري على كل حال . حجة القول الثاني : ما تقدَّم من الحديث . ويعضد ذلك : بأنها بقي فيها حق توفية . فكأنها لم تقبض . وذلك : أنها محتاجة إلى بقائها إلى تكامل طيبها على أصولها ؛ إذ بقي على البائع سقيها إلى انتهائها ، فكان ذلك كالتوفية بالكيل والوزن . فما بيع من ذلك فهلك قبل كيله ووزنه ، فمصيبته من بائعه قولاً واحدًا . وأما تفريق مالك بين القليل والكثير فوجهه : أن القليل معلوم الوقوع ، بحكم العادة ؛ إذ لا بدَّ من سقوط شيء منه ، وعفنه ، وتتريبه . فكأن المشتري دخل عليه ، ورضي به ، وليس كذلك الكثير . فإنه لم يدخل عليه . فلما افترق الحال في العادة فينبغي أن يفترق في الحكم . وإذا لم يكن بُدٌّ من فرق بينهما ، فالقليل ما دون الثلث . والكثير : الثلث فما زاد ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الثلث ، والثلث كثير ، أو كبير ) . ثم هل يعتبر ثلث مكيله الثمرة ، أو ثلث الثمن ؟ قولان : الأول لابن القاسم . والثاني لأشهب . وقد اعتذر لأبي حنيفة رحمه الله تعالى عن الأمر بوضع الجوائح : بأن ذلك إنما كان في حق من باع الثمرة قبل بدوِّ الصلاح ، كما كانوا يفعلون قبل النهي عن ذلك . وأجيب بأن ذلك تخصيص لا دليل عليه . فإن الأمر بوضع الجوائح عام . وأيضًا : فقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو بعت من أخيك ثمرًا ) يدل على البيع الشرعي ، لا الممنوع . فكيف يذكر البيع الفاسد ، ولا ينهى عنه ، ولا يبين فساده ، ثم يعدل عنه في إبطاله إلى أمر خارج عنه ؛ فظاهر هذا الحديث : أن هذا البيع وقع صحيحًا . وذلك لا يكون إلا بعد الزهو ، ثم طرأت الجائحة . فعلل منع حِلِّيَةِ المال بها . وحاصل ما ذكرنا : أن الأمر بوضع الجائحة يتضمن صحة بيع ما توضع فيه الجائحة لا إفساده . وهذا واضح لمن تأمَّله .
( 1539 ) ( 59 ) [1620] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمزابنة ، وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمزابنة: أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ ، وَاسْتِكْرَار الْأَرْضِ بِالْقَمْحِ . قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَلَا تَبْتَاعُوا التَّمَرَ بِالتَّمْرِ . وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أرَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ التَّمْرِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ . ( 1530 ) [1621] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ . و( المحاقلة ) مفاعلة من الحقل ، وهي : المزارعة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار : ( ما تصنعون بمحاقلكم ؟ ) يعني : مزارعهم . وفي مثل العرب : لا تنبت البقلة إلا الحقلة . وهي التي تسمى في العراق : القراح . وقال الليث : هي بيع الزرع قبل أن يغلظ . وقال أبو عبيد : هي بيع الطعام في سنبله بالبر . وقال قوم : هي المزارعة بالجزء مما تنبته الأرض . وسيأتي القول في كراء الأرض .
( 8 ) باب النَّهي عن المزابنة ( 1542 ) ( 74 و75 ) [1619] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمزابنة ، وَالْمزابنة: بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا ، وَعَنْ كُلِّ تَمَرٍ بِخَرْصِهِ . وفي رواية : وَالْمزابنة: أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى ، إِنْ زَادَ فَلِي ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ . ( 8 ) ومن باب : النَّهي عن المزابنة ووزنها : مفاعلة ، ولا تكون إلا بين اثنين . وأصلها في اللغة : الدفع الشديد . ومنه وصفت الحرب بـ ( الزَّبون ) لشدة الدفع فيها . وبه سُمِّي الشُّرطي : زِبنيًا ؛ لأنه يدفع الناس بعنف وشدة . ومنه : زَبْنُ النَّاقة الإناء عند الحلب . ولما كان كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المبايعة عن حقه سميت بذلك . هذا معنى المزابنة لغة . وأمَّا معناها في الشرع : فقد جاء تفسيرها في هذه الأحاديث بألفاظ مختلفة ، كما وقع في الأصل . حاصلها عند الشافعي : بيع مجهول بمجهول ، أو بمعلوم من جنس يحرم الرِّبا في نقده . وخالفه مالك في هذا القيد ، فقال : سواء كان مما يحرم الرِّبا في نقده ، أو لا ، مطعومًا ، أو غير مطعوم . و( قوله في المزابنة : هي بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً ، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً ؛ يعني : أن يكون أحدهما بالكيل والآخر بالجزاف ، للجهل بالمقدار في الجنس ، فيدخله الخطر . وإذا كان هذا ممنوعا للجهل من جهة واحدة ، فالجهل من جهتين ؟ كجزاف بجزاف أدخل في المنع ، وأولى . وهذا الحديث يشهد للشافعي على تفسيره للمزابنة ، فإنه ما ذكر في الحديث الأول إلا النخل ، والعنب . وكلاهما يحرم الرِّبا في نقده ، وألحق بهما ما في معناهما . وأما مالك ففهم أن المنع فيها إنما كان من حيث الغرر اللاحق في الجنس الواحد ، فعداه لكل جنس وجد فيه ذلك المعنى . والله تعالى أعلم .
( 1564 ) [1654] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . و( قوله : مطل الغني ظلم ) المطل : منع قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن من ذلك ، وطلب المستحق حقه . وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر : ( لَيّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ) أي : مطل الموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ظلم للمستحق ، يبيح من عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ، ويحبس حقوقهم . ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك . حُكي معناه عن سفيان . و( الظلم ) : وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة . وهو في الشرع محرَّم مذموم . ووجهه هنا : أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل ، فحاق به الذم والعقاب . والغني الذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه الحق ؛ بدليل قوله : ( لي الواجد ) وهو الظاهر من الحديث والمراد منه ، ولا يلتفت لقول من قال : إنه صاحب الحق ، لبعد المعنى ، وعدم ما يدل عليه . و( قوله : وإذا أُتْبِعَ أحدكم على مليء فليتبع ) أُتبع -بضم الهمزة ، وتخفيف التاء ، وكسر الباء - مبنيًّا لما لم يُسم فاعله عند الجميع . فأما : ( فليتبع ) فبعضهم قَيَّده بتشديد التاء ، وكذلك قيَّدته على من يوثق به . وقد روي بتخفيفها . وهو الأجود ؛ لأن العرب تقول : تبعت الرَّجل بحِّقي ، أتبعه ، تباعة : إذا طلبته به ، فأنا له تبيع -كل ذلك بالتخفيف ومنه قوله تعالى : ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ، ومعناه : إذا أحيل أحدكم فليحتل . وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب ؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر . وقد حمله داود على الوجوب تمسَّكًا بظاهر الأمر . وهذا ليس بصحيح ؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال . وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره ، فكذلك الذمم . وأيضًا : فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر ، وتنفيسٌ عنه ، فلا يجب ، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق . وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها : تحويل الدَّين من ذمَّة إلى ذمَّة . وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين لما فيها من الرِّفق ، والمعروف . ولها شروط : فمنها : أن تكون بدين ، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة ، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك ، وإنما تكون حمالة . ومنها : رضا المحيل والمحال دون المحال عليه . وهو قول الجمهور ، خلافًا للإصطخري ، فإنَّه اعتبره . وإطلاق الحديث حجة عليه . وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه . وهذا من باب دفع الضرر . ومنها : أن يكون الدين المحال به حالاًّ ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مطل الغني ظلم ) . ولا يصح المطل ، ولا يصدق الظلم إلا في حق من وجب عليه الأداء ، فيمطل . ثم قال بعده : ( فإذا أتبع أحدكم فليتبع ) فأفاد ذلك : أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالاًّ ؛ لأنه إن لم يكن حالاًّ كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدينين . ومنها : أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به ؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة ، والمكايسة ، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه . فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه . فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل ، وإن أفلس المحال عليه ، أو مات . وهذا قول الجمهور . وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه ، إن تعذر أخذه الدين من المحال عليه . والأول الصحيح ؛ لأن الحوالة عقد معاوضة ، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم ، كسائر عقود المعاوضات ؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة ، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر ، ولا عقد ، فلا شغل . غير أن مالكا قال : إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل . وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه ؛ لوضوحه .
( 1561 ) [1652] وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ ، وَكَانَ مُوسِرًا ، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُعْسِرِ . قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ . ( 1563 ) [1653] وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّه طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ ، قَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: أللَّهِ . قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ . و( قوله : حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له شيء من الخير ) هذا العموم مخصَّص قطعًا بأنه كان مؤمنًا ، ولولا ذلك لما تجاوز عنه ، فـ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ وهل كان قائمًا بفرائض دينه من الصلاة ، والزكاة ، وما أشبهها ؛ هذا هو الأليق بحاله . فإن هذا الحديث يشهد بأنه كان ممَّن وُقي شح نفسه . وعلى هذا : فيكون معنى هذا العموم : أنه لم يوجد له شيء من النوافل إلا هذا . ويحتمل أن يكون له نوافل أخر ، غير أن هذا كان الأغلب عليه ، فنودي به ، وجوزي عليه ، ولم يذكر غيره اكتفاءً بهذا ، والله تعالى أعلم . ويحتمل أن يكون المراد بالخير : المال ، فيكون معناه : أنه لم يوجد له فِعل برّ في المال إلا ما ذكر من إنظار المعسر ، والله تعالى أعلم . والتنفيس عن المعسر : تأخيره إلى الإمكان . والوضع : الإسقاط . و( قوله : كان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر ) دليل على جواز إذن السيد لعبده في التجارة . وفي "الأم" : ( أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ ، وأَتجاوزُ عن المعسر ) رواية الجماعة : أقبل - بالهمزة المفتوحة ، وبالقاف ساكنة ، وبالباء بواحدة تحتها مفتوحة - من القبول . والميسور : الْمُتَيسَّر . ووقع لبعضهم : بضم الهمزة ، وكسر القاف ، وياء باثنتين تحتها ، من الإقالة ، وفيه بُعْدٌ ؛ لأنه لا يستقيم المعنى حتى يكون الميسور بمعنى الموسر . ولا يعطيه قانون التصريف ، ولا يعضده نقل . والكرب : جمع كُرْبَة ، وهي : الشدَّة ، والفاقة . وكُرَب الآخرة : شدائدها ، وأهوالها .
( 19 ) باب في إنظار الْمُعْسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم ، والحوالة ( 1560 ) ( 29 ) [1651] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أُتِيَ اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ ، آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا قَالَ: يَا رَبِّ ، آتَيْتَنِي مَالَكَ فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ ، فَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ ، وَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ . فَقَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى : أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 19 ) ومن باب : إنظار الْمُعْسِر والتجاوز عنه الإنظار : التأخير . والمعسر هنا : هو الذي يتعذَّر عليه الأداء في وقت دون وقت . فندب الشرع إلى تأخيره إلى الوقت الذي يمكنُ له ما يؤدي . وأما الْمُعْسِر بالإفلاس : فتحرم مطالبته إلى أن يتبين يساره . والمال : كل ما يتموَّل ، أو يُتملَّك من عين ، وعَرَض ، وحيوان ، وغير ذلك . ثم قد يخصُّه أهلُ كل مال بما يكون غالب أموالهم . فيقول أصحاب الإبل : المال : الإبل . وأصحاب النخل : النخل . وهكذا . و( قوله : ولا يكتمون الله حديثًا ) أي : لا يستطيع أحد أن يكتم يوم القيامة شيئًا من أعماله . فإن كتم شهدت عليه جوارحه كما يأتي . و( قوله : وكان من خلقي الجواز ) أي : التجاوز عن حقوقه ، فأمَّا من حلول الأجل فيؤخره ، وأما من استيفاء الحق فيسقط بعضه ، أو يسامح في الزّيف . و( قول الله تعالى : ( أنا أحق بذلك ) صدقٌ ، وحقٌ ؛ لأنه تعالى متفضل ببذل ما لا يستحق عليه ، ومسقط بعفوه عن عبده ما يجب له من الحقوق عليه . ثم يتلافاه برحمته ، فيكرمه ، ويقرِّبه منه ، وإليه . فله الحمد كِفَاءَ إنعامه ، وله الشكر على إحسانه .
( 1601 ) [1693] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ، فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالَا . فَقَالَ لَهُمْ: اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ . فَقَالَوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ؟ قَالَ: فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً . و( قوله : كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين ، فأغلظ له ) هذا الرجل كان من اليهود ، فإنهم كانوا أكثر من يعامل بالدَّين . وحكي : أن القول الذي قاله ، إنما هو : إنكم يا بني عبد المطلب مُطل . وكذب اليهودي ؛ لم يكن هذا معروفًا من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أعمامه . بل المعروف منهم : الكرم ، والوفاء ، والسَّخاء . وبعيد أن يكون هذا القائل مسلمًا ؛ إذ مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أذى للنبي صلى الله عليه وسلم وأذاه كفر . و( قوله : فهمَّ به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : بأخذه لِيُقام عليه الحكم . و( قوله لأصحابه : دعوه ) دليل : على حسن خلقه ، وحلمه ، وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام . و( قوله صلى الله عليه وسلم : إن لصاحب الحق مقالا ) يعني به : صولة الطلب ، وقوَّة الحجة ، لكن على من يمطل ، أو يسيء المعاملة . وأما من أنصف من نفسه : فبذل ما عنده ، واعتذر عما ليس عنده ، فيقبل عذره ، ولا تجوز الاستطالة عليه ، ولا كهره . و( قوله : اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه ) دليلٌ على أن هذا الحديث قضية أخرى غير قضية حديث أبي رافع . فإن ذلك الحديث يقتضي : أنه أعطاه من إبل الصدقة ، وهذا اشتري له . وفيه دليل : على صحة الوكالة في القضاء . وفيه : جواز الزيادة فيه . وقد تقدَّم تفصيله ، وذكر الخلاف فيه . و( قوله : خيركم أحسنكم قضاء ) هذا هو اللفظ الفصيح الحسن . وقد روي : ( أحاسنكم ) وهو جمع : أحسن . ذهبوا به مذهب الأسماء ، كأحمد ، وأحامد . وقد وقع في "الأم" في بعض طرقه : ( محاسنكم ) بالميم ، وكأنَّه جمع : مَحْسِن ، كمطلِع ومطالع . وفيه بُعْد . وأحسنُها الأول ، والله تعالى أعلم .
( 1602 ) [1694] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِعْنِيهِ . فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟ . و( قوله : جاء عبدٌ فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ، ولم يشعر : أنَّه عبد ) فيه دليل : على أن الأصل في الناس الحرِّية ، ولذلك لم يسأله ؛ إذ حمله على ذلك الأصل ، حيث لم يظهر له ما يخرجه عن ذلك . ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيَّن أن يسأله . وهذا أصل مالك في هذا الباب . فكل من ادعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك ، لكن إذا ناكره المدعي رقَّه ، وادعى الحرية ، وسواءٌ كان ذلك المدَّعى رقُّه ممن كثر ملك نوعه ، أو لم يكن . فإن كان في حَوْز المدعي لرقِّه كان القول قوله ؛ إذا كان حَوْز رِقٍّ ، فإن لم يكن فالقول قول المدَّعى عليه مع يمينه . و( قوله : فجاء سيِّده يريده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعنيه ) لم يرد في شيء من طرقه : أنه صلى الله عليه وسلم طالب سيِّده بإقامة بينة . فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم صحة ملكه له حين عرفَ سيِّده . ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه ، وتصديق العبد له . فإن العبد بالغٌ عاقل ، يُقبل إقراره على نفسه . ولم يكن للسيِّد من ينازعه ، ولا يستحلف السيِّد ، كما إذا ادعى اللقطة وعرف عفاصها ، ووكاءها ، أخذها ولم يستحلف لعدم المنازع فيها . و( قوله : فاشتراه منه بعبدين ) هذا إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى مكارم أخلاقه ، ورغبة في تحصيل ثواب العتق ، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة . فحصل له العتق ، وثبت له الولاء . فهذا المعتق مولى للنبي صلى الله عليه وسلم غير أنه لا يعرف اسمه . وفيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً نقدًا . وهذا لا يختلف فيه . وكذلك في سائر الأشياء ما عدا ما يحرم التفاضل في نقده من الرِّبويات على ما قدمناه . وأما بيع ذلك بالنسيئة ففيه تفصيل وخلاف نذكره . فذهب الكوفيون إلى منع ذلك في الحيوان . فلا يجوز عندهم فرس بفرسين . ولا شاة بشاتين مطلقا إلى أجل ، اختلفت صفاتها أو اتفقت ؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . خرَّجه البزار من حديث ابن عباس . والترمذي من حديث الحسن ، عن سَمُرة . وقال : إنه حسن صحيح . قلت : ويلزمُهم على هذا : ألا يجيزوا بيع الحيوان بمثله ، ولا بخلافه . فلا يجيزون بيع شاة بشاة ، ولا بفرس إلى أجل . ويلزمهم عليه ألا يجيزوا فيه القرض ، وكل ذلك معلوم البطلان من الشرع . ويدل على خلاف ما قالوه ما روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي : أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل ، فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى الصدقة . ومنع مالك ذلك في الجنس الواحد . والجنسية المعتبرة عنده هي اتفاق الأغراض والمنافع ، دون الخلق والألوان ، مخافة الوقوع في سلف يجرّ نفعًا . فإذا تباينت المقاصد ، واختلفت المنافع ؛ جاز ذلك . فيجوز عنده حمار فارهٌ في حمارين من حواشي الحمر إلى أجل ، ونقدًا . ولا يجوز في مثليه إلى أجل ؛ لأنه سلف جرَّ نفعًا . وكذلك في الثياب وسائر العروض . وقد روي نحو ذلك عن عليّ ، وابن عمر ، والزهري . وأجاز الشافعي ذلك كله مع الاتفاق والاختلاف . وتابعه على ذلك الثوري ، وأبو ثور . وروي عن ابن عباس مثله لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم . ولم يروا : أنَّه يلزم منه ما حذره مالك . وقد انفصلت المالكية عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه محمول على مختلفَي الجنسين بحسب اختلاف الأسنان والمقاصد ، بدليل قوله فيه : أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين . فلو كان البعير المأخوذ ناجزا من جنس البعيرين المأخوذين إلى أجل لكان هذا السلف الجارّ نفعًا المتفق على منعه ؛ لأنه لم يقترن به صيغة بيع ، ولا شيء يدل عليه . فالصورة صورة القرض ، ولا مفرق بينها وبين البيع فيمنع ، فلا بدّ أن يُقدر فيها اختلاف الجنسين . وبهذا التأويل يصح الجمع بين الأحاديث ؛ أعني : بين هذا الحديث ، وبين النهي عن سلف جرّ نفعًا . والجمع أولى من الترجيح . فإن لم يقبل هذا التأويل ؛ فالقضية محتملة ، مترددة بين أن يكون البعير من جنس البعيرين ، أو من غير جنسهما على حدٍّ سواء . فالتحق بالمجملات ، فلا يكون فيه حجة لهم . ونبقى نحن متمسكين بالقاعدة الكلية ؛ التي هي : حماية المحرَّمات ، والله تعالى أعلم . و( قوله : فلم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله : أعبد هو ؟ ) يعني : أنه لما وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم والحذر ، فكان يسأل من يرتاب فيه . وفيه من الفقه : الأخذ بالأحوط .
( 33 ) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه ( 1600 ) [1692] عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ له: أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . ( 33 ) ومن باب : جواز الاستقراض وحسن القضاء فيه ( قوله : استسلف بَكْرًا ) استسلف : طلب السَّلف ، وهو القرض . ويدل : على جواز الأخذ بالدَّين ، ولا يختلف العلماء في جواز سؤاله عند الحاجة إليه ، ولا نقص على طالبه ، ولا تثريب ، ولا منة تلحق فيه . ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان أنزه الناس ، وأبعدهم عن تلك الأمور . و( البَكْر ) : الفتي من الإبل ، وهو فيها كالغلام في الرجال . والقلوص فيها : كالجارية في النساء . وخيار الإبل والشيء : أحسنه ، وأفضله . و( الرباعي ) : هو الذي في السَّنَة السابعة ؛ لأنَّه يُلقي فيها رباعيته . وهي التي تلي الثنايا . وهي أربع رباعيات - مخفَّفة الياء- والذكر : رباع . والأنثى : رباعية . وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان . وهو مذهب الجمهور . ومنع ذلك الكوفيون . وهذا الحديث الصحيح حجة عليهم . واستثنى من الحيوان أكثر العلماء الجواري . فمنعوا قرضهن ؛ لأنه يؤدي إلى عارية الفروج . وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردَّ غيرها . وأجاز ذلك مطلقا الطبري ، والمزني ، وداود الأصبهاني . وقصر بعض الظاهرية جواز القرض على ما لا مثل من المعيَّن ، والمكيل ، والموزون . وهذا الحديث حجة عليهم . واختلف أرباب التأويل في استسلاف النبي صلى الله عليه وسلم هذا البَكْر ، وقضائه عنه من مال الصدقة . هل كان ذلك السَّلف لنفسه ، أو لغيره ؟ فمنهم من قال : كان لنفسه ، وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة . وهذا فاسد ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم تزل الصدقة محرمة عليه منذ قدوم المدينة . وكان ذلك من خصائصه ، ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدَّمة ؛ بدليل قصة سلمان الفارسي ، فإنه عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاءه سلمان بتمر ، فقدَّمه إليه ، وقال : كُل ، فقال : ( ما هذا ؟ ) فقال : صدقة . فقال لأصحابه : ( كلوا ) ولم يأكل . وأتاه يومًا آخر بتمر وقال : هدية ، فأكل . فقال سلمان : هذه واحدة . ثم رأى خاتم النبوَّة فأسلم . وهذا واضح . وقيل : استسلفه لغيره ممن يستحق أخذ الصدقة ، فلما جاءت إبل الصدقة دفع منها . وقد استبعد هذا من حيث : إنه قضاء أزيد من القرض من مال الصدقة . وقال : ( إن خيركم أحسنكم قضاء ) فكيف يعطي زيادة من مال ليس له ؟ ويجعل ذلك من باب حسن القضاء ؟! وقد أجيب عن هذا : بأن قيل : كان الذي استقرض منه من أهل الصدقة ، فدفع الرُّباعي بوجهين : بوجه القرض ، وبوجه الاستحقاق . وقيل وجه ثالث ، وهو أحسنها ، إن شاء الله تعالى . وهو : أن يكون استقرض البَكْر على ذمته ، فدفعه لمستحق ، فكان غارمًا ، فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها بما هو غارم جملاً رباعيًا ، فدفعه فيما كان عليه ، فكان أداء عمَّا في ذمته وحسن قضاء بما يملكه . وهذا كما روي : أنه صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمرو أن يجهز جيشًا ، فنفدت الإبل ، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة . فظاهره : أنَّه أخذ على ذمَّته . فبقي أن يقال : فكيف يجوز له أن يؤدِّي دينه ، ويبرئ ذمته مِمَّا لا يجوز له أخذه . ويجاب عنه : بأنه لَمَّا لم يأخذه لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى وقت مجيء الصدقة . فلو لم يجئ من إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرضه من ماله ، والله أعلم . وقد تقدَّم الكلام على الزيادة في القضاء . فإن قيل : كيف شغل النبي صلى الله عليه وسلم ذمَّته بدين ، وقد قال : ( إياكم والدَّين ، فإنه شين ، الدَّين هَمٌّ بالليل ، ومذلة بالنهار ) وقد كان كثيرًا ما يتعوَّذ منه ، حتى قيل له : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم . فقال : ( إن الرَّجل إذا غرم حدَّث فكذب ، ووعد فأخلف ) . لا يقال : إنما استقرض عند الحاجة والضرورة ؛ لأنا نقول : لم يكن في ضرورة إلى ذلك ، فإن الله تعالى خيَّره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا ، كما رواه الترمذي من حديث أبي أمامة ، واستحسنه ؛ ومن كانت هذه حاله لم يكن في ضرورة ، ولا حاجة . ولذلك قال الله تعالى له : وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى قلت : أما الأخذ بالدَّين عند الحاجة ، وقصد الأداء عند الوجدان : فلا يختلف في جوازه . وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة . وأما النهي عن أخذه -إن صحَّ - : فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة ، لما يطرأ من تحمله من الأمور التي ذكرتها ، من الإذلال ، والمطالبة ، وما يخاف من الكذب في الحديث ، والإخلاف في الوعد . وقد عصم الله نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك كله ، فلم يحوجه إلى شيء من ذلك ، ولا أجراه عليه . وأما قولهم : إنه لم يكن في ضرورة ؛ لأن الله خيَّره . فجوابه : إن الله تعالى لما خيَّره ، فاختار أن يجوع ثلاثًا ، ويشبع يومًا ؟ أجرى الله تعالى عليه ما اختاره لنفسه ، وما أشار إليه به صفيَّه ، ونصيحه جبريل صلى الله عليهما وسلم ، فسلك الله تعالى به من ذلك أعلى السبيل ، ليصبر على المشقات والشدائد ، كما صبر أولو العزم من الرسل ، ولينال أعلى المقامات الفاخرة . ألا تسمع قوله لعمر ـ رضي الله عنه ـ : ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) ثم لَمَّا أخلص الله جوهره . وطيَّب خُبْرَهُ وخَبَرَهُ ؛ أغناه بعد العيلة ، وكثَّره بعد القلة ، وأعزه به بعد الذلة . ومن تمام الحكمة في أخذه صلى الله عليه وسلم بالدِّيون ليقتدَي به في ذلك المحتاجون .
( 32 ) باب بيع البعير واستثناء حملانه ( 715 ) ( 109 - 117 ) [1691] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَلَاحَقَ بِي وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا فلَا يَكَادُ يَسِيرُ ، قَالَ: فَقَالَ لِي: مَا لِبَعِيرِكَ؟ . قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ ، قَالَ: فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ . قَالَ: قُلْتُ بِخَيْرٍ ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ ، قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ . فَاسْتَحْيَيْتُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ ، قَالَ: نَعَمْ ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ ، في رواية : بأوقية ، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي عَرُوسٌ ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي ، فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ ، فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنْ الْبَعِيرِ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ ، فَلَامَنِي فِيهِ ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: مَا تَزَوَّجْتَ ، أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا ، قَالَ: أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ . وذكر نحو ما تقدم ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ بِالْبَعِيرِ ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ . وفي رواية : فَلَمَّا قَدِمْنا الْمَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ ، وَزِدْهُ . قَالَ فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي ، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ . وفي أخرى : فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ . وفي أخرى : قَالَ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ بِاسْمِ اللَّهِ . وَقَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي وَيَقُولُ: وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ . اختلفت الروايات في كم كان ثمن الجمل ، ففي بعضها : أوقية ، وفي بعضها : أوقيتان ودرهم ، أو درهمان ، وفي بعضها : خمس أواق ، وكلها ثابت في الأم . ( 32 ) ومن باب : بيع البعير البعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس . يقال للجمل : بعير . وللناقة : بعير . تقول العرب : صرعني بعيرك . وشربت من لبن بعيري . وإنما يقال له بعير : إذا أجذع ، والجمع : أبعرة ، وأباعر ، وبعران . حديث جابر هذا : كثرت طرقه ، واختلفت روايته ، وألفاظه ، وخصوصًا ثمن الجمل . فقد اضطربت فيه الرواة اضطرابًا لا يقبل التلفيق . وتكلُّف ذلك بعيدٌ عن التحقيق . ومع ذلك فهو حديث عظيم ، فيه أبواب من الفقه ، أكثرها واضحة . فلنقصد إلى إيضاح ما يمكن أن يخفى منها ؛ فمنها : ( قوله : أفتبيعنيه ) دليل على جواز مساومة من لم يعرض سلعته للبيع . و( قوله : فبعته بأوقية على أن لي فقار ظهره إلى المدينة ) وفي الأخرى : ( فقال : لك ظهره إلى المدينة ) . وهذا صريحٌ في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها . وقال به ابن شبرمة وغيره من الناس . ومنعه أبو حنيفة ، والشافعي أخذًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط . ورأوا : أن هذا النهي أولى من حديث جابر . إما لأنَّه ناسخ له ، أو مرجَّح عليه . وقال مالك : يجوز ذلك إذا كانت المسافة قريبة معلومة . وحمل هذا الحديث عليه . وقد اختلفوا في جواز البيع والشرط . فصحَّحهما ابن شبرمة ، وأبطلهما أبو حنيفة . وصحح ابن أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسُّكًا بحديث بريرة المتقدم . وأما مالك رحمه الله فيحمل النهي عن بيع وشرط عنده على شرط يناقض مقصود العقد . كقوله : أبيعك هذه الجارية على ألا تطأها . أو : على ألا تبيع . وما شاكل ذلك . فجمع بين الأحاديث . وهي طريقته في القديم والحديث . و( فقار الظهر ) : كناية عن ركوب الظهر . ومنه : أفقرت الرجل : إذا أعرته ذلك . والفقار : جمع فقارة ، وهي : خرزات الصلب . و( الناضح ) : الذي يستقى عليه الماء . وقد تقدَّم أيضًا الكلام على ما تضمنه هذا الحديث من ذكر النكاح في كتابه . و( المماكسة ) هي : الكلام في مناقصة الثمن . و( قوله لبلال : أعطه وزده ) دليل : على صحة الوكالة ، وعلى جواز الزيادة في القضاء . وهي من باب قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن خيركم أحسنكم قضاءً ) وهذا لا يختلف فيه إذا كان من بيع . وإنما يختلف فيه إذا كان من قرض . فاتفق على جوازه في الزيادة في الصفة ؛ إذا كان بغير شرط ، ولا عادة . وزاد أصحابنا : ولا قصد من المقرض للزيادة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا ) . وأما الزيادة في العدد والوزن ، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسمًا للذريعة . وأجازها ابن حبيب . ولم يختلف في جواز ذلك ؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء . و( قوله : أعطه أوقية من ذهب ) قال أبو جعفر الداودي : ليس لأوقية الذهب وزن يعرف . وأما أوقية الفضة : فأربعون درهمًا . وفيه دليل على أن وزن الثمن وكَيْله على المشتري ، كما أنه على البائع إذا كان المبيع مما يكال ، أو يوزن . ولأن على كل واحد منهما أن يسلِّم ما لزمه دفعه . ولا يتحقق التسليم إلا بذلك . و( قوله : وزادني قيراطًا ) وفي أخرى : ( درهمًا أو درهمين ) هذا اضطراب ، وقد تكلَّف القاضي أبو الفضل الجمع بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن ، وفي الزيادة ، تكلُّفًا مبنيًا على تقدير أمر لم يصح نقله ، ولا استقام ضبطه ، مع أنه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك حكم ، ولا يفيد حكمة . والحاصل : أنَّه باعه البعير بثمن معلوم لهما ، وزاده عند القضاء زيادة محققة ، ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك . و( قوله : خذ جملك ودراهمك ، فهو لك ) هذا يدلُّ على أن هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عطية مبتدأة بعد صحة شرائه ، وملكه للبعير . وهذا مبطل لتأويل بعض الشافعية في هذا الحديث ؛ إذ قال : إن ذلك لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم شراء للبعير ، ولا بيعًا من جابر حقيقة . وهذا من قائله تغيير وتحريف ، لا تأويل . وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله : ( أتبيعنيه بأوقية ) فقال : قد بعته منك بأوقية ، على أن لي ظهره إلى المدينة . بعد المماكسة . وهذا نصٌّ لا يقبل التأويل . وكذلك قوله : ( فهو لك ) بعد قوله : ( خذ جملك ودراهمك ) وذلك واضح لمن تأمل أفراد تلك الكلمات ومركّباتها . و( قوله : أتراني ماكستك لكي آخذ جملك ) بكسر لام كي ، ونصب الفعل المضارع بعدها . كذا لجميع الرواة . وقُيِّد على أبي بحر . ( لا ، خذ جملك ) على ( لا ) النافية ، و( خذ ) على الأمر . والمعنيان واضحان . و( قوله : فما زال يزيدني ) يدلُّ على أنه زاده بعد القيراط شيئًا آخر . ولعلها : الدرهم ، والدرهمان اللذان قال في الرواية الأخرى . و( قوله : والله يغفر لك ) قال أبو نضرة : وكانت كلمة يقولها المسلمون : افعل كذا ، والله يغفر لك . قلت : وهو كلام يخرجه فرط المحبة ، والشفقة ، وإرادة الخير للمسلمين ، وهو على معنى الدعاء . و( قوله : اركب باسم الله ) دليل : على استحباب التبرك باسم الله عند افتتاح كل فعل ، وإن كان من المباحات ، فليس مخصوصًا بالقرب ، فإنه كما قال صلى الله عليه وسلم في الوضوء : ( توضئوا باسم الله ) قال هنا في الركوب : ( اركب باسم الله ) .
( 1607 ) [1698] وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ . و( قوله : الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقَةٌ للربح ) الرواية : مَنْفَقَةٌ ، مَمْحَقَةٌ -بفتح الميم ، وسكون ما بعدها ، وفتح ما بعدها- وهما في الأصل : مصدران مزيدان محدودان بمعنى : النَّفاق . والمحق ؛ أي : الحلف الفاجرة ، تنفق السِّلعة ، وتمحق بسببها البركة ، فهي ذات نفاق ، وذات مَحْق ؛ ومعنى تمحق البركة : أي تذهبها . وقد تذهب رأس المال والربح ، كما قال الله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وقد يتعدى المحق إلى الحالف ، فيعاقب بإهلاكه ، وبتوالي المصائب عليه . وقد يتعدَّى ذلك إلى خراب بيته وبلده ، كما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اليمين الفاجرة تذر الدِّيار بلاقع ) أي : خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة . وأما مَحق الحسنات في الآخرة : فلا بدّ منه لمن لم يتب . وسبب هذا كلِّه : أن اليمين الكاذبة يمين غموس ، يؤكل بها مال المسلم بالباطل .
( 1607 ) [1699] وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ . و( قوله : إيَّاكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق ) ( إياكم ) معناه : الزَّجر ، والتحذير . و( كثرة ) منصوب على الإغراء ، كما تقول : إياك والأسد ؛ أي : احذره واتقه . وإنما حذر من كثرة الحلف ؛ لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور ، وإن سلم من ذلك على بعده لم يسلم من الحنث ، أو النَّدم ؛ لأن اليمين حنث أو مندمة . وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها ، والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري ، مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم ، بل على جهة مدح السِّلعة ، فاليمين على ذلك تعظيم للسِّلع ، لا تعظيم لله تعالى . وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد .
( 35 ) باب النَّهي عن الحكرة ، وعن الحلف في البيع ( 1605 ) [1697] عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ . فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ . وفي لفظ آخر : لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ . ( 35 ) ومن باب : النَّهي عن الحكرة ( قوله : لا يحتكر إلا خاطئ ) . الاحتكار في اللغة : الادِّخار و( خاطئ ) : اسم فاعل من : خطئ - بكسر العين ، وهمز اللام - يخطأ -بفتح العين - خطئًا في المصدر - بكسر الفاء ، وسكون العين - ؛ إذا أثم في فعله ، على وزن : علم ، يعلم ، علمًا ، والاسم منه : الخطأ - بفتح الخاء ، والطاء وأخطأ : إذا سلك سبيل خطأ عامدًا ، أو غير عامد . قاله أبو عبيد . وقال : سمعت الأزهري يقول : خطئ : إذا تعمَّد ، وأخطأ : إذا لم يتعمَّد ، إخطاء ، وخطئًا . والخطأ : الاسم . قلت : وهذا الحديث بحكم إطلاقه ، أو عمومه يدل : على منع الاحتكار في كل شيء . غير أن هذا الإطلاق قد تقيّد ، أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّه قد ادَّخر لأهله قوت سنتهم . ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت ، وما يحتاجون إليه جائز لا باس به . فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار . وإذا ظهر ذلك . فهل يمنعون من ادِّخار كل شيء من الأقوات ، والحيوان ، والعلوفة ، والسَّمن ، واللَّبن ، والعسل ، وغير ذلك - أضر بالناس أو لم يضر - إذا اشتري في أسواقهم ، كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه ؟ أو : إنما يمنعون من ادِّخار ما يضر بالناس ادِّخاره عند الحاجة إليه من الأقوات ؟ وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وهو مشهور مذهب مالك . وحملوا النهي على ذلك . قلت : وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى . لأن ما لا يضر بالناس شراؤه ، واحتكاره لا يخطأ مشتريه بالاتفاق . ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره ، أو لا يحتكره . ثم قد يكون احتكاره لذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر . فلعل ذلك الشيء ينعدم ، أو يقل ، فتدعو الحاجة إليه ، فيوجد ، فترتفع المضرة ، والحاجة بوجوده ، فيكون احتكاره مصلحة ، وترك احتكاره مفسدة . وأما الذي ينبغي أن يمنع ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين . وأشدُّ ذلك في الأقوات لعموم الحاجة ، ودعاء الضرورة إليها ؛ إذ لا يتصور الاستغناء عنها ، ولا يتنزل غيرها منزلتها . فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها ، وعز وجودها ، وشحت النفوس بها ، وحرصت على تحصيلها ، فظهرت الفاقات ، والشدائد ، وعمت المضار ، والمفاسد ، فحينئذ يظهر : أن الاحتكار من الذنوب الكبار . وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق . فأمَّا من جلب طعامًا ؛ فإن شاء باع ، وإن شاء احتكر ، ولا يعرض له إلا إن نزلت حاجة فادحة ، وأمر ضروري بالمسلمين ، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته ، فإن لم يفعل جبر على ذلك ، إحياء للمهج ، وإبقاء للرَّمق . وأما إن كان اشتراه من الأسواق ، واحتكره ، وأضر بالناس ؛ فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به . و( قول يحيى بن سعيدٍ لسعيد : إنك تحتكر ) يدل على أنهم كانوا لا يتسامحون في ترك العمل بما يروُونه من الحديث . وجواب سعيد أن معمرًا كان يحتكر دليل على أن العموم يخصص بمذهب الرَّاوي . وقد أوضحنا هذه الطريقة في الأصول . وذلك منهم محمول على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضر بالناس ؛ كالزيت ، والأدم ، والثياب ، ونحو ذلك .
( 27 ) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب ( 1591 ) ( 89 ) [1680] عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ ، وَهِيَ مِنْ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ . ( 27 ) ومن باب : بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب ( قوله : أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز وذهب تباع من الغنائم ) . كان بيع هذه القلادة بعد قَسْم الغنيمة ، وبعد أن صارت إلى فَضَالة في سهمه ، كما قال في رواية حَنَش ؛ ولأن الغنيمة لا يتصرف في بيع شيء منها إلا بعد القِسْمة . وأمره صلى الله عليه وسلم بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده : إنما كان لأن المشتري أراد أن يشتريها بذهب ؛ لقوله بعد هذا : ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) أو يكون قد وقع البيع بذهب ، كما جاء في الرواية الأخرى التي قال فيها : إنه اشتراها باثني عشر دينارا ، ففصَّلها ، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا ، ففسخ النبي صلى الله عليه وسلم البيع بقوله : ( لا تباع حتى تُفَصَّل ) ووجه هذا المنع في هذه الصورة : وجود المفاضلة بين الذهبين ، فإنَّه إن كان مساويًا للآخر ، فقد فضله من صار إليه الذهب ، والعَرَضُ بالعَرَض ، وإن لم يكن متساويًا فقد حصل التفاضل في عين أحد الذهبين ، كما قال في رواية الاثني عشر دينارًا . وهذا قول الجمهور . وقد شذَّ أبو حنيفة ، ومن قال بقوله ، وترك مضمون هذا الحديث فقال : إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضموم إليه السلعة جاز ، بناء منه على جعل السِّلعة في مقابلة الزائد من الذهب . واعتذر عن الحديث : بأنه إنما فسخ ذلك لأن الذهب المنفرد كان أقل ، فلو كان أكثر جاز . وهذا التأويل فاسد بدليل الحديث الأول ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لما رأى القلادة قد عرضت للبيع بالذهب أمر بتفصيلها ، وبيَّن حكم القاعدة الكلية بقوله : ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) ولم يلتفت إلى التوزيع الذي قال به أبو حنيفة . وقد غفل الطَّحاوي في تأويل ذلك الحديث ، حيث قال : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لئلا يُغْبَن المسلمون في المغانم عمَّا ذكرناه : من أن هذا البيع إنما كان بعد القسمة ، ولو سلَّمنا أنها كانت قبل القِسْمة لكان عدوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى إلى قوله : ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) ضائعًا ، لا معنى له ؛ لأنه كان يلزم منه أن يعدل عن علَّة الحكم في وقت الحاجة إلى بيانه ، وينطق بما ليس بعلَّة ولا يُحتاج إليه ، بالنسبة إليه في تلك الواقعة . ومن الناس من زاد على أبي حنيفة في الشذوذ ، وهو حمَّاد بن أبي سليمان ، فقال : يجوز بيع الذهب بالذهب الذي معه السِّلعة مطلقا ، ولم يُفرَّق بين المنفردة والمضموم إليها السلعة في الأقل ولا الأكثر . وهذا طرح للحديث بالكلية ، ولم يعرِّج على القاعدة الشرعية . فأما لو باع القلادة التي فيها الذهب بفضة ، فذلك هو البيع والصَّرف ، ولا يجوز عند مالك ؛ لاختلاف حكم البيع والصرف ، وسدًّا للذريعة . وهذا ما لم يكن أحدهما تابعًا للآخر ، فإن كان ذلك جاز إلغاء للتَّبعيَّة . وقال أشهب : إنَّه يجوز البيع والصَّرف مطلقا ، وكل ما ذكرناه إنَّما هو فيما يمكن تفصيله . فأمَّا ما لا يمكن ذلك فيه ، إما لتعذره حِسًّا ، أو لأنَّه يؤدي إلى إتلاف مالية : فذلك إمَّا أن يكون ممنوع الاتخاذ ، فلا يجوز فيه إلا المصارفة على اعتبار التبعية على ما ذكرناه آنفًا . وأما ما يجوز اتخاذه ؛ كالسَّيف ، والمصحف ، والخاتم ، وحلي النساء : فيجوز عندنا بيع ذلك كلِّه ، بخلاف ما فيه من العين ؛ ناجزا مطلقا من غير فصل بين قليل ولا كثير ؛ لأن ذلك إما صرف ، وإما بيع ، والتبع مُلغى . وإما بجنس ما فيه من العين : فيجوز إذا كان فيه من العين الثلث فدون ؛ عند مالك ، وجمهور أصحابه ، وكافة العلماء إلغاءً للتبعية ؛ ولأن ذلك قد يضطر إليه . ومنع ذلك الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمد بن عبد الحكم . وروي عن جماعة من السلف ؛ منهم : عمر ، وابن عمر رضي الله عنهما ؛ اعتبارًا بوجود المفاضلة بين الذهبين ، وأبو حنيفة وحمَّاد على أصليهما المذكورين .
( 1591 ) ( 90 ) [1681] وعنه قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً فِيهَا اثْنَا عَشَرَ دِينَارًا ، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ . ( 1591 ) ( 92 ) [1682] وعَنْ حَنَشٍ الصنعاني قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ ، فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا ، فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ ، وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ ، ثُمَّ لَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . و ( قول فضالة : اشتريت يوم خيبر قلادة فيها اثنا عشر دينارًا ) كذا وقع هذا اللفظ عند كافة الشيوخ : ( فيها اثنا عشر دينارًا ) . وقد سقط هذا اللفظ عند ابن عيسى ، وابن الحذَّاء ، واتصل قوله : ( قلادة ) بقوله : ( فيها خرز وذهب ) وهذا هو الصَّواب . وقد وجد ذلك اللفظ في أصول بعض أصحاب أبي علي الغساني مُصْلَحًا ( باثني عشر دينارا ) . وله وجه صحيح . قلت : وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذر بن مسعود الخشني عن أبي محمد عبد الحق ، صاحب كتاب الأحكام في ذلك الكتاب .
( 34 ) باب في السلم والرهن في البيع ( 1604 ) [1695] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ . وفي رواية : مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ . ( 34 ) ومن باب : السلم والرهن ( قوله : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السَّنة والسنتين ) ( يسلفون ) معناه : يسلمون . وقد جاء هذا اللفظ في رواية أخرى . فالسَّلم ، والسلف هنا : عبارتان عن معبر واحد ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السَّلم ؛ لأن السَّلف يقال على القرض ، كما تقدَّم . والسَّلم في عرف الشرع : بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق . غير أنَّه مختص بشروط . منها متفق عليها ومنها مختلف فيها . وقد حدَّه أصحابنا بأن قالوا : هو بيع معلوم في الذمَّة ، محصور بالصفة ، بعين حاضرة ، أو ما هو في حكمها ، إلى أجل معلوم . فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول ، ومن السَّلم في الأعيان المعينة ، مثل الذي كانوا يسلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا يسلفون في ثمار بأعيانها . فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، لما فيه من الغرر ؛ إذ قد تخلف تلك النخيل فلا تثمر شيئًا . وقولنا : ( محصور بالصفة ) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل . كما لو أسلم في ثمر ، أو ثياب ، ولم يبين نوعها ، ولا صفتها المعينة . وقولنا : ( بعين حاضرة ) تحرز من الدَّين بالدَّين . وقولنا : ( أو ما هو في حكمها ) تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السَّلم إليها . فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط ، وبغير شرط ؛ لقرب ذلك . ولا يجوز اشتراط زيادة عليها . وقولنا : ( إلى أجل معلوم ) تحرز من السَّلم الحال . فإنه لا يجوز على المشهور . ووصف الأمد بالمعلوم : تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه . وسيأتي تفصيل ذلك كله . و( قوله : من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية ؛ لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم . وقد سكت عنه في الرواية الأخرى ، فكانت هذه الرواية دليلاً على جواز السَّلم في كل شيء من الحيوان وغيره من العروض مما تجتمع شروط السَّلم فيه ، وهو مذهب الجمهور من الصحابة ، والتابعين ، وأئمة الفتيا . وقد منع السَّلم والقرض في الحيوان الأوزاعي ، والثوري . وروي عن ابن عمر ، وابن مسعود . والكتاب والسُّنة حجة عليهم . فمن الكتاب عموم قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وقوله : إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ ومن السُّنة الحديث المتقدم ، وقياس الحيوان على العروض ، ولا فارق بينهما . وفيه دليل : على اشتراط كون الْمُسْلَم فيه معلوم المقدار . وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعينة ، ليرتفع الغرر والجهالة . وهو مجمع عليه ، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا الحديث ؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها ، فاستغني عن ذكرها ، واعتني بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل . وأما رأس مال السَّلم : فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل ، أو الوزن . وقال أبو يوسف ومحمد : يجوز السَّلم بما كان معينًا ، ولم يعلم كيله ، ولا وزنه . وبه قال الشافعي في أحد قوليه . ولم يرد عن مالك فيه نصٌّ ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافًا . وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق ، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره . وفيه دليل : على اشتراط الأجل في السَّلم . وهو قول أبي حنيفة . والمشهور من قول مالك ، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده . وأما أصحابنا فقالوا : لا بدَّ من أجل تتغير فيه الأسواق . وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يومًا . وقال غيره : ثلاثة أيام . ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايته عن مالك . بل قال : أيامًا يسيرة . وهذا في البلد الواحد ، وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج . وقال الشافعي : يجوز السَّلم الحالّ . وهذا الحديث حجة عليه ، ولا سيما على رواية من رواه : ( من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، وإلى أجل معلوم ) . وكذلك الحديث الذي قال فيه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك ، وأرخص في السَّلم ) لأن السَّلم لما كان بيعٌ معلومٌ في الذمة كان بيعَ غائبٍ ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهي عنه . وإنما استثنى الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك ؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين ، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر ، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها لينفقه عليها . فظهر : أن صفقة السَّلم من المصالح الحاجيَّة . وقد سَمَّاه الفقهاء بيع المحاويج . فإن جاز حالاًّ بطلت هذه الحكمة ، وارتفعت هذه المصلحة ، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة . والله أعلم . وأما رأس مال السَّلم : فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط ، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط . فالشرط : وإن وقع كذلك بطل ؛ لأنه ظهر مع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدَّين ، فلا يجوز بخلاف ما قبلها ؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصد إلى ذلك ؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّئ الثمن ، ويحتال في تحصيله . ولم يجز الكوفيون ، ولا الشافعي تأخيره عن العقد والافتراق ، ورأوا : أنه كالصَّرف ، وهذا القياس غير مسلم لهم ؛ لأن البابين مختلفان بأخص أوصافهما ، فإن الصَّرف بابه ضيق ، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر . وأيضًا : فإنه على نقيضه . ألا ترى : أن مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة ، والمقصود في السَّلم التوسع بالتأخير ؛ فكيف تحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفروق؟ والسَّلم عندنا له شروط : أن يكون مضمونًا ، ومعلوم المقدار ، والصِّفة ، ثم وإلى أجل لا يتعذر عنده وجود المسَّلم فيه ، وأن يكون رأس ماله حاضرًا ، أو في حكمه ، معلوم المقدار ، أو في حكمه . وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه ، خلافًا لبعض السلف ، ولا أن يكون مما لا ينقطع من أيدي الناس جملة ، خلافًا لمن شرط ذلك ، ولا أن يكون موجودًا حين العقد خلافًا لأبي حنيفة ، ولا يشترط فيه أن يذكر موضع القبض ، خلافًا للكوفيين ، فإنهم اشترطوا ذلك فيما له حمل ومؤونة . وعندنا : أنهم لو سكتوا عنه لم يفسد العقد ، ويتعيَّن موضع العقد . وليس من شرطه ألا يكون رأس ماله جزافًا ، ولا أن يتأخر ، ولا أن يكون المسلم فيه حيوانًا ، خلافًا لمن تقدم ذكرهم . ومسائل السلم كثيرة ؛ فلتنظر في كتب الفقه ، وفيما ذكرناه كفاية .
( 1603 ) ( 126 ) [1696] وعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ . و( قوله : إنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ، ورهنه درعًا له من حديد ) فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر ، ويأكلون الرِّبا - لأنَّا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك ، وكذلك : لو أسلموا لطاب لهم ذلك ، وليس كذلك الْمُسْلِم الذي يعمل بشيء من ذلك ، لا يقرّ على ذلك ، ولا يترك بيده على ما تقدَّم ، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك ، وإذا تاب تصدَّق بما بيده منه . وأما أهل الحرب : فيجوز أن يعاملوا ، ويُشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه . ويُباع منهم كل شيء من العروض ، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرًّا بالمسلمين مما يحتاجون إليه ، وما خلا آلة الحرب ، وعدَّته ، وما يخاف أن يتقوَّوا به على المسلمين ، فلا يباع منهم شيء منه ، ولا يباع منهم ولا من أهل الذمَّة مسلم ولا مصحف . وقال ابن حبيب : لا يباع من أهل الحرب : الحرير ، ولا الكتان ، ولا البسط ؛ لأنهم يتجمَّلون بذلك في حروبهم ، ولا الطَّعام ، لعلهم أن يضعفوا . وفيه من الفقه : جواز الأخذ بالدَّين عند الحاجة كما تقدَّم ، وجواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدَّين والسَّلم . وقد منع الرَّهن في السَّلم زفر ، والأوزاعي . وهذا الحديث ؛ أعني : حديث عائشة رضي الله عنها حجة عليهم ؛ إذ لا فرق بين الدَّين والسَّلم . وكذلك عموم قوله تعالى : إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ الآية . وفيه دليل : على جواز الرَّهن في الحضر ، وهو قول الجمهور . ومنعه مجاهد ، وداود ، وهذا الحديث حجة عليهم . ولا حجة لهم في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ؛ لأنه تمسُّك بالمفهوم في مقابلة المنظوم . وهو فاسد بما قررناه في الأصول . ومعنى الرَّهن عندنا : احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها ، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم . ويلزم الرَّهن بالعقد ، ويجبر الرَّاهن على دفع الرَّهن ليحوزه المرتهن عندنا خلافًا للشافعي ، وأبي حنيفة ، فإنهما قالا : لا يجبر عليه ، ولا يلزم . والحجة عليهما قوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وهذا عقد ، وقوله : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ وهذا عهد ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) . وهذا شرط ، والقبض عندنا شرط في كمال فائدته ، واختصاص المرتهن به ، خلافًا لهما ، فإن القبض عندهما شرط في لزومه وصحته . ثم إذا حصل الحوز فمتى رجع إلى الرَّاهن باختيار المرتهن بطل الرَّهن عندنا وعند أبي حنيفة . غير أن أبا حنيفة قال : إن رجع إلى يده بعارية أو وديعة لم يبطل . وقال الشافعي : إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدِّم . ودليلنا قوله تعالى : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة ، ولا يصدق عليه حكمًا . واستيفاء هذه المباحث في المطوَّلات .
( 1598 ) [1690] وعَنْ جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ . و( قوله : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الرِّبا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ) . وقال : ( هم سواء ) . آكل الربا : آخذه . وعبَّر عن الأخذ بالأكل ؛ لأن الأخذ إنما يُرَاد للأكل غالبًا ؛ ومنه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ؛ أي : يأخذونها ، فإنه لم يعلّق الوعيد على أموال اليتامى من حيث الأكل فقط ، بل من حيث إتلافها عليهم بأخذها منهم . وموكل الربا : معطيه . وهذا كما قال في الحديث الآخر : ( الآخذ والمعطي فيه سواء ) وفي معنى المعطي : المعين عليه ، وكاتبه : الذي يكتب وثيقته . وشاهداه : من يتحمَّل الشهادة بعقده ، وإن لم يؤدها . وفي معناه : من حضره فاقرَّه . وإنما سوَّى بين هؤلاء في اللعنة ؛ لأنه لم يحصل عقد الرِّبا إلا بمجموعهم . ويجب على السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يُغلِّظ العقوبة عليهم في أبدانهم بالضرب ، والإهانة ، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به ، كما يفعل المسلم إذا آجر نفسه في عمل الخمر ، فإنه يتصدَّق بالأجرة ، وبثمن الخمر إذا باعها المسلم . ويدلّ على صحة ما ذكرناه قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ؛ أي : يفسخ عقده ، ويرفع بركته ، وتمام المحق بإتلاف عينه .
( 31 ) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا ( 1599 ) [1689] عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أمور مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ . ( 31 ) ومن باب : اتِّقاء الشبهات ( قوله صلى الله عليه وسلم : الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن ، وبينهما أمور متشابهات ) يعني : أن كل واحد منهما مبين بأدلته في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تأصيلاً وتفصيلاً . فمن وقف على ما في كتاب الله والسُّنة من ذلك وجد فيهما أمورًا جلية التحليل ، وأمورًا جلية التحريم ، وأمورًا مترددة بين التحليل والتحريم . وهي التي تتعارض فيها الأدلة . فهي المتشابهات . وقد اختلف في حكمها فقيل : مواقعتها حرام ؛ لأنها توقع في الحرام . وقيل : مكروهة والورع تركها . وقيل : لا يقال فيها واحد منهما . والصواب الثاني ؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام ، فلا توصف به ، وهي مما يرتاب فيه . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) وهذا هو الورع . وقد قال فيها بعض الناس : إنها حلال ويتورَّع عنها . قلت : وليست بعبارة صحيحة ؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه ، فيكون مباحًا . وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين . فإنَّه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا . وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله ، وهو المكروه . أو فعله راجحًا على تركه ، وهو المندوب . فإن قيل : فهذا يؤدِّي إلى رفع معلوم من الشرع ، وهو : أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ، وأكثر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يزهدون في المباح . فإنَّهم رفضوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة ، وبلباس اللَّين الفاخر من الملابس ، وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن . ولا شك في إباحة هذه الأمور . ومع هذا فآثروا أكل الخشن ، ولباس الخشن ، وسكنى الطين واللَّبن . وكل هذا معلوم من حالهم ، منقول من سيرتهم . فالجواب : إن تركهم التنعم بالمباح لا بدّ له من موجب شرعي أوجب ترجيح الترك على الفعل ، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا ، فإن حقيقته التساوي من غير رجحان . فلم يزهدوا في مباح ، بل في أمرٍ تَرْكُهُ خيرٌ من فعله شرعا . وهذه حقيقة المكروه . فإذًا إنما زهدوا في مكروه . غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو ، كما كره لحوم السِّباع . وتارة يكرهه لما يؤدِّي إليه ، كما يكره القبلة للصَّائم ، فإنها تكره لما يخاف منها من فساد الصوم . وتركهم للتنعم من هذا القبيل ، فإنَّه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد إما في الحال ، كالرُّكون إلى الدنيا . وإما في المآل كالحساب عليه ، والمطالبة بالشكر ، وغير ذلك ممَّا ذكر في كتب الزهد . وعلى هذا فقد ظهر ولاح : أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح . و( قوله : لا يعلمهن كثير من الناس ) أي : لا يعلم حكمهن من التحليل أو التحريم ، وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة ، لترددها بين أمور محتملة ، فإذا علم بأي أصل تلحق زال كونها شبهة ، وكانت إما من الحلال ، أو من الحرام . وفيه دليل : على أن الشبهة لها حكم خاص بها ، عليه دليل شرعي ، يمكن أن يصل إليه بعض الناس ، فمن ظفر به فهو المصيب كما بيناه في الأصول . و( قوله : فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) أي : من ترك ما يشتبه عليه سلم دينه مما يفسده ، أو ينقصه . وعرضه مما يشينه ، ويعيبه ، فيسلم من عقاب الله وذمِّه . ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه ، لكن لا يصحّ اتقاء الشبهات حتى تعرف ، ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدعي فصل تطويل ، لكن نعقد فيه عقدًا كليًّا إن شاء الله تعالى عن التفصيل مُغنيًا ، فنقول : المكلف بالنسبة إلى الشرع : إما أن يترجح فعله على تركه ، أو تركه على فعله ، أو لا يترجح واحد منهما . فالراجح الفعل أو الترك ؛ إما أن يجوز نقيضه بوجه ما ، أو لا يجوز نقيضه . فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من التحليل ، كحِلِّيةِ لحوم الأنعام . أو من التحريم ؛ كتحريم الميتة والخنزير على الجملة . فهذان النوعان هما المرادان بقوله : ( الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن ) . وأما إن جوز نقيض ما ترجَّح عنده : فإمَّا أن يكون ذلك التجويز بعيدًا لا مستند له أكثر من توهم ، وتقدير : فلا يلتفت إلى ذلك ، ويُلغى بكل حال . وهذا كترك النكاح من نساء بلدة كبيرة مخافة أن يكون له فيها ذات محرم من النسب أو الرِّضاع . أو كترك استعمال ماء باق على أوصافه في فلاة من الأرض مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه ، أو كترك الصلاة على موضع لا أثر ، ولا علامة للنجاسة فيه ، مخافة أن يكون فيها بول قد جف . أو كتكرار غسل الثوب مخافة طروء نجاسة لم يشاهدها . إلى غير ذلك مما في معناه . فهذا النوع يجب ألا يلتفت إليه ، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ . والورع فيه وسوسة شيطانية ؛ إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء ، وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير من هذا الباب ، حتى يُعطِّل عليهم واجبات ، أو يُنقص ثوابها لهم . وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية ، وأحكامها . فإن قيل : كيف يقال هذا ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك لما دخل بيته فوجد فيه تمرة فقال : ( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) . ودخول الصدقة بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعيد ؛ لأنها كانت محرمة عليه وعلى آله ، لكنه راعى الاحتمال البعيد ، والاحتمالات في الصور التي ذكرتم ليس بأبعد من هذا الاحتمال ، فما وجه الانفصال ؟! قلنا : لا نسلّم أن ما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم كان بعيدًا ؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات التَّمر للمسجد ، وحجرته متصلة بالمسجد ، فتوقع أن يكون صبي أو من يغفل عن ذلك يدخل التمر من الصدقة في البيت . فاتقى ذلك لقربه بحسب ما ظهر مِمَّا قرب ذلك التقدير ، وليس من تلك الصور في شيء ؛ لأنها خلية عن الأمارات . وإنما هي محض تجويزات . وأما إن كان ذلك التجويز له مستند معتبر بوجه ما ، فالأصل : العمل بالراجح ، والورع الترك إن لم يلزم منه العمل بترك الراجح وبيانه بالمثال . وهو : أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ في مشهور مذهب مالك . فلا يجوز أن يستعمل في شيء من المائعات ، لأنها تنجس إلا الماء وحده ، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه ؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغير . هذا الذي ترجَّح عنده . ثم إنه اتقى الماء في خاصة نفسه . ونحو ذلك حكي عن أبي حنيفة أو سفيان الثوري أنه قال : لأن أخرَّ من السَّماء أهون عليَّ من أن أفتي بتحريم قليل النبيذ ، وما شربته قط ، ولا أشربه . فقد أعملوا الراجح في الفتيا ، وتورعوا عنه في أنفسهم . وقد قال بعض المحققين : من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام ، ويضيق على نفسه ؛ يعني به ذلك المعنى . ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح . وهذا الالتفات نشأ من القول : بأن المصيب واحد . وهو مشهور قول مالك . ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف . كما بينَّاه في الأصول . غير أن تلك التجويزات المعتبرة -وإن كانت مرجوحة - فهي على مراتب في القرب والبعد ، والقوة والضعف . وذلك بحسب الموجب لذلك الاعتبار . فمنها ما يوجب حزازة في قلب المتقي ، ومنها ما لا يوجب ذلك . فمن لم يجد ذلك ، فلا ينبغي له أن يتوقف ؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول عنده . ومن وجد ذلك توقف وتورَّع وإن أفتاه المفتون بالرَّاجح ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس ) . وهنا يصدق قولهم : استفت قلبك وإن أفتوك . لكن هذا إنما يصح ممن نوَّر الله قلبه بالعلم ، وزين جوارحه بالورع ، بحيث يجد للشبهة أثرًا في قلبه . كما يحكى عن كثير من سلف هذه الأمة ، كما نقل عنهم في "الحلية" و"صفة الصفوة" ، وغيرهما من كتب ذلك الشأن . وأما إن لم يترجح الفعل على الترك ، ولا الترك على الفعل : فهذا هو الأحق باسم الشبهة ، والمتشابه ؛ لأنه فد تعارضت فيه الأشباه . فهذا النوع يجب فيه التوقف إلى الترجيح ، لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان حكم بغير دليل . فيحرم ، إذ لا دليل مع التعارض . ولعل الذي قال : إن الإقدام على الشبهة حرام ؛ أراد هذا النوع . والذي قال : إن ذلك مكروه ؛ أراد النوع الذي قبل هذا ، والله تعالى أعلم . و( قوله : " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) وذلك يكون بوجهين : أحدهما : أن من لم يتق الله تعالى ، وتجرَّأ على الشبهات ، أَفْضَتْ به إلى المحرمات بطريق اعتياد الجرأة ، والتساهل في أمرها ، فيحمله ذلك على الجرأة على الحرام المحض ؛ ولهذا قال بعض المتقين : الصغيرة تجر إلى الكبيرة . والكبيرة تجر إلى الكفر . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( المعاصي بريد الكفر ) . وهو معنى قوله تعالى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وثانيهما : أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه ، لفقدان نور العلم ، ونور الورع ، فيقع في الحرام ، ولا يشعر به . وإلى هذا النور الإشارة بقوله تعالى : أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله : فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ و( قوله : كالرَّاعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمحارم الله تعالى . وأصله : أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها ، وتُحرَّجُ بالتوعد بالعقوبة على من قربها . فالخائف من عقوبة السلطان يَبْعُد بماشيته من ذلك الحمى ؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع ، وإن كثر الحذر ؛ إذ قد تنفرد الفاذة ، وتشذ الشاذة ولا تنضبط ، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها من وقوع الشاذة والفاذة . وهكذا محارم الله تعالى ، لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين . و( يوشك ) بكسر الشين ، مضارع ( أوشك ) بفتحها . وقد قدَّمنا : أنها من أفعال المقاربة ، والملابسة ، ومعناها هنا : يقع في الحرام بسرعة . و( يرتع ) بفتح التاء مضارع ( رتع ) بفتحها أيضًا . وفتحت في المضارع مراعاة لحرف الحلق ؛ ومعناها : أكل الماشية من المرعى . وأصله : إقامتها فيه ، وتبسطها في الأكل . ومنه قوله تعالى : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ و( قوله : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ) الحديث ، المضغة : القطعة من اللحم . وهي قدر ما يمضغه الماضغ ؛ يعني بذلك : صغير جرمها ، وعظيم قدرها . و( صلحت ) رويناه بفتح العين في الماضي ومضارعه : يصلح بضمها ، وكذلك مقابلها . وهي : فسد ، يفسد . ومعناه : إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد . وقد يقال : صلح ، وفسد - بضم العين فيهما- : إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها . كما يقال : ظَرُف ، وشَرُف . و( قوله : ألا وهي القلب ) هذا اللفظ في الأصل مصدر : قلبت الشيء ، أقلبه ، قلبًا : إذا رددته على بدأته . وقلبت الإناء : إذا رددته على وجهه . وقلبت الرَّجل عن رأيه : إذا صرفته عنه ، وعن طريقه ، كذلك . ثم نقل هذا اللفظ ، فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان ، لسرعة الخواطر فيه ، ولترددها عليه . وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال : ما سُمِّي القلب إلا من تقلبه فاحذر على القلبِ من قلبٍ وتَحْوِيلِ ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو التزمت فيه تفخيم قافه ؛ تفريقًا بينه وبين أصله ، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه ؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم ، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم . ثم اعلم : أن الله خص جنس الحيوان بهذا العضو المسمى : بالقلب ، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالح المقصودة من ذلك النوع ، فتجد البهائم تدرك مصالحها ومنافعها ، وتميز بين مفاسدها ومضارها مع اختلاف أشكالها ، وصورها ، إذ منها ما يمشي على بطنه ، ومنها ما يمشي على أربع ، ومنها ما يطير بجناحيه . ثم خص الله تعالى من بين سائر الحيوان نوع الإنسان ؛ الذي هو المقصود الأول من الكونين ، والمعني في العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا المعنى المخصوص ، الذي به تميز الإنسان . ووقع به بينه وبين سائر الحيوانات الفرقان . وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات ، ويحصل به على معرفة الكليات والجزئيات ، ويعرف به فرَّق ما بين الواجبات والجائزات والمستحيلات . وقد أضاف الله تعالى العقل إلى القلب ، كما أضاف السمع إلى الأذن ، والإبصار إلى العين . فقال تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ وهو ردٌّ على من قال من أهل الضلال : إن العقل في الدماغ . وهو قول من زل عن الصواب ، وزاغ . كيف لا ، وقد أخبرنا عن محلّه خالقه القدير : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وقد روي ذلك عن أبي حنيفة ، وما أظنها عنه معروفة . وإذا فهمت : أن الإنسان إنما شرَّفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب ، وأن هذا القلب لم يشرف من حيث صورته الشكلية ، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيمية ، بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصية الإلهية ؛ علمت أنه أشرف الأعضاء ، وأعزَّ الأجزاء ؛ إذ ليس ذلك المعنى موجودًا في شيء منها . ثم إن الجوارح مسخرة له ، ومطيعة ، فما استقرَّ فيه ظهر عليها ، وعملت على مقتضاه : إن خيرًا فخير ، وإن شرًّا فشر . وعند هذا انكشف لك معنى قوله : ( إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ) . ولما ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب ، ليتصف بها ، وبالأمور التي تفسد القلب ليتجنبها . ومجموع ذلك علوم ، وأعمال ، وأحوال . فالعلوم ثلاثة : الأول : العلم بالله تعالى ، وصفاته ، وأسمائه ، وتصديق رسله فيما جاءوا به . والثاني : العلم بأحكامه عليهم ، ومراده منهم . والثالث : العلم بمساعي القلوب من خواطرها ، وهمومها ، ومحمود أوصافها ، ومذمومها . وأمَّا أعمال القلوب : فالتحلِّي بالمحمود من الأوصاف ، والتخلِّي عن المذموم منها ، ومنازلة المقامات ، والترقي عن مفضول المنازلات إلى سَنِي الحالات . وأما الأحوال : فمراقبة الله تعالى في السر والعلن ، والتمكن من الاستقامة على السُّنن . وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) . وتفصيل هذه المعاقد الجملية توجد في تصانيف محققي الصوفية . تنبيه : الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب بأعمالها ، للارتباط الذي بين الباطن والظاهر . والقلب مع الجوارح كالملك مع الرَّعية ؛ إن صلح صلحت ، ثم يعود صلاحها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه . ولذلك قيل : الملك سوق ، ما نفق عنده جلب إليه . وقد نصَّ على هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الرَّجل ليصدق فينكت في قلبه نكتة بيضاء ، حتى يكتب عند الله صديقًا . وإن الرَّجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه حتى يكتب عند الله كذابًا ) . وفي "الترمذي" عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعًا : ( إن الرَّجل ليصيب الذنب ، فيسودّ قلبه ، فإن هو تاب صقل قلبه ) قال : وهو الرَّان الذي ذكر الله تعالى في كتابه : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وقال مجاهد : القلب كالكف تقبض منه بكل ذنب أصبع ، ثم يطبع . وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله : ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ) متصلاً بقوله : ( الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن ) إشعارًا بأن أكل الحلال ينوِّره ، ويُصلحه ، وأكل الحرام والشبهة يفسده ، ويقسيه ، ويظلمه . وقد وجد ذلك أهل الورع ، حتى قال بعضهم : استسقيت جنديًا فسقاني شربة ماء ، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا . وقيل : الأصل المصحِّح للقلوب والأعمال : أكل الحلال . ويخاف على آكل الحرام ، والمتشابه ، ألا يقبل له عمل ، ولا تسمع له دعوة . ألا تسمع قوله تعالى : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وآكل الحرام ، المسترسل في الشبهات ليس بمتق على الإطلاق . وقد عضد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس ! إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وقال : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ثم ذكر الرَّجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يقول : يا رب ! يا رب ! ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنَّى يستجاب لذلك؟! ، ولَمَّا شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها ، فأجهده ذلك حتى تقيأها . فقيل له : أكل ذلك في شربة ؟! فقال : والله! لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ) . وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها ، وعظم المحنة التي ابتلي بها ؛ إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت ، وأنواع الحرام والشبهات قد عمَّت ، فلا يكاد أحدٌ منَّا اليوم يتوصل إلى الحلال ، ولا ينفك عن الشبهات . فإن الواحد منَّا - وإن اجتهد فيما يعمله - فكيف يعمل فيمن يعامله ، مع استرسال الناس في المحرمات والشبهات ، وقلة من يتقي ذلك من جميع الأصناف ، والطبقات ، مع ضرورة المخالطة ، والاحتياج للمعاملة . وعلى هذا : فالخلاص بعيد ، والأمر شديد ، ولولا النهي عن القنوط واليأس ، لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس . لكنَّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرمات ، واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات ، فعفو الله تعالى مأمول ، وكرمه مرجوّ ، فلا ملجأ إلا هو ، ولا مفزع إلا إليه ، ولا استعانة إلا به ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم . تنبيه : هذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة . حتى لقد قال أبو داود : كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، الثابت منها : أربعة آلاف حديث . وهي ترجع إلى أربعة أحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنَّما الأعمال بالنيات ) و( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) و( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) و( الحلال بيِّن والحرام بيِّن ) . وقد جعل غيره مكان ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) قوله : ( ازهد في الدنيا يحبك الله ) . وقد نظم هذا المعنى أبو الحسن طاهر بن مفوز فقال : عُمْدَةُ الدِّين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية اتق المشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية قلت : وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ حسن ، غير أنهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كله ، من أوَّله إلى آخره ، لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ، ظاهرها وباطنها . وإن أردت الوقوف على ذلك فأعد النظر فيما عقدناه من الجمل في الحلال ، والحرام ، والمتشابهات ، وما يصلح القلوب ، وما يفسدها ، وتعلُّق أعمال الجوارح بها . وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلَّها ، أصولها وفروعها . والله هو المسئول أن يستعملنا بما علمنا ، ويوفقنا لما يرضى به عنَّا . إنه ولي ذلك والقادر عليه .
أبواب الصرف والربا ( 25 ) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق ( 1584 ) [1676] عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ ، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . وفي رواية : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ . ( 1585 ) [1677] وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ . ومن أبواب الصَّرف والربا ( 25 ) ومن باب : تحريم التفاضل والنساء الصَّرف : مصدر صرف ، يصرف ، صرفًا : إذا دفع ذهبا ، وأخذ فضة ، أو عكسه . هذا عُرْفُه الشرعي . وحقيقته : بيع ذهب بفضة . وللشرع فيه معنيان : أحدهما : منع النَّساء فيه ، مع اتفاق النوع ، واختلافه ، فلا يجوز بيع ذهب بذهب ، ولا بفضة نَساء . وهذا مجمع عليه . وثانيهما : منع التفاضل في النوع الواحد منهما ، فلا يجوز ذهب بذهب ، ولا فضة بفضة متفاضلاً عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة ، والحجاز ، والشام ، وغيرهم . وفيه خلاف شاذٌّ عن بعض الصحابة مرجوع عنه ، وسيأتي ذكرهم في بابه إن شاء الله تعالى . وقد دلّ على صحة ما ذكرناه من المنعين ، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب ؛ كقوله : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز ) . وفي اللفظ الآخر : ( إلا وزنًا بوزن ، مثلاً بمثل ، سواء بسواء ) وفي رواية : ( يدًا بيد ) وفي أخرى : ( إلا هاء وهاء ) وغير ذلك مما في هذا الباب . فهذه نصوصٌ مؤكدة ، وألفاظ متعددة ، تفيد : أن تحريم التفاضل كتحريم النَّساء ، ويستوي في ذلك أنواع كل جنس منها ، فلا يلتفت للخلاف في ذلك . وسيأتي القول إن شاء الله تعالى على قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الربا في النسيئة ) ثم اختلف العلماء : هل هذا الحكم معلل بعلة ، أو ليس معللاً ؟ فنفاة القياس منعوا ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقا . وممن قال بهذا القول : داود وأتباعه . وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعض من قال بالقياس . بناء على أنه لم يجد دليلاً عليه ، أو : على أنه لم يجد لعلَّة ذلك فرعًا يلحقه بها . فتكون العلَّة قاصرة ، ولا يعلل بالعلة القاصرة . وهو مذهب أبي حنيفة . وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثمانًا . وهل هو معلل بمطلق الثمنية ، فيلحق بذلك كلما يكون ثمنًا كالفلوس ، والجلود المطبوعة إذا تُعُومل بها ، أو بثمنية تكون رءوس الأثمان ، وقيمًا للمتلفات غالبًا ، فتخرج الفلوس ، وغيرها منهما ؟ قولان لأصحابنا . والذي حمل المعللين على القول بالتعليل التمسك بالقاعدة الكلية : إن الشرع جاء باعتبار المصالح . والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل . وقد سبرنا أوصافه ، فلم نجد أولى من هذا ، فتعين أن يكون هو العلَّة . وقد حققنا هذه الأصول في الأصول ، فلتنظر هنالك . و( قوله : ولا تشفوا بعضها على بعض ) أي : لا يكن لأحدهما شفوف على الآخر ؛ أي : زيادة . وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة في هذا ، حتى جعل المتوهّم كالمتحقق . فمنع دينارًا ودرهما بدينار ودرهم ، سدًا للذريعة ، وحَسْمًا للتوهمات ؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا . وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع ، فإنه يلزم منه : ذهب وفضة بذهب . وأوضح من هذا : منعه التفاضل المعنوي . وذلك : أنه منع دينارًا من الذهب العالي ، ودينارًا من الذهب الدُّون بدينارين من الوسط . فكأنه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي ، وألغى الدُّون . وهذا من دقيق نظره رحمه الله تعالى .
( 1586 ) [1678] وعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ : مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَرِنَا ذَهَبَكَ ، ثُمَّ ائْتِنَا ، ثُمَّ إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِيكَ وَرِقَكَ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا وَاللَّهِ ، لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ ، أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . و( قوله : الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء ) الرواية المشهورة في ( هاء ) : بالمد ، وبهمزة مفتوحة ، وكذلك رويته . ومعناها : خذ . فكأنها اسم من أسماء الأفعال . كما تقول : هاؤم . وفيها أربع لغات : إحداها : ما تقدَّم ، وفيها لغتان : إحداهما : أنها تُقال للمذكر والمؤنث ، والواحد والاثنين ، والجمع ، بلفظ واحد ( ها ) من غير زيادة . قال السيرافي : كأنهم جعلوها صوتًا ، كصه ، ومه . وثانيهما : تلحق بها العلامات المفرَّقة . فتقول للذكر : هاءَ ، وللمؤنث : هائي . وللاثنين : هاءا . وللجمع : هاءوا ، كالحال في : هاؤم ، وفي : هلم . الثانية : بالقصر والهمزة الساكنة ، فتقول : هأ ، كما تقول : خَفْ . وفيها اللغتان المتقدمتان . حكاهما ثابت وغيره من أهل اللغة . الثالثة : هاءِ بالمد وكسر الهمزة . وهي للواحد ، والاثنين ، والجميع . بلفظ واحد ، غير أنهم زادوا ياءً مع المؤنث . فقالوا : هائي . الرابعة : ها ، بالقصر ، وترك الهمز . حكاها بعض اللغويين . وأنكرها أكثرهم ، وخُطِّئ من رواها من المحدِّثين كذلك . وقد حكيت لغة خامسة : هاءَكِ ، بمدَّةٍ ، وهمزة مفتوحة ، وكاف خطاب مكسورة للمؤنث . قلت : ولا بُعْد في أن يقال : إن ( هاء ) هذه هي اللغة الأولى ، وإنما زادوا عليها كاف الخطاب المؤنث خاصة ، فلا تكون خامسة . ومعنى : ( هاء وهاء ) : خذ وهات في هذه الحال من غير تراخ ، كما قال : ( يدًا بيد ) . وقد بالغ مالك رحمه الله في هذا ، حتى منع المواعدة على الصرف ، والحوالة ، والوكالة على عقد الصرف دون القبض . ومنع أن يعقد الصرف ، ويقوم إلى قعر دكانه ، ثم يفتح صندوقه ، ويخرج ذهبه . بناء على ما تقدَّم من أصله . وهذا هو الذي فهمه عمر ـ رضي الله عنه ـ عن الشرع حين قال : ( وإن أنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره ، إني أخاف عليكم الربا ) . وقال : ( دعوا الربا والريبة ) . و( الورق ) - بكسر الراء - : الفضة . وهو اسم جنس معرَّف بالألف واللام الجنسيتين ، فيتضمن ذلك الجنس كله ، مسكوكه ، ومصوغه ، وتبره ، ونقاره . وكذلك الذهب ، فلا يجوز مصوغ بتبر إلا مثلاً بمثل . وكذلك جميع أنواعها . وليس له أن يستفضل قيمة الصنعة ، ولا عمالتها . وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
( 36 ) باب الشفعة ( 1608 ) [1700] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَ لَمْ يُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وفي رواية : مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ . وفي أخرى : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ ، أَوْ رَبْعٍ ، أَوْ حَائِطٍ . وذكر نحو الأول . ( 36 ) ومن باب : الشفعة ( قوله : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة في كل شرك لم يُقْسَم ) أي : حكم ، وألزم . والشُّفعة في اللغة : هي الضم ، والجمع ، كما قدمناه في الإيمان . وهي في عرف الشرع : أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به ، وهي حق للشريك على المشتري ، فيجب عليه أن يُشْفِعَهُ ، ولا يحل له الامتناع من ذلك . و( الشرك ) : النصيب المشترك . وقد يقال على الشريك ، كقوله تعالى : جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ؛ أي : شريكًا . ويدل على أن الشفعة إنما تستحق بالاشتراك في رقبة الملك ، لا باستحقاق منفعة في الملك ، كممر طريق ، ومسيل ماء ، واستحقاق سكنى ؛ لأن كل ذلك ليس بشرك . و( قوله : لم يقسم ) يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع ؛ الذي يتأتى إفرازه بالقسمة ، فلا تجب فيما لا ينقسم ، كالحمَّام ، والرَّحا ، وفحل النخل ، والبئر ، وما أشبه ذلك مما لا ينقسم . وأعني بكونه لا ينقسم : أنه لو قسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسم . كالحمَّام إذا قسم بطل كونه حمامًا ، وكذلك الرَّحا . وهذا هو مشهور المذهب . وقيل : تجري الشفعة في ذلك لأنه وإن بطل كونه حمامًا فيصح أن ينقسم بيوتًا مثلاً ، أو دكاكين . والظاهر الأول ، وهو قول ابن القاسم ؛ لأنه يلزم من قسمه إفساد مالية عظيمة ، وذلك ضرر عظيم فيدفع . و( قوله : رَبْعَة ، أو حائط ، أو أرض ) الرواية الصحيحة فيه بخفض ربعة وما بعده على البدل من : ( كل شرك ) فهو تفسير له ، وتقييد . والرَّبعة : تأنيث الرَّبع . وهو : المنزل . ويجمع ربوعًا ، وإنما قيل للمنزل ربع ؛ لأن الإنسان يربع فيه ؛ أي : يقيم . يقال : هذه ربع ، وهذه ربعة . كما يقال : دار ، ودارة . والحائط : بستان النخل . والأرض يعني بها : البراح الذي لا سكن فيها ولا شجر ، وإنما هي معدَّة للزراعة . وقد دلَّ هذا الحديث : على أن الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة . وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه . واختلف فيما عدا ذلك . فذهب بعض المكيين إلى وجوبها في كل شيء من العقار ، والحيوان ، والعروض ، والأطعمة . وإليه ذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه معتمدًا في ذلك على ما خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا : ( الشريك شفيع ، والشفعة في كل شيء ) . وروى الطحاوي نحوه مرفوعًا ، ومُتمسِّكًا في ذلك بقياس غير العقار عليه ، بعلِّة وجود الاشتراك ، ولا حجة في ذلك ؛ لأن الحديث ليس بصحيح الإسناد . وإنما صحيحه مرسل ، ولو سلمنا صحته ، لكنه مقيّد بما ذكرناه من قوله : ( ربعة ، أو حائط ، أو أرض ) . ومثل هذا التقييد متفق على قبوله عند أهل الأصول ؛ لأنه قد اتفق فيه الموجب والموجب ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الشفعة فيما لم يقسم : ربعة ، أو حائط ، أو أرض ) . فأتى بـ ( إنَّما ) التي هي للحصر . وهو أيضًا مفهوم من الألف واللام في قوله : ( الشفعة فيما لم يقسم ) وبدليل : زيادة البخاري في هذا الحديث : ( فإذا ضربت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة ) وهذا نصٌّ في أن الشفعة مخصوصة بما ذكر في ذلك الحديث . وأما ذلك القياس : فليس بصحيح لوجود الفرق بين الفرع والأصل ، فإن الأصل الذي هو العقار يعظم الضرر فيه على الشريك بمشاركة الأجنبي له ، ومخالطته ، فقد يؤذيه ، ولا يقدر على التخلص منه لصعوبة بيع العقار ، وتعذر ذلك في أكثر الأوقات ، وليست كذلك العروض ، وما ينقل ويحوَّل ، فإن الانفصال عن الشركة فيه يسير لسهولة بيعها ، والخروج عنها في كل الأوقات ، وأكثر الحالات ؛ فانفصلا ، فلا يصح القياس . وإذا ثبت : أن الشفعة شرعت لرفع الضرر الكثير اللازم . فهل الوصفان جزءا علَّة ، فلا تجري الشفعة إلا فيما اجتمعا فيه ، أو يكون كل واحد منهما علّة مستقلة ؟ فيه احتمال . وعليه ينبني الخلاف الذي عند أصحابنا في الشفعة في الثمرة ، والدِّيون ، وكتابة المكاتب ، والكراء ، والمساقاة . فإن الضرر فيها يعظم ، وإن لم يلازم . فمن رأى أنه علَّة مستقلة أوجب الشفعة ، ومن رأى أن العلَّة مجموع الوصفين منعها في ذلك كله . وذهب الشعبي : إلى أنه لا شفعة في مشاع لا يسكن . وقال ابن شعبان مثله عن مالك . فلا شفعة على هذا في أرض ، ولا عقار يتخذ للغلَّة . وهو مخالف للحديث المتقدم . فإنه قد نص فيه على الحائط . وهذا المتخذ للغلَّة . وعلى الأرض ، وهي تراد للزراعة . والصحيح : الأول . وذهب الجمهور : إلى أن الشفعة لا تجب في الجوار ؛ وهو مذهب عمر ، وعلي ، وعثمان ، ومن بعدهم ، كسعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وربيعة ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وذهب أبو حنيفة والكوفيون : إلى أنه تجب به الشفعة ، وبه قال ابن مسعود . وسببهما معارضة حديثين صحيحين : أحدهما : حديت جابر المتقدم . وقد خرَّجه البخاري . ولفظه فيه : ( الشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق ، فلا شفعة ) . وثانيهما : خرَّجه البخاري عن أبي رافع قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( الجار أحق بصقبه ) . وقد خرَّجه الترمذي من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجار أحق بشفعته ، ينتظر إن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا ) . وقد تأوَّل بعض العلماء ( الجار ) في حديث البخاري بأنَّه الشريك ، كما قد تأول بعضهم : أن ( الصقب ) المذكور فيه حق الجوار ، كما قال في الحديث الآخر : أن رجلا قال : يا رسول الله ! إن لي جارين . فإلى أيُّهما أُهدي ؟ قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) . وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ . فإن حديث الترمذي ينصّ على خلاف ذلك . وأشبه ما يقال في ذلك - فيما يظهر لي - : إن حديث جابر الأول أرجح ، لما قارنه من عمل الخلفاء ، وجمهور العلماء ، وأهل المدينة ، وغيرهم ، والله تعالى أعلم . وأيضًا فإن أحاديث الجمهور مشهورة متفق على صحتها . وأحاديث الكوفيين ليست بمنزلتها في ذلك ، فهي أولى . تفريع : قال سفيان : الشريك أولى بالشفعة ، ثمَّ الجار الذي حدُّه إلى حدَّه . وقال أبو حنيفة : الشريك في الملك ، ثم الشريك في الطريق ، ثم الجار الملاصق ، ولا حق للجار الذي بينك وبينه الطريق . و( قوله : لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ) وفي طريق أخرى : ( لا يصلح ) مكان : ( لا يحل ) . هو محمول على الإرشاد إلى الأولى ، بدليل قوله : ( فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به ) . ولو كان ذلك على التحريم لذمَّ البائع ، ولفسخ البيع ، لكنه أجازه وصحَّحه ، ولم يذمّ الفاعل ، فدلَّ على ما قلناه . وقد قال بعض شيوخنا : إن ذلك يجب عليه . و( قوله : فإن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ) يعني : إن شاء أخذ الشقص بما أعطي به من الثمن ؛ لأنه أحق به بعد البيع ، فيكون له بما أعطي به من الثمن قبله . وفيه دليل : على أن من نزل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع ، ولم يكن له أن يرجع فيه . وبه قال الثوري ، وأبو عبيد ، والحكم . وهي إحدى الروايتين عن مالك ، وأحمد بن حنبل . وذهب مالك في المشهور عنه ، وأبو حنيفة ، وعثمان البتي ، وابن أبي ليلى : إلى أن له الرُّجوع في ذلك ، وهذا الخلاف جار في كل من أسقط شيئًا قبل وجوبه ، كإسقاط الميراث قبل موت المورث ، وإجازة الوارث الوصية قبل الموت ، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السَّنة القابلة . ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان . و( قوله : وإن باع فهو أحق به ) يعني : أن الشريك أحق به بالثمن الذي اشتراه به المشتري من عين أو عرض ، نقدا أو إلى أجل . وهو قول مالك وأصحابه . وذهب أبو حنيفة والشافعي : إلى أنَّه لا يشفع إلى الأجل ، وأنه إن شاء شفع بالنقد ، وإن شاء صبر إلى الأجل ، فيشفع عنده . واختلف أصحابنا إذا لم يعلم الشفيع إلا بعد حلول الأجل . هل يضرب له مثل ذلك الأجل ، أو يأخذه بالنقد ؛ على قولين . و( قوله : من كان له شرك ) عموم في المسلم وفي الذمِّي . وهو قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة . وحكي عن الشعبي ، والثوري : أنه لا شفعة للذمِّي ؛ لأنه صاغر . وهو قول أحمد . والصواب : الأول للعموم ، ولأنَّه حق جرى بسببه ، فيترتب عليه حكمه من استحقاق طلبه وأخذه ، كالدَّين ، وأرش الجناية . و( قوله في حديث البخاري : فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة ) حجة للجمهور على الكوفيين القائلين بوجوب الشفعة لجار الدار . وقد ذهب بعض شيوخنا : إلى أن حديث الترمذي في شفعة الجار محمول على الندب ، لا على الوجوب . قلت : أحاديث الشفعة إنما جاءت في انتقال الملك بالبيع ، ويلحق به ما في معناه من المعاوضات ، كدفع الشَّقص في صداق ، أو أجرة ، أو أرش جناية ، وما أشبه ذلك . فهذا فيه الشفعة . ولا ينبغي أن يختلف فيه ؛ لأنه من أقوى مراتب الإلحاق . وأما انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه ؛ لأنه لا يصح إلحاقه بالمعاوضات ؛ لأنه انتقال في غير عوض ؛ ولا اختيار ، فلا شفعة فيه بوجه . وقد حكي الاتفاق على ذلك ، غير أنه قد انفرد الطابقي فحكى عن مالك : أنه رأى الشفعة في الميراث . وهو قول شاذّ ، منكر نقلاً ونظرًا . واختلف في المنتقل بالهبة ، والصدقة . هل فيه شفعة أو لا ؟ على قولين مشهورين . سببهما : تردّد الصدقة والهبة بين المعاوضات والميراث . فمن حيث إنه انتقال عن اختيار يشبه البيع ، ومن حيث إنه خلي عن العوض أشبه الميراث . والأولى - والله أعلم - إجراء الشفعة فيها ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( الشفعة في كل شرك لم يقسم ) ولم يفرق بين جهات الأملاك . وللحوق الضرر الشديد الملازم الداخل على الشريك اختيارًا . ولا يُرَدُّ الميراث ؛ لأنَّه ملك جبري ، لا اختيار فيه للمنتقل إليه ، والله تعالى أعلم .
( 28 ) باب من قال : إن البُرَّ والشعير صنف واحد ( 1592 ) [1683] عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ فَقَالَ: بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ ، وقِيلَ : فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ . ( 28 ) ومن باب : من قال : إن البُرَّ والشعير صنف واحد قد تقدَّم ذكر الخلاف في عدَّ البُرِّ والشعير صنفًا واحدًا بما يغني عن إعادته ، لكنا نبين في هذا الحديث : أن حديث معمر لا حجة فيه لأصحابنا ، وإن كانوا قد أطبقوا على الاحتجاج به . ووجه ذلك : أن غايتهم في التمسك به أن يحتجوا بمذهب معمر . وهو صحابي ، وهو أعلم بالمقال ، وأقعد بالحال . قلت : إن قول معمر هذا رأي منه ، لا رواية . وما استدل به من قوله صلى الله عليه وسلم : ( الطَّعام بالطَّعام ) لا حجة له فيه ؛ لأنه إن حمل على عمومه لزم منه : ألا يباع التمر بالبُرِّ ، ولا الشعير بالملح ، إلا مثلاً بمثل . وذلك خلاف الإجماع ، فظهر : أن المراد به : الجنس الواحد من الطَّعام . وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الأجناس المختلفة في حديث عبادة بن الصامت وغيره ، وفصَّلها واحدًا واحدًا ، ففصل التمر عن البر ، والشعير عنه ، ثم قال بعد ذلك : ( فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم ) . ثم الظاهر من فتيا معمر : أنها إنما كانت تقية وخوفا . ألا ترى نصَّه ، حيث قال : إني أخاف أن يُضَارع ؟! والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا في قول غيره .
( 1613 ) [1702] وعنه : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ ، جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ . و( قوله : إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبع أذرع ) هذا محمول على أمهات الطرق ؛ التي هي ممر عامة الخلق بأحمالهم ، ومواشيهم . فإذا تشاح من له أرض تتصل بها مع من له فيها حق جعل بينهما سبع أذرع ، بالذراع المتعارفة في ذلك طريقًا للناس ، وخلي بينهما وبين ما زاد على ذلك . وأما بنيات الطرق فبحسب ما تدل عليه العادة ، وتدعو إليه الحاجة ، وذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال المتنازعين . فليست طريق من عادته استعمال الدواب والمواشي وأهل البادية كعادة من لا يكون كذلك من أهل الحاضرة ، ولا مسكن الجماعة كمسكن الواحد والاثنين ، وإنما ذلك بحسب مصلحتهم . وعلى هذا يحتاج أهل البادية من توسيع الطريق إلى ما لا يحتاج إليه أهل الحاضرة . وتحتاج طرق الفيافي والقفار من التوسيع أكثر من سبع أذرع ؛ لأنها مجرُّ الجيوش والرِّفاق الكبار . وهذا كله تفصيل أصحابنا ، وصحيح مذهب مالك . ولو جعل الطريق في كل محل سبع أذرع لأضر ذلك بأملاك كثير من الناس . ويلزم أن تجعل بنيَّات الطرق من الأزقة وغيرها كالأمهات المسلوكة للناس ، وكطرق الفيافي . وذلك محالٌّ عادي ، وفساد ضروري .
)37 ) باب غرز الخشب في جدار الغير ، وإذا اختلف في الطريق ( 1609 ) [1701] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . ( 37 ) ومن باب : غرز الخشب في جدار الغير ، وإذا اختلف في الطريق ( قوله : لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ) اختلف العلماء في تمكين رب الحائط من هذا عند السؤال . فصار مالك في المشهور عنه ، وأبو حنيفة : إلى أن ذلك من باب الندب ، والرفق بالجار ، والإحسان إليه ، ما لم يضر ذلك بصاحب الحائط . ولا يجبر عليه من أباه ، متمسكين في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ) ولأنه لما كان الأصل المعلوم من الشريعة : أن المالك لا يجبر على إخراج ملك عن يده بعوض ، كان أحرى وأولى ألا يخرج عن يده بغير عوض . وصار آخرون : إلى أن ذلك على الوجوب ، ويجبر من أباه عليه . وممن ذهب إلى ذلك : الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وداود بن علي ، وأبو ثور ، وجماعة من أهل الحديث ، وهو مذهب عمر . وحكي ذلك عن الْمُطَّلب - قاضٍ كان بالمدينة - يقضي به ، متمسكين بظاهر النهي المذكور ، ولأنه قد روي من طريق آخر عن أبي هريرة في هذا الحديث : ( لا يحل لامرئ مسلم أن يمنع جاره أن يغرز خشبات في جداره ) . وبقضاء عمر ـ رضي الله عنه ـ على محمد بن مسلمة وعلى يحيى المازني بمثل ذلك من المرور بالربيع ، وتحويله في أرضهما ، على ما رواه مالك في الموطأ . ولم يسمع بمخالف له في ذلك من الصحابة غير محمد بن مسلمة . وهو المحكوم عليه . قلت : وقد دفعت كل طائفة ما احتجت به الأخرى بوجوه من التأويلات لا تبعد على من تأملها ، تركناها لطولها . والأولى : القول الأول ؛ لأنه الذي تشهد له الأصول . فرع على القول بالندب : إذا أذن له في ذلك إذنًا مطلقا لم يكن له أن يطالبه بقلعها إلا إن دعت إلى ذلك ضرورة ، كبناء الجدار ، أو شيء لا بدّ منه ؛ لأن الإذن المطلق يقتضي التأبيد ، فإن أذن له إلى مدَّة معينة فله ذلك عند انقضائها . و( قوله : أن يغرز خشبة ) روي بتوحيد ( خشبة ) وبجمعها ، قال الطحاوي عن روح بن الفرج : سألت أبا زيد ، والحارث بن مسكين ، ويونس بن عبد الأعلى عنه . فقالوا : ( خشبة ) بالنصب والتنوين واحدة . قال عبد الغني : كل الناس يقولون بالجمع إلا الطحاوي . قلت : وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف ؛ لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة به . وأما إذا قال : خُشُبَهُ ؛ فقد لا يتسامح في الكثير منها ، ويثقل ذلك للحوق الضرر بذلك . حكي : أن يونس بن عبد الأعلى الصُّدفي سأل عبد الله بن وهب : كيف تروي الحديث : ( خشبة ) على الإفراد ؛ فقال : الذي سمعناه من جماعة : ( خشبة ) على لفظ الواحد . وقال عبد الغني بن سعيد الحافظ : كل الناس يقوله على الجمع إلا الطحاوي . ورجَّح بعض الأشياخ ما قاله عبد الغني بن سعيد بالألفاظ الواردة في طرق الحديث منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس لجار أن يمنع جاره أن يضع أعواده على جداره ) . وفي رواية أخرى : ( أن يضع جذوعه ) وفي أخرى : ( أن يغرز خشبًا ) وفي أخرى : ( أطراف خشب ) . فهذه الألفاظ جميعها توضح : أنه جمع . و( قوله : ما لي أراكم عنها معرضين ) الضمير في ( عنها ) يعود إلى المقالة التي صدرت منه لهم . وأنثها على المعنى . وهذا القول منه إنكارٌ عليهم ، لما رأى منهم من الإعراض واستثقال ما سمعوه منه ، وذلك : أنهم لم يقبلوا عليه ، بل طأطؤوا رؤوسهم ، كما رواه الترمذي في هذا الحديث . و( قوله : والله لأرمين بها بين أظهركم ) وفي أخرى : ( لأضربن بها بين أعينكم وإن كرهتم ) ذكرها أبو عمر ؛ أي : لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة . ولا تقية ، وأوقعها بينكم كما يوقع السهم بين الجماعة . ففيه من الفقه : تبليغ العلم لمن لم يرده ، ولا استدعاه ؛ إذا كان من الأمور المهمة . ويظهر منه : أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب ، وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك . وأما رواية : ( لأضربن بها أعينكم ) : فهي على جهة المثل ؛ الذي قصد به الإغياء في الإنكار ؛ لأنه فهم عنهم الإعراض عما قال ، والكراهة ، فقابلهم بذلك . والرواية المشهورة : ( أكتافكم ) - بالتاء باثنتين من فوقها - جمع : كتف . وقد وقع في الموطأ من رواية يحيى : ( أكنافكم ) بالنون ، جمع : كنف ، وهو : الجانب .
( 29 ) باب فسخ صفقة الربا ( 1594 ) [1684] عن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ . فَقَالَ بِلَالٌ: تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٌ ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ ، عَيْنُ الرِّبَا ، لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ . ( 1594 ) ( 97 ) [1685] وعنه قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ فَقَالَ: مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا . فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا . ( 1594 ) ( 98 ) [1686] وعنه قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنْ التَّمْرِ ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ . ( 29 ) ومن باب : وفسخ صفقة الرِّبا ( البَرْنِّي ) : نوع من أجود أنواع التمر . وكذلك : الجنيب . و( الجمع ) خلطٌ من التَّمر . وقيل : هو من أدنى التَّمر . و( قوله صلى الله عليه وسلم لبلال : من أين هذا ؟ ) دليل : على أن للإنسان أن يبحث عمَّا يستريب فيه ، حتى ينكشف له حاله . و( قوله : أوَّهْ ) كلمة تحزُّن ، وتوجُّع . وهي مقصورة الهمزة ، مشدَّدة الواو ، ساكنة الهاء . وقد قيلت أيضا : بمد الهمزة . وقد قيلت أيضًا : ( أووه ) . و( قوله : عين الربا ) أي : هو الربا المحرم نفسه ، لا ما يشبهه . و( قوله : لا تفعل ) وفي الرواية الأخرى : ( فردُّوه ) يدل على : وجوب فسخ صفقة الربا ، وأنها لا تصح بوجه . وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول : إن بيع الربا جائز بأصله ، من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الرِّبا ، ويصحَّ البيع . ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ، ولأمره برد الزيادة على الصَّاع ، ولصحَّح الصفقة في مقابلة الصَّاع . و( قوله : ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ، ثم اشتر به ) وفي الرواية الأخرى : ( بيعوا تمرنا ، واشتروا لنا من هذا ) قد يحتج بإطلاقه من لم يقل بسدِّ الذرائع . وهو الشافعي ، وأبو حنيفة ، وكافتهم ، فأجازوا شراء ( البرني ) مثلاً ممن باع منه ( الجمع ) . ومنعه مالك رحمه الله على أصله في سدِّ الذرائع . فإن هذه الصورة تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً ، ويكون الثمن لغوا . ولا حجة لهم في هذا الحديث ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باع منه التمر الأول ، ولا تناوله ظاهر اللفظ بعموم ، بل بإطلاقه . والمطلق يحتمل التقييد احتمالاً يوجب الاستفسار ، فكأنه إلى الإجمال أقرب . وبهذا فرق بين العموم والإطلاق . فإن العموم ظاهر في الاستغراق ، والمطلق صالح له ، لا ظاهر فيه . وإذا كان كذلك فيتقيد بأدنى دليل . وقد دلَّ على تقييده الدليل الذي دلَّ على سدِّ الذرائع ، كما بيَّنَّاه في الأصول . وقد نصَّ ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ على منع مثل هذا ، حيث منع فقال : ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ . وفي هذا الحديث من الفقه جواز اختيار طيبات الأطعمة دون أدانيها . وجواز الوكالة . وفيه ما يدلُّ على أن البيوع الفاسدة كلَّها تفسخ ، وتُرَدُّ إذا لم تفت .
( 30 ) باب ترك قول من قال : لا ربا إلا في النسيئة ( 1594 ) ( 100 ) [1687] عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا اللَّوْنَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ . قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعْرَ هَذَا كَذَا ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْبَيْتَ ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ ، فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَكَرِهَهُ . ( 30 ) ومن باب : ترك قول من قال : لا ربا إلا في النسيئة ( قول أبي نضرة : سألت ابن عمر ، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا ) يعني به : صرف الذهب بالذهب ، أو الفضة بالفضة . سألهما عن التفاضل بينهما ، فأفتياه بالجواز أخذًا منهما بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الربا في النسيئة ) فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر ، فكأنه قال : لا ربا إلا في النسيئة . وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاري ، وهو مقتضى قوله هنا : ( لا ربا فيما كان يدًا بيد ) فينتفي ربا الفضل . وقد قدَّمنا : أن هذا الخلاف شاذٌّ ، متقدَّم ، مرجوع عنه ، كما قد نص عليه هنا من رجوع ابن عمر ، وابن عبَّاس عنه . وممن قال بقولهما من السَّلف : عبد الله بن الزبير ، وزيد بن أرقم ، وأسامة بن زيد . ولا شك في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة ، وأبي سعيد ، وغيرهما . فإنَّها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل . ولَمَّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفية التخلص من ذلك على أوجهٍ ، أشبهها وجهان : أحدهما : أن حديث ابن عباس منسوخ بحديث عبادة وأبي سعيد ، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ نقلاً صريحًا ، وإنما أخذوه من رجوع ابن عباس عن ذلك ، ومن عمل الجمهور من الصحابة وغيرهم من علماء المدينة على خلاف ذلك . قلت : وهذا لا يدل على النسخ ، وإنما يدل على الأرجحية . وثانيهما : إن قوله : ( لا ربا إلا في النسيئة ) . إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرَّمه الله بنص القرآن ، وتوعَّد عليه بالعقاب الشديد ، وجعل فاعله محاربًا لله ، وذلك بقوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ إلى آخر الآيات ، وما كانت العرب تعرف ربًا إلا ذلك ، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم : إما أن تقضي ، وإما أن تربي ؛ أي تزيد في الدَّين . وهذا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لما قال : ( ألا إن كل ربًا موضوع ، وإن أول ربًا أضعه ربانا ربا عباس ) . وهذا كما تقول العرب : إنما المال الإبل ، وإنما الشجاع عليٌّ ، وإنما الكريم يوسف ابن نبي الله . ولا عالم في البلد إلا زيد . ومثله كثير . يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل ، لا نفي الأصل . وهذا واضح . ومما يقرب فيه هذا التأويل جدًّا رواية من روى : ( لا ربا فيما كان يدًا بيد ) أي : لا ربا كثير أو عظيم ، كما قال : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) أي : لا صلاة كاملة . قلت : ويظهر لي وجه آخر وهو حسن . وذلك : أن دلالة حديث ابن عباس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم ، ودلالة إثباته دلالة بالمنظوم . ودلالة المنظوم راجحة على دلالة المفهوم باتفاق النظار ، والحمد لله . و( قول أبي سعيد : كان تمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اللون ) يشير به إلى أنه نوع رديء من التمر ، وهو الذي سُمِّي في الحديث المتقدم بالجمع . و( قوله : فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربًا ، أم الفضة بالفضة ؟ ) استدلال نظري ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحق . وهي أقوى طرق القياس . ولذلك وافق على القول بها أكثر منكري القياس ، وقد بيَّنَّاه في الأصول ، وكأن أبا سعيد ـ رضي الله عنه ـ إنما عدل إلى هذه الطريقة لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة ، وفضالة المتقدِّمة . وهي أحق وأولى بالاستدلال بها على ذلك .
( 1596 ) ( 104 ) [1688] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أنه لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ ، أَشَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا لَا أَقُولُ ، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ ، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعْلَمُهُ ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . وفي رواية : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ . و( قول أبي سعيد لابن عباس : أرأيت قولك في الصرف ، أشيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيئًا وجدته في كتاب الله ؟ ) سؤال منكر لما سمعه ، طالب للحقيقة بالدليل ، بان على أن لا دليل على الأحكام الشرعية إلا الكتاب والسُّنة . و( قول ابن عباس : كلا ، لا أقول ) أي : لم أسمع فيه من النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ، ولا فهمت من كتاب الله ، ثم أخذ فأسند الحديث عن أسامة ، وأخبر أنه سمعه منه ، فثبت الحديث بنقله - وهو الإمام العدل - عن أسامة ذي المآثر والفضل . فلا شك في صحة سند الحديث ، وإنما هو متروك بأحد الأوجه المتقدمة ، والله أعلم . و( قول ابن عباس : أمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أعلم به مني ) أي : بأحاديثه ، فإنَّهم أسن منه ، وهم ملازموه حضرًا وسفرًا ، فعندهم من حديثه ما ليس عنده لصغر سنه ، وقد بيَّنَّا : أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وابن عبَّاس لم يحتلم ، والذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث يسيرة ، وأكثر حديثه عن كبار الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وفي سِنِّهِ يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال . قيل : عشر . وقيل : خمس عشرة . وقيل : ثلاث عشرة . قال أبو عمر : وهو الذي عليه أهل السِّير والعلم . وهو عندي أصح .
( 38 ) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض ( 1610 ) ( 139 ) [1703] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا ، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْرًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا ، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا . فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأعم بَصَرَهَا ، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا . قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا ، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ . وفي رواية : فَقَالَ سعيد : دَعُوهَا وَإِيَّاهَا . وفيها : فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ . ( 1612 ) [1704] وعَنْ أَبي سَلَمَةَ ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ ، اجْتَنِبْ الْأَرْضَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ . ( 1611 ) [1705] ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( 38 ) ومن باب : إثم من غصب شيئًا من الأرض ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين ) هذا وعيدٌ شديدٌ ، يفيد : أن أخذ شيء من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غضب ، أو سرقة ، أو خديعة ، قليلاً كان أو كثيرًا . ألا تسمع قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإن كان قيد شبر ) . واختلف في معنى : ( طوقه ) . فقيل : معناه : كلّف أن يطيق حمله ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وقد جاء في غير "مسلم" : ( جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين ) وفي أخرى : ( كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر ) . وقيل : جعلت في عنقه كالطَّوق ؛ كما قال تعالى : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وهو ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها : ( طوقه من سبع أرضين ) . وقيل : خسف به في مثل الطوق منها . وهو ظاهر قوله : ( طوقه الله إلى سبع أرضين ) . وفي " البخاري " نصًّا : ( خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين ) . وقيل : يجمع ذلك كله عليه . وقد دلّ على ذلك ما رواه الطبري في هذا الحديث ، وقال : ( كلفه الله حمله حتى يبلغ سبع أرضين ، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقْضي الله بين الناس ) . والله تعالى أعلم . وفيه ما يدل : على أن الأرضين سبع ، كما قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ؛ أي : في العدد ؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار ، فتعيَّن العدد ، والله تعالى أعلم . وقد استدل به الداودي : على أن السبع الأرضين لم يفتق بعضها من بعض . قال : لأنه لو فتق بعضها من بعض لم يطوق منها ما ينتفع به غيره . وقد جاء في غلظهن ، وما بينهن خبر ، وليس في ذلك شيء صحيح . وقد استدل غيره به : على أن من ملك شيئًا من الأرض ملك ما تحته مما يقابله . فكل ما يجد فيه من معدن ، أو كنز فهو له . وقد اختلف في ذلك في المذهب . فقيل ذلك ، وقيل : هو للمسلمين . وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره . وكذلك : أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد ، فيُمْنَع . وقول مروان لما سمع الحديث : ( لا أسألك بينة ) قرأناه بفتح الكاف على خطاب سعيد ، وهو صحيح ، وفيه إشكال ، وذلك : أن الأرض كانت في يد سعيد وادعت المرأة : أنَّه غصبها إيَّاها . ألا ترى قول عروة : إن أروى ادعت على سعيد : أنه أخذ لها شيئًا من أرضها ، فهو المدَّعى عليه ، وكيف يكلف المدَّعى عليه إقامة البينة على إبطال دعوى الْمُدَّعِي ؟! وإنما القضاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي المدَّعِي : ( شاهداك أو يمينه ) وإنما يصلح أن يخاطب بهذه الكاف المدَّعِية . وعلى هذا : فينبغي أن تكون مكسورة ، ويكون مروان قال ذلك لها كفًّا لها عن تماديها على دعواها ؛ لعلمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله ، لا أن الخبر الذي ذكره يدلُّ على براءته من دعواها ، لكن ما كان معلومًا من دين سعيد ومن ورعه وفضله ، وأنه مشهود له بالجنة ، وعظم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة مع نزارة هذا القدر المدّعى عليه به . فحصل عند مروان العلم بصدقه ، فقال للمرأة : لا أسألك بينة ؛ أي : لأنك لا تجدينها بوجه . ثم إنه لم يقض بينهما بشيء ، ولم يحوجه سعيدٌ إلى قضاء ، بل بادر إلى أن سلم لها ما ادَّعته وزادها من أرضه . فقال : دعوها لها . قلت : فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب ، فإنه إن كان متوجهًا لسعيد لزم أن يكون مروان عدل عن جهة القضاء المنصوص عليها ؛ التي لا اختلاف فيها ، وأن سعيدًا أقرَّه عليها . وكل ذلك باطل ، فتعيَّن ما اخترناه ، والله تعالى أعلم . ويعني بـ ( البينة ) : من يشهد لسعيد بصحة الحديث الذي رواه ، لأنه صدقه في الرواية ، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك ، ولم يرد بالبينة هنا : الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها ؛ لأنها لا تلزم المدّعى عليه ، فكيف يسقط عنه ما لا يلزم ؟ و( قول سعيد : اللهم ! إن كانت كاذبة فأعم بصرها ، واقتلها في أرضها ) دليلٌ على أن سعيدًا استجاز الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه . وفيه إشكال مع قوله تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وقوله : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ووجه الإشكال : أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم والغاصب زيادة على القصاص ، أو على مقدار ما أخذ ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على ذلك ، لإمكان الإجابة ، فتحصل الزيادة الممنوعة ، ولو لم يستجب له ؛ أليس قد أراد وتمنى شرًّا زائدًا على قدر الجناية للمسلم ؟! وهو ممنوع منه ، وإنما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم : أن يقول : اللهم خذ لي حقي منه . اللهم افعل به ما فعل ، وما أشبه ذلك وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ويجاب عنه بالفرق بين الدَعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه ، وبين أن يفعل به أكثر مما ظلم فيه ؛ فإن الدعاء ليس مقطوعًا بإجابته ، فإذا صدر عن المظلوم بحكم حرقة مظلمته ، وشدَّة موجدته ، لم نقل : إنه صدر عنه محرَّم ، وغاية ذلك : أن يكون ترك الأولى ؛ لأنه منتصر ، ولأنه لم يصبر . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إيَّاك ودعوة المظلوم ، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ) ويدل على جواز ذلك : ما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً خَلِق الثياب ، فأمره أن يلبس ثوبيه ، فلما لبسهما قال : ( ما له ؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيرًا ) وفي كتاب أبي داود : عن سعيد بن غزوان ، عن أبيه : أنه مرَّ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك ، وهو يصلي ، فقال : ( قطع صلاتنا ، قطع الله أثره ) قال : فما قمت عليهما إلى يومي هذا - يعني : رجليه- ؛ فدلَّ هذا على أن الدَّعاء المذكور ليس محرَّمًا . وأما قوله : إنه أراد الشرَّ للظالم وتمنَّاه . فنقول بجواز ذلك ، ليرتدع الظالم عن شره ، أو غيره ممن يريد الظلم والشر . ولو سلمنا : أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال : إنه لا يلزم من الدُّعاء بالشر أن يكون ذلك الشر متمنَّى ، ولا مرادًا للدَّاعي ، فإن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر ؛ بحكم بادرة الغضب ، ولا يريد وقوعه به ، ولا يتمناه ، والله تعالى أعلم .
( 26 ) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح ( 1587 ) [1679] عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ: غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً ، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . في رواية : الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ . فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ، قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ، ( أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ ) مَا أُبَالِي أَلَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ . قَالَ حَمَّادٌ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ . وفي رواية : مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ . ومن حديث أبي هريرة : فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهوْ ربا . ( 26 ) ومن باب : تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح الرِّبا في اللغة : الزيادة مطلقا . يقال : ربا الشيء ، يربو : إذا زاد . ومنه الحديث : ( فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها ) يعني به : الطَّعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة . ثم إن الشرع قد تصرَّف في هذا الإطلاق ، فقصره على بعض موارده ، فمرَّة أطلقه على اكتساب الحرام كيفما كان ، كما قال تعالى في اليهود : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ولم يرد به الرِّبا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا ؛ وإنما أراد المال الحرام ، كما قال تعالى : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ يعني به : المال الحرام من الرُّشا ، وما استحلوه من أموال الأميين حيث : قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وعلى هذا : فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب . والربا الذي غلب عليه عُرْفُ الشرع : تحريم النَّساء ، والتفاضل في النقود ، وفي المطعومات ، على ما تقدم وعلى ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . و( قوله : غزونا غزاة ، وعلى الناس معاوية ) يعني : أميرًا ، لا خليفة ؛ فإن زمان خلافته متأخر عن ذلك الوقت بكثير . و( قوله : فغنمنا آنية من فضة ، فأمر معاوية أن يبيعها في أُعطيات الناس ) هذا البيع لهذه الآنية كان بالدَّراهم ، ولذلك أنكره عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ واستدلّ عليه بقوله : ( الفضة بالفضة ) ولو كان بذهب أو عرض لَمَا كان للإنكار ، ولا للاستدلال وجه . و( قوله : فتسارع الناس في ذلك ) يعني في شراء تلك الآنية بالدَّراهم . وهو يدلُّ على أقلية العلماء ، وأن الأكثر الجهال . ألا ترى معاوية ـ رضي الله عنه ـ قد جهل ذلك مع صحبته ، وكونه من كُتَّاب الوحي ، ويحتمل أن يقال : إن معاوية كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس وغيره . والأول أظهر من مساق هذا الخبر . فتأمل نصَّه ؛ فإنَّه صريح : في أن معاوية لم يكن علم بشيء من ذلك . و( قوله : نهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ) قد تقدَّم القول في النقود ، والقول هنا في الأطعمة . ولم يختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة ، لكن هل تعلق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها ؟ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها ، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة . وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا : أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها . وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم ، وبأن الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق ، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث . فإن قيل : دقيق كل صنف منها مردودٌ إلى حَبِّه في حكمه . قلنا : فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلَّق بأسمائها ، بل بمعانيها . والله تعالى أعلم . وقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى . فقال أبو حنيفة : إن علة ذلك كونه مكيلاً أو موزونًا جنسًا . وذهب الشافعي في القديم : إلى أن المعنى : هو أنه مأكول مكيل ، أو موزون جنسًا . وفي الجديد : هو أنَّه مطعوم جنس . وحُكي عن ربيعة : أن العلة هي : كونه جنسًا تجب فيه الزكاة . واختلفت عبارات أصحابنا . وأحسن ما في ذلك هو كونه مقتاتًا ، مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا . ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها علم الخلاف ، وكتب الفروع . و( قوله : البُرُّ بالبُرِّ ، والشعير بالشعير ) دليل على أنهما نوعان مختلفان ؛ كمخالفة التمر للبُرٍّ ؛ وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، والثوري ، وابن عُلّيَّة ، وفقهاء أهل الحديث . وذهب مالك ، والأوزاعي ، والليث ، ومعظم علماء المدينة والشام : إلى أنهما صنف واحد . وهو مروي عن عمر ، وسعيد ، وغيرهما من السَّلف متمسكين بتقاربهما في المنبت ، والمحصد ، والمقصود ؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر ، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه . و( قوله : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ) إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الأصناف ، ويلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفًا ، وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه ، وما يقاربه ، وما بعد عن ذلك كان صنفًا منفردًا بنفسه ، ولذلك لم يختلف قول مالك : في أن الدُّخْنَ صنف منفرد ، وكذلك الأرز ، وهو قول كافة العلماء . والعَلَس عند أكثر المالكية صنف منفرد . وقال الشافعي : هو صنف من أصناف الحنطة . وقاله بعض أصحابنا . واختلف قول مالك في القطاني . هل هو صنف واحد ، أو أصناف ؟ وقد ضم مالك السَّلت إلى البر والشعير . وقال الشافعي : هو صنف منفرد بنفسه . وقال الليث : السَّلت ، والدُّخْن ، والذرة ، صنف واحد . وقاله ابن وهب . وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود ، والمحصد ، والمنبت . فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف ، وشابهه في شيء مما ذكرناه ألحقه به . ومن لم يحصل له ذلك لم يلحق . والأصل : أن ما اختلفت أسماؤه ، ومقاصده أن يعدَّ أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدِّم ، والله تعالى أعلم . و( قوله : وزنًا بوزن ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ) يدل على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه . وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشرع ، أو بالعادة وزنًا أو كيلاً . والأولى عند مالك : أن تجعل ذهبك في كفة ، ويجعل ذهبه في كفة ، فإذا استوى أخذ وأعطي ، وكذلك يكون الكيل واحدًا ، ويجوز بصنجة واحدة ؛ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق . ولا يجوز عند مالك والشافعي في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول ، يتفقان عليه ؛ لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه . قلت : وعلى هذا التعليل ؛ فلا تجوز المراطلة المذكورة ، لوجود الجهل المذكور . و( قوله : فمن زاد أو استزاد فقد أربى ) أي : من بذل الزيادة ، وطاع بها ، ومن سألها ، كل واحد منهما قد فعل الرِّبا . وهما سواء في الإثم ؛ كما قال في الرواية الأخرى : ( الآخذ والمعطي فيه سواء ) أي : في فعل الْمُحَرَّم ، وإثمه . وفي كتاب أبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الرِّبا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ) . وقال : ( هم سواء ) أي : في استحقاق اللعنة والإثم .
( 7 ) باب قوله عليه الصلاة والسلام : لا نورث ( 1760 - 1761 ) [1725] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وفي رواية : لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤونَةِ عَامِلِي صَدَقَةٌ . ( 1758 ) [1726] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ وقد تقدم القول في كتاب الجهاد على قوله " نورث ، ما تركنا صدقة " بما فيه كفاية .
( 1619 ) ( 15 ) [1724] وعنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا مَوْلَاهُ ، وَأَيُّكُمْ ما تَرَكَ مَالًا فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ . وفي رواية : فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُؤْثَرْ بِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ . وقوله " فأيُّكم ما ترك ضياعًا فأنا مولاه " ، " ما " هنا زائدة ، تقدير الكلام : فأيكم ترك . و " ضياعًا " بفتح الضاد لا غير ، وهو ما يحتاج إلى الإصلاح ، والضياع في الأصل مصدر ضاع ، ثم جعل اسمًا لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ومال لا قيِّم له ، وسميت الأرض ضيعة لأنها معرضة للضياع ، وتجمع : ضياعًا - بكسر الضاد . وفي رواية " من ترك كلا " مكان " ضياعًا " ، والكل بفتح الكاف ما يتحمله الإنسان مما يشق عليه ويثقله ، فكأنه قد كلَّ تحته لثقله كلالاً . وقوله " من ترك مالاً فليؤثر به عصبته من كان " ؛ يعني إذا لم يكن معه ذو سهم أو فضل شيء عن ذوي السِّهام . ورواية من رواه " فهو لورثته " أتقن .
( 6 ) باب من ترك مالاً فلورثته وعصبته ( 1619 ) [1723] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ . فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ . ( 6 و 7 ) ومن باب : ترك مالاً فلورثته سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الميت هل عليه دين أو لا ؟ وامتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين ولم يترك وفاءً إشعار بصعوبة أمر الدِّين وأنه لا ينبغي أن يتحمله الإنسان إلا من ضرورة ، وأنَّه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكن منه ، وذلك لما قدمناه من أن الدَّين شَيْنٌ ، الدَّين همٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار ، وإخافة للنفوس ، بل وإرقاقٌ لها . وكان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ليرتدعَ من يتساهلُ في أخذ الدَّين حتى لا تتشوش أوقاتهم عند المطالبة ، وكان هذا كله في أول الإسلام . وقد حكي أن الْحُرَّ كان يُباع في الدَّين في ذلك الوقت ، كما قد رواه البزار من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يُقال له سُرَّق ، ثم نسخ ذلك كله بقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنَّما كان يمتنع من الصلاة على من ادَّان دينًا غير جائز أو في سعة . والأول أظهر ؛ لقول الرَّاوي في الحديث : فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، مَنْ توفي وعليه دَيْنٌ فعلي قضاؤه ، ومن ترك مالاً فلورثته - فهذا يعمُّ الدُّيون كلَّها ، ولو افترق الحال لتعيَّن التنويع أو السؤال . ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تبرَّع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه ، لا أنه أمرٌ واجب عليه . وقال بعض أهل العلم : بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه ، حيث قال فعلي قضاؤه ، ولأن الميِّت الذي عليه الدَّين يخاف أن يعذب في قبره على ذلك الدَّين كما قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث دُعِي ليصلي على ميِّت ، فأُخبر أن عليه دينًا ولم يترك وفاءً ، فقال : صلوا على صاحبكم ، فقال أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلي دينه ! فصلَّى عليه ، ثم قال له : قم فأده عنه ، فلمَّا أدَّى عنه قال صلى الله عليه وسلم : الآن حين بردت عليه جلدته . وكما كان على الإمام أن يسدَّ رمقه ويراعي مصلحته الدنيوية كان أحرى وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه به العذاب الأخروي . و المولى الذي يتولَّى أمور الرَّجل بالإصلاح والمعونة على الخير والنصر على الأعداء وسدّ الفاقات ورفع الحاجات .
( 1614 ) [1719] وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . وقوله " لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم " ، تضمَّن هذا الحديث أمرين ؛ أحدهما مجمع على منعه وهو ميراث الكافر للمسلم ، والثاني مختلف فيه وهو ميراث المسلم الكافر - فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومن بعدهم ، فمنهم : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وجمهور أهل الحجاز والعراق : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وابن حنبل ، وعامة العلماء . وذهب إلى توريث المسلم من الكافر معاذ ومعاوية وابن المسيب ومسروق وغيرهم ، وروي عن أبي الدرداء والشعبي والنخعي والزهري وإسحاق ، والحديث المتقدِّم حجة عليهم ، ويَعْضُده حديث أسامة بن زيد وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يتوارث أهل ملتين " ، ونحوه في كتاب أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه ، وقد احتجَّ للقول الثاني بما خرَّجه أبو داود من حديث يحيى بن يعمر واختصم إليه أخوان - يهودي ومسلم ، فورَّث المسلم منهما وقال : حدثني أبو الأسود أن رجلا حدثه أن معاذًا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الإسلام يزيد ولا ينقص " - فورَّث المسلم ، وبما يحكى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال - إن صحَّ : " إن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " ، وبقياس الميراث على النكاح ، قالوا : كما يجوز لنا أن ننكح نساءهم ولا يجوز لهم أن ينكحوا نساءنا ، كذلك يجوز لنا أن نرثهم ولا يرثونا . قلت : ولا حجة لهم في شيء مما ذكروه ، وأمَّا الحديثان فلا يصحُّ منهما شيء ؛ أمَّا الأول فلأن فيه مجهولاً ، وأمَّا الثاني فكلام يحكى ولا يُروى سلَّمنا صحتهما ، لكنَّا نقول بموجبهما ، فإن دين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كمل في الحين الذي أنزل الله تعالى فيه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ولم ينقص من أحكامه ولا شريعته التي شاء الله تعالى بقاءها شيءٌ ، وقد أعلاه الله تعالى وأظهرَه على الدِّين كلِّه وكما وعدنا تعالى . سلَّمنا ذلك ، لكن الأحاديث الأول أرجح ؛ لأنها متفق على صحتها ، وهي نصوص في المطلوب ، والقياس الذي ذكروه فاسد الوضع لأنَّه في مقابلة النَّصّ ولخلوه عن الجامع ، فإذا ثبت هذا فاعلم أن المسلم والكافر المذكورين في الحديث للعموم ، فلا مسلمًا ما يرث كافرًا ما ولو كان مرتدًّا ، وهو مذهب مالك وربيعة والشافعي وابن أبي ليلى - قالوا : لا يرث المرتدَّ أحدٌ من المسلمين ، ومالُهُ فَيءٌ لبيت المال . وخالفهم في ذلك طائفة أخرى فقالوا : إن ورثته من المسلمين يرثونه - وبه قال الأوزاعي وإسحاق والحسن البصري والشعبي وعمر بن عبد العزيز ، وروي ذلك عن عليّ وابن مسعود . وفرَّقت طائفة ثالثة فقالت : يرث ماله الذي كان له قبل ردَّته ورثته المسلمون ، وما استفاده بعد الرَّدة فيءٌ - وهو قول الثوريِّ وأبي حنيفة ، والعموم المتقدم حجة على هؤلاء الطائفتين . وقوله " يتوارث أهل ملَّتين " قال بظاهره مالك ، فلا يرث اليهودي النصرانيَّ ولا يرثان المجوسيَّ ، وهكذا جميع أهل الملل أخذًا بظاهر هذا الحديث . وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود : إن الكفار كلهم أهل ملة واحدة ، وإنهم يتوارثون - محتجِّين بقوله تعالى : وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ فوحَّد الْمِلَّة . وبقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ والخطاب بـ " لكم " للكفار كلهم مع توحيد " دين " ، وتأولوا قوله " لا يتوارث أهل ملتين " على أن المراد به الإسلام والكفر ، كما قال في الحديث الأول " لا يرث المسلم الكافر " ، ولا حجة لهم في ذلك . أمَّا الآية الأولى فلأن ملّتهم وإن كانت موحدة في اللفظ فهي مكثرة في المعنى ؛ لأنه قد أضافها إلى ضمير الكثرة ، كما تقول : أخذتُ عن علماء المدينة علمهم - مثلاً - وسمعتُ عليهم حديثهم ؛ يعني علومهم وأحاديثهم . وأمَّا الثانية فلأن الذين نزلت الآية جوابًا لهم إنَّما هم مشركو قريش ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : تعال نشترك في أمرنا وأمرك ؛ تدين بديننا وندين بدينك ، فنستوي في الأخذ بالخير ! فأنزلها الله سبحانه وتعالى مخاطبةً لهم ، وهم صنفٌ واحدٌ من الكفار وهم الوثنيون ، وكيف لا يكون ما قاله مالك وقد قال الله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ؟ فالعربُ تزعم أنها على شريعة إبراهيم ، واليهود على شريعة موسى ، والنَّصارى على شريعة عيسى ، فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة .
( 4 ) باب ألحقوا الفرائض بأهلها ، ولا يرث المسلم الكافر ( 1615 ) ( 2 و3 ) [1718] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ . وفي رواية : اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ . ( 4 ) ومن باب : ألحقوا الفرائض بأهلها الفرائض : جمع فريضة . وأصل الفرض : القطع . والألف واللام في " الفرائض " للعهد ؛ لأنَّه يعني بها الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى ، وهي ستة : النصف ، والرُّبع ، والثُّمن ، والثلثان ، والثلث ، والسُّدس . فالنصف فرض خمسة : ابنة الصُّلب ، وابنة الابن ، والأخت الشقيقة ، والأخت للأب ، والزوج - وكل ذلك إذا انفردوا عمَّن يحجبهم عنه . والربع : فرض الزوج مع الحاجب ، وفرض الزوجة أو الزوجات مع عدمه . والثُّمن : فرض الزوجة أو الزوجات مع الحاجب . والثلثان فرض أربع : الاثنتين فصاعدا من بنات الصلب أو بنات الابن أو الأخوات الأشقاء ، أو للأب - وكل هؤلاء إذا انفردن عمَّن يحجبهن عنه . والثلث فرض صنفين : الأم مع عدم الولد وولد الابن وعدم الاثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات ، وفرض الاثنين فصاعدًا من ولد الأم - وهذا هو ثلث كل المال . فأما ثلث ما يبقى فذلك للأُم في مسألة زوج أو زوجة وأبوين ؛ فللأم فيها ثلث ما يبقى ، وفي مسائل الجدِّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى له أحظى له . والسُّدس فرض سبعة : فرض كل واحد من الأبوين والجد مع الولد وولد الابن ، وفرض الجدة والجدَّات إذا اجتمعن ، وفرض بنات الابن مع بنت الصُّلب ، وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة ، وفرض الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أو أنثى . وهذه الفروض كلّها مأخوذةٌ من كتاب الله تعالى ، إلا فرض الجدَّات فإنَّه مأخوذ من السُّنَّة . فهؤلاء أهل الفرائض الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم المال عليهم لَمَّا قال : " اقسموا المال بين أهل الفرائض " ، وهو معنى قوله : " ألحقوا الفرائض بأهلها " . وقوله " فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " ، وفي غير مسلم " لأولى عصبة ذكر " تقييد " أوَّلى " بفتح الهمزة وواو ساكنة بعدها ياءٌ تأنيث " أوَّل " ، هذه الرواية المشهورة ، وقد رواها ابن الحذَّاء عن ابن ماهان " لأدنى " ، وهو تفسير لـ " أولى " ، ويعني به الأقرب للميت . وقد اختلفوا في وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة هنا هل له فائدة أو لا ؛ فقال بعضهم : لا فائدة له غير التأكيد اللفظيِّ ، فإن العرب قد تعيد اللفظ الأول بحاله وقد تأتي في كلامها متبعة على جهة التأكيد ، كما قالوا : حسن بَسَنٌ ، وقبيح شقيحٌ . وكذلك قالوا هنا : رجل ذكر ، وابن لبون ذكر ، ويطير بجناحيه ، وعشرة كاملةٌ - فهذا كلامُ العرب ، وأجيبوا بأن العرب لا تؤكد إلا حيث تفيدُ به فائدةً ؛ إمَّا تمكين المعنى في النفس ، أو رفع المجاز المتوهَّم - وكل ذلك معدومٌ فيما نحن فيه . وقيل : أفاد بقوله " ذكر " هنا وفي قوله " ابن لَبُون ذكر " التحرز من الخناثى ، فلا تُؤخذ الخنثى في فريضة الزَّكاة ولا يحوز المال إذا انفرد ، وإنَّما له نصف الميراثين . وقيل في اللَّبُون : إنَّما وصف بالذُّكوريَّة ليتحرز من إطلاق " ابن " على الأنثى كما قد أطلق " ولد " على الذكر والأنثى . وقيل : إنَّما نبَّه بالذكورية في المحلين لينبِّه على معنى مُشْعرٍ بتعليل ، وذلك أن ابن اللبون أفضل من بنت المخاض من حيث السِّن ، وقد نزَّله الشارعُ بمنزلتها في الأخذ ، فقد يخفى على من بعد فهمه ويقول : كيف يَجْعَلُ بدلها وهو أفضل ؟ فوصفه بـ " ذكر " ليشعر بنقصه عنها بالذكورية وإن زاد عليها بالسِّن . وكذلك وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة مشعرا بأن الذي استحق به التعصيب هو كمال الذُّكوريَّة التي بها قوام الأمور ومقاومة الأعداء ، والله تعالى أعلم . و " العصبة " كل رجل بينه وبين الميت نسب يحوز المال إذا انفرد ، ويرث ما فضل عن ذوي السِّهام . والعصبات ثلاثة أصناف : الأبناء وبنوهم ، والآباء وبنوهم ، والأجداد وبنوهم - وتفصيل هذه الجملة في كتب الفقه . ويُستفاد من هذا الحديث أن النساء لا يكنَّ عصبةً ، وقد أطلق الفقهاءُ على الأخت مع البنت أنَّها عصبة ، وذلك تجوز ؛ لأن الأخت لا تحوز المالَ إذا انفردت ، لكنَّها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب فأطلق عليها اسمه .
( 1635 ) [1714] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ ( 1636 ) [1715] وعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا ، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي أَوْ قَالَتْ حَجْرِي فَدَعَا بِالطَّسْتِ ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ . وأما ( قول عائشة رضي الله عنها : ( ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ) فإنَّها أرادت في شيء من أمر الخلافة ، بدليل الحديث المذكور . ثانيا : إنهم لما ذكروا : أن عليًّا كان وصيًّا قالت : ومتى أوصى إليه ؟ وذكرت الحديث . وقد أكثرَ الشِّيعةُ والرَّوافض من الأحاديث الباطلة الكاذبة ، واخترعوا نصوصًا على استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا ، وادعوا أنَّها تواترت عندهم . وهذا كلُّه كذبٌ مركبٌ . ولو كان شيء من ذلك صحيحًا ، أو معروفًا عند الصحابة يوم السَّقيفة لذكروه ، ولرجعوا إليه . ولذكره عليٌّ مُحتجًّا لنفسه ، ولما حل أن يسكت عن مثل ذلك بوجه ، فإنَّه حق الله ، وحق نبيه صلى الله عليه وسلم وحقه وحق المسلمين . ثم ما يعلم من عظيم علم عليّ ـ رضي الله عنه ـ وصلابته في الدين ، وشجاعته يقتضي : ألا يتَّقِي أحدًا في دين الله ، كما لم يتِّق معاويةَ ، وأهل الشام حين خالفوه ، ثم : إنه لما قُتِل عثمان ولَّى المسلمون باجتهادهم عليًّا . ولم يذكر هو ، ولا أحدٌ منهم نصًّا في ذلك . فعُلم قطعًا كذب من ادعاه . وما التوفيق إلا من عند الله . و( قولها : ولقد انخنث في حجري ) انخنث : مال ؛ تعني : حين مات . والمخنَّث من الرجال : هو الذي يميل ويتثنى تشبُّهًا بالنساء . واختناث السقاء : هو إمالةُ فمه بعضه على بعض وتليينه ليُشربَ منه . والْحَجْر هنا : هو حَجْر الثوب . وفصيحة بفتح الحاء ، ويقال بكسرها . فأمَّا الْحَجْر على السَّفيه : فهو بالفتح لا غير ، وهو بمعنى : المنع . فأما الْحِجْر -بالكسر - فهو : العقل . ومنه قوله تعالى : لِذِي حِجْرٍ والحرام ، ومنه قوله تعالى : حِجْرًا مَحْجُورًا
( 3 ) باب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته ( 1634 ) ( 16 و17 ) [1713] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: لَا . قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ ، وفي رواية : كيف كتب عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟ أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ . ( 3 ) ومن باب : ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم ( قول طلحة لابن أبي أوفى : هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ظاهره : أنه سأله : هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم وصيَّةٌ بشيء من الأشياء ؛ لأنه لو أراد شيئًا واحدًا لعيَّنه ، فلمَّا لم يقيِّده بقي على إطلاقه . فأجابه بنفي ذلك . فلمَّا سمع طلحة هذا النفي العام قال مستبعدًا : كيف كتب على المسلمين الوصية ؟ ومعناه : كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوصية ، والله تعالى قد كتبها على الناس ؟! وهذا يدل : على أن طلحة ، وابن أبي أوفى كانا يعتقدان الوصية واجبة على كل النَّاس ، وأن ذلك الحكم لم ينسخ . وفيه بُعد . ثم : إن ابن أبي أوفى غفل عمَّا أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم وهي وصايا كثيرة ؛ فمنها : أنه قال : ( لا يقسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا ) و( لا نورث ما تركنا صدقة ) وقال عند موته : ( لا يبقين دينان بجزيرة العرب . وأخرجوا المشركين منها . وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ) . وآخر ما وصَّى به - وهو ما يفيض - أن قال : ( الصلاة وما ملكت أيمانكم ) وهذه كلها وصايا منه ذهل عنها ابن أبي أوفى . وذكر ابن إسحاق : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجِدَاد أوساقٍ من تمر سهمه بخيبر . ذكره في السيرة . ولم يذكر ابن أبي أوفى من جملة ما وصَّى به النبي صلى الله عليه وسلم إلا كتابَ الله ، إمَّا ذهولاً ، وإما اقتصارًا عليه ؛ لأنه أعظمُ وأهمُّ من كل ما وصَّى به . وأيضًا : فإذا استوصى النَّاس بكتاب الله ، فعملوا به قاموا بكل ما أوصى به . والله تعالى أعلم .
( 1637 ) ( 20 ) [1716] وعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّون بَعْدِي . فَتَنَازَعُوا وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ ، وَقَالَوا: مَا شَأْنُهُ ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ . قَالَ: دَعُونِي ، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ . قَالَ: وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ ، أَوْ قَالَ أُنْسِيتُهَا . وفي رواية : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَوْ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا . فَقَالَوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ . ( 1637 ) ( 22 ) [1717] وعنه قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ . فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ ، وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَاخْتَصَمُوا ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُومُوا . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ . وقوله " يوم الخميس ! وما يوم الخميس ؟! " تعظيم وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفجع على ما فاتهم في ذلك من كتب كتاب لا يكون معه ضلالٌ ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع ، وهذا نحو قوله تعالى : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ و : الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وهذا المعنى الذي همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته يحتمل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ وقعت في الشريعة جملية فأراد تعيينها ، ويحتمل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن ، ومن أولى بالاتباع والمبايعة . ويحتمل أن يريد به بيان أمر الخلافة وتعيين الخليفة بعده - وهذا أقربها ، والله تعالى أعلم . وقوله " ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده " ، لا شك في أن " ائتوني " أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر ، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال ، لا سيما وقد قرنه بقوله " لا تضلُّون بعده " ، لكن ظهر لعمر ولطائفة معه أن هذا الأمر ليس على الوجوب وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح ، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء ، كما قال تعالى : تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ومع ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع ، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه ، فظهر لهم أن الأوَّلى ألا يكتب ، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب متمسِّكة بظاهر الأمر واغتنامًا لزيادة الإيضاح ورفع الإشكال ، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ ! ولكن قدَّر الله وما شاءَ فعل . ومع ذلك فلا عتب ولا لوم على الطائفة الأولى ؛ إذ لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ذمَّهم ، بل قال للجميع : " دعوني ، فالذي أنا فيه خير " ، وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة " ، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت فصلُّوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت ! قال : فما عنف واحدًا من الفريقين . وسبب ذلك أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ والقصد الصالح ، وكل مجتهد مصيب أو أحدهما مصيب والآخر غير مأثوم بل مأجور - كما قررناه في الأصول . وقوله " وما ينبغي عند نبي تنازع " ؛ أي اختلاف ، هذا إشعار بأن الأولى المبادرة إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يتوقف في شيء منه إذا فهم مقصوده ولم يُشكل منه شيء ، كيف لا وهو المبلِّغ عن الله أحكامه ومصالح الدنيا والدين ! وقوله " أهجرَ ؟ استفهموه " ، كذا الرِّواية الصحيحة في هذا الحرف " أهَجَرَ ؟ " بهمزة الاستفهام ، و " هَجَرَ " بالفتح بغير تنوين على أنَّه فعل ماض ، وقد رواه بعضهم " أهُجُرًا " بفتح الهمزة وبضم الهاء وتنوين الراء على أن يجعله مفعولاً بفعل مضمر ؛ أي : أقال هُجْرًا ؟ وقد روي في غير الأم " هَجَرَ " بلا استفهام ، والهجر يراد به هذيان المريض ، وهو الكلام الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ، ووقوع مثل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم في حال مرضه أو صحته محال ؛ لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ ، ألا تسمع قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى وقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ؟ وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم ، وأنه على الحق المبين ، إلى غير ذلك . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني في الغضب والرضا ، فإني لا أقول على الله إلا حقًّا " ، ولمَّا علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته حتَّى في هذه الحالة ، فإنهم تلقَّوا عنه وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته ، وعملوا على قوله " لا نورث " ولقوله " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، و " أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ، إلى غير ذلك . ولم يتوقفوا ولا شكُّوا في شيء منه ، وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم " أَهَجَرَ " لشكٍّ عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه ، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة وتلكَّأ عنه ، فكأنه يقول لمن توقف : كيف تتوقف ؟ أتظن أنه قال هذيانًا ؟ ! فدع التوقف وقرِّب الكتفَ فإنه إنما يقول الحق لا الْهَجَرَ ! وهذا أحسنُ ما يحمل ذلك عليه ، فلو قدَّرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شكٍّ عرض له في صحَّة قوله كان خطأ منه ، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم وفضلائهم ، هذا تقديرٌ بعيدٌ ورأيٌّ غير سديد ، ويحتمل أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موته . وقوله " أوصيكم بثلاث " نصٌّ في أنه أوصى عند موته ، وهو مخصِّصٌ لقول مَنْ قال : إنه صلى الله عليه وسلم لم يوص بشيء - وقد تقدَّم ذلك . وقوله " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، يعني بالمشركين اليهود ؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم فتعيَّنوا ، وقد جاء في بعض طرقه " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب " مفسّرًا . والجزيرة : فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي مأخوذة من الجزر وهو القطع ، ومنه الجزار والجزارة من الغنم ، والجزور من الإبل - كل ذلك راجع إلى القطع . وسُميَّت أرض العرب بالجزيرة لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحرار ، وأضيفت إلى العرب لاختصاصهم بها ولكونهم فيها ومنها . واختلف في حدِّها ؛ فقال الأصمعي : هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وفي العرض من جدِّة وما والاها إلى أطراف الشام . وقال أبو عبيد : هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن ، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّماوة . وقال المخزومي عن مالك : هي مكة والمدينة واليمامة واليمن . وحكى الهروي عنه : المدينة - والأول المعروف عنه ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع التي ذكر المخزومي كل من كان على غير دين الإسلام ، ولا يمنعون من التردُّد بها مسافرين - وكذلك قال الشافعي ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن ويضرب لهم أجل ثلاثة أيَّام كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم . وقال الشافعي : ولا يدفنون فيها موتاهم ، ويلجؤون إلى الدَّفن بغيرها . وقد رأى الطبري أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب ؛ فقال : الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها ، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها ، فإذا كان ذلك فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من ثلاث وليسكنهم خارجًا عنهم ، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين ، فإن اتخذوها باعها عليهم ، واستدل على ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا تبقى قبلتان بأرض العرب " ، وبقول ابن عبَّاس : لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم . وبإخراج علي رضي الله عنه أهل الذِّمَّة من الكوفة إلى الحيرة . قال : وإنما خصَّ في الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن للإسلام يومئذ ظهور إلا بها . قلت : وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قول المتقدمين والسلف الماضين ، فلا يُعْدَلُ عنه . ولم يعرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث ، فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة ومخالفة مثل هذا جريرة . وقوله " وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ، الوفد جمع وافد ، كصحب وصاحب ، وركب وراكب . وجمع الوفد : أوفاد ، ووفود . والوفادة الاسم وهو القادم على القوم والرسول إليهم ، يقال أوفدته أرسلته . والإجازة : العطية . وهذا منه صلى الله عليه وسلم عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود والإحسان إليهم قضاء لحق قصدهم ورفقًا بهم واستئلافًا لهم . قال القاضي أبو الفضل : وسواء في ذلك عند أهل العلم ، كانوا مسلمين أو كفارًا ؛ لأن الكافر إنَّما يفد في مصالح المسلمين . قال : وهذه سنة لازمة للأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله " وسكت عن الثالثة - أو قال : أنسيتها " ، يريد سعيد بن جبير ، قال المهلِّبُ : هي تجهيزُ جيش أسامة . قال غيره : ويحتمل أن تكون هي قوله " لا تتخذوا قبري وثنًا " ، وقد ذكر مالك في الموطأ ما يدل على ذلك من حديث عمر ، فإنه قال فيه : أول ما تكلَّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاتل الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ! لا يبقين دينان بجزيرة العرب " . و " الكتف " هنا يراد به عظم الكتف ، فإنهم يكتبون فيها . و " اللوح " من الخشب - وفيه دليل على جواز كتابة العلم والحديث ، وهذا وأشباهه ناسخٌ لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن ، ومن كتب شيئًا فليمحه ، وقد قدَّمنا ذلك .
( 19 ) كتاب الوصايا والفرائض ( 1 ) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز ( 1627 ) [1706] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . وفي رواية : يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، وفيها : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي . ( 19 ) كتاب الوصايا والفرائض ( 1 ) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز الوصايا : جمع وصية ؛ كالقضايا : جمع قضية ، وهي في الأصل : عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ، ويعهد به في الحياة ، وبعد الموت . وخصَّصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) الحق في اللغة هو : الثابت مطلقا . فإذا أطلق في الشرع ، فالمراد به : ثبوت الحكم فيه . ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون : واجبا ، ومندوبًا ، ومباحًا ؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها ، لكن إطلاق الحق على المباح قل ما يقع في الشريعة ، وإنما يوجد فيها بمعنى الواجب ، والندب . فإن اقترن به ( على ) أو ما في معناها ؛ ظهر فيه قصد الوجوب . وإن لم يقترن به ذلك ؛ كان محتملاً للأمرين ، كما قد جاء في هذا الحديث . وعلى هذا : فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية ؛ لأنه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله ، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق : إنه قد اقترن به ما يدلّ على الندب . وهو إضافته للمسلم ، وتعليق الوصية على الإرادة في قوله : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ) . واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب . ثم لو سلمنا : أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه ، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم ، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة ، فهذا تجب عليه الوصية . ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت . وإذا تقرر هذا ؛ فاعلم : أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث ، كما قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وهي بمجموع قرائنها نصٌّ في وجوب الوصية لمن ذكر فيها ، ثم : إنها بعد ذلك نسخت . واختلف في ناسخها . فقيل : آية المواريث . وفيه إشكال ؛ إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما ، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث ، وبالميراث إن لم يوص ، أو ما بقي بعد الوصية ، لكن هذا قد منع الإجماع منه . وهو خلاف نص قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصيه لوارث ) . فإذًا آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية ، بل بضميمةٍ أخرى ، وهي السُّنَّة المذكورة ، ولذلك قال بعض علمائنا : إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسُّنة المذكورة ، غير أنه يرد عليه : أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد . والجواب عنه : إنَّ ذلك قد كان معمولاً به في الصحابة كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم . ولو سلمنا : أن ذلك لا يجوز ؛ فلم يكن ذلك الخبر آحادًا ، بل كان متواترًا . فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة ، وأخبرهم بنسخ ذلك بسنَّته . وأهل عرفة عدد كثير ، وجم غفير ، لا يحيط بهم بلد ، ولا يحصرهم عدد ، فقد كان متواترًا ، فنسخ المقطوع بالمقطوع . ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادًا ؛ لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين : أنَّه لا تجوز الوصية لوارث ، فقد ظهر : أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسُّنة ، وأنها مستند المجمعين ، غير أنه قد ذهبت طائفة ؛ وهم : الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وطاوس : إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخًا في حق جميع القرابة ، بل في حق الوارثين خاصة . واختاره الطبري . قلت : وعلى هذا فلا يكون هذا نسخًا عند هؤلاء ، بل : تخصيصًا لعموم قوله تعالى : وَالأَقْرَبِينَ بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث ) وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله : ( لا وصية لوارث ) متواترًا ؛ لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقًا من الأكثر . وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول . و( قوله : له شيء يوصي فيه ) عامٌّ في الأموال والبنين الصغار ، والحقوق التي له وعليه كلها ، من ديون ، وكفارات ، وزكوات فرَّط فيها ، فإذا وصَّى بذلك ؛ أخرجت الديون من رأس المال . والكفارات ، والزكوات من ثلثه ، على تفصيل يعرف في الفقه . و( قوله : يبيت ليلتين ) المقصود بذكر الليلتين ، أو الثلاث : التقريب ، وتقليل مدَّة ترك كتب الوصية . ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته . والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان ، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة . ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه ، فيتحقق بذلك ، ويروي فيها ما يوصي به ، ولمن يوصي ، إلى غير ذلك . و( قوله : إلا ووصيته مكتوبة عنده ) ذِكْرُ الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق ؛ لأنه إنما يعني : بكونها مكتوبة ، مشهودًا بها . وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد بها العدول ، وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعُمِل بها ، وإن لم تكتب خطًا ، فلو كتبها بيده ، ولم يشهد بها ؛ فلم يختلف قول مالك : أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه ، فيلزم تنفيذه . واختلف عن مالك فيما إذا كتبها ، وأشهد عليها ، فقال فيها : إن مت في سفري هذا ، أو في مرضي هذا ، فسلم من الموت في ذلك السَّفر والمرض ، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك . فهل تنفذ أو لا ؟ قولان . فلو وضعها على يد غيره نُفِّذَت . ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السَّفر ، وأمسكها عنده إلى أن مات نُفِّذت قولاً واحدًا . وتفصيل مسائل الوصايا في الأمهات .
( 1628 ) ( 5 ) [1707] وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا بْنَت لِي وَاحِدَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا . قَالَ: قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا ، الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْتفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ . و( قوله في حديث سعد : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجع أشفيت منه على الموت ) عادني : زارني . ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض . فأما الزيارة فأكثرها للصحيح . وقد تقال للمريض . فأمَّا قوله تعالى : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ فكناية عن الموت . و( الوجع ) اسم لكل مرض . قاله الحربي . و( أشفيت ) : أشرفت . يقال : أشفى وأشاف بمعنى واحد . قاله الهروي . وقال القتبي : لا يقال : أشفى إلا على شرّ . وفيه : عيادة الفضلاء والكبراء للمرضى ، وتفقد الرَّجل الفاضل أصحابه وإخوانه . و( قوله : بلغني من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي ) فيه ما يدلُّ على أن إخبار المريض بحاله لا على جهة التشكّي والتَّسخُّط جائز ، وغير منقص لثوابه . ألا ترى : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدر عنه إنكار ، ولا تنبيه على تنقيص أجر ولا غيره . و( ذو مال ) : وإن صلح للكثير والقليل الذي ليس بتافه ؛ فالمراد به ها هنا : المال الكثير بقرينة الحال . و( قوله : ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة ) ظاهر هذا : أنه ليس له وارث إلا ابنة واحدة . وليس كذلك . فإنَّه كان له ورثة وعصبة . وإنما معنى ذلك : لا يرثني بالسَّهم إلا ابنة واحدة . وقيل : لا يرثني من النساء إلا ابنة واحدة . وكلاهما محتمل . ثم أفاق من مرضه ، وكان له بعده ثلاثة من الولد ذكور ؛ أحدهم : اسمه عامر ، وهو راوي هذا الحديث عن أبيه كما ذكرناه . و( قوله : أفاتصدَّق بثلثي مالي ؛ قال : لا ) ظاهر هذا السؤال : أنه إنما سأل عن الوصية بثلثي ماله لتنفذ بعد الموت . يدل على ذلك : قرائن المرض ، وذكر الورثة ، وغير ذلك . ويحتمل : أن يكون عن صدقة بتلة ، يخرجها في الحال . وفيه بُعْدٌ . وكيف ما كان فقد أجيب : بأن ذلك لا يجوز إلا في الثلث خاصة . قال القاضي عياض : أجمع العلماء : على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله إلا شيئًا روي عن بعض السَّلف ، أجمع الناس بعده على خلافه . والجمهور : على أنه لا يوصي بجميع ماله ، وإن لم يكن له وارث . وذهب أبو حنيفة ، وأصحابه ، وإسحاق ، وأحمد ، ومالك - في أحد قوليهما - إلى جواز ذلك . وروي عن علي ، وابن مسعود . وسبب هذا الخلاف : الخلاف في بيت المال هل هو وارث ، أو حافظ لما يجعل فيه . وفيه دليل : على أن المريض محجور عليه في ماله . وهو مذهب الجمهور . وشذَّ أهل الظاهر ، فقالوا : لا يحجر عليه في ماله وهو كالصحيح . وظاهر هذا : الحديث ، والنظر ، والمعنى : حجة عليهم . ومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة . وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة . وهو الصحيح ؛ لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة ) فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا . و( قوله : الثلث ، والثلث كثير ) وروي : ( الثلث ) الأول بالرفع على الابتداء ، وإضمار الخبر ؛ أي : الثلث كافيك . وقيل : يجوز على أن يكون فاعلاً لفعل مضمر . قلت : وفيه ضعف ؛ لأنه لا يكون ذلك إلا بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة ، كقوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ، على خلاف بين الكوفيين والبصريين . فالبصريون يرفعونه بالفعل . والكوفيون بالابتداء . وروي بالنصب على أن يكون مفعولاً بفعل مضمر تقديره : نفذ الثلث . أو : أمض الثلث . وما أشبهه ، وقيل : على الإغراء . وفيه بُعْدٌ . وهو حجة للجمهور على جواز الوصية بالثلث على من شذّ ، وخالفهم ، وقال : لا يجوز إلا بالربع ، لكن لما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم الثلث ؛ قال ابن عباس : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع حَضًّا على ذلك . وكل ذلك رفق بالورثة ، وترجيح لجانبهم على الصدقة للأجانب . قلت : وعلى هذا فمن حسنت نيَّته فيما يبقيه لورثته كان أجره في ذلك أعظم من الصدقة به ، لا سيما إذا كانوا ضعافًا ، والله تعالى أعلم . و( قوله : إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ) روايتنا في ( أن تذر ) بفتح الهمزة ، و( أن ) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء ، وخبره ( خير ) المذكور بعده ، والمبتدأ وخبره خبر ( إنك ) تقديره : إنك تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء . وقد وهم من كسر الهمزة من ( أن ) وجعلها شرطًا ؛ إذ لا جواب له ويبقى ( خير ) لا رافع له . فتأمله . و( العالة ) : الفقراء . و( يتكففون الناس ) : يسألون الصدقة من أكف الناس : أو يسألونهم بأكفهم . وهذا يدلُّ على أنَّه كان له ورثة غير الابنة التي ذكرها ، ويصحح ذلك التأويل الذي ذكرناه . وفيه دليل : على صحة ميراث ذي السهم مع العصبة . ولا خلاف فيه . و( قوله : ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ) هذا يفيد بمنطوقه : أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله عز وجل وإن كانت واجبة . وبمفهومه : أن من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها . والمعنيان صحيحان . يبقى أن يقال : فهل إذا أنفق نفقةً واجبةً على الزوجة ، أو الولد الفقير ، ولم يقصد التقرب ؛ هل تبرأ ذمته ، أم لا ؟ فالجواب : أنها تبرأ ذمته من المطالبة ؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى ، فتجري بغير نيَّة ، كالدِّيون ، وأداء الأمانات ، وغيرها من العبادات المصلحية ، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر . وقد قرَّرنا هذا في أصول الفقه . ويفهم منه بحكم عمومه : أن من أنفق نفقة مباحة ، وصحَّت له فيها نيَّةُ التَّقرب أثيب عليها ، كمن يطعم ولده لذيذ الأطعمة ولطيفها ليردَّ شهوته ، ويمنعه من التشوُّف لما يراه بيد الغير من ذلك النوع ، وليرق طبعه ، فيحسن فهمه ، ويقوى حفظه ، إلى غير ذلك مما يقصده الفضلاء . و( قوله : حتى اللقمة تضعها في فِي امرأتك ) يجوز في ( اللقمة ) النصب على عطفها على ( نفقة ) . وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل ؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضميره . وهذا كقول العرب : أكلتُ السمكةَ حتى رأسها أكلته . وقد أجاز في ( رأسها ) الرفع ، والنصب ، والجر ، وأوضح هذه الأوجه : النصب . وأبعدها الخفض . وكل ذلك جائز في ( حتى اللقمة ) ها هنا فَنَزِّلْهُ عليه . والذي به قرأت هذا الحرف : النصب لا غير . وإنما خصَّ الزوجة بالذِّكر لأن نفقتها دائمة ، تعودُ منفعتُها إلى المنفق ، فإنها تحسنها في بدنها ، ولباسها ، وغير ذلك . فالغالب من الناس : أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره ، وتحصيل شهوته ، وليس كذلك النفقة على الأبوين ، فإنها تخرج بمحض الكلفة ، والمشقة غالبًا ، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر . والنفقة على الولد فيها شبه من نفقة الزوجة ، ومن نفقة الأبوين ، من حيث المحبة الطبيعية ، والكلفة الوجودية . وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيها على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال ، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم ، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى ، كما قال : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة ) أي : ذلك أفضل من صدقتك بمالك ، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها . ويخرج من هذا الحديث : أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب ، أو من الخروج عنه جملة واحدة . وكل هذا : إذا كان الكسب من الحلال الخلي عن الشبهات ؛ الذي قد تعذَّر الوصول إليه في هذه الأوقات . و( قوله : أَأُخلَّفُ بعد أصحابي ؟ ) هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحًا في هجرته ، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى ؛ إذ قال فيها : ( لقد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها ) . فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما يقتضي : أن ذلك لا يكون ، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ ، ويستضرُّ به آخرون . وقد كان ذلك . فإنه عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة ، وولي بالعراق أميرًا ، وفتحها الله تعالى على يديه ، فأسلم على يديه بشرٌ كثير ، فانتفعوا به ، وقتل وأسر من الكفار خلقًا كثيرًا ، فاستضروا به ، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته ، وأدلَّة صدق رسالته . و( قوله : اللهم ! أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ) يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم وأحكامها . ويفيد : أن استصحاب أحكامها كان واجبا على من هاجر ، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه ، وترك المدينة إلى أن يموت بها ، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عمن لم يهاجر يوم الفتح ، حيث قال : ( لا هجرة بعد الفتح ) وقال : ( إن الهجرة قد مضت لأهلها ) أي : من كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته ، ولزمه البقاء عليها إلى الموت . ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه . ومن نقض الهجرة خاف المهاجرون ، حيث تحرَّجوا من مقامهم بمكة في حجة الوداع . وهذا هو الذي خاف منه سعد . فإن قضيته هذه كانت في حجة الوداع . وهذا هو الذي نقمه الحجَّاجُ على ابن الأكوع لما ترك المدينة ولزم الربذة فقال : تغربت يا ابن الأكوع؟ ! فأجابه : بأن قال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو . وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث . وبه قال بعض أهل العلم . وهو الذي يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائسُ سعدُ بن خولة ) رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة ، وسيأتي الكلام عليه . وقال آخرون : إن وجوب الهجرة ؛ ووجوب استدامة حكمها ؛ قد ارتفع يوم الفتح ، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصرته ، ولأخذ شريعته ، ومشافهته ، وللكون معه اغتنامًا لبركته . ثم لما مات : فمنهم من أقام بالمدينة ، وأكثرهم ارتحل عنها . ولما فتحت الأمصار استوطنوها ، وتركوا سكنى المدينة . فاستوطن الشام قوم منهم ، واستوطن آخرون العراق ، وآخرون مصر . وتأول أهل هذا القول ما تقدَّم : بأن ذلك إنما كان منهم مخافة أن تنقص أجورهم في هجرتهم متى زالوا عن شيء من أحكامها ، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بألا يُنْقِصَهم شيئًا من ذلك . وللأولين أن ينفصلوا عن هذا ، بأن يقولوا : إنما استوطنوا تلك الأمصار للجهاد وفتح البلاد ، وإظهار الدين ، ونشر العلم ، حتى أنفذوا في ذلك أعمارهم ، ولما يقضوا من ذلك أوطارهم . و( قوله : لكن البائس سعد بن خولة ) البائس : اسم فاعل من بئس ، يبأس : إذا أصابه بؤسٌ ، وهو الضرر . وسعد بن خولة : هو زوج سبيعة الأسلمية ، وهو رجل من بني عامر بن لؤي ، من أنفسهم . وقيل : حليفٌ لهم . وقيل : إنه مولى أبي رُهْم بن عبد العزى العامري . واختلف في أمره ؛ فقال ابن مزين ، وعيسى بن دينار : إنه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها . والأكثر على أنَّه هاجر ثم رجع إلى مكة مختارًا . وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمًّا له ؛ إما لعدم هجرته ، وإما لفسخها برجوعه عنها . وقال ابن هشام : إنَّه هاجر الهجرة إلى الحبشة ، والهجرة الثانية ، وشهد بدرًا ، وغيرها ، وتوفي بمكة في حجة الوداع . وعلى هذا فلا يكون بؤسه ذمًّا له ، بل توجُّعًا له ورحمة ؛ إذ كان منه : أنه هاجر الهجرتين ، ثم إنَّه مات بعد ذلك بمكة ، فيكون إشعارًا بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك . ومن ذلك تحرَّج سعد ، والمهاجرون . والله تعالى أعلم . وظاهر هذا القول : أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال المحدِّثون : انتهى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لكن البائس سعد بن خولة ) وأما قوله بعد ذلك : رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة ؛ فظاهره : أنه من كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم . فقيل : هو قول سعد بن أبي وقاص . وقد جاء ذلك في بعض طرقه . وأكثر الناس على أنَّه من قول الزهري . والله تعالى أعلم . وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل كتاب مسلم . وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر ، لكن لا يضر ذلك إن صحَّ ؛ لأنه قد رواه من طرق أخر متصلة .
( 1228 ) ( 8 ) [1708] وعنه ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ فَبَكَى ، قَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ . فَقَالَ: لقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا . ثَلَاثَ مِرَارٍ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا ، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ بِعَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَقَالَ بِيَدِهِ . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ! اشف سعدًا - ثلاث مرارٍ ) يدلُّ على ندبية تطييب قلب المريض بالدعاء ، وعلى إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّه أفاق ، وعاش مدة طويلة ، وفتح ، وملك ، كما قدَّمناه . و( قوله : إن لي مالاً كثيرًا ) دليل : على جواز الاستكثار من المال الحلال ؛ لحصول الفوائد التي ذكرناها . و( قوله : إنَّ صدقتك من مالك صدقة ) أي : مقبولة عند الله ، حاصل لك ثوابها . و( قوله : وإنَّ نفقتك على أهلك صدقة ) أي : يحصل لك عليها من الثواب مثل ما يحصل من ثواب الصَّدقة ، واجبها كواجبها ، ونفلها كنفلها . و( قوله : بخير ) أو : ( بعيش ) شك مِن الرَّاوي في هذه الرِّواية . والخير هنا : هو المال . وكذلك هو في أكثر مواضع القرآن . والعيش هنا : هو ما يعاش به ، وهو : المال .
( 1629 ) [1709] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ . وفي رواية : كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ . و( قوله : لو أن النَّاس غضوا من الثلث إلى الربع ) ( لو ) هنا : حرف تمن بمعنى : ليت . وقد ذكرنا مواضعها في أول كتاب الإيمان . و( غضوا ) بالغين المعجمة ؛ أي : نقصوا . وأصله من غضِّ العين . واختلف في المستحب من الوصية ، فالجمهور : على أنَّه الثلث . وذهب بعضهم : إلى أن ذلك إنَّما يستحب لمن لا وارث له ، وروي عن بعض السَّلف : النقص منه . فأوصى أبو بكر بالخمس ، وقال : إن الله تعالى رضي من عباده به . ونحوه عن علي . وأوصى عمر بالربع . وهو ظاهر قول ابن عباس . وبه قال إسحاق . وقال الحسن : السدس ، أو الخمس ، أو الربع . وقال النخعي : كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة . واختار آخرون : العشر ؛ لما قد روي في حديث سعدٍ- إن صحَّ - ؛ أنه قال : العشر . وروي عن عليّ ، وابن عباس ، وعائشة ، وغيرهم : لِمَنْ ماله قليل ، وله ورثة ، ترك الوصية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ) . و( قوله : الثلث ، والثلث كثير - أو كبير - ) شكٌّ من الرَّاوي . والمعنى فيهما واحد . والحاصل منهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم استكثر الثلث ، مع أنه أجازه أولاً بقوله . فينبغي أن ينقص منه شيءٌ له بالٌ ، وهو غير محدود .
( 1618 ) [1722] وعَنْ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ ، وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بَرَاءَةُ . وفي رواية : أُنْزِلَتْ كَامِلَةً ، وآخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ تَامَّةً . وقول البراء " آخرُ آيةٍ أُنزلت آية الكلالة " إلى آخره ، اختلف في آخر آية أنزلت ؛ فقيل ما قال البراء ، وقال ابن عباس : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وقيل : قُلْ لَا أَجِدُ والتلفيق أن يقال : إن آية الكلالة آخر ما نزل من آيات المواريث ، وآخر آية أنزلت في حصر المحرمات : قُلْ لا أَجِدُ والظاهر أن آخر الآيات نزولاً : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ؛ لأن الكمال لما حصل لم يبق بعده ما يزاد ، والله أعلم . وأما قوله " آخر سورة نزلت براءة " فقد فسَّر مراده بقوله في الرواية الأخرى " أنزلت كاملة " ، ومع ذلك فقد قيل : إن آخر سورة نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وكانت تسمى سورة التوديع . وقد اختلف في وقت نزولها على أقوال ، أشبهها قول ابن عمر : إنها نزلت في حجة الوداع ، ثم نزلت بعدها : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فعاش بعدها ثمانين يومًا ، ثم نزلت بعدها آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يومًا ، ثم نزل بعدها لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا ، ثم نزلت بعدها وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا . وقال مقاتل : سبعة أيام . والله تعالى أعلم . ذكر هذا الترتيب أبو الفضل محمد بن يزيد بن طيفور الغزنوي في كتابه المسمَّى بـ " عيون معاني التفسير " .
( 5 ) باب ميراث الكلالة ( 1616 ) [1720] عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرِضْتُ ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ ، فَأَفَقْتُ فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ . وفي رواية : فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ - فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ . قال شعبة : فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيك فِي الْكَلَالَةِ ؟ قَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ . وفي أخرى : فَنَزَلَتْ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . ( 5 ) ومن باب : ميراث الكلالة قول جابر رضي الله عنه " مرضت ، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشِيَيْنِ " ، إنَّما أتياه ماشيين مبالغة في التواضع وفي كثرة أجر المشي ؛ لأن المشي للقرب التي لا يحتاج فيها إلى كبير مؤونة ولا نفقة أفضل من الركوب بدليل ما ذكرناه في الجمعة ، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج . وقوله " فأغمي عليّ ، فتوضأ فصبَّ عليَّ من وَضُوئه فأفقتُ " فيه دليل على جواز المداواة ومحاولة دفع المرض بما تُرجى فائدته ، وخصوصًا بما يرجع إلى التَّبَرُّك بما عظمه الله ورسوله . وفيه ظهور بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما باشره أو لمسه ، وكم له منها وكم ! وقد ذكرنا من ذلك جملة صالحة في كتاب "الإعلام بمعجزات النبي عليه الصلاة والسلام " . وقوله " فقلت : يا رسول الله ، كيف أقضي في مالي ؟ إنَّما يرثني كلالة " ، هذا السؤال كان قبل نزول آيات المواريث على ما يدل عليه قوله " فنزلت : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ " ، وقد تقدَّم أن الحكم كان قبل ذلك وجوب الوصية للأقربين ، وعلى هذا فيكون سؤال جابر للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله " كيف أقضي في مالي ؟ " : كيف أوصي فيه ؟ وبماذا أوصي ؟ ولمن أوصي ؟ فأنزل الله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فنسخت وجوب الوصيَّة للأقربين على ما قدَّمناه . وأما إن كان الذي نزل في جوابه يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ فيكون هذا السؤال بعد نزول يُوصِيكُمُ اللَّهُ وقبل نزول آية الكلالة ، وهذا هو الأقرب والأنسب لقوله " إنما يرثني كلالة " ، وذلك السؤال هو الذي عنى الله تعالى بقوله يَسْتَفْتُونَكَ ثم قال : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وقد تقدم ذكر الاختلاف في اشتقاق الكلالة وفي معناها في كتاب الصلاة ، والقول هنا في بيان المختار من الأقوال ، ولا شكَّ أن جابرًا قد أطلق على ورثته " كلالة " وما كان له وارث يومئذ سوى أخواته ، فإن أباه كان قتل يوم أحد وترك سبع بنات وجابرًا ، فهنَّ اللاتي سَمَّاهنَّ كلالة ، وهنَّ اللاتي أجيب فيهنَّ بقوله : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ولم يكن له ولد ولا والد ، فقد ظهرت صحَّة قول من قال : إن الكلالة ما عدا الولدَ والوالد ، وإن الإخوة المذكورين فيها ليسوا إخوة لأم قطعًا ؛ لأن أخوات جابر لم يكن لأم ، ولأن الإخوة للأم لا يقتسمون للذكر مثل حظِّ الأنثيين . ومقصود هذه الآية بيان حكم الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب إذا لم يكن معهنَّ ولدٌ ولا والدٌ ، وإنما قلنا ذلك لأن الولد مصرَّحٌ بنفيه في الآية بقوله لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ والأب أيضًا لا بدَّ من نفيه في هذه الآية ؛ لأنه لو كان أبٌ مع الإخوة لحجبهم كلَّهم جملة بغير تفصيل . وأمَّا الجدَّ مع الإخوة الأشقاء أو للأب فيقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث فله أن يأخذه ، وعلى هذا فالجدّ تصحُّ معه الكلالة لأنه كالأخ معهم ، وأما الآية التي في أول السورة فالمراد بالكلالة فيها الإخوة للأم إذا لم يكن معهم ابن ولا أب ولا جدّ ؛ لأن هؤلاء كلّهم يحجبون الإخوة للأم . ولقراءة سعد : " وله أخ أو أخت لأم " ، ولأن الإخوة الأشقاء أو للأب لا يرث الواحد منهم السدس ولا الاثنان فصاعدا الثلث ، وإنما ذلك فرض الإخوة للأم ، فقد ظهر بهذا البحث الدقيق أن القول ما قاله أبو بكر الصدِّيق . وأمَّا قولا الاشتقاق فكلاهما معنى صحيح بالاتفاق ؛ لأن من فقد الطرفين فقد تَكلَّله نفي المانعين ، أو لأنه لما كلَّ منه الرحم الوالد وثب على متروكه الأباعد . وقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً القراءة المشهورة يُورَثُ بفتح الراء على أنَّه فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله ، وفيه ضمير مفعول لم يُسم فاعله عائدًا على رجل ، و كَلالَةً حال من ذلك الضمير ، فتكون الكلالة الميِّت . وقرأه الحسن يُورَثُ بكسر الراء مبنيًا للفاعل ، وتكون كَلالَةً مفعولاً بـ يُورَثُ وقرئ كذلك مضعف الرَّاء ، وعلى هذا فيصحُّ أن تكون الكلالة الوارث ويصحُّ أن تكون المالَ ، وأحد مفعولي يُورَثُ مسكوت عنه لأنه يجوز الاقتصار على أحدهما ، والله تعالى أعلم .
( 1617 ) [1721] وعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنْ الْكَلَالَةِ ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: يَا عُمَرُ ، أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ! وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ . وقوله " ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة ، ولا أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه " ، هكذا جاء هذا الضمير مذكَّرًا وقبله الكلالة ، وكان حقُّه أن يكون مؤنثًا ، لكنه لما كان السؤال عن حكم الكلالة أعاده مذكَّرًا على الحكم المراد . وقوله " حتى طعن بإصبعه في صدري " ، هذا الطَّعن مبالغة في الحث على النظر والبحث ، وألا يرجع إلى السؤال مع التمكُّن من البحث والاستدلال ليحصل على رتبة الاجتهاد ولينال أجر من طلب فأصاب الحكم ووافق المراد . وقوله صلى الله عليه وسلم " ألا تكفيك آية الصيف " يعني به آخر سورة النساء ، فإنها نزلت في الصَّيف ، وإنما أحاله على النظر في هذه الآية لأنه إذا أمعن النظر فيها علم أنها مخالفة للآية الأولى في الورثة وفي القسمة ، فيتبين من كل آية معناها ويُرتِّب عليها حكمها فيزول الإشكال ، والله يعصم من الخطأ والضلال . وقد تقدَّم القول في قول عمر : وإن أعش أقضِ فيها بقضيَّة .
( 1630 ) ( 112 ) [1711] وعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ . وفي رواية : فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ . و( قوله : إن أمّي افتُلِتَتْ نفسُها ) أي : ماتت فلتة ؛ أي : بغتة . و( افتُلِتَت ) تقييده : بضم التاء ، وكسر اللام ، مبنيًا لما لم يسم فاعله . ( نفسها ) مرفوع ؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله . وقد روي بنصب ( نفسها ) على أن يضمر المفعول الذي لم يسم فاعله في ( افتلتت ) وبنصب ( نفسها ) على المفعول الثاني . و( قوله : وأظنُّها لو تكلمت تصدقت ) ظن ذلك بما علم من قصدها للخير ، وفعلها للمعروف . وقد روي : أن هذا السائل كان سعد بن عبادة ( احتضرت أمه في غيبة سعد ) فقيل لها : أوصي ! فقالت : إنما المال لسعد ، فتوفيت قبل قدومه . فسأل سعد النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك . و( قوله : فلها أجر ؟ ) وفي الرواية الأخرى : ( فلي أجر ) . لا تناقض بين الروايتين ؛ لأنه يمكن أن يكون سأل النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغتين ، فأجابه بمجموعهما ، غير أنه حدَّث تارة بإحداهما ، وتارة بالأخرى ، أو يكون من نقل بعض الرواة عنه . ومعنى الجمع بينهما صحيح ؛ لأنها يكون لها أجر بما تصدَّق عنها ، وله أجرٌ بما برَّها به ، وأدخله عليها .
( 2 ) باب الصدقة عمَّن لم يوص ، وما ينتفع به الإنسان بعد موته ( 1630 ) [1710] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يُوصِ فيه ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ . ( 2 ) ومن باب : الصدقة عمَّن لم يوص ( قوله : إن أبي مات وترك مالاً ، ولم يوص فيه . فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه ؟ قال : نعم ) ظاهر قوله : ( فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه ) : أنه علم أن أباه كان فرَّط في صدقات واجبة ، فسأل : هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه ؛ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم : بـ( نعم ) . وعلى هذا فيكون فيه دليل على أن من قام عن آخر بواجب مالي في الحياة ، أو بعد الموت أجزأ عنه ، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع ، وإنه مما يستحب ، وخصوصًا في الآباء ؛ فإنَّها مبالغة في برهم ، والقيام بحقوقهم . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه إن شاء ) وقد تقدم في كتاب الصوم . وإذا كان هذا في الصيام ؛ كان الحق المالي بذلك أولى . وقيل : إنَّما سأل : هل تكفَّر بذلك خطاياه ؟ ولا ينبغي أن يُظَنَّ بصحابي تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات . فإن هذا بعيد في حقوقهم . فالأولى به أن يحمل على أنَّه سأل : هل لأبيه أجرٌ بذلك فيكفر عنه به ، كما قال السائل الآخر في حق أمه : أفلها أجر ؟ ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصية واجبة . قلت : وهذا محتمل لا سبيلَ إلى دفعه . وعلى القول الأول : فإذا علم الوارث أن مورثه فرط في زكوات ، أو واجبات مالية ، فقال الشافعي : واجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال ، كالدَّين . وقال مالك : إن أوصى بذلك أخرج من الثلث . وإلا فلا . وقال بعض أصحابه : إذا علم أنه لم يخرج الزكاة ؛ أخرجت من رأس المال ؛ وصى بها ، أو لم يوص ، قاله أشهب . وهو الصحيح ؛ لأن ذلك دين الله . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( دين الله أحق بالقضاء ) أو نقول : هو من جملة ديون الآدميين ؛ لأنه حق الفقراء ، وهم موجودون ، وليس للوارث حق إلا بعد إخراج الدين والوصايا .
( 1631 ) [1712] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ . و( قوله : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة ) الحديث ، هذه الثلاثُ الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نسبت إليه ؛ لأنه تسبب في ذلك ، وحرص عليه ، ونواه . ثم إن فوائدها متجددة بعده دائمةٌ ؛ فصار كأنَّه باشرها بالفعل ، وكذلك حكم كل ما سنَّه الإنسان من الخير ، فتكرر بعده ؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) . وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في كتاب الزكاة . وإنما خصَّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث ، لأنَّها أصول الخير ، وأغلب ما يقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم . والصدقة الجارية بعد الموت هي : الْحُبُس ، فكان حجة على من ينكر الْحُبُس . وفيه ما يدل على الحضِّ على تخليد العلوم الدينية بالتعليم والتصنيف ، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح ، ووصيتهم بالدعاء عند موته ( وبعد الموت ) .
( 5 ) باب فيما جاء في الْحُبْس ( 1632 ) [1736] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ ، فَمَا تَأْمُر بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا . قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِه عُمَرُ ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ ، وَفِي الْقُرْبَى ، وَفِي الرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَالضَّيْفِ ولَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ . وفي رواية : غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا . ( 5 ) ومن باب : الْحُبْس ( قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : يا رسول الله ! إنِّي أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبُ مالاً قطُّ هو أنفسُ منه ) يعني : أنَّه صارت له هذه الأرض بالقسمة . فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أرض خيبر التي افتتحت عُنوة كما قررناه في الجهاد . والمال النفيس : المغتبط به لجودته . ويُسَمَّى هذا المال : ثَمْغ . ولما كان هذا المال أطيب أموال عمر ، وأحبَّها إليه أراد أن يتصدَّق به لينالَ البرَّ الذي ذكر الله تعالى في قوله : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وهذا كما قال الأنصاري صاحبُ بيرحاء ، فأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأصلح في الصَّدقة وهو التحبيس ؛ من حيث إن صدقته جارية ، وأجره دائم في الحياة ، وبعد الموت . كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) . و( قوله : فما تأمر به ؟ ) استشارة من عمر مع حُسن أدب ، ولذلك أجابه صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إن شئت حبست أصلها ، وتصدَّقت بها ) أي : بثمرها ، كما قد قال في الرِّواية الأخرى ، وليس هذا أمرًا من النبي صلى الله عليه وسلم له ، ولا حُكمًا عليه بالتحبيس . وإنما هي إشارة إلى الأصلح والأولى . ففيه دليل على جواز الاستشارة في الأمور ؛ وإن كانت من نوع القرب . وعلى أن المستشار يجب عليه أن يشير بأحسن ما يظهر له ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره ؛ فقد خانه ) ، وقال : ( المستشار مؤتمن ) . ولما فهم عمر ـ رضي الله عنه ـ أنَّه أشار عليه بالأصلح بادر إلى ذلك ، فتصدَّق به على جهة تقتضي تحبيس الأصل ، والتصدُّق بالثمرة ، فكان ذلك دليلاً لجمهور العلماء على جواز الْحُبْس ، وصحته على من شذَّ ومنعه . وهذا خلاف لا يُلتفت إليه . فإن قائله خرق إجماع المسلمين في المساجد ، والسقايات ؛ إذ لا خلاف في ذلك . وهو أيضًا حجة للجمهور على قولهم : إن الْحُبْس لازم ، وإن لم يقترن به حكم حاكم . وخالف في ذلك أبو حنيفة ، وزفر ، فقالا : لا يلزم ، وهو عطيَّة ، يرجع فيها صاحبها ، وتورث عنه إلا أن يحكم به حاكم ، أو يكون مسجدًا ، أو سقاية ، أو يوصي به ، فيكون في ثلثه . ووجه الحجة عليه من هذا الحديث : أن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما فهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إشارته بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنه لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورث . ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الإشارة . وأيضًا : فإن الصحابة قد أجمعت على ذلك من غير خلاف بينهم فيه . فقد حبس الأئمة الأربعة ـ رضي الله عنهم ـ وطلحة ، وزيد بن ثابت ، والزبير ، وابن عمر ، وخالد بن الوليد ، وأبو رافع ، وعائشة ، وغيرهم . واستمرت أحباسهم معمولاً بها على وجه الدَّهر ، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم . ولم يُحْكَ أن شيئًا من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّس ، ولا إلى ورثته . ومن جهة المعنى : فإنَّها عطية على جهة القربة ، فتلزم ؛ كالهبة للمساكين ، ولذي الرَّحم ، وكالصَّدقة . ولأنه قد أُجمع على تحبيس المساجد من غير حكم . ولا فرق بين تحبيسها وتحبيس العقار لا سيما على الفقراء والمساكين . فإذا ثبت هذا : فالْحُبْس لازم في كل شيء تمكن العطية فيه . واختلف عن مالك في تحبيس الحيوان ؛ كالإبل ، والخيل ، على قولين : المنع ؛ وبه قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف . والصحة : وبه قال الشافعي ، وهو الصحيح ؛ لأنه عطية على وجه القربة ، يتكرر أجرها ، كالعقار ، وغيره ، ولأن المسلمين على شروطهم ، وقد شرط صاحب الفرس في صدقته : أنها لا تباع ، ولا توهب ، ولا تورث . فَيْنْفُذُ شرطه . وقد تقدم القول على هذا المعنى في باب العُمْرى . فإذا فهمت هذا ؛ فاعلم : أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن يقترن معها ما يدل على التأبيد أو لا . فالأوَّل : نحو قوله : لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورَّث ، أو : أبدًا ، أو : دائمًا ، أو : على مجهولين ، أو : على العقب . فهذا النَّوع لا يبالي بأيِّ لفظ نُسِق معه ؛ لأنه يفيد ذلك المعنى ؛ كقوله : وقف ، أو : حبس ، أو : صدقة ، أو : عطية . فأما الثاني : وهو إذا تجرد عما يدل على ذلك ، فلفظ الوقف صريح الباب ، فيقتضي التأبيد ، والتحريم . ولم يختلف المذهب في ذلك . وفي الْحُبْس روايتان : إحداهما : أنه كالوقف . والثانية : أنه يرجع إلى المحبِّس بعد موت المحبَّس عليه . والظاهر الأول ؛ لأنه يستعمل في ذلك شرعا وعرفًا . وأما الصدقةُ : فالظاهر منها أنها تمليك الرَّقبة . وفي رواية : أنها كالوقف . وفيها بُعْدٌ إلا عند القرينة . واختلف فيما لو جمع بينهما فقال : حُبْسُ صدقةٍ . والظاهر : أن حكمه حكم الْحُبْس . وصدقة : تأكيد . و( قوله : فتصدَّق بها عمر في الفقراء ، وفي القربى ، وفي الرِّقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضيف ) قد تقدَّم القول في الفقير في كتاب الزكاة ، وكذلك : في الرِّقاب ، وفي سبيل الله ، وفي ابن السبيل . وأما القربى : فظاهره أنه أراد به قرابته . ويحتمل أن يريد به : قرابة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورين في الخمس والفيء . وفيه بُعْد ؛ لأنه قد أطلق على ذلك الحبس صدقة ، وهم قد حرموا الصدقة ، إلا إن تنزَّلنا : على أن الذي حرموه هي الصدقة الواجبة فقط . والرَّافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في صدقة عمر . فينبغي أن يبحث عن ذلك . والأولى حمله على قرابة عمر الخاصة به . والله أعلم . و( قوله : لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها ، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها ، على ما جرت به عادة العمَّال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها . فإن المنع من ذلك نادر ، وامتناع العامل من ذلك أندر ، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقْبِح ذلك عادة وشرعا . وعلى ذلك : فيكون المراد بالمعروف : القدر الذي يدفع الحاجة ، ويردُّ الشَّهوة ، غير أكل بسرفٍ ، ولا نَهْمةٍ ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبْنَة . وقيل : مراد عمر بذلك : أن يأكل العامل منها بقدر عمله . وفيه بُعْدٌ ؛ لأنه لا يصح ذلك حتى يُتأوَّل ( يأكل ) بمعنى : ( يأخذ ) لأن العامل إنَّما يأخذ أجرته ، فيتصرَّف فيها بما شاء من بيع ، أو أكل ، أو غير ذلك . و( أكل ) بمعنى : ( أخذ ) على خلاف الأصل ، ولأن مساق اللفظ لا يشعر بقصد إلى أن تلك الإباحة إنما هي بحسب العمل وبقدره . فتأمله ، لا سيما وقد أردف عليه : ويطعم صديقًا غير متأثلٍ مالاً ؛ يعني به : صديقًا للوالي عليها ، وللعامل فيها . ويحتمل : صديقًا للمحبِّس . وفيه بُعْدٌ . والمتأثل للشيء هو : المتَّخِذُ لأصله ، حتى كأنَّه قديم عنده . ومنه قول الشاعر : ولكنَّما أَسْعى لِمَجْدٍ مُؤثَّلٍ وقد يُدْرِكُ الْمَجْد المؤَثَّلَ أَمْثَالي أي : المجد القديم المؤصَّل . وأثلةُ الشيء : أصله . وفيه ما يدلُّ على أنه يجوز الحبس على الأغنياء .
( 20 ) كتاب الصَّدقة والْهِبَة والْحَبْس ( 1 ) باب النهي عن العود في الصدقة ( 1621 ) ( 1-3 ) [1727] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . وفي رواية أَنَّه حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ - وذكر نحوه . ( 20 ) كتاب الصَّدقة والْهِبَة والْحَبْس ( 1 ) ومن باب : النهي عن العود في الصدقة قول عمر رضي الله عنه " حملت على فرس عتيق في سبيل الله " يعني أنه تصدَّق به على رجل ليجاهد عليه ويتملَّكه ، لا على وجه الحبس ؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه ، وقد وجده عمر ـ رضي الله عنه ـ في السوق يباع ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " لا تبتعه ، ولا تَعُدْ في صدقتك " ، فدلَّ على أنه ملكه إيَّاه على جهة الصَّدقة ليجاهد عليه في سبيل الله . والعتيق من الخيل : الكريم الأبوين . و " سبيل الله " : الجهاد هنا - وهو العُرْف فيه . وقوله " فأضاعه صاحبه " ؛ أي : فرَّط فيه ، ولم يحسن القيام عليه . وهذا الذي قلناه أولى من قول من قال إنه حبسٌ في سبيل الله وبيعه إنما كان لما أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد ، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعًا على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هرم ويُستبدل بثمنه في ذلك الوجه المحبس فيه أو يعين بثمنه فيه . والقول الأول أظهر لما ذكرناه ، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس هل تغير عن حاله أم لا ، ولنظر في أمره . وقوله " فظننت أنه بائعُه بِرُخْصٍ " ، إنَّما ظن ذلك لأنه هو الذي كان أعطاه إيَّاه ، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن ، وحينئذ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدَّق به في سبيل الله . ولَمَّا فهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا نهاه عن ابتياعه وسمَّى ذلك عودًا ، فقال : " لا تبتعه ، ولا تَعُدْ في صدقتك " . واختلف في هذا النَّهي هل يحمل على ظاهره من التحريم ؟ ولأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم ؛ كما قال تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ أو على الكراهة لأن تشبيهه بالقيء إنما يدلُّ على الاستقذار والعيافة للنَّفرة الموجودة من ذلك لا أنه يحرم العود في القيء إلا أن يتغير للنجاسة ، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة لا لكونه قيئًا - والأول في كتاب ابن المواز وقال به الداودي ، والثاني عليه أكثر النَّاس . قلت : ويحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح ، فنقول : أما الصَّدقة في السَّبيل أو على المسكين أو على ذي الرَّحم إذا وصلت للمتصدِّق عليه فلا يحل له الرُّجوع فيها بغير عوض قولا واحدًا ؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى واستحقها المتصدق عليه وملكها بالصدقة والحوز ، فالرجوع فيها أو في بعضها حرام . وأما الرُّجوع فيها بالشراء الذي لا يُحَطُّ عنه من ثمنها شيءٌ فمكروه ؛ لأنه قد استرد عينًا أخرجها لله تعالى . والأولى حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم عن عمر ما كان وقع له من أنَّه يبيعه منه بحطيطة من الثمن ، وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة ، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة ، وكأنَّهم رأوا أن هذه عطية مبتدأة من المتصَدَّق عليه أو الموهوب له لأنها عن طيب نفس منه ، فكان ذلك للمتصدق أو الواهب مِلكًا جديدًا بطريق آخر . وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم لمن وهب أمةً لأمِّه فماتت أمُّه ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " وجب أجرك ، وردَّها عليك الميراث " ، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف ، ولا بأهل الدِّين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه ، فكان مكروها من هذا الوجه . وهذا نحو مما قررناه في قضيَّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة . قلت : والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم ، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها يلح لك ذلك إن شاء الله تعالى !
( 1622 ) ( 5 ) [1728] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ . وقوله " مثل الذي يرجع في هبته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه " ، إن كان المراد بالهبة الصدقة كما قد جاء في الرواية الأخرى فقد تكلّمنا عليها ، وإن كان المراد مطلق الهبة فهي مخصوصة ؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب وهبة أحد الأبوين ، فأما هبة الثواب فقد قال بها مالك وإسحاق والطبري والشافعي - في أحد قوليه - إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به وإما بالعادة والقرائن كهبة الفقير للغني والرَّجل للأمير ، وبها قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب ، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر . وقد روي عنهما وعن أبي ثور منعها مطلقا ، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل ، والأصل في جواز هبة الثواب ما خرَّجه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يُثَبْ منها " ، قال : رواته كلهم ثقات . والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله ، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال : من وهب هبة لصلة الرَّحم أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب ، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها ، وما خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال : أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناقة فعوضه منها بعض العوض ، فتسخَّطه . وفي رواية : أهدى له بكرة فعوَّضه ستَّ بكرات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر : " إن رجالاً من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة فأعوِّضه منها بقدر ما عندي ، فيظل يتسخَّطُ عليِّ ! وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ أو دوسيٍّ " . وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقوي فيعضده كل ما تقدم ، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم ، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه إلا وجهًا واحدًا ! وهو أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد ، وإنما سامح الشرع في هذا القدر لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحَّة ، فعفا عن تعيين العوض فيه كما فعل في نكاح التفويض . وأما هبة الأب لولده فللأب الرجوع فيها ، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي وأبو ثور والأوزاعي ، وقد اتفق هؤلاء على أن ذلك للأب ، وهل يلحق بالأب الأم والجد ؟ اختلف في ذلك قول مالك والشافعي ؛ ففي قول : يُقْصَرُ ذلك على الأب . وفي قول آخر : إلحاقهما به . والمشهور من مذهب مالك إلحاق الأم ، ومن مذهب الشافعي إلحاق الأم والأجداد والجدَّات مطلقا ، والأصل في هذا الباب ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتَّى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه " ، وهذا حديث صحيح . وقال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا أن من أعطى ولده عطيَّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها ، ما لم يستحدث الولد دينًا أو ينكح فليس للأب الاعتصار . وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة أو الوالد أم لا ؟ وهل هم في معنى الأب أو يُفرَّق بينهم وبينه ؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره ، وله من خصوصية القرب ما ليس لهم . قلت : أما إلحاق الأم فلا إشكال فيه ، وقد أوغل الشافعي في استرجاع الأب لما وهب ، ولو تعلَّق بالولد من الدين والتزويج كل طلب ، وللأب أن يعتصرها من كل من يقع عليه اسم ولد حقيقة أو مجازا مثل ولده لصُلْبه وولد ولده من أولاد البنين والبنات . وحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه ، ولم يستثنوا من ذلك ولدًا ولا غيره ، وبه قال طاووس وأحمد ، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقا ، والحجة عليهم ما تقدَّم من الحديث وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب ، وقالت طائفة أخرى : إن المراد بذلك النهي من وهب لذي رحم أو زوج فلا يجوز له الرُّجوع ، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع - وهو قول الثوري والنخعي وإسحاق ، وقصره أبو حنيفة والكوفيون على كل ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم ، ويرجع فيما وهبه لغيرهم وإن كانوا ذوي رحم . قلت : وهذه تحكُّمات على ذلك العموم ، فيا لله من تلك الفهوم ! !
( 3 ) باب المنحة مردودة ( 1771 ) ( 70 ) [1731] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ إلى الْمَدِينَةَ قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ ، فَقَاسَمَهُمْ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُونَهُمْ الْعَمَلَ وَالْمَؤونَةَ ، وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَهِيَ تُدْعَى أُمَّ سُلَيْمٍ ، وَكَانَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، كَانَ أَخًا لِأَنَسٍ لِأُمِّهِ ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِذَاقًا لَهَا ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ . قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ - أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَتْ مِنْ الْحَبَشَةِ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ ، وَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهَا ، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ . ( 1771 ) ( 71 ) [1732] وعنه أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلَاتِ مِنْ أَرْضِهِ حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ ، فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَعْطَاهُ . قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِيهِنَّ ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتْ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا نُعْطِيكَهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ ! فَقَالَ النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أُمَّ أَيْمَنَ ، اتْرُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا . وَتَقُولُ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ! فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا - حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ . ( 3 ) ومن باب : المنحة مردودة ظاهر قول أنس " فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف أموالهم كل عام ويكفونهم المؤونة " يقتضي أن الأنصار ساقَوْا المهاجرين ، فيكون فيه حجة على من أنكر المساقاة وهو أبو حنيفة ، غير أن هذا لم يكن من جميع الأنصار ، بل كان منهم من فعل هذا ومنهم من أعطى الثَّمرة من غير عمل كما فعلت أم سليم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما قال أنس في الرواية الأخرى " إن الرَّجل كان يعطي النبي صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه " ، وكان هذا من المهاجرين تنزها عن الأخذ العَرِيِّ عن المعاوضة على مقتضى كرم أخلاقهم ، ولم يفعل الأنصار ذلك إلا عند امتناع المهاجرين من القبول ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المهاجرين والأنصار كان الأنصاري يقول للمهاجري : إن عندي من المال كذا ، فتعال أشاطرك عليه ! وكان منهم من يقول : إن عندي زوجتين ؛ أنزل لك عن أحسنهما ! فيقول المهاجري : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دُلَّني على السوق ! وإنَّما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم لأمِّ أيمن ما كان يملكه من ثمر ذلك العَذْق ، فظنت أمُّ أيمن أنَّه إنما أعطاها الأصل ، فلذلك امتنعت من ردِّه بناء منها على أنه كان يملكه ، فكان منها ما يأتي بعد . وهذا الحديث يدلُّ على جواز هبة المجهول ؛ فإن الثمرة مجهولة ، ولا وجه لمنع ذلك إذ لا يؤدي إلى فساد في عوض ولا إلى غرر في عقد ؛ لأن هذه الهبة إن قصد بها الأجر فهو حاصل بحسب نيّة الواهب ، وصل الموهوب لتلك الهبة أو لا . وإن أراد المحبَّة والتودد فإن حصلت الهبة للموهوب حصل ذلك المقصود ، وإلا فقد علم الموهوبُ له اعتناءَ الواهب به وإرادة إيصال الخير له . وفعل أم أيمن بأنس ما فعلت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وامتناعها من ردِّ ما أمرها بردِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما صدر عنها كل ذلك لما كان لها على النبي صلى الله عليه وسلم من الإدلال والانبساط بحكم أنها كأمه من جهة الحضانة والتربية والكفالة ، ومسامحة النبي صلى الله عليه وسلم لها في ذلك على جهة الإكرام لها والقيام بحقها ، ومع ذلك فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسوسها ويتلطف بها إلى أن أخذ منها ما ليس لها وأعطاها ما كان لها مُسْتَرْضِيًا لها ومطيِّبًا قلبها على كرم خلقه وحُسن محاولته صلى الله عليه وسلم . وفيه دليل على أن ما وُهِبَت منفعته فإذا انقضت وَجب ردُّ الأصل ، ولا خلاف فيه .
( 4 ) باب ما جاء في العمرى ( 1625 ) ( 20 ) [1733] عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ ، فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا ، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . ( 1625 ) ( 23 و26 و27 ) [1734] وعنه ، قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا . قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ . وفي رواية : قَالَ عليه الصَلَّاة وَالسَلَّامَ: الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ . وفي أخرى : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ . وفي أخرى : جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ . وفي أخرى : قَالَ عليه الصلاة والسلام : الْعُمْرَى جَائِزَةٌ . ( 1625 ) ( 28 ) [1735] وعن أَبي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَعْمَرَتْ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ حَائِطًا لَهَا ابْنًا لَهَا ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ ، وَتَرَكَ وَلَدًا ، وَلَهُ إِخْوَةٌ بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ ، فَقَالَ وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ: رَجَعَ الْحَائِطُ إِلَيْنَا ، وَقَالَ بَنُو الْمُعْمَرِ: بَلْ كَانَ لِأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ، فَدَعَا جَابِرًا فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى لِصَاحِبِهَا ، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ ، فَأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرِ حَتَّى الْيَوْمِ . ( 4 ) ومن باب : العمرى ( قوله : أيُّما رجل أعمر عُمْرى له ولعقبه ) العمرى في اللغة : هي أن يقول الرَّجل للرَّجل : هذه الدار لك عمري أو عمرك . وأصلها من العمر ؛ قاله أبو عبيد . وقال غيره : أعمرته الدَّار جعلتها له عمره . وقال الحربي : سمعت ابن الأعرابي يقول : لم يختلف العرب أن هذه الأشياء على ملك أربابها : العمرى ، والرُّقبى ، والسُّكنى ، والإطراق ، والمنحة ، والعرية ، والعارية ، والأفقار . ومنافعها لمن جعلت له . قلت : وعلى هذا : فالعُمْرى الواردة في الحديث حقها أن تحمل على هذا . فتكون : تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره ، فإن لم يذكر عقبًا ؛ فمات الْمُعْمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته . فإن قال : هي لك ولعقبك ؛ لم ترجع إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ . وعلى هذا : فيكون الإعمار بمعنى الإسكان ؛ إذا قيّده بالعمر ، غير أن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنَّها تمليك الرَّقبة على ما هي مسرودة في الأصل ، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أحدها : ما تقدَّم ، وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة . وهو قول القاسم بن محمد ، ويزيد بن قُسَيط ، واللَّيث بن سعد ، وهو مشهور مذهب مالك ، وأحد قولي الشافعي . وقال مالك : وللمُعْمِر أن يُكريها ولا يُبْعِد ، وله أن يبيعها من الذي أعطاها ، لا من غيره . وثانيها : أنها تمليك الرَّقبة ومنافعها ، وهي هبة مبتولة . وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والحسن بن حيّ ، وأحمد بن حنبل ، وابن شبرمة ، وأبي عبيد ؛ قالوا : من أعمر رجلاً شيئًا حياته فهو له حياته ، وبعد وفاته لورثته ؛ لأنه قد ملك رقبتها . وشرط المعطي الحياة أو العمر باطل ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبطل شرطه ، وجعلها بتلةً . وسواء قال : هي لك حياتك ، أو : هي لك ولعقبك بعدك . وثالثها : إن قال : عمرك ؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول . وإن قال : هي لك ولعقبك ؛ كان كالقول الثاني . وبه قال الزهري ، وأبو ثور ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وابن أبي ذئب ، وقد روي عن مالك . وهو ظاهر قوله في موطأ يحيى بن يحيى . فأهل القول الأول تمسَّكوا بأصل اللغة ، وعضدوا ذلك بما رواه ابن القاسم عن مالك قال : رأيت محمدًا وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ، وعبد الله يعاتب محمدًا - وهو يومئذ قاض - يقول له : ما لك لا تقضي بحديث ابن شهاب في العُمْرى ؟ فقال : يا أخي ! لم أجد النَّاس عليه ، وأباه الناس . قال مالك : ليس عليه العمل ، ولوددت : أنه مُحِي . وعضدوه أيضًا بأن قالوا : الأصل بقاء ملك المعطي للرَّقبة بإجماع ، ولم يرد قاطع بإخراجه عن يده قبل الإعمار ، وتأولوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب . وأما أهل القول الثاني : فظواهر الأحاديث معهم ، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطل شرط العمر ؛ لأنَّه لو أبطله لبطلت العمرى بالكليَّة ، ولامتنع إطلاق ذلك الاسم عليها ، ولم تبطل ؛ لأن الأصل في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون على شروطهم ) ذكره أبو داود وغيره عن أبي هريرة . فإن قيل : هذا من الشروط التي قد أبطلها الشرع بقوله : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) ، قلنا : لا نسلّم : أنَّه ليس في كتاب الله ؛ لأن كتاب الله هنا يراد به : حكم الله ؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدَّم . وقد تقدَّم في العتق . ثم يلزم على هذا إبطال المنحة ، والإفقار ، والعارية ، فإنَّها كلها عطايا بشروط ، وليست كذلك باتفاق . فإن قيل : فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي ذئب في موطئه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنَّه قضى فيمن أعمر عُمْرى له ولعقبه : فهي بتلةٌ لا يجوز للمعطي فيها شرط ، ولا مثوبة . وهذا صريح في إبطال الشرط . فالجواب : إنا لا نسلم : أن هذا الشرط المنهي عنه هو نفس الإعمار في قوله : هي لك عمرك ؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى ، كما قلناه ، ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي : هي لك سنة من عمرك ، ولم يبطل بالاتفاق ، فلا تبطل . والجامع بين الصورتين : أن كل واحد منهما إعطاء ذكر فيه العمر . وقد قال القاسم بن محمد : ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم . ومما يتمسكون به قوله صلى الله عليه وسلم : ( لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) فقد صيَّرها ملكًا ؛ لأنه لا يورث عن الإنسان إلا ما كان يملك . ويجابون عن ذلك : بأن اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن ؛ كما قد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، وذكر الحديث المتقدِّم ، فلما فرغ قال : قال أبو سلمة : ( لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) . ولئن سلم ذلك ؛ فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب ، فيكون فيه حجة لأهل القول الثالث ، لا للثاني . وأما أهل القول الثالث ، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يذكر فيه العقب ، وتركوا مقتضاه ، حيث منع منه الشرع . وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب . وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر : إنَّما العُمْرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : هي لك ولعقبك . فأمَّا إذا قال : هي لك ما عشت : فإنها ترجع إلى صاحبها . قال : وبه كان الزهري يُفتي . ثم ما ورد من الروايات مطلقا فإنه مقيد بهذا الحديث . غير أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى عند قوله : ( هي لك ولعقبك ) وما بعده من كلام الزهري ، على ما قاله محمد بن يحيى الذهلي . وهو مما انفرد به معمر عن الزهري . وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ ، كالليث ، ومالك ، وابن أخي الزهري ، وابن أبي ذئب . ولم يذكروا ذلك قلت : والذي يظهر لي ، وأستخير الله في ذكره : أنَّ حديث جابر في العُمْرى رواه عنه جماعة ، واختلفت ألفاظهم اختلافًا كثيرًا ، ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون . واختلفوا كذلك . ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة . وخلط فيه بعضهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منه ، فاضطرب ، فضعفت الثقة به ، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به : من أن الناس على شروطهم في أموالهم ، كما قال القاسم بن محمد ، وكما دلَّ عليه الحديث المتقدم في الشروط . وينضاف إلى ذلك : أن الناس تركوا العمل به ؛ كما قال محمد بن أبي بكر . فتعيَّن تركه ، كما قال مالك : ليته مُحِي . ووجب التمسك بأصل وضع العُمْرى ، كما تقدَّم ، وبالأصل المعلوم من الشريعة : من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم . وهُذا القول الأول ، وليس على غيره معوَّل . وإذا تقرر ذلك فلنبين وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قررناه . فأمَّا قوله : ( وإنها لا ترجع إلى صاحبها ، من أجل : أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) . فيعني به : أنه لما جعلها للعقب ؛ فالغالب أن العقب لا ينقطع ، فلا تعود لصاحبها لذلك . وأمَّا قوله : ( وقعت فيه المواريث ) فإن سلَّمنا أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فمعناه - والله أعلم - : أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم ، ويشتركون في الانتفاع بها أشبهت المواريث ، فأطلق عليها ذلك . وأمَّا قوله : ( أمسكوا عليكم أموالكم ، ولا تفسدوها ) فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح ؛ لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملكُ رقبته آمادًا طويلة ، لا سيما إذا قال : هي لك ولعقبك ؛ فإن الغالب : أنها لا ترجع إليه ، كما قررناه . ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم ؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى : ( العمرى جائزة لمن وهبت له ) أي : عطيَّة جائزة ، ولأنها من أبواب البر ، والمعروف ، والرفق . فلا يمنع منه . وقول ابن عباس : لا تحِلُّ العُمْرى ولا الرُّقْبى ؛ محمول على ذلك ، فإنه قال إثر ذلك : فمن أعمر شيئًا فهو له ، ومن أرقب شيئًا فهو له . فقد جعلهما طريقين للتمليك . فلو كان عقدهما حرامًا كسائر العقود المحرَّمة لأمر بفسخهما . وأمَّا قوله : ( فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا ) فيعني بذلك : إذا قال : هي لك ولعقبك ؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته ، ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته . وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة ؛ فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب ، لا سيما والرَّاوي واحد ، والقضية واحدة . فيحمل المطلق منها على المقيَّد قولاً واحدًا ، كما قررناه في الأصول . و( قوله : إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يقول : هي لك ولعقبك ؛ أي : أمضى جوازها وألزمه دائمًا على ما ذكرناه . و( قوله : وأمَّا إذا قال : فهي لك ما عشت ) فإنها ترجع إلى صاحبها ، فإن كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو نصٌّ فيما اخترناه . وإن كان من قول الرَّاوي ؛ فهو أقعد بالحال ، وأعلم بالمقال . تنبيه : القائلون : بأن العمرى تمليك الرقبة ؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى . فلو قال : أسكنتك حياتك . فإذا مات رجعت إلى صاحبها . إلا الشَّعبي : فإنه سوَّى بينهما ، وقال في السَّكنى : لا ترجع إلى صاحبها بوجه . وهو شاذٌّ لا يعضده نظر ، ولا خبر . فإن العمرى عند القائلين : بأنها تمليك الرَّقبة ، خارجة عن القياس . وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار ، فلا تقاس السُّكنى عليها ؛ لأن الخارج عن القياس لا يُقَاس عليه كما قررناه في الأصول . ولا خبر فيه ، فلا يصار إليه . والله تعالى أعلم .
( 2 ) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض ( 1623 ) ( 9 و12 و13 ) [1729] عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي قد نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ: لَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَارْجِعْهُ . وفي رواية : فرده . وفي رواية : أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ - فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ . ( 1623 ) ( 10 و12 ) [1730] وعنه أَنَّ أُمَّهُ ابنة رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا ، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي ! فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمَّ هَذَا ابِنْة رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بَشِيرُ ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ . فَقَالَ: أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا ؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ! وفي رواية قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ: بَلَى . قَالَ: فَلَا إِذًا . وفي أخرى قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا ، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ . ( 2 ) ومن باب : من نحل بعض ولده دون بعض حديث النعمان بن بشير في هذا الباب كثرت طرقه فاختلفت ألفاظه ، حتَّى لقد قال بعض الناس : إنَّه مضطرب - وليس كذلك ؛ لأنه ليس في ألفاظه تناقض ، بل يمكن الجمع بينها على ما نبينه إن شاء الله تعالى . وقوله " إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا " ، كان هذا النُّحل منه بعد أن سألته أمُّه - وهي عمرة بنت رواحة - بعض الموهبة من ماله ، كما قال قد جاء في الرواية الأخرى . و " نحلت " : أعطيت . و " النحلة " : العطية بغير عوض . و " النحل " : الشيء المنحول . و " الموهبة " رواية أبي عيسى ، وهي مصدرٌ مزيدٌ من وهب يهب هبة وموهبة ، وهي هنا بمعنى الشيء الموهوب ، وعند كافة الرواة : الموهوبة - أي : بعض الأشياء الموهوبة . وجاء في الرواية الأخرى " وهبت " بدل " نحلت " ، وهو بمعناه . وفي رواية : قال النعمان : " تصدق عليَّ أبي ببعض ماله " ، فسمَّي ذلك صدقة تجوزا ، فأمَّا أبوه بشير فسمَّاها نحلة وهبة حقيقة ، وهو أعلم بنيَّته وأثبت في قضيَّته ؛ لأن النعمان إذ ذاك كان غلامًا . وقوله " أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ " تنبيه على أن الإنسان إذا أعطى بنيه سوَّى بينهم ذكرهم وأنثاهم ، وأن ذلك الأفضل ، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن بن القصار من أصحابنا وجماعة من المتقدِّمين ، وذهب آخرون منهم عطاء والثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وابن شعبان من أصحابنا - إلى أن الأفضل للذكر مثل حظ الأنثيين على قسمة الله تعالى المواريث . وقوله في الرِّواية الأخرى " أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ " ، هذه الرواية بمعنى اللفظ الأول ، فهو نقل بالمعنى . وكان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سأله فقال له " ألك ولدٌ غيره ؟ " كما جاء في الرواية الأخرى ، فلما أجابه عن قوله " أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ " بقوله " لا " قال " اتقوا الله ، واعدلوا بين أولادكم " ، وحينئذ قال : " لا تشهدني " لا يصلح هذا ، أشهد غيري " فإني لا أشهد على جَوْر " ، وفي الرواية الأخرى " فإني لا أشهد إلا على حق " ، وهي بمعنى " لا أشهد على جَوْر " . وكان هذا منه صلى الله عليه وسلم لما سأله بشير أن يشهد على الهبة ، كما قال : " إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على ما وهبت لابنها " ، ثم نبهه صلى الله عليه وسلم على علَّة أمره بالتسوية بينهم بقوله " أتحبُّ أن يكونوا لك في البرِّ سواء ؟ " قال : نعم . قال : " فلا إذًا " . وإذا تأملت هذا تبيَّنْتَ ألا اضطراب في الروايات وانتظام ما يظهر في بادئ الأمر من الشَّتات ، ولما تبيَّن هذا تعيَّن أن نبحث عمَّا فيه من الأحكام ، والله المستعان . فأول ذلك أنَّه لا يجوز أن يخصَّ بعض ولده بعطاء ابتداء ، وهل ذلك على جهة التحريم أو الكراهة ؟ قولان لأهل العلم ، وإلى التحريم ذهب طاووس ، ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق ، وأن ذلك يُفْسَخُ إن وقع . وذهب الجمهور - مالك في المشهور عنه ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وغيرهم - إلى أن ذلك لا يُفْسَخ إذا وقع ، وقد حكى ابن المنذر عن مالك وغيره جواز ذلك ولو أعطاه ماله كله . وحكى غيره عن مالك أنَّه إن أعطاه ماله كله ارتجعه . قال سحنون : من أعطى ماله كله ولدًا أو غيره ولم يبق له ما يقوم به لم يجز فِعْله . فمن قال بالتحريم تمسَّك بظاهر النهي وأيده بقوله : " لا يصلح هذا ، ولا أشهد على جور " ، وبقوله : " اتقوا الله ، واعدلوا بين أولادكم " وبأمره بردّ ذلك . ومن قال بالكراهة انصرف عن ذلك الظاهر بقوله " أشهد على هذا غيري " . قال : ولو كان حرامًا لما قال هذا . وأنه إنما كان يذمُّ من فَعَلَه ومن يشهد فيه ويغلِّظ عليه كعادته في العقود المحرَّمة ، وبقوله " أيسرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء ؟ " ؛ فإنه نبَّه على مراعاة الأحسن . وبأن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ نحل عائشة رضي الله عنها جادَّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة ولم ينحل غيرها من ولده شيئًا من ذلك ، ولأن الأصل جواز تصرُّف الإنسان في ماله مطلقا . وتأول هؤلاء ما احتجَّ به المتقدِّمون من قوله صلى الله عليه وسلم " لا يصلح هذا " وأن ذلك " جَوْر " على أن ذلك على الكراهة ؛ لأن من عدل عن الأولى والأصلح يصدق عليه مثل ذلك الإطلاق ، لأنه مما لا ينبغي أن يُقْدِم عليه ، ولذلك لم يشهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم . وأما أمره بالارتجاع بذلك لأنه يجوز للأب أن يرجع فيما وهب ولده كما تقدَّم ، وهو يدل على صحَّة الهبة المتقدمة كما قال صلى الله عليه وسلم : " مُره فليراجعها " ، وكان ذلك دليلاً على صحة الطلاق الواقع في الحيض . وللطائفة الأولى أن تنفصل عن ذلك المنع : أن قوله " أشهد على هذا غيري " ليس إذنًا في الشهادة وإنَّما هو زجرٌ عنها ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد سمَّاه جورًا وامتنع من الشهادة فيه ، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه . وعن قوله " أيسرك أن يكونوا في البر سواء ؟ " أن ذلك تنبيه على الأحسن ، فإن ذلك ممنوع ، بل ذلك تنبيه على مدخل المفسدة الناشئة عنه وهو العقوق الذي هو أكبر الكبائر ، وعن نُحْلِ أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أن ذلك يحتمل أنَّ كان قد نحل أولاده نحلاً يعادل ذلك ولم ينقل ، ثم إن ذلك الفعل منه لا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم . وعن التمسك بالأصل أن ذلك غير قادح ؛ لأن الأصل الكلِّيّ والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص ، وقد تقرر في الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص . وعن التأويل أن ذلك مجاز ، وهو على خلاف الأصل . وعن الارتجاع بمنع أن يحمل ذلك على الاعتصار ؛ فإن لفظ الردِّ ظاهر في الفسخ ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ " ؛ أي : مفسوخ . ويؤيد ذلك قوله " فردَّ أبي تلك الصدقة " ، والصَّدقة لا يعتصرها الأب بالاتفاق . وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر أن القائل بالتحريم هو الذي صال ، وأمَّا القول بالجواز فلم يظهر له وجه به يجاز . تنبيه : مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال إن النهي فيه إنَّما يتناول من وهب ماله كلَّه لبعض ولده ، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه إن الموهوب كان غلامًا فقط ، وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهبة من ماله ، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره . وفي هذا الحديث ما يدل على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل والأكبر ، وعلى حضِّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه ، ويجتنب ما يفضي إلى نقيض ذلك . وفيه دليل على أن حَوْز الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز ، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره ؛ فإن النُّعمان كان صغيرا ، وقد جاء به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحمله . قال عياض : ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يعرف بعينه . واختلف المذهب فيما لا يعرف بعينه - كالمكيل ، والموزون ، وكالدراهم - هل يجزئ تعيينه والإشهاد عليه والختم عليه في الحوز أم لا يجزئ ذلك حتى يخرجها من يده إلى يد غيره ؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده . وكذلك اختلف في هبته له جزءًا من ماله مشاعًا . قلت : وهذا الحكم إنما ينتزعه من هذا الحديث من حمل قوله " فارجعه " على الاعتصار . واختلف العلماء فيما لم يقبض من الهبات هل تلزم بالقول أم لا حتى تقبض ؟ فذهب الحسن البصري وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو ثور وأحمد بن حنبل إلى أنَّها تلزم بالقول ولا تحتاج إلى حوزٍ كالبيع ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تلزم بالقول ، بل بالحوز . وذهب مالك إلى أنها تلزم بالقول وتتم بالحوز - وقد تقدم ذلك . والعلماء مُجْمِعُون على لزومها بالقبض ، وهبة المشاع جائزة عند الجمهور ، ومنعها أبو حنيفة .
( 8 ) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين ، وفيمن نذر قربة في الجاهلية ( 1655 ) [1757] عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ . ( 8 ) ومن باب : ما يخاف من اللجاج في اليمين ( قوله : والله لأن يلج أحدكم في يمينه ) اللجاج في اليمين : هو المضي على مقتضاها ؛ وإن لزم من ذلك حرج ، ومشقَّة ، أو ترك ما فيه منفعة عاجلة ، أو آجلة . فإن كان فيه شيء من ذلك فالأولى له : تحنيث نفسه ، وفعل الكفارة على ما تقدَّم . و( قوله : آثم له عند الله من أن يعطي ما فرض الله من الكفارة ) أي : أكثر إثما . وذلك إنما يكون إذا لزم من المضي في اليمين ترك واجب ، هذا ظاهره . ويحتمل ما قدمناه في معنى هذا الحديث . وفيه ما يدل : على أن الكفارة واجبة على من حنث . وهو ظاهر قوله تعالى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ولا خلاف في ذلك .
( 1656 ) ( 27 و 28 ) [1758] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ . وفي رواية : إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَكَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا . وقول عمر : ( إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة ) ، وفي الرواية الأخرى : ( يومًا في المسجد الحرام ) . فقال : ( أوف بنذرك ) ظاهره : لزوم نذر الكافر إذا أوجبه على نفسه في حال كفره ؛ إذا كان من نوع القرب ؛ التي يوجبها المسلمون ، غير أنه لا يصح منه إيقاعه في حالة كفره لعدم شرط الأداء ؛ الذي هو الإسلام . فأمَّا إذا أسلم وجب عليه الوفاء . وبذلك قال الشافعي ، وأبو ثور ، والمغيرة المخزومي ، والبخاري ، والطبري . ورأوا أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أوف بنذرك ) على الوجوب . وذهب مالك ، والكوفيون : إلى أنَّه لا يلزمه شيء من ذلك ؛ لا عتق ، ولا صوم ، ولا اعتكاف ؛ لعدم تصوُّر نيَّة القربة منهم حالة كفرهم . واعتذروا عن ظاهر الحديث : بأن قول عمر : نذرت في الجاهلية . إنما يريد : في أيام الجاهلية ، لا أنه كان هو في الجاهلية . ومنهم من قال : إن هذا الأمر على جهة النَّدب . قلت : والاعتذاران ضعيفان ؛ لأنهما خلاف الظاهر من مساق الحديث ، ومن ظاهر الأمر . وأما قولهم : لا يلزمهم شيء من نذر تلك القرب ؛ لأنه لا تصح نيَّة التقرُّب منهم ؛ فقول لا يصبر على السبر ؛ لأنا نقول : لا يلزم من كون العبادة لا تصحُّ من المكلَّف إلا أن يكون مخاطبًا بها ؛ لأنَّا نجوز التكليف بالمشروط حالة عدم شرطه الممكن التحصيل . كما يؤمر الكافر بالإيمان بالرُّسول حالة عدم معرفة المرسل ، والمحدث في الصلاة حالة الحدث ، والبعيد عن مكة بالحج . وسر هذا : أنه لما كانت هذه الشروط ممكنة التحصيل للمكلَّف ؛ أُمِر بفعل المشروط . ويتضمن ذلك الأمر الأمر بتحصيل ما لا يصح ذلك المشروط إلا به . وهذه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة . وقد ذكرنا في أصول الفقه : أن الصحيح أنهم مخاطبون بها ، وأنه الصحيح من مذهب مالك وغيره من العلماء . وعلى هذا : فيلزم الكافر ما نذره في حال كفره ، كما هو الظاهر من حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ هذا . وكذلك يلزمه عتق ما أعتق ، وصدقة ما تصدَّق به . فإن أسلم صحَّت له تلك الأعمال كلّها ، وأُثيب عليها ، كما هو الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام : ( أسلمتَ على ما أسلفتَ عليه من خير ) . ومالك - حيث لم يلزمه بشيء - إنما بناه على القول الآخر عنه : في أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع . والصحيح المشهور من مذهبه ، ومذهب أصحابه : أنهم مخاطبون بها . وعلى هذا : يخرج من مذهبه قول آخر في إلزام الكفار ما التزموه من النَّذر والعتق في حالة الكفر . والله تعالى أعلم . و( قوله : أنه نذر أن يعتكف ليلة ) يحتجُّ به من يجيز الاعتكاف بالليل وبغير صوم . ولا حجة له فيه ؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى : ( أنَّه نذر أن يعتكف يومًا ) والقصة واحدة . فدلَّ مجموع الروايتين : على أنَّه نذر يومًا وليلة ، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر ، من حيث : إنهما تلازما في الفعل ، ولهذا قال مالك : إن أقل الاعتكاف يومٌ وليلةٌ ، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر . ولو سلمنا : أنَّه لم يجئ لليوم ذكر لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة ؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة ؛ فإنَّها تُسمَّى اعتكافًا لغةً . وهي تصحُّ بالليل والنهار ، وبصوم وبغير صوم . والله تعالى أعلم .
( 5 ) باب النهي عن الحلف بالطواغي ، ومن حلف باللات فليقل : لا إله إلا الله ( 1648 ) [1748] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ . ( 5 ) ومن باب : النهي عن الحلف بالطواغي الطواغي : جمع طاغية ، كالروابي : جمع رابية . والدوالي : جمع دالية . وهي مأخوذة من الطغيان ، وهو : الزيادة على الحد . ومنه قوله تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ؛ أي : زاد . وقد تقدَّم أن الطواغي ، والطواغيت : كل معبود سوى الله تعالى في كتاب الإيمان . وقد تقرر أن اليمين بذلك محرم ، ومع ذلك فلا كفارة فيه عند الجمهور لأجل الحلف بها ، ولا لأجل الحنث فيها . أمَّا الأول ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ( من قال : واللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) ولم يذكر كفَّارة . ولو كانت لوجب تبيينها لتعيُّن الحاجة لذلك . وأمَّا الثاني : فليست بيمين منعقدة ، ولا مشروعة فيلزم بالحنث فيها الكفارة . وقد شذَّ بعض الأئمة وتناقَضَ ، فيما إذا قال : أشرك بالله ، أو اكفر بالله ، أو هو يهودي ، أو نصراني ، أو بريء من الإسلام ، أو من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو من القرآن ، وما أشبه ذلك . فقال : هي أيمانٌ يلزم بها كفارةٌ إذا حنث فيها . أما شذوذه : فلأنَّه لا سلفَ له فيه من الصحابة ، ولا موافق له من أئمة الفتوى فيما أعلم . وأما تناقضه : فلأنَّه قال : لو قال : واليهودية ، والنصرانية ، والنبي ، والكعبة ؛ لم يجب عليه كفارة عنده مع أنها على صيغ الأيمان اللغوية ، فأوجب الكفارة فيما لا يقال عليه يمين لا لغة ولا شرعا ، ولا هو من ألفاظها ، ولو عكس لكان أولى ، وأمسَّ . ولا حجة له في آية كفارة اليمين ؛ إذ تلك الكلمات ليست أيمانًا ، كما بيَّناه . ولو سلَّمنا : أنها أيمان ؛ فليست بمنعقدةٍ ، فلا يتناولها العموم . ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفارة في كل ما يقال عليه يمين لغة ، وعرفًا ، ولم يقل بذلك . والله تعالى أعلم .
( 1647 ) [1749] وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ . و( قوله : من قال : واللات ؛ فليقل : لا إله إلا الله ) اللات ، والعزى ، ومناة : أصنام ثلاثة كانت في جوف الكعبة . وقيل : كانت اللات بالطائف . والعزى بغطفان ، وهي التي هدمها خالد بن الوليد . ومناة بقديد . وقيل بالمشلل . فأمَّا اللات فقيل : إنَّهم أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى . وقيل : أرادوا أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى ، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك ؛ فقالوا : اللات ؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمَّى به غيره ، كما صرف ألسنتهم عن نسب محمد صلى الله عليه وسلم إلى : مُذَمَّم ، فكانوا إذا تكلموا باسمه في غير السَّبِّ قالوا : محمَّد ، فإذا أرادوا أن يسبُّوه قالوا : مُذَمَّم . حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا تعجبون ! مِمَّا صرف الله عني من أذى قريش ، يسبون مذمَّمًا ، وأنا مُحمَّد ) . ولَمَّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام ، وعلى الحلف بها ، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده : لا إله إلا الله ؛ تكفيرًا لتلك اللفظة ، وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة . وخص اللات بالذكر في هذا الحديث لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم . وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها ؛ إذ لا فرق بينها . والعزى : تأنيث الأعز ، كالْجُلَّى : تأنيث الأجل . و( قوله : من قال : تعال أقامرُك فليتصدق ) القول فيه كالقول في اللات ؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة . وهي من أكل المال بالباطل . ولما ذمَّها النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الزجر عنها ، وعن ذكرها ، حتَّى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها ؛ أمره بصدقة . والظاهر : وجوبها عليه ؛ لأنها كفارةٌ مأمور بها ، وكذلك قول : لا إله إلا الله ؛ على من قال : واللات . ثم هذه الصَّدقة غير محدودة ، ولا مقدَّرة ، فيتصدق بما تيسَّر له مِمَّا يصدق عليه الاسم . كالحال في صدقة مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فإنها غير مقدَّرة . وقال الخطابي : يتصدَّق بقدر ما أراد أن يقامر به ، وليس في اللفظ ما يدل عليه ، ولا في قواعد الشرع ، ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات . فهو تحكم . وأبعد من هذا قول من قال من الحنفية : إن المراد بها : كفارة اليمين . وهذا فاسد قطعًا ؛ لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط ، بل عتق ، أو كسوة ، أو إطعام ، فإن لم يجد فصيام . فكيف يصح أن يقال : أطلق الصدقة ، وهو يريد به إطعام عشرة مساكين ، وأنه مخيَّر بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية ؛ وأيضًا : فإنه لا يتمشى على أصل الحنفية المتقدم الذكر ، فإنهم قالوا : لا تجب الكفارة إلا بالحنث في قوله : هو يهودي ، أو نصراني ، إلى غير ذلك مما ذكروه . وهذا حكم معلَّق على نطق بقول ليس فيه يمين ، ولا التزام ، وإنما هو استدعاء للمقامرة . فأين الأرض من السماء ؟ والعرش من الثَّرى ؟
( 1650 ) ( 11 و14 ) [1751] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا ، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ . وفي أخرى : فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينَهُ وَلْيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . و( قوله : أَعْتَم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : تأخر عنده إلى عتمة الليل . وهي شدَّة ظلمته . ولعله يريد بذلك : أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرها منتظرًا للناس ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل ، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر ؛ يعني : في العشاء الآخرة . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير ) هذا أمرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم الكفَّارة على الحنث . وهو نصٌّ في الردِّ على أبي حنيفة ، فإن أقل مراتب هذا الأمر أن يكون من باب الإرشاد إلى المصلحة . وأقل مراتب المصلحة أن تكون مباحة . فالكفارة قبل الحنث جائزة مجزية . وقد تضافر على هذا المعنى فعل النبي صلى الله عليه وسلم المتقدِّم في حديث أبي موسى ، وأمره هذا ، وكذلك حديث عدي الآتي بعد هذا . و( قوله : فليفعل الذي هو خير ) أي : الذي هو أكثر خيرًا ؛ أي : الذي هو أصلح ؛ يعني : من الاستمرار على موجب اليمين ، أو ما يخالف ذلك مما يحنث به . والأصلح تارة يكون من جهة الثواب وكثرته .
( 6 ) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر ( 1649 ) ( 9 و7 ) [1750] عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ ، فَتَلَكَّأَ ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ ، فَحَلَفْتُ ألَا أَطْعَمَهُ ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ ، فَدَعَا بِنَا ، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ، قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ ، لَا يُبَارَكُ لَنَا ، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَلَا تَحْمِلَنَا ، ثُمَّ حَمَلْتَنَا ، فَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وفي رواية : إِلَّا كَفَّرْتُ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . ( 6 ) ومن باب : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر ( قوله : إن أبا موسى دعا بمائدته وعليها لحم دجاج ) يدل على أن أكل الطيِّبات على الموائد جائز معمولٌ به عندهم . وأن ذلك لا يناقض الزهد ، ولا يُنقصه خلافًا لبعض متقشِّفة المتزهدة . وقول الرَّجل : ( رأيته يأكل شيئًا فقذرته ) يعني به : أنه رأى الدَّجاج يأكل نجاسة فاستقذره ، فحلف ألا يأكله لذلك . وظاهر قول هذا الرجل ؛ أنه كان يكره أكل ما يأكل النجاسات من الحيوانات . وقد اختلف في ذلك . فكرهه قوم ، فكان ابن عمر لا يأكل الدَّجاجة حتَّى يقصرها أيامًا . ومثل ذلك روي عن ابن القاسم في الجدي الذي ارتضع على خنزيرة : إنَّه لا يذبح حتَّى يذهب ما في بطنه . وكره الكوفيون أكل لحوم الجلاَّلة ، والشافعي : إن كان أكلُها أو غالبُه النجاسة ، فإن كان غالبه الطَّهارة لم يكرهه . وأجاز مالك أكل لحوم الإبل الجلاَّلة ، وأكل ما يأكل الجيف من الطَّير وغيره لبعد الاستحالة . قلت : وهذا محمول على ما إذا ذهب ما في بطونها من ذلك ، كما حكيناه عن ابن القاسم ، لأن مالكا قد قال في روث ما يأكل النجاسة وبوله : أنَّه نجس ، بخلاف أصله في أن الأبوال تابعة للُّحوم . وكره ابن حبيب من أصحابنا أكل ما يأكل النجاسات مطلقا . قلت : وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلاَّلة وألبانها . وهو حجة لابن حبيب ؛ لولا أنَّه من رواية محمد بن إسحاق . و( قوله : فتَلَكَّأ ) أي : تثاقل ، وتأخر . و( نستحمله ) أي : نسأله أن يحملنا ؛ أي : يعطينا ما نتحمَّل عليه وبه ، و( نَهْبُ إبل ) أي : غنيمتها . والنهب : الغنيمة . وكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إذا أوتر من أول الليل قال : أحرزت نهبي ؛ أي : غنيمتي . وقد تقدَّم الكلام في الذَّوْد في كتاب الزكاة . و( قوله : غُرِّ الذُّرى ) غرُّ : جمع أغرُّ . وأصله : الذي في جبهته بياض من الخيل . و( الذُّرى ) : جمع ذروة ، وهي : من كل شيء أعلاه . والمراد بـ ( غُرّ الذُّرى ) : أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة . وقد روي : ( بُقْعُ الذُّرى ) أي : فيها لمعٌ بيضٌ وسودٌ . ومنه قيل : الغراب الأبقع ، والشَّاة البقعاء : إذا كانا كذلك . و( قوله : أغفَلْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ) أي : وجدناه غافلاً عنها . كما تقول العرب : أحمدت الرَّجل : وجدته محمودًا . وأذممته : وجدته مذمومًا . فكأنه قال : وجدناه غافلاً عنها ، فاغتنمنا غفلته ، فأخذنا منه في حال غفلته . و( قوله : لا يبارك لنا ) أي : فيما أعطانا إن سكتنا عن ذلك ولم نعرّفه . وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرُّم ، وجواز ردّ السَّائل المثقل عند تعذر الإسعاف ، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول . وذلك : أنَّهم سألوه في حال تحقق فيها : أنَّه لم يكن عنده شيء فأدَّبهم بذلك القول ، ثم : إنَّه صلى الله عليه وسلم بقي مترقِّبًا لما يُسعِفُ به طِلْبتَهُم ، ويجبرُ به انكسارهم ، فلمَّا يسَّر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم ، وجبرهم على مقتضى كرم خلقه . و( قوله : إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتها ) ، وفي الرواية الأخرى : ( إلا كفَّرتُ عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ) اختلاف هاتين الروايتين أوجب اختلاف العلماء في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا ؟ على ثلاثة أقوال : جوازها مطلقا . وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة ، وجمهور الفقهاء . وهو مشهور مذهب مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجزئ بوجه . وهي رواية أشهب عن مالك . وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام ، والعتق ، والكسوة . ولا تجزئ بالصَّوم . وقد ذكر أصحابنا للخلاف في هذه المسألة سببًا آخر . وهو اختلافهم في اليمين . هل هو جزء السبب ، والحنث الجزء الآخر ؟ أم ليس كذلك ؟ بل وجود اليمين هو السبب فقط ، والحنث شرط وجوب الكفارة . وبسط هذا في مسائل الخلاف . وذكر مسلم في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعري المردفة . حدثنا شيبان بن فرُّوخ ، حدثنا الصَّعِقُ ابن حَزْن - بكسر العين - من الصعق ، حدثنا مطر الوَّراق ، حدثنا زَهْدَم الْجَرْمِي . وهذا سندٌ فيه نظر . وذلك أن الدارقطني استدركه على مسلم ؛ فقال : ابن الصَّعِق ، ومطر ليسا بالقويين ، ولم يسمع مطر من زُهدم . قلت : وهذا لا عتب على مسلم فيه ، ولا نقص يلحق كتابه بسبب ذلك ؛ لأنَّه قد أخرج الحديث من طرق كثيرة صحيحة ، ثم أردف هذا السَّند بعد تلك الطرق الصحيحة المتصلة ، ولذلك قال فيه : عن زهدم قال : دخلت على أبي موسى ، وهو يأكل لحم دجاج ، وساق الحديث بنحو حديثهم ، وزاد فيه : قال : إني والله ما نسيت . فذكره مردفًا لأجل هذه اللفظة الزائدة ، ثم هذا على ما شرطه في أول كتابه ؛ حيث قَسَم الأسانيد إلى ثلاثة أقسام ، وثلاث طبقات . فهذا السَّند من الطبقة الأخيرة ؛ التي هي دون من قبلها ، وفيها مغمزٌ بوجه ما . وهذا يدل على أنه أدخل الثلاث الطبقات في كتابه خلافًا لمن زعم : أنه لم يدخل فيه من الطبقة الثالثة أحدًا . وذكر مسلم بعد هذا السند : ضُرَيْب بن نُقَيْر عن زهدم . قال القاضي عياض : ضُرَيْب بن نُقَيْر : مصغران ، ونُفَيْر هذا بالقاف أشهر . وهي رواية الصَّدفي ، والأسدي ، والتميمي من أشياخنا . وكذا قيَّدناه عنهم . وكان الخشني قيَّده بالفاء . وقال الحافظ أبو علي : يقال بهما ، والقاف أشهر . وأمَّا جبيْر بن نُفَيْر : فلم يختلف أنه بالفاء . وقول أبي موسى : ( وافقته وهو غضبان ) وحلفه في تلك الحال يدلُّ لمالك : على صحة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب . وهو له حجة على الشافعي حيث قال : إنَّها لا تلزم ، كما تقدَّم . ويدلُّ أيضًا على قول مالك حديث عدي بن حاتم المذكور .
( 1651 ) ( 15 ) [1752] وعَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِي ثَمَنِ خَادِمٍ أَوْ فِي بَعْضِ ثَمَنِ خَادِمٍ ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ ، إِلَّا دِرْعِي وَمِغْفَرِي ، قَالَ: فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِي أَنْ يُعْطُوكَهَا . قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ ، فَغَضِبَ عَدِيٌّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكَ شَيْئًا . ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ التَّقْوَى مَا حَنَّثْتُ يَمِينِي . ( 1651 ) ( 17 و 18 ) [1753] وعنه ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، قَالَ: تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَا ابْنُ حَاتِمٍ ، وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكَ ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وفي رواية : فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وهو الذي أشار إليه في حديث عدي ، حيث قال : ( فليأت التقوى ) . وقد يكون من حيث المصلحة الراجحة الدنيويَّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقَّةٌ . وهي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لأن يلج أحدكم بيمينه آثم له عند الله من أن يكفر ) يعني بذلك : أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج - وهو المشقة - قد يفضي به إلى أن يأثم ، فالأولى به أن يفعل ما شرع الله له من تحنيثه نفسه وفعل الكفارة . وغضب عدي في الحديث الأول ويمينه سببهما : أن الرَّجل السائل لم يرض بالدِّرع والمغفر مع أنه لم يكن عنده غيرهما . ويمينه في الحديث الثاني وما يفهم من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث : أن عديًّا استقل ما سُئِل منه . ألا ترى قوله : تسألني مائة درهم ، وأنا ابن حاتم ؟! فكأنه قال : تسألني هذا الشيء اليسير وأنا من عرفت ؛ أي : نحن معروفون ببذل الكثير . فهذا سبب غير السبب الأول . هذا ظاهر الحديث ، غير أن القاضي عياضا قال : معنى قوله عندي : وأنا ابن حاتم ؛ أي : قد عُرِفت بالجود ، وورثتُهُ ، ولا يمكنني ردَّ سائلٍ إلا لعذر ، وقد سأله ويعلم : أنه ليس عنده ما يعطيه ، فكأنه أراد أن يبخله . فلذلك قال : والله لا أعطيك ؛ إذ لم يعذره . قلت : وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول ، لا بالثاني . فتأمَّلهما . وفيه من الفقه : أن اليمين في الغضب لازمة كما تقدم .
( 1654 ) ( 23 و25 ) [1756] وعَنْه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ: لَأَطيفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً ، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوْ الْمَلَكُ: قُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ ، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَامٍ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لحَاجَتِهِ . وفي رواية : عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وفيها : فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَجَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ . وقول سليمان : لأطيفن الليلة على سبعين امرأة ) هذا الكلام قَسَمٌ ، وإن لم يذكر فيه مُقْسَم به ؛ لأن لام ( لأطيفن ) هي التي تدخل على جواب القسم . فكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاءً بدلالتها على الْمُقْسَم به ، لكنها لا تدلُّ على مُقْسَم به مُعَيَّن . وعلى هذا : ففيه من الفقه ما يدل على أن من قال : أحلف ، أو أشهد ، أو ما أشبه ذلك مما يفيد القسم ، ونوى بذلك الحلف بالله تعالى ؛ كانت يمينًا جائزة ، منعقدة . وهو مذهب مالك . وقد قال الشافعي : لا تكون يمينًا بالله تعالى حتى يتلفظ بالْمُقْسَم به . وقال أبو حنيفة : هي يمين أراد بها اليمين بالله تعالى أم لا . وكأن الأولى ما صار إليه مالك ؛ لأن ذلك اللفظ صالح وضعًا للقَسَم بالله تعالى ، فإذا أراده الحالف ؛ لزمه كسائر الألفاظ المقيدة بالمقاصد من العمومات ، والمطلقات ، وغير ذلك . وأمَّا إذا لم يرد باللفظ القَسَم أو القَسَم بغير الله تعالى ؛ فلا يلزمه به شيء ؛ لأن الأوَّل لا يكون يمينًا ، والثاني غير جائز ، ولا مُنْعَقد ، فلا يلزم به حكم على ما تقدَّم . و( قوله : كُلُّهُنَّ تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله ) وفي اللفظ الآخر : ( بفارس ) . قد تقدَّم القول في الغلام ، وأنه الصغير . وأراد به ها هنا : الشاب المطيق للقتال . وهذا الكلام من سليمان صلى الله عليه وسلم ظاهره الجزم على أن الله يفعل ذلك الذي أراد ، لكن الذي حمله على ذلك صدق نيته في حصول الخير ، وظهور الدِّين ، وفعل الجهاد ، وغلبة رجاء فضل الله تعالى في إسعافه بذلك . ولا يظن به : أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا من جهل حالة الأنبياء في معرفتهم بالله تعالى وبحدوده ، وتأدبهم معه . ورواية العذري : ( لأطوفن ) . ورواية الجماعة كما تقدم . وكلاهما صحيح في اللغة . يقال : أطفت بالشيء ، أطيف به ، وأنا مطيف . وطفت على الشيء ، وبه ، أطوف ، وأنا طائف ، كما قال تعالى : فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ وأصله : الدَّوران حول الشيء . ومنه : الطواف بالبيت . وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع ، كما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أنَّه كان يطوف على نسائه ، وهن تسع ، في ساعة واحدة من ليل أو نهار . وهذا يدل على ما كان الله تعالى خصَّ به الأنبياء من صحة البنية ، وقوة الفحولية ، وكمال الرُّجولية ، مع ما كانوا فيه من الجهد ، والمجاهدات ، والمكابدات على ما هو المعلوم من حال نبينا صلى الله عليه وسلم وأنَّه توفي ولم يشبع من خبز البرِّ ثلاث ليال تباعًا . وقد روي عن سليمان صلى الله عليه وسلم : أنه كان يفترش الرَّماد ، ويأكل خبز الرَّماد . وهذا هو المعلوم من حال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، ومن كان هذه حاله فالعادة جارية بأن يضعف عن الجماع ، لكن خرق الله لهم العادة في أبدانهم ، كما خرقها لهم في معجزاتهم ، وأكثر أحوالهم . وقد اختلفت الرِّوايات في عدد النساء اللواتي طاف عليهن سليمان . ففي الأصل : ستون ، وسبعون ، وتسعون . وفي غير كتاب مسلم : مائة . والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان . و( قوله : قال له صاحبه أو الملك ) هذا شكٌّ من أحد الرواة في الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم منهما . فإن كان صاحبه ، فيعني به : وزيره من الإنس ، أو الجن . وإن كان الملك ؛ فهو الذي كان يأتيه بالوحي . وقد أبعد من قال : هو خاطره . و( قوله : قل : إن شاء الله ) هذا تذكير له بأن يقول بلسانه ، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه ؛ فإن ذلك بعيدٌ على الأنبياء ، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة ، ومعارفهم المتوالية . وإنَّما هذا كما قد اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرُّوح ، والخضر ، وذي القرنين ؛ فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا ، جازمًا بما عنده من معرفته بالله تعالى ، وصدق وعده في تصديقه ، وإظهار كلمته ، لكنه ذهل عن النطق بكلمة : ( إن شاء الله ) لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه ، فأُدِّب بأن تأخر الوحي عنه ؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها . ثم إن الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب . وهذا لعلوِّ مناصب الأنبياء ، وكمال معرفتهم بالله تعالى ، يناقشون ، ويعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم ، كما قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق لوط : ( ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ) فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها ، وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم . و( قوله : فلم يقل ، ونسي ) أي : لم ينطق بتلك الكلمة ذهولاً ونسيانًا ، أنساه الله تعالى إيَّاها لينفذ قدر الله تعالى الذي سبق به علمه ، من جعل ذلك النسيان سببًا لعدم وقوع ما تمنَّاه وقصده سليمان ـ عليه السلام . و( قوله : فلو قال : إن شاء الله لم يحنث ) دليل على جواز قول : ( لو ) و( لولا ) بعد وقوع المقدور . وقد وقع من ذلك مواضع كثيرة في الكتاب ، والسُّنة ، وكلام السَّلف ، كقوله تعالى : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وكقوله : وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ وكقوله صلى الله عليه وسلم : ( لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدَّهر ، ولولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ، ولم يخنز اللحم ) . فأمَّا قول النبي صلى الله عليه وسلم في "الصحيح" : ( لا يقولن أحدكم : لو ؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان ) فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب ، مُعرضًا عن المقدور ، أو متضجرًا منه ، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا : لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ثم ردَّ الله قولهم ، وبيَّن لهم عجزهم ، فقال : قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث : ( المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، ولا تقل : لو كان كذا لكان كذا ؟ فإن لو تفتح عمل الشيطان . قل : ما شاء الله كان ، وما شاء فعل ) ، فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله ، وترك الاعتراض على الله ، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات . فيجوز النطق بـ ( لو ) عند السلامة من تلك الآفات . والله تعالى أعلم . وفيه دليل على أن اليمين بالله تعالى إذا قرن بها ( إن شاء الله ) لفظًا منويًّا ؛ لم يلزم الوفاء بها ، ولا يقع الحنث فيها . ولا خلاف في ذلك . واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلاً عن اليمين . فالجمهور : على أنه لا ينفع الاستثناء حتى يكون متصلاً به ، منويا معه ، أو مع آخر حرف من حروفه . وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، والجمهور . وقد اتفق مالك والشافعي : على أن السُّعال ، والعِطَاس ، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له . وقال بعض أصحابنا : لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين . وعند هؤلاء : أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه ، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء . وكان الحسن ، وطاوس ، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه . وقال قتادة : ما لم يقم أو يتكلم . وعن عطاء : قَدْر حلبة ناقة . وعن سعيد بن جبير : بعد أربعة أشهر . وروي عن ابن عباس : بعد سنة . وقد أنكرت هذه الرواية عنه ، وضُعفت ، وتأولها بعضهم : بأن له أن يستثني امتثالاً لأمر الله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لا لحل اليمين . والصحيح الأول إن شاء الله ؛ لأنه لو لم يشترط الاتصال لما انعقدت يمين ، ولا تصوَّر عليها ندم ، ولا حنث ، ولا احتيج للكفَّارة فيها . وكل ذلك حاصل بالاتفاق . فاشتراط الاتصال صحيح . ولتفصيل هذه الجملة علم الخلاف . وقد احتجَّ من قال بفصل الاستثناء بما قال في هذا الحديث : إن سليمان ـ عليه السلام ـ لما حلف قال له صاحبه - أو الملك - : قل : إن شاء الله . ووجهه : أنَّه إنَّما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين . فلو قالها بعد فراغ قول الصَّاحب لكان قولها غير متصل باليمين ، ومع ذلك ، فلو قالها لكانت تنفع ، ولم يحنث ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو قال : إن شاء الله لم يحنث ) . والجواب : منع أنه قاله بعد فراغه من اليمين . بل لعلَّه قال ذلك في أضعاف يمينه ؛ لأن يمينه تلك كثرت كلماتها فطالت . وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا ، فلا حجة فيه ، لا له ، ولا عليه . وقد احتجَّ المخالف أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة - مولى ابن عباس - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لأغزون قريشًا ! والله لأغزون قريشًا ! والله لأغزون قريشًا ! ) ثم قال : ( إن شاء الله ) ، وفي رواية : ثم سكت ، ثم قال : ( إن شاء الله ) . وهذا مرسل . وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان . وليس حديثه بشيء على ما قاله أهل الحديث . والمرسل هو الصحيح . قلت : وهذا الحديث حجة ظاهرة على جواز الفصل بالسُّكوت اليسير ، وأن ذلك القدر ليس بقاطع ؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال ، لكن عند من يقبل المرسل . ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نفس خارج أو أمر طارئ . وفيه بُعد . ثم اختلف العلماء في الاستثناء بمشيئة الله تعالى ؛ هل يرفع حكم الطلاق ، والعتاق ، والمشي لمكة ، وغيرها من الأيمان بغير الله تعالى ، أم لا ؟ فذهب مالك والأوزاعي : إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك . وذهب الكوفيون ، والشافعي ، وأبو ثور ، وبعض السَّلف : إلى أنه يرفع ذلك كله . وقصر الحسن الرفع على العتق ، والطلاق خاصة . قلت : وسببُ الخلاف اختلافهم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي من حديث ابن عمر من طرق متعددة ، وهو صحيح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من حلف على يمين ؛ فقال : إن شاء الله ؛ فهو بالخيار ، إن شاء مضى ، وإن شاء ترك ) ، وفي رواية : ( إن شاء ترك غير حنث ) . فحمل مالك ومن قال بقوله هذا الحديث على اليمين الجائزة ، وهي اليمين بأسماء الله وصفاته بناء على أنه هو المقصود الأصلي ، واليمين العرفي . وحمله المخالف على العموم في كل ما يمكن أن يقال عليه يمين . قلت : والصحيح الأول ؛ لما قدَّمناه : من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينًا لا يُسمَّى يمينًا لا لغةً ، ولا شرعا ؛ إذ ليس من ألفاظها اللغوية ، ولا من معانيها الشرعية ، كما بيَّناه . و( قوله : قل : إن شاء الله ) دليل على صحة قول من يقول : إن الاستثناء لا يصحُّ إلا بالقول ، ولا يصح بالنيَّة المجردة . وهو قول كافة العلماء ، وأئمة أهل الفتيا . وقال بعض متأخري شيوخنا : إنه يصحُّ بالنيَّة كالمحاشاة ؛ فإنَّهم اتفقوا على أنها تصحُّ بالنيَّة . وفرَّق المتقدمون بين الاستثناء وبين والمحاشاة ؛ بأن الاستثناء رفعٌ لأصل اليمين . والمحاشاة رفعٌ لبعض ما تناولته اليمين ، فافترقا . و( قوله : وايم الذي نفس محمدٍ بيده ! ) قد قدمنا ذكر خلاف النحويين في : ( ايم الله ) واللغات المذكورات فيه فيما تقدَّم . والكلام هنا في بيان حكمها . فحكى ابن خواز منداذ ، والطحاوي عن مالك : أنَّها يمين . وبه قال الشافعي ، وأصحاب أبي حنيفة ، وابن حبيب من أصحابنا . وفي كتاب محمَّد عن مالك : أخشى أن تكون يمينًا . قلت : وعلى كونها يمينًا جائزة يدلُّ قَسَم النبي صلى الله عليه وسلم بها ، ويتمشى ذلك على قول الفراء : إنها جمعُ يمين . وهو الذي اختاره أبو عبيد . واستدل عليه بقول زهير : فَتُجْمَع أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُم قال : وكثر استعمالهم فيه ، فحذفوا النون ، كما حذفوا نون ( لم يك ) . قلت : ويلزم على هذا : أن الحالف به يلزمه ثلاثة أيمان ؛ لأن الثلاثة أقل مراتب الجمع . وأمَّا على ما فسَّره سيبويه : من أنه مأخوذ من اليُمْن والبركة فلا يلزم بها كفارة ؛ لأن الحالف بها كأنَّه قال : وبركة الله ، ويُمْن الله . وذلك راجع إلى الحلف بفعل من أفعال الله تعالى ؛ كما لو قال : ورزق الله ، وفضل الله . وحينئذ تكون يمينًا غير جائزة ، ولو كان ذلك لما حلف بها النبي صلى الله عليه وسلم . فإذًا قول الفراء أولى ، إن شاء الله تعالى .
( 7 ) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه ( 1653 ) [1754] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ . وفي رواية : يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ . ( 7 ) ومن باب : اليمين على نية المستحلف ( قوله : يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ) يعني : أن يمينك التي يجوز لك أن تحلفها ؛ هي التي تكون صادقة في نفسها ، بحيث لو اطَّلع عليها صاحبك لعلم : أنها حقٌّ وصدقٌ ، وأن ظاهر الأمر فيها كباطنه ، وسرَّه كعَلَنِه ، فيصدقك فيما حلفت عليه . فهذا خطاب لمن أراد أن يُقْدِم على يمين ، فحقُّه أن يعرض اليمين على نفسه ، فإن رآها كما ذكرناه حلف إن شاء ، وإلا أمسك ؛ فإنَّها لا تحل له . هذا فائدة هذا اللفظ .
( 1653 ) ( 12 ) [1755] وعَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ . فأمَّا قوله : ( اليمين على نيِّة المستحلف ) فمقصوده : أن من توجَّهت عليه يمين في حق ادُّعي عليه به ؛ فحلف على ذلك لفظًا ، وهو ينوي غيره ، لم تنفعه نيَّته ، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين . ويظهر من كلام الأئمة على هذين الحديثين : أن معنى الأول مردودٌ إلى الثاني ، وما ذكرته أولى إن شاء الله تعالى . ويتبيَّن لك ذلك من سياق اللفظين . فتأملهما تجد ما ذكرته . وإذا تقرر هذا ؛ فاعلم : أن اليمين إما أن يتعلَّق بها حق لآدمي أو لا . فإن لم يتعلَّق بها حق لآدمي ، وجاء صاحبها مستفتيًا ، ولم يضبط بشهادة ؛ فله نيته . قال القاضي : ولا خلاف في ذلك نعلمه . وأما إن حلف لغيره في حق عليه ؛ فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه إذا قامت عليه بيّنَة ، سواء حلف متبرعًا ، أو مُسْتَحْلفًا . وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى : فاختلف فيه قول مالك وأصحابه اختلافًا كثيرًا . فقيل : على نية المحلوف له . وقيل : على نية الحالف . وقيل : إن كان مستحلفًا ؛ فاليمين على نيِّة المحلوف له . وإن كان متبرعًا ؛ فعلى نيِّة الحالف . وهو ظاهر قول مالك ، وابن القاسم . وقيل : عكسه . وقيل : تنفعه نيَّته فيما لا يقضى عليه فقط . وروي عن مالك : إن كان على وجه المكر والخديعة ؛ فهو آثم . وإن كان على وجه العُذر فلا . وعكسه ابن حبيب . ذكر هذه الأقوال كلها القاضي عياض ، وقال : ولا خلاف في أن الحالف بما يقتطع به حق غيره ظالم ، آثم ، حانث .
( 1640 ) [1739] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَنْذِرُوا ، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ . ( 1640 ) ( 7 ) [1740] وعنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنْ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ قَدَّرَهُ ، وَلَكِنْ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ . و( قوله صلى الله عليه وسلم : لا تنذروا ! فإن النَّذر لا يردّ من قدر الله شيئًا ) هذا النذر محله أن يقول : إن شفى الله مريضي ، أو قدم غائبي فعليَّ عتق رقبة ، أو صدقة كذا ، أو صوم كذا . ووجه هذا النهي هو : أنه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر : أنه لم يتمحض له نيَّة التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه ، بل سلك فيها مسلك المعاوضة . ألا ترى : أنَّه لو لم يحصل غرضه لم يفعل ؟! وهذه حال البخيل ؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربي على ما أخرج . وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : ( وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه ) ثم ينضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن : أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض ، أو : أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر . وإليهما الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن النَّذر لا يردُّ من قدر الله شيئًا ) . وهاتان جهالتان . فالأولى تُقارب الكفر . والثانية خطأ صراح . وإذا تقرر هذا ، فهل هذا النهي محمول على التحريم ، أو على الكراهة ؟ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة . قلت : والذي يظهر لي : حمله على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد . فيكون إقدامه على ذلك محرما . والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك . والله تعالى أعلم . وإذا وقع هذا النذر على هذه الصفة لزمه الوفاء به قطعًا من غير خلاف . ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) ولم يفرق بين النذر المعلَّق ولا غيره . ومما يلحق بهذا النَّهي في الكراهة : النذر على وجه التبرُّم والتَّحرُّج . فالأول : كمن يستثقل عبدًا لقلة منفعته ، وكثرة مؤنته ، فينذر عتقه تخلُّصًا منه ، وإبعادًا له . وإنما يكره ذلك لعدم تمحُّض نية القربة . والثاني : أن يقصد التضييق على نفسه ، والحمل عليها ؛ بأن ينذر كثيرًا من الصوم ، أو من الصلاة ، أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه . فأمَّا لو التزم بالنذر ما لا يطيقه لكان ذلك محرَّمًا . فأمَّا النذر الخارج عمَّا تقدَّم : فما كان منه غير معلَّق على شيء ، وكان طاعة ؛ جاز الإقدام عليه ، ولزم الوفاء به . وأمَّا ما كان منه على جهة الشكر : فهو مندوب إليه ؛ كمن شُفي مريضه فقال : للهِ عليَّ أن أصوم كذا ، أو أن أتصدق بكذا شكرًا لله تعالى . وقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقا . فيمكن حمله على الأنواع التي بينَّا كراهتها . ويمكن حمله على جميع أنواعه ؛ لكن من حيث : إنَّه أوجب على نفسه ما يخاف عليه التفريط فيه ، فيتعرض للوم الشرع وعقوبته . كما قد كره الدُّخول في الاعتكاف . وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك الأولى مكروها . ووجه هذا واضح . وهو : أن فعل القرب من غير التزامها خير محض ، عَرِيّ عن خوف العقاب ، بخلاف الملتزم لها ؛ فإنَّه يخاف عليه ذلك فيها . وقد شهد لهذا ذمُّ من قصَّر فيما التزم في قوله تعالى : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود والعهود المأمور بالوفاء بها ، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرب المثنى عليها . وكفى بذلك مدْحًا وتعزيزًا قوله تعالى : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا
( 21 ) كتاب النذور والأيمان ( 1 ) باب الوفاء بالنذر ، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا ( 1638 ) [1737] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاقْضِهِ عَنْهَا . ( 1639 ) [1738] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنْ النَّذورِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الشَّحِيحِ . وفي رواية : قَالَ عليه الصلاة والسلام : النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ . وفي أخرى : إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، ( بدل ) : لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ . ( 21 ) كتاب النذور والأيمان النُّذور : جمع نَذْر ، كفَلْسٍ ، وفلوس . وهو عبارة عن التزام فعل الطَّاعات بصيغ مخصوصة ؛ كقوله : للهِ عليَّ صومٌ ، أو صلاةٌ ، أو صدقة . والأيمان : جمع يمين ، وهو في أصل اللغة : الْحَلْفُ بمعظَّم - في نفسه ، أو عند الحالف - على أمر من الأمور ؛ من فعل ، أو ترك ، بصيغ مخصوصة ؛ كقوله : والله لأفعلن ، وبحياتك لأتركن . وأمَّا تسمية العتق ، والطلاق ، والصَّدقة المعلقات على أمر مستقبل أيمانًا ؛ فليست كذلك لغة ، ولا ورد في كلام الشارع تسميتها أيمانًا ، لكن الفقهاء سَمُّوا ذلك أيمانًا ، فيقولون : كتاب الأيمان بالطلاق . ومن حلف بطلاق زوجته ، أو بعتق أمته فقال : إن شاء الله لم ينفعه الاستثناء . وهم يريدون : إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالق إن شاء الله . وتسمية هذه أيمانًا وَضْعٌ من جهتهم . والأحق بهذا النَّوع أن يُسمَّى التزامًا ؛ لأنه شرط ومشروط ، وليس من نوع ما تسمِّيه العرب يمينًا . ( 1 ) ومن باب : الوفاء بالنَّذر ( قوله : استفتى سعدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذرٍ كان على أمِّه توفيت قبل أن تقضيه ) فيه من الفقه : استفتاء الأعلم ما أمكن . وقد اختلف أهل الأصول في ذلك . هل يجب على العامِّيّ أن يبحث عن الأعلم ، أو يكتفي بسؤال عالم - أي عالم كان - على قولين . وقد أوضحناهما في الأصول ، وبيَّنا : أنه يجب عليه أن يبحث عن الأعلم ؛ لأن الأعلم أرجح ، والعمل بالرَّاجح واجب . وقد اختلف في هذا النذر الذي كان على أم سعد ؛ فقيل : إنه كان نذرًا مطلقا . وقيل : صومًا . وقيل : عتقًا . وقيل : صدقةً . والكل محتمل ، ولا مُعيِّن ، فهو مُجْمَل . ولا خلاف : أن حقوق الأموال من العتق ، والصَّدقة تصحّ فيها النيابة ، وتصحّ توفيتها عن الْمَيِّت والحيِّ . وإنَّما اختلف في الحجِّ والصوم كما تقدم ذلك في كتابيهما . و( قوله : فاقضه عنها ) أمرٌ بالقضاء على جهة الفتوى فيما سئل عنه ، فلا يحمل على الوجوب ، بل على جهة بيان : أنه إن فعل ذلك صحَّ ، بل نقول : لو ورد ذلك ابتداءً وافتتاحًا لما حمل على الوجوب ، إلا أن يكون ذلك النذر ماليًّا ، وتركت مالاً ، فيجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال ، أو من الثلث ، كما قد ذكرناه في الوصايا . وإن كان حقًّا بدنيًا : فمن يقول بأن الوليَّ يقضيه عن الميت ؛ لم يقل : إن ذلك يجب على الوليِّ ، بل ذلك على النَّدب إن طاعت بذلك نفسُه . ومن تخيَّل شيئًا من ذلك فهو محجوج بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه لمن شاء ) وهو نصٌّ في الغرض .
( 4 ) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين ، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى ( 1645 ) [1745] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَفَّارَةُ النَّذْرِ ، كَفَّارَةُ الْيَمِينِ . ( 4 ) ومن باب : كفارة النذر غير المسمى ( قوله : كفارة النَّذر كفارة اليمين ) يعني به : النذر الذي لم يسمَّ مخرجه بدليلين : أحدهما : أن هذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا : ( من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ) ، فقيَّد في هذا الحديث ما أطلقه في حديث عقبة . وثانيهما : أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم الذي نذره ، وقال : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ) . ولا يتميَّزُ آحاد النوعين إلا بالتعيين والتسمية . والمفهوم من الأمر بالوفاء بالنذر : أن يفعل عين ما التزمه . وأما ما لم يعيّن لفظًا ولا نية : فالأصل عدم لزومه . وما ذكرناه هو مذهب مالك ، وأصحابه ، وكثير من أهل العلم . وقد ذهبت طائفة من فقهاء المحدثين وأبو ثور : إلى أن كفارة اليمين تجري في جميع أبواب النذر تمسُّكًا بإطلاق الحديث الأول . والحجة عليهم ما ذكرناه .
( 1646 ) [1746] وعَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ . قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا . و( قوله : إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ) إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان ؛ لأن العادة جارية بأن الحالف منَّا إنما يحلفُ بأعظم ما يعتقده ؛ كما بينَّاه . وإذا كان ذلك : فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى ، فينبغي ألا يحلف بغيره ، فإذا حلف بغير الله فقد عظم ذلك الغير بمثل ما عظم به الله تعالى ، وذلك ممنوع منه . وهذا الذي ذكرناه في الآباء جار في كل محلوف به غير الله تعالى ، وإنما جرى ذكر الآباء هنا لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم عمر يحلف بأبيه . وقد شهد لهذا المعنى قوله : ( من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله ) وهذا حصرٌ ، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم . ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التحريم فيتحقق فيما إذا حدث بملة غير الإسلام ، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى ، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالدُّمى ، والدِّماء ، والأنصاب . فهذا لا يُشكُّ في تحريمه . وأما الحلف بالآباء ، والأشراف ، ورءوس السلاطين ، وحياتهم ونعمهم ، وما شاكل ذلك فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه ، ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه . وأما ما كان معظمًا في الشرع مثل : والنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة ، والعرش ، والكرسي ، وحرمة الصالحين : فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهة . وظاهر الحديث وما قدَّمناه من النظر في المعنى يقتضي التحريم . والله تعالى أعلم . فإن قيل : كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي صلى الله عليه وسلم قد حلف بذلك لما قال : ( أفلح وأبيه إن صدق ) ؟ وكيف يًحْكَمُ بتحريم الحلف بغير الله وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال : وَالضُّحَى وَالشَّمْسِ وَالْعَادِيَاتِ وَالنَّازِعَاتِ وغير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك ؟ فالجواب : أما عن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفلح وأبيه ) : فقد تقدَّم في الإيمان . وحاصله : أن ذلك يُحْتَمَل أن يكون صدر منه قبل أن يوحى إليه بهذا النهي . ويحتمل أن يكون جرى هذا على لسانه من غير قصد للحلف به ، كما يجري في لغو اليمين ؛ الذي هو : لا والله ، وبلى والله . وأما عن قسم الله تعالى بتلك الأمور فمن وجهين : أحدهما : أن المقسم به محذوف . تقديره : ورب الضحى . ورب الشمس ، ونحو ذلك . قاله أكثر أئمة المعاني . وثانيهما : أن الله تعالى يقسم بما يريد كما يفعل ما يريد ؛ إذ لا حكم عليه ، ولا حاكم فوقه ، ونحن المحكوم عليهم ، وقد أبْلَغَنا حكمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) ، و( من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله ) . فيجب الانقياد ، والامتثال لحكم ذي العزة والجلال .
( 1646 ) ( 3 و4 ) [1747] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ . وفي لفظ آخر : مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ . وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا ، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ . و( قوله : من كان حالفًا فليحلف بالله ) لا يفهم منه قَصْرُ اليمين الجائزة على الحلف بهذا الاسم فقط ، بل حكم جميع أسماء الله تعالى حكم هذا الاسم . فلو قال : والعزيز ، والعليم ، والقادر ، والسميع ، والبصير ؛ لكانت يمينًا جائزة . وهذا متفق عليه . وكذلك الحكم في الحلف بصفات الله تعالى ؛ كقوله : وعزة الله ، وعلمه ، وقدرته ، وما أشبه ذلك مما يَتَمَحَّضُ فيه الصفة لله تعالى ، ولا ينبغي أن يختلف في هذا النوع أنها أيمان كالقسم الأول . وأما ما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة له كقوله : وخلق الله ، ونعمته ، ورزقه ، وبيته ؛ فهذه ليست بأيمان جائزة ؛ لأنها حلف بغير الله عز وجل ؛ على ما تقدم . وبين هذين القسمين قسم آخر متردد بينهما ، فاختلف فيه لتردده ، كقوله : وعهد الله ، وأمانته ، وكفالته ، وحقه . فعندنا : أنَّها أيمان ملحقة بالملحق بالقسم الأول ؛ لأنها صفات . وعند الشافعي : ليست بأيمان . ورأى : أنها من القسم الثاني . وقول عمر : ( فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا ) أي : لم يقع مني الحلف بها . ولا تحدثت بالحلف بها عن غيري . وأثرت الحديث : نقلتَهُ عن غيرك .
( 3 ) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة ( 1642 ) [1742] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالَوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ . وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ . ( 1643 ) [1743] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ شَيْخًا يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ . ( 1644 ) [1744] وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ ، فَقَالَ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ . ( 3 ) ومن باب : نذر المشي إلى بيت الله ( قوله : إنه رأى شيخًا يهادى بين رجلين ) أي : يمشي بينهما متوكئًا عليهما ، كما فسَّره في الرواية الثانية . وكان يفعل ذلك لضعفه عن المشي . وفي هذا الحديث وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله- ؛ دليل على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه ، فإن لم يقدر وجب عليه المضي راكبًا . وظاهرهما : لزوم المشي ، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة ، كما هو مذهب مالك ؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقا ، فأجاب عنه ، ولم يستفصل ، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال ؛ إذ لو اختلف الحال بقيدٍ لسأل عنه ، أو لبيَّنه ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . وإلى هذا ذهب الشافعي . وهو مروي عن عليّ ، وابن عباس . وقال أبو حنيفة : إن لم يسم حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌ ، ولا شيء جملة واحدة . وقال الحسن البصري : إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه ، ويركب وعليه دم . وقاله أبو حنيفة أيضًا . والحجة عليهما ما تقدَّم . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني ) أي : لم يكلفه بذلك ، ولم يحوجه إليه ؛ لأنه غير مستطيع . وفي اللفظ الآخر : ( إن الله لغني عنك وعن نذرك ) أي : عن مشيك الذي لا تستطيعه ، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه ؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب . وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا : من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه ، ولم يعبأ به . وكيف لا ، والله تعالى هو الغني الحميد ، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد . وظاهر حديث هذا الشيخ : أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال ، وفيما يأتي بعد ، ولذلك لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لأخت عقبة : ( مُرْها فلتمش ولتركب ) فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي ، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه ، وتمشي ما قدرت عليه . وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة . ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه ، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته . فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولاً واحدًا ، ولا يلزمه دم ؛ إذ لم يخاطب بالمشي ، فيكون الدَّم بدله ، وإنما هو استحباب عند مالك . وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض ، أو عجز : فيجب عليه الهدي عند الجمهور . وقال الشافعي : لا يجب عليه الهدي ، ويختار له الهدي . وروي عن ابن الزبير : أنه لم يجعل عليه هديًا ؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر . وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة ، وهذا لفظه : قال عقبة بن عامر : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره : أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( مرها فلتركب ، ولتختمر ، ولتهد هديًا ) . وعند أبي داود : بدنة ، وليس فيه : ناشرة شعرها . وزيادة الهدي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم مع عقبة بن عامر ابنُ عبَّاس . ورواها عنهما الثقات ، فلا سبيل إلى ردَّها . وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها . وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم . ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا ؟ اختلف فيه : فقيل : لا يجب عليه مطلقا . وإليه ذهب الشافعي ، وأهل الكوفة ، وهذا أحد قولي ابن عمر . وقيل : يرجع ، وإليه ذهب سلف أهل المدينة ، وابن الزبير ، وهو القول الآخر عن ابن عمر . وفرَّق مالك فقال : إن كان المشي يسيرًا لم يرجع ، ويرجع في الكثير ، ما لم يرجع لبلده البعيدة ، فيكفيه الدَّم . قلت : والتمسَّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر ، وعمل سلف أهل المدينة باهر . و( قوله : إن الشيخ نذر أن يمشي ) يعني به : إلى بيت الله ؛ لأنَّه عرَّف المشي ، كما قال عقبة : إن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله . وقال الطحاوي : إلى الكعبة . ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين : بيت الله ، والكعبة . وألحق العلماء بهما ما في معناهما ، مثل أن يقول : إلى مكة ، أو ذكر جزءًا من البيت . وهذا قول مالك وأصحابه . واختلف أصحابه فيما إذا قال : إلى الحرم أو مكانًا من مدينة مكة ، أو المسجد . هل يرجع إلى البيت أم لا ؟ على قولين . وقال الشافعي : من قال : عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم ؛ لزمه . وإن ذكر ما خرج عنه ، لم يلزمه . وبه قال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وابن حبيب من أصحابنا ، إلا إذا ذكر عرفات ؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم . وقال أبو حنيفة : لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس ، لكن الاستحسان في قوله : إلى بيت الله ، أو الكعبة ، أو مكة فقط . وكل هذا إذا ذكر المشي ، فلو قال : علي المسير إلى مكة ، أو الانطلاق ، أو الذهاب ؛ فلا شيء عليه ؛ إلا أن يقول : في حجٍّ ، أو عمرةٍ ، أو ينويهما . وتردد قول مالك في الرُّكوب ، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما ، كالمشي . وكل هذا : إذا ذكر مكة ، أو موضعًا منها على ما فصلناه . فلو قال : عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم ، بل المضي إليها . وقال ابن وهب : يلزمه المشي . وهو القياس . ولو قال : إلى مسجد غير هذه الثلاثة ، قال ابن الموَّاز : إن كان قريبًا كالأميال ، لزمه المشي إليه ، وإن كان بعيدًا لم يلزمه .
( 2 ) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية ، ولا فيما لا يملك العبد ( 1641 ) [1741] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، فَأَتَاهُ ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي ، وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ قَالَ: إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَقِيقًا ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ ، قَالَ: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ . ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي ، وَظَمْآنُ فَاسْقِنِي ، قَالَ: هَذِهِ حَاجَتُكَ . فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ . فقَالَ: وَأُسِرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأُصِيبَتْ الْعَضْبَاءُ ، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ الْوَثَاقِ ، فَأَتَتْ الْإِبِلَ ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنْ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ ، فَلَمْ تَرْغُ ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا ، ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ ، وَنَذِرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ ، قَالَ: فَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا ، فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ ، فَقَالَوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، بِئْسَمَا جَزَتْهَا ، نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا ، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ . وَفِي رِوَايَةِ: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . وفي رواية : كَانَتْ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ . وَقال: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ . وفي أخرى : وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ . ( 2 ) ومن باب : لا وفاء لنذرٍ في معصية الله ، ولا فيما لا يملك العبد الحلفاء : جمع حليف ، كظرفاء : جمع ظريف . والحليف : اسم فاعل من حلف ، عدل عن حالف للمبالغة . وقد كثر حتى صار كالأسماء . والمحالفة ، والتحالف : التعاهد والتعاقد على التناصر والتعاضد . والأسر : الأخذ . وأصله : الشَّدُّ والرَّبط ؛ قاله القتبي . والعضباء : اسم للناقة . وهي التي صارت للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ إما بحكم سهمه الخاص به من المغنم المسمَّى بـ ( الصفيِّ ) ، وإمَّا بالمعاوضة الصحيحة . وهي المسمَّاة بالجدعاء ، والقصواء ، والخرماء في روايات أخر . وقد ذكرنا الخلاف فيها فيما تقدَّم . والعضب ، والقصو ، والجدع ، والخرم ، كلها بمعنى القطع . وسميت هذه الناقة بتلك الأسماء ؛ لأنها كان في أذنها قطع ، وسميت به ، فصدقت عليها تلك الأسماء كلها . وعلى هذا : فأصول هذه الأسماء تكون صفات لها ، ثم كثرت فاستعملت استعمال الأسماء . و( قول الرجل المأسور : ( يا محمد ! بم أخذتني ، وأخذتَ سابقةَ الحاجِّ ؟ ) هو استفهام عن السبب الذي أوجب أخذه وأخذ ناقته . وكأنَّه كان يعتقد : أن له أو لقبيلته عهدًا من النبي صلى الله عليه وسلم . فأجابَه النبي صلى الله عليه وسلم بذكر السبب إعظامًا لحق الوفاء ، وإبعادًا لنسبة الغدر إليه . فقال : ( أخذتُك بجريرة حلفائِك ثقيفٍ ) أي : بما فعلته ثقيفٌ من الجناية التي نقضوا بها ما كانَ بينَهم وبينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد . وكانت بنو عقيل دخلوا معهم في ذلك . فإمَّا بحكم الشرط ، وفيه بُعْد ، والظاهر أنَّهم دخلوا معهم بحكم الحِلْف الذي كان بينَهم . ولذلك ذكر حلفهم في الحديث . ولما سمع الرَّجلُ ذلك لم يجدْ جواباً ، فسكتَ . وعنى بسابقة الحاجِّ : ناقته العضباء . فإنها كانت لا تُسبق . وقد كانت معروفة بذلك ، حتى جاء أعرابيٌّ بقَعودٍ له فسبقَها ؛ فعظمَ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : سُبقت العضباء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن حقًّا على اللهِ ألا يُرفعَ شيء من الدُّنيا إلا وضعه ) . و( قوله : ثم انصرف ، فنادَاه : يا محمَّدُ ! يا محمَّدُ ! ) هذا النِّداء من الرَّجل على جهة الاستلطاف ، والاستعطاف ، ولذلك رقَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعَ له وقال له : ( ما شأنك ؟ )- رحمةً ورفقًا - على مقتضى خلقه الكريم ، ولذلك قال الرَّاوي : ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيمًا رفيقًا ) . و( قوله : إني مسلمٌ ) ظاهر هذا اللفظ : أنَّه قد صار مسلمًا بدخوله في دين الإسلام . وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم أنه لم يقبل ذلك منه ؛ لما أجابه بقوله : ( لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ) ، وحينئذ يلزم منه إشكال عظيم ؛ فإن ظاهره : أنه لم يقبل إسلامه لأنه أسيرٌ مغلوبٌ عليه ، لا يملك نفسه . وعلى هذا : فلا يصح إسلام الأسير في حال كونه أسيرًا ، وصحة إسلامه معلوم من الشريعة ، ولا يختلف فيه ، غير أن إسلامه لا يزيل ملك مالكه بوجه . وهو أيضًا معلوم من الشارع . ولما ظهر هذا الإشكال اختلفوا في الانفصال عنه . فقال بعض العلماء : يمكن أن يكون علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله : أنه لم يصدق في ذلك بالوحي . ولذلك لما سأله في المرَّة الثالثة فقال : ( إني جائع فأطعمني ، وظمآن فاسقني ) قال : ( هذه حاجتك ) . وقال بعضهم : بل إسلامه صحيح ، وليس فيه ما يدل على أنه ردَّ إسلامه . فأمَّا قوله : ( لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ) أي : لو قلت كلمة الإسلام قبل أن تؤسر لبقيت حرًّا من أحرار المسلمين ، لك ما لهم من الحرية في الدُّنيا ، وثواب الجنة في الآخرة . وأمَّا إذا قلتها وأنت أسير : فإن حكم الرق لا يزول عنك بإسلامك . فإن قيل : فلو كان مسلمًا فكيف يفادى به من الكفار رجلان مسلمان ؟! فالجواب : أنَّه ليس في الحديث نصٌّ : أنه رجع إلى بلاده بلاد الكفر . فيمكن أن يُقال : إنما فدي بالرَّجلين من الرِّق فأعتق منه بسبب ذلك ، وبقي مع المسلمين حرًّا من الأحرار . وليس في قوله : ( هذه حاجتك ) ما يدلُّ على أن إسلامه ليس بصحيح ، كما ظنه القائل الأول . وإنما معنى ذلك : هذه حاجتك حاضرة مُتيسِّرة . قلت : وهذا الوجه الثاني أولى ؛ لأنه لا نص في الحديث يردَّه ، ولا قاعدة شرعية تبطله . والله تعالى أعلم . و( قوله : وكان القوم يريحون نعمهم بين أيدي بيوتهم ) النعم هنا : الإبل ، وإراحتها : إناختها لتستريح من تعب السَّير ومشقة السفر . و ( بين أيدي بيوتهم ) بمعنى : عند بيوتهم وبحضرتها . و( قوله : وناقة مُنوَّقةٌ ) أي : مذللة ، مدرَّبة ، لا نفرة عندها . وهي المجرَّبة أيضًا . هذا قول العلماء ، ويظهر لي : أن كونها مدرَّبة ليس موجبا لئلا ترغو ؛ لأنا قد شاهدنا من الأباعر والنُّوق ما لم يزل مدرَّبًا على العمل ومع ذلك فيرغو عند ركوبه ، وعند الحمل عليه ، وكأن هذه الناقة إنما كانت كذلك إما لأنها دربت على ترك الرُّغاء من صغرها ، وإما لأنها كان لها هوًى في السَّير والجري لنشاطها ، فكلما حركت بادرت لما في هواها ، وإما لأنها خصَّت في أصل خلقتها بزيادة هدوء ، أو كان غير ذلك ببركة ركوب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها . و( قوله : فقعدت في عجزها ) أي : ركبتها . والعجز : المؤخر . وقوله : ( نذروا بها ) أي : علموا . وهو بكسر الذال المعجمة في الماضي ، وفتحها في المستقبل ( نذارة ) في المصدر . ونذر ، ينذر - بفتحها في الماضي ، وكسرها في المستقبل- نذرًا ؛ أي : أوجب . يقال : نذرت بالشيء ؛ أي : علمته ونذرت الشيء ؛ أي : أوجبته . ابن عرفة : النذر : ما كان وعدًا على شرط ، فإن لم يكن شرط لم يكن نذرًا . فلو قال : لله عليَّ صدقة ؛ لم يكن ناذرًا حتى يقول : إن شفى الله مريضي ، أو قدم غائبي . قلت : والمشهور عدم التفرقة ، وأن كل ذلك نذر عند اللغويين والفقهاء . والإنذار : الإعلام بما يخاف منه . و( قوله : أعجزتهم ) أي : سبقتهم ، ففاتتهم ، فعجزوا عنها . ومنه قوله تعالى : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ؛ أي : لن نفوته ، فلا يعجز عنا . و( قوله : فنذرت لله : إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها ) ظنت هذه المرأة : أن ذلك النَّذر يلزمها بناء منها على أنها لما استنقذتها من أيدي العدو ملكتها ، أو جاز لها التصرُّف فيها لذلك . فلمَّا أُعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أجابها بما يوضح لها : أنَّها لم تملكها ، وأن تصرُّفها فيها غير صحيح . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( بئس ما جزتْها ) ذمٌّ لذلك النذر ، من حيث إنه لم يصادف محلاً مملوكًا لها ، ولو كانت ملكًا لها للزمها الوفاء بذلك النذر ؛ إذ كان يكون نذر طاعةٍ ، فيلزم الوفاء به اتفاقًا . هذا إن كان ذلك الذمُّ شرعيًّا . ويمكن أن يقال : إنَّما صدر هذا الذمُّ منه لأن ذلك النذر مستقبحٌ عادة ؛ لأنه مقابلة الإحسان بالإساءة . وذلك : أن النَّاقة نجتها من الهلكة ، فقابلتها على ذلك بأن تُهلكها . وهذا هو الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم : ( سبحان الله ! بئس ما جزتها ! نذرت لله : إن نجاها الله عليها لتنحرنَّها ) . وفي هذا الحديث حجة : على أن ما وجد من أموال المسلمين بأيدي الكفار ، وغلبوا عليه ، وعرف مالكه ؛ أنَّه له دون آخذه . وفيه مستروحٌ لقول من يقول : إن الكفار لا يملكون . وقد تقدَّم الكلام في ذلك . و( قوله : لا وفاء لنذر في معصية ، ولا فيما لا يملك العبد ) ظاهر هذه الكلمة يدل على أن ما صدر من المرأة نذر معصية ؛ لأنَّها التزمت أن تهلك ملك الغير ، فتكون عاصية بهذا القصد . وهذا ليس بصحيح ؛ لأن المرأة لم يتقدَّم لها من النبي صلى الله عليه وسلم بيان تحريم ذلك ، ولم تقصد ذلك ، وإنَّما معنى ذلك - والله تعالى أعلم - : أن من أقدم على ذلك بعد التقدمة ، وبيان : أن ذلك محرَّم : كان عاصيًا بذلك القصد . ولا يدخل في ذلك المعلَّق على الملك ، كقوله : إن ملكت هذا البعير فهو هدي ، أو صدقة ؛ لأن ذلك الحكم معلَّق على ملكه ، لا ملك غيره . وليس مالكا في الحال ، فلا نذر . وقد تقدَّم الكلام على هذا في الطلاق والعتق المعلَّقين على الملك . وأن الصحيح لزوم المشروط عند وقوع الشرط . وفيه دليل : على أن من نذر معصية حرم عليه الوفاء بها ، وأنَّه لا يلزمه على ذلك حكم بكفارة يمين ، ولا غيره . إذ لو كان هنالك حكم لبيَّنه للمرأة ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . وعليه جمهور العلماء . وذهب الكوفيون : إلى أنه يحرم عليه الوفاء بالمعصية ، لكن تلزمه كفارة يمين ؛ متمسكين في ذلك بحديث معتل عند أهل الحديث . وهو ما يروى من حديث عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا نذر في معصية ، وكفارته كفارة يمين ) ذكره أبو داود ، والطحاوي ، والصحيح من حديث عائشة ما خرَّجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ) وليس فيه شيء من ذلك . والله تعالى أعلم . ثم : النذر إمَّا طاعة ، فيجب الوفاء به بالاتفاق ، أو : معصية ، فيحرم الوفاء به بالاتفاق . أو : لا طاعة ، ولا معصية ، وهو المكروه والمباح ، فلا يلزم الوفاء بشيء منهما . وهو مكروه ؛ لأنه من تعظيم ما لا يعظم . وهو مذهب الجمهور . وشذَّ أحمد بن حنبل ، فقال : إذا نذر مباحًا لزمه : إمَّا الوفاء به ، أو كفارة يمين . وحيث قلنا : بلزوم الوفاء فلا اعتبار بالوجه الذي يخرج عليه النذر من تبرر ، أو لجاج ، أو غضبٍ ، أو غير ذلك . وهو مذهب الجمهور . وقال الشافعي في نذر الحرج المعيَّن : مخرجه : هو بين الوفاء به ، وبين كفارة يمين . وعموم قوله : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) حجة . وكل ما روي في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : ( لا نذر في غضب ، أو غيظ ، وكفارته كفارة يمين ) لا يصح من طرقه شيء عند أئمة المحدثين . ومن أوضح الحجج في عدم وجوب الكفارة على أن من نذر معصية ، أو ما لا طاعة فيه أنه لا تلزمه كفارة ، حديث أبي إسرائيل الذي خرَّجه مالك مرسلاً ، والبخاري ، وأبو داود مسندًا عن ابن عبَّاس ، وهذا لفظه : قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه ، فقالوا : هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ، ولا يقعد ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم . فقال : ( مروه فليتكلم ، وليستظل ، وليقعد ، وليتم صومه ) . قال مالك : ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفارة .
1683 - [1773] وعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : استشار عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، الناس فِي مِلَاصِ الْمَرْأَةِ ، فقال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ : عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، قال : فَقَالَ عُمَرُ : ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ له مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ. و( قوله : استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة ) كذا صحيح الرواية : ( ملاص ) من غير ألف . وقد وقع في بعض نسخ الأئمة : ( إملاص ) ، وكذا قيَّده الحميدي . وكلاهما صحيح في اللغة . فإنَّه قد جاء : أملص ، وملص : إذا أفلت . قال الهروي : وسُئل عن إملاص المرأة الجنين قال : يعني : أن تزلقه قبل وقت الولادة . وكل ما زلق من اليد فقد ملَص يملَص . ومنه حديث الدَّجال : وأملصت به أمُّه . قال أبو العبَّاس : يقال : أملصت به . وأزلقت به . وأسهلت به ، وخطأت به . قلت : وإملاص فيما حكاه الهروي عن عمر هو المصدر ؛ لأنَّه ذكر بعده الجنين ، وهو مفعوله . وفيما ذكره مسلم : ( ملاص ) ويعني به : الجنين نفسه ، فلا يتعدَّى هنا ؛ لأنه نقل من المصدر المؤكد ، فسمِّي به . فإن أصله : ملص يملص ملاصًا ؛ كـ ( لزم ، يلزم ، لزامًا ) . وفيه من الفقه : الاستشارة في الوقائع الشرعية ، وقبول أخبار الآحاد ، والاستظهار بالعدد في أخبار العدول . وليس ذلك عن شك في العدالة ، وإنَّما هو استزادة يقين ، وطمأنينة نفس . ولا حجَّة فيه لمن يشترط العدد في قبول أخبار الآحاد ؛ لأنَّ عمر - رضي الله عنه - قد قبل خبر الضَّحَّاك وغيره من غير استظهار . والله تعالى أعلم .
( 9 ) باب دية الخطأ على عاقلة القاتل ، وما جاء في دية الجنين 1681 - ( 36 و 37 و 38 ) [1772] عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ ، عَبْدٌ ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ ! فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ . وفي رواية : قال : فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دية المقتولة على عصبة القاتلة ، وغرة لما في بطنها . وفي أخرى : فقضى فيه بغرة ، وجعله على أولياء المرأة . ( 9 ) ومن باب : دية الخطأ على عاقلة القاتل وما جاء في دية الجنين ( قوله : اقتتلت امرأتان من هذيل - وفي أخرى - : من بني لحيان ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر ) . وفي حديث المغيرة : ضربتها بعمود فسطاط . لا تباعد بينهما ؛ إذ يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها ، فأخبر أحدهما بإحدى الآلتين ، والثاني بالأخرى . و( قوله : فقتلتها وما في بطنها ) ظاهر العطف بالفاء : أن القتل وقع عقب الضرب ، وليس كذلك لما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة - عبد أو وليدة - ثمَّ : إن المرأة توفيت ) ، وهذا نصٌّ في تأخر موتها عن وقت الضرب . وفي هذه الرواية أيضًا : بيان أن الجنين خرج ميتًا . والأولى محتملة لأن يكون خرج ، ولأن يكون لم يخرج ، لكنه مات ، وبينهما فرقان ، فإنَّه إذا مات في بطنها ولم يخرج فلا شيء فيه عند كافة العلماء ؛ لأنَّه لم تتحقق حياته ، ولأنَّه كالعضو منها ، ولم ينفصل عنها ، فلا شيء فيه . وأجمع أهل العلم : على أن في الجنين الذي يسقط من ضرب أمه حيًّا ، ثم يموت ؛ الدِّية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة . وقيل : بغير قسامة ، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته . وقد اتفقوا : على أنه إذا استهل صارخًا ، أو ارتضع ، أو تنفس نفسًا محققًا حي ، فيه الدِّية كاملة . واختلفوا فيما إذا تحرَّك . فقال الشافعي ، وأبو حنيفة : حركته تدل على حياته . وقال مالك : لا ؛ إلا أن يقارنها طول إقامة . وسببه اختلاف شهادة الحركة في الوجود للحياة . و( قوله : فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن دية جنينها غرة - عبد ، أو وليدة ) . قضى : حكم وألزم . و( غرة - عبد أو وليدة - ) روي : ( غرة ) - بالتنوين - ورفع ( عبدٌ ) على البدل . وروي بغير تنوين وخفض عبد بالإضافة . ومعناهما متفاوت وإن اختلف توجيههما النحوي . و( قوله : أو وليدة ) معطوف على ( عبد ) رفعًا وخفضًا . و( أو ) فيه للتنويع ، أو للتخيير ، لا للشكِّ . وكذلك فهمه مالك وغيره . ويعني بالوليدة : الأمَة . وقد جاء في بعض ألفاظه : ( أو أمة ) مكان : ( وليدة ) . وغرَّة المال : خياره . قال ابن فارس : غرة كل شيء : أكرمه وأنفسه . وقال أبو عمرو : معناه : الأبيض . ولذلك سميت : غرة . فلا يؤخذ فيها أسود . ولذلك : اختار مالك أن تكون من الْحُمر . ومقتضى مذهب مالك : أنَّه مخيَّر بين إعطاء غرة ، أو عُشْر دية الأمِّ ، من نوع ما يجري بينهم ؛ إن كانوا أهل ذهب فخمسون دينارًا ، أو أهل ورق فستمائة درهم ، أو خمس فرائض من الإبل . وقيل : لا يعطى من الإبل . وعلى هذا في قيمة الغرة الجمهور . وخالف الثوري ، وأبو حنيفة ، فقالا : الغرة خمسمائة درهم ؛ لأنَّ دية أمِّه عندهم خمسة آلاف درهم . وعمدة الجمهور في تقويم الغرَّة بما ذكر قضاء الصحابة بذلك . وذهب بعض السَّلف ؛ منهم : عطاء ، ومجاهد ، وطاووس : إلى غرة عبد ، أو وليدة ، أو فرس . وقال بعضهم : أو بغل . وقال ابن سيرين : عبد ، أو وليدة ، أو مائة شاة . ومتمسك هؤلاء ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين بغرة عبد ، أو أمة ، أو فرس ، أو حمار ، أو بغل . وفي بعض طرقه : خمسمائة شاة . وهو وهْمٌ . وصوابه : مائة شاة . وفي مسند الحارث بن أبي أسامة : في الجنين غرَّة عبد ، أو أمة ، أو عشر من الإبل ، أو مائة شاة . خرَّجه من حديث حمل بن مالك . والصحيح : ما خرَّجه مسلم . وقال داود وأصحابه : كل ما وقع عليه اسم ( غرة ) يجزئ . وأقل سن الغرَّة عند الشافعي سبع سنين في أحد قوليه . وقد شذَّت شرذمة فقالوا : لا شيء في الجنين . وهي محجوجةٌ بكل ما تقدم في الباب ، وبإجماع الصحابة على أن فيه حكمًا ، وبحديث المغيرة الآتي بعده . و( قوله : فطرحت جنينها ) ، وفي اللفظ الآخر : ( سقط ميتًا ) . والجنين : اسم لما يجتنُّ في بطن المرأة [من الولد] . والمتفق على اعتباره من أحواله أن يزايل أُمَّه وهو تامُّ التصوير والتخطيط . واختلف فيما قبل ذلك من كونه : علقة ، أو مضغة ؛ هل يعتبر أم لا ؟ فعندنا وعند أبي حنيفة : يعتبر . وعند الشافعي : لا ، حتى يتبيَّن شيء من خلقه وتصويره ، ولا فرق بين أن يكون ذكرًا ، أو أنثى ؛ إذ كل واحد منهما يسمَّى جنينًا ، وكأن الشرع قصد بمشروعية الغرَّة في الجنين دفع الخصومة والتنازع . [كما قد فعل في باب المصرَّاة ، حيث قدر فيها الصاع من الطعام رفعًا للتنازع] وجبرًا للمتلف بما تيسَّر . وقد بالغت الصحابة في هذا المعنى ، حيث قدَّروا الغرَّة بخمسين دينارًا ، أو ستمائة درهم . والله تعالى أعلم . فإن زايل الجنين أمَّه بعد موتها ، فهل فيه غرَّة أم لا ؟ قولان : الأول : لربيعة ، والليث ، والزهري ، وأشهب ، وداود . والثاني : لمالك ، والشافعي ، وعامة العلماء . و( قوله : فقضى فيه بغرَّة ، وجعله على أولياء المرأة ) يعني : الضاربة . وهذا نصٌّ : في أن الغرة تقوم بها العاقلة . وبه قال الكوفيون ، والشافعي . وهو أحد قولي مالك . وقيل : على الجاني . وهو المشهور من قول مالك . وقاله أهل البصرة . واختلفوا : هل تلزمه الكفارة مع الغرَّة أم لا ؟ قولان . الأول لمالك . قلت : وهذه الأحاديثُ كلُّها إنَّما جاءت في جنين واحد ، انفصل من حرَّة مسلمة ميتًا . فلو خالف شيئًا من هذه القيود ففيه تفصيل . وذلك يعرف بمسائل : الأولى : لو ألقت أجنة لكان في كل جنين غرَّة . هذا قول الكافة ، ولا يعرف فيه خلاف . الثانية : لو ألقت بعضه فلا غرَّة فيه . وقال الشافعي : فيه الغرَّة . الثالثة : لو كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمَّه . هذا قول عامة أهل العلم . وذهب الثوري ، والنعمان ، وابن الحسن : إلى أن فيه عشر قيمته لو كان حيًّا ذكرًا كان أو أنثى . وذهب الحسن : إلى أن فيه نصف عشر ثمن أمَّه . وذهب سعيد بن المسيب : إلى أن فيه عشرة دنانير . وقال حمَّاد بن أبي سليمان : فيه حُكم . الرابعة : جنين الكتابية . وفيه عشر دية أمَّه ، ولا يحفظ فيه خلاف . الخامسة : من أعتق ما في بطن جاريته ، فضربها ضارب ، فطرحته ، فديته دية المملوك . وهو قول الزهري ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق . السادسة : إذا اختلف الجاني والمجني عليه ، فقال الجاني : طرحته ميتًا . وقال المجني عليه : بل حيًّا . فالقول قول الجاني . وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . السابعة : دية الجنين موروثة على كتاب الله تعالى . وقال الزهري والشافعي : إن كان الضارب هو الأب لم يرث من الغرَّة شيئًا . وقال الليث ، وربيعة : هي للأم خاصَّة . و( قول حمل بن النابغة : أنغرم من لا شربَ ، ولا أكلَ ، ولا نطقَ ، ولا استهلَ ) يدل : على أن عاقلة الجاني تحمل الغرَّة كما هو أحد القولين . و( قوله : فمثل ذلك يُطَلُّ ) رويناه بالياء باثنتين من تحتها ، بمعنى : يُهدر [ولا يطلب به] . ورويناه بالباء بواحدة من تحتها ، من البطلان ؛ أي : هو ممن ينبغي أن يبطل . والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ؛ أي : هذا لا ينبغي فيه شيء . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّما هذا من إخوان الكهَّان ) فسَّره الراوي : بقوله : من أجل سجعه ؛ يعني بذلك : أنه تشبَّه بالكهَّان ، فسجع كما يسجعون حين يخبرون عن المغيِّبات ، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شقّ وسطيح وغيرهما . وهي عادةٌ مستمرَّة في الكهَّان . وقيل : إنما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك السَّجع لأنه جاء به في مقابلة حكم الله مستبعدًا له ، ولا يذمُّ من حيث السَّجع ؛ [لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تكلم بكلام يشبه السجع] في غير ما موضع . وقيل : إنما أنكر عليه تكلّف الإسجاع على طرق الكهَّان وحوشية الأعراب . وليس بسجع فصحاء العرب ، ولا على مقاطعها . قلت : وهذا القول الأخير إنَّما يصحُّ أن يقال على قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أسجع كسجع الأعراب ) ، لا على قوله : ( إنَّما هذا من إخوان الكهَّان ) ، فتأمله . وحَمَل بن النابغة - بفتح الحاء المهملة والميم وقال فيه في الرواية الأخرى : حمل بن مالك . وهو هذلي من قبيل القاتلة . ولحيان : فخذ من هذيل ، [ولذلك صدق أن يقال على القاتلة : أنها هذلية لحيانية . ولحيان] يقال بفتح اللام وكسرها . قلت : وقد ذكر الحديث الحارث بن أبي أسامة عن أبي المليح مرسلًا قال : إن حمل بن مالك كانت له امرأتان : مليكة ، وأم عفيف ، فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت قبلها ، فماتت ، وألقت جنينها ميِّتًا ، وذكر الحديث كنحو ما تقدم . وعلى هذا فكان حَمَلٌ زوجَ المقتولة والقاتلة ، وعاصبَ القاتلة ، ووالدَ الجنين . وحينئذ يكون قوله : أنغرم من لا شربَ ولا أكلَ ؛ دليل : على أنه غارم وليس بوارث . ولهذا قال الليث بن سعد ، وربيعة : إن الغرَّة للأمّ خاصة . ويحتمل : أن يكون معبِّرا عن العصبة دون نفسه ، مستبعدًا للحكم ، كما تقدم . والله تعالى أعلم . و( قوله : وقضى بدية المرأة على عاقلتها ) فيه تلفيف في الضمائر أزالته الرِّواية الأخرى ؛ التي قال فيها : ( فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة ) . وقد احتج بظاهر الحديث من رأى : أنه لا يستقاد ممن قتل بمثقل ، وإنَّما عليه الدِّية . وهم الحنفية . ولا حجَّة لهم في ذلك لما تقدم : من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقاد ممن قتل بحجر ، كما تقدم في حديث اليهودي ، ولقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ والمماثلة بالمثقَّل ممكنة ، ولإمكان كون هذا القتل خطأ أو شبه عمد [فاندفع القصاص بذلك] ، ولو سلّم : أنه كان عمدًا لكان ذلك برضا العصبة ، وأولياء الدَّم ، لا بالحكم ، وكل ذلك محتمل ، فلا حجَّة لهم فيه . وفيه ما يدل : على أن العاقلة تحمل الدِّية . وقد أجمع المسلمون : على أنَّها تحمل دية الخطأ ، وما زاد على الثلث . واختلفوا في الثلث . فقال الزهري : الثلث فدونه هو في مال الجاني ، [ولا تحمله العاقلة . وقال سعيد بن المسيب : الثلث فما زاد على العاقلة ، وما دون الثلث في مال الجاني] ، وبه قال مالك ، وعطاء ، وعبد العزيز بن أبي سلمة . وأمَّا ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذكر ، ولا عند أحمد . وقالت طائفة : عقل الخطأ على عاقلة الجاني ؛ قَلَّتْ الجنايةُ أو كثرت . وهو قول الشافعي . وقد تقدم في الدِّيات وانقسامها . فإن قيل : كيف ألزم العاقلة الدية ، والقتل عمدٌ ؟ والعاقلة لا تعقل عمدًا ، ولا صلحًا ، ولا اعترافًا . فالجواب : أن هذا الحديث خرَّجه النَّسائي من حديث حَمَل بن مالك . وقال فيه : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغرَّة ، وأن تقتل بها . وهو طريق صحيح . وهذا نصٌّ : في أنه قضى بالقصاص من القاتلة ؛ بخلاف الأحاديث المتقدمة ؛ فإن فيها : أنه قضى على العاقلة بالدِّية . ووجه التلفيق ؛ وبه يحصل [الجواب على] التحقيق : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بقتل القاتلة أولًا ، ثم إن العصبة ، والأولياء اصطلحوا : على أن التزم العصبة الدِّية ويعفو الأولياء . فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدِّية على العصبة لما التزموها . والله تعالى أعلم . و( قوله : وورثها عصبتها ومن معهم ) أعاد الضمير الأول على الدِّية ، والثاني على المقتولة . وعنى بالعصبة : بنيها ، وبمن معهم من الزوج . ولم يختلف : في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه ، وإن كانوا قد اختلفوا فيه : هل يرث من دية الجنين ؟ على ما تقدم . والدِّية موروثة على الفرائض سواء كانت عن خطأ ، أو عن عمدٍ تعذَّر فيه القود . والذي يبين الحق في هذا الباب حديثان خرَّجهما الترمذي . أحدهما : عن سعيد بن المسيب . قال : قال عمر : الدِّية على العاقلة ، ولا ترث المرأة من زوجها شيئًا . فأخبره الضحَّاك بن سفيان الكلابي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه : أن ورث امرأة أشيم الضَّبابي من دية زوجها . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وثانيهما : عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرَّة عبد أو أمة ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرة توفيت ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بأن ميراثها لبنيها وزوجها ، وإن عقلها على عصبتها . ثمَّ حيث وجبت الدِّية على العاقلة ؛ فلا تؤخذ منهم حالَّة ، بل مُنجَّمة في ثلاث سنين . وهو قول عامَّة أهل العلم من السَّلف والخلف . وتوزع على الأحرار ، البالغين ، الأغنياء ، الذكور . فلا تؤخذ من عبدٍ ، ولا من صبي ، ولا من امرأة ، ولا من فقير بالإجماع على ما حكاه ابن المنذر . واختلفوا في قدْر ما يوزع على من يُطالَب بها . فقال الشافعي : من كثر ماله أخذ منه نصف دينار ، ومن كان دونه ربع دينار ، لا ينقص منه ، ولا يزاد عليه . وحكى أبو ثور عن مالك : أنه قال : على كل رجل ربع دينار . وبه قال أبو ثور . وقال أحمد : يحملون بقدر ما يطيقون . وقال أصحاب الرأي : ثلاثة دراهم ، [أو أربعة دراهم] . قلت : والقول ما قاله أحمد . فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد .
( 2 ) باب القصاص في العين وحكم المرتد 1671 - [1761] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا. فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاء ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَاستاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا . وفي رواية : قال : وسملت أعينهم ، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون . 1471 ( 14 ) - [1762] عَنْ أَنَسٍ قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ . ( 2 ) ومن باب القصاص في العين وحكم المرتد ( قوله : إن ناسًا من عُرَيْنَة قدموا المدينة فاجتَوَوْها ) أي : لم توافقهم في صحتهم . يقال : اجتوى البلد ، واستوبله ، واستوخمه : إذا سقم فيه عند دخوله . و( استاقوا الذود ) أي : حملوا الإبل معهم ، وهو من السَّوق ، وهو : السير السَّريع العنيف . وفي الرِّواية الأخرى : مكان : ( الذود ) : ( لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهي : جمع : لِقْحَة . وهي : الناقة ذات اللبن . و( سَمَلَ أعينهم ) أي : غرز فيها الشوك حتَّى فقأها . قال أبو ذُؤَيْب : والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كأنَّ حِدَاقِهَا سُمِلَتْ بشوْكٍ فهي عُورٌ تدْمَعُ و( سَمَرَ ) أي : فقأها بمسامير محميَّةٍ ؛ قاله أبو عبيد . وقال غيره : ( سَمَلَ ) و( سَمَّرَ ) بمعنى واحد . أبدلت الرَّاء من اللام . وفيه بُعْدٌ . ( يستسقون ) : يسألون أن يسقوا . وفي الأصل : ( وقد وقع بالمدينة ألْمُوم ، وهو البرسام ) . والبرسام : لفظة يونانية تستعملها الأطبَّاء في كتبهم ، يعنون به : وجعَ الرأسِ أو الصَّدر . وفي الحديث أبواب من الفقه ؛ منها : جواز التطبب ، وأن يطب كل جسم بما اعتاد . فإن هؤلاء القوم أعراب البادية ، عادتهم شرب أبوال الإبل وألبانها ، وملازمتهم الصحارى . فلمَّا دخلوا القرى ، وفارقوا أغذيتهم ، وعادتهم ؛ مرضوا . فأرشدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك ، فلمَّا رجعوا إلى عادتهم من ذلك ، صحُّوا ، وسمنوا . وفيه دليل لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه . وقد تقدَّم . وفيه جواز قتل المرتدين من غير استتابةٍ . وفيه : القصاص من العين بمثل ما فقئت به ، كما قال أنس : إنما سَمَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعينهم ؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرِّعاء ، وإنَّما قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالرَّاعي ؛ على ما حكاه أهل التاريخ والسِّير . قالوا : كان هذا الفعل من هؤلاء المرتدِّين سنة ست من الهجرة . واسم الرَّاعي : يسار ، وكان نوبيًّا . فقطعوا يديه ، ورجليه ، وغرزوا الشوك في عينيه حتَّى مات ، وأدخل المدينة ميتًا . ففعل بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلوا به . قلت : وعلى هذا : فلا يكون فيه إشكال . ويكون فيه دليل على القصاص من الجماعة بالواحد في النفس والأطراف . وهو قول مالك ، وجماعة . وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال : لا تقتل الجماعة بالواحد . والحديث حجَّة عليه . وقول عمر - رضي الله عنه - : ( لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ) . غير أن ذلك الحديث يُشْكِل بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس أيضًا قال : فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم قافة ، فأُتي بهم ، فأنزل الله تعالى في ذلك : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الآية . وعلى هذا فإنما قطعهم وقتلهم لأنهم محاربون ، فلا يكون فيه حجَّة على شيء مما ذكر قبل هذا من الأوجه المستنبطة ؛ لأنَّهم إذا كانوا محاربين فهو مخيَّر فيهم . ثم يشكل هذا بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس ، فإنَّه قال فيه بعد ذلك : ثم نهى عن المثلة . وفيه من حديث أبي الزناد : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه ، وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في ذلك : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية . فإن كان فعل ذلك قصاصًا منهم ، أو حدًّا ؛ لأنهم محاربون ؛ فذلك ليس بمثلة منهيًّا عنها ، ولا يعاتب عليه . قلت : والذي يرتفع به الإشكال -إن شاء الله - : أن طرق حديث أنس الواقعة في كتاب مسلم والبخاري أشهر وأصح من طرق أبي داود . وتلك الطرق متوافقة : على أن ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قصاصًا منهم بما فعلوا ، غير تركهم حتى ماتوا عطاشًا ، وتكحيلهم بمسامير محمَّاة ، كما ذكره أبو داود ، وكما دل عليه قوله : ( وسمر أعينهم ) . فيمكن أن يقال : إن الله تعالى عاتبه على ذلك القدر الذي زاده فقط ، دون القصاص والقتل ، فإن ذلك كان حكمهم . ولم يَسْتَتِبْهُم من الرِّدة ، إما لأن الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة ، وإمَّا لأنهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا بالقصاص ، وإمَّا بالحرابة ؛ فلا بدَّ من قتلهم ، فلا يظهر للاستتابة فائدة ، فاستغنى عنها ، والله تعالى أعلم . غير أنه يبقى على هذا إشكال آخر ، وهو : أن من قطع يد رجل أو رجله ، أو فقأ عينه ، ثم قتله ، قتل به ، ولم يُفعل به شيء مما فعل بالمقتول من قطع ، أو جرح . بل يُقتل خاصة إلا أن يكون قد مَثَّل به فيُفعل به كما فعل ، ثمَّ يقتل . هذا مذهب مالك . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : يجرح ، أو يقطع ، ثم يُقتل . فعلى قولهما لا إشكال فيه . ويزول الإشكال على قول مالك بأنهم مثَّلوا بالرَّاعي فمُثِّل بهم ، ثم قُتِلوا . وقد اختلف العلماء فيماذا نزلت : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ فقيل : نزلت في هؤلاء العُرَنيَّين كما ذكرناه في حديث أبي داود . وذهب الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح : إلى أنها نزلت في المشركين . وذهب ابن جرير : إلى أنها نزلت في اليهود . قال : ويدخل تحتها كلُّ ذِمِّي وملِّي . وذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي : إلى أنها نزلت في المسلمين المحاربين . وهذا القول أصحها - إن شاء الله تعالى - لوجهين : أحدهما : أن الكفار لا تخيير فيهم بين القتل والصَّلب ، وقطع الأيدي والأرجل . وإنَّما حكم الكافر الأصلي : إمَّا القتل ، وإمَّا السباء ، أو الجزية . وأمَّا المرتد : فالقتل . وهل يستتاب أو لا ؟ هذا محل الخلاف كما تقدم . وثانيهما : أن الكافر لو تاب فأسلم بعد القدرة عليه لصحت توبته ، وحرم قتله بالإجماع . وآية المحاربة بنصِّها مخالفة لهذين الوجهين . فدلَّ اختلاف حكم الكافر لحكم المحارب : أن المحارب إنَّما هو مسلمٌ بحكم اعتقاده ، محارب بفعله . فحكمه ما ذكره الله تعالى في آية المحاربة . ثم المحاربة عندنا هي : إخافة السبيل ، وإشهار السلاح قصدًا لأخذ الأموال ، وسعيا بالفساد في الأرض ، ويكون خارج المصر وداخله عندنا ، وعند الشافعي . وقال أبو حنيفة ، وعطاء : لا تكون في المصر . وقد فسَّر مجاهد المحاربة بالزنى والسرقة . وليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى قد بيَّن في كتابه ، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أن السارق تقطع يده فقط ، وأن الزاني يجلد ويغرَّب إن كان بكرًا ، أو يرجم إن كان ثيِّبًا محصنًا ) . وأحكام المحارب في هذه الآية خلاف ذلك ؛ اللهم إلا أن يريد ( مجاهد ) : إخافة الطُّرق بإظهار السِّلاح قصدا للغلبة على الفروج ؛ فهذا أفحش المحاربة ، وأقبح من أخذ الأموال . ولا ينبغي أن يختلف في ذلك . وقد دخل ذلك في قوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وأي فسادٍ أعظم من الهجم على حرم المسلمين وأولادهم ، وإشهار ذلك ، وإظهار السلاح لأجله . وقد كثر ذلك في بلاد الأندلس في هذه الْمُدَد القريبة ، وظهر فيهم ظهورًا فاحشًا ، بحيث اشترك فيه الشُّبَّان بالفعل ، وأشياخهم بالإقرار عليه ، [وترك الإنكار . فسلط الله عليهم عدوَّهم فأهلكهم ، واستولى على بلادهم . فإنا لله وإنَّا إليه راجعون] . فأمَّا حكم المحارب : فأولى الأقوال فيه ما شهد له ظاهر الآية . وهو : تخيير الإمام بين القتل مع الصَّلب ، والقطع ، والنفي . فأي ذلك رأى الإمام أنكى ، أو أحق ، فعل . وهو مروي عن ابن عباس . وإليه ذهب عطاء ، والحسن البصري ، والنخعي ، ومجاهد ، والضحاك ، ومالك ، وأبو ثور . واختلف عن مالك في الصَّلب . هل يكون قبل القتل ، أو بعده ؟ وروي أيضًا عن ابن عباس : أنه إن أخاف السبيل وأخذ المال ؛ قُطعت يده ورجله من خلاف . وإن أخذ المال وقَتَل ؛ قُطعت يده ورجله ، ثم قُتل . وإن قتل ، ولم يأخذ مالًا ؛ قُتل . وإن لم يأخذ مالًا ولم يقتل : نُفي . وبه قال قتادة ، وأبو مجلز . وقال الأوزاعي : إن أخاف السبيل ، وشهر السلاح ؛ قتل ، ولم يصلب . وإن أخذ ، وقتل ؛ قتل مصلوبًا . وإن أخاف السبيل ولم يقتل ؛ قطع ؛ أخذ المال أو لم يأخذ . وقال الشافعي : إن قتل ، وأخذ ؛ قتل ، وصلب . وإن قتل ولم يأخذ ؛ قُتل ولم يصلب ، ودُفع إلى أوليائه ، وإن أخذ ولم يقتل ؛ قطعت يده اليمنى ، ثم حسمت بالنار ، ثم رجله اليسرى ، ثم حسمت . وقال أحمد : من قَتَل قُتِل ، ومن أخذ المال قُطِع . والأولى : القولُ بالتخيير . [والله العليم الخبير] .
( 7 ) باب تحريم الدماء والأموال والأعراض 1679 - ( 29 و 30 و 31 ) [1770] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟. قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟. قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟. قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟. قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟. قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟. قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ : وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ. قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ . وفي رواية : وأعراضكم - من غير شك - وفيها زيادة : ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما ، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا . وفي أخرى : قال أبو بكرة : خطبنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم النحر فقال : أي يوم هذا ؟ . ( 7 ) ومن باب : تحريم الدماء والأموال والأعراض قوله : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ) اختلف في ( معنى هذا اللفظ ) على أقوال كثيرة . وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال : أحدها : قاله إياس بن معاوية ، وذلك : أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا ، فكان الحجُّ يكون في رمضان ، وفي ذي القعدة ، وفي كل شهر من السَّنة [بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا ، فحجَّ أبو بكر - رضي الله عنه - سنة تسع في ذي القعدة] ، بحكم الاستدارة ، ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم فلما كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجَّة في العشر ، ووافق ذلك الأهلة . وقد روي أن أبا بكر إنما حجَّ في ذي الحجة . الثاني : روي عن ابن عباس أنَّه قال : كانوا إذا كانت السنة التي ينسأ فيها ، قام خطيبهم وقد اجتمع إليه الناس يوم الصَّدر فقال : أيها الناس ! إني قد نسأت العام صفرًا الأول . يعني : الْمُحَرَّم . فيطرحونه من الشهور ، ولا يعتدُّون به . ويبدؤون العدَّة ، فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول : صفران ، ولربيع الآخر وجمادى الأولى : شهرا ربيع ، ولجمادى الآخرة ورجب : جماديان ، ولشعبان : رجب ، ولرمضان : شعبان ، وهكذا إلى محرَّم . ويبطلون من هذه السَّنة شهرًا ، فيحجون في كل شهر حجتين . ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفرًا الأوّل في عدَّتهم ، وهو الآخر في العدَّة المستقيمة ، حتى تكون حجتهم في صفر حجتين . وكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحجَّ في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النَّساء . ونحوه قال ابن الزبير ، إلا أنه قال : يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين ، يزيدون شهرًا . قيل : وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتى تأتي الأزمان واحدة . الثالث : قيل : كانت العرب تحجُّ عامين في ذي القعدة ، وعامين في ذي الحجة ، فصادفت حجَّة أبي بكر - رضي الله عنه - ذا القعدة من السَّنة الثانية . وصادفت حجَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا الحجة بالاستدارة . والأشبه القول الأول ؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الزمان قد استدار ) أي : زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصلي ؛ الذي عينه الله تعالى له يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه ، ونفذ بها حكمه . ثم قال : ( السَّنة اثنا عشر شهرًا ) ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنَّة ؛ وهي الخمسة عشر يومًا بتحكمهم . ثمَّ هذا موافق لقوله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فتعيَّن الوقت الأصلي ، وبطل التحكُّم الجهلي . والحمد لله الولي . قلت : وهذه أقوال سلف هذه الأمَّة ، وعلماء أهل السُّنة ، وقد تكلَّم على هذا الحديث بعض من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيق ولا تحصيل ، فقال : إن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل ، وكأن الزمان الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - صادف حلول الشمس في برج الحمل . قلت : وهذا تقوُّل بما لم يصحّ نقله ؛ إذ مقتضى قوله : إن الله تعالى خلق البروج قبل الشمس ، وأنه أجراها في أول برج الحمل . وهذا لا يتوصل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نقلا صحيحا عنهم بشيء من ذلك . ومن ادَّعاه فليُسْنده . ثمَّ : إن العقل يجوز خلاف ما قال . وهو : أن يخلق الله تعالى الشمس قبل البروج . ويجوز أن يخلق ذلك دفعة واحدة . ثم إن علماء التعديل قد اختبروا كلام ذلك الرجل فوجدوه خطأ صراحًا ؛ لأنَّهم اعتبروا بحساب التعديل اليوم الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك القول ، فوجدوا الشمس فيه في برج الحوت ، بينها وبين الحمل عشرون درجة . ومنهم من قال : عشر درجات ، والله تعالى أعلم . و( قوله : منها أربعة حرم ) أي : من الاثني عشر شهرًا ، وأولها المحرم . سُمي بذلك : لتحريم القتال فيه . ثمَّ صفر . سُمي بذلك : لخلوِّ مكة من أهلها فيه . وقيل : وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم . أبو عبيد : لصفر الأواني من اللَّبن . ثم الربيعان : لارتباع الناس فيهما ؛ أي : لإقامتهم في الربيع . ثم جماديان ، وسُميا بذلك : لأن الماء جمد فيهما . ثم رجب ، سُمي بذلك : لترجيب العرب إياه ؛ أي : لتعظيمهم له ، أو لأنَّه لا قتال فيه . والأرجب : الأقطع . ثم شعبان . وسُمي بذلك : لتشعب القبائل فيه . ثم رمضان . وسمي بذلك : لشدَّة الرمضاء فيه . ثم شوَّال . وسُمي بذلك : لأن اللقاح تشول فيه أذنابها . ثم ذو القعدة ، سُمي بذلك لقعودهم فيه عن الحرب . ثم ذو الحجَّة ، وسمي بذلك : لأن الحجَّ فيه . ويجوز في ( فاء ) : ذي القعدة وذي الحجَّة الفتح والكسر ، غير أن الفتح في ( ذي القعدة ) أفصح . وسميت الْحُرُم حرمًا : لاحترامها وتعظيمها بما خصَّت به من أفعال البر ، وتحريم القتال ، وتشديد أمر البغي والظلم فيها . وذلك : أن العرب كانت في غالب أحوالها ، ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإسلام أهل غارة ، ونهب ، وقتال ، وحرب ، يأكل القوي الضعيف ، ويصول على المشروف الشريف ، لا يرجعون لسلطان قاهر ، ولا لأمر جامع ، وكانوا فوضى فضا ، من غلب سلب ، ومن عز بزَّ ، لا يأمن لهم سِرب ، ولا يستقر بهم حال . فلطف الله بهم بأن جعل في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة ، والقتال ، والبغي ، والظلم ، فيأمن بعضهم من بعض ، ويتصرَّفون فيها في حوائجهم ، ومصالحهم ، فلا يهيج فيها أحدٌ أحدًا ، ولا يتعرَّض له ، حتى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيء ، ولا بغدر ؛ بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك الأمور . ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعًا لهم من دين إبراهيم وإسماعيل ؛ كالحجِّ ، والعمرة ، وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما . وهذه الأمور من الزمان : الأشهر الحرم . ومن المكان : حرم مكة . ومن الأموال : الهدي والقلائد . ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وقوله تعالى : مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثم قال : ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وقوله تعالى في الحرم : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وقوله : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وقوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وقوله تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ومعنى كون هذه الأمور قيامًا للناس ؛ أي : تقوم بها أحوالهم ، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم ومعايشهم . هذا معنى ما قاله المفسرون . فلما جاء الإسلام لم يزد تلك الأمور إلا تعظيمًا وتشريفًا ، غير أنه لما حدَّ الحدود ، وشرع الشرائع ، ونصب العقوبات والزواجر ؛ اتفقت كلمة المسلمين ، والتزمت شرائع الدين ، فأمن الناس على دمائهم ونفوسهم ، وأموالهم ، فامتنع أهل الظلم من ظلمهم ، وكف أهل البغي عن بغيهم ، واستوى في الحق القوي والضعيف ، والمشروف والشريف . فمن صدر عنه بغي ، أو عدوان ، قمعته كلمة الإسلام ، وأقيمت عليه الأحكام ، فحينئذ لا يعيده شيء من تلك المحرَّمات ، ولا يحول بينه وبين حكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات . فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدِّين القويم ، والمنهج المستقيم . وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدَّوام ، والتَّمام ، ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمد عليه الصلاة والسلام . والْهَدْي : ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام ، والقلائد يعني به : ما تُقلَّدُ به الهدايا ؛ وذلك بأن يجعل في عنق البعير حبل يُعلَّق به نعل ، كما تقدَّم في كتاب الحج . ويعني بذلك : أن الهدي مهما أُشعر وقُلِّد لم يجز لأحد أن يتملَّكه ، ولا أن يأخذه إن وجده . بل يجب عليه أن يحمله إلى مكة إن أمكنه ذلك حتى يُنْحَر هناك على ما تقدَّم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثة متواليات ) أي : يتلو بعضها بعضًا ، كما قد قال في الرواية الأخرى : ( ثلاثة سردٌ ، وواحدٌ فرد ) . و( قوله : رجب شهر مُضَر الذي بين جمادى وشعبان ) هذه مبالغةٌ في تعيين هذا الشهر ليتميَّز عمَّا كانوا يتحكَّمون به من النَّساء ، ومن تغيير أسماء الشهور . وقد تقدَّم : أنهم كانوا يسقطون من السَّنة شهرًا وينقلون اسم الشهر للَّذي بعده ، حتى سَمُّوا شعبان رجبًا . ونسبة هذا الشهر لِمُضَر : إما لأنهم أول من عظمه ، أو : لأنهم كانوا أكثر العرب له تعظيمًا ، واشتهر ذلك حتى عرف بهم . و( قوله : أي شهر هذا ؟ ) و: ( أي بلد هذا ؟ ) و: ( أي يوم هذا ؟ ) وسكوته بعد كل واحد منها ؛ كان ذلك منه استحضارًا لفهومهم ، وتنبيهًا لغفلتهم ، وتنويهًا بما يذكره لهم ؛ حتى يُقبلوا عليه بكليتهم ، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم . ولذلك قال بعد هذا : ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ) . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء ، وإغياءٌ في التنفير عن الوقوع فيها ؛ لأنَّهم كانوا قد اعتادوا فعلها ، واعتقدوا حليتها ، كما تقدَّم في بيان أحوالهم ، وقبح أفعالهم . و( قوله : وسَتَلْقُون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ) أي : ستقفون في العرض موقف من لقي فحبس حتَّى تعرض عليه أعماله ، فيسأل عنها ، وهذا إخبارٌ بمقام عظيم ، وأمر هائل ، لا يُقْدَرُ قدرُه ، ولا يتصور هوله ، أصبح الناس عن التذكر فيه معرضين ، وعن الاستعداد له متشاغلين . فالأمر كما قال في كتابه المكنون : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ فنسأل الله تعالى من فضله أن يوقظنا من رقدتنا ، وينبهنا من غفلتنا ، ويجعلنا ممن استعدَّ للقائه ، وكُفِي فواجِئ نِقْمَه وبلائه . و( قوله : فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) بهذا وأشباهه كفر الخوارج عليًّا ، ومعاوية ، وأصحابهما . وهذا إنما صدر عنهم ؛ لأنَّهم سمعوا الأحاديث ولم تحط بها فهومهم ، كما قرؤوا القرآن ولم يجاوز تراقيهم ، فكأنهم ما قرؤوا قول الله عز وجل : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إلى قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ فأبقى عليهم اسم الإيمان وأخوّته ، مع أنهم قد تقاتلوا ، وبغت إحداهما على الأخرى ، وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة . وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق . فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له ) ، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب : الإيمان . وإنَّما يُحمل الحديث على التشبيه تغليظًا ؛ وذلك : أن المسلمين إذا تحاجزوا ، وتقاتلوا ؛ فقد ضلَّت الطائفة الباغية منهما ، أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق ، وكفرت حق الأخرى وحرَّمتها . وقد تشبَّهوا بالكفار . وكأنه - صلى الله عليه وسلم - اطَّلع على ما يكون في أمَّته من الْمِحَن والفتن ، فحذَّر من ذلك ، وغلَّظه بذلًا للنصيحة ، ومبالغة في الشفقة - صلى الله عليه وسلم و( قوله : ألا ليبلِّغ الشاهد الغائب ) أمرٌ بتبليغ العلم ، ونشره . وهو فرض من فروض الكفايات . و( قوله : فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له ممن سمعه ) حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمَّن لا يفقه ما ينقل ؛ إذا أدَّاه كما سمعه . وهذا كما قال - صلى الله عليه وسلم - فيما خرَّجه الترمذي : ( نضَّر الله امرأً سمع منَّا حديثًا فبلَّغه غيره كما سمعه ، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه ، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه ) . فأمَّا نقل الحديث بالمعنى : فمن جوَّزه إنَّما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ . ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقًا . وقد تقدَّم ذلك . وفيه حجَّة : على أن المتأخر قد يفهم من الكتاب والسُّنة ما لم يخطر للمتقدم ؛ فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء . لكن هذا يندر ويقل ، فأين البحر من الوَشَل . والعَلُّ من العَلَلِ . ليس التكحُّل في العينين كالكَحَل . و( قوله : ألا هل بلَّغت ) استفهام على جهة التقرير ؛ أي : قد بلغتكم ما أمرت بتبليغه لكم ، فلا عُذر لكم ؛ إذ لم يقع مني تقصير في التبليغ . ويحتمل : أن يكون على جهة استعلام ما عندهم ، واستنطاقهم بذلك ، كما تقدَّم في حديث جابر ، حيث ذكر خطبته - صلى الله عليه وسلم - بعرفة فقال : ( وأنتم تسألون عنِّي ، فما أنتم قائلون ؟ ) قالوا : نشهد : أنك قد بلَّغت ، وأدَّيت ، ونصحت . فقال بإصبعه - السبابة - يرفعها إلى السماء ، ويَنْكُتها إلى الأرض : ( اللهم اشهد - ثلاث مرات - ) . و( قوله : ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما ) وإلى جُزَيْعَةٍ من الغنم فقسمها بيننا . ( انكفأ ) : انقلب ومال . و( الملحة ) : أن يكون في الشاة لمعٌ سودٌ ، ويكون الغالب البياض . و( الجزيعة ) : القطيعة . والجزع : منقطع الوادي . ورواية الكافة : ( جزيعة ) بالزاي . وقد قيَّدها بعضهم : ( جذيعة ) بالذَّال ، وهو وَهْمٌ . قال الدارقطني : قوله : ( ثم انكفأ إلى كبشين ) الخ ، وهم من ابن عون فيما قيل ؛ وإنما رواه ابن سيرين عن أنس . قلت : إنما نسب هذا الوهم لابن عون ؛ لأنَّ هذا الحديث قد رواه عن ابن سيرين أيوب السّختياني ، وقرَّة بن خالد ، وانتهى حديثهما في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجّه يوم النَّحر عند قوله : ( ألا هل بلغت ) في رواية أيوب . وزاد قرَّة إلى هذا : قالوا : نعم . قال : ( اللهم اشهد ) . وبعد قوله : ( ألا هل بلغت ) زاد ابن عون عن ابن سيرين ، عن أبي بكرة : ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما الخ . وهذا الكلام إنما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة عيد الأضحى ؛ على ما رواه أيوب وهشام ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك ؛ على ما ذكره مسلم في الضحايا ، عنه ، قال أنس : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى ثمَّ خطب ، فأمر مَنْ كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحا . قال : وانكفأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كبشين أملحين ، فذبحهما ، فقام الناس إلى غنيمة ، فتوزعوها . أو قال : فتجزعوها . فكأن ابن عون اختلط عليه الحديثان فساقهما مساقًا واحدًا . وأن ذلك كان في خطبة عرفة . وهو وَهْمٌ لا شكَّ فيه . وقد فهم بعض علمائنا : أن يوم الحج الأكبر يوم النحر من تعظيمه - صلى الله عليه وسلم - ليوم النَّحر بما ذكره في هذا الحديث . وفيه نظر ، غير أنَّه قد ورد في بعض روايات البخاري : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أي يوم تعلمونه أعظم ؟ ) ، قالوا : يومنا هذا . وهذا حجَّة واضحة على ذلك . وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الحج .
1670 - [1760] وعن سليمان بن يسار ، عن ناس من الأنصار : أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . والصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا . حيث قال عن رجال من الأنصار : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية . وظاهر هذا : أنَّه يقول بها . وهذا الحديث أيضًا حجة للجمهور على من أنكر العمل بها . فإن ظاهره : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - وجدَ الناس على عمل ، فلمَّا أسلموا ، واستقل بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه ، فصار ذلك حكما شرعيًّا يُعمل عليه ، ويحكم به ، لكن يجب أن يبحث عن كيفية عملهم الذي كانوا يعملونه فيها ، وشروطهم التي اشترطوها ، فيعمل بها من جهة إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم لا من جهة الاقتداء بالجاهلية فيها .
( 22 ) كتاب القسامة والقصاص والديات ( 1 ) باب في كيفية القسامة وأحكامها 1669 - [1759] عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ ، فطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ : كَبِّرْ كَبِّرْ. يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ. فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟. قَالَوا: لَا والله . وفي رواية : فقالوا : يا رسول الله ! ما شهدنا ، ولا حضرنا . قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ. قَالَوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ نَاقَةٍ حمراء ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ الدَّارَ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ . وفي رواية : فقالوا : يا رسول الله ! ( كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ ) بدل : ( ليسوا بمسلمين ) . وفي أخرى : فكره رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبطل دمه ، فوداه مائة من إبل الصدقة . ( 22 ) كتاب القسامة والقصاص ( 1 ) ومن باب : كيفية القسامة وأحكامها في الصِّحاح : يقال : أقسمت : حلفت . وأصله من القسامة ، وهي : الأيمانُ تُقْسَمُ على الأولياء في الدَّم . والقَسَمُ - بالتحريك - : اليمين . وكذلك : الْمَقْسَم . وهو المصدر . مثل : الْمَخْرَج . والْمَقْسَم أيضًا : موضع القسم . قال زهير : بِمَقْسَمةٍ تَمُورُ بها الدِّماءُ [ يعني : بمكة ] . ( قوله : فأتى مُحَيِّصةُ فقال : أنتم والله قتلتموه ) ظاهره : أنَّه لم يكن هناك لوثٌ يستند إليه في دعواه على اليهود إلا كون القتيل وجد في محلَّتِهم وقريتهم . وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، والثوري ، ومعظم الكوفيين . فرأوا : أن ذلك لوثٌ يوجب القسامة ، ولم يروا لوثًا غيره تمسُّكًا بهذا الحديث . ولم ير الجمهور : مالك ، والشافعي ، والليث ، وأحمد ، وداود ، وغيرهم ، ذلك لوثًا موجبًا للقسامة ، والقتيل هَدْر ؛ لأنه قد يقتل الرَّجلُ الرَّجل ويلقيه في محلَّة القوم لِيُلَطِّخَهُم به ، غير أن الشافعي قال : إلا أن يكون مثل القصة التي حكم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر ، فتجبُ فيها القسامة ؛ لما بين اليهود والأنصار من العداوة ، ولأنه لم يكن هنالك سواهم ؛ ولأن عبد الله خرج بعد العصر ، فوُجد قتيلًا قبل الليل . ونحوه قال أحمد . وقد تأول النسائي هذا على مالك . قلت : وحاصل ما قال هؤلاء : إن هذه القضية اجتمعت فيها قرائن غير كون القتيل وجد في محلتهم ، وإنَّ المحلَّة لم تنفرد باللوث ، بل مجموع ما أبدوه من القرائن . وما قالوه صحيح ؛ إذ لا مُعيّن ، ولا مخصص ، ولا ما يدل على إلغاء ما أبدوه . وقد اختلف العلماء في الأمور التي تكون لوثًا . ومجموع ما اختلف فيه من ذلك سبعة أمور : أحدها : المحلَّة ، وقد ذكرناها . وثانيها : قول القتيل : دمي عند فلان . أو فلان قتلني عمدًا . أو ضربني ؛ وجد به أثر ، أو لم يوجد . فقال مالك ، والليث : إنه لوث يوجب القسامة . قال مالك : إنه مِمَّا اجتمع عليه في الحديث والقديم ، وروي عن عبد الملك بن مروان . وشَرَط بعض أصحاب مالك وجود الأثر والجرح ، وتمسَّك مالك في ذلك بقصّة قتيل بقرة بني إسرائيل ، فإنَّه لَمَّا حيي القتيل قال : فلان قتلني . فاعتمد على ذلك ، وبأن المسلم الْمُشْرِف على الموت لا يُتَّهم بكذبٍ يُسْفَكُ به دمُ مسلم عند آخر عهده بالدنيا ، فظاهر حاله الصدق . وقد خالفه في ذلك سائر العلماء ، ولم يروا شيئًا من ذلك لوثا . وثالثها : شهادة غير البيِّنة القاطعة . ولم يختلف قول مالك ، والشافعي ، والليث : في أن الشاهد الواحد العدل ولفيف الناس لوث ؛ واختلف قول مالك في الواحد غير العدل ، وفي المرأة . هل ذلك لوث ، أم لا ؟ وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة النِّساء ، والعبيد ، والذميين لوثًا . وقال بعض أصحابنا : شهادة النِّساء والصبيان لوث . وأباه أكثرهم . ورابعها : أن يشهد شاهدان على الجرح ، ثمَّ يحيا المجروح حياة بيِّنة ، ثم يموت . فذلك لوث يوجب القسامة عند مالك ، وأصحابه ، واللَّيث . واختلف عندنا فيما إذا شهد بالجرح شاهد واحد ؛ هل يوجب ذلك قسامة ، أم لا ؟ على قولين ، والأصح : أنها لا تجب إلا بشاهدين . ولم ير الشافعي ، ولا أبو حنيفة في هذا قسامة ، بل القصاص من غير قسامة . وخامسها : وجود المتهم عند المقتول ، أو قربه ، أو آتيًا من جهته وعليه آثار القتل من التلطُّخ بالدَّم وشبهه . فهو لوث عند مالك . وقال الشافعي نحوه . قال : وذلك : إذا لم يوجد هنالك أحد به أثر ، ولا سَبُع . قال : ولو وجد في بيت ، أو دار ، أو صحراء قتيل ليس فيها أحدٌ سواهم فيتفرقون عن قتيل . فهذا كلُّه شبهة توجب القسامة . وسادسها : فئتان تقتتلان ، فيوجد بينهما قتيل ؛ ففيه روايتان : إحداهما : أن أولياءه يقسمون على من يدَّعون عليه ، أو من يدَّعي عليه المقتول ؛ كان من الفئتين ، أو غيرهم . والأخرى : لا قسامة فيه في هذه الوجوه ، وفيه الدِّية على الطائفة التي نازعت طائفته ؛ إن كان منها ، وعلى الطائفتين إن كان من غيرهما ، وبالقسامة في هذا قال الشافعي . وقال أحمد وإسحاق : عقله على الفئة المنازعة ؛ فإن عيّنوا رجلًا ؛ ففيه القسامة . وسابعها : الميِّت في مزاحمة الناس . قال الشافعي : تجب بذلك القسامة ، وتكون فيه الدِّية . وعند مالك : هو هدر . وقال إسحاق ، والثوري : ديته على بيت المال . وروي مثله عن عمر ، وعلي - رضي الله عنهما وقال الحسن ، والزهري : ديته على من حضر . وقوله : ( ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصَة ) يعني به : مُحَيِّصَة . وهما ابنا مسعود بن زيد . والمشهور في حُوَيْصَة ومُحَيِّصَة تخفيف الياء . وقد رويا بكسر الياء وتشديدها . وعلى الوجهين فهما مصغران ، والمقتول : عبد الله بن سهل بن زيد ، وأخوه عبد الرحمن بن سهل ، فالأربعة بنو عم ، بعضهم لبعض . وإنَّما تقدم مُحَيِّصَة بالكلام لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد الله ، غير أنه كان أصغر سنًّا من حُوَيِّصَة ؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كَبِّر ، كَبِّر ) أي : قدِّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك . فتقدم حويصةُ ، وكأنه كان أكبر منه ومن عبد الرحمن أخي المقتول . ففيه من الفقه : أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام واحدًا منهم ، وأحقهم لذلك أسنُّهم ؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك . وهذا كما قال في الإمام : فإن كانوا في الفقه سواءً فأقدمهم سنًّا . وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القدم في الإسلام ، والسبق إليه ، والعلم به ، وممارسة أعماله وأحواله ، والفقه فيه ، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق التأخير ، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابا وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز ، فتقدَّم شابٌّ للكلام ، فقال عمرُ له : كبِّر ، كبِّر . فقال : يا أمير المؤمنين ! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك ! فقال : تكلَّم . فتكلم فأبلغ ، فأوجز . و( قوله - بعد سماع كلام المدَّعين - : ( إمَّا أن يَدُوا صاحبكم ، وإمَّا أن يُؤْذِنُوا بحربٍ ) هذا الكلامُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة التأنيس ، والتسلية لأولياء المقتول ، وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم . لا أن ذلك كان حكمًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليهود في حال غيبتهم ، فإنَّه بَعْدُ لم يسمع منهم ، ولا حضروا حتى يسألهم . ولذلك كتبَ إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول . ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن سمعَ الدعوى لم يستحضر المدَّعى عليهم إليه . وفيه من الفقه : أنَّ مجرَّدَ الدَّعوى لا يُوجب إحضارَ المدَّعى عليه ؛ لأنَّ في إحضاره منعًا له من أشغاله ، وتضييعًا لما له من غير مُوجبٍ ثابتٍ . فلو ظهرَ هنالك ما يقوِّي دعوى المدَّعي من لطخ ، أو شبهة ، لتعيَّن أن يستحضر ويسمع جوابه عمَّا ادعي عليه . ثم قد يختلف هذا في القرب ، والبعد ، وشدة الضرر ، وقلَّته . و( قوله : فكتبوا : إنَّا والله ما قتلناه ! ) فيه من الفقه : الاكتفاء بالكتْبِ ، وبأخبار الآحاد مع إمكان المشافهة ، وأن اليمين قبل استدعائها ، وتوجهها لا اعتبار بها . و( قوله للمدَّعين : [ أتحلفون خمسين يمينًا ] ) دليل : على أن القسامة يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان . وهو قول معظم القائلين : بأن القسامة يُستوجب بها الدَّم . وقال مالك : الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث : أن المدَّعين يبدؤون في القسامة ، وخالف في ذلك الكوفيون ، وكثير من البصريين ، والمدنيين ، والأوزاعي . وروي عن الزهري ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه وقالوا : يُبْدَأ بالمدَّعى عليهم ؛ متمسكين في ذلك بالأصل الذي دلَّ عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - للمدَّعي : ( شاهداك ، أو يمينه ) ، وبأنه قد روي هذا الحديث من طرق ذكرها أبو داود ، والنسائي . ذكر فيها : أنه - صلى الله عليه وسلم - طالب المدَّعين بالبينة . فقالوا : ما لنا بيِّنة ، فقال : ( فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا ) . وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدَّعاوى ؛ الذي نبَّه الشرع على حكمته بقوله : ( لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل رجال دماء رجال وأموالهم ، ولكن البيِّنة على المدَّعي ، واليمين على من أنكر ) . وقد أجاب الجمهور عن ذلك : بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حُويصة ومحيصة تبدئة المدَّعين بالأيمان . وهي رواية الأئمة الحفَّاظ بالطرق المسندة المستفيضة ، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي بالطرق المسندة المستفيضة ، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي : مراسيل ، وغير معروفة عند المحدِّثين ، وليست مِمَّا تعارض بها الطُّرُق الصِّحاح ؛ فيجب ردَّها بذلك . وأجابوا عن التمسك بالأصل : بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدِّماء ، ولتعذر إقامة البيِّنة على القتل غالبًا . فإن القاصد للقتل إنَّما يطلب الخلوة ، والغيْلة ، بخلاف سائر الحقوق ، وبشهادات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاص بهذا الحكم الخاص ، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر . ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلية . وذلك أن المدَّعي إنَّما كان القول قوله لقوَّة جنبته بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعي عليه ، وذلك المعنى موجود هنا ، فإنَّه إنما كان القول قول المدَّعين لقوة جنبتهم باللوث الذي يشهد لهم بصدقهم . فقد أعملنا ذلك الأصل ، ولم نطرحه بالكليَّة . و( قوله : أتحلفون خمسين يمينًا ؟ ) ، وفي الأخرى : ( أيُقسم خمسون منكم ؟ ) دليل : على استحقاق هذا العدد من الأيمان ، فلا يجزئ فيها أقل من ذلك . فإن كان المستحقون خمسين ؛ حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة . فإن كانوا أقل من ذلك ، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه رُدَّت الأيمان عليهم بحسب عددهم . ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال ، لا يحلف فيه الواحد من الرِّجال ولا النساء ، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا . هذا مذهب مالك ، والليث ، وربيعة ، والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد وداود ، وأهل الظاهر . واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين . هل يحلف كلهم يمينًا ، يمينًا ؟ أو يقتصر منهم على خمسين ؟ وهذا هو الأولى لقوله : ( يحلف خمسون منكم ) ، و( من ) للتبيين . والخطاب لجميع الأولياء . فأفادَ ذلك : أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ . وأمَّا القسامة في الخطأ عند القائلين بها : فيحلف فيها الواحد من الرجال ، والنساء ، فمهما كملت خمسون يمينًا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه ، ومن نكل لم يستحق شيئًا . فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه . هذا قول مالك المشهور عنه . وقد روي عنه : أنه لا يرى في الخطأ قسامة . وقال الليث : لا ينقص من ثلاثة أنفس . وقال الشافعي : لا يحلف في العمد ، ولا في الخطأ إلا أهل الميراث على قدر مواريثهم . ولا يحلف على مال مَنْ لا يستحقه . وهو قول أبي ثور ، وابن المنذر . و( قوله : وتستحقون دم صاحبكم ) ، وفي الرواية الأخرى : ( فيُدْفَع إليكم برمَّتِه ) نصٌّ في أن القسامة يُستحقُّ بها الدَّم . وهو مذهب معظم الحجازيين ، وهو قول الزهري ، وربيعة ، والليث ، ومالك ، وأصحابه ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، وأحد قولي الشافعي . وروي ذلك عن ابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم . قال أبو الزناد : قتلنا بالقسامة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون ؛ إني لأراهم ألف رجل ، فما اختلف منهم في ذلك اثنان . وقال الكوفيُّون ، وإسحاق ، والشافعي - في قوله الآخر - : إنَّما تجب بها الدِّية . وهو قول الحسن البصري ، والحسن بن حي ، والبتِّي ، والنخعي ، والشعبي . وروي عن أبي بكر ، وعمر ، وابن عبَّاس ، ومعاوية . والحديث المتقدِّم نصٌّ في موضع الخلاف ، فلا ينبغي أن يُعْدَل عنه . و( قوله : على رجل منهم ) ، وفي اللفظ الآخر : ( وتستحِقُّون دم صاحبكم ) دليلٌ على أن القسامة إنما تكون على واحد . وهو قول أحمد ، ومشهور قول مالك . وقال أشهب : لهم أن يقسموا على جماعة ، ويختارون واحدا للقتل ، ويسجن الباقون عامًا ، ويضربون مائة مائة . وقال المغيرة : يقتل بها الجماعة . وهو قول الشافعي في القديم . وذهب ابن سريج من أصحابه : إلى أنه يقسم على الجماعة ، ويقتل منهم واحد . وقد فهم الشافعي من قوله : ( وتستحقون دم صاحبكم ) : أنَّه لا يحلف إلا الورثة الذين يستحقون المال . وهو فهم عجيب ينبني على أن المستحق بالقتل العمد تخيير الولي بين القصاص وبين الدِّية . وسيأتي ذلك إن شاء الله . وقد بناه بعضهم على قولته الأخرى : في أن المستَحَقَّ بالقسامةِ الدِّيةَ لا القصاص . وهو خلاف نص الحديث . و( قوله : ما حضرنا ، ولا شهدنا ) ، وفي اللفظ الآخر : [أمرٌ لم نحضرْه ، فكيف نحلف عليه ؟ !] ؛ دليلٌ : على أن الأيمان في القسامة على القطع . وهو الأصل في الأيمان ، إلا أن يتعذر ذلك فيها ، كما سيأتي تفصيل ذلك . وسبب ذلك : أن الحالف جازم في دعواه ، فلا يحلف إلا على ما تحققه ، كالشاهد ، غير أنَّه لا يشترط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة ؛ إذ قد يحصل له التحقيق من الأخبار ، والنَّظر في قرائن الأحوال . و( قوله : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم ) دليل : على أن من توجهت عليه يمين فنكل عنها : أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر ، ويحلف . وهو قول مالك ، والشافعي . وروي عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وجماعة من السلف . وقال أبو حنيفة ، والكوفيون ، وأحمد بن حنبل : يُقضى عليه دون رد اليمين . وقال ابن أبي ليلى : يُؤخذ باليمين . ومعنى تبرئكم يهود : أي : يبرؤون إليكم مما طالبتموهم به ، فتبرؤون أنتم منهم ؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم شرعًا . وفيه دليل على أن الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلًا إذا كان المدَّعى عليهم خمسين . فإن كانوا أقل من ذلك ؛ حلفوا خمسين يمينًا ، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم . وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا ؟ قولان . فمشهور مذهب مالك : لهم الاستعانة . وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين . ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ معه ، فيحلفُ هو خمسين يمينًا . وروى مطرف عن مالك : أنَّه لا يحلفُ مع المدَّعى عليه أحدٌ ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم . وهو قول الشَافعي . وهو الصحيح ؛ لأن من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين ، ثم مقصود هذه الأيمان : البراءة من الدَّعوى . ومن لم يُدَّع عليه بريء ، ولأن أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي ، وهي باطل . وأيضًا فقد قال الله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى و( قوله : فيُدفع بِرُمَّتِه ) هو بضم الراء ، وهو : الحبل البالي . وأصله : أنَّ رجلًا سلَّم رجلًا لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه ، فقيل : ذلك لكل من سلم شيئًا بكلِّيته ، ولم يبق له به تعلُّق . والرِّمَّةُ - بكسر الراء - : العظم البالي . يقال : رمَّ العظم ، وأرم : إذا بلي . والرميم : الشيء البالي ، المتفتت كالورق ، المتهشم . ومنه قوله تعالى : مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ و( قول المدَّعين : كيف نقبل أيمانَ قومٍ كُفَّار ) هذا استبعاد لصدقهم وتقريبٌ لإقدامهم على الكذب ، وجرأتهم على الأيمان الفاجرة . وعلى هذا يدل قولهم : ( ليسوا بمسلمين ) أي : ما هم عليه من الكفر والعداوة للمسلمين يجرؤهم على الأيمان الكاذبة ، لكنهم مع هذا كله لو رضوا بأيمانهم لحلفوا لهم ، ولا خلاف أعلمه في أن الكافر إذا توجَّهت عليه يمين : أنه يحلفها أو يُعَدُّ ناكلًا . وبماذا يحلف ؟ فالمشهور عن مالك : أنَّه إنما يحلف بالله ؛ الذي لا إله إلا هو . سواء كان يهوديًّا ، أو نصرانيًّا ، أو غيرهما من الأديان ، كما يحلف المسلم . وفيه نظر . وروى الواقدي عن مالك : أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى . والنصراني : بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى . وهذا القول أمشى على الأصول من الأول . وذلك : أنَّا إذا أجبرنا النصراني على أن يحلف بالتوحيد مع قطعنا : بأنَّه خلاف معتقده ، ودينه ؛ فقد أجبرناه على الخروج عن دينه ، مع أنا قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده ، ودينه . وأيضًا : فلا مانع له من أن يقدم على الحلف بذلك ؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح . فالأولى القول الثاني . ويحلف في المواضع التي يعتقد تعظيمها . و( قوله : فودَاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده ) إنَّما فعل ذلك على مقتضى كرم خلقه ، وحسن إيالته ، وجلبًا للمصلحة ، ودفعًا للمفسدة ، وإطفاءً للثائرة ، وتأليفًا للأغراض المتنافرة عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق لتعذر طرقه . وهذا اللفظ الذي هو : ( من عنده ) ظاهر في : أن الإبل التي دفع كانت من ماله . وهذا أصحُّ من رواية من روى : أنها كانت من إبل الصَّدقة ؛ إذ قد قيل : إنَّها غلط من بعض الرُّواة ؛ إذ ليس هذا من مصارف الزكاة . قلت : والأولى ألا يغلَّط الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن . ويحتمل ذلك أوجهًا من التأويلات : أحدها : أنَّه تسلَّف ذلك من مال الصَّدقة ؛ حتَّى يؤديها من الفيء . وثانيها : أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصدقة ، فأعطاها إياهم في صورة الدِّية ، تسكينًا لنفرتهم وجبرًا لهم ؛ مع أنَّهم مستحقون لها . وثالثها : أنَّه أعطاهم تلك من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافًا لهم ، واستجلابًا لليهود . ورابعها : قول من قال : إنَّه يجوز صرف الصدقة في مثل هذا ؛ لأنَّه من المصالح العامَّة . وهذا أبعد الوجوه ؛ لقوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الآية . تفسير غريبه : الفريضة : واحدة الفرائض ، وهي : النوق المأخوذة في الزكاة والدِّية . وقد فسَّرها في الرِّواية التي قال فيها : ( فلقد ركضتني منها ناقة حمراء ) . وأصل الفرض : التقدير ، كما تقدم . ولا معنى لقول من قال : إنَّها المسنة من الإبل . والشَّرَبة - بفتح الشِّين والرَّاء - هي : حوض في أصل النَّخلة تشرب منه النخلة . وجمعه : شَرَب - بفتح الرَّاء - ؛ وهي التي عبَّر عنها في الرواية الأخرى بـ ( الفقير ) . وقيل : الفقير : هو الحفر العميق الذي يحفر للفسيلة . والجهد - بفتح الجيم - : الشدَّة والمشقَّة . والجهد - بضمها - : غاية الوسع والطَّاقة . والعقل : الدِّية . وسمِّيت بذلك : لأن الإبل كانت تعقل بفناء المستحقين للدِّية . وقد تقدم القول في ( الرِّمَّة ) . وفيه من الفقه : أن أهل الذِّمَّة يحكم عليهم بحكم الإسلام ، لا سيما إذا كان الحكم بين ذمِّي ومسلم ، فإنَّه لا يختلف في ذلك . وكذلك لو كان المقتول من أهل الذمة فادَّعي به على مسلم ؛ فإن ولاة الدَّم يحلفون خمسين يمينًا ، ويستحقون به دِّية ذمِّي . هذا قول مالك . وقال بعض أصحابه : يحلف المسلم المدَّعى عليه خمسين يمينًا ، ويبرأ ، ولا تحمل العاقلة ديته . فلو قام للذمي شاهدٌ واحدٌ بالقتل ؛ فقال مالك : يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون الدِّية من ماله في العمد ، ومن عاقلته في الخطأ . وقال غيره : يحلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا ويجلد مائة ، ويحبس عامًا . وفيه ما يدلُّ على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في غيبة الآخر . وأن أهل الذمِّة إن امتنعوا من فعل ما وجب عليهم لنقض عهدهم . والحديث كله حجَّة واضحة للجمهور من السَّلف والخلف على من أنكر العمل بالقسامة ؛ وهم : سالم بن عبد الله ، وأبو قلابة ، ومسلم بن خالد ، وقتادة ، وابن عُلَيَّة ، وبعض المكيين . فنفَوْا الحكم بها شرعًا في العمد والخطأ . وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، والحكم بن عتَيْبة . وقد روي عنهما العمل بها . وقد روي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار .
1677- [1768] وعنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ . و( قوله : لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ) يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذمِّي والمعاهد إذا قتلا ظلمًا ؛ لأنَّ ( نفسًا ) نكرة في سياق النفي ، فهي للعموم . و( الكفل ) : الجزء والنصيب ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ؛ أي : نصيب . وقال الخليل : الكفل من الأجر والإثم : الضعف . و( قوله : لأنَّه أول من سنَّ القتل ) نصٌّ على تعليل ذلك الأمر ؛ لأنَّه لما كان أول من قتل كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده ، وتعليمًا له . فمن قتل كأنَّه اقتدى به في ذلك ، فكان عليه من وزره . وهذا جار في الخير والشَّرِّ ؛ كما قد نصَّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم بقوله : ( من سنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة . ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) . وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود ؛ لأنَّه أول من عصى به . وهذا - والله أعلم - ما لم يتب ذلك القاتل الأول من تلك المعصية ؛ لأنَّ آدم - عليه السلام - أول من خالف في أكل ما نهي عنه ، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه ، ولا شربه ممن بعده بالإجماع ؛ لأنَّ آدم عليه السلام تاب من ذلك ، وتاب الله عليه ، فصار كأن لم يجن ؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له . والله تعالى أعلم . وابن آدم المذكور هنا هو : قابيل ، قتل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليمياء ، فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا ، فمن تقبل منه قربانه ؛ كانت له . فتُقُبِّل قربان هابيل ، فحسده قابيل ، فقتله بغيًا وعدوانًا . هكذا حكاه أهل التفسير .
( 6 ) باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، وتكرار إثم من سن القتل ، وأنه أول ما يقضى فيه 1676 - [1767] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ . ( 6 ) ومن باب : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنَّفس بالنَّفس ، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة ) الثيب هنا : المحصن . وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى . وهو حجَّة على ما اتفق المسلمون عليه : من أن حكم الزاني المحصن الرَّجم . وسيأتي شروط الإحصان ، وبيان أحكام الرَّجم . و( قوله : النفس بالنَّفس ) موافق لقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ويعني به : النفوس المتكافئة في الإسلام ، والحرِّيَّة ؛ بدليل قوله : ( لا يقتل مسلم بكافر ) خرَّجه البخاري عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وهو حجَّة للجمهور من الصَّحابة ، والتابعين على من خالفهم ، وقال : يقتل المسلم بالذمي . وهم أصحاب الرأي ، والشَّعبي ، والنَّخعي ، ولا يصحُّ لهم ما رووه من حديث ربيعة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر ؛ لأنَّه منقطع ، ومن حديث ابن البيلماني ، وهو ضعيف ، ولا يصحُّ في الباب إلا حديث البخاري المتقدم . وأما الحرية فشرط في التكافؤ ، فلا يقتل حر بعبد عند مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . وهو قول الحسن ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، وعمر بن عبد العزيز ؛ محتجِّين في ذلك : بأن العبد لما كان مالًا متقوَّمًا كان كسائر الأموال إذا تلفت ؛ فإنما يكون فيها قيمة المتلف بالغة ما بلغت ، والحرُّ ليس بمال بالاتفاق ، فلا يكون كفؤًا للعبد ، فلا يقتل به ، ويغرم قيمته ولو فاقت على دية الحرِّ ، ويجلد القاتل مائة ، ويحبس عامًا عند مالك . وذهبت طائفة أخرى : إلى أنَّه يُقتل به . وإليه ذهب سعيد بن المسيب ، والنخعي ، والشعبي ، وقتادة ، والثوري ، وأصحاب الرأي ؛ محتجين بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ) ، وذهب النخعي ، والثوري في أحد قوليه : إلى أنه يقتل به ، وإن كان عبده ، محتجين في ذلك بما رواه النسائي من حديث الحسن عن سمرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قتل عبده قتلناه ، ومن جدعه جدعناه ، ومن أخصاه خصيناه ) . قال البخاري عن علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح . وأخذ بهذا الحديث . وقال البخاري : وأنا أذهب إليه . وقال غيره : لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة . و( قوله : التارك لدينه ) يعني به : المرتد ؛ الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من بدَّل دينه فاقتلوه ) . وهذا الحديث يدل : على أن المرتد الذي يقتل هو الذي يبدل بدين الإسلام دين الكفر ؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - استثناه من قوله : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) ، ثم ذكرهم ، وذكر منهم : التارك لدينه . وقد تقدم الكلام في الرِّدَّة ، وأحكامها . و( قوله : المفارق للجماعة ) ظاهره : أنَّه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه ؛ لأنَّه إذا ارتد عن دين الإسلام ، فقد خرج عن جماعتهم ، غير أنه ( يلحق بهم ) في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين ، وإن لم يكن مرتدًّا ، كالخوارج ، وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحدِّ عليهم ، وقاتلوا عليه ، وأهل البغي ، والمحاربون ، ومن أشبههم ؛ فيتناولهم لفظ ( المفارق للجماعة ) بحكم العموم ، وإن لم يكن كذلك لم يصحّ الحصر المذكور في أول الحديث الذي قال : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) ، فلو كان المفارق للجماعة إنما يعني به : المفارقة بالرِّدَّة فقط لبقي من ذكرناه من المفارقين للجماعة بغير الردة لم يدخلوا في الحديث ، ودماؤهم حلال بالاتفاق ، وحينئذ لا يصحُّ الحصر ، ولا يصدق ، وكلام الشارع مُنَزَّهٌ عن ذلك ؛ فدلَّ : على أن ذلك الوصف يعم جميع ذلك النوع ، والله تعالى أعلم . وتحقيقه : أنَّ كلَّ من فارق الجماعة يصدق عليه : أنه بدَّل دينه ، غير أن المرتدَّ بدَّل كلَّ الدِّين ، وغيره من المفارقين بدَّل بعضه .
1678 - [1769] وعنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ . و( قوله : إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدِّماء ) هذا يدل : على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء . ولا تعارض بين هذا وبين قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أول ما يحاسب به العبد من عمله الصلاة ) لأنَّ كل واحد منهما أول في بابه . فأول ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة . فإنَّها أعظم قواعد الإسلام العملية . وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدِّماء ؛ لأنَّها أعظم الجرائم . وقد تقدم هذا في كتاب الصلاة .
( 5 ) باب القصاص في الجراح 1675- [1766] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَتْ إِنْسَانًا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ ! . فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ ؟ ! وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا أُمَّ الرَّبِيعِ، الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ. قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . ( 5 ) ومن باب : القصاص في الجراح ( قوله : إن أخت الرُّبيِّع أم حارثة جرحت إنسانًا ) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم . قال القاضي عياض : المعروف : أن الرَّبيع هي صاحبة القصة . وكذا جاء الحديث في البخاري في الروايات الصحيحة : أنها الرَّبيع بنت النضر ، وأخت أنس بن النَّضر ، وعمَّة أنس بن مالك . وأن الذي أقسم هو أخوها أنس بن النَّضر ، وكذا في المصنفات ، وجاء مفسَّرًا عند البخاري وغيره : أنها لطمت جارية ، فكسرت ثنيَّتها . ورواية البخاري هذه تدل : على أن الإنسان المجروح المذكور في رواية مسلم هو جارية . فلا يكون فيه حجَّة لمن ظن أنَّه رجل ، فاستدلَّ به : على أن القصاص جار بين الذكر والأنثى فيما دون النفس . والصحيح : أن الإنسان ينطلق على الذكر والأنثى وهو من أسماء الأجناس . وهي تعمُّ الذكر والأنثى ، كالفرس يعمُّ الذكر والأنثى . والجمهور من السلف والخلف على جريان القصاص بين الذكر والأنثى ، فيقتل الذكر بالأنثى إلا خلافًا شاذًّا عن الحسن وعطاء ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب . وهم محجوجون بقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فعمَّ ، وبأنه قد تقدم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل اليهودي بالجارية . فأمَّا قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ؛ فإنما اقتضت بيان حكم النوع إذا قتل نوعه ، فبيَّنت حكم الحرِّ إذا قتل حرًّا ، والعبد إذا قتل عبدًا ، والأنثى إذا قتلت أنثى . ولم تتعرض لأحد النَّوعين إذا قتل الآخر ، لكن بين ذلك بقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وبيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنَّته لما قتل اليهودي بالمرأة . وأمَّا القِصاص بين الرَّجل والمرأة فيما دون النفس : فهو قول الجمهور أيضًا ، وخالفهم في ذلك ممن يرى القصاص بينهما في النفس أبو حنيفة ، وحمَّاد ، فقالا : لا قصاص بينهما فيما دون النفس . وهما محجوجان بإلحاق ما دون النَّفس على طريق الأحرى والأولى . وذلك : أنهما قد وافقا الجمهور : على أن الرَّجل يقتل بالمرأة مع عظم حرمة النَّفس . ولا شكَّ : أن حرمة ما دون النفس أهونُ من حرمة النَّفس . فكان القِصاص فيها أحرى وأولى . وفي المسألتين مباحث مستوفاة في علم الخلاف . و( قوله : القصاصَ ، القصاصَ ! ) الرِّواية بنصب القصاص في اللفظين . ولا يجوز غيره . وهو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره . تقديره : ألزمكم القصاص . أو : أقيموا القصاص . غير أن هذا الفعل لا تظهره العرب قطّ ؛ لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ . كما قالوا : الجدارَ الجدارَ . والصبي ، الصبي . ولما فهم أنس بن النضر - على ما ذكره البخاري ، أو أمّ الرَّبيع على ما ذكره مسلم - لزوم القصاص ؛ عظم عليه أن تكسر ثنية الجانية ، فبذلوا الأرش ؛ فلم يرضَ أولياء المجني عليها به ، فكلَّم أهلها في ذلك ، فأبَوا ، فلما رأى امتناعهم من ذلك ، وأن القصاص قد تعيَّن قال : أيُقْتَصُّ من فلانة ، والله لا يُقتصُّ منها ؟ ! ثقة منه بفضل الله تعالى ، وتعويلًا عليه في كشف تلك الكُرْبة ، لا أنه ردَّ حكم الله وعانده ، بل هو مُنزَّهٌ عن ذلك لما علم من فضله ، وعظيم قدره ، وبشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - بما له عند الله تعالى من المنزلة . وهذا التأويل أولى من تأويل من قال : إن ذلك القسم كان منه على جهة الرَّغبة للنبي - صلى الله عليه وسلم أو للأولياء ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنكر ذلك عليه بقوله : ( سبحان الله ! كتاب الله القصاص ) . ولو كان رَغِبَهُ لما أنكره . وأيضًا : فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سمَّاه قسمًا ، وأخبر : أنه قسم على الله ، وأن الله تعالى قد أبرَّه فيه لما قال : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه ) . ففيه : العمل بشرع من قبلنا إذا صحَّ عندنا ، ولم يثبت في شرعنا ناسخ له . ولا مانع منه . وقد اختلف في ذلك الفقهاء ، والأصوليون . وفي المذهب فيه قولان ، ووجه هذا الفقه قوله : ( كتاب الله القصاص ) ، وليس في كتاب الله القصاص في السِّن إلا في قوله تعالى حكاية عمَّا حكم به في التوراة في قوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا الآية ، إلى قوله : وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وفيه : القصاص في السِّن إذا قُلِعَت أو طُرِحَت . وفي كسرها وكسر عظام الجسد خلاف ؛ هل يُقْتَصُّ منها ، أو لا ؟ فذهب مالك إلى القصاص في ذلك كلِّه إذا أمكنت المماثلة وما لم يكن مخوفًا ، كعظم الفخذ ، والصُّلب ، أخذًا بقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وبقوله : وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ وذهب الكوفيون ، والليث ، والشافعي : إلى أنَّه لا قود في كسر عظم ما خلا السِّن لعدم الثقة بالمماثلة . وفيه ما يدلّ على كرامات الأولياء .
( 3 ) باب القصاص في النفس بالحجر 1672 - [1763] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ ؟ فُلَانٌ ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَأتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ . وفي رواية : فقتله رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين حجرين ( 3 ) ومن باب : القصاص في النفس ( قوله : إن جارية وجد رأسها قد رضَّ بين حجرين فجيء بها [إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها رمق ] ) الرَّضُّ : الكسر غير الْمُبَان . و( الرَّمَق ) : بقية الحياة ؛ يعني : أنها قد أشرفت على الموت . ولذلك لما سُئلت عمَّن أصابها أومأت برأسها لما ذُكِر لها القاتل ، ولم تقدر على الكلام بلسانها . ومن قال من الرواة : إنَّها قالت : نعم . فإنما عبَّر عمَّا فهم عنها من الإشارة بالقول ، فإنَّها تنزلت منزلة القول . ففيه من الفقه : قتل الرَّجل بالمرأة . وهو قول الجمهور خلافًا لمن شذَّ فقال : لا يقتل بها . وهو عطاء ، والحسن . وقد روي عن علي - رضي الله عنه وأمَّا القصاص بينهما في الأطراف : فهو أيضًا مذهب الجمهور . وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس ، وأبو حنيفة ، وحماد ، وإن قالا به في النفس . والصحيح قول الجمهور في المسألتين ؛ لقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وفيه : جواز ذكر من اتُّهم ، وعرضهم على المقتول واحدًا واحدًا بعينه واسمه ، وإن لم تقم دلالة على لطخه أكثر من أنَّه يحتمل ذلك احتمالًا قريبًا . ولا يكون ذلك عرضًا يستباح . وفيه : ما يدلُّ على اعتبار التَّدمية على الجملة . وقد تقدَّم الكلام فيها ، لكن الصحيح في هذا الحديث : أن اليهودي إنَّما قتل بالمرأة باقراره ، لا بمجرد التَّدمية . والرواية التي يظهر منها : أنَّه قتل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذكر فيها : أنه قتل بإقراره لوجهين : أحدهما : أن القضية واحدة وإن اختلفت الرِّوايات ، فيحمل مطلقها على مقيَّدِها . والثاني : أن ظاهر تلك الرِّواية المطلقة مجمع على تركه ؛ إذ لم يقل أحد من المسلمين : أن التَّدمية بمجردها يقتل بها ، وإنَّما هي عند من قال بها لوثٌ يقسم معها . ولم يسمع قطّ في شيء من طرق هذا الحديث ، ولا رواياته : أن أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهودي . وفيه : قتل الكبير بالصَّغير ؛ لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء ، كالغلام في الرجال . وهذا لا يختلف فيه . وفيه : أن من قَتَل بشيء قُتل به . وقد اختلف فيه ، فذهب الجمهور : إلى أنَّه يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر ، أو عصا ، أو تغريق ، أو خنق ، أو غير ذلك ، ما لم يقتله بفسق كاللوطية ، وإسقاء الخمر ؛ فيقتل بالسيف . وحجَّتهم هذا الحديث ، وقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وقوله تعالى : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ والقصاص أصله : المساواة في الفعل . ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار ، وفي قتله بالعصا . فجمهورهم : على أنَّه يقتل بذلك . وقال ابن الماجشون وغيره : لا يحرَّق بالنار لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يعذب بالنَّار إلا الله ) . وقال مالك في إحدى الروايتين عنه : إنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل وتعذيب ، قتل بالسَّيف . وفي الأخرى : يقتل بها ، وإن كان فيه ذلك ، وهو قول الشافعي . وقال الشافعي فيمن حبس رجلًا أيَّامًا في بيت حتَّى مات جوعًا ، أو عطشًا ، أو قطع يديه ورجليه ، ورمى به من جبل ، أن يُفعل به مثل ذلك ، فإن مات ، وإلا قتل . وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلِّه فقالوا : لا قود إلا بالسيف ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والشعبي ، والنخعي . واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا قود إلا بحديدة ) ، وبالنهي عن المثلة . والصحيح مذهب الجمهور لما تقدم ، ولأن الحديث الذي هو : ( لا قود إلا بحديدة ) ضعيف عند المحدثين ، لا يروى من طريق صحيح ، ولأن النهي عن المثلة نقول بموجبه إذا لم يمثل بالمقتول ، فإذا مَثَّل مثَّلنا به ؛ لقوله تعالى : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ولحديث العُرَنِيِّين على ما تقدم . وقد شذَّ بعضهم فقال فيمن قتل بخنق ، أو بسم ، أو تردية من جبل أو في بئر ، أو بخشبة : أنه لا يقتل ، ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد : حديد ، أو حجر ، أو خشب ، أو كان معروفًا بالخنق والتردية . وهذا منه ردٌّ للكتاب ، والسُّنة ، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة ، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياة للنفوس ، فليس عنه مناصٌ . ثم اختلف العلماء فيما إذا قَتَل بما لا يَقْتُل مِثْلُه غالبًا ، كالعضَّة واللَّطمة ، وضربة السَّوط ، والقضيب ، وشبه ذلك . فقال مالك ، والليث : هو عمدٌ ، وفيه القود . قال أبو عمر : وقال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين . وذهب جمهور فقهاء الأمصار : إلى أن هذا كلُّه شبه عمد ، إنما فيه الدِّية مغلظة . وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وقد ذكر عن مالك ، وقاله ابن وهب ، وجماعة من الصحابة والتابعين . قلت : وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ؛ إذ العمد : القصدُ إلى القتل ، وهو أمر خفي لا يُطَّلعُ عليه ، فلا بُدَّ من دليل عليه ، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحة رافعة للشَّك . ودلالة ما يقتل مثله غالبًا دلالة محقَّقة ، صحيحة ، وليس كذلك اللطمة ، وضربة السوط ، فلا دلالة فيهما . والدِّماء أحق ما احتيط لها ؛ إذ الأصل صيانتها في أهبها ، فلا نستبيحها إلا بأمر بيِّن ، لا إشكال فيه ، وهذا فيه إشكال ، ولا نستبيح به دمًا ، ولما كان مترددًا بين العمد والخطأ ؛ حكم له بشبه العمد ، وهو حُكْمٌ بين حُكمين ، فلا هو عمد محضّ ، ولا خطأ محضّ ، فلا قود فيه ؛ إذ لم يتحقق العمد . ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتل ، فتكون فيه الدِّية المغلظة ، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم الفتح بمكة ، فذكر الحديث ، وقال فيه : ( ألا وإن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط ، أو العصا مائة من الإبل ، أربعون في بطونها أولادها ) . وهذا نصٌّ في الباب ، فلا ينبغي أن يعدل عنه . ثمَّ اختلف القائلون بشبه العمد في الدِّية المغلظة ما هي ؟ فقال عطاء ، والشافعي : هي ثلاثون حِقَّة ، وثلاثون جَذَعة ، وأربعون خَلِفَة . وقد روي ذلك عن عمر ، وزيد بن ثابت ، والمغيرة ، وأبي موسى . وهو مذهب مالك حيث يقول : بشبه العمد . ومشهور مذهبه : أنه لم يقل به إلا في مثل فعل المدلجي بابنه حيث ضربه بالسَّيف . وقيل : إن دية شبه العمد أربعون جَذَعة إلى بازلٍ عامها ، وثلاثون حِقَّة ، وثلاثون بنت لبون . وروي هذا عن عثمان . وبه قال الحسنُ ، وطاووس ، والزُّهري . وأمَّا ديةُ العمد : فهي عند الشافعي ثلاثون حِقَّةً ، وثلاثون جَذَعةً ، وأربعون خلفة ، كما قال في شبه العمد . وقال مالك : هي أرباع : ربع بنات مخاض ، وربع بنات لبون ، وربع جِذاعٌ ، وربعٌ حقاقٌ . وبه قال الزهري ، وربيعةُ ، وأحمدُ . وقال أبو ثور : أخماس ، ويزيد على الأربعة الأسنان المتقدِّمة بني لبون . وهي عنده ديةُ شبه العمد . وأمَّا دية الخطأ : فهي عنده أخماسٌ كما ذكرناه آنفًا . وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، وربيعةُ ، والشافعي . ونحوه قال أبو حنيفة ، غير أنه جعل بدل بني لبون بني مخاضٍ . وبه قال النَّخعي ، وأحمدُ ، ويعقوبُ ، ومحمد . ورُوِي عن ابن مسعودٍ . وقيل : إنها أرباعٌ كما تقدَّم في دية العمد . وبه قال الشعبي ، والحسن البصري ، والنخعي ، وإسحاق بن راهويه . قلتُ : وهذا في أهل الإبل مجمعٌ عليه : أن في النَّفس مائة من الإبل . واختلف في غيرهم . فقالت طائفة : يجب على أهل الذهبِ الذهبُ ، وعلى أهل الورِقِ الورِقُ . وروي ذلك عن عمر ، وعروة ، وقتادة ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، ولم يختلف هؤلاء : أن دية الذهب ألفُ دينار . واختلفوا في الفضة . فقال الثوري ، والنعمان ، وصاحباه ، وأبو ثورٍ : هي عشرةُ آلاف درهم . [وقال الحسن البصري ، وعروةُ ، ومالكٌ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ : اثنا عشر ألف درهم] . وقال مالك ، وأبو حنيفة : الدِّيةُ من الذهب ، والإبل ، والفضة ، ولم يعرفا الْحُلَل ، ولا الشاء ، ولا البقر . وقال آخرون : هي على أهل البقر مائتا بقرة . وعلى أهل الشاء ألفا شاة . وعلى أهل الْحُلَل مائتا حُلَّة . وروي هذا عن عمر ، والحسن البصري . وبه قال عطاء ، والزهري ، وقتادة ، غير أن هؤلاء الثلاثة لم يقولوا بالحلل . قلت : وسبب هذا الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في الباب ، والاختلاف في تصحيحها ، وذلك : أنه ليس شيء منها متفقًا على صحته ، وهي ما بين مرسلٍ ، وضعيفٍ . فلنذكر منها ما خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جدِّه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قَتَل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول ؛ فإن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية ، وهي : ثلاثون حِقَّة ، وثلاثون جَذَعة ، وأربعون خَلِفة ، وما صالحوا عليه فهو لهم ، وذلك لتشديد العقل ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وروى أبو داود عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى : أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل : ثلاثون بنت مخاض ، وثلاثون بنت لبون ، وثلاثون حِقَّة ، وعشر بني لبونٍ ذكر . وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار ، أو ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين . قال : فكان ذلك حتى استخلف عمر ، فقام خطيبًا فقال : ألا إن الإبل قد غلت ، ففرضها على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة . قال : وترك دية أهل الذمَّة لم يرفعها فيما رفع من الدِّية . وفي رواية أخرى عنه قال : عقل شبه العمد مغلَّظة مثل العمد ، ولا يقتل صاحبه . وعن عطاء ، عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلَّة . وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دية الخطأ عشرون حِقَّة ، وعشرون جَذَعة ، وعشرون بنت مخاض ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون بني مخاض ذكر . وعن عكرمة ، عن ابن عبَّاس : أن رجلًا من بني عدي قتل ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ألفًا . فهذه الأحاديث التي دارت بين العلماء الذين تقدم ذكر مذاهبهم ، فصار كل فريق منهم إلى ما صحَّ عنده منها ، وعمل به ، ومن بلغه جميعها فلا بد له من البحث عنها حتى يتبيَّن له الأرجح منها .
1672 - [1764] وعنه : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ . و( قوله في الرواية الأخرى : أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها ) ، وفي رواية : ( على أوضاح ، فألقاها في القليب ) . و( الأوضاح ) : جمع : وضح ، وهو الْحُلِي من الدراهم ؛ قاله أبو عبيد . و( القليب ) : البئر غير المطوية . و( رضخ رأسها ) : شدخه . و( قوله : فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجم حتى يموت ، فرجم حتى مات ) هذا مخالف لمساق الرِّواية الأولى ، فلذلك قيل في هذا : إنَّها قضية أخرى غير تلك . والأولى : أن القضية واحدة ، غير أن الرَّاوي عبَّر عن رض رأس اليهودي بالحجارة بالرَّجم . ولا بُعد في ذلك ؛ فإنَّه من تسمية الشيء بما يشبهه .
( 8 ) باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه 1680 - ( 22 و 23 ) [1771] عن عَلْقَمَةَ بْن وَائِلٍ عن أبيه قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَتَلْتَهُ؟ ( فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ). قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتَهُ، قَالَ: فكَيْفَ قَتَلْتَهُ؟. قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي ، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟. قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي، قَالَ: فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟. قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِسْعَتِهِ وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ. فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ. فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ. وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟. قَالَ: بلى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ. قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ . وفي رواية : فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها ، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القاتل والمقتول في النار فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلى عنه ، قال ابن أشوع : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سأله أن يعفو عنه فأبى . ( 8 ) ومن باب : الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه قوله : ( جاء رجل يقود آخر بنِسعَةٍ ) النِّسعة : ما ضفر من الأدم كالحبال . وجمعها : أنساع . فإذا فُتل ولم يُضْفر ؛ فهو الجديل . والجدْل : الفَتْل . وفيه من الفقه : العنف على الجاني ، وتثقيفه ، وأخذ الناس له حتى يحضروه إلى الإمام ، ولو لم يجعل ذلك للناس لفرَّ الجناة ، وفاتوا ، ولتعذر نصر المظلوم ، وتغيير المنكر . و( قوله : هذا قتل أخي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أقتلته ) فيه من الفقه سماع دعوى المدَّعي في الدَّم قبل إثبات الموت والولاية . ثم لا يثبت الحكم حتى يثبت كل ذلك . فإن قيل : فقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات ولاية المدَّعي . فالجواب : إن ذلك كان معلومًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعند غيره ، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك . وفيه : استقرار المدَّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره ، فتسقط وظيفة إقامة البينة عن المدَّعي . كما جرى في هذا الحديث . و( قوله : لو لم يعترف أقمت عليه البينة ) بيان : أن الأصل في ثبوت الدِّماء الإقرار ، أو البيِّنة . وأمَّا القسامة : فعلى خلاف الأصل ، كما تقدم ؛ وفيه : استقرار المحبوس ، والمتهدَّد ، وأخذه بإقراره . وقد اختلف في ذلك العلماء ، واضطرب المذهب عندنا في إقراره بعد الحبس والتهديد . هل يُقبل جملة ، أو لا يقبل جملة ؟ والفرق ( فيقبل إذا عيَّن ما اعترف به من قتل ، أو سرقة ، ولا يُقبل إذا لم يعين ) ثلاثة أقوال . و( قوله : كيف قتلته ؟ ) سؤال استكشاف عن حال القتل ، لإمكان أن يكون خطأ ، أو عمدًا . ففيه من الفقه : وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام ، ولا يكتفى بالإطلاق . وهذا كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ماعز حين اعترف على نفسه بالزنى على ما يأتي . و( قوله : كنت أنا وهو نختبط من شجرة ، فسبَّني ، فأغضبني ، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته ) . نختبط ( نفتعل ) من الخبط ، وهو ضرب بالعصا ليقع يابسُ ورقها ، فتأكله الماشية . وقرن الرأس : جانبه الأعلى . قال الشاعر : وضَرَبْتُ قَرْنِي كَبْشِها فَتَجَدَّلا و( قوله : هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك ) يدلّ : على أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ألزمَه حكم إقراره ، وأن قتله كان عمدًا ؛ إذ لو كان خطأ لما طالبه بالدِّية ، ولطولب بها العاقلة ، ويدلُّ على هذا أيضًا قوله : ( أترى قومك يشترونك ؟ ) لأنه لما استحق أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له ، فلو دفع أولياء القاتل عنه عوضًا فقبله أولياء المقتول لكان ذلك كالبيع . وهذا كله إنما عرضه النبي - صلى الله عليه وسلم - على القاتل بناء منه : على أنه إذا تيسَّر له ما يؤدي إلى أولياء المقتول سألهم في العفو عنه . ففيه من الفقه : السعي في الإصلاح بين الناس ، وجواز الاستشفاع ، وإن رفعت حقوقهم للإمام ؛ بخلاف حقوق الله تعالى ، فإنَّه لا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام . و( قوله : ما لي مال إلا كسائي وفأسي ) فيه من الفقه : أنَّ المال يُقال على كل ما يتموَّل من العروض وغيرها . وأن ذلك ليس مخصوصًا بالإبل ، ولا بالعين . وقد تقدَّم ذلك . و( قوله : فرمى إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنِسْعَته وقال : دونك صاحبك ) أي : خذه فاصنع به ما شئت . هذا : إنَّما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا تحقق السبب ، وتعذَّر عليه الإصلاح ، وبعد أن عرض على الولي العفو فأبى ، كما قاله ابن أشوع ، وبعد أن علم : أنه لا مستحِقَّ للدَّم إلا ذلك الطالب خاصة . ولو كان هناك مستحقٌّ آخر لتعيَّن استعلام ما عنده من القصاص أو العفو . وفيه ما يدلُّ : على أن القاتل إذا تحقق عليه السبب ، وارتفعت الموانع لا يقتلُه الإمام ، بل يدفعه للولي يفعل به ما يشاء من قتل ، أو عفو ، أو حبس ، إلى أن يرى رأيه فيه . ولا يسترقَّه بوجه ؛ لأنَّ الحرَّ لا يملك . ولا خلاف فيه فيما أعلمه . و( قوله : فانطلق به ، فلمَّا ولى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن قتله فهو مثله ) ظاهره : إن قتله كان عليه من الإثم مثل ما على القاتل الأول . وقد صرَّح بهذا في الرواية الأخرى التي قال فيها : ( القاتل والمقتول في النَّار ) ، وهذا فيه إشكال عظيم . فإن القاتل الأوَّل قَتَل عمدًا . والثاني يَقْتُلُ قِصَاصًا ، ولذلك : لما سمع الولي ذلك قال : ( يا رسول الله ! قلت ذلك ؟ ! وقد أخذته بأمرك ) . فاختلف العلماء في تأويل هذا على أقوال : الأول : قال الإمام أبو عبد الله المازري : أمثلُ ما قيل فيه : أنَّهما استويا بانتفاء التِّباعةِ عن القاتل بالقِصاص . قلت : وهذا كلامٌ غير واضح . ويعني به - والله أعلم - : أن القاتل إذا قَتَل قِصَاصًا لم يبق عليه تبعة من القتل . والمقتصّ : لا تبعة عليه ؛ لأنَّه استوفى حقه ، فاستوى الجاني والولي المقتصُّ في أن كل واحد منهما لا تبعة عليه . الثاني : قال القاضي عياض : معنى قوله : ( فهو مثله ) أي : قاتل مثله ، وإن اختلفا في الجواز والمنع ، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب ، وشِفَاء النفس ، لا سيما مع رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العفو ، على ما جاء في الحديث . قلت : والعجيبُ من هذين الإمامين : كيف قنعا بهذين الخيالين ولم يتأمَّلا مساق الحديث ، وكأنهما لم يسمعا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين انطلق به يجرُّه ليقتله : ( القاتل والمقتول في النار ) . وهذه الرواية مفسِّرة لقوله في الرواية المتقدمة : ( إن قَتَلَه فهو مِثْلُه ) [لأنها ذُكِرت بدلًا منها ، فعلى مقتضى قوله : ( فهو مثله ) أي : هو في النار مثله] ، ومن هنا عظم الإشكال . ولا يلتفت لقول من قال : إن ذلك إنما قاله - صلى الله عليه وسلم - للولي لِمَا عَلِمَه منه من معصية يستحق بها دخول النار ؛ لأنَّ المعصية المقدرة ، إما أن يكون لها مدخل في هذه القصَّة ، أو لا مدخل لها فيها . فإن كان الأول فينبغي لنا أن نبحث عنها حتى نتبيَّنها ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد . وإن لم يكن لها مدخل في تلك القضية لم يلق بحكمة النبي - صلى الله عليه وسلم ولا ببلاغته ، ولا ببيانه ، أن يذكر وعيدًا شديدًا في قضية ذات أحوال وأوصاف متعددة ، ويقرن ذلك الوعيد بتلك القصَّة ، وهو يريد : أن ذلك الوعيد إنَّما هو لأجل شيء لم يذكره هو ، ولا جرى له ذكر من غيره . ثمَّ إن المقول له ذلك قد فهم : أن ذلك إنما كان لأمر جرى في تلك القصة ، ولذلك قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : تقول ذلك ، وقد أخذته بأمرك ؟ ! ولو كان كما قاله هذا القائل ؛ لقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنَّما قلت ذلك للمعصية التي فعلت ، أو : الحالة التي أنت عليها ، لا لهذا ، ولما كان يسكت عن ذلك ، ولبادر لبيانه في تلك الحال ؛ لأنَّ الحاجة له داعية ، والنصيحة والبيان واجبان عليه - صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم . الثالث : أن أبا داود روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة وقال فيه : قتل رجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدفعه إلى ولي المقتول . فقال القاتلُ : يا رسول الله ! والله ما أردت قتله ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للولي : ( أما إنَّه إن كان صادقًا ثمَّ قتلته دخلت النار ) فحاصله : أن هذا المعترف بالقتل زعم أنه لم يرد قتله ، وحلف عليه ، فكان القتل خطأ ، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلف عليه ، وأن القاتل يعلم ذلك ؛ لكن سلمه له بحكم إقراره بالعمد ، ولا شاهد يشهد له بالخطأ . ومع ذلك فتوقَّع صدقَهُ ، فقال : إن قتلته دخلت النَّار . فكأنه قال : إن كان صادقًا وعلمت أنت صدقه ، ثمَّ قتلته فأنت في النار . وهذا - على ما فيه من التكلُّف - يبطله قوله : ( القاتل والمقتول في النار ) ، فسوَّى بينهما في الوعيد . فلو كان القاتلُ مُخطِئًا لما استحق بذلك النَّار ، ولَمَا باء بإثْمِه وإثم صاحبه ؛ فإن المخطئ لا يكون آثِمًا ، ولا يتحمَّل إثمَ من أخطأ عليه . الرابع : أن أبا داود روى هذا الحديث عن وائل بن حجر ، وذكر فيه ما يدلّ : على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد تخليصه فعرض الدِّية ، أو العفو على الولي ثلاث مرَّات ، والولي في كل ذلك يأبى إلا القتل معرضًا عن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل ، فكأن الولي صدر منه جفاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث ردَّ متأكد شفاعته ، وخالفه في مقصوده . ويظهر هذا من مساق الحديث . وذلك : أن وائل بن حجر قال : كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جيء برجل قاتل في عنقه نسعة . قال : فدعا ولي المقتول ، فقال : ( أتعفو ؟ ) ، قال : لا . فقال : ( أتأخذ الدِّية ؟ ) قال : لا . قال : ( أتقتل ؟ ) قال : نعم . قال : ( اذهب به ) ، فلمَّا ولى ، قال : ( أتعفو ؟ ) قال : لا . قال : ( أفتأخذ الدِّية ؟ ) قال : لا . قال : ( أفتقتل ؟ ) قال : نعم . قال : ( اذهب به ) ، فلمَّا كان في الرابعة قال : ( أما إنَّك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه ) ، قال : فعفا عنه . فهذا المساق يفهم منه : صحَّة قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - لتخليص ذلك القاتل ، وتأكد شفاعته له في العفو ، أو قبول الدِّية . فلمَّا لم يلتفت الولي إلى ذلك كله صدرت منه - صلى الله عليه وسلم - تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لَجَاجه ، ومضيه على جفائه . فلما سمع الولي ذلك القول عفا وأحسن ، فقُبِلَ ، وأُكرِمَ . وهذا أقرب من تلك التأويلات والله أعلم بالمشكلات . وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع حيث قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله أن يعفو فأبى . تنبيه : إنَّما عظم الإشكال من جهة قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( القاتل والمقتول في النار ) ، ولما كان ذلك قال بعض العلماء : إن هذا اللفظ يعني : قوله : ( القاتل والمقتول في النار ) إنما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) . فوهم بعض الرواة ، فضمه إلى هذا الحديث الآخر . قلت : وهذا فيه بُعد . والله تعالى أعلم . و( قوله : أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ ) أي : ينقلب ، ويرجع . وأكثر ما يُستعمل : ( باء بكذا ) في الشر . ومنه قوله تعالى : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ويعني بذلك - والله تعالى أعلم - : أن المقتول ظلمًا تُغفر له ذنوبه عند قتل القاتل له . والولي يغفر له عند عفوه عن القاتل . فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل ، فلذلك قيل عنه : إنَّه باء بذنوب كل واحد منهما . هذا أحسن ما قيل فيه . والله تعالى أعلم . و( قوله : ألك شيء تؤدِّيه عن نفسك ) يفيد : أنَّه لو حضرت الدِّية لدفعت للولي ، ولسقط القصاص لكن برضى الولي ، ولا يُجبر على أخذها ؛ لأنَّ الذي للولي القصاص أو التخيير . وهو حقه ، ولا يختلف في هذا . وإنَّما اختلف في إجبار القاتل على إعطاء الدية إذا رضي بها الولي . فذهب جماعة : إلى إجباره عليها ؛ منهم : الشافعي وغيره على ما تقدَّم في كتاب الحجِّ . وقالت طائفة أخرى : لا يجبر عليها ، ولا يكون ذلك إلا برضا القاتل والولي ، وإليه ذهب الكوفيون . وهو مشهور مذهب مالك . وسبب هذا الخلاف معارضة السُّنة للقرآن . وذلك : أن ظاهر القرآن وجوب القصاص . وهو قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى وقوله : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقد ثبت : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين ، بين أن يأخذوا العقل ، وبين أن يقتلوا ) ، وهذا نصَّ في التخيير . وبيان الأرجح يستدعي تطويلًا . وبسطه في كتب الخلاف .
( 4 ) باب من عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنية العاض 1674 - [1765] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ - أَوْ ابْنُ أُمَيَّةَ - رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ وفي رواية : ثَنِيَّتَيْهِ - فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ ؟ لَا دِيَةَ لَهُ . وفي رواية : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تأمرني ؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل ؟ ادفع يدك حتى يقضمها ، ثم انتزعها . ( 4 ) ومن باب : من عَضَّ يد رَجُلٍ ( قوله : قاتل يعلى بن أمية - أو : ابن مُنْيَة - رجلًا ) كذا صواب هذا اللفظ . وصحيح مُنْيَة : بميم مضمومة ، ونون ساكنة ، وياء باثنتين من تحتها . وهي امرأة ، وبها كان يُعرف . واختلف فيها ؛ هل كانت أمُّه ، أو جدَّته ؟ قال أبو الحسن الدارقطني : مُنْيَة بنت الحارث هي جدة يعلى ، وبها كان يعرف . قاله الزبير بن بكَّار . وقال أهل الحديث : يقولون : هي أمَّه ، وأنها مُنْيَة بنت غزوان . وقال الطبري : يعلى بن أمية ، أمُّه : مُنْيَة بنت جابر . ومن قال : ( مُنَبِّه ) بنون مفتوحة ، وباء مكسورة بواحدة تحتها فقد صحَّف ؛ قاله القاضي عياض . قلت : ويُعرف أيضًا بأبيه ، وقد صحَّت نسبته إليهما في كتب الحديث . فمرة نُسب إلى أبيه ، وهو : أميَّة ، ومرة نسب إلى هذه المرأة . وهذه الرِّواية يظهر منها : أن يعلى هو الذي قاتل الرَّجل . وفي الرواية الأخرى : أن أجيرًا ليعلى بن أميَّة عضَّ يد رجل . وهذا هو الأولى ، والأليق ؛ إذ لا يليق هذا الفعل بيعلى بن أميَّة مع جلالته وفضله . و( قوله : أن يدع يده في فيك يقضمها كما يقضم الفحل ؟ ) أي : يعضها كما يعض الفحل ، كما جاء مبينًا في الرواية الأخرى . يقال : قضمت الدَّابة شعيرها - بكسر الضاد - تقضمه - بفتحها - على اللغة الفصيحة : إذا أكلته بأطراف أسنانها . وخضمته - بالخاء المنقوطة بواحدة من فوقها - : إذا أكلته بفيها كلِّه . ويقال : الخضم : أكل الرُّطب واللَّيِّن . والقضم : أكل اليابس . ومنه قول الحسن : تخضمون ونقضم ، والموعد : الحساب . و( قوله : ادفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها ) هو أمرٌ على جهة الإنكار ، كما قال قبل هذا : ( بم تأمرني ؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها ؟ ! ) فمعناه : أنك لا تدع يدك في فمه يقضمها ، ولا يمكن أن يؤمر بذلك . و( قوله : لا دية له ، وفي الأخرى : فأبطله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) نصٌّ صريحٌ في إسقاط القصاص والدِّية في ذلك . ولم يقل أحدٌ بالقصاص فيما علمت ، وإنما الخلاف في الضمان . فأسقطه أبو حنيفة وبعض أصحابنا ، وضمنه الشافعي . وهو مشهور مذهب مالك . ونزَّل بعض أصحابنا القول بالضَّمان على ما إذا أمكنه نزع يده برفق ، فانتزعها بعنف . وحمل بعض أصحابنا الحديث على أنه كان متحرك الثنايا . وهذا يحتاج إلى خُطُم ، وأزمَّة ، ولا ينبغي أن يُعْدل عن صريح الحديث . وقد روي عن مالك والشافعي في الجمل الصائل إذا دفعه الرَّجل عن نفسه ، فأدَّى إلى تلف الصائل ، لم يكن فيه ضمان ؛ لأنَّه مأمور بالدَّفع عن نفسه . ومن فعل ما أمر به لم يلزمه ضمان . قلت : وعلى هذا : فيخرج من هذه المسألة قول بإسقاط الضمان في مسألة العضّ المتقدمة عن مالك ، والشافعي ؛ لأنَّه مأمور بنزع يده من فيه ، وأبو حنيفة يلزم الضمان في مسألة الصائل ، لكنه يجيب عن هذا المعنى بأنه وإن سلَّم أنه مأمور بالدَّفع عن نفسه ، فلم يؤذن له في إتلاف مال فيضمن . قلت : ويخرج من هذا قول عن أبي حنيفة في إثبات الضمان في مسألة العضّ . ويقرب من هذا مسألة من اطَّلع من باب بيتٍ ففقئت عينه لذلك ، فاختلف أصحابنا في ذلك . فأكثر منهم على الضمان . وبه قال أبو حنيفة ، وبعضهم قال بنفيه . وبه قال الشافعي . قلت : وهو الظاهر من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو أن امرأً اطَّلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاةٍ ، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ) ، وأيضًا : فقد رام النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطعن بالمدراة في عين من أراد أن يطَّلع من حُجْرٍ في باب بيته . وقال : ( لو أعلم أنك تطَّلع لطعنت به في عينك ) ، وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذي يريد أن يفعل ما لا يجوز ، أو ما يؤدي إلى ديةٍ . وأيضًا : فقد جاء عنه أنه قال : ( من اطَّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه ) . وأمَّا من زعم : أنه يضمن ، فمن حُجَّته : أنَّه لو نظر إنسان إلى عورة آخر لما أباح ذلك منه فقء عينه ، ولما سقط عنه الضمان بالاتفاق . [فهذا أول بنفي الضمان] . وحملوا قوله : ( لا جناح عليك ) أي : لا إثم . ومنهم من قال : يحمل الحديث على أنَّه رماه بحصاةٍ . ولم يرد فقء عينه ، فانتفى عنه الإثم لذلك . قلت : وهذا تحريف وتبديل ، لا تأويل ، ولا قياس مع النصوص .
1705- [1792] وعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثة عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ . و( قوله : فإن أمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - زنت ) كذا جاء في كتاب مسلم . وفي كتاب أبي داود : ( فجرت جارية لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . وظاهره : أن هذه الجارية كانت لبعض عشيرته . وهذه الرواية أحسن من رواية مسلم وأليق بحال من ينتسب لحضرة بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وملكه ، استصحابًا لما شهد الله تعالى به من الطهارة لذلك الجناب الكريم ، كما قال تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وكيف يليق بمن كان في مثل هذا البيت الكريم ، وبمن صحَّ له ذلك الملك الشريف أن تقع منه فاحشة الزنى . هذا والله من البعد على الغاية القصوى ، فإن العبد من طينة سيِّده . ألا ترى أنَّه لما كثر المنافقون على مارية في ابن عمها ؛ الذي كان يزورها ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ليقتله ، فدخل عليه ، فلما رآه كشف عن فرجه فإذا هو أَجَبُّ ، فقرأ علي - رضي الله عنه - : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا هذا كله مع احتمال أن يراد بآل محمد نفسه ، كما قدمناه في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى ) ، وفي قوله : ( لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود ) . وتكون هذه الأمة من الإماء الْمُتخذات للخدمة والتصرف ، ولعلَّها قريبة عهد بالجاهلية . لكن الأوَّل أليق وأسلم . والله تعالى أعلم . و( قوله : فأمرني أن أجلدها ) هذا إنَّما كان لما ظهر من زناها بالْحَبَل ، كما دلَّ عليه قوله : ( فإذا هي حديثة عهد بنفاس ) . و( قوله : فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها ) . هذا فيه أصل من أصول الفقه . وهو ترك العمل بالظاهر لِمَا هو أولى منه ، وتسويغ الاجتهاد . ألا ترى أن عليًّا - رضي الله عنه - قد ترك ظاهر الأمر بالجلد مخافة أمر آخر ؛ هو أولى بالمراعاة ، فحسَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - له وصوَّبه . ولو كان الأمر على ما ارتكبه أهل الظاهر من الأصول الفاسدة لجلدها وإن هلكت . وفيه من الفقه ما يدلُّ على أن من كان حدُّه دون القتل لم يقم عليه الحدّ في مرضه حتى يفيق ، لا مُفَرَّقًا ، ولا مجموعًا ، ولا مخففًا ، ولا مثقلًا . وهو مذهب الجمهور تمسُّكًا بهذا الحديث ، وهو أولى مما خرَّجه أبو داود من حديث سهل بن حنيف : أن رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكى حتى أَضْنَى ، فعاد جِلْدَةً على عَظْمٍ ، فوقع على جارية لغيره ، ثمَّ ندم ، فاستُفْتِي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة ؛ لأنَّ إسناده مختلف فيه . ولحديث سهل هذا ؛ قال الشافعي : يضرب المريض بِعثْكُولِ نخل تصل شماريخه كلها إليه ، أو بما يقوم مقامه . وهذا في مريض ليس عليه حدُّ القتل . فلو كان عليه جلدٌ وقتلٌ ؛ يجلد الحدّ ثم يقتل بعد ذلك . وحديث علي هذا : قد أخرجه النسائي ، والترمذي ، وزاد فيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( دعها حتى ينقطع دمها ثم أقم عليها الحدّ ، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ) ، وهذا لفظ أبي داود . وهو نصٌّ على صحة مذهب الجمهور ، وهو أصحُّ من حديث سهل وأعلى ، فالعمل به أوجب وأولى ، والحدُّ الذي أمر علي بإقامته هو نصف حدّ الحرَّة الذي قال الله تعالى فيه : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وهو خمسون جلدة ، وهو قول الجمهور . ولا رجم على أمة وإن كانت متزوجة بالإجماع . فروع : قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم : أن الجلد بالسَّوط ؛ والسَّوط الذي يجلد به سوط بين سوطين ، ولا تُجَرَّد المرأة ، وتُسْتَر ، ويُنزع عنها ما يقيها . وهو مذهب مالك وغيره ، بل لا خلاف فيه فيما أعلم . وأمَّا الرَّجل : فاختلف في تجريده . فقيل : لا يجرد . وبه قال طاوس ، والشعبي ، وقتادة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وروي ذلك عن ابن مسعود ، وأبي عبيدة بن الجرَّاح . وقالت طائفة أخرى : يجرَّد وتستر عورته . وبه قال عمر بن عبد العزيز ، ومالك . وقال الأوزاعي : ذلك إلى الإمام ، إن شاء جرَّد ، وإن شاء لم يجرد . واتفقوا على أن المجلود وعليه قميصه مجلود . وتُضرب المرأة قاعدة عند الجمهور . واختلف في الرِّجال . فالجمهور على أنهم يجلدون قيامًا . قاله الشافعي ، وغيره . وقال مالك : قعودًا . واتفقوا : على أن الجلد كيفما وقع أجزأ . ولا يُمدُّ المجلود ، ولا يُربط . وتُترك له يداه عند الجمهور . قال ابن مسعود : لا يحل في هذه الأُمَّة تجريدٌ ، ولا مَدٌّ . والضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلِمًا ؛ لا يجرح ، ولا يبضع ، ولا يُخرج الضارب يده من تحت إبطه . وبه قال الجمهور ، وعلي ، وابن مسعود . وأتي عمر برجلٍ في حدٍّ ، فأُتي بسوط بين سوطين ، وقال للضارب : اضرب ، ولا يُرى إبطك ، وأعط كل عضو حقَّه . واتفقوا : على أنه لا يضرب في الوجه ؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، ولا يُضرب في الفرج عند العلماء . والجمهور على اتِّقاء الرأس . وقال أبو يوسف : يُضرب في الرأس . وقد روي : أن عمر ضرب صَبِيغًا في رأسه ، وكان تَعْزِيرًا ، لا حدًّا . قلت : وإنَّما منع من الضرب في الفرج مخافة الموت . فيجب أن تُتَّقَى المقاتل كلُّها ، كالدماغ ، والقلب ، وما أشبه ذلك . وهذا لا يُخْتَلف فيه إن شاء الله تعالى .
1704 - ( 33 ) [1791] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ. وَالضَّفِيرُ : الْحَبْلُ و( قوله : ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير ) ، الضفير : الحبل المضفور ، فعيل بمعنى : مفعول . وفي الرِّواية الأخرى : ( ولو بحبل من شعر ) [فوصف الحبل بكونه من شعر] ؛ لأنَّه أكثر حبالهم . وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية ، فكأنَّه قال : لا تمسكها ، بعها بما تيسَّر . ففيه دليل على إبعاد أهل المعاصي واحتقارهم . فروع : إذا باعها عرَّف بزناها ، فإنَّه عيبٌ ، فلا يحلُّ أن يكتم . فإن قيل : إذا كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية ، ووجب على بائعها التعريف بزناها ، فلا ينبغي لأحد أن يشتريها ، لأنها مِمَّا قد أُمِرنا بإبعادها . فالجواب : إنَّها مالٌ ، ولا يُضاع ؛ للنهي عن إضاعة المال ، ولا تُسيَّب ، ولا تحبس دائمًا ؛ إذ كل ذلك إضاعة مال ، ولو سُيِّبت لكان ذلك إغراءً لها بالزنى وتمكينًا منه ، فلم يبق إلا بيعها . ولعل السيِّد الثاني يُعِفُّها بالوطء ، أو يبالغ في التحرز بها ، فيمنعها من ذلك . وعلى الجملة فعند تَبَدُّل الأملاك تختلف عليها الأحوال . وجمهور العلماء حملوا الأمر ببيع الأمة الزانية على النَّدب ، والإرشاد للأصلح ، ما خلا داود وأهل الظاهر فإنهم حملوه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر ، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمُّسكًا بالأصل الشرعي ، وهو : أنَّه لا يجبر أحدٌ على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشفعة . فلو وجب ذلك عليه لجبر عليه ، ولم يجبر عليه فلا يجب . وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث جواز البيع بالغَبْن ، قال : لأنه بيع خطير بثمن يسير . وهذا ليس بصحيح ؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنَّما هو مع الجهالة من المغبون . وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وبقدر ما قبض فلا يختلف فيه ؛ لأنَّه عن علم منه ورضًا ، فهو إسقاط لبعض الثَّمن ، وإرفاق بالمشتري ، لاسيَّما وقد بيَّنَّا : أن الحديث خرج على جهة التزهيد ، وترك الغبطة . و( قوله : سُئِل عن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن ) هذه الزيادة التي هي قوله : ( ولم تحصن ) هي رواية مالك عن ابن شهاب . قال الطحاوي : لم يقله غير مالك . قال غيره : ليس ذلك بصحيح ، بل قد رواه سفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد ، عن ابن شهاب ، كما قاله مالك . واختلف في تأويل قوله : ( ولم تحصن ) . فقيل : لم تعتق ، وتكون فائدته : أنها لو زنت وهي مملوكة فلم يحدَّها سيِّدها حتى عتقت لم يكن له سبيل إلى جلدها . والإمام هو الذي يقيم ذلك عليها إذا ثبت عنده . وقيل : ما لم تتزوَّج . وفائدة ذلك : أنَّها إذا تزوَّجت لم يكن للسِّيد أن يجلدها لحق الزوج ؛ إذ قد يضره ذلك . وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكًا للسيِّد ، فلو كان جاز للسيِّد ذلك ؛ لأنَّ حقَّهُما حقُّه . وقيل : لم تسلم . وفائدته : أن الكافرة لا تُحدُّ ، وإنما تُعزر وتُعاقب . وعلى هذا فيكون الجلد المأمور به في هذا الحديث على جهة التعزير ، لا الحدّ . وهذا كله إنَّما هو تَنَزُّل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّق الجلد المأمور به في الجواب على نفي الإحصان المأخوذ قيدًا في السؤال ، وعلى القول بدليل الخطاب . وحينئذ يكون هذا الحديث على نقيض قوله تعالى : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ فإن شرط الجلد نفي الإحصان ، وشرط الحدِّ في الآية ثبوت الإحصان ، فلا بدَّ أن يكون أحد الإحصانين غير الآخر . ولو قدَّرناه واحدًا فيهما للزم أن يكون الجلد المترتب على نفي الإحصان في الحديث غير الحد المترتب على الإحصان المثبت في الآية . وقد اختلف في إحصان الآية ، كما اختلف في الإحصان المنفي في الحديث . فقال قوم : هو الإسلام . قاله ابن مسعود ، والشعبي ، والزهري ، وغيرهم . وعلى هذا : فلا تُحدُّ كافرةٌ . وقال آخرون : إنَّه التزويج . قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير . وعلى هذا فتُحدُّ المتزوجة وإن كانت كافرة ، كما قاله الشافعي . وقال آخرون : إنَّه الحرية . وروي ذلك عن عمر ، وابن عباس ، وعلي . وعلى هذا : فلا تُحدُّ أمةٌ بوجه وإن كانت مسلمة ، لكنها يجلدها سيِّدها تعزيرًا . وكل هذا الخلاف أوجبه اشتراك لفظ الإحصان ، فإنَّه قد جاء في كتاب الله تعالى بمعنى : الإسلام ، والحرية ، والتزويج ، والعفاف . والعفاف غير مراد في هذا الحديث ، ولا في هذه الآية بالاتفاق ، فبقي لفظ الإحصان محتملًا لأن يراد به واحد من تلك المعاني الثلاثة ، فترتب عليه الخلاف المذكور . والذي يرفع الإشكال عن الحديث إن شاء الله تعالى : أن نفي الإحصان إنما هو من قول السَّائل ، ولم يصرَّح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخذه قيدًا في الجلد . فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه ، وأفتى بالجلد مطلقًا . ويشهد لهذا التأويل : أن الأحاديث الواردة في جلد الأمة إذا زنت ، ليس فيها ذكر لذلك القيد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ الحديث ) ولو سلمنا : أن ذلك القيد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنزلنا على القول بدليل الخطاب ، فأولى الأقوال به أن يحمل على التزويج ، ويستفاد منه صحة مذهب مالك على ما قدَّمناه دفعا للاشتراك ، وتنزيلًا للحديث على فائدة مستجدَّة . والذي يحسم مادة الإشكال عن الحديث والآية حديث علي بعد هذا ، وهو قوله في حال خطبته : يا أيها النَّاس أقيموا على أرقائكم الحدّ ، من أحصن منهم ومن لم يحصن . وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على علي - رضي الله عنه - في كتاب مسلم ، فقد رواه النسائي ، وقال فيه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ؛ من أحصن منهم ، ومن لم يحصن ) وهذا ينصّ على أمر السَّادة بإقامة الحد الذي ذكره الله تعالى ، وليس بتعزير ، فإنَّه قد سمَّاه حدًّا ، وصرَّح بإلغاء اعتبار الإحصان مطلقًا ؛ إذ سوَّى بين وجوده وعدمه ، فتُحدُّ الأَمَة الزانية على أي حال كانت . ويعتذر عن تخصيص الإحصان في الآية بالذكر : بأنه أغلب حال الإماء ، أو الأهم في مقاصد الناس ، لا سيما إذا حمل الإحصان على الإسلام . وهو أولى الأقوال على ما قد أوضحه القاضي أبو بكر بن العربي . والله تعالى أعلم .
( 9 ) باب إقامة السادة الحد على الأرقاء 1703 - ( 30 ) [1790] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ ( 9 ) ومن باب : إقامة السَّادة الحدَّ على الأرقَّاء ( قوله : إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها ) ، الأمة : هي المملوكة . وتجمع الأمة : إماءٌ وأَمَوانٌ . قال : أمَّا الإماء فلا يدعونني ولدًا إذا ترامى بنو الأُموانِ بالعار وتبيُّنُ زنى الأمة يكون بالإقرار وبالْحَبَل ، وبصحة الشهادة عند الإمام . وهل يكتفي السيِّد بعلم الزنى أو لا ؟ عندنا في ذلك روايتان . و( قوله : فليجلدها ) ، أمرٌ للسيِّد بجلد أمته الزانية وعبده . وبه قال الجمهور من الصحابة ، والتابعين ، والفقهاء ، خلا أهل الرأي أبا حنيفة وأصحابه ، فإنَّهم قالوا : لا يقيم الحدّ إلا السلطان . وهذه الأحاديث - النصوص الصحيحة - حجَّة عليهم . وفي معنى حدّ الزنى عند الجمهور سائر الحدود ، غير أنهم اختلفوا في حد السَّرِقة ، وقصاص الأعضاء . فمنع مالك وغيره إقامة السيِّد ذلك مخافة أن يمثل بعبده ، ويدعي أنَّه سرق وأقام الحدّ عليه ، فيسقط العتق الواجب بالْمُثْلَة . قلت : وعلى هذا : لو قامت بيِّنة توجب حدّ السَّرِقة أقامه . وقاله بعض أصحابنا إذا قامت على السَّرِقة البيِّنة . وقال الشافعي : يقطع السيِّد عبده إذا سرق . قلت : وعلى هذا : فله أن يَقْتل عبده إذا قتل ؛ لكن إذا قامت البيِّنة . وكل من قال بإقامة السيِّد الحدّ على أمته لم يفرِّق بين أن تكون الأمة ذات زوج ، أو غير ذات زوج ؛ خلا مالكًا فإنَّه قال : إن كانت غير ذات زوج ، أو كانت متزوجة بعبد السيِّد أقام عليها الحدّ ، فلو كانت متزوجة بأجنبي لم يقم سيِّدها عليها الحدّ لحق الزوج ؛ إذ قد يُعِيبُها عليه ، وإنَّما يقيمه الإمام . والجلد المأمور به هنا : هو نصف حدِّ الحرِّ . الذي قال الله تعالى فيه : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ و( قوله : ولا يُثَرِّب عليها ) أي : لا يُوبِّخ ، ولا يُعيِّر ، ولا يُكْثِر من اللَّوم ، فإنَّ الإكثار من ذلك يزيل الحياء والحشمة ، ويُجرئ على ذلك الفعل . وأيضًا : فإن العبد غالب حاله : أنَّه لا ينفعه اللوم والتوبيخ ، ولا يؤثر ، فلا يظهر له أثر ، وإنما يظهر أثره في حق الحر . ألا ترى قول الشاعر : واللَّوم للحرِّ مُقيمٌ رادِعٌ والعبدُ لا يَرْدَعُهُ إلا العصا وأيضًا : فإن التوبيخ واللَّوم عقوبة زائدة على الحد الذي نصّ الله تعالى عليه ، فلا ينبغي أن يلتزم ذلك . ولا يدخل في ذلك الوعظ والتخويف بعقاب الله تعالى ، والتهديد إذا احتيج إلى ذلك ؛ إذ ليس بتثريب ، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - قد قالوا لشارب الخمر : أما اتَّقيت الله ، أما استحيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم
( 6 ) باب من روى أن ماعزا لم يحفر له ولا شد ولا استغفر له 1694 - [1785] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يُقَالَ لَهُ: مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ، فَقَالَوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا، إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئًا، يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ وَالْمَدَرِ ، وَالْخَزَفِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ - يَعْنِي : الْحِجَارَةَ - حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا مِنْ الْعَشِيِّ فَقَالَ: أَوَكُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، عَلَيَّ ألا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ. قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ . 1693 - [1786] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ. قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . و( قوله : فخرجنا به إلى بقيع الغرقد ) الغرقد : شجر من شجر البادية كانت في ذلك الموضع ، فنسب إليها ، فذهبت تلك الشجر ، واتخذ ذلك الموضع مقبرة ، وهو الذي عبَّر عنه في الرِّواية الأخرى بـ ( المصلى ) أي : مصلى الجنائز . و( قوله : له نبيب كنبيب التَّيس ) [وهو صوت التيس] عند السفاد . و( قوله : يمنح أحدهم الكثبة ) . ( يمنح ) : يعطي . و( الكثبة ) : القليل من اللَّبن ، والطعام . والجمع : كُثَُب . وقد كَثَبْتُهُ ، أكْثِبُهُ ؛ أي : جَمَعْتُه . و( قوله : علي ألا أُوتَى برجل فعل ذلك إلا نَكَّلْتُ به ) أي : فعلت به ما ينكِّله ؛ أي : ما يسوؤه ، ويكدره . وأصله من النَّكَل ، وهو : القيد . ومنه قوله تعالى : إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا ؛ أي : قيودًا . قاله الأخفش . وقال الكلبي : أغلالًا . ويعني به : الرَّجم لمن كان محصنًا ، أو الجلد لمن لم يحصن . و( قوله في صفة ماعز : أعضل ) أي : ذو عضلات . والعضلة : كل ما اشتمل من اللحم على عصب . وماعز هذا : هو ابن مالك الأسلمي . قيل : يكنى : أبا عبد الله ، لولدٍ كان له . [وفي الصَّحابة : ماعز التميمي غير منسوب لأبٍ . ويقال : هو المكنى بأبي عبد الله ] . وكان ماعز هذا تحت حِجر هزَّال بن رئاب ، أبي نُعَيْم الأسلمي ، فوقع على جارية هزَّال ، فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : ( هلا سترته بردائك ؟ ! ) و( قوله : فلمَّا أذلقته الحجارة ) أي : أصابته بحدِّها . وذلق كل شيء : حدَّه . ومنه : لسان ذَلِق . وفي حديث ابن عبَّاس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لماعز : ( أحقٌّ ما بلغني عنك ؟ ) قال : وما بلغك عني ؟ قال : ( بلغني أنَّك وقعت بجارية آل فلان ) ، قال : نعم . هذه الرِّواية مخالفة لما تقدَّم ؛ لأنَّها تضمنت : أن ماعزًا هو الذي بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسؤال ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مُعْرضٌ عنه ؟ حتى أقرَّ أربع مرات ، وهذا أحد المواضع الثلاثة المضطربة في حديث ماعز . والثاني : في الحفر له ، ففي بعضها : أنه حُفِر له ، وفي بعضها : أنَّه لم يُحْفَر له ، وفي بعضها : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى عليه بعدما رُجِمَ . وفي بعضها : لم يصلِّ عليه . وكذلك في الاستغفار له ، وكلُّها في الصحيح - والله تعالى أعلم - بالسقيم من الصحيح . وفي حديث ماعز والغامديَّة ما يدلُّ على : أن التوبة - وإن صحت - لا تسقط حدّ الزنى ، وهو متفق عليه . واختلف فيما عداه من الحدود ، فالجمهور : على أنَّها لا تسقط شيئًا من الحدود إلا حدّ الحرابة ؛ فإنَّه يسقط لقوله تعالى : إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فتسقط عنه الحدود ، ويؤخذ بحقوق الآدميين من الدِّماء والأموال . وروي عن علي : أن التوبة تسقط عنه كل شيء . وروي عن ابن عبَّاس وغيره : أن التوبة لا تُسقط عن المحارب حقًّا ولا حدًّا . وروي عن الشافعي : أن التوبة تُسقط حدّ الخمر .
1696 - [1784] وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى . فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا ، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائتِنِي بِهَا. فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ ؟ ! قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ . و( قوله : فشكت عليها ثيابها ) أي : جمع بعضها إلى بعض بشوك أو خُيُوط ، ومنه : الْمِشَكُّ ، وهي : الإبرة الكبيرة . وشككت الصيد بالرَّمح ؛ أي : نفذته به .
( 5 ) باب يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره وتشد عليه ثيابه 1695- ( 23 ) [1783] عن بَشِير بْن الْمُهَاجِرِ، عن عَبْد اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَقَالَوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، فَرُجِمَ. قَالَ: فَجَاءَتْ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: إِمَّا لَا، فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ . قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ . فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ ! فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ إِيَّاهَا . فَقَالَ: مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا ، وَدُفِنَتْ . و( قوله : وأمر الناس فرجموها ) ظاهره : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يرجمها معهم ، لا في أول الأمر ، ولا في آخره . فلا يلزم الإمام أن يبدأ بالرجم . وهو مذهب الجمهور . وقد ذهب أبو حنيفة : إلى أنَّه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام ، وبدأ قبل الناس بالرَّجم . وإن كان بالشهادة حضر الشهود ، وبدؤوا بالرَّجم قبل الناس . قلت : وأحاديث هذا الباب تردُّ ما قاله أبو حنيفة ، غير أنَّه وقع في كتاب أبي داود من حديث الغامدية : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حصاة مثل الحِمَّصَة فرماها به . وهي رواية شاذةٌ ، مخالفة للمشهور من حديث الغامدية . و( قوله : فَتَنَضَّخ الدَّم على وجه خالد ) أي : تطاير متفرقًا ، وهو بالخاء المعجمة . والعين النضاخة هي : الفوارة بالماء الغزير ؛ الذي يسيل ويتفرَّق . وقد روي بالحاء المهملة ، وهو الرشُّ الخفيف ، وهو أخف من النضخ - بالخاء المعجمة . و( قوله : مهلًا يا خالد ! ) أي : كفَّ عن سبِّها . ففيه دليل : على أن من أقيم عليه الحدَّ لا يُسَبُّ ، ولا يُؤْذَى بِقَذَعٍ كلامٍ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لغُفِر له ) . صاحب المكس : هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر . ولا شك في أنه من أعظم الذنوب ، وأكبرها ، وأفحشها ، فإنَّه غصب ، وظلمٌ ، وعَسفٌ على الناس ، وإشاعةٌ للمنكر ، وعملٌ به ، ودوامٌ عليه . ومع ذلك كلِّه : إن تاب من ذلك ، وردَّ المظالم إلى أربابها صحَّت توبته ، وقبلت ، لكنَّه بعيد أن يتخلص من ذلك ؛ لكثرة الحقوق وانتشارها في النَّاس ، وعدم تعيين المظلومين ، وهؤلاء كضمان ما لا يجوز ضمان أصله من الزكوات ، والمواريث ، والملاهي ، والمرتَّبين في الطرق ، إلى غير ذلك مِمَّا قد كثر في الوجود ، وعمل عليه في سائر البلاد .
( 7 ) باب لا تغريب على امرأة ويقتصر على رجم الزاني الثيب ولا يجلد قبل الرجم 1697- [1787] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُكَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - : نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا ؛ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ . ( 7 ) ومن باب : لا تغريب على امرأة ، ويقتصر على رجم الزاني الثيِّب ، ولا يجلد قبل الرَّجم قوله : ( يا رسول الله ! أنشدك إلا قضيت لي بكتاب الله ) هكذا وقع في صحيح الرواية : ( أنشدك ) من غير ذكر اسم الله . وهو المراد به ، لكنَّه حُذِف لفظًا للعلم به . وقد وقع في بعض النُّسخ : ( أنشدك الله ! ) ومعناه : أقسم عليك بالله . وكتاب الله هنا : يُراد به : حكم الله إن كانت هذه القضية وقعت بعد نسخ تلاوة آية الرَّجم كما تقدم . وإن كانت قبل ذلك : فكتاب الله محمول على حقيقته . و( قوله : فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه - : نعم ، فاقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي ) إنما فضل الراوي الثاني على الأول بالفقه ؛ لأنَّ الثاني ترفق ولم يستعجل ، ثمَّ تلطَّف بالاستئذان في القول ، بخلاف الأوَّل ، فإنَّه استعجل ، وأقسم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء كان يفعله بغير يمين ، ولم يستأذن ، وهذا كله من جفاء الأعراب ، فكان للثاني عليه مزيَّة في الفهم والفقه . ويحتمل : أن يكون ذلك ؛ لأنَّ الثاني وصف القضية بكمالها ، وأجاد سياقتها . و( قوله : إن ابني كان عَسِيفًا على هذا ، فزنى بامرأته ) العسيف : الأجير ، على ما قاله مالك . ولم يكن هذا من الأب قذفًا لابنه ، ولا للمرأة ؛ لاعترافهما بالزنى على أنفسهما . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه . فمنها : أن كل صلح خالف السُّنَّة فهو باطل ، ومردودٌ . وأن الحدود التي هي ممحَّضةٌ لحقِّ الله تعالى لا يصح الصُّلح فيها . واختلف في حدّ القذف ؛ هل يصحُّ الصلح فيه أم لا ؟ ولم يختلف في كراهته لأنَّه ثمنُ عِرْضٍ . ولا خلاف في أنَّه يجوز قبل رفعه . وأمَّا حقوق الأبدان من الجراح ، وحقوق الأموال : فلا خلاف في جوازه مع الإقرار . واختلف في الصلح على الإنكار . فأجازه مالك ، ومنعه الشافعي . وفيه : جواز استنابة الحاكم في بعض القضايا من يحكم فيها مع تمكُّنه من مباشرته . وفيه : أن الإقرار بالزنى لا يشترط فيه تكرار أربع مرَّات ، ولا أن المرجوم يجلد قبل الرَّجم . وقد تقدم الخلاف فيهما . وفيه : أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها الأحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها . فإن إحصان المرأة كان معلومًا عندهم ، فإنَّها كانت ذات زوج معروف الدخول عليها . وعلى هذا : يحمل حديث الغامدية ؛ إذ لو لم تكن محصنة ؛ لما جاز رجمها بالإجماع . وفيه : إقامةُ الحاكم الحدّ بمجرَّد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه . وهو أحد قولي الشافعي ، وأبي ثور . ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد الشهادة عليه . وانفصل عن ذلك بأنه ليس في الحديث ما ينصُّ على أنها لم يسمع إقرارها إلا أُنَيْس خاصَّة ، بل العادة قاضية بأن مثل هذه القضيَّة لا تكون في خلوةٍ ، ولا ينفرد بها الآحاد ، بل لا بدَّ من حضور جمع كثير تلك القضيَّة ، وشهرتها ، لا سيما قضية مثل هذه تُرفع إلى الإمام ، ويَبْعَث من يكشفها ويرجم فيها . ولا بدَّ من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحدّ كما قال تعالى ، مع صغر المدينة ، فمثل هذا لا يخفى ، ولا ينفرد به الواحد ولا الاثنان . وهذا كلُّه مبني : على أن أنيسًا كان حاكمًا ، ويحتمل أن يكون رسولًا لها ليستفصلها ، ويعضد هذا التأويل قوله في آخر الحديث : ( فاعترفت فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت ) فهذا يدلُّ على أن أنيسًا إنَّما سمع إقرارها ، وأن تنفيذ الحكم ؛ إنما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد سماع إقرارها من أُنَيس ، حين أبلغه إيَّاه ، وحينئذ يتوجَّه إشكال آخر . وهو : أن يقول : فكيف اكتفى بشاهد واحد ؟ ! وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنى . هل يكتفى فيه بشهادة شاهدين كسائر الإقرارات أم لا بدَّ من أربعة كالشهادة على رؤية الزنى ؟ على قولين لعلمائنا ، ولم يذهب أحدٌ من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد . فالجواب : أن هذا اللفظ ؛ الذي قال فيه : فاعترفت ، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت . هو من رواية الليث عن الزهري . وقد روى هذا الحديث عن الزُّهري مالك ، وقال فيه : فاعترفت ، فرجمها . ولم يذكر : ( فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت ) . وعند التعارض : فحديث مالك أولى لما يعلم من حال مالك ، وحفظه ، وضبطه ، وخصوصًا في حديث الزهري ، فإنَّه أعرف الناس به . وعلى رواية مالك فظاهرها : أن أُنيسًا كان حاكمًا ، فيزول الإشكال ، ولو سلَّمنا : أنَّه كان رسولًا ؛ فليس في الحديث ما ينصُّ على انفراد أُنيس بالشهادة عليها ، فيكون غيره شهد عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك . ويعتضد هذا بما ذكرنا : من أن القضيَّة انتشرت ، واشتهرت . فيَبعد أن ينفرد بها واحدٌ ، سلَّمناه ، لكنَّه خبر ، وليس بشهادة ، فلا يشترط فيه العدد . وحينئذ يستدلُّ به على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدِّماء وغيرها . والله تعالى أعلم . وفيه دليل على جواز الاستفتاء والفُتيا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع إمكان الوصول إليه . وجواز استفتاء المفضول مع وجود الأفضل . ولو كان ذلك غير جائز لأنكره النبي - صلى الله عليه وسلم . وفيه دليل : على جواز اليمين بالله تعالى ، وإن لم يُسْتَحْلَف . وعلى أنَّ ما يفهم منه اسم الله تعالى يمين جائزة وإن لم يكن من أسمائه تعالى ، فإنَّ قوله : ( والذي نفسي بيده ! ) ليس من أسماء الله تعالى ، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة ، فيلحق به كل ما كان في معناه ، كقوله : والذي خلق الخلق ، وبسط الرزق . وما أشبه ذلك . و( قوله : واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا ) معناه : امضِ ، وسِر . وليس معناه : سر إليها بُكْرةً ، كما هو موضوع الغداة . وكذلك قوله : ( فغدا عليها ) أي : مشى إليها ، وسار نحوها . وفيه ما يدلُّ على أن زنى المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها ، ولا يوجب تفرقة بينها وبين زوجها ؛ إذ لو كان ذلك لفرَّق بينهما قبل الرَّجم ولَفَسَخَ النِّكاحَ . ولم يُنْقَل شيءٌ من ذلك ، ولو كان لَنُقِل كما نُقِلَت القصة ، وكثيرٌ من تفاصيلها . وفيه دليلٌّ على صحة الإجَارَة .
( 8 ) باب إقامة حكم الرجم على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة 1699 - ( 26 و 27 ) [1788] عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ ، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ قَالَوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ: فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَجَاؤوا بِهَا فَقَرَؤوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ - وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا ، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنْ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ . وفي رواية : إن اليهود جاؤوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجل منهم وامرأة قد زنيا . وساقه بنحو ما تقدم . ( 8 ) ومن باب : إقامة الحدّ على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة ( قوله : إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتِي بيهودي ويهوديَّةٍ قد زنيا ) ، وفي الرواية الأخرى : ( إن اليهود جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل وامرأة قد زنيا ) ، وفي الثالثة : ( مرَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيهودي مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ ) هذه الروايات كلها متقاربة في المعنى ، ولا يعدُّ مثل هذا اضطرابًا ؛ لأن ذلك كلّه حكاية عن حال قضيَّة وقعت ، فعبَّر كلٌّ منهم بما تيسَّر له . والكلُّ صحيحٌ إذ هي متواردة : على أنَّه حضر بين يديه - صلى الله عليه وسلم - يهودي زنى بيهوديةٍ ، وهو في موضعه . وفي كتاب أبي داود : أنَّه كان في المسجد . غير أنَّه قد جاء في كتاب أبي داود أيضًا من حديث ابن عمر ما يظهر منه تناقضٌ ، وذلك أنَّه قال : ( أَتَى نفرٌ من يهود فدعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القُفِّ ، فأتاهم في بيت الْمِدْرَاس . فقالوا : يا أبا القاسم ! إن رجلًا مِنَّا زنى بامرأة فاحكم بينهم . وظاهر هذا : أنه مشى إليهم ، وأن ذلك لم يكن في مسجده ، بل في بيت دَرْسِهم . ويرتفع هذا التَّوهُم بحديث أبي هريرة الذي ذكره أبو داود أيضًا . واستوفى هذه القصَّة ، وساقها سياقة حسنة فقال : زنى رجل من اليهود وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنَّه نبي بُعِثَ بالتخفِيفَات ، فإن أفتى بالفتيا دون الرَّجم قبلناها ، واحتججنا بها عند الله . وقلنا : فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتَوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه . فقالوا : يا أبا القاسم ! ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا . فلم يُكلِّمْهُمُ النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب فقال : ( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ! ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ؟ ) قالوا : يُحَمَّم ، ويُجَبَّه ، ويُجْلَد - والتَّجْبيهُ : أن يحمل الزانيان على حمار ، وتقابل أقفيتهما ، ويطاف بهما - قال : وسكت شابٌّ منهم . فلمَّا رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت : أَلَظَّ به النُّشْدَةَ ، فقال : اللَّهم إِذْ نشدتنا ، فإنا نجد في التوراة الرَّجم . وساق الحديث إلى أن قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فإني أحكم بما في التوراة ) ، فأمر بهما فرجما . فقد بيَّن في هذا الحديث : أن اليهود جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسجده ، ثمَّ بعد ذلك مشى معهم إلى بيت المدراس بعد أن سألوه عن ذلك ، على ما رواه ابن عمر . وذكر في هذا الحديث أيضًا السبب الحامل لهم على سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وعليه يدلُّ مساق قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ إلى آخر الآيات وما بعدها . وذكر أبو داود أيضًا من حديث جابر ؛ فقال : جاءت اليهود برجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا ، فقال : ( ائتُوني بأعلم رجلين منكم ) ، فأتوا بابني صوريا ، فنشدهما : ( كيف تجدون في التوراة ؟ ) قالا : نجد في التوراة : إذا شهد أربعة : أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في الْمُكْحُلة ؛ رجما . وذكر الحديث . قال : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود ، فجاء أربعة فشهدوا : أنهم رأوا فرجه في فرجها مثل الْمِيل في المكحلة . فأمر برجمهما . قلت : فالحاصل من هذه الروايات : أن اليهود حَكَّمَت النبي - صلى الله عليه وسلم - فَحَكَم عليهم بمقتضى ما في التوراة ، واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا . وأنَّه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأنَّه ليس الإسلام شرطًا في الإحصان . وهذه مسائل يجب البحث عنها ، فلنشرع في ذلك مستعينين بالله . المسألة الأولى في التحكيم : فإذا ترافع أهل الذمَّة إلى الإمام ؛ فإن كان ما رفعوه ظلمًا ، كالقتل العدوان ، والغصب ؛ حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف . وأمَّا إن لم يكن كذلك ؛ فالإمام مخيَّر في الحكم بينهم ، وتركه عند مالك والشافعي ، غير أن مالكًا رأى الإعراض عنهم أولى ، فإن حكم حكم بحكم الإسلام ، غير أن الشافعي قال : لا يحكم بينهم في الحدود . وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال . وهو قول الزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، والْحَكَم ، وروي عن ابن عبَّاس ، وهو أحد قولي الشافعي . والأولى ما صار إليه مالك لقوله تعالى : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وهو نصٌّ في التخيير . ثم إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث حكم عليهم فعل أحد ما خيَّره الله تعالى فيه ، غير أنَّه يبقى على مالك أن يقال له : لِمَ قلتَ : إن الإعراض عنهم أولى مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بينهم ؟ ولا يُتخلص من ذلك بأن يقال : لأنهم يستهزئون بأحكام المسلمين ؛ لأنَّا نقول : إن أظهروا ذلك عاقبناهم ، وإن أخفوه ، فما يخفون من اعتقادهم تكذيب نبينا - صلى الله عليه وسلم - أكبر ، مع قطعنا بأنَّهم يعتقدون ذلك ، لكنا عاقدناهم على ذلك ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم منهم أنهم يهزؤون بديننا وأحكامنا ، ومع ذلك فحكم عليهم ، وأقرَّهم . ألا تسمع إلى قوله تعالى : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ؟ ! وأمَّا قول الشافعي : إنه لا يحكم بينهم في الحدود ؛ فمخالف لنصّ الحديث المذكور في الواقعة ، فلا يعول عليه . وقد تأوَّل الشافعي حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليهود بالرجم بأن ذلك منه كان إقامة لحكم كتابهم لَمَّا حرفوه ، وأخفوه ، وتركوا العمل به . ألا ترى أنَّه قال - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم ! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) . وأيضًا : فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بعد نزل عليه حكم الزاني ، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث : أن ذلك كان حين قدم المدينة ، وأيضًا : فلأنه - صلى الله عليه وسلم - قد استثبت ابني صُوريا عن حكم التوراة ، واستحلفهما على ذلك . وأقوال الكُفَّار في الحدود وفي شهاداتهم عليها غير مقبولة بالإجماع ، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به . وقد قال هذا كله بعض أصحابنا . وهذا البحث هو المسألة الثانية . والجواب عنه أن نقول : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - حكم بما علم أنَّه حقٌّ من التوراة ، وأنه حكم الله ، ولولا ذلك لما أقدم على قتل من ثبت أن له عهدًا . ثمَّ لا يلزم أن يكون طريق حصول العلم بذلك له قول ابني صوريا ، بل الوحي ، أو ما ألقى الله تعالى في روعه من تعيين صدقهما فيما قالاه من ذلك . ولا نسلِّم : أن حكم الرَّجم لم يكن مشروعًا له قبل ذلك ، فإنَّها دعوى تحتاج إلى إثباتها بالنقل . سلمنا ذلك ، لكنا نقول : من ذلك الوقت بيان مشروعية الرَّجم ومبدؤه ، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة ، وبيان أن ذلك حكم شريعته ، وأن التوراة يحكم بما صحَّ وثبت فيها أنَّه حكم الله . وعلى هذا يدلُّ قوله تعالى : إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وهو نبي من الأنبياء . وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ) على ما ذكره أبو داود . وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول . المسألة الثالثة في شهادة أهل الذمَّة : فالجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم ، ولا على كافر ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد شرط في الشهادة العدالة . والكافر ليس بعدل ؛ ولأن الفاسق المسلم مردود الشهادة بالنص ، فالكافر أولى ؛ ولأن العبد المسلم مسلوب أهلية الشهادة للكفر الأصلي الذي كان سبب رقِّه . فالكفر الحاصل في الحال أولى بأن يكون مانعًا ، ولا فرق بين الحدود وغيرها ، ولا بين السفر والحضر . وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين ، وأهل الظاهر إذا لم يوجد مسلم ؛ تمسُّكًا بما ذكرناه من حديث أبي داود المتقدم . وقال أحمد بن حنبل : تجوز شهادة أهل الذمَّة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين تمسُّكًا في ذلك بما جاء في كتاب أبي داود عن الشعبي : أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء هذه ، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهد على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعري ، فأخبراه ، وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحلفهما بعد العصر بالله : ما كذبا ، ولا خانا ، فأمضى شهادتهما . ولا حجة فيه ؛ لأنَّه مرسل وموقوف . ولو صحَّ ؛ فلم يحكم بمجرد شهادتهما حتى ضم إليها يمينهما ، والشاهد لا يستحلف . وإنَّما كان هذا من أبي موسى عملًا بما [تُفِيدُه القرائن] . والله تعالى أعلم . فأمَّا أخْبَار أهل الكفر فيما لا يُعْرَف إلا من جهتهم ، كإخبارهم عن ذبائحهم ، ونسائهم ، وأحكامهم ، وأقوال أطِبَّائهم ، فتُسْمَع إذا احتيج إلى ذلك لضرورة الحال ، وهي أخبار لا شهادات . والله تعالى أعلم . ويُعْتَذَر للجمهور عن رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - الزانيين عند شهادة اليهود : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفَّذ عليهم ما علم أنَّه حكم التوراة ، وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزامًا للحجَّة عليهم ، وإظهارًا لتحريفهم وتغييرهم ، فكان منفِّذًا لا حاكمًا . وهذا يمشي على تأويل الشافعي المتقدم . وأمَّا على ما قرَّرناه من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حاكمًا في القضيَّة بحكم الله ، فيكون العذر عن سماع شهادة اليهود : أن ذلك كان خاصًّا بتلك الواقعة ؛ إذ لم تسمع في الصدر الأول شهاداتهم في مثل ذلك . والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة : وهي أن هذا الحديث يدلُّ على أن ليس شرطًا في الإحصان . فإنه - صلى الله عليه وسلم - رجم اليهوديين ، ولو كانا شرطًا لما رجمهما . وبهذا قال الزهري ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد . وقالت طائفة أخرى : إنَّه من شروط الإحصان . وبه قال مالك ، والشافعي - في أحد قوليه - متمسكين بأن الشرع إنَّما حكم برجم الحرِّ ، المسلم ، الثيب ، إذا زنى ؛ لعلو منصبه ، وشرفيته بالحرية والإسلام ؛ بدليل : أن العبد لا يرجم ، وينصف عليه الحدّ لخسَّة قدره . والكافر أخس من العبد المسلم ، فكان أولى بألا يرجم ، ولأن من شرط الإحصان صحة النكاح ، وأنكحة الكفار فاسدة ، فلا يصح فيهم الإحصان لعدم شرطه ، واستيفاء مباحثها في الخلاف . ويُعتذر لمالك ، ولمن قال بقوله بما تقدم ، وبما رواه عيسى عن ابن القاسم أنَّه قال : إن اليهوديين المرجومين لم يكونا أهل ذِمَّة ، وإنَّما كانا أهل حرب ، كما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل فدك وخيبر ، وكانوا حربًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم واسم المرأة الزانية : بُسرة . وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا لهم : سلوا محمدًا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرَّجم فخذوا به ، وإن أفتى بالرَّجم فاحذروا . قلت : وهذا الاعتذار يحتاج إلى أن يعتذر عنه . وسبب ذلك بعد تسليم صحة الحديث : أن مَجِيئهم سائلين يوجب عهدًا لهم ، كما إذا جاؤونا ، ودخلوا بلادنا لغرضٍ مقصود : من تجارة ، أو رسالة ، أو ما أشبه ذلك . فإن ذلك يوجب لهم أمانًا ، فإمَّا أن يقضى غرضهم ، أو يُرَدُّوا إلى مأمنهم ، ولا يحل قتلهم ، ولا أخذ مالهم . قاله القاضي أبو بكر بن العربي . المسألة الخامسة : قد يحتجُّ بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحدّ على زناة أهل الذمِّة وإن لم يتحاكموا إلينا ، وهو قول أبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي . وقد روي عن ابن عباس . وقال مالك : لا يعرض لهم الإمام ، ويردُّهم إلى أهل دينهم إلا أن يظهر منهم ذلك بين يدي المسلمين ؛ فيمنعوا من ذلك . ولا حجَّة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث ، لما قدَّمناه من أنهم حكَّموا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، فحكم بأحد ما خيَّره الله تعالى فيه على ما تقدَّم . الغريب : الْحُمَم : الفَحْم ، واحدته : حُمَمَة . والْمُحمَّمُ : المسوَّد . وروى العذري ، والسمرقندي : نُسَوِّد وجوههما ونُحمِّمهُما . ورواه السَّجزي : نُجْمِلْهُما - بنون مضمومة ، وجيم - ؛ بمعنى : نحملهما على جمل ، ويطاف بهم . ورواها الطبري : نَحْمِلهما - بنون مفتوحة ، وحاء مهملة - من الحمل . وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذري ، لأن فيها تكرارًا . فإن قوله : نسوِّدهما . هو بمعنى : نُحَمِّمهُما . وقد تقدم ذكر ( التَّجبيه ) ، وقد تقدم أن هذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود ، وابتدعوه ، وجعلوه عوضًا عن حكم الرَّجم ، ولذلك لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام في الزنى ، وإنَّما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور ، فرأى أن يحمم وجهه ، ويجلد ، ويحلق رأسه ، ويطاف به . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب . وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة . ولم يره مالك . و( قوله : فأتوا بالتوراة ) دليل على جواز المطالبة بإقامة الحجج على الأحكام . و( قوله : فلقد رأيته يقيها الحجارةَ بنفسه ) هذا يدلُّ على أنهما لم يُحفر لهما ، ولا رُبِطا . وقد تقدَّم القولُ في ذلك . وقد وقع هذا اللفظُ في الموطأ : فرأيتُ الرَّجلَ يحني على المرأة ، يقيها الحجارة . رويناه : ( يَحْنِي ) بياء مفتوحةٍ ، وبحاء مهملة ، من الْحنُوِّ ، وهو الصواب . ورويناه : ( ( يَجْنِي ) بالجيم من غير همزٍ ، وليست بصوابٍ . وحكى بعضُ مشايخنا : أن صوابها : ( يَجْنَأ ) بفتح الياء والجيم وهمزة ، وحكاها عن أبي عبيد ، وأظنه : القاسم بن سلام . والذي رأيته في الغريبين لأبي عبيد الهروي : قال : ( فجعل الرَّجل يُجْنِئ عليها ) ، بياء مضمومة وهمزةٍ . قال : أي : يكبُّ عليها . يقال : أجنأ عليه ، يُجنئ ، إجناءً : إذا أكبَّ عليه يقيه شيئًا . قال : وفي حديثٍ آخر : فلقد رأيته يُجانئ عليها يقيها الحجارة بنفسه . هذا نصُّه . وفي الصِّحاح : جنأ الرَّجل على الشيء ، وجانأ عليه ، وتجانأ عليه : إذا أكبَّ عليه . قال الشاعر : أغَاضِرُ لَوْ شهدتِ غَداةَ بِنْتُم جُنُوءَ العَائِداتِ على وِسَادِي ورجلٌ أجنأُ : بيِّن الْجَنَاء ؛ أي : أحدب الظهر . والْمُجنأُ - بالضم - : الترس . قلت : ويحصل من مجموع حكاية أبي عبيد وصاحب الصِّحاح : أنَّه يُقال : جنأَ - مهموزًا ثلاثيًّا ورباعيًّا
1700 - [1789] وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ ! نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ ! فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا . و( قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ يحتجُّ بظاهره من يُكفِّرُ بالذنوب ، وهم الخوارج ، ولا حجَّة لهم فيه ؛ لأنَّ هذه الآيات نزلت في اليهود المحرفين كلام الله تعالى ، كما جاء في هذا الحديث ، وهم كفار ، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها . وبيان هذا : أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضيَّة قطعًا ، ثم لم يحكم به ؛ فإن كان عن جَحْدٍ كان كافرًا ، لا يختلف في هذا . وإن كان لا عن جَحْدٍ كان عاصيًا مرتكب كبيرة ؛ لأنَّه مصدق بأصل ذلك الحكم ، وعالم بوجوب تنفيذه عليه ، لكنه عصى بترك العمل به ، وهكذا في كل ما يعلم من ضرورة الشرع حكمه ، كالصلاة ، وغيرها من القواعد المعلومة . وهذا مذهب أهل السُّنة . وقد تقدم ذلك في كتاب الإيمان ؛ حيث بيَّنَّا : أن الكفر هو الجحد والتكذيب بأمرٍ معلوم ضروري من الشرع ، فما لم يكن كذلك فليس بكفر . ومقصود هذا البحث : أن هذه الآيات المراد بها : أهل الكفر ، والعناد . وأنها كانت ألفاظها عامة ، فقد خرج منها المسلمون ؛ لأنَّ ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك . وقد قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق ، فيجوز أن يُغفر ، والكفر لا يُغفر ، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفرًا . ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشرع المتقدمة . والظلم والفسق في هاتين الآيتين المراد به : الكفر ؛ لأنَّ الكافر وضع الشيء في غير موضعه ، وخرج عن الحق ، فصدق على الكافر : أنَّه ظالم وفاسق ، بل هو أحق بذينك الاسمين ممن ليس بكافر ؛ لأنَّ ظلمه أعظم الظلم ، وفسقه أعظم الفسق . وقد تقدَّم في الإيمان بيان كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم .
1707- ( 38 ) [1795] وعن حُضَيْن بْن الْمُنْذِرِ أَبي سَاسَانَ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ ؟ قال : فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ - أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ - : أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ . و ( قوله في الأم : عبد الله الدَّاناج ) بالجيم . ويقال : الدَّاناء . بهمزة مكان الجيم . ويقال بهاء . وهو بالفارسية : العالم . ( عن حُضَيْن ) بالحاء المهملة ، والضاد المعجمة : تصغير ( حُضن ) وهو ما دون الإبط إلى الكشح . وحضن الشيء : جانبه . ونواحي كل شيء : أحضانه . و( الوليد ) هو ابن عقبة بن أبي مُعيط ، ظهر عليه أنَّه شرب الخمر ، فَكُثِّرَ على عثمان فيه ، فلما شهد عنده بأنَّه شربها أقام عليه الحدّ كما ذكر . و( قوله : فشهد حمران : أنَّه شربها ، وشهد آخر : أنَّه رآه يتقيَّأ ) : فيه من الفقه : تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنى واحد ، فإن أحدهما شهد برؤية الشرب . والآخر بما يستلزم الشرب ، ولذلك قال عثمان : إنَّه لم يتقيَّأ حتى شربها . غير أنَّه قد ذكر الْحُمَيْدِي محمد بن نصر في حديث عمر حين شهد عنده الجارود : بأن قدامة شرب الخمر ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال : علام تشهد ؟ فقال : لم أره حين شرب ! وقد رأيته سكران يقيء . فقال عمر : لقد تنطَّعتَ يا أبا هريرة في الشهادة ! فلمَّا استحضر قُدامة أنكر . فقال أبو هريرة : يا أمير المؤمنين ! إن كنت تشك في شهادتنا فَسَلْ بنت الوليد امرأة ابن مظعون . فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله . فأقامت هند على زوجها الشهادة ، فجلده . فظاهر هذا : أن عمر لم يسمع شهادة أبي هريرة لما قال له : إنَّه لم يره يشرب ، وإنَّما رآه يتقيَّأ . والجواب : أن عمر إنَّما توقف في شهادة أبي هريرة ؛ لأنَّ أبا هريرة سلك في أداء الشهادة مسلك من يُخبر بتفصيل قرائن الأحوال التي أفادته العلم بالمشهود فيه ، ومهما شرع الشاهد في تفصيل ذلك وحكايته لم يحصل لسامع الشهادة الجزم بصحتها ؛ لأنَّ قرائن الأحوال لا تنضبط بالحكاية عنها ، وإنما حق الشاهد أن يعرض عنها ، ويُقْدِم على الأداء إقدام الجازم المخبر عن علم حاصل ، فكان توقف عمر لذلك . ثمَّ إن أبا هريرة لما جزم في الشهادة سمعها عمر وحكم بها ، لكنه استظهر بقول هند على عادته في الاستظهار في الشهادات والإخبار ، ولا يظن به أنه ردَّ شهادة أبي هريرة ، وقبل شهادة امرأة في الحدود ، إلا من هو عن المعارف مصدود . و( قول عثمان لعلي : قم يا علي فاجلده ) دليل على أن الحدَّ إنَّما ينبغي أن يقيمه بين أيدي الخلفاء والحكام فضلاء الناس ، وخيارهم . وكذلك كانت الصحابة تفعل كلَّما وقع لهم شيء من ذلك . وسبب ذلك : أنَّه قيامٌ بقاعدةٍ شرعية ، وقُربة تعبديِّة تجب المحافظة على فعلها ، وقدْرها ، ومحلِّها ، وحالها ، بحيث لا يُتَعَدَّى شيء من شروطها ، ولا أحكامها . ولذلك يجب عند جميع العلماء أن يختار لها أهل الفضل ، والعدل ؛ إذا أمكن ذلك مخافة التعدِّي في الحدود . وقد وقع في زماننا من جلد في الخمر ثمانين ، فتعدَّى عليه الضاربُ ، فقتله بها ، وحُرْمةُ دم المسلم عظيمة ، فتجب مراعاتها بكل ممكن . و( قول علي : قم يا حسن فاجلده ! ) دليل على أن من استنابه الإمام في أمر فله أن يستنيب من يتنزل منزلته في ذلك الأمر . و( قول حسن : ولِّ حارَّها من تولى قارَّها ) . هذا مثل من أمثال العرب . قال الأصمعي : معناه : وَلِّ شدَّتها من تولى هنيئها . والقارُّ : البارد . ويعني الحسن بهذا : ولِّ شدة إقامة الحدّ من تولى إمرة المسلمين ، وتناول حلاوة ذلك . و( قوله : فكأنه وجد عليه ) أي : غضب عليه لأجل توقفه فيما أمره به ، وتعريضه بالأمراء . و( قوله : فقال : يا عبد الله ! قم فاجلده ) يحتمل أن يكون الآمر لعبد الله عليًّا ، فكأنه أعرض عن الحسن لَمَّا توقف . ويحتمل أن يكون الحسن استناب عبد الله فيما أمره به علي طلبًا لرضا علي . والله تعالى أعلم . و( قوله : فجلده وعلي يعدُّ حتى بلغ أربعين ، فقال : أمسك ) ظاهر هذا : أنَّه لم يزد على الأربعين . وفي البخاري من حديث المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وذكر هذا الحديث طويلًا ، وقال في آخره : إن عليًّا جلد الوليد ثمانين . وهذا تعارض ، غير أن حديث حضين أولى ، لأنَّه مفصل في مقصوده ، حسنٌ في مساقه ، وساقه رواية مساق الْمُتثبِّت . والأقرب أن بعض الرواة وَهِمَ في حديث المسور ، فوضع ( ثمانين ) مكان ( أربعين ) . و( قول علي : جلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين . وأبو بكر أربعين ، وكل سُنَّة ) دليل واضح على اعتقاد علي - رضي الله عنه - صحة إمامة الخليفتين أبي بكر ، وعمر ، وأن حكمهما يقال عليه : سُنَّة ؛ خلافًا للرافضة والشيعة ، وهو أعظم حُجَّة عليهم ؛ لأنَّه قول متبوعهم ؛ الذي يتعصبون له ، ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه . وكيف لا تكون أقوال أبي بكر وعمر وأفعالهما سنة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر )؟ ! . و( قوله : وهذا أحبُّ إلي ) ظاهره : أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك عليها . وقد روي : أن المعروف من مذهبه الثمانون . فيكون له في ذلك القولان ، لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر . وحاصل هذا الاختلاف في الأحاديث ، وبين الصحابة راجع إلى أنه لم يتقدَّر في الخمر حدٌّ محدود . وإنما كان الأدب والتعزير ، لكن استقر الأمر : أن أقصى ما بلغ فيه إلى الثمانين ، فلا يزاد عليها بوجه . وقد نصَّ على هذا المعنى السائب بن يزيد فيما خرَّجه البخاري قال : كنَّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإِمرة أبي بكر ، وصدرًا من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ، ونعالنا ، وأرديتنا ، حتى كان آخر إمرة عمر ، فجلد أربعين ، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جلد ثمانين . وعلى هذا : فلا ينبغي أن يعدل عن الثمانين ؛ لأنَّه الذي استقرَّ عليه آخر أمر الصحابة أجمعين .
1707- ( 39 ) [1796] وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ . و( قول علي : ما كنت لأقيم على أحد حدًّا فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر ؛ لأنَّه إن مات وديته ) يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود فأقامه الإمام على وجهه ، فمات المحدود بسببه ؛ لم يلزم الإمام شيء ، ولا عاقلته ، ولا بيت المال . وهذا مجمعٌ عليه ؛ لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه ، والميت قتيل الله . وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحدّ فيه حدًّا . فلما قصرته الصحابة على عدد محدود ، هو الثمانون ، وجد علي في نفسه من ذلك شيئًا ، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطًا ، وتوقيًّا ، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين . وأمَّا الأربعون : فقد نص هو على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر جلداها ، وسمى ذلك سنة . فكيف يخاف من ذلك ؟ وهذا هو الذي فهمه الشافعي من فعل علي هذا ، فقال : إن حدّ أربعين بالأيدي ، والنعال ، والثياب ، فمات ؛ فالله قتله . وإن زِيدَ على الأربعين بذاك ، أو ضرب أربعين بسوط فمات ؛ فديته على عاقلة الإمام . قلت : ويظهر لي من فعل عمر خلافُ ذلك : إنه لما شُهِدَ على قُدامة بشُرب الخمر استشار من حضره في جَلْدِه ، فقال القوم : لا نرى أن تَجْلِدَه ما دام وَجِعًا ، فسكت عمر عن جلده أيامًا ، ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده ، فاستشارهم . فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعًا . فقال عمر : والله لأن يلقى الله تحت السياط أحبُّ إلي من أن ألقى الله وهي في عنقي . والله لأجلدنَّه . فجلده بسوط بين سوطين . وهذا يدلُّ : على أنَّه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة ، ولا في بيت المال ؛ لأنَّ عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنصّ . وأمَّا جلد عمر لقدامة على ما ذكروا له من وَجَعِه ، فكأنه فهم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به ، ولا يخاف منه . وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضربه شفقة عليه ، وحُنُوًّا . وقد ظهر ذلك منهم لما أَتَوه بسوطٍ دقيق صغير . فقال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك ؛ أي : حميتهم الحاملة على المخالفة . واختلفوا فيمن مات من التعزير . فقال الشافعي : عَقْلُه على الإمام ، وعليه الكفارة . وقيل : على بيت المال . وجمهور العلماء : على أنَّه لا شيء عليه .
1708 - [1797] وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا يجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله ) أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد بن حنبل ، وأشهب من أصحاب مالك في بعض أقواله . وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى : لا يضرب في الأدب أكثر من ثلاثة . وقال أشهب في مؤدِّب الصبيان . قال : وإن زاد اقتَّص منه . والجمهور : على أنَّه يُزاد في التعزير على العشرة . فمنهم من قصره على عدد بحيث لا يزاد عليه . فقال أبو حنيفة : أربعين . وقاله الشافعي ، وقال أيضًا : عشرين . وروي عن مالك : خمسة وسبعين سوطًا . وإليه مال أصبغ بن الفرج ، وقاله ابن أبي ليلى ، وأبو يوسف . وقال محمد بن مسلمة : لا أرى أن يبلغ به الحدّ . وقد روي عن عمر : ما يبلغ به ثمانون . وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة : لا يبلغ به مائة . ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع ، وأليق بالجاني ، وإن زاد على أقصى الحدود . وهو مشهور مذهب مالك ، وأبي يوسف ، وأبي ثور ، والطحاوي ، ومحمد بن الحسن . وقال : وإن بلغ ألفًا . وقد روي عنه مثل قول أبي حنيفة . والصحيح عن عمر : أنَّه ضرب من نقش على خاتمه مائة . وضرب ضبيعا أكثر من الحدّ . وقد روي عن الشافعي : أنَّه يُضرب في الأدب أبدًا ، وإن أتى على نفسه حتى يُقرَّ بالإنابة . وقال الْمُزني من أصحاب الشافعي : تعزير كل ذنب مستنبط من حدِّه لا يجاوز . قلت : والصحيح : القول العمري ، والمذهب المالكي ؛ لأنَّ المقصود بالتعزير الرَّدع ، والزجر . ولا يحصل ذلك إلا باعتبار أحوال الجنايات والجناة . فأمَّا الحديث فخرج على أغلب ما يحتاج إليه في ذلك الزمان . والله تعالى أعلم .
1706 - ( 36 ) [1794] وعنه : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وفي رواية : أربعين - ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنْ الرِّيفِ وَالْقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ . و( قوله : فلمَّا كان عمر ودنا النَّاس من الرِّيف والقرى ) كان هنا تامَّة . وفي الكلام حذفٌ ؛ أي : لما وقع ، ووجد زمن خلافة عمر . والرِّيف : أرض الزرع والخصب . والجمع : أرياف . يقال : أَرَافَتْ الأرض - رباعيًّا - أخصبت . ورافت الماشية : إذا رعت الريف . وأَرْيَفْنا : أي : صرنا إلى الريف . ( من الصحاح ) ويعني بذلك : أنَّه لما فتحت البلاد بالشَّام وغيرها ، وكثرت الكروم ظهر في الناس شُرْبُ الخمر ، فشاور عمرُ الصحابةَ - رضي الله عنهم - في التشديد في العقوبة عليها ، فتفاوضوا في ذلك ، واتفقوا على إلحاقها بحدِّ القذف ؛ لأنَّه أخف الحدود ، كما قال عبد الرحمن . وقد جاء في الموطأ : أن عمر لَمَّا استشارهم في ذلك قال علي : نرى أن تجلده ثمانين ، فإنه إذا شرب سكر ، وإذا سَكِرَ هَذَى ، وإذا هَذَى افترى . فصرَّح بكيفية الإلحاق . وحاصلها راجعٌ إلى أنه أقام السُّكر مقامَ القذف ؛ لأنه لا يخلو عنه غالبًا ، فأعطاه حكمه ، فكان هذا الحديث من أوضح حجج القائلين بالقياس والاجتهاد ؛ إذ هذه القضيةُ نصٌّ منهم على ذلك . وهم الملأ الكريم . وقد انتشرت القضيةُ في ذلك الزَّمان ، وعمل عليها في كل مكانٍ ، ولم يتعرَّض بالإنكار عليها إنسان ، مع تكرار الأعصار ، وتباعد الأقطار ، فكان ذلك إجماعًا على صحة العمل بالقياس الذي لا ينكره إلا الأغبياء من الناس . وقد أورد بعض من يتعاطى العلم الجدلي على هذا النظر السديد العَلَوِي أن قال : إن حكم للسُّكر بحكم القذف - لأنه مظنَّته - فليحكم له بحكم الزِّنى والقتل لأنه مظنتهما . وأيضًا : فلأنه يلزم عليه ألا يُحَدَّ على مجرد الشرب ، بل على السُّكر خاصةً ، لأنَّه هو المظنَّة ، لا الشُرب . وقد حدُّوا على شرب الخمر وإن لم يسكر . فدلَّ على أن السُّكر ليس معتبرًا في الحدِّ ، فلا يكون علَّة له ، ولا مظنَّة . والجواب عن الأول : منع كون السُّكر مظنة للزنى والقتل ؛ لأنَّ المظنَّة اسم لما يظن فيها تحقق المعنى المناسب غالبًا . ومن المعلوم : أن السُّكر لا يخلو عن الهذيان والقذف غالبًا في عموم الأوقات والأشخاص ، وليس كذلك الزنى والقتل ؛ فإن ذلك إن وقع فنادرٌ ، وغير غالبٍ . والوجود يحققه . والجواب عن الثاني : أن الحدّ على قليل الخمر إنما هو من باب سدِّ الذرائع ؛ لأنَّ القليل يدعو إلى الكثير ، والكثير يُسكر ، والسُّكر المظنَّة ، كما قررته الصحابة - رضي الله عنهم - ؛ فهم الأسوة ، وهم القدوة .
( 10 ) باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير 1706 - ( 35 ) [1793] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ . ( 10 ) ومن باب : الحدّ في الخمر ( قوله : أُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل قد شرب الخمر فجلده ) ظاهره يقتضي : أن الخمر بمجرَّده موجبٌ للحدِّ ؛ لأن الفاء للتعليل ، كقولهم : سها فسجد ، وزنى فرُجِم . وهو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم . ولم يفرِّقوا بين شرب خمر العنب وغيره ، ولا بين شرب قليله وكثيره ؛ إذ الكل خمر ، كما قدَّمناه ، وللكوفيين تفصيل ينبني على ما تقدَّم ذكره في باب تحريم الخمر . وهو : أن من شرب شيئًا من خمر العنب النيَّئة وجب عليه الحدّ ، قليلًا كان أو كثيرًا ، لأن هذا هو المجمع عليه ، فإن شرب غيره من الأشربة فسكر : حُدَّ ، [وهذا أيضًا مجمع عليه] ، فإن لم يسكر لم يُحدَّ عندهم . وكذلك قالوا في مطبوخ العنب . وذهب أبو ثور : إلى أن من رأى تحريم القليل من النبيذ جلد ومن لم يره لم يجلد ؛ لأنَّه متأوِّل . وقد مال إلى هذا الفرق بعض شيوخنا المتأخرين . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور بما سبق ذكره في باب تحريم الخمر ، وبدليل قوله : ( من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه ) ، فعلَّق الحكم على نفس شرب ما يقال عليه خمر ، ولم يفرق بين قليل ، ولا كثير . وقد بيَّنَّا : أن الكل يقال عليه خمر لغة وشرعًا ، بالطرق التي لا مدفع لها . فأما قتل الشارب في الرابعة : فمنسوخ بما روي من حديث جابر الذي خرَّجه النسائي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي بنعيمان ، فضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع مرات . قال : فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع ، وأن القتل قد رفع . فيحصل من هذا الحديث معرفة التاريخ ومعرفة إجماع المسلمين على رفع القتل . ومن حكي عنه خلاف ذلك فإنما هو خلاف متأخر مسبوق بالإجماع المتقدم .وقد عضد حديث جابر ما خرَّجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : أن رجلًا كان اسمه : عبد الله ، وكان يلقب حمارًا ، وكان يُضْحِك النبي - صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب ، فأُتي به يومًا ، فأمر به فجلد . فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يُؤتى به ! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تلعنوه ، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله . وظاهره : أن هذا الشارب شرب أكثر من أربع مرَّات ، ثم لم يقتله ، بل شهد له أنَّه يحب الله ورسوله . و( قوله : فجلده بجريدتين نحو أربعين ) ، وفي الرواية الأخرى : ( جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين ) . هذه الروايات تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحد في الخمر حدًّا محدودًا ، وإنما كان ذلك منه تعزيرًا وأدبًا ، لكن انتهى في ذلك إلى أربعين . ومما يدلّ على ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي برجل شرب ، فقال : ( اضربوه ) . قال : فمنا الضارب بيده ، والضارب بنعله ، والضارب بثوبه . ثم قال لأصحابه : ( بكتوه ) ، فأقبلوا عليه يقولون : أما اتقيت الله ؟ ! أما استحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! وهذا كله يدلّ على أن ذلك كله أدب ، وتعزير . ولذلك قال علي - رضي الله عنه - : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَسُنَّه ؛ أي : لم يحدَّ فيه حدًّا ، ولذلك اجتهدت الصحابة فيه ، فألحقوه بأخف الحدود ، وهو حدُّ القذف . هذا قولُ طائفةٍ من علماء أصحابنا وغيرهم ، وهو ظاهرٌ من الأحاديث التي ذكرناها . غير أنه يرد عليهم أن يقال : هذا معارضٌ بوجهين : أحدهما : أن علي بن أبي طالب قد قال : جلد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ، وأبو بكرٍ أربعين ، وجلد علي بحضرة عثمان ، والصحابة - رضي الله عنهم - أربعين ، ودوامهم على مراعاة هذا العدد يدل على أنَّه حدٌّ محدود ، ولو كان تعزيرًا لاختلف بحسب اجتهاد كلّ واحدٍ منهم . وثانيهما : أن الأمَّة مُجمعة على أنَّ الحدَّ في الخمر أحد العددين ؛ إمَّا أربعون ، وإمَّا ثمانون . قال القاضي عياض : أجمع المسلمون على وجوب الحدِّ في الخمر . وكيف تُجْمِعُ الأمَّةُ على خلاف ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! فالجواب عن الوجهين : أن الصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدلُّ على التعزير ، وهم الذين نقلوا ما يدل على التحديد . والذين قاسوا واجتهدوا هم الذين عدَّدوا وحدَّدُوا ، ولم ينصَّ أحدٌ منهم على نفي أحد الوجهين وثبوت الآخر ، وإنما هو نقل أحوالٍ محتملة ، فلا بدَّ من التلفيق بين أقوالهم ؛ لاستحالة التناقض والكذب عليهم . ووجهُ التلفيق : أن الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - فهمت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنَّ جَلده كان تعزيرًا ؛ لأنَّه قد اختلف حاله فيه ، فمرةً جلد فيه بالأيدي ، والنِّعال ، والثياب من غير عددٍ . ومرَّةً جلد فيه بالجريد والنعال أربعين . ومرَّةً جلد فيه بجريدتين نحو الأربعين ، فهذه نحو الثمانين . فهذا تعزير بلا شك ، لكن لَمَّا كان أكثر جلده أربعين اختاره أبو بكر ، وعمر في أول أمره ، فلمَّا كثر إقدامُ الناس على شرب الخمر ، تفاوضت الصحابة في ذلك ونظروا ، فظهر لهم : أن ذلك القدر لا يزجرهم ، ولا يبالون به ، فظهر لهم أن يلحقوه بأخف حدود الأحرار المذكورة في القرآن ، فوجدوه القذف ، مع أنه قد ظهر لهم جامع بينهما ، فقالوا : إذا سَكِرَ هَذَى ، وإذا هَذَى افترى . ومع ما تقدَّم لهم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قارب فيه الثمانين ، فأثبتوها ، ومنعوا من الزيادة عليها . ولما ظهر هذا المعنى لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال مصرِّحًا به : جلد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ، وأبو بكرٍ أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سُنَّة . ثمَّ إنَّه جلد هو أربعين ، وأقرَّه على ذلك عثمان ، ومَن حضر من الصحابة - رضي الله عنهم - وظهر له أن الاقتصار على أربعين أولى من الثمانين ؛ مخافةَ أن يموتَ فتلزمه الدِّية ، كما قد صرَّح به ؛ حيث قال : ما كنت أقيمُ على أحدٍ حدًّا فيموت فيه ، فأجد في نفسي ، إلا صاحب الخمر ، لأنه إنْ مات وَدَيْتُهُ . وهذا يدلُّ على أنَّه جلد فيه ثمانين في ولايته ، وأنَّه لم يخالف عمر في الثمانين ، وإيَّاها عَنَى بقوله : ( فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَسُنَّه ) ، ولا يصحُّ أن يريدَ بذلك الأربعين ؛ لأنه هو الذي روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد فيه أربعين . ولو مات في الأربعين لم تجب له ديةٌ بوجهٍ . ولذلك قال الشافعي : لو مات في الأربعين فالحقُّ قَتَلَهُ ، كما تقدَّم . فتفهَّم هذا البحث ، فإنَّه حسن . وحاصله : أن الجلدَ على الخمر تعزير مُنِع من الزيادة على غايته . فرأت طائفه : أن غايته أربعون ، فلا يُزاد عليه . وبه قال الشافعي من الفقهاء ، والإجماع : على أنَّه لا يزاد على الثمانين ، فإن قيل : كيف يكون تعزيرًا وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يُجلَدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله ؟ فمقتضى هذا : ألا يُزاد في التعزير على العشرة . وبه قال من يأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى . فالجواب : إنَّه سيأتي الكلام على ذلك الحديث .
( 4 ) باب إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنا 1695- ( 22 ) [1782] عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكَ ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْحَكَ ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. قَالَ : فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟. فَقَالَ: مِنْ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبِهِ جُنُونٌ؟. فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمْرًا؟. فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَزَنَيْتَ؟. فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، إنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَقَالَوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الْأَزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدّنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟. قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى، فَقَالَ: آنْتِ؟. قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ. قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا . ( 4 و 5 و 6 ) ومن باب : إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنى ( قول ماعز - رضي الله عنه - في هذه الرِّواية : يا رسول الله ! طهرني ) ولم يذكر فيها مماذا يُطهَّر ؟ وإنما أراد به : من إثم الزنى ، بإقامة الحدّ ، كما جاء في الرِّواية الأخرى ، فإنَّه قال : يا رسول الله ! إني قد ظلمت نفسي ، وزنيت ، وإني أريد أن تطهرني . وهذه رواية محكمة ، وهكذا هذا الحديث روي بألفاظ متعددة بعضها يفسر بعضًا ، أو يُقيِّده . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك ! ارجع فاستغفر الله ، وتب إليه ) يدل على أن ما كان من حقوق الله تعالى يكفي في الخروج من إثمه التوبة ، والاستغفار ، وإن كان فيه حدٌّ . وفيه : جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب ، فإذا تحقق السبب الذي يترتب عليه الحدّ فلا بدَّ من إقامته ، كما ذكره مالك في الموطأ من مراسيل ابن شهاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من بلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر ، فإنَّه من يُبْد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) . فأمَّا حقوق الآدميين : فلا بدَّ مع التوبة من الخروج منها . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : أبه جنون ؟ ) هذا سؤال أوجبه ما ظهر على السَّائل من الحال التي تشبه حال المجنون ، وذلك : أنَّه جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتفش الشعر ، ليس عليه رداء ، يقول : زنيت فطهرني . كما قد صحَّ في الرِّواية ، وإلا فليس من المناسب أن ينسب الجنون إلى من أتى على هيئة العقلاء ، وأتى بكلام منتظم مُقيد ، لا سيما إذا كان فيه طلب الخروج من مأثم . و( قوله : أَشرِبَ خمرًا ؟ واستِنْكَاهُهُم له ) يدلُّ على أن مَنْ وجدت منه رائحة الخمر حكم له بحكم من شربها . وهو مذهب مالك ، والشافعي . وهو قول عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز . وقال آخرون : لا يُحَدُّ بالرِّيح بل بالاعتراف ، أو البيِّنة ، أو يُوجد سكران . وإليه ذهب عطاء وعمرو بن دينار ، والثوري ، غير أنه قال : يعزر من وجد منه ريح الخمر . وفيه من الفقه ما يدلُّ على أن المجنون لا تعتبر أقواله ، ولا يتعلَّق بها حكم ، وهذا لا يختلف فيه . وظاهر هذا الحديث : أن السَّكران مثل المجنون في عدم اعتبار إقراره ، وأقواله . وبه قالت طائفة من أهل العلم . وقالت طائفة أخرى ، وهو مالك ، وجل أصحابه : يؤخذ بإقراره ؛ لأنه لا يعرف المتساكر من السَّكران ، ولأنَّه لَمَّا كان مختارًا لإدخال السُّكر على نفسه صار كأنه مختار لما يكون في سكره . وهذا مع أنا نقول : إن من ذهب عقله حتى لا يميز شيئًا فليس بمكلَّف ، ولا مخاطب خطاب تكليف في تلك الحال بالإجماع ، على ما حكاه ابن العربي . وإنَّما يتعلَّق به خطاب الإلزام المسمَّى بخطاب الوضع والإخبار ؛ على ما بيَّناه في الأصول . واعترافه على نفسه أربع مرَّات يَسْتدلُ به من يشترط في قبول إقرار الزاني العدد . وهم : الحكم ، وابن أبي ليلى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي ؛ فقالوا : لا يقام عليه الحدّ إلا إذا أقرَّ على نفسه أربع مرَّات تمسُّكًا بهذا الحديث ، وبأن الإقرار بالزنى كالشهادة عليه ، وقد انعقد الإجماع : على أن شهود الزنى أربعة ، فيكون الإقرار أربعة . ومن هؤلاء من شرط أن تكون الأربع الإقرارات في مجلس واحد . وإليه ذهب ابن أبي ليلى ، وأحمد . وقال أصحاب الرأي : إذا أقرَّ أربع مرَّات في مجلس واحد فهو بمنزلة مرة واحدة . قلت : والأوَّل مقتضى قياس الإقرار بالزنى على الشهادة به ، وعلى القول الثاني يمتنع الإلحاق . والصحيح : أنَّه لا يشترط في الإقرار بالزنى ، ولا غيره عدد . وهو مذهب الجمهور : مالك ، والشافعي ، وأبي ثور . وبه قال الحسن ، وحمَّاد . والدَّليل على صحة ذلك : أنه - صلى الله عليه وسلم - رجم الغامدية بإقرارها مرة واحدة ، ولم يستعد منها الإقرار ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ولم يأمره أن يستعيد إقرارها بذلك أربع مرَّات . وأما تكرار اعتراف ماعز فإنما كان لأجل إعراضه عنه - صلى الله عليه وسلم - في الثلاث المرَّات ليستر نفسه ، وليتوب ، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة ذلك . وأمَّا قياسهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح ، للفرق بينهما من وجوه متعددة . وذلك : أن إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبول بخلاف شهادتهما ، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع ، إلا من شذَّ فقال : إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلا مرَّتين كالشهادة به ، ولو كان الإقرار كالشَّهادة مطلقًا لاشترط فيه العدد مطلقًا ، ولو كان كالشهادة لما قُبل إقرار المرأة على نفسها بأنها جُرِحت أو أعتقت ؛ لأنَّها لا تقبل شهادتها في ذلك ، فبطل تمسكهم بالخبر والقياس . والله الموفق . و( قوله : أزنيتَ ؟ فقال : نعم ) جاء هذا المعنى في كتاب أبي داود بأوضح من هذا : قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أنكتها ؟ ) قال : نعم . قال : ( حتى غاب ذلك منك في ذلك منها ؟ ) قال : نعم . قال : ( كما يغيب الْمِرْوَد في الْمُكْحُلَة ، والرِّشاء في البِئْر ؟ ) قال : نعم . قال : ( هل تدري ما الزنى ؟ ) قال : نعم ، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجُل من أهله حلالًا ) . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - أخذ لماعز بغاية النصّ الرافع لجميع الاحتمالات كلها تحقيقًا للأسباب ، وسعيًا في صيانة الدماء . ثمَّ لما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من استفصاله عن ذلك سأله عن الإحصان . فقال : ( هل أحصنت ؟ ) قال : نعم ؛ يعني : هل تزوجت تزويجًا صحيحًا ، ووطئت وطئًا مباحًا ؟ فعندما أجابه بنعم ، أمر برجمه ، وذلك عند تحقق السبب الذي هو الزنى بشرطه ؛ الذي هو الإحصان . وقد أخذ علماؤنا من حديث أبي داود : أن شهود الزنى يصفون الزنى كما وصف ماعز ، فيقول الشاهد : رأيت فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة . وإليه ذهب معاوية ، والزهري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . و( قوله : فأمر به ، فرجم ) ، وفي الرِّواية الأخرى : ( فأمر به فحفر له ) ، وفي الرواية الأخرى قال : ( فما أوثقناه ، ولا حفرنا له ) ، وفي حديث الغامدية : ( أنها حُفِر لها إلى صدرها ) اختلاف هذه الروايات هو الموجب لاختلاف العلماء في هذا الحكم الذي هو : الحفر . فلم يبلغ مالكًا من أحاديث الحفر شيء ، فلم يقل به ، لا في حق المرأة ، ولا في حق الرَّجل ، لا هو ، ولا أصحابه . وكذلك قال أحمد ، وأصحاب الرأي . وقالوا : إن حفر للمرأة فحسن . وقيل : يحفر لهما . وبه قال قتادة وأبو يوسف . وروي في ذلك عن علي ، ووسَّع الشافعي ، وابن وهب للإمام في ذلك ، وخيراه . ثم قال في هذه الرواية الأخيرة : ( فرميناه بالعظم ، ثمَّ المدر ، والخزف ) ، قال : ( فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرْض الْحَرَّة ، فانتصب لنا ، فرميناه بِجَلامِيد الحرَّةِ حتى سكت ) يعني بالعظم : العظام ، والمدر : التراب الأحمر المنعقد ، والخزف : الشِّقاف ، وهي : كِسَر الفخَّار . وعُرْض الْحَرَّة - بضم العين - : جانبها ، وسكت : معناه : سكن ؛ أي : مات . وقال أبو داود فيه من حديث هَزَّال ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هلاَّ تركتموه لعلَّه أن يتوب فيتوب الله عليه ) . وقال أيضًا من حديث جابر : أن جابرًا قال : لما خرجنا به فرجمناه ، فوجد مس الحجارة صرخ بنا : يا قوم ! ردوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فإن قومي قتلوني ، وغرُّوني من نفسي ، وأخبروني : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير قاتلي . فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلمَّا رجعنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأخبرناه فقال : ( هلا تركتموه وجئتموني به ) ليستثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ، فأمَّا لترك حدّ فلا . هذه الروايات متواردة : على أن ماعزًا لَمَّا وجد ألم الحجارة صدر منه ما يدلّ على أنه أراد أن يردَّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما وقد صرح بذلك في حديث جابر ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( فهلا تركتموه ، وجئتموني به ) ، فاستنبط منه كثير من العلماء : أن المعترف بما يجب عليه من الحد إن رجع عن إقراره مطلقًا لم يُحدَّ ، وممن ذهب إلى هذا : عطاء ، ويحيى بن يعمر ، والزهري ، وحمَّاد ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والنعمان ، ومالك في رواية القعنبي . وقيل : لا ينفعه رجوعه مطلقًا . وبه قال سعيد بن جبير ، والحسن ، وابن أبي ليلى ، وأبو ثور . وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك . وقال أشهب : قال مالك : إن جاء بعذر قُبل منه ، وإلا لم يقبل ذلك منه . قلت : وليس في شيء من هذه الروايات ما ينصّ على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل رجوعه مطلقًا لا سيما مع قول جابر : ليستثبت في أمره ، فأمَّا لترك حدّ فلا . ولعلَّه كان يستدعي منه النبي - صلى الله عليه وسلم - الرُّجوع إلى شبهة كما صار إليه مالك في رواية أشهب . وهذا القول أعجب ما في هذه المسألة . إنَّه إن رجع إلى شبهة درئ عنه الحد ، وإلا فلا . وقد قال أحمد بن حنبل ، وأبو ثور : إذا هرب تُرك اتِّباعًا لهذه الزيادة . وقاله بعض أصحابنا . وقال : إن وُجد بالفور كمل عليه الحد . وإن وجد بعد زمان تُرِكَ . و( قوله : فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ) الإشارة بـ ( ذلك ) إلى ما وقع لهم من الاختلاف في شأن ماعز ؛ يعني : أنَّهم بقوا كذلك إلى أن تبيَّن لهم حاله بقوله : ( لقد تاب توبة لو قُسِمَت بين أُمَّةٍ لوسعتهم ) . والأمَّة : الجماعة من الناس . وقد يقال على الجماعة مما لا يعقل . فيقال : أمَّة من الحمير ، ومن الطير . ومنه قوله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ويعني بالأمَّة في هذا الحديث السبعين الذين ذكروا في حديث الغامدية . وزاد أبو داود من رواية ابن عباس : أن ماعزًا لما رجم سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه ، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ، فسكت عنهما ، ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائلٍ بِرِجْلِه . فقال : ( أين فلان وفلان ؟ ) فقالا : نحن ذانِ يا رسول الله ! فقال : ( انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار ) فقالا : يا رسول الله ! من يأكل من هذا ؟ قال : ( فما نِلْتُما من عِرْضِ أَخِيكُما آنفًا أشد من أكلٍ منه ، والذي نفسي بيده ! إنَّه الآن في أنهار الجنة ينغمسُ فيها ) . قلت : فهذه الروايات كلها متواردة على أن الحدّ كفارة ، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت حيث قال : ( فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة ) . وقد زاد أبو داود في حديث ماعز من حديث خالد بن اللجلاج : أنه لَمَّا رجم جاء رجل يسأل عن المرجوم ، فانطلقنا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : هذا جاء يسأل عن الخبيث . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لهو أطيب عند الله من ريح المسك ) ، فإذا هو أبوه ، فأعنَّاه على غسله وتكفينه ، ودفنه . قال : وما أدري ؛ قال : والصلاة عليه ، أم لا ؟ وفيه دليل : على أن المرجوم يُغسَّل ، ويكفَّن ، ويصلَّى عليه . وفي معناه : كل من قتل في حدّ من المسلمين ، غير أن الإمام يجتنب الصلاة على من قتله في حدّ ؛ على مذهب مالك ، وأحمد بن حنبل ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على ماعز . وعند أبي بكر بن أبي شيبة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغامدية فصُلِّي عليها - بضم الصاد -كذا الرواية . وفي كتاب أبي داود : أنَّه أمرهم : أن يصلوا عليها . وظاهر هذين الحديثين : أنَّه لم يصل عليها ، غير أنَّه في كتاب مسلم : صَلَّى عليها . وظاهره : أنَّه صلَّى بنفسه ، حتى قال له عمر : أتصلي عليها وقد زنت ؟ ! وبهذا استدل من قال : إن الإمام يُصلِّي على من قتله في حدّ ، على أنه يحتمل أن قول الراوي : صلَّى عليها ؛ أي : دعا لها ، واستغفر لها . أو يكون معناه : أنه أمر أن يصلّى عليها . ويعتضد هذا بأنه لم يُصلِّ على ماعز ، كما قد روي من حديث معمر : أنه لم يصلِّ عليه . وفي بعض طرقه : أنَّه ما صلَّى عليه ، ولا استغفر له ، مع أنَّه قد صحَّ قوله : ( استغفروا لأخيكم ) . فقالوا : غفر الله له . ولم يتلفظ هو بالاستغفار ، ولكنه أمر به ، فيجوز أن يكون جرى في الصلاة عليه كذلك . و( قوله : لعلك قبَّلت أو غمزت ) ، وفي بعض طرقه : ( لعلك ) ، واقتصر عليها . فيه من الفقه : جواز تلقين الإمام للمقرِّ ما يدرأ عنه الحدّ . وقد روي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأئمة العلماء . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال لسارقٍ : ( ما إخالُك سَرَقْتَ ) ، وروي عن أبي بكر ، وعمر ، وأبي الدرداء قالوا لسارقٍ : ( أسرقتَ ؟ قُل : لا ) . وعن عمر : ما أَرَى يد سارقِ . وعن ابن مسعود : لعلك وجدته . وعن علي - رضي الله عنه - وقال لِحُبْلَى : لعلَّكِ استُكْرِهْتِ ، لعلَّك وُطِئْتِ نائمةً . وقال للحُبْلى الباكِيَة : إن المرأة قد تُسْتَكْرَه . وقد أجاز ذلك أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وغيرهم . و( قوله : جاءت امرأة من غامد من الأزد ) كذا قال في هذه الرِّواية . وفي الرواية الأخرى : ( من جهينة ) ، ولا تباعد بين الروايتين ؛ فإن غامدًا قبيلة من جهينة ، قاله عياض . وأظن جهينة من الأزد . وبهذا تتفق الروايات . وقولها : ( إنَّها لَحُبْلَى من الزنى ) اعتراف منها من غير تكرار يطلب منها . ففيه دليلٌ على عدم اشتراطه على ما مرَّ . وكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصلها كما استفصل ماعزًا ؛ لأنَّها لم يظهر عليها ما يُوجب ارتيابًا في قولها ، ولا شكًّا في حالها ، بخلاف حال ماعز ، فإنَّه ظهر عليه ما يشبه الجنون ، فلذلك استفصله النبي - صلى الله عليه وسلم - لِيَستَثْبِت في أمره ، كما تقدَّم . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : حتى تضعي ما في بطنك ) يدل على أن الجنين - وإن كان من زنى - له حُرْمَة ، وأن الحامل لا تُحَدُّ حتى تضع ؛ لأجل حملها . وهذا لا خلاف فيه إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلاف عنه فيه . وقال في الرواية الأخرى : ( إمَّا لا ، فاذهبي حتى تلدي ) إمَّا : بكسر الهمزة التي هي همزته ( إن ) الشَّرطية ، زيدت عليها ( ما ) المؤكدة ؛ بدليل دخول الفاء في جوابها . و( لا ) التي بعدها للنفي . فكأنه قال : إن رأيت أن تستري على نفسك وترجعي عن إقرارك فافعلي ، وإن لم تفعلي فاذهبي حتى تلدي . ثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت . فقال مالك : إذا وضعت رجمت ، ولم ينتظر بها إلى أن تكفل ولدها . وقاله أبو حنيفة ، والشافعي في أحد قوليه . وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامدية إلى أن فطمت ولدها . وقد روي عن مالك : أنها لا ترجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرَّضاع . وهو مشهور قول مالك ، والشافعي ، وقول أحمد ، وإسحاق . وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان ؟ هل كان قبل فطام الولد ، أو بعد فطامه . والأولى : رواية من روى : أنها لم ترجم حتى فطمت ولدها ، ووجدت من يكفله ؛ لأنَّها مُثْبِتةٌ حكما زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك ، ولمراعاة حق الولد . وإذا روعي حقه وهو جنين ، فلا ترجم لأجله بالإجماع ، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى . ويستفاد من هذه الرِّواية : أن الحدود لا يبطلها طول الأزمان . وهو مذهب الجمهور . وقد شذَّ بعضهم فقال : إذا طال الزمان على الحدّ بطل . قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزِّنى والسَّرِقة القَدِيمين . وهو قول لا أصل له .
( 12 ) باب الجبار الذي لا دية فيه ومن ظهرت براءته مما اتهم به لم يحبس ولم يعزر 2771 - [1800] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَتَى عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ : اخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ . 1711 - [1801] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ . ( 12 ) ومن باب : الْجُبَار الذي لا دية فيه ( قوله : العجماء جرحها جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس ) هكذا جاء هذا الحديث بمجموع هذه الأمور . فظاهره : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرها في وقت واحد متصلة مجموعة ، فيكون فيه حجَّة لمالك على أبي حنيفة : في أن الركاز ليس هو المعدن ؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدن إلى اسم آخر في مساق واحد ، وذكره بعده . فلو كان الركاز هو المعدن لقال : والمعدن جُبار وفيه الخمس . وكان يكون أيسر ، وأفصح ، وأبعد عن الإشكال ، بل لو ذكر لفظ المعدن نفسه بدل الرِّكاز فقال : وفي المعدن الخمس ؛ لكان مستقبحًا عند الفصحاء ، فإنَّه وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدة ، ولا تفخيم ، بل مع ما يجرُّه من اللَّبس . وهذا النوع من الكلام ركيك ، ويُجَلُّ كلام الشارع أن يحمل عليه . ويحتمل أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذه الأمور في أوقات مختلفة ، فجمعها الرَّاوي ، وساقها سياقة واحدة ، وحينئذ لا يكون فيه حجَّة على ما ذكرناه ، لكن الظاهر الأول ، والله تعالى أعلم . و( الْجُبار ) : الذي لا قود فيه ، ولا دية ، ولا شيء . وهو بضم الجيم ، على وزن : غُرَاب . و( العجماء )- ممدودة ، مهموزة- : اسم جنس لجميع البهائم ، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تنطق . فظاهر قوله : ( العَجْمَاء جرحها جُبار ) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء ، وهذا مُجمعٌ عليه . فلو كان معها قائد ، أو سائق ، أو راكب ، فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم الْمُتْلَف . فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص ، وكان الحمل عمدًا ؛ كان فيه القصاص . ولا يختلف فيه ؛ لأنَّ الدَّابة كالآلة . وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة . وفي الأموال الغرامة في مال الجاني قصدًا كان أو غير قصد . وهذا كلُّه لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى . واختلفوا فيما أصابته برجلها أو ذنبها . فلم يُضمِّن مالك ، والليث ، والأوزاعي صاحبها ، وضَمَّنه الشافعي ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة . واختلفوا في الضَّارِيَة . فجمهورهم على أنَّها كغيرها . ومالك وبعض أصحابه يُضَمِّنُونَه . واختلفوا فيما رعت المواشي . فضَمَّن مالك ربَّها ما أفسدته ليلًا دون ما أفسدته نهارًا . وبه قال الشافعي ، والجمهور . ومعتمد التفرقة : أن على أرباب الحوائط والمراعي حفظها نهارًا ؛ إذ غالب المواشي أنَّها تسرح فيه ، ولا تنضبط ، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل ، فكأن رعي النهار تمكين من أرباب الزروع للماشية من الرَّعي ، ورَعْي الليل تسليط من أرباب المواشي على الرَّعي . وقال أبو حنيفة : لا ضمان فيما رعته المواشي ليلًا ولا نهارًا تمسُّكًا منه بالحديث . وهذا إنما يليق بأهل الظاهر لا بأبي حنيفة . وقال الليث ، وسحنون : يضمن ما رعت نهارًا . و( قوله : والبئر جُبار ) يعني : إذا حفرها الإنسان في ملكه على الوجه الجائز . فلو حفرها في ملك غيره بغير إذنه ، أو في طريق فهلك فيها شيء ؛ ضمنه عند مالك ، والشافعي . فإن هلك فيها إنسان كانت ديته على الجاني . وكذلك لو حفرها لسارق ؛ فهلك فيها . وقال الليث : لا دية فيه ولا ضمان . وكذلك الحكم في المعدن . فلو انهار المعدن على العملة ؛ فإن كان ربُّ المعدن قد غرَّهم ؛ كانت دياتهم على عاقلته ، وإن لم يَغرَّهُم فهلكوا فيه ؛ لم يلزمه شيء ولا عاقلته . والركاز عند مالك هو : ما يوجد من دفين الجاهلية . فخمسه لبيت مال المسلمين ، وأربعة أخماسه لواجده . وهل هذا حُكم كل ركاز . أو يختلف ذلك بحسب نوعه وأرضه ؟ فيه خلاف بين أصحابنا وغيرهم . وكله مذكور في كتبهم . و( قوله في حديث أنس : أن رجلًا كان يُتهم بأمِّ ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) هذه مارية أمّ إبراهيم ، ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها رجل قبطي ، فتكلم المنافقون في ذلك ، وشنَّعوا ، فأظهر الله براءتها بما ظهر من حال الرَّجل - وهذا نحو مِمَّا جرى لعائشة - رضي الله عنها - حتَّى برَّأها الله تعالى ، وأظهر من حال المرمي أنَّه حصور . كل ذلك مبالغةٌ في صيانة حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإظهار تكذيب من تَفَوَّهَ بشيء من ذلك . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : اذهب فاضرب عنقه ) في هذا اللفظ إشكال ، وهو : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كيف يأمر بضرب عنق هذا الرجل ولم يكن هناك موجبٌ للقتل ، وقد ظهر ذلك حين انكشف حال الرَّجل ؟ ويزول هذا الإشكال : بأن هذا الحديث رواه أبو بكر البزار ، فساق فيه أكمل من هذا ، وأوضح ، فقال فيه : عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : كثر على مارية في قبطي ابن عم لها كان يزورها ، ويختلف إليها ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خذ هذا السيف فانطلق ، فإن وجدته عندها فاقتله ) قال : قلت : يا رسول الله ! أكون في أمرك كالسِّكة المحماة ، لا يثنيني شيء ، حتى أمضي لما أمرتني ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال : ( بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ) ، وذكر الحديث بنحو ما تقدم . فهذا يدلّ على أن أمره بقتله إنَّما كان بشرط أن يجده عندها على حالة تقتضي قتله . ولما فَهِمَ عنه علي ذلك سأله ، فبيَّن له بيانًا شافيًا ، فزال ذلك الإشكال ، والحمد لله ذي الجلال . ويحتمل أن يقال : إن ذلك خرج من النبي - صلى الله عليه وسلم - مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر على موجب الغيرة الْجِبِلِّيَّة . والأول أليق وأسلم . والله بحقائق الأمور أعلم . وفيه من الفقه : إعمال النظر ، والاجتهاد ، وترك الجمود على الظواهر ، وأنَّه يجوز الاطلاع على العورة عند الضرورة ، كتحمُّل شهادة الزنى ، كما صار إليه مالك .
( 2 ) باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام 1688 - ( 8 و9 ) [1778] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ ، فَقَالَوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ ! ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا . وفي رواية : فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وفيها : ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 1688 - ( 10 ) [1779] وعنها : قالت : كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقطع يَدهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ الأول . ( 2 ) ومن باب : النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام ( قوله : إن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت ) هذا هو الصحيح : أن هذه المرأة سرقت ، وقطعت يدها لأجل سرقتها ، لا لأجل جحد المتاع . ويدلّ على صحة ذلك أربعة أوجه : أولها : إن رواية من روى : أنها سرقت ؛ أكثر وأشهر من رواية من قال : إنَّها كانت تجحد المتاع . وإنَّما انفرد معمر بذكر الجحد وحده من بين الأئمة الحفاظ ، وقد تابعه على ذلك من لا يعتد بحفظه كابن أخي ابن شهاب ونَمَطِه . هذا قول المحدِّثين . ثانيها : إن معمرًا وغيره ممن روى هذه القضية متفق : على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - حيث أنكر على أسامة - : ( لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها ) ، ثم أمر بيد المرأة فقطعت . وهذا يدلُّ دلالة قاطعة : على أن المرأة قطعت في السَّرِقة ؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر السِّرِقة هنا لاغيًا ، لا فائدة له ، وإنما كان يقول : لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها . وثالثها : إن جاحد المتاع خائن ، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء خلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا : ( ليس على خائن ، ولا منتهب ، ولا مختلس ، قطع ) . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وهذا نصٌّ . ولأنَّه لو كان في جَحْد المتاع قطعٌ لكان يلزم القطع على كلَّ من جَحَد شيئًا من الأشياء ثمَّ ثبت عليه . وهذا لا قائل به فيما أعلم . ورابعها : إنَّه لا تعارض بين رواية من روى : ( سرقت ) ولا بين رواية من روى : ( جحدت ما استعارت ) إذ يمكن أن يقال : إن المرأة فعلت الأمرين ، لكن قطعت في السرقة ، لا في الجحد ، كما شهد به مساق الحديث ، فتأمله و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : أتشفع في حدٍّ من حدود الله ؟ ! ) إنكارٌ على أسامة ، يُفْهَم منه : تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام ، فيَحْرُم على الشافع وعلى الْمُشَفَّع ، وهذا لا يختلف فيه . وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال : شفع الزبير في سارق ، فقيل : حتى نُبْلِغَهُ الإمامَ . قال : إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والْمُشَفَّع ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورواه مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن : أن الزبير قال ذلك ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم والموقوف هو الصحيح . وأمَّا الشفاعة قبل بلوغ الإمام : فقد أجازها أكثر أهل العلم لما جاء في السِّتر على المسلم مطلقًا ، لكن قال مالك : ذلك فيمن لم يُعرف منه أذى للنَّاس ، فأما من عرف منه شرٌّ ، وفسادٌ : فلا أحبُّ أن يُشْفع فيه . وأمَّا الشفاعة فيما ليس فيه حدٌّ وليس فيه حق لآدمي ، وإنَّما فيه التعزير فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا . و( قوله : إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ ) تهديد ، ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود ، وعلى ترك التسوية فيما بين الدَّنيء والشريف ، والقوي والضعيف . ولا خلاف في وجوب ذلك . وفيه حجَّة لمن قال : إن شرع من قبلنا شرع لنا . و( قوله : لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها ) إخبارٌ عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقق . وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب ، والبغيض والحبيب ، لا تنفع في ذريةٍ شفاعة ، ولا تحولُ دونه قرابة ولا جماعة . و( قولها : فحسنت توبتها ، وتزوَّجت إلى آخره ) يدلّ على صحة السَّارق ، وأنها ماحيةٌ لإثم السَّرِقة ، وللمعرَّة اللاحقة ، فيحرم تعييره بذلك . أو يعاب عليه شيء مما كان هنالك . وهكذا حكم أهل الكبائر إذا تابوا منها ، وحسنت أحوالهم بعدها ، تُسمعُ أقوالهم ، وتُقبل شهادتهم . وهذا مذهب الجمهور ، غير أن أبا حنيفة قال : لا تقبل شهادة القاذف المحدود مطلقًا وإن تاب . وقال مالك : لا تُقبل شهادة المحدود فيما حدّ فيه ، وتُقبل في غيره .
1691 - ( 15 ) [1781] وعن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ قَالَ : قال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ الله عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا ، وَوَعَيْنَاهَا ، وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ! فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، فإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ . و( قول عمر : كان مما أنزل الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - آية الرَّجم ، فقرأناها ، ووعيناها ، وعقلناها ) هذا نصٌّ من عمر - رضي الله عنه - على أنَّ هذا كان قرآنًا يُتلى . وفي آخره ما يدلُّ على أنَّه نُسخ كَونُها من القرآن ، وبقي حُكْمُها معمولًا به ، وهو الرَّجم . وقال ذلك عمر بمحضرِ الصحابة - رضي الله عنهم وفي مَعْدن الوحي ، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين ، وتناقلها الرُّكبان ، ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئًا مِمَّا قاله عمر ، ولا راجعه لا في حياته ولا بعد موته ، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحة هذا النوع من النسخ . وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، ولا يلتفت لخلاف من تأخر زمانه ، وقل علمه في ذلك . وقد بيَّنا في الأصول : أن النسخ على ثلاثة أضرب : نسخ التلاوة ، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة ، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم . و( قوله : فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده ) يعني : نفسه وأبا بكر - رضي الله عنهما و( قوله : فأخشى إن طال زمان أن يقول قائل : ما نجدُ الرَّجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله تعالى ) هذا الذي توقعه عمر قد وقع بعده للخوارج ، والنّظَّام ؛ فإنَّهم أنْكَرُوا الرَّجم ، فهم ضالون بشهادة عمر - رضي الله عنه - وهذا من الحق الذي جعل الله تعالى على لسان عمر وقلبه - رضي الله عنه ومما يدلُّ على أنَّه كان محدِّثًا بكثير مما غاب عنه ، كما شهد له بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم و( قوله : فإن الرَّجم في كتاب الله ) أي : في حكم الله الذي كان نزل في الكتاب ، وكان فيه ثابتًا قبل نسخه ، كما قدَّمناه . وقد نصَّ على هذا المعنى فيما ذكره عنه مالك في الموطأ ؛ فقال : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله لكتبته بيدي : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة . وهذا من قوله يدلّ على أن الكتاب قد أحكمت آياته وانحصرت حروفه وكلماته ، فلا يقبل الزيادة ولا النقصان . و( قوله : حقٌّ ) أي : ثابت يعمل به إلى يوم القيامة . و( قوله : على من زنى من الرِّجال أو النساء إذا أحصن ) هذا مجمع عليه ؛ إذ لم يسمع بمن فرَّق فيه بين الرجال والنساء . وقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا والغامدية على ما يأتي . و( قوله : إذا قامت البينة ، أو كان الحبل ، أو الاعتراف ) فيعني بالبينة الأربعة الشهداء العدول ، المؤدين للشهادة في فَوْرٍ واحد ؛ الذين يَصفُون رؤية فرجه في فرجها كالْمِرُّود في المكحلة ، المقيمين على شهادتهم إلى أن يقام الحدّ على ما يُعرف في كتب الفقه . و( الْحَبَلُ ) : يعني به : أن يظهر بامرأة لا زوج لها ، ولا سيِّد ، وكانت غير طارِئةٍ - حَبَلٌ ، ولم يظهر ما يدلُّ على الإكراه [مثل أن تتعلق به ، وتفضح نفسها ، وهي تُدْمَى ، فأما لو لم يكن إلا قولها أنها أكرهت ، ولم يظهر ما يدلّ على الإكراه] ، فإنَّها لا يَدْفَع الحدّ عنها مجرَّدُ قولِها ، ولا يكون قولها شبهة عندنا ، وهو شبهة عند أبي حنيفة يدْرأ بها الحدّ . وبه قال ابن المنذر ، والكوفيون ، والشافعي ، قالوا : إذا وجدت المرأة حاملًا فلا حدّ عليها إلا أن تقرَّ بالزنى ، أو تقوم عليها بيِّنة . ولم يفرِّقوا بين الطارئة وغيرها . ويرد عليهم قول عمر - رضي الله عنه - : أو الْحَبَل - بحضرة الصحابة - ولا منكر . وأيضًا : فمثل هذا لا يقوله عمر - رضي الله عنه - عن اجتهاد ، إنَّما يقوله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه لم يصرَّح بالرفع . ولا يضرُّنا ذلك . ولو سلَّمنا : أنَّه قاله عن اجتهاد فاجتهاده راجحٌ على اجتهاد غيره ؛ لشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( إن الله تعالى قد جعل الحق على لسانه وقلبه ) . وسيأتي الكلام في الاعتراف .
( 3 ) باب حد البكر والثيب إذا زنيا 1690 - ( 12 ) [1780] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم . ( 3 ) ومن باب : حدّ البكر والثيِّب إذا زنيا ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا ) أي : افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا واعملوا به . وذلك : أن مُقْتضى هذه الآية : أن من زنى حبس في بيته إلى أن يموت . كذا قاله ابن عباس في النساء ، وحكي عن ابن عمر : أن ذلك حكم الزانيين ؛ يعني : الرَّجل والمرأة . فكان ذلك الحبس هو حدّ الزناة ؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته ؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته ، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ ، كما يحصل من الجلد والتغريب . فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا ، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس ، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - فبلَّغه لأصحابه ، فقال لهم : ( خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا : البكر بالبكر جلد مائة ، وتغريب عام ، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) ، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته . وهذا نحو قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام ، لانتهاء غايته ، لا لنسخه . وبهذا يعلم بطلان قول من قال : إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور ، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه . وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا ، ولأن الجمع بين الحبس ، والجلد ، والرَّجم ممكن ، فلا تعارض ، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] المتقدم ، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول . وإذا تقرر هذا فاعلم : أن الأمَّة مُجْمِعة : على أن البكر - ويعني به : الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ . وجمهور العلماء من الخلفاء ، والصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة ، وصاحبه محمد بن الحسن ، فإنَّهما قالا : لا تغريب عليه . فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني ، والتغريب زيادةٌ عليه ، والزيادة على النصّ نسخ ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد ، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد . والجواب : أنا لا نسلِّم : أن الزيادة على النص نسخٌ ، بل زيادة حكم آخر مع الأصل ، فلا تعارض ، فلا نسخ . وقد بيَّنا ذلك في الأصول ، سلمنا ذلك ، لكن هذه الآية ليست بنصٍّ ، بل عموم ظاهرٌ ، فيخصّص منها بعض الزناة بالتغريب ، كما يخصِّص بعضهم بالرَّجم ، ثمَّ يلزمهم ردَّ الحكم بالرجم فإنه زيادة على نصّ القرآن ، وهو ثابت بأخبار الآحاد . ولو سلَّمنا : أن الرَّجم ثبت بالتواتر ، فشرطه الذي هو الإحصان ثبت بأخبار الآحاد ، ثم هم قد نقضوا هذه القاعدة التي قعدوها في مواضع كثيرةٍ بيَّناها في الأصول . ومن أوضح ذلك : أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على خبر ضعيف لم يصحّ عند أهل العلم بالحديث ، وهو زيادة على ما نصّ عليه القرآن من استعمال الماء . ثم القائلون بالتغريب اختلفوا فيه . فقال مالك : ينفى من مصر إلى الحجاز وشَعب وأسوان ونحوها . ومن المدينة إلى خيبر وفدك ، وكذلك فَعَل عمر بن عبد العزيز . وقد نفى علي - رضي الله عنه - من الكوفة إلى البصرة . قال مالك : ويحبس في البلد الذي نُفي إليه . وقيل : يُنفى إلى عمل غير عمل بلده . وقيل : إلى غير بلده . وقال الشافعي : أقلُّ ذلك يوم وليلة . قلت : والحاصل : أنَّه ليس في ذلك حدٌّ محدود ، وإنَّما هو بحسب ما يراه الإمام ، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه أردع . ثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحرّ . واختلفوا في تغريب المرأة والعبد . فممن رأى التغريب فيهما ؛ أخذا بعموم حديث التغريب ، ابن عمر ، وقد حدّ مملوكة له في الزنى ، ونفاها إلى فدك . وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، والثوري ، والطبري ، وداود . وهل يُنْفى العبد والأمة سنة أو نصف سنة ؟ قولان عند الشافعي . وذهب معظم القائلين بالنفي : إلى أنه لا نفي على مملوك ، وبه قال الحسن وحماد بن أبي سليمان ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق . ولم ير مالك ، والأوزاعي على النساء نفيًا . وروي مثله عن علي بن أبي طالب بناءً على تخصيص حديث النفي . أما في الأَمَة : فبقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثًا ) . ثم قال بعد ذلك : ( ثم إن زنت فبيعوها ولو بِضَفِير ) ، ولم يذكر النفي ، وهو موضع بيان ، ووقته ، لا يجوز تأخيره عنه ، ولأن تغريب المملوك عقوبة لمالكه يمنعه من منافعه في مدة تغريبه ، ولا يناسب ذلك تصرُّف الشرع ، فلا يعاقب غير الجاني ، ألا ترى أن العبد لا يجب عليه الحجَّ ، ولا الجمعة ، ولا الجهاد لحق السيِّد ؛ فِبأنْ لا يغرب أولى . وإمَّا في حق الحرَّة : فلأنها لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم أو زوج ، فإن أوجبنا التغريب على هؤلاء معها كنا قد عاقبناهم وهم برءاءُ ، وإن لم نوجبه عليهم لم يجز لها أن تسافر وحدها فتعذَّر سفرها . فإن قيل : تسافر مع رفقة مأمونة أو النساء ؛ كما يقوله مالك في سفر الحجّ . فالجواب : إن ذلك من مالك سعي في تحصيل وظيفة الحجّ لعظمها وتأكد أمرها ، بخلاف الزانية ؛ فإن المقصود منه المبالغة في الزجر والنكال ، وذلك حاصل بالجلد ، ولأن إخراج المرأة من بيتها الأصل منعه . ألا ترى : أن صلاتها في بيتها أفضل ، ولا تخرج منه في العِدَة . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أَعْرُوا النساء يَلْزَمْن الحِجالَ ) . وحاصل ذلك : أن في إخراجها من بيتها إلى بلد آخر تعريضها لكشف عورتها ، وتضييعا لحالها ، وربما يكون ذلك سببًا لوقوعها فيما أخرجت من سببه ، وهو الفاحشة . ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار ، وهو مختلف فيه ، كما ذكرناه في الأصول . و( قوله : والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) الثيب هنا : هو المحصن ، وهو البالغ ، العاقل ، الحرّ ، المسلم ، الواطئ وطئًا مباحًا في عقد صحيح . هذه شروط الإحصان عند مالك ، وقد اختلف في بعضها . ولبيان ذلك موضع آخر . فإذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين ، ولا التفات لإنكار الخوارجِ والنّظَّامِ الرَّجْمَ ، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفِّرهم ، وإما لأنَّهم لا يعتد بخلافهم ؛ لظهور بدعتهم وفسقهم على ما قرَّرناه في الأصول . وهل يجمع عليه الجلد والرَّجم ؟ كما هو ظاهر هذا الحديث ؛ وبه قال الحسن البصري ، وإسحاق ، وداود ، وأهل الظاهر . وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : أنَّه جمع ذلك على شراحة ، وقال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم أو يقتصر على الرَّجم وحده ؟ وهو مذهب الجمهور ، متمسكين بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما ، وقال : ( اغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ، ولم يذكر الجلد ، فلو كان مشروعًا لما سكت عنه ، وكأنَّهم رأوا : أن هذا أرجح من حديث الجمع بين الجلد والرَّجم ، إما لأنَّه منسوخ إن عرف التاريخ ، وإمَّا لأن العمل المتكرر من النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوقات متعددة أثبت في النفوس ، وأوضح ، فيكون أرجح . وقد شذَّت طائفة فقالت : يجمع الجلد والرجم على الشيخ ، ويُجلد الشابُّ تمسُّكًا بلفظ الشيخ . وهو خطأ ، فإنَّه قد سَمَّاه في الحديث الآخر : الثيب . و( قوله في الأصل : كرب لذلك وتَرَبَّد وجهه ) أي : أصابه كربٌ ، وعلت وجهه غَبَرَةٌ . والرَّبدة : تغيير البياض للسواد ، وقد تقدم في الإيمان .
( 11 ) باب من أقيم عليه الحد فهو كفارة له 1709 - ( 43 ) [1798] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ . ( 11 ) ومن باب : من أقيم عليه الحدّ فهو كفارة له ( قوله : أَخَذَ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخذ على النساء ) يعني : أنَّه بايعهم على التزام هذه الأمور المذكورة كما بايع النساء عليها . وإنَّما نبَّه بهذا على أن هذه البيعة لما لم يكن فيها ذكر القتال استوى فيها الرِّجال والنساء ؛ ولذلك كانت تسمى هذه البيعة بيعة النساء . وهذه البيعة كانت بالعقبة خارج مكة . وهي أول بيعة بايعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنقباء الأنصار ، وذلك قبل الهجرة ، وقبل فرض القتال . و( قوله : ولا يَعْضَهُ بعضنا بعضًا ) هكذا رواية الجماعة ، وقيل فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه السِّحر ؛ أي : لا يسحر بعضنا بعضا . والعَضْهُ ، والعَضِيهَة : السِّحر . والعاضِهُ : السَّاحر . والعاضِهَةُ : السَّاحرة . والثاني : أنَّه النَّمِيمَة والكذب . والثالث : البُّهْتان . قلت : وهذه الثلاثة متقاربة في المعنى ؛ لأنَّ الكل كذبٌ وزور . ويقال لكلِّها عَضْهٌ ، وعَضِيهةٌ . ويُصرف فعلها كما سبق . وقد روى العذري هذه اللفظة : ( ولا يَعْضِي بعضنا بعضًا ) - بالياء مكان الهاء - على وزن : يقضي . ويكون من التعضية ، وهي التفريق والتجزئة . ومنه قوله تعالى : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال ابن عباس : فرَّقوه فآمنوا ببعضه ، وكفروا ببعض . وعلى هذا : فيكون عضين : جمع عضه . فيكون منقوضًا ؛ لأنَّ أصله : عِضْوةٌ ، فحذفوا الواو ، ونقلوا حركتها إلى الساكن قبلها ، كما فعلوه في عزة ، فيكون معناه في الحديث : لا تكذب عليه فتبهته بأنواع من البهتان والكذب ، فتفرقها عليه في أوقات ، وتنسبها إليه في حالات . ورواية الجماعة أوضح . و( النُّقَباء ) : جمع نقيب ، كظريف ، وظرفاء . وهو الذي ينقب عن أخبار أصحابه ، وأحوالهم ، فيرفعها للأمراء . وهم المسمُّون بالعرفاء أيضًا : جمع عريف ، لتعرُّفهم بالأحوال ، وتعريفهم بها . وقد تقدم الكلام في ( النهبة ) . و( قوله : ولا نقتل أولادنا ) يعني بهم : البنات اللواتي كانوا يدفنونهم أحياء . وهي الموءودة . وكانوا يفعلون ذلك للأنفة الجاهلية وخوف الفقر والإملاق . ولا يُعارض هذا قوله في الرواية الأخرى : ( ولا نقتل النَّفس التي حرَّم الله إلا بالحق ) لأنَّ هذه البيعة كانت فيها أمورٌ كثيرة منعهم منها ، ونهاهم عنها ؛ قد تقدم ذكر بعضها في كتاب الإمارة . وقد شمل ذلك كُلَّه بقوله : ( ولا نعصي ) ، وكذلك قال تعالى في حق النساء : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ و( قوله : فمَنْ وَفَى منكم ) بتخفيف الفاء . وقاله الأصيلي بتشديدها ، ومعناهما واحد ؛ أي : فعل ما أمر به ، وانتهى عمَّا نُهِي عنه . و( قوله : فأجره على الله ) أي : إن الله تعالى ينجيه من عذابه وإهانته ، ويوصله إلى جنته وكرامته . و( قوله : ومن أتى منكم حدًّا فأُقِيم عليه فهو كفارته ) هذا حجَّة واضحة لجمهور العلماء على أن الحدود كفارات . فمن قتل فاقتُصَّ منه لم يبق عليه طِلْبَةٌ في الآخرة ؛ لأنَّ الكفارات ماحيةٌ للذنوب ، ومصَيِّرةٌ لصاحبها كأن ذنبه لم يكن . وقد ظهر ذلك في كفارة اليمين والظِّهار وغير ذلك . فإن بقي مع الكفارة شيء من آثار الذنب لم يصدق عليها ذلك الاسم . وقد سمعنا من بعض علماء مشايخنا : أن الكفارة إنَّما تكفر حق الله تعالى ، ويبقى على القاتل حق المقتول يطلبه به يوم القيامة . وتَطَّرِدُ هذه الطريقة في سائر حقوق الآدميين . قلت : وهذا ليس بصحيح ؛ لأنَّه تخصيص لعموم ذلك الحديث بغير دليل ، وما ذكره من اختلاف الحقوق صحيحٌ ، غير أنَّه لما أباح الله دم القاتل بسبب جريمته ، وقتل ، فقد فعل به مثل ما فعل من إيلام نفسه واستباحة دمه ، فلم يبق عليه شيء . وهذا معنى القصاص . و( قوله : ومن ستر الله عليه ، فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) يعني : إذا مات ولم يَتُب منه . فأمَّا لو تاب منه لكان كمن لم يُذنب ؛ بنصوص القرآن والسُّنة كما قد تقدم . وهذا تصريحٌ بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر ؛ لأنَّ الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنصّ والإجماع . وهو حجَّة لأهل السُّنة على الْمُكَفِّرة بالذنوب ، وهم الخوارج ، وأهل البدعة .
1709 - ( 44 ) [1799] وعنه ، قَالَ: إِنِّي مِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى ألَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ وَلَا نَعْصِيَ، فَالْجَنَّةُ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ . و( قوله : فإن غَشينا شيئًا من ذلك كان قضاء ذلك إلى الله تعالى ) أي : إن ارتكبنا شيئًا من ذلك ، وفعلناه ؛ كان حكمه لله ؛ أي : إن شاء عذب ، وإن شاء عفا . كما فسَّره في الرواية الثانية .
1687- ( 7 ) [1777] وعن أبي هريرة ، قال : قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لعن الله السارق ، يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده . وفي رواية : إن سرق حبلا وإن سرق بيضة . و( قوله : لعن الله السَّارق ) أي : أبعده الله . وقد تقدَّم : أن أصل اللعن : الطرد ، والبعد . وفيه ما يدلّ : على جواز لعن جنس العصاة ؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون في ذلك الجنس من يستحق ذلك اللعن ، أو الذم ، أو الدُّعاء عليه . وليس كذلك العاصي المعيَّن ؛ لأنَّه قد لا يستحق ذلك ، فيعلم الله أنَّه يتوب من ذلك ، فلا يستحق ذلك اللعن بذلك . وقد ذهب بعض النَّاس : إلى أنَّه يجوز لعن المعيَّن من أهل المعاصي ما لم يُحَدّ . فإذا حدّ لم يجز ؛ لأن الحدود كفارة . وهذا فاسد ؛ لأنَّ العاصي المؤمن لم يخرج بمعصيته عن اسم المؤمن . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن المؤمن كقتله ) . وقد نهي عن اللَّعن . وهو كثير . وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لعن الملقب بـ ( حمار ) الذي كان يشرب الخمر كثيرًا ، فلعنه بعضهم ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لعنه . وهو صحيح نصٌّ في الباب . وفرق بين لعن الجنس والشخص ؛ لأنَّ لعن الجنس تحقيق وتحذير ، ولعن الشخص حسبان وتعيير . وأمَّا الكافر فلا حُرْمةَ له . ويجب الكفُّ عن أذى مَنْ له ذمَّة . ولا حجَّة لمن رأى : أنَّه لا تقطع الْخَمْس إلا في خَمْسٍ بما رواه أنس عن أبي بكر : أنَّه قَطَع في خمسة دراهم ؛ لأنَّه ليس فيه دلالة على أن هذا أقلّ ما يقطع فيه ، ولو كان نصًّا لما كان معارضًا لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقطع يد السَّارق في أقل من ربع دينار ) . فإن هذا نصٌّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يعارض بغيره . واختلف العلماء في الحدّ الذي تقطع منه اليد . وفيمن قطعت يده ثمَّ سرق ؛ ما الذي يقطع له ؟ وفيمن كانت له يمين شَلاَّء . فهذه مسائل : الأولى : لا خلاف أن اليمين هي التي تقطع أولًا . ثمَّ اختلفوا إن سرق ثانية . فقال مالك ، وأهل المدينة ، والشافعي ، وأبو ثور ، وغيرهم : تقطع رجله اليسرى ، ثمَّ في الثالثة يده اليسرى ، ثمَّ في الرابعة رجله اليمنى ، ثم بعد هذا يعزر ويحبس . قال أبو مصعب من أصحابنا : يقتل بعد الرابعة . وقد ثبت عن أبي بكر وعمر : أنهما قطعا اليد بعد اليد ، والرِّجل بعد الرِّجل . وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ، ثمَّ لا قطع في غيرها ، فإن عاد حبس ، وعزر . روي ذلك عن علي ، وبه قال الزهري ، وحمَّاد ، وأحمد . فلو كانت اليمنى شلاَّء ، أو مقطوعة أكثر الأصابع ، أو لا يمين له - وهي المسألة الثانية - ؛ ففيه عن مالك روايتان : إحداهما : تُقطع يده اليسرى . والأخرى : رِجله اليسرى . وقال الزُّهري : تُقطع الشَّلاَّء ؛ لأنَّها جمال . وبه قال إسحاق ، وأبو ثور . وقال أحمد : إذا كان يُحَرِّكُها قُطِعت . وعند الحنفية تفصيلٌ بعيدُ التحصيل . ثم إلى أين تُقطع- وهي المسألة الثالثة - ؛ فعند الكافة : تقطع اليد من الرُّسغ ، والرِّجل من المفصل . وهو مروي عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما وقال علي - رضي الله عنه - : تُقطع الرجل من شطر القدم ، ويُترك له العقب ، وبه قال أحمد ، وأبو ثور . وقيل : تُقطع اليد إلى المرفق . وقيل : إلى المنكب . وهما شاذان . تنبيه : آيةُ السَّرقة وردت عامة مطلقة ، لكنها مخصَّصة مقيَّدة عند كافة العلماء ؛ إذ قد خرج من عموم السَّارق من سرق ملكه ، ومن سرق أقل من نصاب ، وغير ذلك . وتقيَّدت باشتراط الحِرز ، فلا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع إلا ما شذَّ فيه الحسن ، وأهل الظاهر ، فلم يشترطوا الحِرز . وقد روى النسائي من حديث رافع بن خديج : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا قطع في كَثَرٍ ولا ثَمَرٍ ) ، والكَثَر : الْجُمَّار . وروى من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أنَّه سُئل عن الثمر الْمُعَلَّق ؟ فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبْنَة فلا شيء عليه ، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن الْمِجَنِّ فعليه القطع ، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ) . وفي رواية : ( وليس في الماشية قطعٌ إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن الْمِجَنِّ ففيه قطع اليد ، وما لم يبلغ ثمن الْمِجَنِّ ففيه غرامة مثليه وجلدات . قال أبو عمر : قوله : وغرامة مثليه : هو منسوخ . ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به إلا رواية أحمد . ومحمل هذا على التشديد ، والعقوبة . وأبو عمر يصحح حديث عمرو بن شعيب إذا كان الرَّاوي عنه ثقةٌ ، والراوي عنه لهذا الحديث ابن عجلان ، وهو ثقة . وإذا تقرَّر اشتراط الحِرز في السرقة : فالحِرز عبارة عن المحلّ الذي يحفظ فيه ذلك الشيء عادة . ثم هو مختلف بحسب اختلاف الشيء الْمُحْرز . وتفصيل ذلك وبقية ما يتعلَّق بالسَّرِقة في الفروع .
( 23 ) كتاب الحدود ( 1 ) باب حد السرقة وما يقطع فيه 1684 - ( 1 ) [1774] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . 1684 - ( 3 ) [1775] وعنها : أنها سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : لا تقطع يد السارق إلا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا 1686 - ( 6 ) [1776] وعن ابن عمر : أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم . ( 23 ) كتاب الحدود هي : جمع حدّ . وأصل الحدّ : المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته وصيغه . وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات : حدودًا ؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني ومن فعل المعتبر بها . ( 1 ) ومن باب حدّ السَّرِقة وما يقطع فيه السَّرِقةُ والسَّرِقُ - بكسر الراء فيهما - : هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر من ( سَرَق ، يَسْرِقُ ) : سَرَقًا - بفتح الرَّاء - كذا قاله الجوهري . وأصل هذا اللفظ إنما هو : أخذ الشيء في خفية . ومنه : اسْتَرَق السَّمع . وسَارَقَه النظر . قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو : من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له . فإن أخذ من ظاهرٍ فهو مختلس ، ومستلبٌ ، ومنتهبٌ ، ومحترسٌ . فإن منع مما في يده فهو غاصبٌ له . قلت : وهذا الذي قاله ابن عرفة هو السارق في عُرْفِ الشرع . ويستدعي النَّظر في هذا الباب النَّظر في : السَّارق ، والمسروق منه ، والشيء المسروق ، وحكم السَّارق . ولا خلاف في أن السَّارق إذا كملت شروطه يقطع دون الغاصب ، والْمُخْتَلِس ، والْخَائِن . وفيمن يستعير المتاع فيَجْحَدُهُ خلاف شاذٌّ ، حكي عن أحمد ، وإسحاق ، فقالا : يقطع . والسَّلف والخلف على خلافهما . وسيأتي القول في حديث المخزوميَّة . وإنَّما خصَّ الشرع القطع بالسَّارق ؛ لأن أخذ الشيء مُجاهَرَة يمكن أن يُسْتَرجع منه غالبًا . والخائن مكَّنَهُ ربُّ الشيء منه ، وكان متمكنًا من الاستيثاق بالبينة . وكذلك الْمُعير . ولا يُمَكَّن شيء من ذلك في السَّرِقة ، فبالغ الشرع في الزجر عنها ؛ لما انفردت به عن غيرها بقطع اليد . وقد أجمع المسلمون : على أن اليمنى [تقطع إذا وجدت ؛ لأنَّها الأصل في محاولة كل الأعمال] . و( قول عائشة - رضي الله عنها - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] يَقْطع في ربع دينار فصاعدًا ) . وفي الطريق الأخرى : ( لا تُقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ) . هذا تقرير لقاعدة ما تقطع فيه يد السَّارق من النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلفظه . لكنَّه ظاهر فيما إذا كان المسروق ذهبًا ، فلو كان غير ذهب ، وكان فضة ، فهل يعتبر قيمتها بالذهب ؛ فإن سوّيت ربع دينار فصاعدًا قطع فيها ، أو إنما تعتبر بنفسها ؛ فإذا بلغت ثلاثة دراهم وزنًا قطع فيها ، فيكون كل واحد من الذهب والفضة أصلًا معتبرًا بنفسه ؛ قولان : الأول : للشافعي ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبي ثور ، وهو مروي عن عمر ، وعلي ، وعثمان ، وبه قالت عائشة ، وعمر بن عبد العزيز . والثاني : لمالك وأصحابه . وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهبًا فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم من الورق . وهذا نحو مما صار إليه مالك في أحد القولين . وفي المشهور : أنه إنما تقوَّم العروض بالدراهم ، كما قال في حديث ابن عمر . وقال بعض أصحابنا : يقوَّم بالغالب في موضع السَّرِقة من الذهب والفضة كما تقوَّم المتلفات . وهو القياس . وهذان القولان ناشئان من حديثي عائشة ، وابن عمر المذكورين في هذا الباب . وقد نقلت أقوال عن كثير من السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرِقة لم يثبت فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث معتمد ، ولا لها في الأصول ظاهر مستند ؛ فمنها ما روي عن عمر ، وقال به سليمان بن يسار ، وابن شبرمة . وهو : أنَّ الْخَمْسَ لا تقطع إلا في خَمْسٍ . ومنها : أنَّها لا تقطع إلا في عشرة دراهم . وبه قال عطاء ، والنُّعمان ، وصاحباه . ومنها : أنها تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا . وهو مروي عن أبي هريرة ، وأبي سعيد . ومنها : أنها تقطع في درهم فما فوقه ، وهو مروي عن عثمان . ومنها : أنها تقطع في كل ما له قيمة ، وروي عن الحسن في أحد أقواله ، وهو قول الخوارج ، وأهل الظاهر . [واختاره ابن بنت الشافعي ] . ومنها : أنها لا تقطع في أقل من درهمين ، وروي عن الحسن . ومنها : أنها لا تقطع في أقل من أربعين درهما ، أو أربعة دنانير . وروي عن النخعي . قلت : وهذه كلها أقوال متكافئة ، خلية عن الأدلة الواضحة الشافية ، ولا يصحُّ ما رواه الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا : ( لا تقطع يد السَّارق في أقل من عشرة دراهم ) لضعف إسناده ، ولما يعارضه من قوله في الصحيح : ( لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ) . ولا حجَّة لمن احتجَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن الله السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده ) لأنَّه وإن احتمل أن يراد بالبيضة بيضة الحديد ، وبالحبل حبل السُّفن ، كما قد قيل فيه : فالأظهر من مساقه : أنَّه يراد به التقليل ، لكن أقل ذلك القليل مقيَّد بقوله : ( لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار ) ، وهذا نصٌّ ، وبقول عائشة : لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التَّافه ، خرَّجه البخاري وغيره . وهذا منها خبر عن عادة الشرع الجارية عندهم . ومعلوم : أن الواحدة من بيض الدَّجاج ، والحبل الذي يشدّ به المتاع والرَّحل تافهٌ . وإنَّما سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا أغْيَت في تكثير شيء أو تحقيره ، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصحّ وجوده ، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك ، فتقول : لأصْعَدنَّ بفلان إلى السماء ، ولأهبطنَّ به إلى تخوم الثَّرى . وفلانٌ مناطُ الثُّريَّا . وهو مِنِّي مقعد القابلة . ومن بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بُني له بيتٌ في الجنة . ولا يُتصوَّر مسجد مثل ذلك . وتصدَّقن ولو بظلفٍ مُحرَّقٍ . وهو مِمَّا لا يُتصدقُ به . ومثل هذا كثير في كلامهم ، وعادة لا تستنكر في خطابهم . وقيل في الحديث : إنَّه إذا سرق البيضة أو الحبل ربما حمله ذلك على أن يسرق ما يقطع فيه ، لأنه ربما يجترئ على سرقة غيرهما ، فيعتاد ذلك فتقطع يده .
( 7 ) باب للحاكم أن يصلح بين الخصوم ، وإثم الخصم الألد 1721 - [1815] عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ ، وَتَصَدَّقَا . ( 7 ) ومن باب : للحاكم أن يصلح بين الخصوم العقار : أصل الأموال من الأرض وما يتصل بها ، وعقر الشيء : أصله - ومنه : عقْرُ الأرض - بفتح العين وضمها و( قوله : فقال الذي شَرَى الأرض : إنَّما بعتك الأرض وما فيها ) هكذا للسمرقندي ، ومعنى ( شَرَى ) : باع ، كما قال تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ؛ أي : باعوه . وقد تقدَّم : أن ( شرى ) من الأضداد . يقال : شريت الشيء : أي : بعته واشتريته . وقد رواه غير السمرقندي : ( الذي اشترى الأرض ) ، وفيها بُعْدٌ ؛ لأنَّ المشتري هو الذي تقدَّم ذكره ، وهو هنا البائع ، ولا يصحُّ أن يقال عليه : مُشترٍ ؛ إلا أن صحَّ في ( اشترى ) : أنه من الأضداد ، كما قلناه في ( شَرَى ) . والأول هو المعروف . و( قوله : فتحاكما إلى رجل ) ظاهره : أنهما حكَّماه في ذلك ، وأنَّه لم يكن حاكمًا منصوبًا للناس ، مع أنَّه يحتمل ذلك . وعلى ظاهره يكون فيه لمالك حجَّة على صحة قوله : إن المتداعيين إذا حَكَّما بينهما من له أهلية الحكم صحَّ ، ولزمهما حكمه ، ما لم يكن جوَّرًا ، سواء وافق ذلك الحكم رأي قاضي البلد ، أو خالفه . وقال أبو حنيفة : إن وافق رأيه رأي قاضي البلد نَفَذَ ، وإلا فلا . واختلف قول الشافعي ، فقال مثل قول مالك ، وقال أيضًا : لا يلزم حكمه ، ويكون ذلك كالفتوى منه . وبه قال شريح . وهذا الرَّجل الْمُحكَّم لم يحكم على أحد منهما ؛ وإنما أصلح بينهما ، بأن ينفقا ذلك المال على أنفسهما وعلى ولديهما ، ويتصدَّقا . وذلك أن هذا المال ضائع ، إذا لم يدَّعِه أحدٌ لنفسه . ولعلهم لم يكن لهم بيت مال ، فظهر لهذا الرَّجل : أنهما أحق بذلك المال من غيرهما من المستحقين لزهدهما ، وورعهما ، ولحسن حالهما ، ولِمَا ارتجي من طيب نسلهما ، وصلاح ذريتهما . قال الشيخ أبو عبد الله المازري : واختلف عندنا فيمن ابتاع أرضًا فوجد فيها شيئًا مدفونًا ؛ فهل يكون ذلك للبائع أو للمشتري ؛ فيه قولان . قلت : ويعني بذلك ما يكون من أنواع الأرض ، كالحجارة ، والعمد ، والرُّخام ، ولم يكن خِلْقَةً فيها . وأمَّا ما يكون من غير أنواع الأرض ، كالذهب والفضة ، فإن كان من دفن الجاهلية كان ركازًا . وإن كان من دفن الإسلام فهو لُقَطة . وإن جُهِل ذلك كان مالًا ضائعًا . فإن كان هنالك بيت مالٍ حفظ فيه . وإن لم يكن ؛ صرف للفقراء والمساكين . وفيمن يستعين به على أمور الدِّين ، وفيما أمكن من مصالح المسلمين . والله تعالى أعلم .
2668 - [1816] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ . و( قوله : إن أبغض الرجال إلى الله الألد الْخَصِم ) الألد : اسم فاعل من : لدَّ في الخصومة ، يَلَدُّ - بفتح العين - لَدًّا : إذا اشتدَّ في خصومته ، فهو ألدُّ ، والجمع : لُدٌّ . ومنه قوله تعالى : قَوْمًا لُدًّا وامرأة لَدَّاءٌ . وسمي الْخَصِم بذلك لإعماله لدَيْدَيهِ في الخصومة ، وهما جانبا الفم . وقيل : لأنك كلما أخذت في جانب من الحجَّة أخذ جانبًا آخر منها . وعلى هذا : فالألد صفة . فكان حقَّه أن يكون تابعًا للخصم . فيقول : الخصم الألد . لكنه لما كثر استعماله عومل معاملة الأسماء وحُذي به حَذْوَ قوله تعالى : وَغَرَابِيبُ سُودٌ ؛ لأن الأصل أن يقال : أسودٌ غِرْبِيب . فلو جاء على الأصل لقال : وسودٌ غرابيب . وهذا الخصم المذموم هو الذي يعدل عن الحق في خصومته ، ويُوَهِّيه ، ويَعْضِدُ الباطلَ ، ويُقَوِّيه . فأمَّا من اشتدت خصومته في حق حتى يظهره ، ويبديه ، ويزيح الباطل ، ويخفيه ؛ فهي حالةُ القائمين بالحق ، الناصرين له ، الذين لا يزالون ظاهرين إلى يوم الدِّين .
( 24 ) كتاب الأقضية ( 1 ) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد 1711 - ( 1 ) [1802] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . 1711 - ( 2 ) [1803] وعنه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى باليمين على المدعى عليه . ( 24 ) كتاب الأقضية ( 1 ) ومن باب : اليمين على المدَّعَى عليه ( قوله : لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدَّعَى عليه ) هذا الحديث رواه مسلم والبخاري مرفوعًا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس . قال الأصيلي : لا يصح رفعه ، وإنَّما هو من قول ابن عباس ، كذلك رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة . قلت : إذا صحَّ رفعه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه من وقفه ، ولا يكون ذلك تعارضًا ، ولا اضطرابًا ، فإن الرَّاوي قد يعرض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نسيان ، أو اكتفاء بعلم السَّامع ، أو غير ذلك . والرَّافع عدلٌ ، ثبتٌ ، ولم يكذبه الآخر ، فلا يُلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض ، كما بيَّنَّاه في الأصول . وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام ، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام ، يقتضي ألا يحكم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلًا شريفًا - بحقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقرًا يسيرًا - حتَّى يستند المدَّعي إلى ما يقوي دعواه ، وإلا فالدَّعاوي متكافئة ، والأصل : براءة الذمم من الحقوق ، فلا بدَّ مما يدلّ على تعلُّق الحق بالذمَّة ، وتترجَّحُ به الدعوى . و( قوله : لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم ) استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في التَّدْمِية . ووجه استدلاله : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد سوَّى بين الدماء والأموال في أنَّ المدَّعِي لا يسمع قوله فيها ، فإذا لم يُسمع قول المدَّعِي في مرضه : لي عندَ فلانٍ دينارٌ أو درهم ؛ كان أحرى وأولى ألا يُسمع قوله : دَمي عند فلان ؛ لحرمة الدماء ، ولا حجَّة لهم فيه ؛ لأنَّ مالكًا - رحمه الله - لم يسند القصاص أو الدِّية في التَّدْمِية لقول المدَّعِي : دمي عند فلان ؛ بل للقسامة على القتل ، والتَّدْمِية لوث يقوي جنبة المدَّعِين حتى يبدؤوا بالأيمان كسائر أنواع اللَّوث التي تقدم ذكرها في كتاب القسامة . وقد بيَّنَّا ذلك فيه ، وعلى هذا : فنقول بموجب الحديث ، فتأمَّلْهُ . و( قوله : ولكن اليمين على المدَّعَى عليه ) المدَّعَى عليه : هو المطلوب منه . والمدَّعِي : هو الطالب . وإنَّما كانت اليمين على المدَّعَى عليه ؛ لأنَّ الأصل براءة ذمته عمَّا طُلِبَ منه ، وهو متمسّك به . لكن يمكن أن يقال : قد شغلها بما طلب منه ، فيدفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين إن شاء . وظاهر عموم هذا اللفظ يقتضي : أن اليمين تتوجَّه على كل من ادُّعِي عليه ؛ كانت هنالك مخالطة أو لم تكن . وهو قول أكثر الفقهاء ، وابن نافع ، وابن لبابة من أصحابنا . وذهب مالك وجل أصحابه : إلى أن اليمين لا تتوجَّه على المدَّعَى عليه حتى تثبت بينهما خلطة . وهو مذهب الفقهاء السبعة . وبه قضى علي . وإنما مال هؤلاء إلى هذا مراعاة للمصلحة ، ودفعًا للمفسدة الناشئة من ذلك . وذلك : أنَّ السُّفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا ، حتى يحلف الرَّجل الجليل القدر في العلم والدين في اليوم الواحد مرارًا ، ويكون ذلك الوضيع يقصد ذلك به ليتخلَّص منه بما يبذله . ويهون على أهل الدِّين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة دفع هذا الامتهان والابتذال . ثم اختلف مشايخنا في معنى الخلطة . فقيل : معرفة المعاملة والمداينة معه بشاهدٍ أو شاهدين . وقيل : أن يكون المدَّعى عليه يشبه أن يعامل المدَّعي . وقيل : يجزئ من ذلك الشبهة . وأجمع العلماء على استحلاف المدَّعَى عليه في الأموال ، واختلفوا في غير ذلك . فذهب الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدَّعَى عليه في حدٍّ ، أو طلاقٍ ، أو نكاح ، أو عتقٍ ؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث ، فإن نَكَلَ ؛ حلف المدَِّعي ، وثبتت دعواه . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : يحلف على النكاح ، والطلاق ، والعتق ، وإن نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه . وقال الثوري ، والشعبي ، وأبو حنيفة : لا يستحلف في الحدود ، والسَّرِقة . وقال نحوه مالك . قال : ولا يستحلف في السَّرِقة إلا إذا كان متَّهمًا ، ولا في الحدود ، والنكاح ، والطلاق ، والعتق ، إلا أن يقوم شاهدٌ واحد ، فيستحلف المدَّعَى عليه لقوة شبهة الدَّعوى . واختَلَف قوله إذا نَكَلَ ؛ هل يحكم عليه بما ادّعي عليه ، أو يسجن حتى يحلف ، أو حتى يطول سجنه . وفي كتاب الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ادَّعت المرأة طلاق زوجها ، فأتت على ذلك بشاهد عدلٍ ؛ استحلف زوجها ، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد ، وإن نَكَلَ ؛ فنكوله بمنزلة شاهد آخر ، وجاز طلاقه ) . وهذا الحديث نصٌّ في الباب ، لكنه يحتاج إلى قوائم وأطناب . و( قوله : البيَّنةُ على المدَّعِي ) هذا بيان حكم المدَّعِي ، وإن لم يتعرض لبيان حكم المدَّعَى عليه ، وهو تعيين اليمين عليه ، لكنه قد بيَّن ذلك في حديث الحضرمي ؛ الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدَّعِي : ( شاهداك أو يمينه ) وقد تقدم في الأيمان . وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( البيِّنَة على المدَّعِي ، واليمين على من أنكر ؛ إلا في القسامة ) . وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند - لأنه من حديث مسلم بن خالد الزنجي ، ولا يحتجُّ به - فمعناه صحيح ، يشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( شاهداك أو يمينه ) ، وقول ابن عباس في الطريق الأخرى : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين على المدَّعَى عليه .
1712 - [1804] وعنه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بيمين وشاهد . و( قوله : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد ) ظاهره : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - حكم في قضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها بيمين وشاهد . ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة . فكأنه قال : أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم باليمين والشاهد . ومِمَّا يشهد لهذا التأويل : ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين في الحقوق . وهذا الذي يظهر من حديث أبي هريرة الذي قال فيه : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد . فعلى الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم ؛ لأنَّها قضيَّة في عين ، وعلى زيادة أبي داود ، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم . ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق بها . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله - : ذلك في الأموال وما يتعلَّق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد . قال : لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، بدلالة قبول شهادة النساء فيها . وقد اختلف قول مالك في جراح العمد . هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين ؟ فيه روايتان : إحداهما : أنه يجب به التخيير بين القود والدِّية . والأخرى : أنَّه لا يجب به ؛ لأنَّه من حقوق الأبدان . قال : وهو الصحيح . قال مالك في الموطأ : وإنما يكون ذلك في الأموال خاصَّة . وقال الإمام أبو عبد الله : يُقبل ذلك في المال الْمَحْض من غير خلاف ، ولا يُقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف . وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال ، ولكنه يُؤدي إلى المال ؛ كالشهادة بالوصية ، والنكاح بعد الموت ، حتى لا يُطلب من ثبوتها إلا المال ، إلى غير ذلك ؛ ففي قبوله اختلاف . فمن راعى المال قبله ، كما يُقبل في المال . ومن راعى الحال لم يقبله . قلت : والعذر لمالك عن خروجه عن ذلك الأصل المجمع عليه فيما كان المقصود فيه المال فقط واضح . وأمَّا الجراح العمد فليست بمال ، ولا تؤدي إليه ، وإنما يدخل المال فيها برضا المجروح . ثم يلزمه عليه أن يعمل بالشاهد واليمين في قتل النفس العمد ؛ لأنَّه قد يرضى بها الأولياء ولا قائل به ، ولا يلتفت لتفريق من فرَّق من أصحابنا بين الجراح والنفس ، بأن من جنس الجراح ما لا يكون فيه إلا المال ؛ لأنَّا كذلك نقول في القتل ، فإن من جنسه ما لا يكون فيه إلا المال ، وهو قتل الخطأ . فالصحيح من هذا : أنَّه لا يحكم بالشاهد واليمين في الجراح بوجه . ثمَّ : أحاديث هذا الباب كلها حجَّة للجمهور على الكوفيين ، والأوزاعي ، والنَّخعي ، وابن أبي ليلى ، والزهري ، والليث ، والحكم ، والشعبي ، حيث نَفَوا الحكم بالشاهد واليمين ، ونقضوا حكم من حكم به ، وبدَّعوه ، وقال الحكم : الشاهد واليمين بدعة ، وأول من حكم به معاوية . قلت : يا للعجب ! ولضيعة العلم والأدب ! كيف ردَّ هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها ، وشهرتها ؟ ! وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى نقضوا حكمه ، واستقصروا علمه ، مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وأبي بن كعب ، ومعاوية ، وشريح ، وعمر بن عبد العزيز وكتب به إلى عمَّاله وإياس بن معاوية ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو الزناد ، وربيعة . ولذلك قال مالك : وإنَّه ليكفي من ذلك ما مضى من السُّنة . أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ، ويحكم ببدعتهم ؟ ! قالوا : والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغترُّوا به من واهن الحِجَاج ، وذلك : أنَّهم وقع لهم : أن الحكم باليمين مع الشاهد زيادة على نصِّ قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ووجه تمسُّكهم : أنها حاصرة للوجوه التي يستحق بها المال نصٌّ في ذلك ، والزيادة على ذلك نسخ . ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوز إجماعًا ، والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يُقبل . والجواب : منع كون الزيادة على النصِّ نسخًا ؛ إذ الجمع بين النصّ والزيادة يصحّ ، وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي ، كما بيَّنَّاه في الأصول . سلَّمناه ، لكن لا نُسلِّم : أن الآية نصٌّ في حصر ذلك ؛ لأنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب ، ويمين الطالب ، فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا . وهذا معنى ما أشار إليه مالك في الموطأ ، وهو واضح . ثمَّ نقول بموجب الآية ؛ إذ نصُّها الأمر بمن يستشهد في المعاملات ، لا ما يُقضى به عند الدَّعاوي والخصومات .
( 8 ) باب الحكم في اللقطة والضوال 1722 - ( 1 و 6 ) [1817] عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَما لَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا. وفي رواية : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ؛ فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا ، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ. وفيها أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَضِبَ عندما سئل عن ضالة الإبل حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ. ( 8 ) ومن باب : حكم اللقطة والضوال قد تقدم القول في اللقطة وإنشادها في كتاب الحجِّ . و( العِفَاص ) : الوعاء . وأصله : جلدٌ يلبسه رأس القارورة . يقال : عفصت القارورة : شددت عليها العِفاص . و( الوكاء ) : الخيط الذي يشدُّ به الوعاء . تقول : عفصتُ عفصًا : إذا شددت العِفاص ، فإن جعلت العِفاص ؛ قلت : أعفصته . وتقول : أوكيت إيكاءً ، والشيءَ مُوكى ، كما تقول : أعطيت إعطاء ، والشيء مُعطَى . والكلام في اللقطة في مسائل : الأولى : في حدِّها ، وهي عندنا : وجدان مالٍ معصوم لمعصوم معرَّض للضياع ، فيدخل في المال كلُّ ما يُتمَّول من جمادٍ وحيوانٍ . ونعني بالمعصوم : كل مال لمالكه حرمة شرعيَّة ، فيدخل فيه مال المسلم ، والذمِّي ، والمعاهد ، ويخرج عنه مال الحربي ؛ إذ لا حرمة له . وأموال الجاهلية ؛ إذ هي ركاز ، ويدخل فيه القليل من المال والكثير منه ، سواء كان في عامر من الأرض أو غامرها ، مدفونًا أو غير مدفون . وتحرزنا بقولنا : ( مُعرَّض للضياع ) عمَّا يكون في حرز مُحترم ، أو عليه حافظ . المسألة الثانية : في أقسام اللقطة ، وهي : جمادٌ ، وحيوان . والحيوان : إنسان وغير إنسان ، والإنسان إمَّا صغير أو كبير . فالصغير إن علم : أنه مملوك ؛ فهو لُقطة . وإلا فهو اللقيط ، ويجب حفظه ، والقيام به على المسلمين ؛ إذا كان ذلك في بلادهم وجوب كفاية ، وله أحكام مذكورة في الفروع . ولا يكون المملوك الكبير لُقطة إلا إن كان مِمَّن لا يفهم . وأمَّا غير الإنسان : فإبل ، وبقر ، وغنم ، وخيل ، وبغال ، وحمير . المسألة الثالثة : في بيان حكمها . فأمَّا الجماد : فاختلف في حكم التقاطه ؛ فذهب الشافعي إلى استحباب ذلك مطلقًا ، وعندنا فيه تفصيل . فقيل : لا يجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين ، والإمام عدل ؛ فيجب أخذها بنيَّة الحفظ على من وثق بأمانة نفسه ، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ عليه ، وإن ظن ذلك كره له ، وإذا كانت بين مأمونين ، ووثق بأمانة نفسه ، فقيل : يستحب له أخذها بنيَّة الحفظ . وروي عن ابن القاسم كراهة التقاطها ؛ إلا أن يكون لها قدر وبال . وكذلك روى أشهب في الدنانير ، فأمَّا الدرهم وما لا بال فيه ؛ فلا أحِبُ له أن يأخذه . وقد رويت عن مالك الكراهة مطلقًا . وباقي ما يتعلّق بها من المسائل يأتي مع البحث في الحديث . و( قوله : اعرف عِفاصها ووكاءها ) ، وفي رواية : ( وعددها ) هذا الأمر للملتقط بتعرف هذه الأمور الثلاثة تفيد إباحة حل وكائها ، والوقوف على عينها ، وعددها للملتقط . وفائدة ذلك : أنَّه إذا جاء من عرف أولئك الأوصاف دفعت له ، كما قال : ( فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ، وعددها ، ووكاءها ، فادفعها إليه ) وظاهره : اشتراط معرفة مجموع تلك الأوصاف ، وأنها تدفع له بغير بيِّنة . وقد اختلف في المسألتين . فأمَّا المسألة الأولى : فقال ابن القاسم : لا بدَّ من ذكر جميعها ؛ يعني : الوكاء ، والعِفاص ، والعدد . ولم يعتبر أصبغ العدد . وظاهر الحديث حجَّة لابن القاسم ، ولأصبغ التمسك بالحديث الذي ليس فيه ذكر العدد . وحجَّة ابن القاسم أوضح ؛ لأن من ذكر شيئًا حجَّة على من سكت عنه ، ولأنَّه من باب حمل المطلق على المقيد ، فإذا أتى بجميع أوصافها ؛ فهل يُحَلَّف مع ذلك أو لا ؟ قولان . النَّفي لابن القاسم . وتحليفه لأشهب . ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له . والأول أولى ؛ لنصّ الحديث على ذلك ، ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطًا في الدَّفع لما كان لذكر العِفاص ، والوكاء ، والعدد معنًى ؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال ، ولما جاز سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة . وقال أصبغ : إن عرف العِفاص وحده استُبرئ له ، فإن جاء أحدٌ ، وإلا أُعطيها . وقال ابن عبد الحكم : لو أصاب تسعة أعشار الصفة ، وأخطأ العشر لم يعطها إلا أن يصف العدد ، فيصاب أقل . وقال أشهب : إن عرف منها وصفين ، ولم يعرف الثالث دفعت إليه . و( قوله : ثم عرِّفها سنة ) تعريفها هو : أن ينشدها في مجتمعات الناس ، وحيث يظن أن ربَّها هنالك ، أو قربه ، فيعرفها تعريفًا لا يضرُّ به ، ولا يُخُفِي أمرها . والتعريف واجبٌ ؛ لأنَّه مأمورٌ به . ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير ؛ الذي لا يفسد ، ولا ينقص منها . وهو قول فقهاء الأمصار . ولم يذهب أحدٌ منهم إلى زيادة على السنة إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه فإنَّه قال : يعرفها ثلاثة أعوام . وإلا : ما تقدَّم من الخلاف في لقطة الحاجِّ . فأما الشيء القليل التافه ؛ الذي لا يتعلَّق به نفس مالكه كالتمرة ، والكِسرة ، فلا تعريف فيه . وقد مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمرة في الطريق فقال : ( لولا أني أخاف أن تكون من الصَّدقة لأكلتها ) ، ولم يعرِّفها . ولو كانت من القليل الذي تتعلَّق به النفس غالبًا ، فهل يُعرَّف أو لا ؟ وإذا عُرِّف ؛ فهل يُعرَّف سنة ، أو يجزئ أقل من ذلك ؟ كل ذلك مختلف فيه . فظاهر رواية ابن القاسم : أنَّه يُعرَّف سنة كالكثير . وهو قول الشافعي . وقال ابن القاسم في الكتاب : يُعرِّفه أيَّامًا . وبه قال ابن وهب ، ولم يحدد الأيام ، بل بحسب ما يظن أن مثلها يطلب فيها . وهذا كالحبل ، والمخلاة ، والدَّلو ، والعصا ، والسَّوط ، والسِّقاء ، والنَّعال . وقال أشهب : إن لم يعرفها فأرجو أن يكون واسعًا . وقال بعض العلماء : لا يلزم تعريف شيء من ذلك ، وألحقوه بالقسم الأول . وفيه بُعْدٌ ؛ لأنَّ ما تتشُّوف النفسُ إليه فالغالب : أن صاحبه يطلبه ، فلا بدَّ من تعريفه ، ولكنه لا ينتهي التعريف فيه إلى السَّنة ؛ لأنَّ صاحبه لا يستديم طلبه فيها غالبًا ، فحينئذ تضيع استدامة التعريف . فإن قيل : فقد جاء في كتاب أبي داود من حديث جابر : رخَّص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السوط ، والعصا ، والحبل ، وأشباهه ، يلتقطه الرَّجل ينتفع به . وظاهره : أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف . فالجواب : أن هذا لا يصحُّ رفعه ؛ لأنَّه من رواية المغيرة بن زياد ، عن أبي الزبير ، عن جابر . وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : كانوا ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن مسلم أصلح حديثًا ، وأصح من حديث المغيرة بن زياد . هكذا قاله أبو محمد عبد الحق . قلت : مع أن حديث أبي الزبير عن جابر لا يؤخذ منه إلا ما ذكر فيه سماعه منه ؛ لأنَّه كان يُدلِّس في حديث جابر ، ولم يذكر سماعه في هذا الحديث ، سلمنا صحته ، لكنه يحتمل أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف . ويعتضدُ هذا بما رواه أبو محمد بن أبي حاتم عن حكيمة بنت غيلان عن أبيها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من التقط لقطة يسيرة ، درهمًا ، أو حبلا ، أو شبه ذلك ؛ فليعرفه ثلاثة أيام ، فإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستة أيام ) . وأصح من هذا وأحسن ما خرَّجه النسائي عن عياض بن حمار المجاشعي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل ، وليحفظ عفاصها ، ووكاءها ، ولا يكتم ، ولا يُغيِّب ، فإن جاء صاحبها ، فهو أحق بها ، وإن لم يجئْ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء ) ، وهذا عام في كل لُقطة . و( قوله : فليشهد ذوي عدلٍ ) أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنه وجد كذا ، على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة طارئ يطرأ على الملتقط من موت ، أو آفة ، أو طروء خاطر خيانةٍ . و( قوله : ولا يكتم ، ولا يُغيِّب ) يعني به : أنَّه يعرِّفها بأعمِّ أوصافها ، ويستدعي من الْمُدَّعي أخصَّ أوصافها المميَّزة لها ، كما تقدم . وأمَّا ما رواه أبو داود من حديث علي - رضي الله عنه - : أنَّه وجد دينارًا فرهنه في درهم لحمًا ، وأنه أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فأقرَّه ، ولم يُنكر عليه تصرَّفه في الدينار بالرَّهن . فلا حجَّة فيه لمن يستدلُّ به : على أن القليل من اللقطة لا يُعرَّف ؛ لأنَّ عليًّا - رضي الله عنه - إنما فعل ذلك في حال ضرورة ؛ لأنه دخل بيته والحسن والحسين يبكيان من الجوع ، فخرج فوجد الدينار ، ففعل ذلك حين لم يجد شيئًا آخر ، وفي مثل هذه الحال تحل الميتة ، فأحرى التصرف في الوديعة ، ثم إنَّه لم يُتلف عين الدينار ، وإنَّما رهنه ، فلمَّا جاء صاحبه ، افْتَكَّهُ ودفعه إليه . وذكر في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استدعى مدَّعِي الدينار ، فسأله ، فقال : سقط مني في السُّوق . فأمر عليًّا بافتكاكه ، ثم دفعه إلى الرَّجل . من غير أن يسأله عن وصف من أوصاف الدينار ، فيحتمل أن يكون اكتفى منه بقوله : أنَّه ضاع مني في السُّوق ، وقد كان علي وحده في السُّوق ؛ لأنَّ الدينار الواحد ليس فيه عدد ، وقد لا يكون له وعاء ، ولا وكاء ، والدنانير متساوية الأشخاص غالبًا . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه صاحبه بوحي ، أو بقرائن ، فلا حجَّة فيه على سقوط السؤال عن الأوصاف . والله تعالى أعلم . وقد حصل من هذا : أن اللقطة لا بدَّ لها من تعريف ؛ فإن كانت مما لها بال ومقدار عُرِّفت سنة . وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار ؛ كان تعريفها بحسبها من غير حدٍّ بعدد مخصوص ، ولا زمان مخصوص ، بل على الاجتهاد . وأما التمرة ، والكِسرة : فلا تحتاج إلى تعريف ؛ لأنها مزهودٌ فيها ، ولا تتشوف نفس صاحبها إليها . وهذا مذهب مالك وغيره . والله أعلم . و( قوله : فإن جاء صاحبها ، وإلا فشأنُك بها - ) أو : ( فهي لك ) ، أو : ( فاستنفقها ) ، وفي حديث أبي : ( وإلا فاستمتع بها ) . وفي كتاب الترمذي : ( ثمَّ كُلها ) . وفي كتاب النسائي من حديث عياض بن حمار : ( وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ) . أفادت هذه الروايات كلها : أن واجد اللقطة بعد التعريف أحق بالنظر فيها من غيره ، فلا ينتزعها منه السلطان ولا غيره . وهو قول أهل العلم . غير أن الأوزاعي قال : إن كان مالًا كثيرًا جعله في بيت المال . واختلفوا إن كان غير مأمون ؛ هل يتركها السلطان بيده ، أو يأخذها منه ؟ فعن الشافعي في ذلك قولان . قال القاضي عياض : ومقتضى مذهب مالك ، وأصحابه : أن يأخذها منه إن كان غير مأمون . وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . فإذا أقرَّت بيده ؛ فما الذي يفعل فيها ؟ ! الجمهور : على أن له أن يمسكها عنده ، ولا ضمان عليه ؛ لأنَّها وديعة ، كما جاء في بعض طرقه : ( ولتكن وديعة عندك ) . وله أن يصرفها في مصالحه من أكل ، أو انتفاع . وله أن يتصدَّق بها ، ولا بدَّ في هذين من الضمان متى جاء صاحبها . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب ، وابنه ، وابن مسعود ، وعائشة ، وعطاء ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو حنيفة . غير أنه - أعني : أبا حنيفة - لم يُبْح أكلها إلا للفقير . وشذَّ داود فأسقط عنه الضمان بعد السَّنة . وموجب الخلاف اختلاف تلك الروايات ، وذلك : أن ظاهر قوله : ( فهي لك ) ، و( قوله : ثم كُلها ) ، و( قوله : وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ) : التمليك ، وسقوط الضمان ، وبه اغتَرَّ داود ، لكن قد أزال ذلك الظاهر ، ودَحَضَه رواية العدل والضابط الحافظ الإمام يحيى بن سعيد عن يزيد - مولى المنبعث - : أنَّه سمع زيد بن خالد الجهني يقول : سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة ؛ الذهب والورق فقال : ( اعرف وكاءها ، وعِفاصها ، ثمَّ عرِّفها سَنَة ، فإن لم تُعرف فاستنفقها ، ولتكن وديعة عندك ، فإن جاء طالبها يومًا من الدَّهر ، فأدِّها إليه ) . فهذه أحسن الروايات ، وأنصُّها على المطلوب ، وهي المبيِّنة لتلك الظواهر الحاكمة عليها . والعجب من داود كيف صُرف عنها وهي بين يديه ، وأنَّى تغافلَ عنها ؛ وهي حجَّة عليه ؟ لكن من حرم التوفيق استدبر الطريق .
1722 - ( 5 و 7 ) [1818] وعنه ، قال : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ : الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْترِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا . وذكر نحو ما تقدم . وفي رواية : ثم كلها ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه . و( قوله : ولتكن وديعة عندك ) بعد قوله : ( استنفقها ) معناه : ولتكن في ضمانك على حُكم الوديعة ؛ يعني : إذا أنفقها الْمُودَعُ عنده فإنَّه يضمنها ، وإلا : فإذا أنفقها لم تبق عَيْنُها ، فكيف تبقى وديعة إلا على ما ذكرناه ؟ والله تعالى أعلم . و( قوله : فضالةُ الغنم ؟ ) فقال : ( هي لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ) أي : لا بدَّ لها من حال من هذه الأحوال الثلاثة . و( أو ) هذه للتقسيم والتنويع . ويفيد هذا : الغنم إذا كانت في موضع يخاف عليها فيه الهلاك جاز لملتقطها أكلها ، ولا ضمان عليه ؛ إذ قد سوّى بينه وبين الذئب ، والذئب لا ضمان عليه ، فالملتقط لا ضمان عليه . وهو مذهب مالك وأصحابه ، وقد ضمَّنه الشافعي وأبو حنيفة تمسُّكًا ببقاء ملك ربِّها عليها ، وبما قد روي من حديث عمرو بن يثربي : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزنادًا فلا تمسَّها ) . ولا حجَّة في شيء من ذلك ؛ قد اتفقنا على أن لواجدها أخذها ، وأكلها . والأصل : أنَّه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير ؛ فقد تركنا ذلك الأصل ، فلا نتمسك به في باب اللقطة ؛ لأن الشرع قد سلَّط الملتقط عليها ، ولما كانت هذه مآلها الهلاك إن تُركت ولا ضمان ؛ كان أكلها لواجدها أولى بغير ضمان ؛ لأنَّه انتفع بها رجل مسلم ، ولا حجَّة أيضًا في الحديث لأنَّه من رواية عمارة بن حارثة ، وليس بالمشهور الرواية ، ولو سُلِّم أنه صحيح فلا حجَّة فيه أيضًا ؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جوابًا لمن قال له : أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فأجزرتها ؛ أعلي في ذلك شيء ؟ فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بذلك . فلم يسأله عن ضالة الغنم ، بل عن غنم ابن عمِّه ، وذلك عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ منه ) . فحينئذ سأله عن ذلك ، فأجابه بذلك . ويلحق بالغنم عند مالك : ما لا يبقى من الأطعمة ، ويخافُ عليه الفساد ، وكان بموضع لا ينحفظ فيه ، ولا يوجد من يشتريه ، فله أكله ، ولا ضمان . وضمَّنه الإمامان ، كما قدمناه ، فإن كان شيء من ذلك قريبًا من العمران ، وأمن الهلاك عليه فلا يجوز له أكله ، ولا خلاف فيه ، فإن شاء أخذها بنيَّة حفظها ، وإن شاء تركها على ما تقدم . و( قوله في ضالَّة الإبل : ما لك ولها ؟ ) إلى آخر الكلام ، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل ؛ لأنَّها يؤمن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها . وقد نصّ على ذلك بقوله في الرواية الأخرى : ( دعها عنك ) . ومقتضاه : المنع من التصرف فيها مطلقًا ، وأن تترك حيث هي . لكن هذا إذا لم تكن بأرض مسبعة . وعلى هذا يدلُّ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ضالة المسلم حرق النار ) . قال العلماء : هكذا كان في أول الإسلام ، وعلى ذلك استمر زمن أبي بكر ، وعمر ، فلمَّا كان زمن عثمان وعلي ، وكثر فساد الناس ، واستحلالهم : رأوا التقاطها ، وضمَّها ، والتعريف بها ، وهذا كلُّه منهم وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل ؛ فإن مقصوده : أنها إذا أمن عليها الهلاك ، وبقيت بحيث تتمكن مما تعيش به من الأكل والشرب حتى يجيء ربُّها ، فيجدها سليمة ، فحينئذ لا يتعرَّض لها أحدٌ ، فلو تعذر شيء من ذلك ، وخِيف عليها الهلاك أو السَّرق ؛ التقطت ، وحفظت ؛ لأنَّها مال مسلم ؛ فيجب حفظه ، ولا تُؤكل . ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران البعيدة ؛ لأنَّ سَوْقها ممكن ، ومؤونتها متيسرة بخلاف الغنم . وهل يلحق بها البقر أو بالغنم ؟ عندنا في ذلك قولان . فرأى مالك إلحاقها بالغنم لضعفها عن الامتناع عند انفرادها . ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها فيه من السِّباع . قلت : وكأن هذا تفصيل أحوال ، لا اختلاف أقوال . وقد بيَّنَّا : أن مثله جار في الإبل ، فالأولى : إلحاقها بها . وكذلك اختلف في التقاط الخيل ، والبغال ، والحمير . وظاهر قول ابن القاسم : أنها تلتقط . وقال أشهب ، وابن كنانة : لا تلتقط . و( حذاء الإبل ) : أخِفافُها . وأصل الحذاء : ما يحتذي به الإنسان من نعال أو غيره . و( السِّقاء ) ما يشرب به ، فيعني : أن الإبل لا تحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه غيرها من المواشي ، فإنَّها تمشي حيث شاءت ، وتأكل من الأشجار ، وترد على الأنهار .
( 2 ) باب حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن والحكم على الغائب 1713 - ( 4 و 5 ) [1805] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْو ما أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ . وفي رواية : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّما يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا . ( 2 ) ومن باب : حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّما أنا بشرٌ ) تنبيه على : أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب ، وبما يخفى من البواطن ؛ إلا من أطلعه الله تعالى على شيء من ذلك ، وعلى جواز الغلط والسَّهو عليهم ؛ إلا من عصمه الله من ذلك . وقد كان الله تعالى قادرًا أن يُطلع نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - على بواطن كل من يتخاصم إليه ، فيحكم بخفي ذلك ويخبر به ، كما اتفق له في مواضع ، كقصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة ، وحديث فضالة بن عمير ، وذلك : أنه أراد قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت . قال : فلما دنوت منه قال : ( أفضالة ؟ ) قلت : نعم . قال : ( ما كنت تحدث به نفسك ؟ ) قلت : لا شيء ، فضحك ، وأخبرني بذلك ، واستغفر لي ، ووضع يده على صدري ، فسكن قلبي . وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها ، فوجدت كما أخبر . وكما قد اتفق ذلك للخضر في قصة السفينة ، والغلام ، والجدار ، لكن إنَّما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم ، ومعجزاتهم . ولم يجعل الله ذلك طريقًا عامًّا ، ولا قاعدة كليَّة ، لا لهم ، ولا لغيرهم ؛ لاستمرار العادة بأن ذلك لا يقع من غير الأنبياء ، ولأنَّ وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ . وتلك سنة الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلًا . وقد شاهدت بعض الممخرقين ، وسمعنا منهم : أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية ، ويحكمون بالخواطر القلبية ؛ ويقول : الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني . وهذه مَخْرَقةٌ أبرزتها زندقة ، يقتل صاحبها ، ولا يستتاب من غير شكٍّ ولا ارتياب . وهذا خير البشر - صلى الله عليه وسلم - يقول في مثل هذا الموطن : ( إنَّما أنا بشرٌ ) معترفًا بالقصور عن إدراك المغيبات ، وعاملًا بما نصبه الله تعالى له من اعتبار الأيمان والبينات . و( قوله : يأتيني الخصم ) أي : الخصوم . فهو - هاهنا - للجنس . ويقال للواحد ، والاثنين ، والجمع ، والمذكَّر ، والمؤنث بلفظ واحد : خصم . كما قال تعالى : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ؛ أي : الخصوم ، فإنَّه قال بعد ذلك : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ . و( قوله : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض ) أي : أفصح وأفطن . قال أبو زيد : لَحَنْتُ له - بالفتح - أَلْحَنُ لَحْنًا : إذا قلت له قولًا يفهمه عنك ، ويخفى على غيره . ولَحِنَهُ هو عَنِّي - بالكسر- يَلْحَنهُ لَحْنًا ؛ أي : فَهِمَهُ . وأَلْحَنْتُه أنا إيَّاه ، ولاحَنْتُ النَّاس ؛ أي : خاطبتهم . كما قال الشاعر : ولقد لحنت إليكم كي تفهموا ولحنت لحنًا ليس بالمرتاب وقال غير أبي زيد : اللَّحن - بالتحريك - : الفِطْنَة . وقد لَحِنَ -بالكسر- قاله الجوهري . قلت : وعلى هذا : يقال فيه بمعنى الفطنة : بفتح الماضي وكسره ، وفي المصدر : بفتح الحاء وإسكانها . ويقال : اللَّحن ، على الخطأ في القول ، وعلى تلحين الشعر ، وعلى القصد إلى الشيء ، والإشارة إليه . قلت : وقد جاء هذا اللفظ مفسَّرًا في الرواية الأخرى ، فقال : ( فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ) أي : أكثر بلاغة ، وإيضاحًا لحجَّته . و( قوله : فأقضي له على نحو ما أسمع منه ) ، يتمسَّك به من قال : إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء من الأشياء [إلا بما يعلمه في مجلس حكمه] . ووجه تمسُّكه : أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - يفضي إلى أنَّه لا يحكم إلا بما سمع في حال حكمه . وقد رُوي هذا الحرف : ( إنما أحكم بما أسمع ) ، و( إنما ) للحصر . فكأنه قال : لا أحكم إلا بما أسمع . وقد اختلف في هذا . فقال مالك في المشهور عنه : إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء . وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والشعبي ، وروي عن شريح ، وذهبت طائفة : إلى أنَّه يقضي في كل شيء من الأموال والحدود وغير ذلك مطلقًا . وبه قال أبو ثور ومن تبعه ، وهو أحد قولي الشافعي . وذهبت طوائف إلى التفريق . فقالت طائفة : يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة ، لا قبله ، ولا في غيره ؛ إذا لم تحضر مجلسه بيِّنة ، وفي الأموال خاصة . وبه قال الأوزاعي ، وجماعة من أصحاب مالك ، وحكوه عنه . وقالت طائفة : يحكم بما سمعه في مجلس قضائه ، وفي غيره ، لا قبل قضائه ، ولا في غير مِصْرِه في الأموال خاصة ، وبه قال أبو حنيفة . وقالت طائفة : إنَّه يقضي بعلمه في الأموال خاصة ، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه وفي غيره ، قبل ولايته أو بعدها . وبه قال أبو يوسف ، ومحمد . وهو أحد قولي الشافعي . وذهب بعض أصحابنا : إلى أنَّه يقضي بعلمه في الأموال ، والقذف خاصة ، ولم يشترط مجلس القضاء . واتفقوا : على أنَّه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل ؛ لأنَّ ذلك ضروري في حقِّه . والصحيح : الأول ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث هلال بن أمية ، لَمَّا لاعن زوجته : ( أبصروه ؛ فإن جاءت به - يعني : الولد - على نعت كذا ؛ فهو لهلال ، وإن جاءت به على نعت كذا ؛ فهو لشريك ) . فجاءت به على النعت المكروه . وقال : ( لو كنت راجمًا بغير بيِّنة لرجمت هذه ) ، فلم يحكم بعلمه ، لعدم قيام البينة . وعند المخالف : يجب أن يرجمها إذا علم ذلك . قاله عبد الوهاب . فهذا ظاهرٌ قوي في الحدود . وأمَّا في غيرها فيدلّ عليه حديث خزيمة ، حيث اشترى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعرابي بعيرًا ، فمشى معه ليعطيه ثمنه ، فعرض للأعرابي من زاده في الثمن ، فأراد أن يبيعه ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قد بعته مني ) ، فأنكر الأعرابي وقال : من يشهد لك ؟ فاستدعى النبي - صلى الله عليه وسلم - من يشهد ، فشهد خزيمة . فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بعلمه حتى قامت الشهادة . ولا ينفصل عن هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك لأن الحق كان له ، ولا يشهد أحدٌ لنفسه ، ولا يحكم لها ، ولأنَّه لا يُعطَى أحد بدعواه ، ولأنه قصد قطع حجَّة الأعرابي لما طلب منه الشهادة ؛ لأنَّا نقول : إنَّما اعتبر ذلك كلَّه في حق غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لإمكان ادِّعاء الباطل والكذب ، وإرادة أخذ مال الغير ، ودفعه عن حقِّه . وكل ذلك معدومٌ في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعًا . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين : ( أَيَأْمَنُنِي الله تعالى على خزائنه ولا تأمنوني ، والله ! إني لأمين من في السماء ) . وأمَّا قوله : إنما فعله لقطع حجَّة الخصم . فإنَّه باطل ؛ إذ لا حجَّة له ، ولا لغيره ، على خلاف ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم فإن هذا الأعرابي إن كان مسلمًا ؛ فقد علم صدق النبي - صلى الله عليه وسلم وإن كان كافرًا ؛ فلا مبالاة بقوله ؛ إذ قد قام دليل على صدقه ، وعلمه العقلاء ، كما لم يُبال بقول من كذَّبه من الكُفَّار ، ولا بقول الذي اتهمه في القسمة ؛ حيث قال : يا محمد ! اعدل ، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . ومن أوضح ما يدلّ على المطلوب ، وأصحُّهُ حديث أبي جهم ؛ حيث بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدِّقًا ، فلاحاه رجلان ، فشجَّهما ، فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبان القصاص ، فبذل لهما مالًا ، فرضيا به ، فقال : ( إني أخطُبُ الناس ، وأذْكُرُ لهم ذلك ، أفرضيتما ؟ ) قالا : نعم . فخطب الناس ثم قال : ( أرضيتما ؟ ) قالا : لا . فهمَّ بهما المهاجرون والأنصار ، فمنعهم النبي - صلى الله عليه وسلم ثمَّ نزل فزادهما ، فرضيا ، ثم صعد المنبر فقال : ( أرضيتما ؟ ) قالا : نعم . وموضع الحجَّة : أنَّه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا . وهو المطلوب . ذكره أبو داود من حديث عائشة . وهو صحيح . وذكر : [أن المشجوج إنَّما كان رجلًا واحدًا ، وقد ذكر ] غيره : أنهما كانا اثنين . وحاصل هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بعلمه تعليمًا لأمته ، وسعيًا في سدِّ باب التُّهم ، والظنون . والله تعالى أعلم . و( قوله في الرواية الأخرى : فأحسب أنَّه صادق ) دليل على العمل بالظنون وبناء الأحكام عليها . وهو أمرٌ لم يختلف فيه في حق الحاكم والمفتي . و( قوله : فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه ) نصٌّ في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغيِّر حكم الباطن . وسواء كان ذلك في الدِّماء ، والأموال ، والفروج . وهو قول الكافة ، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من أن حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة . وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته ، وحكم الحاكم بشهادتهما ، فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم : أن القضيِّة باطل ، وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن ، ولم يصن الفروج عن ذلك . والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان . و( قوله : فإنَّما أقطع له قطعة من النار ) أي : ما يأخذه بغير حقه سببٌ يوصل آخذه إلى النَّار . وهو تمثيل يفهم منه شدة العذاب والتنكيل . و( قوله : فليحملها أو يذرها ) لفظه : لفظ الأمر ، ومعناه : التهديد ، والوعيد .
1714 - ( 7 و 8 ) [1806] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ ! ومَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَيْضًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ - وفي أخرى : مسيك - فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ . وفي رواية : فَقَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، ولَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ . و( قول هند : يا رسول الله ! والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباءٍ ) أي : أهل بيت ، كما قد جاء مفسَّرًا في بعض طرقه ، وسُمِّي البيت : خباءً ؛ لأنَّه يخبَّأ ما فيه . والخباء في الأصل : مصدر . تقول : خبأتُ الشيء خَبئا ، وخِبَاءً . ووصف هند في هذا الحديث حالها في الكفر ، وما كانت عليه من بغض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبغض أهل بيته ، وما آلت إليه حالها لما أسلمت ، تذكر لنعمة الله عليها بما أنقذها الله منه ، وبما أوصلها إليه ، وتعظيم لحرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولتنبسط فيما تريد أن تسأل عنه ، ولتزول آلام القلوب لما كان منها يوم أحد في شأن حمزة وغير ذلك . و( قولها : إن أبا سفيان رجل ممسك ) ، وفي أخرى : ( مسيك ) . وكلاهما بمعنى : شحيح ، كما جاء في الرواية الأخرى . ولم ترد : أنه شحيح مطلقًا ، فتذمُّه بذلك ؛ وإنما وصفت حاله معها ، فإنَّه كان يقتر عليها ، وعلى أولادها ، كما قالت : ( لا يعطيني وبني ما يكفيني ) ، وهذا لا يدلّ على البخل مطلقًا ، فقد يفعل الإنسان مع أهل بيته ، لأنه يرى غيرهم أحوج ، وأولى ، ليعطي غيرهم . فعلى هذا : فلا يجوز أن يُستدل بهذا الحديث على أن أبا سفيان كان بخيلًا ، فإنه لم يكن معروفًا بهذا . و( مسيك ) : يروى بفتح الميم ، وكسر الشين ، وتخفيفها . وبكسر الميم ، وتشديد السين مكسورة . وكلاهما للمبالغة . الأول : كعليم ، وكبير . والثاني : كسكِّير ، وخِمِّير . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - لهندٍ : وأيضًا ؛ والذي نفسي بيده ) أي : سيتمكَّن الإيمان من قلبك ، ويزيد حبُّك لله ولرسوله ، ويقوى رجوعك عن بغضه . وأصل ( أيضًا ) : أنه مصدر : آضَ إلى كذا ، يَئِيضُ ، أيضًا ، أي : رجع رجوعًا . و( قوله : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ، ويكفي بنيك ) ، هذا الأمر على جهة الإباحة ؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى : ( لا جناح عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف ) . ويعني بالمعروف : القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية ، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيدة معنى ، فكأنه قال : إن صحَّ أو ثبت ما ذكرت فخذي . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه : فمنها : وجوب نفقة الزوجة والأولاد على أبيهم ، وإن لأمهم طلب ذلك عند الحاكم ، وسماع الدعوى على الغائب ، والحكم عليه ، وإن كان قريب الغَيْبَة ؛ إذا دعت حاجة الوقت إلى ذلك . وهو قول الجمهور . وقال الكوفيون : لا يقضى عليه بشيء . وفيه دليل : على أن النفقة ليست مقدَّرة بمقدار مخصوص ؛ وإنما ذلك بحسب الكفاية المعتادة ، خلافًا لمن ذهب : إلى أنَّها مقدَّرة . وفيه دليل : على اعتبار العرف في الأحكام الشرعية خلافًا للشافعية وغيرهم من المنكرين له لفظًا ، الآخذين به عملًا . وقد استنبط البخاري منه : جواز حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعرف . فقال : باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يخف الظنون والتُّهم ، وكان أمرًا مشهورًا ، وقد تقدم . وفيه دليل : على أن من تعذر عليه أخذ حقّه من غريمه ، ووصل من مال الغريم إلى شيء ؛ كان له أخذه بأي وجه توصل إليه . واختلف فيما إذا ائتمنه الغريم على مال ، فهل يأخذ منه حقَّه أم لا ؟ على قولين . حكاهما الداودي عن مالك . ومشهور مذهبه المنع . وبه قال أبو حنيفة تمسُّكًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ) ، وإلى الإجازة ذهب الشافعي ، وابن المنذر ، بناءً على أن ذلك ليس بخيانة ، وإنَّما هو وصول إلى حقٍ . وفيه دليل : على أن المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها شيئًا بغير إذنه ، قَلَّ ذلك ، أو كَثُرَ . وهذا لا يختلف فيه . ألا ترى : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لهند في الرواية الأخرى - لما قالت له : فهل علي جناحٌ أن أطعم من الذي له عيالنا ؟- قال : ( لا ) ، ثم استثنى فقال : ( إلا بالمعروف ) . فمنعها من أن تأخذ من ماله شيئًا إلا القدر الذي يجب لها .
( 4 ) باب لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره ، ورد المحدثات ، ومن خير الشهداء ؟ 1717- [1810] عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضي بِسِجِسْتَانَ: أَلَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ . ( 4 ) ومن باب : لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره ( قوله : لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان ) إنَّما كان الغضب مانعًا من الحكم ؛ لأنَّه يشوِّش عليه فكره ، ويخلُّ بفهمه ، فيجب أن يُلحق به ما في معناه ، كالجوع ، والألم ، والخوف ، وما أشبه ذلك . وذلك إما بطريق الأولى ، كالخوف ، والمرض ، فإنهما أولى بذلك من الغضب . وإما بطريق توسيع المناط ، وذلك أن تَحذِف خصوصية ذكر الغضب ، وتُعدِّيه إلى ما في معناه . وهذا النوع من القياس من أجل أنواعه ، ولذلك قال به جماعة الفقهاء ، وكثير من نفاة القياس . وقد استوفينا ذلك في الأصول ، ولا يعارض هذا الحديث بحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجدُر . وقد غضب من قول الأنصاري : أن كان ابن عمتك ؟ ! لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم من الهوى ، والباطل ، والخطأ في غضبه ، ورضاه ، وصحته ، ومرضه . ولذلك قال : ( اكتبوا عني في الغضب والرضا ) . ولذلك نفذت أحكامه ، وعمل بحديثه الصادر منه في حال شدَّة مرضه ونزعه ، كما قد نفذ في حال صحته ونشاطه .
1719 - [1812] وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ؟ ! الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا . و( قوله : ألا أخبركم بخير الشهداء ) الشهداء : جمع شهيد ، كظرفاء : جمع ظريف ، ويجمع أيضًا على : شهود ، لكنه جمع شاهد ، كحضور جمع حاضر ، وخروج جمع خارج . ويعني بخير الشهداء : أكملهم في رتبة الشهادة ، وأكثرهم ثوابًا عند الله تعالى . و( قوله : الذي يأتي بشهادته قبل أن يسأَلَها ) يعني به الشهادة التي يجب أداؤها ، ولم يَسْألها ؛ كشهادة بحق لم يحضر مستحقه ، أو بشيء يخاف ضياعه ، أو فوته بطلاق ، أو عتق على من أقام على تصرُّفه من الاستمتاع بالزوجة ، واستخدام العبد ، إلى غير ذلك ، فيجب على من تحمَّل شيئًا من ذلك أداء تلك الشهادة ، ولا يقف أداؤها على أن تُسْأَلَ منه ، فيضيع الحق ، وقد قال تعالى : وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ولا يعارض هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح : ( ثم يأتي من بعد ذلك قوم يشهدون ولا يُستشهدون ) لأن هذا محمولٌ على أحد وجهين : أحدهما : أن يراد به : شاهد الزور ؛ فإنَّه يشهد بما لم يستشهد ؛ أي : بما لم يحمله . والثاني : أن يراد به الذي يحمله الشَّرَهُ على تنفيذ ما يشهد به فيبادر بالشهادة قبل أن يُسْأَلَها . فهذه شهادة مردودة ، فإن ذلك يدلُّ على هوى غالب على الشاهد . ولا خلاف عندنا في هذا إن شاء الله تعالى . وما ذكرناه أحسن ما حمل عليه هذا الحديث . وقد روي عن النَّخعي : أنَّه قال : المراد بالشهادة في هذا الحديث : اليمين . واستدلَّ عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - في بقيَّة الحديث : ( تسبق يمين أحدهم شهادته ، وشهادته يمينه ) ، وفيه نظر . وسيأتي إن شاء الله تعالى . فرع : لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنَّها جُرْحَةٌ في الشَّاهد والشهادة . ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين . هذا قول ابن القاسم وغيره . وذهب بعضهم : إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جُرْحَة في تلك الشهادة نفسها خاصة ، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك . قلت : وهذا ليس بشيء ؛ لأنَّ الذي يوجب جرحته : إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عُذْرٍ . والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقًا . وهذا واضح .
1718 - ( 17 و 18 ) [1811] وعنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ . وفي رواية : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ . و( قوله : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ ) أي : من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو مفسوخ ، لا يعمل به ، ولا يلتفت إليه . وفيه حجَّة : على أن النهي يدلُّ على الفساد . وهو قول جمهور الفقهاء . وذهب بعض أصحابنا ، وأكثر المتكلمين : إلى أنه لا يدل على الفساد ، وإنما مدلوله المنع من إدخال المنهي عنه في الوجود فقط . وأما حكمه إذا وقع من فساد أو صحة : فالنَّهي لا يدلُّ عليه ، وينظر دليل ذلك من خارج النَّهي . وقد اختلف حال المنهيات في الشرع ؛ فبعضها يصحُّ إذا وقع ، كالطلاق في الحيض . وبعضها لا يصحُّ ، كبيع الملاقيح والمضامين . وبعضها يختلف فيه أصحابنا والفقهاء ، كالبيع وقت النداء . وللمسألة غَوْرٌ . وقد بيَّنَّاه في الأصول . وفتى القاسم بن محمد فيمن له مساكن ، فأوصى بثلث كل مسكن منها ، فإنَّه يجمع ذلك كلُّه في مسكن واحد . فيه إشكال ؛ إذ هي مخالفة لما أوصى به الموصي . والأصل اتِّباع أقواله والعمل بظاهرها ؛ فإنَّه كالمشرع . ففتيا القاسم ليس على ظاهرها ، وإنما هي محمولة على ما إذا أراد أحد الفريقين من الورثة ، أو الموصى لهم القسمة ، وتمييز حقه ، وكانت المساكن متقاربة ، بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة ، فحينئذ تقوَّم تلك المساكن قيمة التعديل ، وتقسم بينهم ، فيجمع نصيب الموصى لهم في موضع واحد يشتركون فيه بحسب وصاياهم ، ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك ، بحسب مواريثهم . فإن قيل : فقد استحالت الوصية عن أصلها . فالجواب : أن ذلك بحسب ما أدَّت إليه سُنَّة القسمة عند الدُّعاء إليها ، فإن الموصي لو أوصى بثلث كل مسكن ، ومنع من القَسْم لم يلتفت إلى منعه ، وكان ذلك المنع مردودًا . وهو الذي استدلَّ على ردِّه القاسم بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ ) فلو لم يطلب أحدٌ من الفريقين قسمة ، أو كانت المساكن لا يُضمُّ بعضها إلى بعض لبعدها ، وتباين اختلافها بقي كلُّ واحد منهم على نصيبه حسب ما وُصِّي له به . وهذا كلُّه مذهب مالك .
( 5 ) باب تسويغ الاجتهاد 1770 - [1813] عَنْ ابن عمر قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنْ الْأَحْزَابِ: أَلَا لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العصر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ . ( 5 ) ومن باب : تسويغ الاجتهاد ( قوله : نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي : أمر من ينادي فنادى ، فنسب النداء إليه ؛ لأنَّه أمر به . و( قوله : ألا لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة ) كان هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هزم الله تعالى الأحزاب ، ورجع هو وأصحابه إلى المدينة ، فألقوا السِّلاح ، فجاءه جبريل - عليه السلام - فقال له : ألقيت السِّلاح ؟ ولا والله ما ألقت الملائكة السِّلاح ، فاخرج إلى بني قريظة فإني منطلق إليهم ، ومزلزلٌ بهم حصونهم . فحينئذ نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك النداء ، فأخذ قومٌ من أصحابه بظاهر الأمر ، وقالوا : لا نُصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن فاتنا الوقت . ونظر آخرون إلى المعنى ، فقالوا : إن المقصود من ذلك الأمر الاستعجال ، فصلُّوا قبل أن يَصِلُوا إلى بني قريظة . وعجَّلوا السَّير ، فجمعوا بين المقصودين ، فأقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كلًا منهم على ما ظهر له من اجتهاده ، فكان فيه حجَّة لمن يقول : إنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ ؛ إذ لو كان أحد الفريقين مخطئًا لعيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم ويمكن أن يقال : إنه إنما سكت عن تعيين المخطئ ؛ لأنَّه غير آثم ، بل مأجور ، فاستغنى عن تعيينه ، والله أعلم .
( 9 ) باب الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة إذا ارتجى ربَّها 1723 - ( 9 و 10 ) [1819] عن سُوَيْد بْن غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا ، فَأَخَذْتُهُ، فَقَالَا لِي: دَعْهُ، فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، قَالَ: فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا، قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجْتُ فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْطِ ، وَبِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا. قَالَ: فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا. فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا. فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا. ثم أتيته فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا. فعرفتها ، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا. فقال : احْفَظْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا. فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ . وفي رواية شُعْبَة ، قال : فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا. وفي أخرى : فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ. وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ. ( 9 ) ومن باب : الاستظهار في التعريف استدلال أُبي بن كعب بحديث المائة الدينار حيث سُئل عن التقاط السَّوط ؛ يدلُّ على أن مذهبه التسوية بين قليل اللقطة وكثيرها في وجوب التعريف بها سَنَةً ، وأنَّه يستظهر بعد ذلك بحولين ، وهذا لم يقل به أحدٌ في الشيء اليسير . وقد قدمنا : أنَّه لم يأخذ أحد من العلماء بتعريف ثلاثة أعوام إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه والجمهور على أن التعريف فيما له بال سَنَةً ؛ لأنَّ صاحبها إن كان حاضرًا تنبَّه لها ، وتذكرها ، وظهر طلبه لها في هذه السَّنَة . وإن كان غائبًا أمكن عوده وطلبها في هذه السَّنة ، أو يسمع خبره فيها ، فإذا لم يأت بعد السَّنة ؛ فالظاهر الغالب : أنَّه هلك ، وأن هذا المال ضائع ؛ فواجده أولى به ، لما تقدم في الشيء الكثير ، فأمَّا في الشيء اليسير : فيمكن أن يكون صاحبه تركه استسهالًا واستخفافًا ، وأنَّه غير محتاج إليه . وهذا في التمرة والكِسرة واضح ، فلا يحتاج إلى تعريف . وألحق بعض أصحابنا أقل من الدرهم بذلك . وأبعد أبو حنيفة فقال : لا تعريف في أقل من ثمانية دراهم . وأبعد من هذا قول إسحاق : إن الدينار لا يحتاج إلى تعريف ، تمسُّكًا بحديث علي المتقدم ، وقد قدَّمنا : أنَّه لا حجَّة فيه . وأمَّا أمره - صلى الله عليه وسلم - لأُبَي بزيادة التعريف على سَنَة بسَنَةٍ أو سَنَتين - على اختلاف الرواية فذلك مبالغة ، واحتياط على جهة الاستحباب كما تقدم ، لا سيما مع استغناء الملتقط عن الانتفاع بها . قالوا : وكذلك كان أُبي - رضي الله عنه - مستغنيًا عنها . و( قول شعبة : فسمعته بعد عشر سنين يقول : عَرَّفَهَا عامًا واحدًا ) يعني : سلمة بن كُهَيْل ؛ الذي روى عنه هذا الحديث . يعني : أنَّه لقيه بعد أن سمع الحديث منه بعشر سنين ، فأعاد سلمة الحديث ، فقال : عَرَّفَها عامًا واحدًا ؛ يعني : في الاستظهار ، وكأن شعبة شكَّ في عدم الاستظهار . هل هو في سَنَة واحدة ؟ فلقيه بعد ذلك بعشر سنين ، فسأله ، فأخبره : أنه كان عامًا واحدًا ، فزال شكه . والله تعالى أعلم .
( 6 ) باب اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر 1720 - ( 20 ) [1814] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا ! فَقَالَتْ الصُّغْرَى: لَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ. [( 6 ) ومن باب : اختلاف المجتهدين بالحكم لا ينكر] ( قوله : فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى ) قد أشكل هذا على كثير من الشارحين ، حتى قال بعضهم : إن هذا لم يكن من داود حكمًا ، وإنَّما كان فتيا . وهذا فاسدٌ لنصِّه ؛ على أنه قضى ، ولأن فتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمه سواء ؛ إذ يجب تنفيذ ذلك . وقالت طائفة أخرى : إن ذلك كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى ؛ يعني : من حيث هي كبرى . وهذا أيضًا فاسدٌ ؛ لأنَّ اللفظ ليس نصًّا في ذلك ، ولأن الكُبْر والصغر طَرْدٌ محض عند الدعاوي ، كالطول والقصر ، والسّواد والبياض ؛ إذ لا يوجب شيء من ذلك ترجيح أحد المتداعيين ، حتى يحكم له ، أو عليه لأجل ذلك ، وهذا مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع ، كما بيَّنَّاه في الأصول ، والذي ينبغي أن يقال : إن داود - عليه السلام - إنما حكم للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها ، ولم يذكره في الحديث بعينه ؛ إذ لم تَدْعُ حاجةٌ إليه ، فيمكن أن يقال : إن الولد كان في يد الكبرى ، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البيِّنة ، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان . وهذا تأويل حسن لا يمنعه اللفظ ، وتشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها . فإن قيل : فإن كان داود - عليه السلام - قضى بسبب شرعي ، فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه ؟ ! فالجواب : أن سليمان - عليه السلام - لم يتعرَّض لحكم أبيه بالنقض ، وإنَّما احتال حيلة لطيفة ، ظهر له بسببها صدق الصغرى . وهي : أنَّه لَمَّا قال : هات السكين أشقه بينهما ! فقالت الصغرى : لا . ظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى ، وعدم ذلك في الكبرى مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها . ولعله كان ممن سُوِّغ له أن يحكم بعلمه ، ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الجزم والجِدّ في ذلك ، فقضى بالولد للصغرى . ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين ، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره ، فإنَّه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين ، وبعدها ، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول ، ولكن من باب : تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب . والله أعلم . وفي هذا الحديث : أن الأنبياء - عليهم السلام - سُوِّغ لهم الحكم بالاجتهاد ، وهو مذهب المحققين من الأصوليين ، ولا يُلتفت لقول من يقول : إن الاجتهاد إنما يسُوِّغ عند فقد النَّصِّ ، والأنبياء عليهم السلام لا يفقدون النصّ ، فإنَّهم مُتَمِكِّنون من استطلاع الوحي وانتظاره ؛ لأنَّا نقول : إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم . والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين : أنَّهم معصومون عن الغلط والخطأ ، وعن التقصير في اجتهادهم ، وغيرهم ليس كذلك . وفيه من الفقه : استعمال الحكَّام الحيل التي تُستخرج بها الحقوق ، وذلك يكون عن قوة الذكاء ، والفطنة ، وممارسة أحوال الخليقة . وقد يكون في أهل التقوى فراسةٌ دينية ، وتوسُّمات نورِّية ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . و( قولها : لا ) أي : لا تفعل . ثمَّ دعت له بقولها : ( يرحمك الله ) فينبغي للقارئ أن يقف على ( لا ) وقيفة ؛ حتى يتبيَّن للسامع : أن ما بعده كلام مستأنف ؛ لأنَّه إذا وصل بما بعده توهَّم السَّامع : أنَّه دعاء عليه ، وهو دعاء له . وقد روي عن أبي بكر الصِّديق - رضي الله عنه - أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول : لا تقل هكذا ، وقل : يرحمك الله ، لا . قلت : وقد يزول ذلك الإبهام بزيادة ( واو ) ، فيقال : لا ، ويرحمك الله . وفيه حجَّة لمن يقول : إن الأمّ تَسْتَلِحقُ ، وليس مشهور مذهب مالك ، ولا يلحق الولد عند مالك بإحداهما إلا ببيِّنة . وقد تقدم القول في الاستلحاق في النكاح .
1726 - [1822] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ . وفي رواية : ( فينتثل ) بدل : ( فينتقل ) . و( قوله : لا يحلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه ) إنَّما كان هذا لأن أصل الأملاك بقاؤها على ملك مُلاَّكِها ، وتحريمها على غيرهم ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم ، عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ) ، وكما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) ، إلى غير ذلك . وهذا أصل ضروري معلومٌ من الشرائع كلها . وإنما خصَّ اللَّبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله ، ولا فرق بين اللَّبن والثمرة وغيرها في ذلك ، غير أن العلماء قد اختلفوا فيهما . فذهب الجمهور : إلى أنَّه لا يحل شيء من لبن الماشية ، ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه به ، تمسُّكًا بالأصل المذكور ، وبهذا الحديث . وذهب بعض المحدثين : إلى أن ذلك يحل وإن لم يُعلم حال صاحبه ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ جعله الشرع له ، تمسُّكًا بما رواه أبو داود عن الحسن ، عن سمرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية ؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له ، فليحتلب ، وليشرب ، وإن لم يكن فيها فليصوِّت ثلاثًا ؛ فإن أجابه فليستأذنه ، فإن أذن له ، وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ) . وذكره الترمذي عن يحيى بن سليم ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من دخل حائطًا فليأكل ، ولا يتخذ خبنة ) . قال : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سُليم . وذكر من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الثمر المعلَّق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ) . قال فيه : حديث حسن . قلت : ولا حجَّة في شيء من هذه الأحاديث لأوجه : أحدها : أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى . وثانيها : أن حديث النهي أصحُّ سندًا ، فهو أرجح . وثالثها : أن ذلك محمولٌ على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها . ورابعها : أن ذلك محمول على أوقات المجاعة والضرورة ، كما كان ذلك في أول الإسلام . والله تعالى أعلم . فرع : لو اضطر فلم يجد ميتة ؛ وجب عليه إحياء رمقه من مال الغير . وهل يلزمه قيمة ما أكل أم لا ؟ قولان في المذهب ، والجمهور على وجوبها عليه إذا أمكنه ذلك ، فإن وجد ميتة وطعامًا للغير ؛ فإن أمن على نفسه من القطع والضرر أكل الطعام ويغرم قيمته . وقيل : لا يغرم . وإن لم يأمن على نفسه أكل الميتة ، قاله مالك . غير أنه قد جرت عادة بعض الناس بالمسامحة في أكل بعض الثمر ، كما قد اتفق في بعض بلادنا ، وفي شرب بعض لبن الماشية ، كما كان ذلك في أهل الحجاز ، فيكون استمرار العادة بذلك وترك النكير فيه دليلًا على إباحة ذلك ، ولذلك شرب النبي - صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - رضي الله عنه - من لبن غنم الراعي في طريق الهجرة ، ويمكن أن تُحمل الأحاديث المتقدمة على العادة الجارية عندهم في اللبن والثمرة . و( قوله : أيحبُّ أحدكم أن تؤتى مشربته ، فتكسر خزانته ، فينتقل طعامه ) . المشربة : سقيفة يختزن فيها الطعام . وقيل : هي كالغرفة ، وتقال بضم الراء وفتحها . فيه من الفقه : استعمال القياس ، وإباحة خزن الطعام واحتكاره إلى وقت الحاجة ، خلافًا لغلاة المتزهدة القائلة : لا يجوز الادِّخار مطلقًا . و( يُنتقل طعامُه ) معناه : يؤخذ وينقل إلى موضع آخر . وهو معنى : ( يُنْتَثَل ) في الرواية الأخرى ، إلا أنَّ النَّثْل : النثر بمرةٍ واحدة . يقال : نَثَلَ ما في كنانته ؛ أي : صبَّها . و( قوله : فإنما تُخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم ) ظاهر تشبيه ضرع الماشية بالخزانة يقتضي : أن من حلب ماشية أحد في خفية ، وكان قيمة ما حلب نصابًا قُطِعَ ، كما يُقطع مَنْ أخذه من خزانته ، فيكون ضرع الماشية حرزًا . وقد قال به بعض العلماء . فأمَّا مالك : فلم يقل به ، إلا إذا كانت الغنم في حرز . وفيه من الفقه : تسمية اللَّبن طعامًا . فمن حلف ألا يأكل طعامًا ؛ فشرب لبنًا ؛ حنث ، إلا أن يكون له نيَّةٌ في نوع من الأطعمة . وفيه حجَّة لمن منع بيع الشاة اللبون باللَّبن إذا كان في ضرعها لبن حاضر . وهو مذهب مالك والشافعي . فإن لم يكن فيها لبن حاضر أجازه مالك نقدًا ، ومنعه إلى أجل . واختلف أصحابه ، فحمله جلُّتهم على عمومه . وقال بعضهم : إنَّما هذا إذا قدَّم الشاة ، فلو كانت هي المؤخرة جاز ، وأجاز بيعها بالطعام نقدًا ، وإلى أجل . وأجاز الأوزاعي شراءها باللبن وإن كان في ضرعها لبن . ورآه لغوًا وتابعًا . ولم يجز الشافعي ولا أبو حنيفة بيعها بطعام إلى أجلٍ .
( 10 ) باب النهي عن لقطة الحاج وعن أن يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه 1724 - [1820] عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لقطة الحاج . 1725- [1821] وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا . ومن باب : النَّهي عن لقطة الحاج ، وعن أن يَحْلِب أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه قد تقدم القول في لقطة الحاجِّ ، والخلاف فيها . و( قوله : من آوى ضالَّة فهو ضالٌّ ، ما لم يُعرِّفها ) يعني : أنَّها إذا كانت مِمَّا يعرَّف فلم يعرفها كان ذلك دليلًا على أنَّه قصد الخيانة فيها ، وأنَّه إنَّما أخذها لنفسه ، لا ليحفظها على صاحبها . وقد قلنا : إن من أخذها وجب عليه أن يأخذها بنيَّة حفظها على مالكها ، وأداء الأمانة فيها ، وإلا فهو ضالٌّ عن طريق الحق فيها ، خائن ، آثمٌ .
( 3 ) باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة وأجر في الخطأ 1715- ( 10 و 11 ) [1807] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ . وفي رواية : ويسخط لكم ثلاثا ، بدل : يكره . ( 3 ) ومن باب : الاعتصام بحبل الله ( قوله : إن الله يرضى لكم ثلاثًا ) أي : شرع هذه الثلاثة ، وأمر بها ، وجعلها سببًا لكل ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة . و( قوله : ويكره لكم ثلاثًا ) ، وفي الرواية الأخرى : ( سخط ) أي : نهى عنها وحرَّمها ، وجعلها سبب إهانته ، وعقوبته في الدنيا والآخرة . وهذا كما قاله تعالى : وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ هذا أولى ما قيل فيه . وقد تقدم القول على الرضا والسَّخط ، وعلى العبادة والشرك في الإيمان . و( قوله : وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ) الاعتصام بالشيء : التمسُّك به ، والتحرز بسببه من الآفات . وأصل العصمة : المنع . تقول العرب : عصم فلانًا الطعام ؛ أي : منعه من الجوع ، وكنُّوا السَّويق بأبي عاصم لذلك ، فالمعتصم بالشيء يمتنع به من أسباب الهلاك والشدائد . و( حبل الله ) هنا : شَرْعُهُ الذي شَرَعَهُ ، ودينه الذي ارتضاه . قال قتادة : هو القرآن . وهو بمعنى القول الأول . والحبل ينصرف على وجوه : منها : العهد والوصل ، وما يُنْجَى به من المخاوف . ومنها : الأمان . وكلُّها متقاربة المعنى ؛ لأنَّ الحبل في الأصل : واحد الحبال التي تُرْبَط بها الآلات ، وتجمع بها المتفرقات ، ثمَّ استعير لكل ما يعول عليه ، ويتمسك به ، ثمَّ كثر استعماله في العهد ونحوه . ومعنى هذا : أن الله تعالى أوجب علينا التمسُّك بكتابه ، وسُنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما عند الاختلاف . و( قوله : ولا تفرَّقوا ) أي : اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنة اعتقادًا ، وعملًا ، فتتفق كلمتكم ، وينتظم شتاتكم ، فتَتمّ لكم مصالح الدنيا والدِّين ، وتسلموا من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابين . وفيه دليلٌ : على صحة الإجماع كما بيَّنَّاه في أصول الفقه . و( قوله : وكره لكم : قيل وقال ) كلاهما مبني على الفتح ، فِعْل ماضٍ . هكذا الرواية التي لا يُعرف غيرها . ومعناه : أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل ، وفيما لا يعني من الأقوال ، وحكايات أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة ، والنميمة ، والبهتان ، والكذب . و( من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به ) . قال القاضي عياض : ( قيل ) منصوبة ، فعل ما لم يسم فاعله . و( قال ) : فعل ماض أيضًا . ويصحُّ أن يكونا اسمين ، ويكونا مخفوضين . يعني : على رواية من رواه : ( نهى عن قيل وقال ) . ثم قال بعد هذا : والقيل ، والقال ، والقول : كلُّه بمعنى ، وكذلك القالة . وهذا كلُّه صحيحٌ ؛ فإن مصدر ( قال ) يقال فيه ذلك كلُّه . و( قوله : وكثرة السؤال ) يحتمل أوجهًا : أحدها : أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال ، والحوائج إلحاحًا ، واستكثارًا . وثانيها : أن يكثر من المسائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لم ينزل . وقد كان السَّلف يكرهون ذلك ، ويرونه من التكلُّف . وقال مالك في هذا الحديث : لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل ، فقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها ، أو هو : مسألة الناس أموالهم . وثالثها : أن يكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس ، بحيث يُؤدِي ذلك إلى كشف عوراتهم ، والاطلاع على مساوئهم . قلت : والوجه : حمل الحديث على عمومه ، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها . ( وإضاعة المال ) : إتلافه وإهلاكه ، كما قد حكي عن بعض جُهَّال المتزهدة : أنَّه رمى مالًا كان عنده . وحرَّق آخر منهم كتب علم الحديث كانت عنده . وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الْجُهَّال . وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء . ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودينه ، كما يفعله أهل البُّخل ، ودناءة الهمم ؛ يدَّخرون المال ، ويكثرونه ، ولا ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه ، ولا يصونون به وجوههم ، ولا أديانهم . فهذا الصنف هو المحروم الخاسر ؛ الذي قال فيه الشاعر : رزقت مالًا ولم ترزق منافعه إنَّ الشقي هو المحروم ما رُزِقا وأشدُّ من هذا كلِّه قبحًا وإثْمًا من يتلف ماله في معاصي الله تعالى ، فيستعين بمال الله على معاصيه ، ويخرجه في شهواته المحرمة ، ولا يباليه ، ويدخل في عموم النهي عن إضاعة المال القليل منه والكثير ، لأن المال هنا : هو كلُّ ما يُتَمَوَّل ؛ أي : يُتَملَّك ؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلًا لكان ذلك محرمًا . وكذلك لو منعه من صرفه في وجهه الواجب ، وكذلك لو أنفقه في معصية الله . ولا خلاف في هذا إن شاء الله .
1716 - [1809] وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم : ( إذا حكم فاجتهد ) . فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد ، والأمر بالعكس ، فإنَّ الاجتهاد مقدَّمٌ على الحكم ؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع . ووجهُ مساق هذا اللفظ : أن قوله : ( إذا حكم ) معناه : إذا أراد أن يحكم ، فعند ذلك يجتهد في النازلة ، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون : إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة ، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم ، لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أولًا . اللهم إلا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده ، مائلًا إليه ، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى . و( قوله : فأصاب ) أي : حكم فأصاب وجه الحكم . وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى . فهذا يكون له أجرٌ بحسب اجتهاده ، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه . والخطأ الذي يناقض هذا هو : أن يجتهد في حجج الخصمين ، فيظن : أن الحق لأحدهما ، وذلك بحسب ما سمع من كلامه وحجَّته ، فيقضي له ، وليس كذلك عند الله تعالى . فهذا له أجر اجتهاده خاصَّة ؛ إذ لا إصابة . وهذا المعنى هو الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على حسب ما أسمع ) ، وفي الأخرى : ( فأحسب : أنَّه صادق ، فأقضي له ) . وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ ؛ لأن هنالك حقًّا معيَّنا عند الله تعالى تنازعه الخصمان ، لأن أحد الخصمين مبطل قطعًا ؛ لأنَّهما تقاسما الصدق والكذب ، فمتى صدق أحدهما كذب الآخر . والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحق ، فقد يصيبه وقد يخطئه . وعلى هذا : فلا ينبغي أن يختلف هنا في أنَّ المصيب واحدٌ ، وأنَّ الحق في طرف واحد . وإنَّما ينبغي أن يختصَّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلَّة الشريعة بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها ؛ هل لله تعالى فيها أحكام معيَّنة أم لا ؟ وللمسألة غَورٌ ، وفيها أبحاث استوفيناها في كتابنا في الأصول . وأعظم فوائد هذا الحديث : أن الحاكم لا بدَّ أن يكون من أهل الاجتهاد ، فإذا اجتهد وحكم فلا بدَّ له من الأجر ؛ فإمَّا ضعفان مع الإصابة ، وإمَّا ضعف واحد مع الخطأ . فأمَّا لو كان جاهلًا ، أو مقصرًا في اجتهاده فهو عاصٍ آثمٌ في كل ما يحكم به . أمَّا الجاهل : فلعدم أهليته . وأمَّا المقصِّر : فلعدم استيفاء شرطه . وكلاهما حَكَمَ بغير حكم الله ، بل بالباطل ، والاختلاق على الله . وقد دلَّ على هذا أيضًا ما خرَّجه النسائي من حديث بريدة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( القضاة ثلاثة : اثنان في النار ، وواحد في الجنة . رجل عرف الحق فقضى به ، فهو في الجنَّة . ورجل عرف الحق فلم يقضِ به ، وجار في الحكم ، فهو في النار . ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل ، فهو في النار ) . فإذا تقرَّر ذلك فاعلم : أنَّ المجتهد ضربان : أحدهما : المجتهد المطلق ، وهو : المستقل باستنباط الأحكام من أدلَّتها . فهذا لا شكَّ في أنَّه إذا اجتهد مأجور ، كما قدمناه ، لكنه يُعزُّ وجوده ، بل قد انعدم في هذه الأزمان . فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام ، وضاعت الحقوق . وثانيهما : مجتهد في مذهب إمام . وهذا غالب قضاة العدل في هذا الزمان . وشرط هذا أن يحقق أصول إمامه ، وأدلَّته ، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهب إمامه . وأمَّا ما وجده منصوصًا : فإن لم يختلف قول إمامه ؛ عمل على ذلك النَّصَّ ، وقد كُفِي مؤنة البحث . والأولى به : تَعَرَّفُ وجه ذلك الحكم . وأما إن اختلف قول إمامه : فهناك يجب عليه البحث في تعيين الأولى من القولين على أصول إمامه . واختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوال إمامه فقط . هل يصلح للحكم عند الضرورة أو لا ؟ على قولين ؟ فمن أجازه شرط فيه : أنَّه لا يخرج عن نصوص إمامه ، أو نصوص من فهم عن إمامه ، فإذا تعارضت عنده الأقوال لم يحكم بشيء منها أصلًا حتى يسأل عن الأرجح من له أهلية الترجيح . ولا يحكم بنظره أصلًا ؛ إذ لا نظر له . ومتى فعل شيئًا من ذلك كان حكمه منقوضًا ، وقوله مردودًا . وقد كان أهل الأندلس يرجحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها . فيقولون : إن قول ابن القاسم ونقله أولى من نقل غيره وقوله ، بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك ، ولم يتفقَّه بغيره ، ولطول ملازمته له . فإن لم نجد لابن القاسم قولًا كان قول أشهب أولى من قول ابن عبد الحكم ؛ لأنَّه أخذ عن الشافعي ، فخلَّط ، وهكذا . وقد بلغني : أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلاتهم مراعاة ذلك الترتيب . قلت : وهذه رتبة لا أخسَّ منها ؛ إذ صاحبها معزولٌ عن رتبة الفقهاء ، ومنخرط في زمرة الأغبياء ؛ إذ لا يفهم معاني الأقوال ، ولا يعرف فصل ما بين الحلال والحرام ، فحق هذا ألا يتعاطى منصب الأحكام ، فإنَّه من جملة العوام . والمشهور : أنَّه لا يُسْتَقْضَى من عَرِي عن الاجتهاد المذكور ، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ولا يُستقضى إلا فقيه من أهل الاجتهاد . وهذا محمولٌ على ما تقدم ، والله تعالى أعلم . والاجتهاد المعني في هذا الباب هو : بذل الوسع في طلب الحكم الشرعي في النوازل على ما قلناه .
593 - ( 12 و 14 ) [1808] وعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ . وفي رواية : ولا وهات ، مكان : منعا . و( قوله : وحرَّم عليكم عقوق الأمهات ) العقوق : مصدر عق ، يعق ، عقوقًا ؛ أي : قطع وشقَّ . فكأنَّ العاقَّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من صلتهما ، ويشق عصا طاعتهما . ولا خلاف في أن عقوقهما من أكبر الكبائر . وخصَّ الأمهات هنا بالذِّكر لتأكيد حرمتهن على الآباء ؛ لأنَّ الأم لها ثلاثة أرباع البرِّ ، كما قد بيَّنَّا وجه ذلك في الأيمان . و( وأد البنات ) : هو دفنهن أحياء ، كما كانت الجاهلية تفعل بهن . وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم . و( قوله : ومنعًا وهات ) ، وفي الرواية الأخرى : ( ولا وهات ) ومعناهما واحد ، وهو أن يمنع ما يجب عليه بذله ، ويطلب شيئًا يحرم عليه طلبه . هذا إن حملنا ( كره ) على معنى : ( حرَّم ) ، كما قد بيَّنَّاه ، حيث فَسَّر ( كره ) : بمعنى : ( سخط ) . وعدل عن لفظ هذا الحديث عن لفظ ( حرَّم ) الذي ذكره قبل هذا اللفظ ؛ لأنَّ تلك الأمور التي قرن بها لفظ ( حرم ) أفحش وأكبر من هذه الأمور التي قرن بها لفظ ( كره ) . وقد قيل : إن الكراهة هنا من باب التنزيه . وفيه بُعْدٌ لما بيَّنَّاه في إضاعة المال .
( 12 ) باب الأمر بالمواساة بالفضل وجمع الأزواد إذا قلت 1728 - [1826] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ ، قَالَ: فَجَعَلَ يضرب يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رئينَا : إنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ . ( 12 ) ومن باب : الأمر بالمواساة وجمع الأزواد إذا قلت ( قوله : جاء رجل على راحلته فجعل يضرب يمينًا وشمالًا ) كذا رواه ابن ماهان بالضاد المعجمة ، وبالباء الموحدة من تحتها ، من الضرب في الأرض ؛ الذي يراد به : الاضطراب والحركة ، فكأنه كان يجيء بناقته ، ويذهب بها فعل المجهود الطالب . وفي كتاب أبي داود : يضرب راحلته يمينًا وشمالًا . وقد رواه العذري فقال : يُصرِّف - بالصاد المهملة والفاء -من الصَّرف ، ولم يذكر المصروف ما هو ؟ وقد رواه السَّمرقندي والصدفي كذلك ، وبيَّنوا المصروف ، فقالوا : يصرف بصره يمينًا وشمالًا . يعني : كان يقلب طرفه فيمن يعطيه ما يدفع عنه ضرورته . ولا تباعد بين هذه الروايات ؛ إذ قد صدر من الرجل كل ذلك ، ولما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلك الحال أمر كل من كان عنده زيادة على قدر كفايته أن يبذله ، ولا يمسكه ، وكان ذلك الأمر على جهة الوجوب لعموم الحاجة ، وشدَّة الفاقة ؛ ولذلك قال الصحابي : حتى رئينا : أنَّه لا حق لأحد منا في فضل ؛ أي : في زيادة على قدر الحاجة . وهكذا الحكم إلى يوم القيامة ؛ مهما نزلت حاجة ، أو مجاعة ، في السَّفر ، أو في الحضر ، وجبت المواساة بما زاد على كفاية تلك الحال ، وحرم إمساك الفضل . و( قوله : حتى رئينا ) هكذا وقعت هذه الرواية بضم الراء وكسر ما بعدها مبنيًا لما لم يسم فاعله ؛ أي : أظهر لنا . وفي بعض النسخ : ( رأينا ) مبنيًا للفاعل . وفي بعضها : حتى قلنا . من القول بمعنى الظن ، كما قال الشاعر : متى تقول القُلُصَ الرَّواسِمَا يُدنِين أُمَّ قاسمٍ وقاسما ؟
1729 - [1827] وعن إِيَاس بْن سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ ، حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ دوابنا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَمَعْنَا أزَوَادَنَا، فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا ، فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ، قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزِرَهُ كَمْ هُوَ، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ ، وفِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ ، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً، أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَرِغَ الْوَضُوءُ . و( قوله : فجمعنا أزوادنا ) : هذه الرواية الواضحة المحفوظة . وقد وقع لبعضهم : ( تزوادنا ) بالتاء باثنتين من فوقها ، بفتح التاء وكسرها ، وهو اسم من الزاد ؛ كالتِّسيار ، والتمثال . ووقع لبعضهم : ( مزاودنا ) ، والأول أوجه ، وأصح . و( قوله : فحزرته كربضة العَنْز ) أي : قدرته مثل جُثَّة العنز ، فحقُّه على هذا أن يكون مضموم الراء ؛ لأنَّه اسم . وكذلك حفظي عمَّن أثق به . فيكون : كـ ( ظلمة ) و( غرفة ) . وقد روي بكسر الراء ، ذهب فيه مذهب الهيئات ، كـ( الجلسة ) ، و( المشية ) . وقد روي بفتح الراء ، وهي أبعدُها ؛ لأنَّه حينئذ يكون مصدرًا ، ولا يُحْزَر المصدر ، ولا يُقدَّر . و( النُّطْفة ) : القطرة ، ومراده بها هنا : القليل من الماء . يقال : نطف الماء ينطف ؛ أي : قطر . و( ندغفقه دغفقة ) أي : نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا . و( الْجُرُبُ ) : جمع جراب ، وهي الأوعية التي يجعل فيها الزاد . وتسمى أيضًا : مزاوِد . وهذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام والشراب . وقد وقع ذلك منه مرات كثيرة . وروي من طرق عديدة ، ووقع منه في جموع كثيرة ، ومشاهد عظيمة ؛ فهي من معجزاته المتواترة ، وكراماته المتظاهرة ، وقد بيَّنَّا ذلك في كتابنا في الردِّ على النصارى .
48 - في اللقطة ( 15 و 16 ) [1824] وعنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ. قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ . وقيل : معنى ( يؤثمه ) : يحرجه ، فيقع في الإثم . وقد جاء ذلك مفسَّرًا في بعض الروايات : ( حتى يحرجه ) . فإن تحمَّل المضيِّف شيئا من ذلك ؛ فهو صدقة منه على الضيف ، فحقُّه أن يأنف منها ، ولا يقبلها ، لا سيما إن لم يكن أهلًا لها ، فإنَّها تحرم عليه . وقيل : معنى قوله : ( جائزته يوم وليلة ) أن ذلك حق المجتاز ، ومن أراد الإقامة فثلاثة أيام . و( جائزته ) هنا : مرفوعٌ بالابتداء ، وخبره : ( يوم وليلة ) . وقيل : الجائزة غير الضيافة ، يضيفه ثلاثة أيام ، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة . قال الهروي : والجيزة : قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل . وما ذكرناه أولى للمساق والمعنى . و( قوله : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) يعني : أن المصدِّق بالثواب والعقاب الْمُترتبين على الكلام في الدَّار الآخرة لا يخلو من إحدى الحالتين . إما أن يتكلَّم بما يحصل له ثوابًا وخيرًا فيغنم ، أو يسكت عن شيء يجلب له عقابًا وشرًّا فيسلم . وعلى هذا : فتكون ( أو ) للتنويع والتقسيم . وقد أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام ، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر ونظام . وحاصل ذلك : أن آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان ، وأعظمها في الهلاك والخسران . فالأصل : ملازمة الصمت إلى أن تتحقق السلامة من الآفات ، والحصول على الخيرات ، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة وبأزمَّة التقوى مزمومة . والله الموفق .
1727- [1825] وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّكَ تَبْعَثُنَا ، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ ولَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ . و( قوله : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ) هذا أمر على جهة النَّدب للضيف بالقبول . فحقه ألا يُرَّد لما فيه مِمَّا يؤدي إلى أذى المضيف بالامتناع من إجابة دعوته ، وغمِّ قلبه بترك أكل طعامه ، ولأنه ترك العمل بمكارم الأخلاق . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب - عرسًا كان أو غيره - ). و( قوله : فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف ) هذا مما استدلَّ به الليث على وجوب الضيافة . وهو ظاهرٌ في ذلك ، غير أن هذا محمولٌ على ما كان في أول الإسلام من شدَّة الأمر ، وقلَّة الأزواد ، فقد كانت السَّرية يخرجها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يجد لها إلا مِزْوَدَي تمر . فكان أمير السَّرية يقوتهم إيَّاه ، كما قد اتفق في جيش أبي عبيدة ، وسيأتي . وإذا وجب التضييف كان للضيف طلب حقه شرعًا ، وإن لم يكن الحال هكذا فيحتمل أن يكون هذا الحق المأمور بأخذه هو حقُّ ما تقتضيه مكارم الأخلاق ، وعادات العرب ، كما قررناه ، فيكون هذا الأخذ على جهة الحضِّ والترغيب بإبداء ما في الضيافة من الثواب والخير ، وحُسن الأحدوثة ، ونفي الذمِّ ، والبخل ، لا على جهة الجبر والقهر ؛ إذ الأصل ألا يحلَّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيب قلبه ، ويحتمل أن يراد بالقوم الممرور بهم أهل الذمة ، فينزل بهم الضيف ، فيمنعونه ما قد جعل عليهم من التضييف ، فهؤلاء يؤخذ منهم ما جعل عليهم من الضيافة على جهة الجبر من غير ظلمٍ ولا تعدٍّ . وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لما أحدث عليهم من الظلم . والله تعالى أعلم .
( 11 ) باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها 48 - في اللقطة ( 14 ) [1823] عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ الخزاعي أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ. قَالَوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ! قَالَ: يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ . ( 11 ) ومن باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها قوله : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ) قد تقدم القول في حكم الضيافة ، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب ، لأنَّها من مكارم الأخلاق ، إلا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة ، فتجب حينئذ . وقد أفاد هذا الحديث : أنها من أخلاق المؤمنين ، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها ، لما يحصل عليها من الثواب في الآخرة ، ولما يترتب عليها في الدنيا من إظهار العمل بمكارم الأخلاق ، وحُسن الأحدوثة الطيبة ، وطيب الثناء ، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر ، المحتاج إلى ما يخفف عليه ما هو فيه من المشقَّة ، والحاجة . ولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف . وعادة مستمرة فيهم ، حتى إنَّ من تركها يُذَمُّ عُرْفًا ، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة ، فنحن وإن لم نقل : إنَّها واجبة شرعًا فهي متعيِّنة لما يحصل منها من المصالح ، ويندفع بها من المضار عادة وعُرفًا . و( الجائزة ) : العطية . يقال : أجزته جائزة ، كما تقول : أعطيته عطية . و( جائزته ) هنا منصوبة ، إما على إسقاط لفظ حرف الجر ، فكأنه قال : فليكرم ضيفه بجائزته . وإما بأن يُشْرِبَ ( فليكرم ) معنى : ( فليُعط ) ، فيكون مفعولا ثانيًا لـ ( يكرم ) . و( قوله : وما جائزته ؟ ) استفهام عن مقدار الجائزة ، لا عن حقيقتها ، ولذلك أجابهم بقوله : ( يومه وليلته ) أي : القيام بكرامته في يومه وليلته ؛ أي : أقل ما يكون هذا القدر ، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد . و( قوله بعد ذلك : والضيافة ثلاثة أيام ) يعني بها بالكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال ، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقه ذمٌّ بالمقام فيها ؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك . وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله ، وداخل في باب : إدخال المشقات والكُلَف على الْمُضيِّف ، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة . وهو المعني بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه ) أي : حتى يشق عليه ، ويثقل ، لا سيما مع رقة الحال ، وكثرة الكلف .
1939 - [1840] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَدْرِي أنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ يَوْمِ خَيْبَرَ ؛ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . 1802 - [1841] وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟. قَالَوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟. قَالَوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ . 1940 - ( 34 و 35 ) [1842] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجًا مِنْ الْقَرْيَةِ، فَطَبَخْنَا مِنْهَا ، فَنَادَى مُنَادِي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا ، وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا . وفي رواية : لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُكِلَتْ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ وذكر نحوه . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - في القدور : ( أهريقوها ، واكسروها ) ، كأن الأمر بكسر هذه القدور إنما صدر منه بناءً على أن هذه القدور لا ينتفع بها مطلقًا ، وأن الغسل لا يؤثر فيها لما يسري فيها من النجاسات ، كما نقوله في أواني الخمر المضرَّاة ، فلما قال له الرجل : ( أو نهريقها ، ونغسلها ) ، فهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنها مِمَّا ينْغَسل ، فأباح له ذلك ، فتبدَّل الحكم لتبَدُّل سببه . ولهذا في الشريعة نظائر . وهي تدل على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يحكم بالاجتهاد فيما لم يُوح إليه فيه شيء . وقد تقدم التنبيه على هذا في الحجِّ عند قول العباس : ( إلا الإذخر ) . وفيه دليلٌ : على أن إزالة النجاسات إنما تكون بالماء ، خلافًا لأبي حنيفة ، وقد تقدم .
( 5 ) باب النهي عن لحوم الحمر الأهلية ، والأمر بإكفاء القدور منها 1407- [1836] عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ . ( 5 ) ومن باب : النَّهي عن لحوم الحمر الأهلية قد تقدم الكلام في تحريم نكاح المتعة في كتاب النكاح .
1936 - [1837] وعن أَبي ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . 561 - في الصيد والذبائح ( 25 ) [1838] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ النَّاسُ احْتَاجُوا إِلَيْهَا . و( قوله : حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية ) وفي الروايات الأخر : ( نهى ) ، والأُولى نصٌّ في تحريمها . وهي مفسِّرة للنَّهي الوارد في الروايات الأخر . وبالتحريم للحمر الأهلية قال جمهور العلماء - سلفًا وخلفًا - وفي مذهب مالك قولٌ بالكراهة المغلظة ، والصحيح : الأول ؛ لما تقدم . لا يقالُ : كيف يُجْزِم بتحريم أكلها مع اختلاف الصحابة في تعليل النهي الوارد فيها على أقوال ؟ فمنهم من قال : نهى عنها لأنَّها لم تُخَمس . ومنهم من قال : لأنها كانت حمولتهم . ومنهم من قال : لأنها كانت تأكل الْجَلَّة ، كما ذكره أبو داود . ومنهم من قال : لأنها رجس . وهذه كلها ثابتة بطرق صحيحة ، وهي متقابلة ، فلا تقوم بواحد منها حجَّة . فكيف يجزم بالتحريم ؟ وإذا لم يجزم بالتحريم فأقل درجات النهي أن يحمل على الكراهة ؛ لأنَّا نجيب عن ذلك : بأن الصحابي قد نصَّ على ذلك التحريم كما ذكرناه آنفًا ، وبأن أولى العلل ما صرَّح به منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال : ( إن الله ورسوله ينهيانكم عنها ، فإنَّها رجسٌ من عمل الشيطان ) . والرِّجس : النَّجس . فلحومها نجسة ؛ لأنَّها هي التي عاد عليها ضمير ( إنها رجس ) . وهي التي أمر بإراقتها من القدور ، وغسلها منها ، وهذا حكم النجاسة . فظهر : أن هذه العلَّة أولى من كل ما قيل فيها . وأما التعليل الذي ذكره أبو داود من حديث غالب بن أبجر ، وهو الذي قال فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما حرمتها عليكم من أجل جوَّال القرية ) فحديث لا يصح ؛ لأنَّه يرويه عن عبد الله بن عمرو بن لويم ، وهو مجهول ، وقد رواه رجل يقال له : عبد الرحمن بن بشر ، وهو أيضًا مجهولٌ على ما ذكره أبو محمد عبد الحق . وأما ما عدا ذلك من العلل التي ذكرناها فمتوهمة مقدَّرة ، لا يشهد لها دليل . فصح ما قلناه ، والحمد لله . ثم نقول : لا بُعْد في تعليل تحريمها بعلل مختلفة ، كل واحدة منها مستقلة بإفادة التحريم . وهو الصحيح من أحد القولين للأصوليين . وأمَّا تعليل من علَّلها بعدم التخميس فغير صحيح ؛ لأنَّه : يجوز أكل الطعام والعلوفة قبل التخميس اتفاقًا ، لا سيما في حال المجاعة ، والحاجة . وقد تقدم القول في الإنسيَّة ، وأنها تقال بفتح الهمزة والنون . [وهي الأشهر عند المحققين من أهل التقييد . ويقال أيضًا : بكسر الهمزة وسكون النون] . وكلاهما منسوب إلى الإنس .
1937- ( 26 و 27 ) [1839] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ، وسئل عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَصَبْنَا لِلْقَوْمِ حُمُرًا خَارِجَةً مِنْ الْمَدِينَةِ فَنَحَرْنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي ؛ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ اكْفَؤوا الْقُدُورَ، وَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا. فَقُلْتُ: حَرَّمَهَا تَحْرِيمَ مَاذَا؟ قَالَ: تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا فَقُلْنَا: حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ، وَحَرَّمَهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ . وفي رواية : فقال : إنما نهى عنها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنها لم تخمس ، وقال آخرون : نهى عنها ألبتة . و( قوله : أن اكفؤوا القدور ) الرواية المشهورة بوصل الألف ، وفتح الفاء ، من : كفأت القدر إذا قلبتها ، وقد رويت بقطع الهمزة وكسر الفاء من : أكفأت . قال ابن السكيت وابن قتيبة : هما لغتان بمعنى واحد . وقال الأصمعي : كفأت الإناء ، وكلَّ شيء قلبته ، ولا يقال : أكفأت ، وقيل : كفأتُ القِدْر : كببتها ليخرج ما فيها ، وأكفأتها : أملْتها .
( 4 ) باب إباحة أكل ميتة البحر وإن طفت 1935- ( 17 و 18 ) [1835] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً. قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ ، تَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ. وفي رواية : فسمي جيش الخبط . قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ ، حَتَّى سَمِنَّا. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، ولَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا ، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ ، فَأَكَلَهُ . ( 4 ) ومن باب : إباحة أكل ميتة البحر العير : الإبل الْمُحَملة . قوله : ( وزوَّدنا جرابًا من تمر ؛ لم يجد لنا غيره ) اختلفت ألفاظ الرواة في هذا المعنى ؛ فمنها : ما ذكرناه . وفي رواية : ( فكنا نحمل أزوادنا على رقابنا ) . وفي أخرى : ( ففني زادهم ) . وفي الموطأ : ( فكان مزودي تمر ) ، وفي أخرى : ( فكان يعطينا قبضة قبضة ، ثم أعطانا تمرة تمرة ) ، ويلتئم شتات هذه الروايات بأن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - زادهم ذلك المزود ، أو المزودين إلى ما كان عندهم من زاد أنفسهم الذي كانوا يحملونه على رقابهم ، ثم إنهم لما اشتدت بهم الحال جمع أبو عبيدة ما كان عندهم إلى المزود الذي زادهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يُفرِّقُه عليهم قبضة قبضة ، إلى أن أشرف على النَّفاذ ، فكان يعطيهم إيَّاه تمرة تمرة إلى أن فني ذلك . وَجَمْعُ أبي عبيدة الأزواد ، وقسمتها بالسَّويَّة : إما أن يكون حكمًا حكم به لِمَا شاهد من ضرورة الحال ، ولِمَا خاف من تلف من لم يكن معه زاد ، فظهر له : أنه قد وجب على من معه زاد أن يُحيي من ليس له شيء ، أو يكون ذلك عن رضا من كان له زادٌ رغبةً في الثواب ، وفيما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - [في الأشعريين من أنهم إذا قل زادهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسَّويَّة . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] : ( فهم مني ، وأنا منهم ) ، وقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مرَّة . ولذلك قال بعض العلماء : إنه سنة . و( الْخَبَط ) بفتح الخاء والباء : اسم لما يُخبط فيتساقط من ورق الشجر . وبسكون الباء : المصدر . وتبليلهم الْخَبَط بالماء ليلين للمضغ . وإنَّما صاروا لأكل الخبط عند فقد التمرة الموزعة عليهم . وهذا كله يدلُّ على ما كانوا عليه من الجِدِّ ، والاجتهاد ، والصبر على الشدائد العظام ، والمشقات الفادحة ، إظهارًا للدِّين ، وإطفاءً لكلمة المبطلين . رضي الله عنهم أجمعين . وساحل البحر ، وسيفه ، وشطِّه ، كل ذلك بمعنى واحد . و( رفع لنا ) أي : ظهر لنا ، واطَّلعنا عليه . وهو مبني لما لم يسم فاعله . و( الكثيب ) و( الضرب ) : الجبل الصغير ، والكوم أصغر منه . و( الضخم ) : المرتفع الغليظ . و( قوله : تُدْعى العَنْبَر ) أي : تسمَّى بـ( العنبر ) ، ولعلها سميت بذلك لأنها الدابَّة التي تلقي العنبر ، وكثيرًا ما يوجد العنبر على سواحل البحر ، وقد وجد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة كبيرة كالكوم ، حصل لواجديه منه أموال عظيمة . و( قول أبي عبيدة : مَيْتَة ) أي : هي مَيْتَة ، فلا تُقرب ؛ لأنَّها حرام بنصِّ القرآن العام ، ثم إنه أضرب عمَّا وقع له من ذلك لما تحقق من الضرورة المبيحة له ، ولذلك قال : ( لا ، بل نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد اضطررتم فكلوا ) وهذا يدلّ على جواز حمل العموم على ظاهره ، والعمل به من غير بحث عن المخصِّصات ، فإن أبا عبيدة حكم بتحريم ميتة البحر تمسُّكًا بعموم القرآن ، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار ، مع أن عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته ) ، ولم يكن عنده خبر من هذا المخصِّص ، ولا عند أحد من أصحابه . و( قوله : فأقمنا عليها شهرًا حتى سَمِنَّا ) دليل لمالك ، ولمن يقول بقوله : على أن يأكل من الميتة شبعه ، ويتبسط في أكلها ، فإنَّها قد أبيحت له ، وارتفع تحريمها في تلك الحال فأشبهت الذَّكيَّة ، وخالفه في ذلك جماعة ، منهم : الحسن ، والنخعي ، وقتادة ، وابن حبيب ، فقالوا : لا يأكل منها حتى يضطرَّ إليها ثانية ، ولا يأكل منها إلا ما يُقيم رمقه . وقال عبد الملك : إن تغدَّى حَرُمَت عليه يومه ، وإن تعشى حرمت عليه ليلته . وهذا الذي قاله هؤلاء تعضده القاعدة ، وهي : أن كل ما أبيح لضرورة فيتقدَّر بقدرها ، على أنَّه يمكن أن يقال في قضيَّة أبي عبيدة ، وأكلهم من تلك الميتة شهرًا حتى سمنوا : إن ذلك القَدْر كان قدر ضرورتهم ، وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع ، والضعف ، وسقطت قواهم ، وهم مستقبلون سفرًا ، وعَدَوًّا ، فإن لم يفعلوا ذلك ضعفوا عن عدوهم ، وانقطعوا عن سفرهم ، وهذا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه عند الفتح : ( تقوَّوا لعدوكم ، والفطر أقوى لكم ) . و( قوله : حتى سَمِنَّا ) يعني : تقوينا ، وزال ضعفنا ، كما قال في الرواية الأخرى : ( حتى ثابت إلينا أجسامنا ) أي : رجعت إلينا قوَّتنا . وإلا فما كانوا سِمَانًا قطُّ . و( حجاج العين ) يقال : بفتح الحاء وكسرها ، وهو الوقب أيضًا . وهو غار العين الذي فيه حبَّتها . وأصل الوقب : الحفرة في الحجر . و( الفِدَرُ ) : جمع فِدْرَة : وهي القطعة من اللحم ، والعجين ، وشبههما . وهي : ( الثَّور ) أيضًا ، وجمعه : أثوار . والمراد بها هنا : قطع العجين أو السويق ، ولذلك شبَّه قطع اللحم بها ؛ إذ قال : كقدر الثور . فإن قيل : كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى شهر ، ومعلوم : أن اللحم إذا أقام هذه المدَّة ، بل أقل منها ، أنه يُنتِن ، ويشتدُّ نَتَنُه ، فلا يحل الإقدام عليه ، كما تقدم في الصيد ؛ إذ قال : ( كله ما لم يُنْتِن ) . فالجواب : أن يقال : لعل ذلك لم يَنْتَهِ نَتَنُه إلى حال يخاف منه الضرر لبرودة الموضع ، أو يقال : إنهم أكلوه طريًّا ، ثم مَلَّحُوه ، وجعلوه وشائِق ؛ أي : قدَّدوه قدائد ، كما يُفعل باللحم . ويقال فيه : وشقت اللحم ، فاتَّشق ، والوَشيقَة : القديدة . وعلى هذا يدلّ قوله : ( ونقتطع منه الفدر ) أي : القطع الكبار . و( قوله : وتزوَّدنا من لحمه وشائق ) أي : قدائد . وهذا اللفظ يدلّ أيضًا : على أنه يتزوَّد من الميتة إذا خاف ألا يجد غيرها ، فإن وجد غيرها ، أو ارتجى وجوده لم يستصحبها . وهو قول مالك ، وغيره من العلماء . و( قوله : كنا نَغْتَرف من وَقْب عينها بالقلال الدُّهن ) دليل على أنهم كانوا يجيزون الانتفاع بشحوم الميتة ، وبالزيت النجس ، كما يقوله ابن القاسم ، ويجنب المساجد . وخالفه عبد الملك وغيره ، فقالوا : لا ينتفع بشيء من ذلك ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في سمن الفأرة : ( إن كان مائعًا فلا تقربوه ) . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : هو رزق الله أخرجه لكم ) تذكير لهم بنعمة الله تعالى ليشكروه عليها . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : فهل عندكم شيء منه فتطعمونا ) وأكله منه ليبيِّن لهم بالفعل جواز أكل ميتة البحر في غير الضرورة ، وأنها لم تدخل في عموم الميتة المحرَّمة في القرآن ، كما قد بيَّن ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته ) . وفي هذا الحديث للجمهور ردٌّ على من قال بمنع ما طفا من ميتات الماء . وهو : طاووس ، وابن سيرين ، وحماد بن زيد ، وأصحاب الرأي - أبو حنيفة وأصحابه وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال : يُؤكل ما يوجد في حافتي البحر ، وما جَزَرَ عنه ، ولا يُؤكل ما طفا . ومثله روي عن ابن عباس ، وكأنهما قصرا الإباحة على حديث أبي عبيدة المذكور . والصحيح : الإباحة في الجميع لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته ) ، والله تعالى أعلم .
1945 و 1946 - ( 44 ) [1846] وعن ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالَ لَهُ: سَيْفُ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدّمُ يديه لطَعَام حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ ، وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ ، فَلَمْ يَنْهَنِي . و( قوله : لم يكن بأرض قومي ، فأجدني أعافه ) أي : أكرهه . يقال : عِفْت الشيء أعافه [عيفًا : إذا كرهته . وعِفْتُه أُعِيفُه] عيافة : من الزجر . وعافَ الطيرُ ، يَعيفُ : إذا حام على الماء ليشرب . و( قوله : بأرض قومي ) ظاهره : أنه لم يكن موجودًا فيها ، وقد حكي عن بعض العلماء : أن الضبَّ موجودٌ عندهم بمكة ؛ غير أنه قليل ، وأنهم لا يأكلونه . والله تعالى أعلم . و( قول خالد : فاجتررته ، فأكلته ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر ، فلم يمنعني ) هذا تقرير منه - صلى الله عليه وسلم - على جواز أكله ، ولو كان حرامًا لم يقرَّ عليه ، ولا أُكِلَ على مائدته ، ولا بحضرته ، فثبت : أنه حلال مطلقٌ لعينه . وإنَّما كرهه لأمور خارجةٍ عن عينه ، كما نصَّ عليها فيما ذكرناه آنفا .
( 7 ) باب ما جاء في أكل الضب 1943 - [1845] عن ابْنَ عُمَرَ قال : سُئِلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ: لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ . وفي رواية : أتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بضب فلم يأكله ولم يحرمه . ( 7 و 8 ) ومن باب : أكل الضبِّ وهو حرْذونٌ كبير يكون في الصحراء . و( الْمَحْنُوذ ) : المشوي بالرَّضف ، وهي الحجارة المحمَّاة ، وهو الحنيذ أيضًا . وقيل : المشوي مطلقًا . يقال : حَنَذَتْه النار ، والشمس ؛ إذا شوته . و( قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الضبِّ : لست بآكله ، ولا محرِّمه ) ، و( قول خالد : ( أحرامٌ الضبُّ يا رسول الله ؟ فقال : لا ) دليل على أنه ليس بحرام . وهي تبطل قول من قال بتحريمه . حكاه المازري عن قومٍ ، ولم يُعيِّنهم . وحكى ابن المنذر عن علي - رضي الله عنه - النهي عن أكله . والجمهور من السلف والخلف على إباحته لما ذكرناه ، وقد كرهه آخرون : فمنهم من كرهه استقذارًا ، ومنهم من كرهه مخافة أن يكون مما مسخ . وقد جاء في هذه الأحاديث التنبيه على هذين التعليلين . وقد جاء في غير كتاب مسلم : أنه - صلى الله عليه وسلم - كرهه لرائحته ، فقال : ( إني يحضرني من الله حاضرة ) ، يريد : الملائكة . فيكون هذا كنحو ما قال في الثوم : ( إِنِّي أناجي من لا تناجي ) . قلت : ولا بُعْد في تعليل كراهة الضب بمجموعها . وإنما كان يُسمَّى له الطعام إذا وُضع بين يديه ليقبل على ما يحب ، ويترك ما لا يحب ؛ فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يذمُّ ذواقًا ، فإن أحبَّه أكله ، وإن كرهه تركه ، كما فعل بالضبِّ .
1947 و 1948 - [1847] وعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ، فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ الْغَدِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا آكُلُهُ ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ ، وَلَا أُحَرِّمُهُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مُحِلّلا وَمُحَرِّمًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى، إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خُوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ، قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ: هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَطُّ. وَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا. فَأَكَلَ مِنْهُ الْفَضْلُ، وَخَالِد ، وَالْمَرْأَةُ، وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: لَا آكُلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَيْءٌ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي رواية : قَالَ ابْن عَبَّاسٍ : أَهْدَتْ خَالَتِي أَمُّ حُفَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنْ السَّمْنِ وَالْأَقِطِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . و( قول يزيد بن الأصم : دعانا عروسٌ بالمدينة ، فقرَّب إلينا ثلاثة عشر ضبًّا ) دليل : على أن أكلهم للضباب كان فاشيًا عندهم ، معمولًا به في الحاضرة ، وفي البادية ، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - : إنه طعام عامة الرُّعاء ، ولو كان عندي طعمته . وإنكار ابن عباس على الذي نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا آكله ، ولا أنهى عنه ، ولا أحرِّمه ) إنما كان لأنَّه فهم من الناقل : أنه اعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم في الضبِّ بشيء ، ولذلك قال له : بئس ما قلت ، ما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا محرِّمًا ومحلِّلًا . ثم بيَّن له بعد ذلك الدليل على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أباحه ، فذكر الحديث . و( الخوان ) : ما يجعل عليه الطعام ، يقال بكسر الخاء وضمها ، وجمعه : أَخْوِنَة وخُونٌ . ويُسمَّى بذلك إذا لم يكن عليه طعام ، وإذا وضع عليه الطعام يسمّى : مائدة . وفيه دليل : على جواز اتخاذ الأخونة ، والأكل عليها ؛ فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد كان له خوان ، وأُكِل عليه بحضرته ، على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث . وما روي : أنه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - لم تكن لهم موائد ، وإنما يأكلون على السُّفَرِ ، فذلك كان غالب أحوالهم . والله تعالى أعلم . و( قول ابن عباس : أهدت خالتي أمُّ حُفيد ) مصغر بغير هاء . كذا صوابه ؛ لأنَّه الأشهر . واسمها : هزيلة . وهكذا ذكره أبو عمر في الصحابة ، وهي رواية النَّسفي في البخاري ، وما عدا هذه الرواية فاضطراب من الرواة . فمنهم من قال : حُفيدة . ومنهم من قال : أمّ حُفيدة . ومنهم من قال : أمّ حُفيد . وعند بعض رواة البخاري : أمُّ حذيفة . والأول الصواب . والله تعالى أعلم . و( الأَقِطُ ) : اللَّبن المجبَّن الْمُجَّفف .
( 6 ) باب في إباحة لحوم الخيل وحمر الوحش 1941 - ( 36 و 37 ) [1843] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ . وفي رواية : قال : أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش ، ونهانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الحمار الأهلي . 1942 - [1844] وعن أسماء قالت : نحرنا فرسا على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكلناه . ( 6 ) ومن باب : إباحة لحوم الخيل ( قول جابر : وأذن في لحوم الخيل ) ، وفي الرواية الأخرى : ( أكلنا زمن خيبر الخيل ) ، و( قول أسماء : نحرنا فرسًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه ) كلها ظاهرةٌ في إباحة الخيل ، وبذلك قال الجمهور من الفقهاء ، والمحدِّثين ، والسَّلف ، كالحسن ، وعطاء ، وحمَّاد بن أبي سليمان ، وسعيد بن جبير ، والشافعي ، والثوري ، وأبي يوسف ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وابن المبارك . وذهبت طائفة إلى كراهتها . منهم : ابن عباس ، ومجاهد ، ومالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وأبو عبيد : متمسكين بقول الله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ويتقرر الاستدلال بها من وجهين : أحدهما : أن الله تعالى ذكر الأنعام التي هي : البقر ، والإبل ، والغنم ، في صدر الآية ، ثم عدَّد جميع ما ينتفع به منها ، ومن جملتها الأكل . ثمَّ ذكر بعدها : الخيل ، والبغال ، والحمير ، وذكر منافعها ، ولم يذكر فيها الأكل ، فلو كان الأكل جائزًا لكان مذكورًا فيها ؛ لأنَّ مقصود الآية التذكير بالنعم ، وتعديد ما أنعم الله به علينا في هذه الحيوانات من الفوائد ، ثم إن الأكل من أهمِّ الفوائد ، فلو كان مشروعًا فيها لما أغفله مع القصد إلى تعديدها ، وذكر الامتنان بآحادها . الثاني : أن الله تعالى قد سوى بين الخيل ، والبغال ، والحمير في العطف والنَّسق ، والبغال والحمير لا تؤكل بالاتفاق على ما مر ، فالخيل لا تؤكل ، ثم اعتذر القائلون بالكراهة عن الحديث بأن ذلك كان في حالة مجاعة وشدَّة حاجة ، فأباحها لهم ، وكانت الخيل بالإباحة أولى من البغال والحمير ، لخِفَّة الكراهة فيها ، فكانت بالإباحة أولى . ويستثمر من هذا : أن المضطرَّ مهما وجد شيئين أحدهما أغلظ في المنع ، عدل إلى الأخف ، واجتنب الأثقل ، وكذلك يفعل في المحرمات ؛ إذا كان أحدهما - مثلًا - مُتَّفقًا على تحريمه ، والثاني مختلفًا فيه ، فينبغي للمضطرِّ أن يأكل المختلف فيه . وقد شذَّت طائفة منهم ، فقالت بتحريم لحوم الخيل . منهم : الحكم بن عتيبة ، وفيه بُعْدٌ ؛ لأنَّ الآية لا تدل عليه ، والأحاديث تخالفه . والله تعالى أعلم . و( قول جابر : أكلنا يوم خيبر حمر الوحش ) يعني : أنهم صادوها ، ولا خلاف في جواز أكلها فيما علمته ؛ لأنَّها من جملة الصَّيد الذي أباحه الله تعالى في كتابه ، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم
2997- ( 61 و 62 ) [1851] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْبًا فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، قُلْتُ: آقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ . وفي أخرى : أأنزلت علي التوراة ؟ ولفظها : الفأرة مسخ ، وآية ذلك : أنه يوضع وذكر نحوه . و( قول أبي هريرة : آقرأ التوراة ؟ ) هو بمد همزة أَقرأُ ؛ لأنَّها للاستفهام على جهة الإنكار على كعب لَمَّا كرَّر عليه السؤال بقوله : آنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وقد بيَّنه في الرواية الأخرى حيث قال : أَأُنْزِلَتْ علي التوراة ؟ . وكان هذا من أبي هريرة تعريضًا بكعب ، فإنَّه كان يقرأ التوراة ، وكان أكثر أحاديثه منها . وأما أبو هريرة فما كان يُحَدِّثُ إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
( 8 ) باب ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ 1949 - [1848] عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : أُتِيَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ 1950 - [1849] وعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا تَطْعَمُوهُ ، وَقَذِرَهُ. وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّمْهُ ؛ إِنَّ اللَّهَ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ . 1951 - ( 50 - 51 ) [1850] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي. قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا . و( قول الأعرابي : في غائطٍ مَضَبَّة ) ، الغائط : المنخفض من الأرض ، و( مضبَّة ) أي : ذات ضِباب كثيرة ، وهي بفتح الميم والضاد ، كقولهم : أرض مَسْبَعة ، ومأسدة ؛ أي : كثيرةُ ذلك . قال سيبويه : مَفْعَلَة - بالهاء والفتح - للتكثير ، وقد حكى غيره في مَضَبَّة : كسر الميم والضاد ، والأول المعروف . و( السَّبْط ) : واحد الأسباط ، وهم كالقبائل في العرب . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لعن - أو : غضب - على سبط من بني إسرائيل ، فمسخهم دوابَّ يَدِبُّون ، ولا أدري لعل هذا منها ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - تَوقُّعٌ ، وخوف لأن يكون الضَّبُّ من نسل ما مسخ من الأمم . ومثله ما ذكره في الفأرة لما قال : ( فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل لا أدري ما فَعَلت ، ولا أراها إلا الفأر ) كان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - ظنًّا ، وحدسا قبل أن يوحى إليه : ( إن الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلًا ) . فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف ، وعلم أن الضَّبَّ والفأر ليسا من نسل ما مُسِخ . وعند ذلك أخبرنا بقوله : ( إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلًا ) . وقد تقدَّمت النصوص بإباحة أكل الضَّبِّ ، وأما الفأر : فلا يأكل ، لا لأنه مسخ ، بل لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استخبثه ، كما قد استخبث الوزغ ، وأمر بقتله ، وسَمَّاه : فويسقًا . وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ فيكون أكلها حرامًا . وأما الْهِرَّ : فقد تناوله عموم تحريم كل ذي ناب . فإنَّه من ذوات الأنياب على ما تقدم . وقد جاء فيه حديث صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الْهِرِّ ، وأكل ثمنه .
( 3 ) باب النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير 1932 - ( 12 و 13 ) [1832] عن أَبي ثَعْلَبَةَ قال : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ حَتَّى حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الخولاني ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ . 1933 - [1833] وعن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : كل ذي ناب من السباع فأكله حرام . 1934 - [1834] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ . ( 3 ) ومن باب : النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ( قول أبي ثعلبة : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع ) ظاهر هذا النهي : التحريم ، وقد جاء نصًّا في حديث أبي هريرة إذ قال : ( كل ذي ناب من السباع فأكله حرام ) . الناب : واحد الأنياب ، وهي مما يلي الرُّباعيات من الأسنان . ذهب الجمهور من السَّلف وغيرهم إلى الأخذ بهذا الظاهر في تحريم السباع ، وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، ومالك في أحد قوليه ، وهو الذي صار إليه في الموطأ ، وقال فيه : وهو الأمر عندنا ، وروى عنه العراقيون الكراهة ، وهو ظاهر المدوَّنة ، وبه قال جمهور أصحابه . تنبيه : هذا الخلاف إنما هو في السباع العادية المفترسة كالأسد ، والنمر ، والذئب ، والكلب . وأما ما ليس كذلك فجُلِّ أقوال الناس فيه : الكراهة . وحيث صار أحدٌ من العلماء إلى تحريم شيء من هذا النوع ؛ فإنما ذلك لأنه ظهر للقائل بالتحريم أنَّه عاد ، وذلك كاختلافهم في الضَّبع ، والثعلب ، والهرِّ وشبهها . فرآها قوم من السباع فحكموا بتحريمها ، وأجاز أكلها : الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وهو قول علي ، وجماعة من الصحابة ، وكرهها مالك . حكى ذلك القاضي عياض . تنبيه : إنما عدل القائلون بالكراهة عن ظاهر التحريم المتقدم ؛ لأنَّهم اعتقدوا معارضة بينه وبين قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ الآية . ووجه ذلك أنهم حملوا قوله : فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ على عموم وحي القرآن ، والسُّنَّة ، وقالوا : إن هذه الآية نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في حجة الوداع ، فهي متأخرة عن تلك الأحاديث ، والحصر فيها ظاهر ، فالأخذ بها أولى ؛ لأنها : إما ناسخة لما تقدمها ، أو راجحة على تلك الأحاديث . وأما القائلون بالتحريم ، فظهر لهم ، وثبت عندهم أن سورة الأنعام : مكِّيَّة ، نزلت قبل الهجرة ، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريمهم البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحامي ، ولم يكن في ذلك الوقت مُحرَّم في الشريعة إلا ما ذكره في الآية ، ثم بعد ذلك حرَّم أمورًا كثيرة ؛ كالحمر الإنسية ، والبغال ، وغيرها ، كما رواه الترمذي عن جابر قال : حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية ، ولحوم البغال ، وكلَّ ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطَّير . وذكر أبو داود عن جابر أيضًا قال : ذبحنا يوم خيبر الخيل ، والبغال والحمير ، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البغال ، والحمير ، ولم ينهنا عن الخيل . قلت : والصحيح ما ذهب إليه الجمهور . والله أعلم بحقائق الأمور . و( قوله : عن كل ذي مخلب من الطير ) هو معطوف على قوله : ( نهى عن كل ذي ناب من السِّباع ) . وقد تقرَّر أن ذلك النهي محمولٌ على التحريم في السباع ، فيلزم منه تحريم كل ذي مخلب من الطير ؛ لأنَّ الواو تُشَرِّك بين المعطوف والمعطوف عليه في العامل ومعناه ؛ لأنَّها جامعة . وقد صار إلى تحريم كل ذي مخلب من الطير طائفة ؛ تمسُّكًا بهذا الظاهر . وممن قال بذلك : أبو حنيفة ، والشافعي . وأمَّا مذهب مالك : فحكى عنه ابن أويس كراهة أكل كل ذي مخلب من الطير . وجل أصحابه ، ومشهور مذهبه : على إباحة ذلك ؛ متمسكين بقوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا وقد تقدم الكلام عليها ، والظاهر : التمسك بما قررناه من ذلك الحديث الظاهر . وتقييد الطير بـ ( ذي المخلب ) يقتضي : منع أكل سباع الطير العادية : كالعقاب ، والشاهين ، والغراب ، وما أشبهها ، ولا يتناول الْخَطَّاف وما أشبهها . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة في أواني أهل الكتاب : ( إن وجدتم غير آنيتهم ، فلا تأكلوا فيها ) إنما كان هذا لأنهم لا يتوقَّون النجاسات فيأكلون لحم الخنزير ، وربما أكلوا الميتات ، فإذا طبخوا ذلك في القدر تنجست ، وربما سرت النجاسة في أجزاء قدور الفخار ، فإذا طبخ فيها بعد ذلك ، وبعد أن غسلت توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية ؛ فاقتضى الورع الكفّ عنها . وقد أشار إلى هذا ابن عباس ؛ فإنه روي عنه أنه قال : إن كان الإناء من نحاس ، أو حديد : غسل ، وإن كان من فخار : أغلي فيه الماء ، ثم غسل . و( قوله : وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوه ) هذه إباحة عند الحاجة ، لكن بشرط الغسل ؛ فإن الماء طهور ، لكن ينبغي أن يكون الغسل على ما قاله ابن عباس كما حكيناه عنه آنفًا . وهذا فيما يطبخون فيه من أوانيهم ، فأما ما يستعملونه من غير أن يطبخوا فيه : فخفيف ، إن لم تظن فيه نجاسة ، وقد توضأ عمر - رضي الله عنه - من بيت نصراني في حُقِّ نصرانية . فأما لو كان الإناء من أواني الخمر ، أو مما يجعل فيه شيء من النجاسات ، فلا شك في المنع من استعماله ؛ إلا أن يغسل غسلًا بالغًا ؛ فإن كان منها ما يبعد انفصال النجاسة عنه ، لم يجز استعماله ألبتة . قلت : ويظهر لي - على مقتضى هذا الحديث - أنه لا ينبغي للوَرِع أن يُقْدِم على أكل طعام أهل الكتاب ، ما وجد منه بدًّا ؛ بل هو أولى بالانكفاف عنه من الأواني . والله تعالى أعلم . تم نقل هذا الحديث من موسوعة الحديث حتى يتسق مع الشرح الموجود .
1954 - [1859] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ ؛ قَالَ: فَنَهَاهُ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ. قَالَ: فَعَادَ ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ! لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا ! . و( الْخَذْفُ ) بالخاء المعجمة بواحدة من فوقها : الرَّمي بالحجر . وبالحاء المهملة : الضرب بالعصا . و( قوله : إنها لا تصيد صيدًا ) أي : لا يحلُّ ما يُصادُ بالبُنْدُق ، ولا الْحَجَرِ ؛ لأنَّه ليس بمحددٍ ، ولا سلاح . و( قوله : لا تَنْكَأْ عدوًّا ) المشهور في هذا الحرف عند أكثر الرواة : الهمز ، وكذلك قيدته ورويته ، وهو من : نكأت القرحة ، وفيه بُعْدٌ . وقد وقع في بعض النسخ لبعض الرواة : ( لا تُنْكِي ) بغير همز ، من : نكاية العدو . وهو هنا أشبه ، وأوجه ، غير أن صاحب العين قد حكى عن قوم من العرب : أنهم يقولون : نكأت العدوّ . فعلى هذا تتمشى الرواية المشهورة . و( قول عبد الله للخاذف بعد التحذير : لا أُكلِّمك أبدًا ) دليلٌ على هجران من خالف الشرع على علمٍ تأديبًا لهم ، وزجرًا ، حتى يرجعوا . والله تعالى أعلم .
1958 - [1857] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرمَوْنَهَا . وفي رواية : قَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عنها . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَن اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا . إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن من فعل هذا . وفي رواية : لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا 1959 - [1858] وعن جَابِر قال : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا . و( خاطئة النبل ) هي : التي لا تُصيب . وظاهره : أن الذي جُعِل لصاحب الطير أن يأخذه السَّهم . ويحتمل : أن يكون الذي جُعِل له جُعْلا غيرُ ذلك على المخطئ كُلَّما أخطأ ، وكل ذلك قِمَارٌ لا يجوز .
( 11 ) باب النهي عن صبر البهائم وعن اتخاذها غرضا وعن الخذف 1956 - [1855] عن هِشَامَ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ جَدِّي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ دَارَ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ، فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ . 1957- [1856] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا . ونهيه عن صبر البهائم مفسَّر في حديث ابن عباس حيث قال : ( لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح غرضًا ) . وأصل الصَّبْرِ : الحبس . وقد تقدم في الأيمان . وهذا النَّهي على ظاهره من التحريم . وقد دلَّ على ذلك : لَعْنُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِمَنْ فعل ذلك ، كما في حديث ابن عمر .
( 9 ) باب أكل الجراد والأرانب 1952 - [1852] عن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نأكل الجراد . وفي رواية : سبع غزوات . ( 9 ) ومن باب : أكل الجراد والأرنب ( قوله : غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات نأكل الجراد ) ظاهره جواز أكل الجراد مطلقًا ، ولم يُختلف في جواز أكل الجراد على الجملة ، لكن اختلف فيه ؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم لا يحتاج ؟ فعامَّة الفقهاء : على أنه لا يحتاج إلى ذلك . فيجوز أكل الميتة منه . وإليه ذهب ابن عبد الحكم ، ومطرِّف من أصحابنا . وذهب مالك : إلى أنَّه لا بدَّ له من سبب يموت به ، كقطع رأسه ، أو رجله ، أو أجنحته إذا مات من ذلك ، أو يشوى ، أو يُصْلَق . وقال اللَّيث : يُكره أكل ميت الجراد إلا ما أخذ حيًّا ثم مات ، فإن أخذه ذكاته ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب ، والجمهور تمسُّكًا بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدم ، وبما ذكره ابن المنذر : أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يتهادين الجراد فيما بينهن . وبما ذكره الدارقطني عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أحل لنا ميتتان : الحوت والجراد ، ودمان : الكبد والطحال ) ، على أنه لا يصحُّ لأنه من رواية عبد الله ، وعبد الرحمن ابني زيد بن أسلم ، ولا يحتج بحديثهما . ومن الجمهور من رأى : أنه من صيد البحر ، وعلى هذا فيجوز للمُحرِم صيدها ، من غير جزاء ، ويجوز أكل ما صاد المجوسي منه ، وإليه ذهب النَّخعي ، والشافعي ، والنعمان ، وأبو ثور . فأما مالك والليث فرأيا : أن الجراد من حيوان البر ، فميتته محرَّمة ؛ لأنَّها داخلة في عموم قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ولم يصح عندهم : ( أحلّت لنا ميتتان ) ، وقالا بموجب حديث ابن أبي أوفى ، وبما ذكره ابن المنذر بشرط الذكاة ؛ إذ ليسا بنصَّين . وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من ذكاة ، إلا أن ذكاة كل شيء بحسب ما يتأتى فيه . فرأى مالك : أنه لا بدَّ من فعلٍ يُفعل فيها حتى تموت بسببه . ورأى اللَّيث : أن أخذها وتركها إلى أن تموت سببٌ يبيحها . ولم ير مالك ذلك لأنه لم يفعل فيها شيئًا . وقال أشهب : لا يؤكل الجراد إلا إذا قُطعت رؤوسه ، أو يُطرح حيًّا في نار ، أو ماء . فأما قطع أرجله ، وأجنحته فلا يكون ذلك ذكاة عنده ؛ وإن مات بسببه ، وعلى هذا : فلو صُلِقَ الحي منه مع الميت فقال أشهب : يُطرح الجميع ، وقال سحنون : يؤكل الأحياء ، وتكون الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القِدْر . قلت : وهذا من سحنون ميل إلى أنه من الحيوان الذي ليس له نفسٌ سائلةٌ . ويلزم على هذا ألا ينجس بالموت ، ولا ينجس ما مات فيه . وحينئذ يجوز أكله ميتًا . والله تعالى أعلم .
1953 - [1853] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَرَرْنَا فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهِ فَلَغَبُوا، قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهُ . و( قول أنس : اسْتَنْفَجْنا أرنبًا ) هذا الحرف صحيح روايته ومشهورها عند أهل التقييد واللغة بالنون والفاء ، لا يعرفون غيره . ومعناه : اسْتَثَرنا الأرنب وأخرجناه من مكمنه . يقال : نفَجت الأرنب إذا وثبت . قال الهروي : أنفجتُ الأرنبَ من جحره فنفج ؛ أي : أثرتُه : فثار . وقد وقع للمازري : ( فبعجنا ) بالباء بواحدة من تحتها ، والعين المهملة . وفسَّره بـ : شققنا ، من : بعج بطنه ؛ إذا شقَّه ، وهذا لا يصحُّ رواية ولا معنى ، وإنما هو تصحيف ، وكيف يَشُقُّون بطنها ، ثم يسعون خلفها ؟ ! و( السَّعي ) : الجري . و( اللُّغوب ) : التعب والإعياء . وجمهور السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم على العمل بحديث أنس هذا ، في جواز أكل الأرنب . وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي تحريمه . وعن ابن أبي ليلى كراهته . وقد ذكر عبد الرزاق من حديث عبد الكريم بن أمية - وهو ضعيف - قال : سأل جريرُ بن أنس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأرنب فقال : ( أُنبئت أنها تحيضُ ، لا آكُلُها ) . وهو منقطع . وذكر النسائي أيضًا عن موسى بن طلحة ، قال : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بأرنب قد شواها رجل ، وقال : يا رسول الله ! إني رأيت بها دمًا . فتركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأكلها ، وقال لمن عنده : ( فإني لو اشتهيتها أكلتها ) . وهذا مرسل . وليس في شيء من الأحاديث - وإن ضَعُفَت - ما يدلّ على تحريم الأرنب . وغاية هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها . فأمَّا من حَرَّم أكلها : فلا متمسك له فيما علمناه ، والحديث الأول حُجَّة عليه .
1930 - 1931 ( 9 و 10 و 11 ) [1831] وعن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابِ ، نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي ، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ . وفي رواية : إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن . وفي رواية : بعد ثلاث فكله ما لم ينتن . وقال في رواية في الكلب : كله بعد ثلاث إلا أن ينتن فدعه . و( قوله : ما لم يُنتن ) هو رباعي مضموم الأول ، من : أنتن الشيء : إذا تغيرت رائحته . وقال بعض اللغويين : يقال : أنتن اللحم : إذا تغير بعد طبخه . و( صَلَّ ) و( أَصَلَّ ) : إذا تغير وهو نيء . قلت : وهذا الحديث الصحيح يَرُدُّ ما قاله هذا اللغوي ، بل يقال : أنتن اللحم نيئًا ومطبوخًا . ويقال في غير اللحم : أنتن أيضًا ، كما يقال : أنتن الأنف .
( 2 ) باب الصيد بالسهم ومحدد السلاح وإذا غاب الصيد 1929 - ( 6 و 7 ) [1830] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ، فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ . وفي رواية : فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك . و( قوله : وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله ) هذا دليلٌ على جواز الصيد بمحدَّد السلاح ، وكذلك قوله في المعراض : ( إذا أصاب بحدِّه فكل ) ، وكذلك قوله تعالى : تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ولا خلاف فيه . و( قوله : فإن غاب عنك يومًا ، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ) ، ونحوه في حديث أبي ثعلبة ، غير أنه زاد : ( فكله بعد ثلاث ما لم ينتن ) . وإلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث صار مالك في أحد أقواله ، وسوى بين السَّهم والكلب . والقول الثاني : إنه لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب عنك . والقول الثالث : الفرق بين السَّهم ، فيؤكل ، وبين الكلب فلا يؤكل . ووجهه : أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يُشكل ، والجارح على جهات متعدِّدة فيُشكل . والقول الثاني أضعفها . و( قوله : ما لم يُنْتِن ) اختلف العلماء في تعليل هذا المنع ، فمنهم من قال : إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجُّها الطِّباع ، فيكره أكلها تنزيهًا ، فلو أكلها لجاز ، كما قد أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإهالة السنخة ، وهي المنتنة . ومنهم من قال : بل هو مُعلَّلٌ بما يخاف منه الضرر على آكله . وعلى هذا التعليل يكون أكله محرَّمًا ؛ إن كان الخوف محققًا . وقيل : إن ذلك النتن يمكن أن يكون من نهش ذوات السُّموم . قال ابن شهاب : كُلْ مما قتل إلا أن يَنْعَطِن ، فإذا انعَطَن فإنَّه نهشٌ . وفسَّروا ( ينعطن ) بأنَّه إذا مُدَّ تَمَرَّط . قال ابن الأعرابي : إهاب معطون ، وهو الذي تَمَرَّط شعره . و( قوله : وإن وجدته غريقًا في الماء ، فلا تأكل ، فإنك لا تدري الماء قتله ، أو سهمك ؟ ) هذا محمله على الشك المحقق في السبب القاتل للصيد ، والشك : تردد بين مُجوّزين لا ترجيحَ لأحدهما على الآخر ، فما كان كذلك لم يؤكل ، وأما لو تحقق أن سهمه أنفذ مقاتله ، ثم وقع في الماء ، أو سقط من الهواء ، أو ما شاكل ذلك ، فإنَّه يؤكل . وهو مذهب الجمهور : مالك ، والشافعي ، وغيرهما . وقد روى ابن وهب عن مالك كراهة ذلك على ما حكاه ابن المنذر ، وهي من جهة الورع ، والله أعلم . و( قوله : فإنك لا تدري الماء قتله ، أم سهمك ) دليل على أن المشاركة في قتل الصيد لا تضر إذا تحقق : أن سهمه ، أو جارحه قتله ، وكذلك إذا أصابه السهم في الهواء ، فسقط ، أو تردَّى من جبل ، لكن هذا إنما يتحقق إذا وجد السهم ، أو الجارح قد أنفذ مقاتله ، فحينئذ لا تضرُّ المشاركة ، فلو لم يعلم ذلك حرم الأكل على نصَّ هذا الحديث ؛ خلافًا للشافعي ، فإنَّه قال فيما رمي في الهواء ، فسقط ميتًا ، ولم يُدْر مِمَّ مات : إنه يؤكل . وقاله أبو ثور ، وأصحاب الرأي . قال ابن المنذر : وروى ابن وهب عن مالك نحو قول هؤلاء . قلت : والصحيح الأول ، وهو المشهور من قول مالك . وهو قول الجمهور . وهو الذي يظهر من هذا الحديث .
( 12 ) باب من ذبح لغير الله ولعنه 1978 - ( 43 ) [1860] عن أَبي الطُّفَيْلِ عَامِر بْن وَاثِلَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ، فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ . ( 12 ) ومن باب لعن من ذبح لغير الله ( قول علي - رضي الله عنه - للسائل : ما كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُسِرُّ إلي شيئًا يكتمُه النَّاسَ ) ، وفي لفظ آخر : ( ما خصَّنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيءٍ لم يَعُمَّ به النَّاسَ ) رد وتكذيب للفِرَق الغالية فيه - وهم : الشيعةُ ، والإماميةُ ، والرافضةُ - الزاعمين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصَّى لعلي ، وولاه بالنَّصِّ ، وأسرَّ إليه دونَ الناس كلهم بعلومٍ عظيمةٍ ، وأمورٍ كثيرةٍ . وهذه كلها منهم أكاذيبُ ، وتُرَّهات ، وتمويهات ، يشهد بفسادها نصوصُ متبوعهم ، وما تقتضيه العاداتُ من انتشار ما تدعو إليه الحاجةُ العامَّةُ . وغضبُ علي على ذلك دليلٌ على أنَّه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك . وإنما استحقَّ لاعنُ أبويه لعنةَ الله لمقابلته نعمةَ الأبوين بالكُفران ، وانتهائه إلى غاية العُقوق والعِصيان ، كيف لا وقد قَرَن الله بِرَّهُما بعبادته وإن كانا كافرين بتوحِيده وشريعته . وأما لعن مَن ذَبَح لغير الله ؛ فإن كان كافرًا يذبحُ للأصنام فلا خفاءَ بحاله ، وهي التي أُهِلَّ بها لغير الله ، والتي قال الله تعالى فيها : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ على ما تقدَّم . وأما إن كان مسلمًا فيتناوله عمومُ هذا اللعن ، ثم لا تَحِل ذبيحتُه ؛ لأنه لم يقصد بها الإباحة الشرعية ، وقد تقدَّم أنها شرط في الذكاة . ويُتَصوَّر ذبح المسلم لغير الله فيما إذا ذبح عابثًا ، أو مُجرِّبًا لآلةِ الذبح ، أو للَّهْوِ ، ولم يقصد الإباحة ، وما أشبه هذا . وقد تقدم الكلام على لعن من آوى محدثًا في الحج . و( منار الأرض ) هي التخوم ، والحدود التي بها تتميَّز الأملاك . والمغيِّر لها : إن أضافها إلى ملكه فهو غاصبٌ ، وإن لم يضفها إلى ملكه فهو متعدٍّ ظالِمٌ مفسدٌ لِمُلك الغير . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من غصب شبرًا من الأرض طوَّقه يوم القيامة من سبع أرضين ) . وقد حمل أبو عبيد هذا الحديث على تغيير حدود الحرم ، ولا معنى للتخصيص ، بل هو عام في كل الحدود والتخوم . والله تعالى أعلم .
( 10 ) باب الأمر بإحسان الذبح وحد الشفرة 1955- [1854] عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا من رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ . ( 10 و 11 ) ومن باب : الأمر بتحسين الذبح والنهي عن صبر البهائم ( قوله : إن الله كتب الإحسان على كل شيء ) أي : أَمَر به ، وحضَّ عليه . وأصل كتب : أثبت وجمع . ومنه قوله تعالى : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ؛ أي : ثبَّته وجمعه . ومنه : كتبتُ البغلة ؛ إذا جمعتَ حياءها . و( على ) هنا بمعنى : ( في ) ، كما قال تعالى : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ؛ أي : في ملكه . ويقال : كان كذا على عهد فلان ؛ أي : في عهده . حكاه القتبي . و( الإحسان ) هنا بمعنى : الإحكام ، والإكمال ، والتحسين في الأعمال المشروعة ، فحقُّ من شرع في شيء منها أن يأتي به على غاية كماله ، ويحافظ على آدابه المصححة ، والمكمِّلة ، وإذا فعل ذلك قُبِل عمله ، وكَثُر ثوابه . و( القِتلة ) بكسر القاف ، هي الرواية ، وهي : هيئة القتل . و( القَتلة ) بالفتح : مصدر قتل المحدود . وكذلك : الرِّكْبَة والْمِشْيَةُ : الكسر للاسم ، والفتح للمصدر . والذَّبح أصله : الشقُّ ، والقطع . قال : كأنَّ بين فَكها والفَكِّ فأرةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ في سُكِّ وإحسان الذبح في البهائم : الرفق بالبهيمة ، فلا يصرعها بعنف ، ولا يجرُّها من موضع إلى موضع ، وإحداد الآلة ، وإحضار نيَّة الإباحة ، والقُرْبَة ، وتوجيهها إلى القبلة ، والتَّسمية ، والإجهاز ، وقطع الودجين والحلقوم ، وإراحتها ، وتركها إلى أن تبرد ، والاعتراف لله تعالى بالمنَّة ، والشكر له على النعمة بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا ، وأباح لنا ما لو شاء لحرَّمه علينا . وقال ربيعة : من إحسان الذبح : ألا تذبح بهيمة ، وأخرى تنظر . وحكي جوازه عن مالك . والأوَّل أولى . ثم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة ) يحمل على عمومه في كل شيء من التذكية ، والقصاص ، والحدود ، وغيرها ، وليجهز في ذلك ، ولا يقصد التعذيب .
1929 - ( 2 و 3 ) [1829] وعنه : قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ ، فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ . وفي رواية : فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إلا أن يأكل الكلب ، فإن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ) بهذا قال الجمهور من السلف وغيرهم ، منهم : ابن عباس ، والزهري ، وأبو هريرة ، والشعبي ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، وقتادة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، والنعمان . وذهبت طائفة أخرى إلى جواز أكل ما أكل الكلب منه . منهم : ابن عمر ، وسعد بن مالك ، وسلمان ، وبه قال مالك ، متمسكين بحديث أبي ثعلبة الخشني الذي خرجه أبو داود وغيره . قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أرسلت كلبك المعلَّم ، وذكرت اسم الله فكل ، وإن أكل منه ) . وقد روي مثل حديث أبي ثعلبة عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . وروي أيضًا من طرق متعدِّدة عن عدي بن حاتم مثله ، والأشهر عنه : الحديث الأول ، وقد رام بعض أصحابنا الجمع بين حديثي : عدي بن حاتم ، وأبي ثعلبة ؛ بأن حملوا حديث النَّهي على التنزيه ، والورع ، وحديث الإباحة على الجواز . وقالوا : إن عديًّا كان موسَّعًا عليه ، فأفتاه بالكف ورعًا ، وأبو ثعلبة كان محتاجًا فأفتاه بالجواز ، والله تعالى أعلم . وقد دلَّ على صحة هذا التأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ) . وقد روي عن قوم من السَّلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب فمنعوه ، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه . وبها قال النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، والثوري ، وأصحابه . وحكي ذلك عن ابن عباس ، وفيها ضعفٌ وبُعدٌ ، والله تعالى أعلم .
( 25 ) كتاب الصيد والذبائح وما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل ( 1 ) باب الصيد بالجوارح وشروطها 1929 - ( 1 و 3 ) [1828] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ؛ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا. قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ . وفي رواية : فإنه وقيذ فلا تأكله . ( 25 ) كتاب الصيد الأصلُ في جواز الصيد على الجملة : الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة . فأما الكتاب : فقوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ؛ أي : وصيد ما علَّمتم ، الآية . وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ وقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ الآية . وأما السُّنة : فصحيحها الأحاديث الآتية . وأما الإجماع : فمعلومٌ . والصيد : ذكاة في المتوحش طبعًا ، غير المقدور عليه ، المأكول نوعه . والنظر فيه : في الصائد ، والمصيد ، والآلة التي يصاد بها . ولكل منها شروط يأتي ذكرها أثناء النظر في الأحاديث إن شاء الله تعالى . ( 1 و 2 ) ومن باب : الصيد بالجوارح وشروطها قوله : ( إذا أرسلت كلبك المعلَّم ) تعليم الكلب وغيره مما يصاد به هو : تأديبه على الصيد ، بحيث يأتمر إذا أمر ، وينزجر إذا زُجِر . ولا يختلف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش . واختلف فيما يصاد به من الطير . فالمشهور : أن ذلك مشترطٌ فيها . وذكر ابن حبيب : أنه لا يشترط أن تنزجر إذا زُجِرَت ؛ فإنَّه لا يتأتى ذلك فيها غالبًا . فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت . قلت : والوجود يشهد للجمهور ، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها ، وقد شرط الشافعي ، وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ، ولا يأكل منه شيئًا . ولم يشترطه مالك في المشهور عنه ، وسيأتي . وقد ألحق الجمهور بالكلب كلَّ حيوان مُعَلَّم يتأتى به الاصطياد تمسُّكًا بالمعنى ، وبما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد البازي فقال : ( ما أمسك عليك فَكُل ) على أن في إسناده مجالدًا ، ولا يُعرف إلا من حديثه ، وهو ضعيف . والمعتمد : النظر إلى المعنى ، وذلك أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلًا ، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير ، وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المِدْيَة ؛ التي ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - بها ، وقياس الأَمَة على العبد في سراية العتق . وقد خالف في ذلك قوم ، وقصروا الإباحة على الكلاب خاصة . ومنهم من يستثني الكلب الأسود ، وهو الحسن ، والنخعي ، وقتادة ؛ لأنَّه شيطان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم متمسكين بقوله : ( مكلِّبين ) ، وبأنَّه ما وقع في الصحيح إلا ذكر الكلاب ، وهذا لا حجَّة لهم فيه ؛ لأنَّ ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر . وأيضًا فإن ذكرها خصوصًا لا يدل على أن غيرها لا يصاد بها ؛ لأنَّ الكلب لقب ، ولا مفهوم للقب عند جماهير المحققين من الأصوليين ، ولم يصر إليه إلا الدَّقاق ، وليس هو فيه على توفيق ، ولا وفاق . ولو صحَّ زعمه ذلك لكفر من قال : عيسى رسول الله ؛ فإنَّه كان يلزم منه بحسب زعمه : أن محمدًا وغيره من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليس رسولًا . وفي ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أرسلت ) ما يدلُّ على أن الإرسال لا بدَّ أن يكون من جهة الصائد ، ومقصودًا له ؛ لأنَّ أفعل فعل الفاعل كأَخْرَج ، وأَكْرم ، ثم هو فعل عاقل ، فلا بدَّ أن يكون مفعولًا لغرض صحيح ، وفيه مسألتان : الأولى : أن يقصد الصائد عند الإرسال قصد التذكية والإباحة ، وهذا لا يختلف فيه ، فلو قصد مع ذلك اللهو ؛ فكرهه مالك ، وأجازه ابن عبد الحكم . وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقًّا أشبه بباطل منه . يعني : الصيد . فأما لو فعله بغير نيَّة التذكية : فهر حرام ؛ لأنَّه من باب الفساد وإتلاف نفس حيوان بغير منفعة . وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الحيوان إلا لمأكلة . الثانية : لا بدَّ أن يكون انبعاثُ الكلب بإرسالٍ من يد الصائد ، بحيث يكون زمامه بيده [فيُخلِّي عنه ، ويُغرِيه عليه ، فينبعثُ ، أو يكون الجارح ساكنًا مع رؤية الصيد ، فلا يتحرَّك له إلا بإغراء الصائد . فهذا بمنزلة ما زمامه بيده] فأطلقه مُغريًا له على أحد القولين . فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ، ولا إغراء : فلا يجوز صيده ، ولا يحل أكله ؛ لأنَّه إنَّما صاد لنفسه ، وأمسك عليها ، ولا صُنعَ للصائد فيه ، فلا يُنْسبُ إليه إرساله ؛ لأنَّه لا يصدق عليه : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ) . ولا خلاف في هذا فيما علمته . و( قوله : وذكرت اسم الله ) ، وفي الأخرى : ( واذكر اسم الله ) على الأمر . وظاهر هذا : أنه لا بدَّ من التسمية بالقول عند الإرسال ، فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد . وهو مذهب أهل الظاهر ، وجماعة أهل الحديث ، ويعضدهم ظاهر قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وذهب طائفة من أصحابنا ، وغيرهم : إلى أنه يجوز أكل ما صاد المسلم وذبحه ، وإن ترك التسمية عمدًا . وحملوا الأمر بالتسمية على الندب ، وكأنهم حملوا هذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب ، وهو لا يخلو عنه المسلم غالبًا ، فإنَّه إذا نوى التذكية فقد ذكر الله تعالى بقلبه ، فإن معنى ذلك : القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه الله ، وهذا كما قاله بعض العلماء في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) أي : من لم ينو ، وأصل هذا : أن الذِّكر إنما هو التنبه بالقلب للمذكور ، ثم سمي القول الدال على الذكر : ذكرًا ، ثم اشتهر ذلك حتى صار السابق إلى الفهم من الذكر : القول اللِّساني . فأما الآية : فمحمولة على أن المراد بها ذبائح المشركين ، كما هو أشهر أقوال المفسرين وأحسنها . وذهب مالك في المشهور عنه إلى الفرق بين ترك التسمية عمدًا ، أو سهوًا ، فقال : لا تؤكل مع العمد ، وتؤكل مع السهو . وهو قول كافة فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي . ثم اختلف أصحاب مالك في تأويل قوله : ( لا يؤكل ) ، فمنهم من قال : تحريمًا ، ومنهم من قال : كراهةً . ووجه الفرق : أن الناسي غير مكلَّف بما نسيه ، ولا مؤاخذة عليه ، فلا يؤثر نسيانه بخلاف العامد . و( قوله : وإن قَتَلْن ) هذا لا يختلف فيه أن قتل الجوارح للصيد ذكاة إذا كان قتلها بِتَخْلِيب ، أو تَنْيِيب ، فأما لو قتله صدْمًا ، أو نطحًا : فلا يؤكل عند ابن القاسم . وبه قال أبو حنيفة . وقال أشهب : يؤكل . وهو قول أحد قولي الشافعي . وسبب الخلاف : هل صدم الجارح له ، أو نطحه كالمعراض إذا أصاب بعرضه ، أم لا ؟ فشبهه ابن القاسم به ؛ فمنع ، وفرَّق الآخرون : بأن الجوارح حيوان ، وقد أمسك على صاحبه ، وقد قال الله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وليس كذلك المعراض ؛ فإنَّه لا يقال فيه : أمسك عليك . قلت : وهذا الفرق لفظي لا فقه فيه ، فإن الْمِعْرَاض ، وإن لم يُقل فيه : أمسك عليك ؛ لكنه يقال فيه : أمسك - مُطلقًا - ؛ لأنَّه لما أصاب الصيد وقتله فقد أمسكه ، والأفقه : قول ابن القاسم ، والله أعلم . فأما لو مات الصيد فزعًا ، أو دهشًا ، ولم يكن للجوارح فيه فعل : فلا يختلف في أنه لا يؤكل فيما علمت . و( قوله : فإن أدركته حيًّا فاذبحه ) هذا يدلُّ على أن المقدور عليه لا تكون ذكاته العقر ، بل الذبح ، أو النحر . وعلى هذا : فيجب على الصائد إذا أرسل الجوارح أن يجتهد في الجري مُهيِّئًا لآلة الذبح ؛ فإنَّه إن فرَّط في شيء من ذلك حتى هلك الصيد بين يدي الجوارح لم يجز أكله ؛ لأنَّه لما أمسكته الجوارح صار مقدورًا عليه . والصائد لو لم يُفرط كان متمكنًا من ذبحه ، فإن أدركه الصائد منفوذ المقاتل فحكمه حكم المقتول ؛ لأنَّه ميؤوس من بقائه . إلا أن مالكًا استحب ذكاته مراعاة للخلاف . هذا هو مشهور قوله . و( قوله : ما لم يشركها كلب ليس معها ) ، وفي أخرى : ( فإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل ) ، وفي الأخرى : ( وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل ، فلا تأكل ، فإنك لا تدري أيهما قتله ) هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها فمعناها واحد . وهذا الاختلاف يدل : على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى . وتفيد هذه الروايات : أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقْرُ الجارح له لا بدَّ أن يكون متحققًا غير مشكوك فيه ، ومع الشكِّ لا يجوز الأكل . وهذا الكلب المخالط محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر ، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه . ولا يختلف في هذا . فأما لو أرسله صائدٌ آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه : فإنَّه للصائدين ؛ يكونان شريكين . فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ، ثم جاء الآخر ، فهو للذي أنفذ مقاتله . و( قوله : فإني أرمي بالمعراض ) . قال أبو عبيد : المعراض : سهم لا ريش فيه ، ولا نصل . وقال غيره : المعراض : خشبة ثقيلة ، أو عصا غليظة في طرفها حديدة ، وقد تكون بغير حديدة ، غير أنها محدَّدُ طرفها . وهذا التفسير أولى من تفسير أبي عبيد ، وأشهر . و( قوله : إذا رميت بالمعراض فخزق فكل ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله فإنَّه وقيذٌ ) معنى خزق : خرق ونفذ . والعرض : خلاف الطول . والوقيذ : الموقوذ ؛ أي : المضروب بالعصا حتى يموت . وبه فسر قوله تعالى : وَالْمَوْقُوذَةُ وبظاهر هذا الحديث قال جمهور العلماء من السلف والخلف . وقد شذَّ مكحول ، والأوزاعي ، فأباحا أكل ما أصاب المعراض بعرضه . وهو قول مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة ؛ لأنَّه مخالف لنصوصهما .
( 2 ) باب الخمر من النخيل والعنب ( 1985 - 14 و 15 ) [1865] عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة . وفي رواية : الكرمة ، والنخلة . ( 2 و 3 ) ومن باب : الخمر من النخل والعنب والنهي عن اتخاذها خلًا ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : الخمر من هاتين الشجرتين : العنبة ، والنخلة ) حجَّة للجمهور على تسمية ما يُعتصر من غير العنب : بالخمر إذا أسكر ، كما قدَّمناه . ولا حجَّة فيه لأبي حنيفة على قوله ، حيث قصر الحكم بالتحريم على هاتين الشجرتين ؛ لأنَّه قد جاء في أحاديث أخر ما يقتضي تحريم كل مسكر ، كقوله : ( كل مسكر حرام ) ، و: ( كل ما أسكر حرام ) ، وحديث معاذ حيث سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شراب العسل ، والذرة ، والشعير ، فقال : ( أنهى عن كل مسكر ) . وإنَّما خُصَّ في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر ؛ لأن أكثر الخمر منهما ، أو أعلى الخمر عند أهلها . والله أعلم . وهذا نحو قولهم : المال الإبل ؛ أي : أكثرها وأعمَّها . و( قوله في رواية : الكَرْمَة والنخلة ) يشكل مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقولوا للعنب الكرم ، فإنَّ الكرم قلب المؤمن ) ، ويزول الإشكال بأن نقول : إطلاق هذا كان قبل النهي ، ثم بعد ذلك ورد النهي . أو يقال : إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل في هذا الخطاب ، فإنَّه قال فيه : ( ولا تقولوا ، فواجهنا به ، والمخاطب غير المخاطب ، كما تقرَّر في الأصول .
1981 - [1866] وعن أَنَس بْن مَالِكٍ قال : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ ، ثُمَّ يُشْرَبَ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِمْ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ . ( 3 ) باب النهي عن اتخاذ الخمر خلا ، وعن التداوي بها ، وعن خلط شيئين مما يبغي أحدهما على الآخر و( قول أنس : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخلط التمر والزهو ، ثم يشرب ) ظاهرٌ في تحريم خلطهما وشربه ، وهو مذهبُ كافة فقهاء الأمصار ، وجمهور العلماء ، ومالك في أحد قوليه ، وفي الثاني الكراهة ، وهو مشهورُ مذهبه . وقد شذَّ أبو حنيفة ، وأبو يوسف فقالا : لا بأس بخلط ذلك وشُربه . وقالا : ما حل مفردًا حلَّ مجموعًا . وهذه مخالفة للنصوص الشرعية ، وقياسٌ فاسد الوضع ، ثم هو منتقِضٌ بجواز نكاح كلِّ واحدةٍ من الأختين مُنفرِدَةً ، والجمع بينهما حرامٌ بالإجماع . وأعجب من ذلك تأويلُ أصحابهما للحديث ، إذ قالوا : إن النَّهي عن ذلك إنما هو من باب السَّرف بجمع إدامين . وهذا تغيير وتبديل ، لا تأويل . ويشهد ببطلانه نصوص أحاديث هذا الباب كلها . ثم إنهم جعلوا الشرابَ إدامًا ، فِعْل من ذَهَل عن الشرع والعادة ، وتعامى ، وكيف ينهى عن الجمع بين إدامين وقد جُمعا على مائدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغير مَيْنٍ على ما يأتي إن شاء الله تعالى . واختلف القائلون بمنع الخلط في تعليل ذلك وعدمه ، فالذي يليق بمذهب أهل الظاهر عدمُ التعليل . والجمهورُ يُعَلِّلونه بخوف إسراع الشدَّة المسكرة . وعلى هذا : يقصر النهي عن الخلط على كل شيئين يُؤَثِّر كل واحدٍ منهما في الآخر إسراع الشِّدَّة إذا خلطا ، وهذا هو الذي يُفهم من الأحاديث الواردة في هذا الباب ؛ فإنها مصرَّحة بالنَّهي عن الخلط للانتباذ والشرب . وقد أبعد بعض أصحابنا فمنع الخلط وإن لم يكن كذلك ، حتى منع خلطهما للتخليل ، وهذا إنما يليق بمن لم يعلِّل النهي عن الخليطين بعلَّة ، ويلزم عليه أن يجري النهي على خلط العسل واللبن ، وشراب الورد والبنفسج ، والعسل والخلِّ ، وغير ذلك . والصواب ما ذهب إليه مالك والجمهور . والله الموفق .
1980 - ( 4 و 5 ) [1863] وعنه ؛ وسئل عن الفضيخ فقال : مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ ، هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ ، وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِنَا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلَا سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ . وفي رواية : فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ، قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجَرار فَاكْسِرْهَا، فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ . و( المهراس ) : الحجر الذي يُهْرَس ، ويدق به .
( 26 ) كتاب الأشربة ( 1 ) باب تحريم الخمر 1979 - ( 2 ) [1861] عن عَلِيّ بن أبي طالب قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَرْتَحِلُ مَعِيَ، فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنْ الْأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَتانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَجَمَعْتُ حتى جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَدْ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حتى رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا، قُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالَوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ فَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا ، فَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِيَ الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ؟. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ! عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي . فاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، قَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى، حتى خَرَجَ ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ . ( 26 ) كتاب الأشربة ( 1 ) ومن باب : تحريم الخمر ( قولها : ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النَّواءِ ) الرواية الصحيحة المشهورة في هذا اللفظ : ( للشُّرُف ) باللام وضم الراء . و( النواء ) بكسر النون . فالشرف بضم الراء : جمع شارف على غير قياس ، وذلك أن الشارف مؤنث ؛ لأنَّه اسم للناقة الْمُسِّنة . وهو في أصله صفة لها ، فكان حَقَّه أن يجمع على ( فواعل ) ، أو( فُعَّل ) لأنَّهما مثالًا جمع فاعل إذا كان للمؤنث ، لكنه لما كان مذكر اللفظ - أي ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على ( بازل ) الذي هو صفة للجمل المسنِّ ، فجمعوه جَمْعَهُ ، فقالوا : شُرُف . كما قالوا : بُزُل . واللام في الشُّرُف لام الجر ، وهي متعلقة بفعل محذوف دلَّ عليه الحال ؛ أي : انهض للشُّرُف ، أو : قُم لها . تُحرِّضُه على نحرها ، ولذلك قام حمزة فنحرها . و( النواء ) : السمان . يقال : نوت الناقة ، تنوي ، فهي ناوية ، وجمعها : نواء ، وهو أيضًا على غير قياس ، كما تقدَّم . قال الخطابي : وقد روى هذا اللفظ أبو جعفر الطبري : ( ذا الشَرَف ) بـ ( ذا ) التي بمعنى صاحب ، وبفتح الراء والشين . قال : وفسَّره بالبعد . قلت : وفي هذه الرواية ومعناها بُعْدٌ ، والصواب : رواية الجماعة كما ذكرناه السَّاعة . و( الصُّوَّاغ ) : الصَّائِغ ، وهو الذي يصوغُ الذهب والفضة ، وهو للمبالغة . و( الأقتاب ) : جمع قتب ، وهو أداة الرَّحل ، وقد يكون في موضع آخر الأمعاء . و( اجتبَّ أسنمتها ) أي : شق عنها الجلد ، وأخرج الشحم الذي فيها . و( بُقِرت خواصرها ) أي : نُقِبَت . وهذا إنما فعل ذلك بعد أن نحرها على عادتهم . وعلى هذا يدلُّ الشعر المذكور بعد هذا . ويحتمل أن يكون فعل ذلك بها من غير نحر استعجالًا لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنية ، لا سيما وقد كانت الخمر أخذت منه . و( قوله : فلم أملك عيني ) أن بكيت ، يعني : مغلوبًا لشدَّة الموجدة . و( الشَّربُ ) بفتح الشين وسكون الراء : اسم للقوم يجتمعون للشُّرب ، بضم الشين . و( القينة ) : الْمُغَنِّيةُ . و( قوله : ما رأيت كاليوم قطّ ) هذا كلام كثر عندهم ، حتى صار كالمثل . والكاف فيه نعت لـ ( يوم ) محذوف ، تقديره : ما رأيت يومًا مثل اليوم . يهوله لما لقي فيه . ويحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف . أي : ما رأيت كرْبًا مثل كرْب اليوم ، أو ما شاكل ذلك . ويدلُّ على الأول ما أنشده ابن شبَّة من الزيادة في شعر القَيْنة فقال : ألا يا حمز للشُّرفِ النَّواءِ وهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِنَاء ضع السكين في اللَّبَّات مِنها وضَرِّجْهُنَّ حًمْزةُ بالدِّماءِ وعَجِّل من أَطايِبها لِشَرْبٍ قَدِيرًا من طَبِيخٍ أو شِواءِ قلت : وعلى هذا : فيكون فيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديًّا ، كالغاصب ، والسارق . وهو قول جمهور العلماء : مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي . وخالف في ذلك : إسحاق ، وداود ، وعكرمة ، فقالوا : لا يؤكل . وهو قول شاذٌّ ، وحجَّة الجمهور : أن الذكاة وقعت من المتعدِّي على شروطها الخاصة بها . وقيمة الذبيحة قد تعلَّقت بذمة المتعدِّي ، فلا موجب للمنع ، وقد وقع التفويت . وقد روى ابن وهب حديثًا يدلُّ على جواز الأكل ، فليبحث عنه ، وليُكتب هنا . و( قوله : وجمعتُ حتَّى جمعتُ ما جمعت ) هكذا رواه الطبري ، والعذري ، وابن ماهان بـ ( حتى ) التي هي للغاية . وقد رواه السجزي ، والسَّمرقندي : ( حين ) مكان ( حتى ) والأول أوضح . وقد سقط ( وجمعت ) الأوَّل في بعض النسخ ، وسقوطه وثبوت ( حتى ) يَحسُن الكلام ، وقد ذكره الحميدي في مختصره بلفظ أحسن من هذا ، فقال : ( وأقبلت حين جمعت ما جمعت ) . قلت : وهذا الحديث يدلُّ على أن شُرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا ، معمولًا به ، معروفًا عندهم بحيث لا يُنكر ، ولا يُغير ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ عليه ، وعليه يدلُّ قوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى وقوله تعالى : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر ؟ ظاهر هذا الحديث يدلّ عليه ، فإنَّ ما صدر عن حمزة - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره ، وتعزيره ، يدلُّ : على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ، ولذلك قال الراوي : فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه ثَمِلَ . ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُنكر على حمزة ، ولا عنَّفه ، لا في حال سكره ، ولا بعد ذلك . فكان ذلك دليلًا على إباحة ما يُسكر عندهم . وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه ، فإنَّهم قالوا : إن السكر حرام في كل شريعة قطعًا لأن الشرائع مصالح العباد قطعًا ، لا مفاسدهم . وأصل المصالح العقل ، كما أن أصل المفاسد ذهابه . فيجب المنع من كل ما يذهبه ويشوشه . وما ذكروه واضح ، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الإنكار على حمزة في حال سكره ؛ لكونه لا يعقل ، وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر . أو أن حمزة لم يقصد بشربه السُّكر ، لكنه أسرع فيه فغلبه . والله تعالى أعلم . ولم يقع في شيء من الصحيح أن النبي ألزم حمزة غرامة الشارفين ، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبَّة في كتابه ، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش : فغرمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حمزة ، وهذه الرواية جارية على الأصول ؛ إذ لا خلاف في أنَّ ما يُتْلِف السكران من الأموال يلزمه غرمه . وعلى تقدير ألاَّ تثبت هذه الزيادة ؛ فعدم النقل لا يدلّ على عدم المنقول ، ولو دلَّ على ذلك لأمكن أن يقال : إنما لم يحكم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغرامة لأن عليًّا - رضي الله عنه - لم يطلبها منه ، أو لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمَّلها عنه كما قال في صدقة العباس . والله تعالى أعلم . وقد احتج بهذا الحديث من لا يلزم السكران ؛ من جهة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخذ حمزة بما صدر عنه من قوله . وإليه ذهب : الْمُزني ، والليث ، وبعض أصحاب أبي حنيفة . وتوقف فيه : أحمد بن حنبل . والجمهور من السَّلف والخلف وكافة الفقهاء : على أن ذلك يلزمه ؛ لأنَّ السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السُّكر بمعصية الله تعالى فكان مختارًا لما يكون منه فيه ، ولم يكن حمزة كذلك ، بل كان شُرْبُه مباحًا كما قدَّمناه ، فصار ذلك بمثابة من سكر من شُرب اللَّبن ، أو غيره من المباحات ، فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول ، ويكون كالْمُغمى عليه . والله أعلم . و( قوله : فنكص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عقبيه القهقرى ) . نكص ، أي : تأخر . و( القهقرى ) : الرجوع إلى وراء ، ووجهه إليك . قاله الأخفش . يقال منه : تقهقر الرجل ، يتقهقر ؛ إذا فعل ذلك ، وظاهر هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيء يُكْره ، فإنَّه قد كان أذهب السكر عقله . وقيل في هذا : إنه خرج عنهم مسرعًا . والأوَّل أولى . و( قوله : فارتدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بردائه ، ثم انطلق يمشي ) دليلٌ على المحافظة على حُسن الهيئات عند ملاقاة الناس ، والتَّزَيُّن للمحافل على ما تقتضيه عادات أهل المروءات ، ولا يُعد ذلك رياءً ولا سمعةً . و( قوله : فطفق يلوم حمزة ) أي : جعل وأخذ . يقال : بفتح الفاء وكسرها ، والكسر أشهر وأكثر .
1980 - [1862] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ : الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا ، فَهَرَقْتُهَا، فَقَالَوا: أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ و( قول أنس : وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر ) الفضيخ : هو أن يفضخ البسر ، ويصبُّ عليه الماء حتَّى يغلي . قاله الحربي . وقال أبو عبيد : هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسَّه نار ، فإنَّ كان معه تمر فهو خليط . قلت : وعلى هذا يدلّ قوله في أوَّل الرواية الأخرى : ( وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر ) . وهذه الأحاديث على كثرتها تبطل مذهب أبي حنيفة ، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب . وما كان من غيره لا يُسمَّى خمرًا ، ولا يتناوله اسم الخمر ، وإنما يُسمى نبيذًا . وهذا مخالف للُّغة ، والسُّنَّة . ألا ترى : أنه لما نزل تحريم الخمر فهمت الصحابة جميعهم من ذلك تحريم كل ما يُسكر نوعه ؟ فسَوَّوا في التحريم بين المعتصر من العنب وغيره ، ولم يتوقفوا في ذلك ، ولا سألوا عنه ؛ لأنَّهم لم يشكل عليهم شيء من ذلك ، فإنَّ اللِّسان لسانهم ، والقرآن نزل بلغتهم . ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ ، أو توهُّم ، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ، ويسألوا ، لا سيما وكان النبيذ عندهم مالًا محترمًا منهيًّا عن إضاعته قبل التحريم ، فلما فهموا التحريم نصًّا ترجَّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ . ثم كان هذا من جميعهم من غير خلاف من أحد منهم ، فصار القائل بالتَّفريق سالكًا غير سبيلهم . ثم إنَّه قد ثبتت أحاديث نصوصٌ في التسوية بين تلك الأشياء ، وأن كلَّ ذلك خمر على ما يأتي بعد هذا . وقد خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناس فقال : ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل ، وهي من خمسة أشياء : من الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، والعسل . والخمر : ما خامر العقل . وهذه الخطبة بمحضر الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل اللسان ، ولم ينكر ذلك عليه أحد ، وهو الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه . وإذا ثبت أن كل ذلك يقال عليه : خمر ؛ فيلزمه تحريم قليله وكثيره ، ولا يحل شيء منه تمسُّكًا بتحريم مُسمَّى الخمر ، ولا مخصص ، ولا مفصل يصحّ في ذلك . بل قد وردت الأحاديث الصحيحة والحسان بالنص على : أنَّ ما حَرُمَ كثيره حَرُمَ قليله . روى الترمذي من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) . قال : هذا حديث حسن غريب . وروى أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( كلُّ مسكر حرام ، وما أسكر منه الفَرَق ، فملء الكفِّ منه حرام ) . وإسناده صحيح . وأمَّا الأحاديث التي تمسك بها المخالف ؛ فلا يصح شيء منها على ما قد بيَّن عللها المحدِّثون في كتبهم ، وليس في الصحاح شيء منها ، ثم العجب من المخالفين في هذه المسألة ؛ فإنَّهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره ، وهو مُجمع عليه ، فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر ، وليس مُذهبًا للعقل ؟ فلا بدَّ أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير ، أو للتَّعَبُّد ، فحينئذ يقال لهم : كل ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ . فيحرم أيضًا ؛ إذ لا فارق بينهما . إلا مجرَّد الاسم إذا سُلّم ذلك . القياس أرفع أنواع القياس ؛ لأنَّ الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه . وهذا كما نقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق . ثم العجب من أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه ، فإنَّهم يتوغلون في القياس ، ويرجحونه على أخبار الآحاد ، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسُّنة ، وإجماع صدر الأمَّة . تفصيل : ذهب جمهور العلماء من السَّلف ، وغيرهم : إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه ، قليلًا كان أو كثيرًا ، نَيِّئًا كان أو مطبوخًا ، ولا فرق بين المستخرج من العنب ، أو غيره كما قررناه . وأن من شرب شيئًا من ذلك حُدَّ . فأمَّا المستخرج من العنب المسكر النِّيء : فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم كثيره وقليله ، ولو النُّقطة منه . وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه على ما ذكرناه . وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر . وهو الذي لا يبلغ الإسكار . وفي المطبوخ من المستخرج من العنب : فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب ، ونقيع الزبيب النَّيِّء ، وأما المطبوخ منهما والنَّيِّء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار . وذهب أبو حنيفة إلى قصر التَّحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل . فيرى : أنَّ سُلافَةَ العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثُلثاها . وأمَّا نقيع الزبيب والتمر : فيحل مطبوخهما ، وإن مسَّته النار مسًّا قليلًا من غير اعتبار بحدٍّ . وأما النَّيِّء منه فحرام ، ولكنه مع تحريمه إيَّاه لا يوجب الحدَّ فيه . وهذا كله ما لم يقع الإسكار ، فإنَّ وقع الإسكار استوى الجميع . هذه حكاية الإمام أبي عبد الله . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور على ما قررناه ، والحمد لله . وفي حديث أنس هذا أبواب من الفقه . منها : أن الواحد كان معمولًا به عندهم ، معلومًا لهم ، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المخبر ، بل بادروا إلى إتلاف الخمر ، والامتناع مما كان مباحًا لهم . ومنها : أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل منزلة سماع قوله . ومنها : أن المحَّرم الأكل أو الشُّرب لا ينتفع به في شيء من الأشياء ، لا من بيع ، ولا من غيره . وفيه : كسر أواني الخمر . وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها ؛ لما داخلها من الخمر ، ولعسر غسلها ، وفي الأخرى : إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها . وعلى هذا : فإذا كانت الأواني مضرَّاة في الخمر لا ينتفع بها لشيء من الأشياء ؛ تكسر على كل حال ، ولذلك شدَّد مالك في الزقاق ، فإنَّ تَعَلَّق الرائحة بها عَسر الانفكاك ، بل لا ينفك .
1982 - [1864] وعنه : لقد أنزل الله الآية التي حرم الله فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر . و( قول أنس : لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمر ) يعني بها : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ وهي نصٌّ في تحريم الخمر بمجموع كلماتها ، لا بآحادها . وقد فَهِم منها التحريم قطعًا الصَّحابة ، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - عند سماع : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ انتهينا ، انتهينا . وقد سبق : أن الخمر : كل ما يخامر العقل . والميسر : القِمار ، وهو لعب يُؤكل به مال الغير بحيث لا يحصل له به لا أجر ، ولا شكر . ومنه : النرد ، والشطرنج . حكي ذلك عن عثمان ومجاهد . والأنصاب : كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى ، ويذبح عنده ، كما كانت الجاهلية تفعل ، والأزلام : قداح يضربون بها عند العزم على الأمر ، في بعضها : افعل . وفي بعضها : لا تفعل . وبعضها لا شيء فيه . فإذا خرج هذا ؛ أعادوا الضرب . وقيل : كان في أحدهما : أمرني ربي ، وفي الأخرى : نهاني ربي . والرجس : النجس ، وهو المستخبث شرعًا . و( قوله : مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ؛ أي : يَحْمِلُ عليه ، ويُزَيِّنُه . وقيل : هو الذي كان عمل مبادي هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها . والْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ : معروفان . وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ : يصرفكم عنهما ، فيُذهب العقل ، ويُضيِّع الوقت . ويُفهم من هذه الآية أيضًا : الحكم بتنجيس الخمر . وهو مذهب كافة علماء السَّلف والخلف إلا شذوذًا . وإليه ذهب ربيعة ، وحكي عن الليث ، والمزني . ووجه التمسك بها على التَّنجيس : أن الله تعالى قد أخبر عنها أنها رجس ، والرجس : النجس القذر ، فتنجس . وأيضًا : فلما غلَّظ تحريمها ، وأخبر بالمفاسد النَّاشئة عنها اقتضى ذلك الزجر عنها مطلقًا ، مبالغة في التحريم ، كما فعل في الخنزير ، والدم ، وغير ذلك من الخبائث المحرمات . ويتحرَّر القياس بأن يقال : مستخبث شرعًا حرم شربه ، فيكون نجسًا كالبول . وفي الآية مباحث كثيرة ، سنكتب فيها إن شاء الله تعالى جزءًا مفردًا . و( قوله : قال بعضهم : قُتِل فلان ، قُتِل فلان ، وهي في بطونهم ) هذا القول أصدره عن قائله إما غلبة خوف وشفقة ، وإما غفلة عن المعنى . وبيان ذلك : أن الخمر كانت مباحة لهم ، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يُقرّهم عليها . وهو ظاهر قوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ، ولا عليه شيء ، لا إثم ، ولا مؤاخذة ، ولا ذمٌّ ، ولا أجر ، ولا مدح ؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يعرف في الأصول . وعلى هذا : فما ينبغي أن يُتخوَّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإمَّا أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة ، فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى ، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذة ، ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدِّم ، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ؛ أي : فيما شربوا . وهذا مثل قوله تعالى في نَهْر طالوت : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ؛ أي : ومن لم يشربه . وأصل هذا اللفظ في الأكل . يُقال : طَعِمَ الطَّعام ، وشَرِب الشراب . لكن قد تجوَّز في ذلك . وأحسن ما قيل في الآية : إن معنى قوله : طَعِمُوا شربوا الخمر قبل تحريمها ، إِذَا مَا اتَّقَوْا شربها بعده ، وَآمَنُوا بتحريمها ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ التي تَصدُّ عنها ، ثُمَّ اتَّقَوْا داوموا على اجتنابها ، وَآمَنُوا بالوعيد عليها ، ثُمَّ اتَّقَوْا سوء التأويل في تحريمها ، وَأَحْسَنُوا في اجتنابها مراقبة الله . وقيل : إنَّ تكرار الاتقاء في مقابلة دواعي النفس ، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها ، وتشديد الوعيد فيها . و( الجناح ) : الإثم والمؤاخذة .
2005- ( 85 ) [1886] وعن عائشة قالت : كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعْلَاهُ ، وَلَهُ عَزْلَاءُ، نَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً . و( قول عائشة : إنها كانت تنبذ له غدوة فيشربه عشاءً ، وتنبذ له عشاءً فيشربه غدوة ) يدل على أقصى زمان يشرب فيه ، فإنَّه لا تخرج حلاوة التمر ، أو الزبيب في أقل من ليلة ، أو يوم . والحاصل من هذه الأحاديث : أنه يجوز شرب النبيذ ما دام حلوًا ؛ غير أنه إذا اشتد الحرِّ أسرع إليه التَّغَيُّر في زمان الحرِّ دون زمان البرد . فليتَّق الشارب هذا ، ويختبره قبل شربه إذا أقام يومين أو نحوهما برائحته ، أو تغيره ، أو ابتداء نَشِيشِه ، فإن رابه شيء فعل كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم و( قول ابن عباس للسائلين : أومسلمون أنتم ؟ ) استفهام لهم عن دخولهم في الإسلام ؛ لأنَّهم سألوا عن بيع الخمر ، والتجارة فيها . وذلك الحكم كان معلومًا عند المسلمين ، بحيث لا يجهله من دخل في الدين ، وامتد مقامه فيه . وكأن هؤلاء السائلين كانوا حديثي عهد بالإسلام ، أو كانوا من الأعراب . وفتيا ابن عباس بقوله : لا يصح . إنما معناه : أن ذلك حرام لنصوص السُّنَّة بالتحريم ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الذي حرَّم شربها حرم بيعها ) ، و ( إن الله إذا حرَّم على قومٍ شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) . وهذا كله مفهوم من الأمر بإراقتها وباجتنابها ، فإنَّه إذا لم ينتفع بها ، فأخذ المال عوضًا عنها أكلٌ للمال بالباطل . وإراقة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نبذ في الحنتم والنقير كان ذلك - والله أعلم - قبل أن ينسخ ذلك كما تقدَّم .
( 7 ) باب كم المدة التي يشرب إليها النبيذ 2004 - ( 79 و 80 ) [1884] عن ابْن عَبَّاسٍ قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ ؛ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ . 2004 - ( 83 ) [1885] وعَنْ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا، قَالَ: آمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ؟ قَالَوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا، قَالَ: فَسَأَلُوهُ عَنْ النَّبِيذِ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ وَنَقِيرٍ وَدُبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِنْ اللَّيْلِ فَأَصْبَحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَلَيْلَتَهُ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى أَمْسَى ، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ فَأُهْرِيقَ . ( 7 و 8 ) ومن باب : كم المدة التي يشرب إليها النبيذ ؟ ( قوله : كنا ننبذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوَّل الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك ، والليلة التي تجيء ، والغد ، والليلة الأخرى إلى العصر ) هذا الحديث وما في معناه يدلّ على جواز الانتباذ وشُربه حلوًا ، وعلى أكثر قدر المدَّة التي يشرب إليها ، وهي مقدرة في هذا الحديث بيومين وليلتين ، غير أنَّه جعل غاية اليومين العصر ، ثم سقاه الخادم . وفي الرواية الأخرى : ( المساء ، ثم أمر به فأريق ) ، وظاهر هاتين الروايتين : أنهما مرَّتان . أما الأولى : فإنَّه لم يظهر فيه ما يقتضي إراقته ، وإتلافه ، لكن اتَّقاه في خاصَّة نفسه أخذًا بغاية الورع ، وسقاه الخادم ؛ لأنَّه حلال جائز ، كما قال في أجرة الحجَّام : ( اعلفه ناضحك ) يعني : رقيقك . وأما في المرة الأخرى : فتبين له فساده فأمر بإراقته ، ولا يستبعد أن يفسد النبيذ فيما بين العصر والمغرب في آخر مُدَّته في شدة الحر . وقد ذكر أبو داود من حديث أبي هريرة ما يبيِّن هذا المعنى ؛ وذلك : أن أبا هريرة تحيَّن فِطر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنبيذ صنعه له ، فجاءه به وهو يَنِشُّ ، فقال له : ( اضرب بهذا الحائط ، فإنَّ هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ).
1984 - [1868] وعن طَارِق بْن سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ أنه سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لدوَاءِ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ . 1986 – ( 16 و 17 ) [1869] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ والتَّمْرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا . 1988 – ( 24 و 25 ) [1870] وعن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ عَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وعن خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَقَالَ: انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ . وفي رواية : لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعا ، ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعا ، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته . 1990 - [1871] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ يَنْهَاهُمْ عَنْ خَلطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن الخمر فقال : إنما أصنعها للدواء : إنها ليس بدواء ، ولكنها داء ) دليل : على أنه لا يجوز التداوي بالخمر ، ولا بما حرمه الله تعالى من النجاسات والميتات ، وغيرهما أكلًا ، ولا شربًا . وبه قال كثير من أهل العلم .
1983 - [1867] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا فَقَالَ: لَا . ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ الخمر خلًا ظاهرٌ في تحريم ذلك . وبه قالت طائفة من أهل العلم ، وروي عن عمر ، وبه قال الزهري ، وكرهه مالك ، وقال أبو حنيفة : لا بأس بأن تتخذ الخمر خلًا . وكيف يصحُّ له هذا مع هذا الحديث ومع سببه الذي خرج عليه ؟ وهو : أن أنسًا روى أن أبا طلحة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرًا : أنجعله خلًا ؟ قال : ( لا ) ، فهراقه ، فلو كان هذا جائزًا لكان قد ضيَّع على الأيتام ما لهم ، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم ، وهو : أبو طلحة . وكل ذلك لم يلزم ، فدلَّ ذلك على فساد ذلك القول . وهذا الحديث أيضًا يدلّ : على أن الخمر لا تُملك بوجه ، وهو مذهب الشافعي . وقال بعض أصحابنا : إنَّها تُملك . وليس بصحيح ؛ إذ لا تُقرُّ تحت يد أحد من المسلمين ، ولا يجوز له التصرُّف فيها إلا بالإراقة ، ولا ينتفع بها . فأي معنى لقول من قال : إنه يملكها ؟ ! غير أنه يُطلق لفظ التمليك بالمجاز المحض . والله أعلم . فرع : لو تخلَّلت الخمر بأمرٍ من الله عز وجل حلَّت . ولا خلاف في ذلك على ما حكاه القاضي عبد الوهاب . فأمَّا لو خلَّلها آدمي فقد أثم ؛ لاقتحامه النهي ، ثم إنها تحل وتطهر ، على الرواية الظاهرة عن مالك ، وعنه رواية أخرى : أنها لا تحل تغليظًا على المقتحم . وقال الشافعي : إنها تحل وهي على النجاسة . وهذا ضعيف لوجهين : أحدهما : أنه منتقضٌ بما إذا تخلَّلت من نفسها . والثاني : أن الموجب للتحريم والتنجيس - وهو الشدَّة - قد زال ، فيزول الحكم . فإن قيل : هَبْكَ أن الشدة قد زالت ، لكن بقيت علَّة أخرى للتَّنجيس وهو مخالطة الوعاء النجس فإنَّه تنجس بالخمر ، فلما استحالت عينها للخلِّيِّة بقيت ممازجته الوعاء النجس ، فتنجست بما خالطها من نجاسة الوعاء . فالجواب : أن الوعاء حيث استحالت الخمر خلًا طاهرٌ لطهارة ما تعلق به فيه ؛ إذ هو الآن جزء من الخل الذي في الوعاء . فإن قيل : فيلزم على هذا أن يزول حكم النجاسة عن المحل بغير الماء ، وليس بأصلكم ! فالجواب : إنا وإن لم يكن ذلك أصلنا ، فقد خرج عن ذلك الأصل الكلِّي فروع : كالمخرجين ، وذيل المرأة ، والخف ، والنعل إذا تعلقت بها أرواث الدواب ، وكالسَّيف الصقيل ، وغير هذا مِمَّا استثني عن ذلك الأصل بحكم الدليل الخاصّ ، فيمكن أن تَلْحق هذه المسألة بتلك المواضع . والتحقيق في الجواب ما أشرنا إليه : من أن عين ما حكمنا بنجاسته لأجله قد طهر ، فالمتعلق به الآن طاهرٌ لا نجس ، فالوعاء ليس بنجس . والله الموفق .
2002 - [1882] وعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنْ الْيَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنْ الذُّرَةِ يُقَالَ لَهُ: الْمِزْرُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ شرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : أومُسكرٌ هو ؟ ) الرواية التي لا يعرف غيرها هي بفتح الهمزة ، وفتح الواو ، وعلى جهة الاستفهام عن صفة النبيذ المسؤول عنه ، وهو حجَّة على من يعلق التحريم على وجود الإسكار بالشارب من غير اعتبار وصف المشروب . وهم الحنفية . وهذا نص في أن المعتبر شرعًا إنما هو المعنى الذي في الخمر ؛ الذي يعبر عنه الفقهاء بالشَّدَّة المطربة والمسكرة . و( قوله : إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر ) أي : التزم ذلك بقوله ووعيده حسب ما سبق في علمه . وقد فسَّر ( طينة الخبال ) بأنها عُصَارة أهل النار . وفي حديث آخر : ( صديد أهل النار ) . وسُمِّي ذلك بطينة الخبال ؛ لأنها تخبل عقل شاربها ، وتفسد حاله . مأخوذ من الخبل في العقل ، والله تعالى أعلم . وهذا الوعيد وإن كان مُعلَّقًا على مطلق الشرب فقد قيده في الحديث الآخر منها فقال : ( من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها ، لم يتب ، لم يشربها في الآخرة ) . وأما من تاب منها : فلم يدخل في هذا الوعيد إذا حسنت توبته . وفيه ما يدلّ على أن التوبة من الذنب مكفرة له . وهو الذي صرحت به آي الكتاب ، والسُّنَّة ، كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وكقوله : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وغير ذلك من الآي . ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ، وغير ذلك . وهذا مقطوعٌ به في التوبة من الكفر ، وهل هو مقطوعٌ به ، أو مظنون في التوبة من غير الكفر ؟ اختلف فيه أهل السُّنَّة . والذي أقول به : إن من استقرأ الشريعة قرآنًا وسُنَّة ، وتتبع ما فيهما من هذا المعنى علم على القطع واليقين : أن الله يقبل توبةَ الصَّادقين .
( 6 ) باب كل شراب مسكر خمر وحرام وما جاء في إثم من شربه 2001 - ( 67 ) [1880] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . 1733 - ( 70 و 71 ) [1881] وعن أبي موسى قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: ادْعُوَا النَّاسَ، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا ، وَلَا تُعَسِّرَا. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنْ الْعَسَلِ يُنْتبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنْ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ فَقَالَ: أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنْ الصَّلَاةِ . وفي رواية : كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ . ( 6 ) ومن باب : كل مسكر خمرٌ وحرامٌ ( قوله : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُعطي جوامع الكلم وخواتمه ) يعني بالجوامع : الكلمات البليغة ، الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة ، وقد جاء هذا اللفظ ويراد به : القرآن في غير هذا الحديث . ويعني بخواتيم الكلام : أنه يختم كلامه بمقطع وجيز بليغ كما بدأه بمبدأ وجيز بليغ جامع . ويعني بجملة هذا الكلام - والله أعلم - : أن كلامه من مبدئه إلى خاتمته كله بليغ وجيز ، ولذلك كانت العرب الفصحاء تقول له : ما رأينا الذي هو أفصح منك . فيقول : ( وما يمنعني وقد أنزل القرآن بلساني ؛ لسانٍ عربي مبينٍ ) . و( قوله : أنهى عن كل مسكرٍ أسكر عن الصلاة ) أي : صَدَّ عنها بما فيه من السكر ، كما أشار الله تعالى إليه حيث قال : وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
2003 - ( 73 و 74 ) [1883] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا ولَمْ يَتُبْ ؛ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ . وفي رواية : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ . و( قوله : من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ) ، أو : ( حرمها في الآخرة ) ظاهره تأبيد التحريم ، وإن دخل الجنة فشرب جميع أشربة الجنة من ماء وعسل ولبن ، ولا يشرب الخمر ، ومع ذلك : فلا يتألم لعدم شُرْبها ، ولا يتنغص من فقدها ، ولا يحسد من يشربها ، فإنَّ الجنة محل مطهَّر منزه عن ذلك كلّه . وإنَّما يكون حال هذا مع فقد شُرب الخمر كحاله مع المنازل التي رفع بها غيره عليه مع علمه برفعتها ، وبأن صاحبها أعلى منه درجة ، وأفضل منه عند الله تعالى . ومع ذلك فلا يحسده ، ولا يتألم بفقد شيء من ذلك استغناء بالذي أُعطي ، وغبطة به ، ولأن الله تعالى قد طهرهم من كل نقص وصفة مذمومة . ألا ترى قوله تعالى : وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ؟ وقال بهذا المعنى جماعة من العلماء . وقيل : يُنسى خمر الجنة . وقيل : لا يشتهيها . وكل ذلك محتمل . والأولى : الوجه الأول ، والله تعالى أعلم . وقيل : معنى الحديث : أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار ، ويسقى من طينة الخبال ، فإذا خرج من النار بالشفاعة ، أو بالرحمة العامة - المعبَّر عنها في الحديث بالقبضة - أدخل الجنة ، ولم يُحرم شيئا منها ، لا خمرًا ، ولا حريرًا ، ولا غيره . قال هذا القائل : فإنَّ حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ، ومؤاخذة فيها ، والجنة ليست بدار عقوبة ، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه . والله تعالى أعلم . وكذلك القول في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) ، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة ، يجري فيهما كل ما ذكرناه .
( 5 ) باب نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر 977- ( 63 و 64 ) [1878] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا . وفي رواية : نَهَيْتُكُمْ عَنْ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَوْ : ظَرْفًا - لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . 2000 - [1879] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ قَالَوا: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سقاء ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ، غَيْرِ الْمُزَفَّتِ . وحاصل أحاديث النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية : المنع للذي يخاف من سرعة تغيُّر النبيذ وشربه ، ولا يشعر الشارب بتغيُّره ، وتفسد أيضًا ماليِّته . فهو من باب حماية ذرائع السكر ، وإفساد المال ، فلما تعذرت ظروف الأدم عليهم لقِلَّتها حين قالوا له : ليس كل الناس يجد سقاء ، وبأكل الجرذان لها ، كما قال في حديث وفد عبد القيس - وشق ذلك عليهم - رفع ذلك عنهم بأن وسَّع عليهم ، وأباح لهم ما كان منعهم منه من تلك الأوعية ، ونصَّ على المعنى الذي ينبغي أن يُتحرَّز منه ، وهو المسكر ، فقال : ( نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ ، وإنَّ ظرفًا لا يُحلُّ شيئا ولا يُحرِّمه ، وكل مسكر حرام ) . وفي اللفظ الآخر : ( فاشربوا في الأسقية كلَّها ، ولا تشربوا مسكرًا ) فثبت النسخ ، وارتفع التضييق ، والحمد لله . ومع وضوح هذا النسخ فقد كره مالك الانتباذ في الدُّباء والمزفت مبالغة في الاتقاء والورع ؛ لأنَّ هذين الوعاءين أمكن في المعنى الذي قرَّرناه ، ولحديث عبد الله بن عمرو ، الذي قال فيه : فأرخص لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجرِّ غير المزفت . والله تعالى أعلم .
( 8 ) باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه 2006 - ( 86 و 87 ) [1887] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ، قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ . وفي رواية : فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّعَامِ، أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ. و( قوله في حديث سهل : فأماثته ) هكذا الرواية بالهمز رباعيًّا ، والثاء المثلثة ، والتاء باثنتين من فوقها . ومعناه : عركته . ويقال ثلاثيًّا . قال الهروي : يقال : مُِثثْتُ الشيء ، أَمِيثُه ، وأمثْتُه أُمِيثُه . والثلاثي حكاه ابن السِّكِّيت . وقد وقع في بعض نسخ مسلم : ( أماتته ) بتاءين ، كل واحدة منهما باثنتين فوق . وهو تصحيف ، والله أعلم . و( العزلاء ) : فم السقاء الأسفل . و( قوله : تَخُصُّه بها ) كذا لجميع رواة مسلم . وإنما خَصَّته بذلك لقلَّته ؛ فإنَّه كان لا يكفي أكثر من واحد . ويحتمل أن تكون بدأته به رجاء بركته على عاداتهم معه . وقد رواه ابن السَّكن في كتاب البخاري : تتحفه به . وهو قريب المعنى من : تخصُّه به ، فإنَّه من التُّحفة ، وهي الطُّرفة .
( 4 ) باب النهي عما ينتبذ فيه 1993 - ( 32 ) [1872] عن أَبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَنِبُوا الْحَنَاتِمَ . وفي رواية : أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ . قِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا الْحَنْتَمُ؟ قَالَ: الْجِرَارُ الْخُضْرُ. 17- ( 40 و 41 ) [1873] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبَلَحُ والزَّهْو . 18 - [1874] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشُّرْبِ فِي الْحَنْتَمَةِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ . وقد تقدم : أن وفد عبد القيس سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما ينتبذ فيه ، فنهاهم أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم . 1997- ( 47 ) [1875] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ فَقَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيذَ الْجَرِّ ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيذَ الْجَرِّ. فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ عُمَرَ، حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيذَ الْجَرِّ. فَقُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ نَبِيذُ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ الْمَدَرِ. 1997- ( 57 ) [1876] وعن زَاذَان قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : حَدِّثْنِي بِمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ بِلُغَتِكَ، وَفَسِّرْهُ لِي بِلُغَتِنَا، فَإِنَّ لَكُمْ لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا. فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَنْتَمِ وَهِيَ الْجَرَّةُ، وَعَنْ الدُّبَّاءِ وَهِيَ الْقَرْعَةُ، وَعَنْ الْمُزَفَّتِ وَهُوَ الْمُقَيَّرُ، وَعَنْ النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا وَتُنْقَرُ نَقْرًا، وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ . 1999 - ( 62 ) [1877] وعن أبي الزبير ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يُنْتَبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لِأَبِي الزُّبَيْرِ : مِنْ بِرَامٍ ؟ فقَالَ: مِنْ بِرَامٍ. ( 4 و 5 ) ومن باب : النهي عن الانتباذ في المزفت والحنتم وغيرهما ونسخ ذلك قد تقدَّم تفسير هذه الأوعية المذكورة في هذا الباب في كتاب الإيمان ، وقد بقيت ألفاظ . فمنها في الأصل : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنهاكم عن الدُّباء ، والحنتم ، والنقير ، والمقيَّر ، والحنتم : المزادة المجبوبة . كذا رواية الكافة . ( والحنتم : المزادة ) بغير واو ، وكأنه تفسير للحنتم ، وليس بشيء ؛ لأنَّ الحنتم الجرّ ، والمزادة : السِّقاء . وقد رواه الهوزني : ( والحنتم والمزادة ) بالواو ، وكذا وقع في كتاب أبي داود . وقد جوَّده النسائي ، فقال : ( الحنتم ، وعن المزادة المجبوبة ) ، والمجبوبة ( بالجيم ، وبالباء الموحدة من تحتها ) أي : مقطوعة العنق . قال الهروي وثابت : هي التي قطع رأسها فصارت كهيئة الدّنِّ ، وذلك أنَّها لا توكأ ، فيعلم إذا غلى ما فيها . وقال الخطابي : لأنها ليست لها عراقي فتنفس منها ، فقد يتغيَّر شرابها ولا يشعر به . وأصل الجبِّ : القطع . وقد رواه بعضهم : ( المخنوثة ) بالخاء المعجمة ، والنون ، والثاء المثلثة . وكأنَّه عنده من الحديث الآخر : نهى عن اختناث الأسقية . والصواب الأوَّل . و ( قوله في تفسير النَّقير : هي النخلة تُنسج نَسْجًا ) بالجيم عند ابن الحذاء . وعند غيره : ( تُنسحُ نَسْحًا ) بالسين والحاء المهملتين . وهو الصواب . ومعناه : يقشر عنها قشرها . والنُّساحة -بضم النون - : ما تساقط من قشر الثمر . و( تُنْقر نقرًا ) - بالنون فيهما - : رواية الجماعة . والله تعالى أعلم . وعند ابن الحذاء : بالباء بواحدة من تحتها ؛ أي : تشق . و( المدر ) : الطين . يقال : مدرت الحوض ، أمدره : إذا أصلحته بالمدر . وهو الطِّين . و( البرام ) : جمع بُرَّمة . وتجمع أيضًا : بُرُم . وهي قدور من حجارة .
( 9 ) باب استدعاء الشراب من الخادم والشرب في القدح 2007- [1888] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ، فَقَدِمَتْ ، فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ! قَالَ: قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي. فَقَالَوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: لَا، قَالَوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَكِ لِيَخْطُبَكِ، قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ سَهْلٌ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يا سَهْلٍ، قَالَ: فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ ، فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ . قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ. وَفِي رِوَايَة : اسْقِنَا يَا سَهْلُ. ( 9 ) ومن باب : استدعاء الشراب من الخادم ( قوله : الأُجُم بضم الهمزة : الحِصْنُ ، وجمعه آجام ) . قاله أبو عبيد ، وكذلك : أُطُم ، وآطام . و( قول هذه المرأة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بالله منك ) يدلّ : على أنها لم تعرفه ، ولم تعرف ما يراد منها . ولذلك قالت لما أخبرت بمن هو ، وما أريد بها : ( أنا كنت أشقى من ذلك ) . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : قد أعذتك ) جواب لقولها ، وموافقة لها على قصدها . وذلك : أنه فهم منها كراهية من قولها ، ومن حالها ؛ إذا كانت مُعْرِضةً عمَّن يُكلِّمُها ، ولعلَّها لم تعجبه لا خلقًا ، ولا خلقًا . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : اسقنا يا سهل ) دليل على التَّبَسُّط مع الصديق ، واستدعاء ما عنده من طعام أو شراب ، وهذا لا خلاف فيه إذا كان الصديق ملاطفًا ، طيب النفس ، وعلم من حاله ذلك . وهذا الذي قاله الله تعالى فيهم : أَوْ صَدِيقِكُمْ
2008 - [1889] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَاللَّبَنَ وَالْمَاءَ . و( قول أنس : لقد سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدحي هذا الشراب كلَّه : العسل ، والنبيذ ، واللبن ، والماء ) فيه دليل على استعمال الحلاوة ، والأطعمة اللذيذة ، وتناولها . ولا يقال : إن ذلك يناقض الزهد ، ويباعده ، لكن إذا كان ذلك من وجهه ، ومن غير سرف ، ولا إكثار . واستيهابُ عمر بن عبد العزيز القدح من سهل ؛ إنما كان على جهة التَّبُّرك بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم ولم يزل ذلك دأب الصحابة والتابعين وأتباعهم ، والفضلاء في كلِّ عصر . فكان أصحابه يتبرَّكون بوضوئه ، وشرابه ، وبعرقه ، ويستشفون بِجُبَّته ، ويتبركون بآثاره ، ومواطنه ، ويدعون ، ويصلُّون عندها . وهذا كلُّه عمل بمقتضى الأمر بالتعزير ، والتعظيم . ونتيجة الْحُبِّ الصحيح . رزقنا الله الحظَّ الأكبر من تعظيمه ، ومحبَّته ، وحشرنا في زمرته .
2028 - ( 123 ) [1906] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبْرَأُ وأَرْوَى وَأَمْرَأُ . قَالَ أَنَسٌ : وأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا. وفي رواية : في الإناء . و( قول أنس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتنفس في الشراب ثلاثًا ) ، وفي رواية : ( في الإناء ) قد حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره ، وهو أن يتنفس في الإناء ثلاثًا . وقال : فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك . ومنهم من علل جواز ذلك في حقه - صلى الله عليه وسلم - بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء ، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه ، فإنَّهم كانوا إذا بزق ، أو تنخع تدلكوا بذلك ، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه ، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى . قلت : وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح ؛ بدليل بقية الحديث ، فإنَّه قال : ( إنه أروى ، وأبرأ ، وأمرأ ، وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح ، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب : فلا يأمن الشَّرَق ، ويحصل تقذير الماء ، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء ، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة . وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور . وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى ، ولبقية الحديث ، ولقوله للرجل : ( أَبِنِ القدح عن فيك ) . ولا شك : أن هذا من مكارم الأخلاق ، ومن باب النظافة ، وما كان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بشيء من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله . و( أروى ) من الرِّي ؛ أي : أكثر رَيَّا . و( أمرأ ) و( أبرأ ) قيل : إنهما بمعنى واحد ؛ أي : أحسن شربًا . والباء تبدل من الميم في مواضع . و( أمرأ ) من قوله تعالى : هَنِيئًا مَرِيئًا يقال : استمرأت الطعام : إذا استحسنته واستطبته . وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى : الشرب مصدرًا ، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب . فتأمله ، فإنَّه حسنٌ معنًى ، وفصيحٌ لغةً ، فإنَّه يقال : شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد .
2030 - ( 127 و 128 ) [1908] وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ . وفي رواية : فأعطاه إياه ( مكان ) فتله . و( قول الغلام : والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا ) قول أبرزه ما كان عنده من تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحبته ، واغتنام بركته مع صغر سِنِّه . و( قوله : فتلَّه في يده ) أي : ألقاه فيه . قاله ابن الأنباري . قال : ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّت في يدي ) أي : ألقيت . وقال ابن الأعرابي : معناه : فَصُبَّت . و( التل ) : الصَّبُّ . يقال : تل ، يتل - بكسر التاء- : إذا صَبَّ . وقال غيره : التل : الصَّرْعُ ، والدَّفع . ومنه قوله تعالى : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ؛ أي : صرعه .
( 14 ) باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن 267- ( 121 ) [1905] عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ . ومن باب : النهي عن التَّنَفُّس في الإناء نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه فيتقذر الماء ببزاقٍ يخرج من الفم ، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء ، أو بالإناء ، وعلى هذا : فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفسٍ واحد ما شاء . قاله عمر بن عبد العزيز . وأجازه جماعة ؛ منهم : ابن المسيِّب ، وعطاء بن أبي رباح ، ومالك بن أنس . وكره ذلك قومٌ ؛ منهم : ابن عباس ، وطاوس ، وعكرمة ، وقالوا : هو شرب الشيطان . والقول الأول أظهر لقوله - صلى الله عليه وسلم - للذي قال : إنه لا يروى من نفس واحدٍ : ( أَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ ، ثم تَنَفَّس ) . وظاهره : أنه أباح له الشرب في نفس واحدٍ إذا كان يَروى منه .
2029 - ( 124 - 126 ) [1907] وعَنْ أَنَس بن مالك قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا ، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ، فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . وفي رواية : فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ. و( قول أنس : وكن أُمَّهاتي ) هذا على لغة قوله - صلى الله عليه وسلم - : يتعاقبون فيكم ملائكة . و( يَحْثُثْنَنِي ) أي : يَحْضُضْنَنِي . حثَّ ، وحضَّ ، ورغَّب بمعنى واحد . و( شِيبَ ) أي : خلط بالماء ومزج ليبرد . وإنما بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأعرابي لأنه كان عن يمينه ، فبيَّن : أن ذلك سُنَّة ، ولذلك قال : الأيمن فالأيمن أي : أعط الأيمن ، وابدأ به . وقيل أيضًا : إنه قصد استئلافه ، فإنَّه كان من كبراء قومه ، فلذلك جلس عن يمينه . والأول أظهر ، ولا يبعد قصد المعنى الثاني . و( قول أنس : فهي سُنَّة ، فهي سُنَّة ) يعني : مناولة الشراب الأيمن فالأيمن . وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب ، كالمأكول ، والملبوس ، وغيرهما من جميع الأشياء ؟ قال المهلَّب وغيره : نعم . وقال مالك : إن ذلك في الشراب خاصة . قال أبو عمر : ولا يصحُّ ذلك عن مالك . قال القاضي عياض : ويشبه أن يكون معنى قول مالك : إن ذلك في الشراب خاصة : أنه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن ، وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقياس . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : الأيمنون الأيمنون ) هذا مبتدأ ، وخبره محذوف ؛ أي : الأيمنون أولى . والغلام الذي كان عن يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - هو عبد الله بن عباس ، وإنما استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - الغلام ، ولم يستأذن الأعرابي في الحديث الآخر ، وبدأ به قبل أبي بكر لما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من حال الغلام : أن ذلك الاستئذان لا يخجله ولا ينفره لرياضته ، وحسن خلقه ، ولِينه بخلاف الأعرابي ؛ فإنَّ الجفاء والنُّفرة غالبة على الأعراب ، فخاف عليه أن يصدر منه سوء أدب . والله تعالى أعلم .
2026 - [1902] وعن أَبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ . و( قوله : لا يشربن أحدكم قائمًا ، فمن نَسِي فليستقئ ) قال الإمام أبو عبد الله : لا خلاف بين أهل العلم : في أن من شرب قائمًا ناسيًا ليس عليه أن يستقيء . قال بعض الشيوخ : والأظهر : أن هذا موقوف على أبي هريرة . ولا خلاف في جواز الأكل قائمًا ، وإن كان قتادة قال : الأكل أَشَرُّ وأخبث . قلت : ويمكن أن يقال : إن القيء وإن لم يقل أحدٌ بأنَّه واجبٌ عليه ، فلا بعد في أن يكون مأمورًا به على جهة التطبُّب . وهو يؤيد قول من قال : إن النهي عن ذلك مخافة مرض أو ضرر ، فإنَّ القيء استفراغ مما يخاف ضرره .
2023 - ( 111 ) [1903] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا . وفي رواية : قال : وَاخْتِنَاثُهَا ؛ أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا، ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ. 2027- ( 117 و 118 ) [1904] وعن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ. وفي رواية : فأتيته بدلو . ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث الأسقية . قال الراوي : واختناثها أن يُقْلَبَ رأسُها ويُشرب منه . قال ابن دريد : اختناث الأسقية : كسر أفواهها إلى خارج ليشرب منها . فأمَّا كسرها إلى داخل : فهو القمع . قلت : وأصل هذه اللفظة : التَّكسر والتثني . ومنه : المخنث وهو الذي يتكسَّر في كلامه تكسُّر النساء ، ويَنْثَنِي في مِشْيَته كمشيتهنَّ . وقيل في هذا ، وفي نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب من فم السقاء : إن ذلك مخافة أن يتقزَّز منه بعض الناس فيستقذره . وقيل : لما يخاف من ضرر يكون هنالك ، كما روي عن أبي سعيد : أن رجلا شرب من في سقاء فانساب جان في بطنه ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث الأسقية ، وأن يشرب من أفواهها . ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهري . وقد خرَّج الزبيري وغيره : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إلى قربة ، فخنثها ، وشرب من فيها . وهذا - إن صحَّ - محمله : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه لم يكن هنالك شيء يضر ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يستقذر منه شيء ، بل كان كلُّ ما يستقذر من غيره يستطاب منه ، وتطيب به الأشياء .
( 13 ) باب النهي عن الشرب قائما ، وعن اختناث الأسقية ، والشرب من أفواهها 2024 - ( 113 ) [1900] عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا: فَالْأَكْلُ؟ قَالَ: ذَلكَ أَشَرُّ وأَخْبَثُ . 2024 - 2025- ( 112 و 114 و 115 ) [1901] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وأنس : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا . ( 13 ) ومن باب : النهي عن الشرب قائمًا لم يَصِرْ أحدٌ من العلماء فيما علمت إلى أن هذا النهي على التحريم ، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية ، وإنَّما حمله بعض العلماء على الكراهة ، والجمهور : على جواز الشرب قائمًا . فمن السلف : أبو بكر ، وعمر ، وعلي - رضي الله عنهم وجمهور الفقهاء ، ومالك ، متمسكين في ذلك بشرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من زمزم قائمًا . وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخرًا عن أحاديث النهي ، فإنَّه كان في حجة الوداع ، فهو ناسخٌ . وحَقق ذلك حُكم الخلفاء الثلاثة بخلافها ، ويبعدُ أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة علمهم ، وشدة ملازمتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم وتشدُّدهم في الدين . وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر . وأمَّا من قال بالكراهة : فيجمع بين الحديثين بأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يبيِّن الجواز ، والنَّهي يقتضي التنزيه ؛ فالأولى : ترك ذلك على كل حال . وأما قول قتادة : ( الأكلُ أَشَرُّ ) : فَشَيءٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما علمت . وعلى ما حكاه النقلة والحفاظ ، فهو رأيه ، لا روايته . والأصل : الإباحة . والقياس خلي عن الجامع . وقد ذهب بعض الناس : إلى أن النهي عن الشرب قائمًا إنما كان لئلا يستعجل القائم فَيَعُبُّ ، فيأخذه الكُباد ، أو يشرق ، أو يأخذه وجع في الحلق ، أو في المعدة ؛ فينبغي ألا يشرب قائمًا ، وحيث شرب النبي - صلى الله عليه وسلم - قائمًا أمن ذلك ، أو دعته إلى ذلك ضرورة ، أو حاجة ، لا سيما وكان على زمزم ، وهو موضع مزدحم الناس ، أو لعلَّه فعل ذلك ليري الناس أنه ليس بصائم ، أو لأن شرب ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه . والله تعالى أعلم .
( 10 ) باب شرب اللبن ، وتناوله من أيدي الرعاء من غير بحث عن كونهم مالكين 2009 - ( 90 و 91 ) [1890] عن البراء بن عازب قال : لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قال : تبَعَهُ سُراقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَاخَتْ فَرَسُهُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ. قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ . وفي رواية عن البراء : قال : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ . وذكر نحوه . ( 10 ) ومن باب : شرب اللبن من أيدي الرُّعاة ( قوله في هذه الرواية : أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة ) هذا كان في وقت هجرته ، كما جاء في الرواية الأخرى : ( قال أبو بكر : لما هاجرنا من مكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) وذكر نحو ما تقدَّم . وقد وقع في هذا الحديث في كتاب مسلم زيادة فيها وَهْمٌ ، وذلك : أن أبا بكر سأل الراعي : لمن الغنم ؟ فقال الراعي : إنها لرجل من أهل المدينة . والصواب : من أهل مكة . ورواه البخاري من رواية إسرائيل : إبل لرجل من قريش . وفي رواية أخرى : من أهل مكة أو المدينة - على الشك قلت : وقيل : إنَّه ليس بوهم ؛ لأنَّه أطلق على مكة مدينة ، وهي كذلك ، فإنَّ كل بلدة يصح أن يقال عليها : مدينة ، كما قال الله تعالى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ وهي مدينة ثمود ، وهي الحجر . وأمَّا تسمية بلد مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فقد صار علمًا لها بحكم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَمَّاها بذلك ، وغلب ذلك عليها ، وكره أن يقال : يثرب ، كما تقدَّم في الحجِّ . و( قوله : فشرب منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رضيت ) أي : حتى رَوي فرضيت رَيَّه ، وكأنَّه شقَّ عليه ما كان فيه من الحاجة إلى اللَّبن ، فلمَّا شرب وزال عنه ذلك رضي به . وفي رواية أخرى : فأرضاني . والمعنى واحد . وقد يقال : كيف أقدم أبو بكر على حلب ما لم يؤذن له في حلبه ؟ وكيف شرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك اللَّبن ولم يكن مالكه حاضرًا ، ولا أذن في ذلك ، مع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن مثل هذا بقوله : ( لا يحلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه ) . وقد أجيب عن ذلك بأجوبة : أحدها : إن ذلك اللَّبن كان تافهًا لا قيمة له ، لا سيما مع بُعْدِه عن العمارة ، فكأنه إن لم يَشْرَب وإلا تَلِفَ . فيكون هذا من باب قوله في الشَّاة : ( هي لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ) . قلت : وهذا ليس بشيء ؛ لأنَّ الحبَّة من مال الغير لا تحل إلا بطيب نفس منه . وتشبيهها باللقطة فاسدٌ ، فإنَّ اللَّبن في الضَّرع محفوظ كالطَّعام في المشربة . ثم لم يكن على بعد من العمران بدليل إدراك سراقة لهم حين سمع أخبارهم من مكة ، وخرج من فوره ، فأدركهم يومه ذلك ، على ما تدلُّ عليه قصته في كتب السِّير ، والله أعلم . وثانيها : إن عادة العرب جارية بذلك ، فعَمِلا على العادة ، وذلك قبل ورود النهي المذكور عن ذلك . وثالثها : إنه - صلى الله عليه وسلم - كان في حاجة وضرورة إلى ذلك ، ولا خلاف في جواز مثل ذلك عند الضرورة إذا أمن على نفسه . وهل يلزمه قيمة ذلك أو لا ؟ قولان لأهل العلم . ورابعها : إن ذلك كان مالًا لكافر ، والأصل في أموالهم الإباحة . قلت : وقد يمنع هذا الأصل ، لا سيما على مذهب من يقول : إن الكافر له شُبهة مُلك . وقد تقدَّم الخلاف في هذا في الجهاد . وخامسها : إنهما علما لِمَن هي ، فإمَّا أن يكون قد أباح لهما ذلك ، أو علما من حاله أنه يطيب قلبه بذلك . وهذا أشبهها وأبعدها عن الاعتراض إن شاء الله تعالى .
168 - ( 92 ) [1891] وعن أَبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ . و( إيلياء ) : هي بيت المقدس ، وهو ممدود بهمزة التأنيث ، ولذلك لا ينصرف . و( قول جبريل - عليه السلام - : الحمد لله الذي هداك للفطرة ) يعني بها : فطرة دين الإسلام ، كما قال تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ثم قال : ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وقيل : جعل الله ذلك علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ؛ لأنَّ اللَّبن أول ما يغتذيه الإنسان . وهو قوت خلي عن المفاسد ، به قوام الأجسام ، ولذلك آثره - صلى الله عليه وسلم - على الخمر ، كما ذكرناه في الإسراء . ودين الإسلام كذلك ، هو أوَّل ما أخذ على بني آدم ، وهم كالذَّرِّ ، ثم هو قوت الأرواح ، به قوامها ، وحياتها الأبدية ، وصار اللبن عبارة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته ، والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها ، فكان العدول إليه لو كان ووقع علامة على الغواية . وقد أعاذ الله من ذلك نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - طبعًا وشرعًا . والحمد لله تعالى . ويفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمه ، لكن ليس بصريح ، ولذلك لم يَكْتَفِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك في التحريم حتَّى قَدِم المدينة فشربوها زمانًا ، حتَّى أنزل الله التحريم .
( 12 ) باب بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة وأن ترك ذلك لا يمنع الشرب من ذلك الإناء 2010 - [1896] عن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنْ النَّقِيعِ لَيْسَ مُخَمَّرًا ، قَالَ: أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا؟ قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالْأَسْقِيَةِ أَنْ تُوكَأَ لَيْلًا، وَبِالْأَبْوَابِ أَنْ تُغْلَقَ لَيْلًا . 2011 - ( 94 و 95 ) [1897] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟ قَالَ: بَلَى. فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا؟ قَالَ: فَشَرِبَ . 2015- [1898] وعن ابن عمر ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ . 2016 - [1899] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَأْنِهِمْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ . و( قوله : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن من النقيع ليس مخمَّرًا ) اختلف في رواية هذا الحرف الذي هو( من النقيع ) ، فأكثر الرواة واللغويين على أنه بالنون والقاف . وقال الهروي : هو وادي العقيق على عشرين فرسخًا من المدينة ، وهو الذي حماه عمر - رضي الله عنه - لنعم الصَّدقة . وقال الخطابي : هو القاع . قال غيره : وأصله كل موضع يستنقع فيه الماء . وقد رواه أبو بحر سفيان بن العاصي بالباء الموحدة . قال الخليل : البقيع بالباء : الأرض التي فيها شجر شتَّى . وأما بقيع الغرقد ، وبقيع بطحان فبالباء الموحدة . ويحتمل أن يريد واحدًا منهما على رواية أبي بحر ، والله تعالى أعلم . و( المخمر ) : المغطى . والتخمير : التغطية . وشربه - صلى الله عليه وسلم - من الإناء الذي لم يُخَمَّر دليلٌ على أن ما بات غير مخمَّر ، ولا مُغطَّى ، أنه لا يحرم شربه ، ولا يكره . وهذا يحقق ما قلناه : من أن المقصود الإرشاد إلى المصلحة ، والله تعالى أعلم .
( 11 ) باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وذكر الله تعالى عليهما 2012 - ( 96 ) [1892] عَنْ جَابِرٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَفْعَلْ ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ . 2012 - ( 97 ) [1893] وعنه ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ . ( 11 و 12 ) ومن باب : الأمر بتغطية الإناء ( قوله : غطُّوا الإناء ، وأوكُوا السقاء ) جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية ، كقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وليس الأمر الذي قُصِد به الإيجاب ، وغايته أن يكون من باب الندب ، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والندب . وإيكاء السِّقاء : شَدُّهُ بالخيط . وهو الوكاء ، ممدود مهموز ، ولذلك يجب أن يكون أوكئوا - رباعيًّا مهموز اللام . و( الفويسقة ) : الفأرة ، سميت بذلك لخروجها من جحرها للفساد . و( قوله : فإنَّ لم يجد أحدكم إلا أن يَعْرُض عودًا ويذكر اسم الله فليفعل ) هو بضم الراء ، وكذلك قاله الأصمعي ، وقد رواه أبو عبيد بكسر الراء ، والوجه الأول : أن يجعل العود معروضًا على فم الإناء ، ولا بدَّ من ذكر الله تعالى عند هذه الأفعال كُلِّها ، كما جاء في الحديث الآخر بعد هذا ، فيذكر الله تعالى ، وببركة اسمه تندفع المفاسد ، ويحصل تمام المصالح . فمطلق هذه الكلمات مردود إلى مُقَيَّدِها . و( الشيطان ) هنا للجنس بمعنى الشياطين .
2013 - ( 98 ) [1894] وعنه ؛ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يبَعِثُ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ . 2014 - ( 99 ) [1895] وعنه ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ . وفي رواية : فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ. قال الليث : فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول . و( الفواشي ) : كل ما فشا وانتشر من المال : الإبل ، والغنم ، والبقر . قال ابن الأعرابي : يقال : أفشى ، وأمشى ، وأوشى ، بمعنى واحد : إذا كثرت مواشيه . و( فحمة الليل ) : سواده . وقد تضمنت جملة هذه الأحاديث : أن الله تعالى قد أطلع نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما يكون في هذه الأوقات من المضارِّ من جهة الشياطين ، والفأر ، والوباء . وقد أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يُتَّقى به ذلك ، فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكرًا الله تعالى ، مُمتثلًا أمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم وشاكرًا لله تعالى على ما أرشدنا إليه وأعلمنا به ، ولنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - على تبليغه ، ونصحه . فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضررٌ بحول الله وقوته ، وبركة امتثال أوامره - صلى الله عليه وسلم - وجازاه عنَّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته ، فلقد بلَّغ ، ونصح .
( 7 ) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه 2038 - [1923] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا. فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ. وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ. فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . ( 7 ) ومن باب : من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد لنفسه ( قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر : ما أخرجكما من بيوتكما ؟ ) قالا : الجوع . قال : ( وأنا أخرجني الذي أخرجكما ) هذا يدلّ على شدَّة حالهم في أوَّل أمرهم . وسبب ذلك : أن أهل المدينة كانوا في شظف من العيش عندما قدم عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - مع المهاجرين ، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم ، وتركوا أموالهم ، وديارهم ، فقَدِموا فقراء على أهل شدَّة ، وحاجة ، مع أن الأنصار - رضي الله عنهم - واسوهم فيما كان عندهم ، وشركوهم فيما كان لهم ، ومنحوهم ، وهادوهم ، غير أن ذلك ما كان يسدُّ خلاَّتهم ، ولا يرفع فاقاتهم ، مع إيثارهم الضراء على السراء ، والفقر على الغنى . ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى ، وخيبر ، وغير ذلك ؛ فردُّوا لهم منائحهم ، واستغنوا بما فتح الله عليهم . ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدًا ، وجهدهم جهيدًا حتَّى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم ، صابرين على شدَّة عيشهم ، معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها . مقبلين على الآخرة ، ونعيمها ، وكراماتها ، فحماهم الله ما رغبوا عنه ، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه . حشرنا الله في زمرتهم ، واستعملنا بسنَّتهم . و( قوله : قوموا ) أمرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة . وهو دليل ما رسمناه في الترجمة ، وهذا الرجل الأنصاري هو : أبو الهيثم بن التَّيهان على ما جاء مفسَّرًا في رواية أخرى . واسمه : مالك بن التَّيهان . قاله أبو عمر . و( قولها : يستعذب لنا ماء ) أي : يطلب الماء العذب . وفيه دليلٌ على جواز الميل للمستطابات طبعًا من الماء وغيره . و( قول الرجل : الحمد لله ، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافًا منِّي ) قولٌ صدق ، ومقالٌ حق ؛ إذ لم تقل الأرض ، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه ؛ فإنَّهم : محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم وخليفتاه : أبو بكر ، وعمر . ولما تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر ، فقال : الحمد لله ! و( العِذق )- بكسر العين - : الكباسة ، وهي : العرجون . و( العذق ) - بفتح العين - : النخلة . وإنما قدَّم لهم هذا العرجون ؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة ، لا سيما مع تحققه حاجتهم ، ولأن فيه ألوانًا من التمر ، والبسر ، والرطب ، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة ؛ لأنَّه أسرع هضمًا . و( المدية ) : السكين . و( الحلوب )- بفتح الحاء - : الشاة التي تحلب لبنًا كثيرًا . وإنَّما نهاه عنها ؛ لأنَّ ذبحها تضييعٌ للبنها ، مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف ، ويحصل بها المقصود . و( قوله : فأكلوا من تلك الشاة ، ومن ذلك العذق ) دليلٌ على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة . و( قوله : حتى شبعوا ، ورووا ) دليل على جواز الشبع من الحلال . وما جاء مما يدلُّ على كراهة الشبع عن النبي - صلى الله عليه وسلم وعن السلف : إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة ، المبطئ بصاحبه عن الصلوات ، والأذكار ، المضرُّ للإنسان بالتخم ، وغيرها ؛ الذي يفضي بصاحبه إلى البطر ، والأشر ، والنوم ، والكسل . فهذا هو المكروه . وقد يلحق بالْمُحرَّم إذا كثرت آفاته ، وعمَّت بليَّاته . والقسطاس المستقيم ما قاله مَنْ عليه الصلاة والتسليم : ( ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ؛ فإنَّ كان ولا بدَّ : فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه ) . و( قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليوم ) أي : سؤال عرض لا سؤال مناقشة ، وسؤال إظهار التفضل والمنن ، لا سؤالا يقتضي المعاتبة ، والمحن . و( النعيم ) : كل ما يتنعم به ؛ أي : يستطاب ، ويتلذذ به . وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا استخراجًا للشكر على النعم ، وتعظيمًا لذلك . والله تعالى أعلم .
( 4 ) باب لعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة إذا سقطت 2031 - ( 129 و 130 ) [1916] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا . 2032 - ( 131 ) [1917] وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَة مِنْ الطَّعَامِ . 2033 - ( 133 ) [1918] وعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ . و( قوله : فلا يمسحها حتَّى يَلْعقها أو يُلْعقها ) هذا يدلّ على جواز مسح اليد من الطعام بالمنديل قبل الغسل ، لكن بعد لعقها . وهو محمول على ما إذا لم يكن في الطعام غمر ، فأمَّا إذا كان فيه غمرٌ فينبغي أن يغسلها ، لما جاء في الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا : ( من نام وفي يده غمرٌ ؛ فأصابه شيء ؛ فلا يلومن إلا نفسه ) ، قال : حديث حسن غريب . وقد ذهب قومٌ إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ) . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ، وبعده ينفي اللمم ) . ولا يصحُّ شيء منهما . وكرهه قبله كثير من أهل العلم . منهم : سفيان ، ومالك ، والليث . قال مالك : هو من فعل الأعاجم . واستحبوه بعده . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه شرب لبنًا ، فمضمض وقال : ( إن له دسمًا ) ، وأمر بالمضمضة من اللبن . وقد روي عن مالك : أنه كره ذلك ، وقال : وقد تؤول على أن يتخذ ذلك سُنَّة ، أو في طعام لا دسم فيه . والله تعالى أعلم . و( قوله : يلعقها ) ثلاثيًّا ؛ أي : يلعقها بنفسه . والثاني - رباعيًّا - أي : يجعل غيره يلعقها . وهذا كله يدلّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلَّق بها شيء من الطعام ، كما قدَّمناه . لكنه في آخر الطعام ، كما نص عليه ، لا في أثنائه ؛ لأنَّه يمس بأصابعه بزاقه في فيه إذا لعق أصابعه ثم يعيدها ، فيصير كأنه يبصق في الطعام ، وذلك مستقذر ، مستقبح .
2033 - ( 135 ) [1919] وعَنْه ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى ، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا ، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ . زاد في رواية : وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أصابعه أَوْ يُلْعِقَهَا. فإنه لا يدري في أي طعامه البركة . 2034 - [1920] وعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ: وَقَالَ: إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى ، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ. وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان يحضر أحدكم عند كلِّ شيء من شأنه ) فائدته أن يحضر الإنسان هذا المعنى عند إرادته فعلًا من الأفعال كائنًا ما كان ، فيتعوذ بالله من الشيطان ويُسمِّي الله تعالى فإنَّه يكفى مضرَّة الشيطان ، كما قد جاء في حديث الجماع ؛ الذي ذكرناه في النكاح ، وكما يأتي في الدعوات - إن شاء الله تعالى و( قوله : فليمط عنها الأذى ) أي : يزيله . و( قوله : ليأكلها ) أمر على جهة الاحترام لتلك اللقمة ، فإنَّها من نعم الله تعالى ، لم تصل للإنسان حتى سخر الله فيها أهل السماوات والأرض . و( قوله : ولا يدعها للشيطان ) يعني : إنه إذا تركها ، ولم يرفعها ، فقد مكَّن الشيطان منها ؛ إذ قد تكبر عن أخذها ، ونسي حق الله تعالى فيها ، وأطاع الشيطان في ذلك ، وصارت تلك اللقمة مناسبة للشيطان ؛ إذ قد تكبر عليها ، وهو متكبر ، فصارت طعامه . وهذا كله ذمٌّ لحال التارك ، وتنبيه على تحصيل غرض الشيطان من ذلك .
2040 - ( 142 - 143 ) [1925] وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إلى طَعَامٍ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا. قَالَ: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ! فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ. فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفُتَّ ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ. حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا . وفي رواية : قَالَ: رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَأَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا . فأَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيْهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وفِيهِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَقَالَ: كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ. فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا. وفي رواية : وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم . 2040 - ( 143 ) [1926] وعنه ، قال : جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ - عَلَى حَجَرٍ - فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَطْنَهُ؟ فَقَالَوا: مِنْ الْجُوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالَوا: مِنْ الْجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ، وَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ أحد مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ ، وساق الحديث . وفي أخرى : ثم أخذ ما بقي فجمعه ، ثم دعا فيه بالبركة . قال : فعاد كما كان . فقال : دونكم هذا . و( قوله في حديث أنس : فأخرجت أقراصًا من شعير ، فلفته بالخمار ثم أرسلت بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . وفي الرواية الأخرى : ( إن أبا طلحة أمر أمَّ سليم أن تصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا لنفسه خاصة ) . وفي أخرى : ( إن أبا طلحة قال لأم سليم : هل من شيء ؟ فقالت : نعم ، عندي كسر وتمرات ، فإنَّ جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده أشبعناه ، وإن جاء أحدٌ معه قلَّ عنهم ) . قلت : وهذه روايات مختلفة ، فإن كان وقع ذلك مرَّات فلا إشكال ، وإن كان مرة واحدة كان ذلك اضطرابًا ، غير أنه يمكن الجمع بين تلك الألفاظ ، ويرتفع الاضطراب ، لكن على تكلف وبُعد . و( قوله : فدسته تحت ثوبي ) كذا في كتاب مسلم عند سائر رواته . وفي الموطأ : تحت يدي . أي : إبطي . والدسّ : وضع الشيء في خفية ، ولطافة . و( قوله : وردتني ببعضه ) يعني به : أنها جعلت الطرف الثاني من الخمار عليه كالرداء . و( قول أبي طلحة لأم سليم : قد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس وليس عندنا ما نطعمهم ) قولٌ على مقتضى العادة . و( جواب أم سليم بقولها : الله ورسوله أعلم ) قولٌ أخرجه النظر إلى إمكان خرق العادة ، ورجاء بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالذي كان . و( العكة ) : وعاء صغير من جلد يجعل فيه السمن ، والنحي أكبر منه . و( أدمته ) بمدِّ الألف وقصرها ؛ أي : جعلت السمن في الخبز وهو الأدم ، فصار الخبز مأدومًا . و( قوله : ليتحلق عشرة عشرة ) فيه دليل على استحباب اجتماع هذا العدد على جفنة واحدة عند كثرة الناس ، لكن هذا إذا لم تحمل الجفنة أكثر من ذلك ، فلو كانت كجفنة الرَّكب لأكل عليها أكثر من هذا العدد . و( قوله : فأكلوا حتى شبعوا ) دليل على جواز الشبع ، خلافًا لمن كرهه مطلقًا . وهم قومٌ من المتصوفة ، لكن الذي يكره منه ما يزيد على الاعتدال ، وهو الأكل بكل البطن ، حتى لا يترك للماء ، ولا للنَّفس مساغًا . وقد ينتهي هذا إلى تجاوز الحد ، فيحكم عليه بالتحريم كما تقدَّم . وكونه - صلى الله عليه وسلم - أكل بعدهم ؛ إنَّما كان ذلك لأنه هو أطعمهم ببركة دعائه ، فكان آخرهم أكلًا ، كما قال في الشراب : ( ساقي القوم آخرهم شربًا ) . وأيضًا : فليحصل على درجة الإيثار ؛ فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان أشدهم جوعًا ؛ لأنَّه كان قد شدَّ على بطنه بحجرين ، ومع ذلك فقدَّمهم عليه وآثرهم بالأكل قبله . وشدُّ البطن بالحجر يسكن سورة الجوع ، وذلك : أنه يلصق البطن بالأمعاء ، والأمعاء بالبطن ، فتلتصق المعدة بعضها بالبعض ، فيقل الجوع . وقيل : إنما يفعل ذلك ليقوى من الضعف الذي يجده بسبب الجوع . والأول أبين . وفيه أبواب من الفقه لا تخفى .
( 8 ) باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر كثير من آداب الأكل 2039 - [1924] عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي قد رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ ونَفَر مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّهَلًا بِكُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ. فَجِئْتُ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدَمُ النَّاسَ ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا. وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيخْبَزُ كَمَا هُوَ . ( 8 ) ومن باب : جعل قليل الطعام كثيرًا ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( الخمص ) : الجوع ، وأصله : من خمص البطن ، وهو : ضموره ، ولما كان الجوع يضمر البطن سُمِّي به . و( البهيمة ) الصغيرة من الضأن ، تصغير : بهمة . والجمع : بهم . و( الدَّاجن ) : الملازم للبيت ، ودجن في كذا ؛ أي : أقام فيه . و( قوله : انكفأت إلى أهلي ) أي : انقلبت إليهم ، وانصرفت . و( الجراب ) : وعاء من جلد . و( قوله : إن جابرًا قد صنع لكم سورًا ) أي : اتخذ طعامًا لدعوة الناس . كلمة فارسية . قاله الطبري وغيره . وقال غيرهما : هو الطعام نفسه بالفارسية . و( قوله : حيَّهلا بكم ) أي : أقبلوا وهلمُّوا . قال الهروي : ( حي ) كلمة على حدة ، ومعناها : هلمّ ، و( هلا ) : كلمة على حدة ، فجُعِلا كلمة واحدة . قال غيره : وفيها لغات ، يقال : حي هل ، وهل ، وهلى ، وهلا ، وحي هل ، وحي هل - بسكونهما وحكى أبو عبيدة : حيهلك ، وهي التي يقال فيها : حي على بمعنى . وهي عند أبي عبيدة بمعنى : عليك بكذا ؛ أي : ادع به . و( قولها : بك وبك ) عتب عتبت عليه ، وكأنها قالت له : فعلت هذا برأيك ، وسوء نظرك . تعني : دعاءه للناس كلهم ، وظنَّت أنه لم يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر الطعام . ويحتمل أن يكون معناه : بك تنزل الفضيحة ، وبك يقع الخجل . ويحتمل أن يكون دعاء ؛ أي : أوقع الله بك الفضيحة ، أو الخجل ، ونحو هذا . و( قوله : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم الناس ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - مخالفٌ للذي نقل من سيرته مع أصحابه : أنه كان لا يتقدمهم ، ولا يوطأ عقبه ؛ وإنما كان يمشي بين أصحابه ، أو يقدمهم . وإنَّما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم ، فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه . و( قوله : وبارك فيها ) أي : دعا بالبركة ، فاستجيب له على الفور ، وظهرت معجزاته وبركاته لما أكل من الصاع الشعير والبهمة ذلك العدد الكثير ، ثم بقي الطعام على حاله كما كان أوَّل مرة . وعلى هذا : لو كانوا مائة ألف لكفاهم . وغطيط القدر : صوت فورانها .
( 3 ) باب الأكل مما يليه والأكل بثلاث أصابع 2022 - ( 108 و 109 ) [1914] عن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ . وفي رواية : أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلْتُ آخُذُ مِنْ لَحْمٍ حَوْلَ الصَّحْفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلْ مِمَّا يَلِيكَ . و( قول عمر بن أبي سلمة : كنت في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، هو بفتح الحاء : الحضانة ، وبالكسر : الاسم . ومنه : حجر الثوب ، والحجر : الحرام ، بالكسر أيضًا . و( قوله : كانت يدي تطيش في الصَّحفة ) أي : تخف وتسرع ، وقد دلَّ عليه قوله في الرواية الأخرى : ( فجعلت آخذ من لحم حول القصة ) . و( قوله : يا غلام ! سمِّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) فيه تعليم الصبيان ما يحتاجون إليه من أمور الدين وآدابه . وهذه الأوامر كلها على الندب ؛ لأنَّها من المحاسن المكمِّلة ، والمكارم المستحسنة . والأصل فيما كان من هذا الباب : الترغيب ، والنَّدب . و( قوله : كل مما يليك ) سُنَّة متفق عليها ، وخلافها مكروه شديد الاستقباح ، لكن إذا كان الطعام نوعًا واحدًا . وسبب ذلك الاستقباح : أنَّ كل آكل كالحائز لما يليه من الطعام ، فآخذ الغير له تعدٍّ عليه مع ما في ذلك من تقزز النفوس ما خاضت فيه الأيدي والأصابع ، ولما فيه من إظهار الحرص على الطعام ، والنَّهم . ثم هو سوء أدب من غير فائدة إذا كان الطعام نوعًا واحدًا . وأما إذا اختلفت أنواع الطعام فقد أباح ذلك العلماء ؛ إذ ليس فيه شيء من تلك الأمور المستقبحة .
2032 - ( 132 ) [1915] وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا . وكونه - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل بثلاث أصابع : أدب حسن ، وسنة جميلة ؛ لأنَّها تشعر بعدم الشَّرَه في الطعام ، وبالاقتصار على ما يحتاج إليه من غير زيادة عليه ، وذلك أن الثلاث الأصابع يستقل بها الظريف الخبير . وهذا فيما يتأتى فيه ذلك من الأطعمة ، وأما ما لا يتأتى ذلك فيه استعان عليه بما يحتاج إليه من أصابعه . ولعقه - صلى الله عليه وسلم - أصابعه الثلاثة ، وأمره بذلك يدل : على أنه سُنَّة مستحبة . وقد كرهه بعض العامة ، واستقذره ، وقوله بالكراهة والاستقذار أولى من سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولو سكت الجهال قلَّ الخلاف . وفائدة اللَّعق احترام للطعام ، واغتنام للبركة ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بلعق الأصابع والقصعة وقال : ( فإنَّه لا يدري في أي طعامه البركة ؟ ) ومعناه - والله أعلم - : أن الله تعالى قد يخلق الشِّبع في الأكل عند لعق الأصابع أو القصعة ، فلا يترك شيء من ذلك احتقارًا له . ومثل هذا يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى ، ثم ليأكلها ، ولا يدعها للشيطان ) .
( 2 ) باب الأمر بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال 2020 - ( 105 ) [1911] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ . ( 2 و 3 و 4 ) ومن باب : الأمر بالأكل باليمين ومما يلي ( قوله : إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ، وإذا شرب فليشرب بها ) هذا الأمر على جهة الندب ؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال ، وذلك لأنها أقوى في الغالب ، وأسبق للأعمال ، وأمكن في الأشغال . ثم هي مشتقة من اليمن ، والبركة . وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها ، كما ذمَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال ، فقال : فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وقال : وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وقال عكس هذا في أصحاب الشمال . وعلى الجملة : فاليمين وما نسب إليها ، وما اشتق عنها محمود لسانًا ، وشرعًا ، ودنيا ، وآخرة . والشمال على النقيض من ذلك حتى قد قال شاعر من العرب : أبيني أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالكا وإذا كان هذا ، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق ، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة ، والأحوال النظيفة ، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية . وأما إزالة الأقذار ، والأمور الخسيسة فبالشمال لما يناسبها من الحقارة ، والاسترذال .
2021 - [1913] وعن سلمة بن الأكوع : أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ. مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي قال له : كل بيمينك ، فقال : لا أستطيع ، فقال : لا استطعت ) دعاء منه عليه ؛ لأنَّه لم يكن له في ترك الأكل باليمين عذر ، وإنما قصد المخالفة ، وكأنه كان منافقًا . والله تعالى أعلم . ولذلك قال الراوي : وما منعه إلا الكبر . وقد أجاب الله تعالى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الرجل ، حتى شُلَّت يمينه ، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم .
2020 - ( 106 ) [1912] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا ، قَالَ : وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: وَلَا يَأْخُذُ بِهَا وَلَا يُعْطِي بِهَا. و( قوله : فإنَّ الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله ) ظاهره أن من أكل بشماله تشبَّه بالشيطان في ذلك الفعل ؛ إذ الشيطان بشماله يأكل وبها يشرب . ولقد أبعد وتعسَّف من أعاد الضمير في ( شماله ) على الآكل .
( 9 ) باب في أكل الدباء والقديد 2041 - ( 144 و 145 ) [1927] عن أَنَس بْن مَالِكٍ قال : إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ القصعة، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ من يَوْمَئِذٍ. وفي رواية : فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ ؛ وجَعَلْتُ أُلْقِيهِ إِلَيْهِ، وَلَا أَطْعَمُهُ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلْتُ يُعْجِبُنِي الدُّبَّاءُ. وفي أخرى : قال أنس : فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ. ( 9 و 10 ) ومن باب : أكل الدُّبَّاء والقديد والتمر الدباء : اليقطين . واحده : دباءة - ممدود - وقد حكى فيه القصر : ابن السَّرَّاج ، وليس معروفًا ، وعليه فيكون واحده دبأة . و( قول أنس : وجعلت ألقيه إليه ) دليل على جواز مناولة بعض المجتمعين على الطعام لبعض شيئًا منه ، ولا ينكر على من فعل ذلك ؛ وإنما الذي يكره : أن يتناول شيئًا من أمام غيره ، أو يتناول من على مائدة من مائدة أخرى ، فقد كرهه ابن المبارك . و( تتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - الدباء من حوالي القصعة ) : إنما كان ذلك لأن الطعام كان مختلفًا ، فكان يأكل ما يعجبه منه - وهو الدُّباء - ويترك ما لا يعجبه - وهو القديد وقد قدمنا جواز ذلك .
( 5 ) باب من دعي إلى الطعام فتبعه غيره 2036 - [1921] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالَ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ ، اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ. قَالَ: فَصَنَعَ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ. قَالَ: لَا، بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . ( 5 و 6 ) ومن باب : إذا دعي إلى طعام اللَّحَّام : الذي يبيع اللحم ، وهو الجزَّار . وهذا على قياس قولهم : عطَّار ، وتَمَّار ، للذي يبيع ذلك . و( خامس خمسة ) أي : أحد خمسة . هذا الحديث ، وما يأتي بعده يدلّ : على ما كانوا عليه من شدَّة الحال وشظف العيش ، وذلك للتمحيص في الدنيا ، وليتوفر لهم أجر الآخرة . وهذا المتبع لهم كان ذا حاجة ، وفاقة ، وجوع ، واستئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الدعوة في حق المتبع بيان لحاله ، وتطييب لقلب المستأذن ، ولو أمره بإدخاله معهم لكان له ذلك ، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد أمرهم بذلك ، وقال : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، أو أربع فليذهب بخامس ) ، والوقت كان وقت فاقة وشدِّة ، وكانت المواساة واجبة إذ ذاك ، والله أعلم . ومع ذلك فاستأذن صاحب المكان تطييبًا لقلبه ، وبيانًا للمشروعية في ذلك ؛ إذ الأصل : ألا يتصرَّف في ملك الغير أحدٌ إلا بإذنه .
( 6 ) باب إباحة تطييب الطعام وعرض من لم يدع 2037- [1922] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاما ، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ ، فَقَالَ: وَهَذِهِ؟ لِعَائِشَةَ. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا. فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَذِهِ؟ فقَالَ: لَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا. ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ - فِي الثَّالِثَةِ فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ . و( قول أنس : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جار فارسي طيب المرق ) دليل على جواز تطييب الأطعمة ، والاعتناء بها ، ولا خلاف في جواز ذلك بين الأئمة ، وامتناع الفارسي من الإذن لعائشة - رضي الله عنها - : أولى ما قيل فيه : إنه إنَّما كان صنع من الطعام ما يكفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ؛ للذي رأى عليه من الجوع ، فكأنه رأى : أن مشاركة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك يجحف بالنبي - صلى الله عليه وسلم وامتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من إجابة الفارسي عند امتناعه من إذن عائشة : إنما كان - والله أعلم - لأن عائشة كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبي - صلى الله عليه وسلم فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستأثر عليها بالأكل دونها ، وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق ، وخصوصًا مع أهل بيت الرجل ، ولذلك قال بعض الشعراء : وشِبَعُ الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه وقد نبَّه مالك - رحمه الله - على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو الرجل يكرمه ، قال : إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله . وفي هذين الحديثين أبواب من الفقه من تتبعها ظفر بها .
( 10 ) باب في أكل التمر مقعيا ، وإلقاء النوى بين إصبعين ، وأكل القثاء بالرطب 2044 - ( 148 ) [1928] عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا . 2044 - ( 149 ) [1929] وعنه ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُهُ - وَهُوَ مُحْتَفِزٌ - يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا . وفي رواية : أكلا حثيثا . و( قول أنس : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقعيًا ، يأكل تمرًا ) الإقعاء : جلسة المستوفز على أطراف أليتيه . مأخوذ من إقعاء السبع . وقد تقدم في كتاب الصلاة . وهو معنى قوله في الرواية الأخرى : ( وهو محتفز ) بالزاي ؛ أي : مستعجل ، غير متمكِّن . وإنما كان يأكل كذلك لعدم نهمه ، وقلَّة مبالاته بأكله ؛ إذ لم تكن همته فيما يجعل في بطنه ، وإنما كان يأكل القليل من الطعام عند الحاجة ، وعلى جهة التواضع ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أما أنا فلا آكل متكئًا ، ولكن آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ) .
2042 - [1930] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي ، قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً ، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ، فَكَانَ يَأْكُلُ منه وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبِي - وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ - : ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ . 2043 - [1931] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ . و( قوله : فقدَّمنا إليه طعامًا ووطبة ) كذا في كتاب أبي عيسى ؛ بسكون الطاء ، وباء بواحدة . قلت : وهي مؤنثة الوطب ، وهي : قربة اللبن . وكأنه قدَّم له هذه القربة ليشرب منها . وعند أبي بحر ، وقرئ عليه : ووطيئة - بكسر الطاء ، والهمزة المفتوحة - قال ابن دريد : الوطيئة : التمر يستخرج نواه ، ويعجن بالسمن . قال ثابت : هو طعام للعرب يتخذ من تمر أراه كالحيس . قلت : وقد فسَّر القتبي الوطيئة بغير هذا . قال في حديث : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تبوك ، فأخرج لنا ثلاث أكل من وطيئة . قال : والوطيئة : الغرارة ، والأكل : اللقم . و( قوله : أكلًا ذريعًا ) أي : كثيرًا . و( حثيثًا ) : أي : مستعجلًا . وحاصلهما : أنَّه كان يأكل أكلًا لا تصنُّع فيه ، ولا رياء ، ولا كبر ؛ فإذا احتاج إلى الإكثار أكل ، وإذا حفزه أمرٌ استعجل ، لكنه ما كان يخرج عن أدب ، ولا يفعل شيئًا غير مستحسن - صلى الله عليه وسلم و( كونه - صلى الله عليه وسلم - يلقي النوى بين السَّبابة والوسطى ) مبين : أنَّه يجوز تصريف الإصبعين لذلك ، لئلا يظن : أنَّه لا يجوز تصريف السَّبابة إلا مع الإبهام ؛ لأنَّه الأمكن ، والذي جرت به العادة . وإلقاء النوى خارجًا عنهم تعليم لاجتناب إلقائها بين أيدي الآكلين ؛ لأنَّ ذلك مِمَّا يستكره ، ويستقذر . وقد تقدَّم التنبيه على سُنَّة مناولة الشراب على اليمين . وفي هذه الأحاديث : جواز أكل الطيبات من الأطعمة ، والحلاوة الحلال ، وجمع ذلك في وقت واحد خلافًا لمن كرهه من المتقشفين . وكان - صلى الله عليه وسلم - يأكل القثاء بالرُّطب ، ويقول : ( أكسر حرّ هذا ببرد هذا ) . وفيه دليل على جواز مراعاة صفات الأطعمة ، وطبائعها ، واستعمالها على الوجه الأليق بها ، كما يقوله الأطباء . والله تعالى أعلم .
( 21 ) باب النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة 2065- [1951] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إن الَّذِي يأكل أو يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذهب والْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ . 2067- ( 4 و 5 ) [1952] وعن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى قَالَ: اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا . وفي رواية : وهي لكم في الآخرة . ( 21 ) ومن باب : النَّهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) يروى برفع : نار ، ونصبه . فمن رفع حمل ( يجرجر ) على : يصوِّت . والجرجرة : الصوت الضعيف المتراجع ، كصوت حركة اللِّجام في فم الفرس . يقال : جرجر الفرس : إذا حرَّك فمه باللجام . ومن نصبه حمله على معنى : يتجرع . وهذا الحديث دليلٌ على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ، ويلحق بهما ما في معناهما مثل : التطيب ، والتكحل ، وما شابه ذلك . وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفًا وخلفًا . وروي عن بعض السلف إباحة ذلك . وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب . ثم اختلف العلماء في تعليل المنع . فقيل : إن التحريم راجع إلى عينهما . وهذا يشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هي لهم في الدنيا ، ولنا في الآخرة ) . وقيل : ذلك معلل بكونهما رؤوس الأثمان ، وقيم المتلفات ؛ فإذا اتخذ منهما الأواني قلت في أيدي الناس ، فيجحف ذلك بهم . وهذا كما حُرّم فيهما ربا الفضل . وقد حسَّن الغزالي هذا المعنى ، فقال : إنهما في الوجود كالحكام الذين حقهم أن يتصرفوا في الأقطار ليظهروا العدل ، فلو منعوا من التصرُّف والخروج للناس لأخل ذلك بهم ، ولم يحصل عدل في الوجود . وصياغة الأواني من الذهب والفضة حبس لهما عن التصرُّف الذي ينتفع به الناس . وقيل : إن ذلك معلل بالسَّرف ، والتشبُّه بالأعاجم . قلت : وهذا التعليل ليس بشيء ؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون اتخاذ تلك الأواني ، واستعمالها مكروهًا ؛ لأنَّ غاية السَّرف والتشبه بالأعاجم أن يكون مكروها ، والتهديد الذي اشتمل عليه الحديث المتقدِّم مفيدٌ للتحريم لا للكراهة . وكل ما ذكرناه من التحريم إنما هو في الاستعمال ، وأما اتخاذ الأواني من الذهب والفضة من غير استعمال : فمذهبنا ، ومذهب جمهور العلماء : أن ذلك لا يجوز . وذهبت طائفة من العلماء : إلى جواز اتخاذها دون استعمالها . وفائدة هذا الخلاف بناء الخلاف عليه في قيمة ما أفسد منها ، وجواز الاستئجار على عملها ، فمن جوَّز الاتخاذ ، قوَّم الصياغة على مفسدها ، وجوَّز أخذ الأجرة عليها . ومن منع الاتخاذ ؛ منع هذين الفرعين . فأمَّا ما ضبب من الأواني بذهب ، أو فضة ، أو كانت فيه حلقة من ذهب أو فضة : فذهب الجمهور إلى كراهة استعمال ذلك ، وأجازه أبو حنيفة ، وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق إذا لم يجعل فمه على التضبيب ، أو الحلقة . وروي أيضًا مثله عن بعض السلف . قالوا : وهو كالعلم في الثوب ، والخاتم في اليد يشرب به . وقد استحب بعض العلماء الحلقة دون التضبيب .
( 20 ) باب المؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء 2060 - ( 182 و 183 ) [1948] عن نافع ؛ قال : رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِينًا، فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا ، قَالَ: فَقَالَ: لَا يُدْخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . زاد في أخرى : وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ . ( 20 ) ومن باب : المؤمن يأكل في معى واحد إنما قال ابن عمر للمسكين الذي أكل كثيرًا : ( لا يدخلن عليكم هذا ) ؛ لأنَّه شبهه بالكافر من حيث إنه كان يأكل بالشره ، والحرص ، وإفراط الشهوة . وهكذا أكل الكافر . وأما المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع ، ويمسك الرَّمق ، ويقوى به على عبادة الله تعالى ، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك ، فيقل أكله ضرورة . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن ، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإنَّ كان ولا بدَّ : فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه ) . وعلى هذا فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نسب إلى أكل الكافر المذكور سبعًا ، فيصير الكافر كأن له سبعة أمعاء يأكل فيها ، والمؤمن له معى واحد . وهذا أحد تأويلات الحديث ، وهو أحسنها عندي . وقيل : المراد بالسبعة أمعاء : صفات سبع : الحرص ، والشره ، وبعد الأمل ، والطَّمع ، وسوء الطبع ، والحسد ، وحب السمن . وقيل : شهوات الطعام سبع : شهوة الطبع ، وشهوة النفس ، وشهوة العين ، وشهوة الفم ، وشهوة الأذن ، وشهوة الأنف ، وشهوة الجوع ، وهي الضرورية التي بها يأكل المؤمن . وقيل : إن ذلك في واحد مخصوص ، وهو الذي ذكره في حديث أبي هريرة . واختلف في اسمه ؛ فقيل : نضلة بن عمرو الغفاري . وقيل : بصرة بن أبي بصرة الغفاري . وقيل : ثمامة بن أثال . وقيل : جهجاه الغفاري .
2069 - [1949] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ - فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ - ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . و( قوله : ضافه ضيف ) أي : نزل وصار ضيفه . و( أضفته ) : أنزلته . وضفت الرجل : نزلت به . والضيف : اسم للواحد ، والجميع ، والمذكر ، والمؤنث ، يذهب به مذهب المصدر ، كما يقال : زور ، وعدل ، ورضا . وقد جمع : أضيافًا ، وضيوفًا ، وضيفانًا . و( الحلاب ) هنا هو : المحلوب ، وهو اللبن . وقد يقال على المحلب : حلاب . وهو : الإناء الذي يحلب فيه ، وقد تقدَّم في الطهارة . قلت : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) المقصود به : التمثيل ، وذم كثرة الأكل ، ومدح التقليل منه .
2064 - ( 187 و 188 ) [1950] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ . وفي رواية : ( سكت ) مكان ( تركه ) . و( قوله : ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا قط ) هذا من أحسن آداب الأكل ، وأهمها ، وذلك : أن الأطعمة كلها نعم الله تعالى ، وعيب شيء من نعم الله تعالى مخالف للشكر الذي أمر الله تعالى به عليها ، وعلى هذا : فمن استطاب طعامًا فليأكل ، ويشكر الله تعالى ؛ إذ مكنه منه ، وأوصل منفعته إليه . وإن كرهه ؛ فليتركه ، ويشكر الله تعالى ؛ إذ مكنه منه ، وأعفاه عنه ، ثم قد يستطيبه ، أو يحتاج إليه في وقت آخر فيأكله ، فتتم عليه النعمة ، ويَسْلَم مما يناقض الشكر .
2046 - ( 153 ) [1933] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ - أَوْ - جَاعَ أَهْلُهُ ، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : بيتٌ لا تمر فيه جياع أهله ) هذا إنما عنى به النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، ومن كان على حالهم ، ممن غالب قوتهم : التمر ، وذلك : أنه إذا خلا البيت عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى ، فيجوع أهله ؛ إذ لا يجدون شيئًا . ويصدق هذا القول على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد ، أو يكون الغالب فيه صنفًا واحدًا ، فيقال على بلد ليس فيه إلا البر : بيت لا بر فيه جياع أهله . ويفيد هذا التنبيه على مصلحة تحصيل القوت ، وادِّخاره ؛ فإنَّه أسكن للنفس غالبًا ، وأبعد عن التشويش .
( 11 ) باب النهي عن القران في التمر عند الجهد 2045- ( 150 و 151 ) [1932] عن جَبَلَةَ بْن سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ، وَكُنَّا نَأْكُلُ فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ - وَنَحْنُ نَأْكُلُ - فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْإِقْرَانِ ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ . قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ، يَعْنِي الِاسْتِئْذَانَ. وفي رواية : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ . ( 11 ) ومن باب : النهي عن القران في التمر ( الجهد )- بفتح الجيم - : المشقة ، وبالضم : الطاقة . و( قوله : نهى عن الإقران ) هكذا وقعت هذه اللفظة لجميع رواة مسلم هنا ، وليست بمعروفة ؛ أعني : لفظة الإقران ؛ فإنها وقعت رباعيَّة من : أقرن ، وصوابه : القران ؛ لأنَّه من : قرن ، يقرن - ثلاثيًّا كما جاء في الرواية الأخرى : أن يقرن . قال الفرَّاء : يقال : قرن بين الحج والعمرة ، ولا يقال : أقرن . قال غيره : إنَّما يقال : أقرن على الشيء : إذا قوي عليه ، وأطاقه . ومنه قوله تعالى : وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ؛ أي : مطيقين . قلت : غير أنه جاء في الصَّحاح : أقرن الدَّم في العرق ، واستقرن ؛ أي : كثر . فيحتمل أن يحمل الإقران المذكور في هذا الحديث على ذلك ، فيكون معناه : أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا أكل مع غيره . ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى ، والله أعلم . وقد حمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم مطلقًا . وهو منهم جهل بمساق الحديث وبالمعنى . وحمل الجمهور ، والفقهاء ، والأئمة هذا النهي على حالة المشاركة في الأكل والاجتماع عليه ، بدليل فهم ابن عمر راوي الحديث ذلك المعنى ، وهو أفهم للمقال ، وأقعد بالحال ، وبدليل قوله : إلا أن يستأذن الرجل أخاه . فإنَّ كان هذا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو نصٌّ في المقصود ، وإن كان من قول ابن عمر ؛ فكما قلناه . وقد علله الجمهور بعلتين : إحداهما : أن ذلك يدلّ على كثرة الشَّرَه ، والنَّهم . وبهذا عللته عائشة - رضي الله عنها - حيث قالت : إنها نذالة . وثانيتهما : إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقه على مشاركه ، وحكمهم في ذلك التساوي . و( قوله : إلا أن يستأذن أخاه ) . قال الخطابي : إن ذلك النهي إنما كان في زمنهم لما كانوا عليه من الضيق والمواساة ، فأمَّا اليوم : فلا يحتاجون إلى الاستئمار . قلت : وهذا فيه نظر ، وذلك أن الطعام إذا قُدِّم إلى قوم فقد تشاركوا فيه ، وإذا كان كذلك فليأكل كل واحد منهم على الوجه المعتاد على ما تقتضيه المروءة ، والنصفة من غير أن يقصد اغتنام زيادة على الآخر ، فإنَّ فعل وكان الطعام شركة بحكم الملك ؛ فقد أخذ ما ليس له ، وإن كان إنما قدَّمه لهم غيرهم ، فقد اختلف العلماء فيما يملكون منه . فإنَّ قلنا : إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم ؛ فكالأول . وإن قلنا : إنهم إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه ؛ فهذا سوء أدب ، وشَرَه ، ودناءة . فعلى الوجه الأول : يكون محرَّمًا ، وعلى الثاني : مكروها ؛ لأنَّه يناقض مكارم الأخلاق ، والله تعالى أعلم .
2057- ( 177 ) [1945] وعنه ؛ قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا. قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ. فَانْطَلَقَ، وَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِئْنَا بِقِرَاهُمْ، قَالَ: فَأَبَوْا، فَقَالَوا: حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا، فَيَطْعَمَ مَعَنَا، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذًى. قَالَ: فَأَبَوْا، فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالَ: قَالَوا: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَغْنَا، قَالَ: أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي إِلَّا جِئْتَ. قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا لِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ، قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ. قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَقَالَوا: فَوَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: فقال : مَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ. وَيْلَكُمْ، مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْأُولَى مِنْ الشَّيْطَانِ، هَلُمُّوا قِرَاكُمْ. قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَرُّوا وَحَنِثْتُ، قَالَ: فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ. قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ . 2059 - [1946] وعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ . 2058 - [1947] وفي الباب عن أبي هريرة ؛ ولم يذكر الثمانية . وقول أبي بكر : ( ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم ) قال عياض : بتخفيف اللام على التحضيض واستفتاح الكلام عند الجمهور . قلت : ويلزم على هذا ثبوت النون من ( تقبلون ) إذ لا موجب لحذفها مع الاستفتاح . و( ما لكم ؟ ) : استفهام إنكار . وعند ابن أبي جعفر بتشديدها على زيادة ( لا ) ، كما قال تعالى : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ و مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ وقول أبي بكر : ( بَرُّوا وحنثت ) يعني بذلك : أضيافه ؛ لأنَّهم لم يأكلوا حتى أكل معهم ، فبرُّوا في يمينهم ، وحنث هو في يمينه ، حيث أكل معهم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنت أبَرُّهم ، وأخيرهم ) أي : أحقهم بذلك في هذه القصة ، ومطلقًا . وقد أتى بـ ( أخيرهم ) على الأصل المطرح . وتأمل ما فيه من أبواب الفقه .
( 19 ) باب الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد وإن كان دون الكفاية 2057- ( 176 ) [1944] عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَرَّةً: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ. أَوْ كَمَا قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ. قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا، لَا هَنِيئًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى شَبِعْنَا ، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ. قَالَ: فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ، فَعَرَّفْنَا اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا منهم ، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، قَالَ : إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ. أَوْ كَمَا قَالَ . و( الصُّفة ) : سقيفة المسجد ، كانت منزلًا للغرباء والمهاجرين ، وكانوا ضيف الإسلام ، وكانوا يحتطبون في النهار ، ويسوقون الماء لأبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم ويقرؤون القرآن بالليل ، ويصلُّون . هكذا وصفهم البخاري وغيره . و( قوله : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ) هكذا صحَّت الرواية فيه عن جميع رواة مسلم . والصواب : ( بثالث ) لأن البخاري ذكره : بثالث ؛ ولأن بقية الحديث تدل عليه ؛ إذ قال : ( ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس ، بسادس ) ولأنه إن حمل على ظاهره فسد المعنى ، وذلك : أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدًا منهم ، فلا يرد جوعًا ، ولا يمسك لأحدهم رمقًا . فاقتصار الاثنين على طعامهما كان أصلح ؛ لأنَّه كان يرد جوعهما ، ويمسك رمقهما ، وذلك بخلاف الواحد فإنَّه يتحمل الاثنان أكله ، ولا يجحف بهما ، ونحو ذلك في تشريك الاثنين في طعام الأربعة لا يجحف بهم ، وكذلك الخامس بسادس لمن كان عنده طعام أربعة . وفي ذلك كانت المواساة واجبة لشدَّة الحال . والحكم كذلك مهما وقعت شدَّة بالمسلمين ، والله الكافي والواقي . و( قوله : يا غنثر ! فجدَّع ، وسبَّ ) هو بضم الغين المعجمة ، وفتح الثاء المثلثة وضمها . وهو : الجاهل . مأخوذ من الغثارة ، وهي : الجهل . وقيل : من الغثر ، وهو : اللوم . وعلى هذين : فالنون فيه زائدة . قال : كسراع الغنثر : ذباب أزرق . قلت : والحاصل : أنها كلمة ذمّ وتنقيص . وقد روى الخطابي هذا الحرف بالعين المهملة ، والتاء باثنتين من فوقها ، وقال : هو الذباب ؛ تحقيرًا له . وقيل : هو الأزرق منه . و( قوله : جدَّع ) أي : دعا عليه بالجدع ، وهو قطع الأنف . وقال أبو عمرو الشيباني : معناه : سبَّ . يقال : جادعته مجادعة : ساببته . قلت : وهذا فيه بُعدٌ ؛ لقوله : ( جدَّع وسبَّ ) ، فلو كان كما قال لكان تكرارًا لا فائدة له . والأول أصوب . وكل ذلك أبرزه من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - على عبد الرحمن ظن : أنه فرط في الأضياف ، فلما تبين له : أنه لم يكن منه تفريط ، وأنَّه إنما كان ذلك امتناعًا من الأضياف : أدَّبهم بقوله لهم : ( لا هنيئًا ) . وحلف لا يطعمه . وذلك : أن هؤلاء الأضياف تحكموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم ، وقالوا : لا نأكل حتى يحضر أبو منزلنا ، فنكدوا على أهل المنزل . ولا يلزم حضور ربِّ المنزل مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه ، فقد يكون في مهم من أشغاله لا يمكنه تركه ، فهذا منهم جفاء . لكن حملهم على ذلك : صدق رغبتهم في التبرُّك بمؤاكلته ، وحضوره معهم . فأبوا حتى يجيء ، وانتظروه ، فجاء فصدر منه ذلك ، فتكدَّر الوقت ، وتشوش الحال عليهم أجمعين . وكانت نزغة شيطان ، فأزال الله تعالى ذلك النكد بما أبداه من الكرامة ، والبركة في ذلك الطعام ، فعاد ذلك النكد سرورًا ، وانقلب الشيطان مدحورًا ، وعند ذلك عاد أبو بكر - رضي الله عنه - إلى مكارم الأخلاق ، فأحنث نفسه ، وأكل مع أضيافه ، وطيَّب قلوبهم ، وحصل مقصودهم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ) . وقول أبي بكر لامرأته - وهي : أم رومان - : ( يا أخت بني فراس ! ) هو ابن غنم بن مالك بن كنانة ، وهي من ولده . وقولها في جواب أبي بكر : ( لا ، وقرَّة عيني لهي الآن أكثر ) أي : ما نقصت شيئًا ، بل زادت . فحذفت اختصارًا ؛ قاله عياض . قلت : والأولى أن يقال : إنها أقسمت بما رأت من قرة عينها بكرامة الله تعالى لزوجها ، وافتتحت الكلام بـ ( لا ) الزائدة . كقوله تعالى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وما في معناه ، وكقول الشاعر : فلا وأبيك ابنةَ العامري لا يدَّعي القومُ أني أَفِرّ و( قرَّة العين ) : ما يسر به الإنسان ، مأخوذ من القرّ ، وهو : البرد ، وقد تقدَّم ذلك . و( قوله : فعرَّفنا اثني عشر رجلًا ) مشدَّد الراء من عرفنا ؛ أي : جعلنا عرفاء ؛ أي : نقباء على قومهم ، وسُمُّوا بالعرفاء : لأنَّهم : يعرفون الإمام بأحوال جماعتهم . وسُمُّوا بالنقباء : لأنهم ينقبون عن أخبار أصحابهم . والله تعالى أعلم .
( 18 ) باب يخبأ لمن غاب من الجماعة نصيبه 2056 - [1943] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟. فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ؟. أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةٌ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى. قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، مَا مِنْ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ. قَالَ: وَجَعَلَ قَصْعَتَيْنِ ، فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ . و( قوله : مشعان طويل ) هو بضم الميم ، وشين معجمة ، وتشديد النون ؛ أي : منتفش الشعر . يقال : اشعان الشعر ، اشعينانا : إذا انتفش . و( سواد البطن ) هو الكبد . وقيل : هو جميع الحشا . وفيه بُعد . ( وايم الله ) : قسم بيمن الله ، وبركته ، وألفه ألف وصل ، وفيه لغات قد ذكرت ، وهذا قول سيبويه . وقال الفراء : ألفه ألف قطع ، وهي عنده : جمع يمين . والذي قاله سيبويه أولى سماعًا ، وقياسًا بدليل الحذف الذي دخل الكلمة في اللغات التي رويت فيها . و( حزَّ ) : قطع . والحزة ، بضم الحاء : القطعة . وفي هذا الحديث شاهدان بنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - : أحدهما : في الكبد ، والثاني : في الشاة .
( 12 ) باب بركة عجوة المدينة وأنها دواء 2047- ( 154 و 155 ) [1934] عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ . وفي رواية : مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ . 2048 - [1935] وعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، وإِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ . ( 12 و 13 و 14 و 15 ) ومن باب : بركة عجوة المدينة والكمأة قوله : ( من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره ذلك اليوم سُمٌّ ) ، وفي أخرى : ( من تصبَّح في سبع تمرات عجوة لم يضرُّه ذلك اليوم سُمٌّ ، ولا سحر ) ، ولم يذكر : مما بين لابتيها . قد تقدم الكلام في اللابة ، وأنها الحجارة السود التي في المدينة . وأعاد الضمير على المدينة ، ولم يجر لها ذكر في اللفظ ، لكنه مما يدل الحال ، والمشاهدة عليه . ومطلق هاتين الروايتين مقيَّد بالأخرى ، فحيث أطلق العجوة هنا إنما أراد به عجوة المدينة ، وكذلك في حديث عائشة : لما أطلق العالية فمراده به : المدينة وجهاتها . ومعنى تصبَّح : أكل عند الصباح ، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى ، وهذا على طريقة : تغدى ، وتعشى ، وتسحر : إذا أكل في تلك الأوقات . وظاهر هذه الأحاديث : خصوصية عجوة المدينة بدفع السُّم ، وإبطال السحر . وهذا : كما توجد بعض الأدوية مخصوصة ببعض المواضع ، وببعض الأزمان . وهل هذا من باب الخواص التي لا تدرك بقياس طبي ، أو هو مما يرجع إلى قياس طبي ؛ اختلف علماؤنا فيه ، فمنهم من تكلَّفه وقال : إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها ، فإذا دام على التصبُّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة ، واستعانت بها الحرارة الغريزية ، فقابل ذلك برودة السُّم ما لم يستحكم ، فبرأ صاحبه بإذن الله تعالى . قلت : وهذا يرفع خصوصية عجوة المدينة ، بل خصوصية العجوة مطلقًا ، بل خصوصية التمر ، فإنَّ هناك من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك منه ، كما هو معروف عند أهله . والذي ينبغي أن يقال : إن ذلك خاصة عجوة المدينة كما أخبر به الصادق - صلى الله عليه وسلم ثم هل ذلك مخصوص بزمان نطقه - صلى الله عليه وسلم - أو هو في كل زمان ؟ كل ذلك محتمل ، والذي يرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة ، فإنَّ وجدنا ذلك كذلك في هذا الزمان ؛ علمنا أنها خاصة دائمة ، وإن لم نجده مع كثرة التجربة ؛ علمنا أن ذلك مخصوص بزمان ذلك القول . والله تعالى أعلم . وأما تخصيصه بسبع : فخاصية لهذا العدد قطعًا ، وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواطن كثيرة ؛ منها : قوله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه : ( صبوا علي من سبع قرب ) ، ومنها : غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا . ومنها : قوله للرَّجل المريض الذي وجهه للحارث بن كلدة وقال : ( ليأخذ سبع تمرات ، وليلده بهن ) وتعويذه سبع مرات . ومثله كثير . وقد جاء هذا العدد في غير الطب ؛ كقوله تعالى : سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ و سَبْعٌ عِجَافٌ وسبع كسبع يوسف ، و وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ وكذلك السبعون ، والسبعمائة قد جاء في مواضع كثيرة . فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي فذلك بخاصية لا يعلمها إلا الله ، ورسوله ، ومن أطلعه الله عليها . وأما ما جاء لا في معرض التداوي . فقال بعض اللغويين : العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة وإن لم تُرد عددًا بعينه ، ولا حصرًا . والله أعلم . و( الترياق ) : دواء مركب معلوم ، ينفع من السُّموم ، ويقال عليه : درياق ، وطرياق ، وترياق .
( 17 ) باب إطعام الجائع وقسمة الطعام على الأضياف عند قلته ، وبركة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2062 - [1942] عَنْ الْمِقْدَادِ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنْ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا. قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي صدري، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ؟ وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي. قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هِيَ حَافِل، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمْ اللَّيْلَةَ؟. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ، أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا؟. قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنْ النَّاسِ . و( قول المقداد : قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا ) أي : ضعفت حتى قاربت الذهاب . و( قوله : فجعلنا نعرض أنفسنا ) أي : نتعرَّض لهم ليطعمونا ، وذلك لشدة ما كانوا عليه من الجوع ، والضعف . و( قوله : فليس أحدٌ منهم يقبلنا ) أي : يطعمنا . وظاهر حالهم : أن ذلك الامتناع ممن تعرضوا له إنَّما كان لأنهم ما وجدوا شيئًا يطعمونهم إيَّاه ، كما اتفق للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث طلب جميع بيوت نسائه ، فلم يجد عندهم شيئًا ؛ فإنَّ الوقت كان شديدًا عليهم . و( قوله : فيسلِّم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ، ويسمع اليقظان ) فيه دليل على مشروعية السَّلام عند دخول البيت . وقد استحبَّه مالك . وأن ذلك مما ينبغي أن يكون برفق ، واعتدال . و( الجرعة ) : الشربة الواحدة - بضم الجيم - وبالفتح : المصدر المحدود . و( قوله : وغلت في بطني ) أي : دخلت ، فكل من دخل في شيء فهو واغل فيه . ومنه قول الشاعر : فاليوم أشربُ غير مُسْتَحْقب إثْمًا من الله ولا واغل يقال : وغَلْتُ ، أُغِلَ ، وغولا ، ووغلًا . وهو ثلاثي . فأمَّا ( أوغل ) : رباعيًّا ، فهو بمعنى : السَّير الشديد ، والإمعان فيه ، قاله الأصمعي . ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن هذا الدِّين متين ، فأوغل فيه برفق ) أي : فسر فيه برفق . و( الشَّملة ) : كساء صغير يشتمل به ؛ أي : يُلتحف به على كيفية مخصوصة ، قد ذكرناها في الصلاة . و( قوله : ثم أتى المسجد ) يعني به - والله أعلم - : مسجد بيته ، أي : حيث كان يصلِّي النوافل . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لما لم يجد شيئًا : ( اللهم أطعم من أطعمني ، وأسق من سقاني ) يدلّ على كرم أخلاقه ، ونزاهة نفسه - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ لم يسأل عن نصيبه ، ولم يُعرّج على ذلك ، لكنَّه دعا الله تعالى . و( سقاني ) بمعنى يسقيني . و( من أطعمني ) بمعنى : يطعمني . ولما فهم المقداد منه الدعاء ، وطلب أن يفعل الله ذلك معه في الحال ؛ عرف : أن الله يجيبه ، ولا يرد دعوته ، لا سيما عند شدَّة الحاجة ، والفاقة . فقام لينظر له شيئًا تكون به إجابة دعوته ، فوجد الأعنز حفلًا ؛ أي : ممتلئة الضروع باللبن . و( الرَّغوة ) بضم الراء : ما يعلو اللبن عند الصب والحلب . و( رَوِي ) بكسر الواو ، وتحريك الياء في الماضي ، يروَى بفتح الواو وسكون الياء : في الشرب . فأما ( رَوَى ) بفتح الواو في الماضي ، وكسره في المستقبل : فهو في رواية الأخبار . ويقال أيضًا بمعنى : الاستقاء على الإبل . وهذا الحديث من دلائل نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم و( قوله : فضحكت حتى ألقيت إلى الأرض ) كذا قيدناه مبنيًا لما لم يسم فاعله . وقد وجدناه في بعض النسخ : ( ألقيت ) مبنيا للفاعل ؛ أي : ألقيت نفسي إلى الأرض من شدَّة الضحك . ولما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - منه ذلك كره ذلك ، وقال له : ( إحدى سوآتك يا مقداد ) أي : هذه الحالة حالة سيئة من جملة حالاتك التي تسوء ؛ منكرًا لذلك ؛ لأن كثرة الضحك تميت القلب ، كما قاله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر . فلما أخبره المقداد بما جرى له ، وبما أجاب الله من دعوته قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما هذه إلا رحمة من الله ) معترفًا بفضل الله تعالى ، وشاكرًا لنعمته ، ومقرًّا بمنته ، فله الحمد أولًا وآخرًا ، وباطنًا وظاهرًا .
2050 - [1937] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَنَحْنُ نَجْنِي الْكَبَاثَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ. قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ، قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا ؟ ! أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنْ الْقَوْلِ. و( الكباث ) : هو النضيج من ثمر الأراك . قاله الأصمعي . وقال غيره : الصواب : إن الكباث هو الذي لم ينضج ، و( المرْد ) : هو الذي نضج ، واسود . وأنشد : وغيَّر ماء المرْد فاها فلونه كلون النؤور وهي أدماءُ سارها أي : سائرها . وقد حكي أيضًا عن الأصمعي . وحكي عن ابن الأعرابي : أن الذي لم يسود هو الكباث ، والأسود : هو البرير ، وجماعه ( المرد ) . وعن مصعب : أن المرد هو إذا ورَّد ؛ فإذا اخضر فهو الكباث ، فإذا اسود فهو البرير . و( قوله : كأنك رعيت الغنم ؟ قال : نعم . وهل من نبي إلا رعاها ؟ ) قد تقدَّم الكلام على هذا ، وحاصله راجع : إلى أن الله تعالى درَّب الأنبياء على رعاية الغنم ، وسياستها ؛ ليكون ذلك تدريجًا إلى سياسة الأمم ؛ إذ الراعي يقصد مصلحة الغنم ، ويحملها على مراشدها ، ويقوم بكلفها وسياستها . ومن تدرَّب على هذا وأحكمه ؛ كان متمكنًا من سياسة الخلق ورحمتهم ، والرفق بهم . وكانت الغنم بهذا أولى لما خص به أهلها من السكينة ، وطلب العافية ، والتواضع . وهي صفات الأنبياء ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( السكينة في أهل الغنم ، والفخر والخيلاء في أهل الإبل ) .
( 13 ) باب الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين ، واجتناء الكباث الأسود 2056 - [1936] عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ . وفي رواية : مِنْ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى . و( قوله : الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل ) الكمء للمفرد ، والكمأة للجمع ، على عكس شجرة وشجر . هكذا حكى أهل اللغة ، وظاهر هذا اللفظ : أنها مما أنزل الله على بني إسرائيل ؛ مما خلقه الله تعالى لهم في التيه ، وذلك أنه كانوا ينزل عليهم في أشجارهم مثل السكر . ويقال : هو الطرنجبين ، وهو المنُّ في قول أكثر المفسرين . وعلى ظاهر هذا الحديث تكون الكمأة أيضًا مما خلق لهم في مواضع نزولهم . وقيل : الكمء من المن ، بمعنى : يشبهه من حيث : أن الكمأة تطلع من عند الله تعالى من غير كلفة منا ببذر ، ولا حرث ، ولا سقي ، كما أن المنِّ ينزل عليهم عفوًا من غير سبب منهم . و( قوله : وماؤها شفاء للعين ) قال القاضي : قال بعض أهل العلم بالطب في معنى هذا الحديث : إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة ، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها .
( 16 ) باب الأكل مع المحتاج بالإيثار 2054 - ( 172 و 173 ) [1941] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ في رواية : يقال له أبو طلحة ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ . فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: عَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئْي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ . وفي رواية : فنزلت : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . ( 16 و 17 و 18 و 19 ) ومن باب : الأكل مع المحتاج بالإيثار ( قول الرَّجل : إني مجهودٌ ) أي : قد أُصبنا بجهد . وهو هنا : المشقة ، والجوع . و( قول أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليس عندنا إلا ماء ) يدلّ على شدة حالهم ، وضيق عيشهم . وكان هذا - والله أعلم - في أول الأمر . وأما بعد ذلك لما فتحت خيبر ، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبس لأهله قوت سنتهم . ويحتمل أن يكون بعد ذلك ، وأن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كنَّ يتصدَّقن بما كان عندهن ، ويؤثرن غيرهن بذلك ويبقين على ما يفتح الله تعالى ، ولا يطلبن من النبي - صلى الله عليه وسلم - لسقوط ذلك عنه بالذي دفع لهنَّ . و( قوله : عجب الله من صنيعكما بضيفكما ) أي : رضي بذلك ، وعظَّمه عند ملائكته ، كما يباهي بأهل عرفة الملائكة . وهذا الحديث يدلّ على فضل أبي طلحة ، وأهل بيته - رضي الله عنهم وأنَّهم المعنيون بقوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ و( الخصاصة ) : الجوع والفاقة .
( 15 ) باب كراهية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثوم 2053 - ( 171 ) [1940] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَنَحَّوْا ، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السُّفْلُ أَرْفَقُ. فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ. قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى . يعني : يأتيه الوحي . و( قوله : أحرام الثوم ؟ ) هذا سؤال من يعتقد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ترك أكل شيء جرت العادة بأكله كان ذلك دليلًا على تحريمه ، ولذلك أجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( لا ) ، وهو رد على من يقول من أهل الظاهر : إنه حرام ، يمنع حضور الجماعات للصلاة . وقد تقدم الكلام على هذا في كتاب الصلاة . و( قوله : ولكني أكرهه ) هذا يدل : على كراهة أكل الثوم وإن كان مطبوخًا . وقد تقدم قول عمر - رضي الله عنه - فمن أكلهما فليمتهما طبخًا . وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكرههما مطلقًا لخصوصيته بمناجاة الملائكة ، ولذلك قال في بعض الحديث : ( فإني أناجي من لا تناجي ) . و( قول أبي أيوب : فإني أكره ما تكره ) فيه جواز الامتناع من المباح ، وإطلاق اسم الكراهة عليه ، وإن لم يكن مطلوب الترك . وإنما تحرج أبو أيوب من البقاء في العلو الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت ؛ إعظامًا للرسول - صلى الله عليه وسلم واحتراما عن أن يعلوه ، ولإمكان أن يسقط من العلو شيء عند حركتهم في العلو ، فيؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : السُّفل أرفق بنا ) يعني بذلك من جهة الصعود إلى العلو ، وبما يلحق في تكرار ذلك من المشقة ، ومع ذلك فتجشمها النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى صدق أبي أيوب في احترامه ، وعزمه على ألا يسكن العلو بوجه ، فلو لم يجبه إلى ذلك لانتقل منه أبو أيوب إلى موضع آخر ، وربما تكثر عليه المشقة ، والحرج ، فآثر موافقته على المشقة اللاحقة له في الصعود . و( قوله : كان - صلى الله عليه وسلم - يؤتى ) قد فسَّره الراوي بقوله : يعني : يأتيه الوحي . ومعناه : يؤتى بالوحي ؛ أي : يجاء إليه به . والوحي : ما يبلّغه عن الله تعالى مما يبلغه جبريل - عليه السلام
2052 - ( 169 ) [1939] وعنه ؛ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيَّ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي ، فَانْطَلَقْنَا ، حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟. قَالَوا: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ، فَوُضِعْنَ عَلَى بتي ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟. قَالَوا: لَا، إِلَّا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الْأُدُمُ هُوَ . وفي رواية : قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن نافع : مَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ جَابِرٍ. و( قول جابر : فدخلت الحجاب عليها ) ظاهره : أن هذا كان بعد نزول الحجاب ، غير أنه ليس فيه : أنه رآها ، فقد تستتر بثوب آخر ، أو بحجاب آخر . ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب . و( قوله : فأتي بثلاثة أقرصة فوضعن على بتي ) كذا ضبطه الصدفي ، والأسدي بباء واحدة مفتوحة ، وبعدها تاء باثنتين من فوقها مكسورة ، مشدَّدة ، وبعدها : ياء باثنتين من تحتها مشدَّدة ، منوَّنة . قلت : ( والبت ) : كساء من وبر أو صوف . قال الشاعر : من كان ذا بَتٍّ فهذا بَتِّي مُصَيِّفٌ مُقَيِّظٌ مُشَتِّي وكأن الذي وضعت القرصة عليه منديل من صوف ، وكذلك عند ابن ماهان ، غير أنه فتح التاء ، وعند الطبري : ( بُني ) بضم الباء ، بعدها نون مكسورة مشددة ، والياء المشدَّدة . قال الكناني : وهو الصواب ، وهو : طبق من خوص . قال ابن وضاح : ( بُني ) : طبق ، أو مائدة من خوص ، أو حلفاء . ووقع في بعض النسخ : ( على نبيء ) بتقديم النون مفتوحة ، وكسر الباء بواحدة بعدها . وقيل في تفسيره : إنَّه مائدة من خوص . قال ثعلب : النبيئة شيء مدوَّر يعمل من خوص وشريط . وقسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأقرصة الثلاثة نصفين يدلّ : على جواز فعل مثل ذلك مع الضيف ، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله ، وإيثاره الضيف عند قلَّة الطعام ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإنَّ الذي قدم إليه كان غداءه ؛ فإنَّ أقرصتهم صغار ، لا سيما في مثل ذلك الوقت ، ومع ذلك فشرك فيه الغير وفاء بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( طعام الواحد كافي الاثنين ، وطعام الاثنين كافي الثلاثة ) .
( 14 ) باب نعم الإدام الخل 2052 - ( 166 ) [1938] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ . فَقَالَوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ . و( قوله : نعم الإدام الخل ) الإدام : كل ما يؤتدم به ؛ أي : يؤكل به الخبز مما يطيبه ، سواء كان مما يصطبغ به كالأمراق ، والمائعات ، أو مما لا يصطبغ به ، كالجامدات : كاللحم ، والبيض ، والجبن ، والزيتون ، وغير ذلك . هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفًا وخلفًا . وشذَّ أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف ، فقالا في البيض ، واللحم المشوي ، وشبه ذلك مما لا يصطبغ به : ليس شيء من ذلك بإدام . وينبني على هذا الخلاف الخلاف فيمن حلف ألا يأكل إدامًا فأكل شيئًا من هذه الجامدات . فحنَّثه الجمهور ، ولم يحنِّثه أبو حنيفة ولا صاحبه . والصحيح : ما صار إليه الجمهور ، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد وضع تمرة على كسرة وقال : ( هذه إدام هذه ) ، وبدليل قوله أيضًا - وقد سُئل عن إدام أهل الجنة أول ما يدخلونها - فقال : ( زيادة كبد الحوت ) .
( 27 ) كتاب آداب الأطعمة ( 1 ) باب التسمية على الطعام 2017- [1909] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا، لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّما تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ ليَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا . وفي رواية : كأنما تطرد ، مكان : تدفع ، وكذلك في الأعرابي . وفيها : ثم ذكر اسم الله وأكل . 2018 - [1910] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ . ( 27 ) كتاب الأطعمة ( 1 ) باب : التسمية ( قول حذيفة : كنا إذا حضرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) هذا تأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم وكذلك ينبغي أن يتأدب مع الفضلاء ، والعظماء ، والعلماء ، فلا يبدأ بطعام ، ولا شراب ، ولا أمر من الأمور التي يشاركون فيها قبلهم . و( قوله : فجاءت جارية كأنما تدفع ) الجارية في النساء كالغلام في الذكور ، وهو ما دون البلوغ . و( تدفع ) أي : يدفعها دافع ؛ يعني : أنها جاءت مسرعة ، كما قال في الرواية الأخرى : ( كأنما تُطرد ) ، وكذلك فعل الأعرابي . وكل ذلك إزعاج من الشيطان لهما ؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبي - صلى الله عليه وسلم وقبل التسمية ، فيصل إلى غرضه من الطعام . ولما اطَّلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك أخذ بيديهما ويدي الشيطان منعًا لهم من ذلك . ففيه ما يدلّ على مشروعية التسمية عند الطعام والشراب ، وعلى بركتها ، وعلى أن للشيطان يدًا ، وأنه يصيب من الطعام إذا لم يذكر الله تعالى عليه . وهل هذه الإصابة أكل كما قد نصَّ عليه حيث قال : ( فإنَّ الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله ) وهو الظاهر . أو يكون شَمًّا للطعام يحصل له به من التغذي كنحو ما يحصل لنا به من الأكل . قد قيل كل ذلك ، وهو محتمل ، والقدرة صالحة . واستحلال الشيطان الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه إنما هو عبارة عن تناوله منه على نحو ما ذكرناه . وقيل : هو استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام . وروي عن وهب بن منبه أنه قال : هم أجناس ؛ فخالص الجن لا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا يتناكحون ، هم ريح . ومنهم أجناس يفعلون ذلك كلَّه ، ويتوالدون ، ومنهم : السعالي ، والغيلان ، والقطاربة .
( 5 ) باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر 1968 - ( 20 - 22 ) [1961] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى . وفي رواية : فنذكي بالليط ؟ قَالَ: أَعْجِلْ، أَوْ أَرْنِي ، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ. قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ فَاصْنَعُوا بِهِ هكذا . ( 5 ) ومن باب : الذبح بما أنهر الدَّم قولهم : ( إنا لاقو العدو غدًا ، وليست معنا مدى ؟ فنُذَكِّي باللِّيط ) وهو قطع القصب ، والشَّصير : قطعة العصا ، والظُّرَرُ : قطعة الحجر ، ويجمع : ظِرَّان ، كما قال امرؤ القيس : تَطايَرُ ظِرانُ الْحَصَى بمناسِمٍ ويقال عليها : المروة أيضًا ، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث : أفنذكِّي بالمروة ؟ مكان ( اللَّيط ) . والشِّظاظ : فِلقة العود . فهذه كلُّها إذا قطع بها الودجان والحلقوم جازت الذبيحة ؛ غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشِّفار وما يتنزل منزلتها ؛ لما تقدَّم من الأمر بحدِّ الشِّفار ، وتحسين الذَّبح ، والنهي عن تعذيب البهائم . وقد نبَّه مالك على هذا لما ترجم على الذكاة بالشِّظاظ ما يجوز من الذكاة على الضرورة . ومعنى هذا السؤال : أنهم لما كانوا عازمين على قتال العدو صانوا ما عندهم من السِّيوف ، والأسنة ، وغير ذلك عن استعمالها في الذَّبح ؛ لأنَّ ذلك ربما يفسد الآلة ، أو يعيبها ، أو ينقص قطعها ، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعِدَّة للذَّبح ، فسألوا : هل يجوز لهم الذبح بغير محدَّد السِّلاح ؛ فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقتضي الجواز . وقد دخل في هذا العموم : أن كل آلة تقطع ذبحًا أو نحرًا فالذكاة بها مبيحة للذبيحة ، والحديد الْمُجْهِز أولى لما تقدَّم . ولا يستثنى من الآلات شيء إلا السنُّ ، والظُّفُر على ما يأتي . و( قوله : وذكر اسم الله ) ظاهر قوي في كون شرطًا في الإباحة ؛ لأنَّه قرنها بالذَّكاة المشترطة ، وعلَّق الإباحة عليهما ، فقد صار كل واحد منهما شرطًا ، أو جزء شرط في الإباحة . وقد تقدَّم هذا . والرواية الصحيحة المشهورة : أنهر بالرَّاء . وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف - بالزاي والنَّهز : بمعنى : الدَّفع . وهذا توجيهٌ للتصحيف ، فلا يُلتفت إليه . و( قوله : ليس السِّنّ ، والظُّفُر ) ليس هنا للاستثناء ، بمعنى : إلا . وظاهر هذا : أنه لا تجوز الذكاة بهما على حال ، سواء كانا متصلين بالمذكِّي ، أو منفصلين عنه . قال القاضي أبو الحسن : وهذا الظاهر من قول مالك من رواية ابن الموَّاز عنه . وروى ابن وهب عنه الجواز مطلقًا . وقيل : بالفرق بين المتصل منهما ، فلا تجوز الذَّكاة به ، وبين المنفصل ؛ فتجوز الذكاة به ، قاله ابن حبيب . فالأول : تمسُّك بالعموم ، والثاني : نظرٌ للمعنى ؛ لأنَّه يحصل بهما الذبح . وهو ضعيف ؛ لأنَّه تعطيل للاستثناء المذكور في الحديث . والثالث : تمسُّك بأن الظُّفُر المتصل خنق ، والسِّن المتصل نَهْشٌ . وربما جاء ذلك في بعض الحديث . والمنفصل ليس كذلك ، فجازت الذَّكاة به . والصحيح : الأول ، وما عداه ، فليس عليه مُعوَّلٌ . و( قوله : وسأحدِّثُك ، أمَّا السِّنُّ : فعظمٌ . وأمَّا الظُّفُر : فمدى الحبش ) ظاهر هذا : أنَّه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو تنبيه على تعليل منع التذكية بالسِّنُّ ، لكونه عظمًا ، فيلزم على هذا : تعدية المنع من السِّنِّ إلى كل عظم ، من حيث : إنَّه عظم ؛ متصلًا كان ، أو منفصلًا . وإليه ذهب النخعي ، والحسن بن صالح ، والليث ، والشافعي . وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاة بالعظم ، والظُّفر كيف كانا ، وأجازوه بما عدا ذلك للحديث . وهو أحد أقوال مالك ، كما تقدَّم . وروي عن مالك التفريق بين السِّن والعظم . فأجازها بالعظم ، وكرهها بالسنِّ ، وهو مشهور مذهبه . و( قوله : وأمَّا الظُّفُر فمدى الحبش ) يعني : أن الحبش يذبحون بأظفارهم ، ولا يستعملون السَّكاكين في الذَّبح ؛ فمَنَعَنا الشرع من ذلك ؛ لئلا نتشبَّه بهم . فقيل : إنهم يغرزون أظفارهم في موضع الذبح ، فتنخنق الذبيحة . وعلى هذا : فيكون محل المنع إنَّما هو الظُّفر المتصل ، ويكون حجَّة لما صار إليه ابن حبيب من ذلك . وقد روى حديث رافع هذا غيرُ من ذكرناه ، وقال فيه : ( ما فرى الأوداج وذكر اسم الله عليه فكُلْه ) أي : ما قطع . وظاهره : الاقتصار في الذكاة على الودجين خاصَّة . وقال بذلك قومٌ منهم : ابن عبَّاس ، وعطاء . وقد روي عن مالك : أنَّه قال فيما قطعت أوداجه : أنَّه قد تَمَّت ذكاته . ومشهور مذهبه ومذهب أصحابه : اشتراط قطع الحلقوم ، والودجين ، وهو قول الليث . وحكى عنه البغداديون : أنه يشترط قطع أربع : الثلاثة المذكورة ، والمري . وهو قول أبي ثور . ثمَّ اختلف أصحاب مالك في قطع أحد الودجين والحلقوم . هل هو ذكاة ، أو لا ؟ على قولين . وذهب الشافعي : إلى اشتراط الحلقوم والمري دون الودجين ، لكن في تمامها الودجان ، ولا يجزيان دون الحلقوم والمري . والناس مجمعون : على أن الذَّبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة ؛ فقد تَمَّت الذكاة . واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن ؛ هل ذلك ذكاة أم لا ؟ على قولين . وقد روي عن مالك : أنها لا تُؤكل ، وقد تمسك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أنهر الدَّم ) من يجيز نحر ما يذبح ، وذبح ما ينحر ، وأن النَّحر والذبح ذكاة للجميع لإنهاره الدَّم . وهو قول عامَّة السلف ، والعلماء ، وفقهاء الأمصار ، وأشهب من أصحابنا . ومالك كره أكله مرة ، وأخرى حرَّمه . قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدًا حرَّم أكل شيء من ذلك كُلِّه ، ولم يختلفوا : أن الذبح أولى في الغنم ، والنحر أولى في الإبل ، والتخيير في البقر . وقيل : الذبح أولى ؛ لأنَّه الذي ذكره الله تعالى . و( قوله : أَعْجِل وأَرني ) هذا الحرف وقع في كتاب البخاري ، ومسلم ، وأبي داود . واختلف الرواة في تقييده على أربعة أوجه : الأول : قيَّده النَّسفي ، وبعض رواة البخاري : أَرِنْ . بكسر الراء ، وسكون النون ؛ مثل : أَقِم . الثاني : قيَّده الأصيلي : أَرِني . بكسر النون بعدها ياء المتكلم . الثالث : قيَّده بعض رواة مسلم كذلك إلا أنَّه سكَّن الراء . الرابع : قيَّده في كتاب أبي داود بسكون الراء ، ونون مطلقة . هذه التقييدات المنقولة . قال الخطابي : وطالما استثبتُّ فيه الرواة ، وسألت عنه أهل العلم ، فلم أجد عند أحد منهم ما يقطع بصحته . تنبيه : قال بعض علمائنا في الوجه الأول : هو بمعنى : قد أنشط وأسرع . فهو بمعنى : أَعْجل . فكأنَّه يشير إلى أنَّه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أي اللفظين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم قلت : وهذه غفلة ؛ إذ لو كان من الأَرَنِ الذي بمعنى النشاط ؛ للزم أن يكون مفتوح الراء ؛ لأنَّ ماضيه : أَرِن ، ومضارعه : يأرن . قال الفرَّاء : الأَرَن : النشاط . يقال : أَرِنَ البعير بالكسر ، يأرن بالفتح أرنًا : إذا مرح مرحًا ، فهو آرِنٌ ؛ أي : نشيط . وقياس الأمر من هذا أن تُجتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة وتفتح الراء ، فيقال : اِئْرَنْ كـ ( ائذن ) ، من أَذِنَ يأذن . ولم يُرْوَ كذلك . وأمَّا تقييد الأصيلي : فقال بعضهم : يكون بمعنى : أَرِني سيلان الدم . قلت : وعلى هذا فيبُعدُ أن تكون ( أو ) للشك ، بل للجمع بمعنى الواو على المذهب الكوفي ؛ فإنَّه طلب الاستعجال ، وأن يريه دم ما ذبح . وما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء : هو تخفيفٌ للراء المكسورة وهي لغة معروفة ، قرأ بها ابن كثير . وأما ما وقع في كتاب أبي داود : فقيل : هو بمعنى : أَدِم الحزَّ ، ولا تفتر . من : رنوت ؛ أي : أدمت النظر . قلت : ويلزم على هذا : أن تكون مضمومة النُّون ؛ لأنه أمرٌ من : رنا ، يرنو ، فتحذف الواو لبناء الأمر ، ويبقى ما قبلها مضمومًا على أصله ، ولم يحقَّق ضبطه كذلك . وقد ذكر الخطَّابي في هذه اللفظة أوجها محتملة لم يجئ بها تقييد عن مُعْتبر ، ولا صحَّت بها رواية ، رأيت الإضراب عنها لعدم فائدتها ، وبُعدها عن مقصود الحديث . وأثبت ما فيها رواية ، وأقربه معنى مَنْ جعله من رؤية العين ، وذلك أن اللِّيط والمروة ، وما أشبههما مما ليس بمحدَّد يخاف منه ألا يكون مُجهِزًا ، فإن لم يستعجل بالمرِّ لم يقطع ، وربما يموت الحيوان خنقًا ، فإذا استعجل في المرِّ ، ورأى أن الدَّم قد سال من موضع القطع فقد تحقَّق الذبح المبيح ، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله - صلى الله عليه وسلم و( قوله : ما أنهر الدم ) أي : ما أساله وصبَّه بكثرة . ووزنه : أفعل ، من النهر . شبَّه خروج الدَّم بجري الماء في النهر . و( ما ) موصولة في موضع رفع بالابتداء ، وخبرها : ( كُلْه ) ، ودخلت الفاء على الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ولا يلتفت لقول من تخيَّل أن ما أنهر الدَّم مفعوله بـ : أرني ؛ لأنَّه يبقى فعله : ( فكله ) ضائعًا . فتأمله . و( قوله : وأصبنا نهب إبل ، وغنم ، فندَّ منها بعيرٌ فرماه رجل بسهم ، فحبسه ) النهب : الغنيمة ، ومنه قول عباس بن مرداس : أتجعل نهبي ونهب العبيد ؛ أي : حظي من الغنيمة . و( ندَّ ) : نفر وشذَّ عن الإبل . و( قوله : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش ، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ) الأوابد : جمع آبدة ، وهي التي نفرت من الإنس ، وتوحَّشت . ويقال : أبدت البقرة ، تأبد ، وتَأْبُد ، وتأبَّدت الديار : توحَّشت ، وخلت من سُكَّانها . فالأوابد : الوحش . قال امرؤ القيس : وقد أغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها بِمُنجَرِدٍ قيدِ الأوابدِ هَيْكَلِ وظاهر هذا الحديث أن ما ند من الإنسي ، ولم يقدر عليه جاز أن يُذَكَّى بما يُذكَّى به الطير . وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وقال مالك : لا يُؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر ، أو الذبح استصحابًا لمشروعية أصل ذكاته ، ولأنه وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع ؛ فلم يلحق بها لا في النوع ، ولا في الحكم . ألا ترى : أن ملك مالكه باقٍ عليه ، واعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بمنع ظهور ما ادُّعي ظهوره من ذلك ؛ إذ لم يقل فيه : إن السهم قتله . وإنَّما قال : حبسه . ثم بعد أن حبسه فقد حصل مقدورًا عليه . فلا يؤكل إلا بالذبح أو النحر ، ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا ، أو إنسيًّا . و( قوله : فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ) نقول بموجبه : أي : نرميه ، ونحبسه ، فإنَّ أدركناه حيًّا ذكَّيناه ، وإن تلف بالرَّمي ، فهل نأكله أم لا ؟ ليس في الحديث تعيين أحدهما ، فلحق بالمجملات ، فلا ينهض حجَّة ، وحينئذ يبقى متمسك مالك واضح الحجَّة ، والله تعالى أعلم . وقد استدل المخالف بما رواه الترمذي ، وأبو داود عن أبي العشراء ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ! أما تكون الذَّكاة إلا في الحلق واللَّبَّة ؟ قال : ( لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ) . قال يزيد بن هارون : هذا في الضرورة . وقال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية ، والنافرة ، والمستوحش . وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة ، فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة . وهو قول انفرد به عن مالك ، وجميع أصحابه . وقد ألزمه بعض الأصحاب مذهب المخالف ، فيجيز ذلك في النادِّ ، والمستوحش ، وهذا إلزام صحيح ؛ إذ كل واحد منهما غير مقدور على ذكاته في الحلق واللَّبَّة . وقد اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث : بأنَّه ليس بصحيح ؛ لأنَّ الترمذي قال فيه : حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمَّاد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث . واختلفوا في اسم أبي العشراء . فقال بعضهم : اسمه : أسامة بن قِهْطِم . ويقال : اسمه : يسار بن بَزْرٍ ، ويقال : بَلْز ، ويقال : اسمه عُطارد . نُسب إلى جدِّه ، فهذا سند مجهولٌ ، ولو سُلِّمت صحته لما كان فيه حجَّة ؛ إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أي عضو كان مطلقًا ؛ في المقدور على تذكيته وفي غيره . ولا قائل به في المقدور عليه ، فظاهره ليس بمراد قطعًا . وقول يزيد وأبي داود تأويل لهما غير متفق عليه ، فلا يكون فيه حجَّة . والله تعالى أعلم . وقوله في "الأم" : ( فرميناه بالنبل حتى وهضناه ) كذا الرواية في كتاب مسلم بالواو . ومعناه : رميناه ، وشدخناه حتى أسقطناه بالأرض . وفي غير كتاب مسلم : ( رهصناه ) بالرَّاء . ومعناه : حبسناه بالرمي ، وأوثقناه . يقال : رهصني فلان بحقه ؛ أي : أخذني به أخذًا شديدًا .
1968 - ( 21 ) [1962] وعنه ؛ قال : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا، فَعَجِلَ الْقَوْمُ ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ الحديث . و( قوله : فأصبنا غنمًا وإبلًا ، فعجل القوم ، فأغلوا بها القدور ، فأمر بها ، فكفئت ) اختُلفوا في سبب أمره - صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور ، فقيل فيه أقوال كثيرة ، أشبهها قولان : أحدهما : أنهم انتهبوها متملكين لها من غير قسمة ، ولم يأخذوها بجهة القسمة العادلة ، وعلى وجه الحاجة لأكلها ، ويشهد لهذا قوله في بعض الروايات : ( فانتهبناها ) . الثاني : أن ذلك إنما كان لتركهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخريات القوم ، واستعجالهم للنهب ، ولم يخافوا من مكيدة العدو ، فحرمهم الشرع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيض قصدهم ، كما منع القاتل من الميراث . قاله المهلب . قلت : ويشهد لهذا التأويل مساق حديث أبي داود ، فإنَّه قال فيه : وتقدم سرعان الناس ، فتعجَّلوا ، فأصابوا من الغنائم ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر الناس ) . و( كفئت القدور ) : قلبت . وهذه الرواية الصحيحة المعروفة في اللغة . يقال : كفأت الإناء : قلبته وكببته . وزعم ابن الأعرابي : أن : ( أكفأته ) لغة . و( قوله : ثمَّ عدل عشرًا من الغنم بجزور ) يعني : أنه - صلى الله عليه وسلم - قسم ما بقي من الغنيمة على الغانمين ، فجعل عشرة من الغنم بإزاء جزور ، ولم يحتج إلى القرعة ، لرضا كل منهم بما صار إليه من ذلك . ولم يكن بينهم تشاحٌ في شيء من ذلك ، والله تعالى أعلم . وكأنَّ هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل ، والغنم . ولو كان فيها غيرهما : لقوَّم جميع الغنيمة ، ولقسم على القيم .
1975- ( 35 ) [1968] وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ. فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ . وقول ثوبان : ( ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحيته ، ثم قال : ( يا ثوبان ! أصلح لحم هذه ) ، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة ) ظاهر هذا : أنه ضحَّى في السفر . وعليه : فيكون المسافر مخاطبًا بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر ؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت بالأضحى ، وهو لكم سُنَّة ) وهذا قول كافة العلماء . وخالف في ذلك أبو حنيفة ، والنخعي ، فلم يريا على المسافر أضحية . وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى ، فلم ير عليه أضحية . وبه قال النخعي ، ويروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر ، وعمر ، وابن عمر - رضي الله عنهم وجماعة من السلف ؛ لأنَّ الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي ، فإذا أراد أن يضحِّي جعله هديًا . والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبَّهوا بأهل منى ، فيحصل لهم حظ من أجورهم . وقال الشافعي ، وأبو ثور : الأضحية واجبة على الحاج بمنى أخذًا بالعموم المتقدِّم . والقول ما قاله الخليفتان - رضي الله عنهما - ؛ إذ قد أُمرنا بالاقتداء بهما ، كما بيناه في الأصول .
( 7 ) باب الرخصة في ذلك 1971 - ( 28 ) [1965] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ فِيهَا الْوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟. فقَالَوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا . 1973 - ( 33 ) [1966] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، لَا تَأْكُلُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ. وَفي رواية : ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لَهُمْ عِيَالًا وَحَشَمًا وَخَدَمًا، فَقَالَ: كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَاحْبِسُوا وادَّخِرُوا. 1974 - ( 34 ) [1967] وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ شَيْءٌ . فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الأَوَّلَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ ذَاكَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهْدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ . وقول عائشة : ( دف ناسٌ من أهل البادية حضرة الأضحى ) الدفيف : الدبيب ، وهو السير الخفي اللَّين . والدَّافة : الجيش الذين يدبون إلى أعدائهم ، وكأن هؤلاء ناسٌ ضعفاء فجاؤوا دافين لضعفهم من الحاجة والجوع . و( حَضْرة الأضحى ) الرواية المعروفة بسكون الضاد ، وهو منصوب على الظرف ؛ أي : زمن حضور الأضحى ، ومشاهدته . وقيَّده بعضهم : حضَرَة - بفتح الضاد - وفي الصحاح يقال : كلَّمته بحضرة من فلان ، وبمحضره ؛ أي : بمشهد منه . وحكى يعقوب : كلَّمته بحضَر فلان - بالتحريك من غير هاء - وكلمته بِحَضْرة فلان ، وحُضرته ، وحِضرته . و( قوله : يتخذون منها الأسقية ، ويجملون فيها الودك ) الأسقية : جمع سقاء ، كالأخبية : جمع خباء . ويجملون : يذيبون . والودك : الشحم . يقال : جملت الشحم ، واجتملته : إذا أذبته . وربما قالوا : أجملت . وهو قليل . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دفَّت ) ونحو ذلك قال في حديث سلمة بن الأكوع . وهذا نصٌّ منه - صلى الله عليه وسلم - : على أن ذلك المنع كان لعلَّة ، ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدِّم ؛ لارتفاع موجبه ، لا لأنه منسوخ . وهذا يبطل قول من قال : إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنسخ . لا يقال : فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( كنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، فادَّخروا ) . وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخر عنه . وهذا هو حقيقة النسخ ؛ لأنَّا نقول : هذا لَعمرُ الله ! ظاهر هذا الحديث ، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ ، فلو لم يَرِد لنا نصٌّ بأن المنع من الادِّخار ارتفع لارتفاع علّته ؛ لما عدلنا عن ذلك الظاهر ، وقلنا : هو نسخ ، كما قلناه في زيارة القبور ، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث بريدة المتقدِّم في باب : الجنائز ، لكن النص الذي في حديث عائشة رضي الله عنها في التعليل بين : أن ذلك الرفع ليس للنسخ ، بل لعدم العلة ، فتعين ترك ذلك الظاهر ، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النص له . والله تعالى أعلم . تنبيه : الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ، ورفعه لارتفاع علته : أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدًا ، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة . فلو قدم على أهل بلدة ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى ، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ يسدُّون بها فاقاتهم إلا الضحايا ، لتعيَّن عليهم : ألا يدَّخروها فوق ثلاث ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث أبواب من أصول الفقه . وهو : أن الشرع يراعي المصالح ، ويحكم لأجلها ، ويسكت عن التعليل ، ولما تصفح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا ؛ وجدوه كثيرًا ، بحيث حصل لهم منه أصل كلِّي وهو : أن الشارع مهما حكم فإنما يحكم لمصلحة ، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدلّ عليها ، وقد لا يجدون ، فيسبرون أوصاف المحل الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيَّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة ، أو لصلاحيَّته لها ، فيقولون : الشرع يحكم بالمصلحة ، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل ، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هذا ، فتعيَّن . وقد بيَّنا هذا في الأصول . والحمد لله . و( قوله : فكلوا ، وادَّخروا ، وتصدَّقوا ) هذه أوامر وردت بعد الحظر ، فهل تقدُّمه عليها يخرجها عن أصلها من الوجوب عند من يراه ، أو لا يخرجها ؟ اختلف الأصوليون فيه على قولين ، وقد بيَّناهما ، والمختار منهما في الأصول . والظاهر من هذه الأوامر هنا : إطلاق ما كان ممنوعًا ، بدليل اقتران الادِّخار مع الأكل ، والصدقة ، ولا سبيل إلى حمل الادِّخار على الوجوب بوجه ، فلا يجب الأكل ، ولا الصدقة من هذا اللفظ . وجمهور العلماء على أن الأكل من الأضحية ليس بواجب . وقد شذَّت طائفة فأوجبت الأكل منها تمسُّكًا بظاهر الأمر هنا ، وفي قوله : فَكُلُوا مِنْهَا ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب : أن ذلك على الندب ، وأنه إن لم يأكل مخطئ . وقال أيضًا : لو أراد أن يتصدَّق بلحم أضحيته كلِّه كان له كأكله كلِّه حتى يفعل الأمرين . وقال الطبري : جميع أئمة الأمصار على جواز ألا يأكل منها إن شاء ، ويطعم جميعها . وهو قول محمد بن المواز .
1966 - ( 17 و 18 ) [1960] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وسمى وكبر ، ووضع رجله عَلَى صِفَاحِهِمَا . وفي رواية : يقول : باسم الله والله أكبر . و( قوله : ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين ) اختلف في الأملح . فقال الأصمعي : هو الأبيض ؛ لون الملح ، ونحوه . قال ابن الأعرابي : هو النقي البياض . وقال غيرهما : الملحة من الألوان : بياض يخالطه سواد . يقال : كبش أملح إذا كان شعره خليسًا . هذا الذي حكاه في الصحاح ، ولم يحك ما ذكر عن الأصمعي وابن الأعرابي . و( الْمُدية ) : السكِّين ، وتجمع : مُدى ، كغرفة وغرف . و( الشحذ ) : الحد ، ومنه قوله : فيا حَجَر الشَّحذِ حتَّى متى تسن الحديدَ ولا تقطُع ؟ وفيه الأمر بحدِّ آلة الذبح ، كما قال في الحديث الآخر : ( إذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة ، وليحدَّ أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته . وهو من باب الرِّفق بالبهيمة بالإجهاز عليها ، وترك التعذيب ، فلو ذبح بسكين كالَّةٍ ، أو بشيء له حدٌّ ، وإن لم يكن مجهزًا بل مُعذِّبًا فقد أساء ، ولكنه إن أصاب سنة الذبح ؛ لم تحرم الذبيحة ، وبئس ما صنع ، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة . وفيه من الفقه : استحباب العدد في الأضاحي ، ما لم يقصد المباهاة . وأن المضحِّي يلي ذبح أضحيته بنفسه ؛ لأنَّه المخاطب بذلك ، ولأنه من باب التواضع . وكذلك الهدايا ، فلو استناب مسلمًا جاز . واختلف في الذمي ، فأجاز ذلك عطاء ابتداءً . وهو أحد قولي مالك . وقال له في قول له آخر : لا يُجزئه ، وعليه إعادة الأضحية . وكره ذلك جماعة من السلف ، وعامة أئمة الأمصار ، إلا أنهم قالوا : يجزئه إذا فعل . وفيه : استحباب إضجاع الذبيحة ، ولا تذبح قائمة ، ولا باركة . وكذلك مضى العمل بإضجاعها على الشِّق الأيسر ؛ لأنَّه أمكن من ذبحها . وفيه : استحباب وضع الرِّجل على جانب عنق الذبيحة . وهو المعبر عنه بالصِّفاح . وصفحة كل شيء : جانبه وصفحه أيضًا ، وإنما يستحب ذلك لئلا تضطرب الذبيحة فتَزِلَّ يدُ الذابح عند الذبح . وقد روي نهي عن ذلك ، والصحيح : ما ذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وضعه رجله على صفاحهما . وفيه من الفقه : التسمية ؛ فإنَّه قال : باسم الله ، والله أكبر . وقد اختلف في ذلك ، فقال أبو ثور : التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة . وكافة العلماء على استحباب ذلك . فلو قال ذكرًا آخر فيه اسم من أسماء الله وأراد به التسمية جاز ، وكذلك لو قال : الله أكبر - فقط - أو : لا إله إلا الله ، قاله ابن حبيب ، فلو لم يرد التسمية لم تُجزئ عن التسمية ، ولا تؤكل . قاله الشافعي ، ومحمد بن الحسن . وكره كافة العلماء من أصحابنا ، وغيرهم ؛ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند التسمية في الذبح ، أو ذكره ، وقالوا : لا يذكر هنا إلا الله وحده . وأجاز الشافعي الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الذبح . و( قوله : اللهم تقبَّل من محمدٍ ، وآل محمدٍ ، ومن أمة محمد ) هذا دليلٌ للجمهور على جواز قول المضحِّي : اللهم تقبل مني . على أبي حنيفة ؛ حيث كره أن يقول شيئًا من ذلك ، وكذلك عند الذبح . وقد استحسنه بعض أصحابنا ، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وكره مالك قولهم : اللهم منك ، وإليك ، وقال : هذه بدعة . وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا ، والحسن . قلت : وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الذبح كبشين أقرنين موجئين ، أملحين ، فلما وجههما قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وقرأ إلى قوله : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ اللهم منك وإليك عن محمد وأمته ، باسم الله ، والله أكبر ، ثم ذبح . فهذا الحديث حجَّة للحسن وابن حبيب . وأما مالك : فلعل هذا الحديث لم يبلغه ، أو لم يصحّ عنده ، أو رأى : أن العمل يُخالفه . وعلى هذا يدلّ قوله : إنَّه بدعة . وفيه من الفقه ما يدلّ على جواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته ، وأن ذلك يجزئ عنهم . وكافة علماء الأمصار على جواز ذلك . مع استحباب مالك أن يكون لكل واحدٍ من أهل البيت أضحية واحدة ، وكان أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري يكرهون ذلك . وقال الطحاوي : لا يجزئ . وزعم : أن الحديث في ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - منسوخ ، أو مخصوص . وممن قال بالمنع : عبد الله بن المبارك . قلت : وهذه المسألة فيها نظر ، وذلك : أن الأصل أن كل واحد مخاطب بأضحية ، وهذا متفق عليه ، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم ؟ ! وقوله : ( اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد ) ليس نصًّا في إجزاء ذلك عن أهل بيته ، بل هو دعاء لمن ضحَّى بالقبول . ويدلُّ عليه قوله : ( ومن أمة محمد ) ، وقد اتَّفق الكل : على أن أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تجزئ عن أمته ، ولو سُلِّم ذلك لكان يلزم عليه أن تجزئ أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - عن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كانوا ، وإن لم يكونوا في بيته ، ثم يلزم عليه ألا يدخل أزواجه فيهم ؛ فإنَّهم ليسوا آلًا له على الحقيقة اللغوية . وقد تقدَّم القول على آل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة . والذي يظهر لي : أن الحجَّة للجمهور على ذلك : ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحَّى عن نسائه ببقرة ، وروي : بالبقر . وأيضًا فلم يرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كل واحدة من نسائه بأضحية ، ولو كان ذلك ؛ لنقل ، لتكرار سِنِي الضحايا عليهن معه ، ولكثرتهن . فالعادة تقتضي أن ذلك لو كان ؛ لنقل كما نقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن ، فدلَّ ذلك على أنَّه كان يكتفي بما يضحِّي عنه وعنهن . والله تعالى أعلم . وقد روى الترمذي عن عطاء بن يسار ، قال : سألت أبا أيوب الأنصاري : كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان الرجل يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته ، فيأكلون ، ويطعمون ، حتى تباهى الناس فيها كما ترى . قال : هذا حديث حسن صحيح . قال القاضي : وضبطُ من يصحُّ أن يُدخله الرجل في الأضحية عندنا بثلاث صفات : أحدها : أن يكونوا من قرابته ، وحكم الزوجين ، وأمِّ الولد حكمهم عند مالك والكافة . وأباه الشافعي في أم الولد ، وقال : لا أجيز لها ، ولا للمكاتب ، والمدبر ، والعبد أن يضحُّوا . والثاني : أن يكونوا في نفقته ، وجبت عليه ، أو تطوّع بها . والثالث : أن يكونوا في بيته ، ومساكنته غير نائين عنه ، فإن انخرم شيء من هذه الشروط لم يصح اشتراكهم في ضحيَّته . قال : ولا يجوز عند جميعهم شركة جماعة في ضحية يشترونها ، ويذبحونها عن أنفسهم ، أو في هدي إذا كانوا أكثر من سبعة . واختلفوا فيما دونها . فمذهب الليث ، ومالك : أن الشركة لا تجوز بوجهٍ فيها ؛ كانت بدنة ، أو بقرة ، أو شاة ، أَهْدُوا أو ضحُّوا . وذهب جمهور العلماء من الحجازيين ، والكوفيين ، والشاميين : إلى جواز إشراك السبعة فما دون ذلك في البقرة ، والبدنة ، في الهدي والضحيَّة ، ولا تجزئ شاة إلا عن واحد . وقد حصل من مجموع حديث عائشة وأنس وجابر أن الأولى في الأضحية نهاية الكمال في الخلق والصّفة . وهو متفق عليه ، وأن الوجاء ليس منقصا ؛ لأنَّه وإن كان نقصان عضو ، فإنَّه يصلح اللَّحم ويُطَيِّبُه . وقد قلنا : إن الطيب في الأضحية : هو المقصود الأول . وأما العيوب الْمُنْقِّصة ، فقال القاضي : أجمعوا أنَّ العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء ؛ من : المرض ، والعجف ، والعور ، والعرج ، لا تجزئ بها الضحيَّة . وكذلك ما هو من نوعها أشنع ، كالعمى ، وقطع الرِّجل . واختلف فيما عدا ذلك . فذهب قومٌ : إلى أنها تجزئ بكل عيب غير هذه الأربعة ؛ إذ لم ينصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على غيرها ، وهو موضع بيان . وبه قال بعض أئمتنا البغداديين . وذهب الجمهور إلى اعتبار ما كان نقصًا وعيبًا ، ثم اختلفوا في أعيانها على ما ترتَّب في كتب الفقه . قال : ولم يخرج البخاري ، ولا مسلم حديث عيوب الضحايا ؛ لأنَّه مما تفرَّد به عبيد بن فيروز عن البراء ، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث . وقد أدخله مالك في الموطأ لما صحبه عنده العمل من المسلمين ، ولاتفاقهم على قبوله . قلت : يعني القاضي : حديث البراء الذي خرَّجه مالك عن عمرو بن الحارث المصري عن عبيد بن فيروز ، عن البراء بن عازب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل : ماذا يُتَّقى من الضحايا ؟ فأشار بيده وقال : ( أربع ) ، وذكر الحديث . وهذا الحديث صحيح ، وانفراد الثقة به لا يضرُّه ، وإنَّما لم يخرِّجه البخاري ولا مسلم ؛ لأنَّه ليس على ما شرطاه في كتابيهما ، وقد خرَّجه النسائي ، والترمذي ، وقال : حديث حسن ، صحيح ، غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز . وكذلك خرَّج النسائي أيضًا حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من طرق قال فيه : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن ، وألا نضحِّي بعوراء ، ولا مقابلة ، ولا مدابرة ، ولا شَرْقاء ، ولا خَرْقاء . وفي أخرى : ولا بتراء . وفي أخرى : ولا جدعاء . وصححه الترمذي . وقوله : أمرنا أن نستشرف العين والأذن . أي : نرفع نظرنا إلى ذلك ، ونختار السالم من عيوب ذينك . ثم فسَّر ذلك بقوله : ولا نضحِّي بعوراء ، وبما بعده . و( المقابلة ) هي : التي يقطع بعض أذنها ، ويُترك مُعلَّقًا على وجهها . و( المدابرة ) : أن يُترك معلَّقًا إلى خلفها . و( الشرقاء ) هي : المشقوقة الأذن طولًا . و( الخرقاء ) : التي خرق من غير شق . و( الجدعاء ) : المقطوعة الأذن . وظاهر عطف هذه العيوب على العوراء - وهي لا تجزئ باتفاق - ألا تجزئ الأضحية مع شيء من هذه العيوب . وهو أصل الظاهرية ، لكن لما كانت العوراء مقيَّدة بالبيِّن عَوَرُها ، كما قال في حديث البراء ؛ تحققنا : أن المنهي عنه من هذه العيوب ما تفاحش منها ، ولا شكَّ أن ما أذهب الأُذن من هذه الأمور ، أو جلها ، لا تجزئ به ، وما لم يكن كذلك ، فقال أصحابنا في المقطوع بعض أذنها : إن زاد القطع على الثلث منع الإجزاء ، وإن نقص عنه أجزأت . واختلف في الثلث . هل يجزئ أو لا ؟ على قولين . وكذلك القول في البتراء ، والنظر في آحاد العيوب ، وتفصيل الخلاف يستدعي تطويلًا ، فلنقتصر على ما ذكرناه .
( 4 ) باب ما يختار في الأضحية 1967- [1959] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ. ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَتْ ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ ضَحَّى بِهِ . ( 4 ) ومن باب : ما يختار في الأضحية قوله : ( أمر بكبش أقرن ، يطأ في سواد ، وينظر في سواد ، ويبرك في سواد ) أي : أمر بأن ينتخب له كبش على هذه الشِّيَة ، ففيه ما يدل على أن المضحي ينبغي له أن يختار الأفضل نوعًا ، والأكمل خلقًا ، والأحسن شِيَة . فالأقرن : الطويل القرن ، وهو أفضل . ولا خلاف في جواز الأجم . واختلف في المكسورة القرن . فالجمهور على الجواز ، وقد روى أبو داود عن علي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن . وكرهه مالك إن كان يدمى ؛ لأنَّه مرض ، وأجازه إن لم يَدْم . ومعنى : ( يطأ في سواد ) أي : أسود القوائم . ( ويبرك في سواد ) أي : في بطنه سواد .( وينظر في سواد ) أي : ما حول عينيه أسود .
1961 - ( 5 ) [1958] وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعِدْ نُسُكًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَقَالَ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . و( قوله : إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه ) قال القاضي : هكذا رويناه بالهاء والكاف من طريق الفارسي ، والسجزي ، وكذا ذكره الترمذي ، ورويناه من طريق العذري : ( مقروم ) بالقاف والميم . قلت : وهذه الرواية هي الصواب الواضح . ومعناها : أن اللحم في هذا اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها . يقال : قَرِمْتُ إلى اللحم ، وقَرِمْتُه : إذا اشتهيته ، أَقْرُمُ قرمًا . وأما رواية مكروه : ففيها بُعْد . وقد تكلَّف لها بعضهم ما لا يصحّ رواية ولا معنى ، فقال : صوابه : اللَّحم - بفتح الحاء - قال : ومعناه : أن يترك أهله بلا لحم حتى يشتهوه . و( اللَّحم ) -بالفتح - : شهوة اللحم . فانظر مع هذا التكلُّف القبيح كيف لا يظهر منه معنى صحيح . وقال آخر : معنى : ( اللحم فيه مكروه ) أي : لمخالفته السنة ، كما قال في الحديث الآخر : ( شاتك شاة لحم ) . قلت : وهذا من قول من لم يتأمل مساق الحديث ، فإنَّ هذا التأويل ليس ملائمًا له ، ولا موافقًا لمعناه ؛ إذ لا يستقيم أن يقول : إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة ، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي . وهذا فاسد . وأقرب ما يتكلّف لهذه الرواية وأنسبه : أن يقال : إن معناه : اللحم فيه مكروه التأخير . فحذف التأخير ، وهو يريده . ويشهد لهذا قوله بعده متصلًا به : ( وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني ) . وهذا مناسب لما قدَّرناه من المحذوف . والله تعالى أعلم . و( قوله : هي خير نسيكتيك ) سَمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكة بحسب توهُّم الذابح وزعمه ، وذلك : أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيَّة النسك ، وبعد ذلك بيَّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنها ليست نسكًا شرعًا ؛ لما قال : ( من ذبح قبل الصلاة ، فإنما هو لحم عجله لأهله ، ليس من النُّسك في شيء ) . وقول عقبة : ( قسم فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحايا فأصابني جذع ، فقلت : يا رسول الله ! أصابني جذع ، فقال : ضحِّ به ) . وفي الرواية الأخرى : ( عَتُود ) هذه الرواية تدلُّ على أن الجذع المذكور في حديث عقبة هو من المعز ، فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسم لما رعى وقَوِي من أولاد المعز ، وأتى عليه حول . هذا هو المعروف في اللغة ، وعلى هذا : فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث أبي بردة ، ولذلك قال علماؤنا : إن حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة ، ودلَّ على هذا : ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من المعز . قلت : ويمكن في حديث عقبة تأويلان ، ولا يصار فيه إلى النَّسخ : أحدهما : أن الجذع المذكور فيه : هو من الضأن ، وأطلق عليه العَتُود ؛ لأنَّه في سِنِّه وقوته ، ولا يستنكر هذا ، فمن المعلوم : أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب ، أو شبه . وثانيهما : أن العَتُود وإن كان من المعز ، فقد يقال على ما خرج من السنة الأولى ، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما . وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة : أن العتود : الجدي الذي بلغ السِّفَاد . قال ابن الأعرابي : المعز ، والإبل ، والبقر : لا تضرب فحولها إلا بعد أن تثني ، فإذا صحَّ هذا ارتفع التعارض ، وصحَّ الجمع بين الحديثين ، والجمع أولى من الترجيح ، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع . وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية ، وأن الإمام ينبغي أن يفرِّق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين .
( 3 ) باب ما يجوز في الأضاحي من السن 1963 - [1956] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ . 1965- ( 15 و 16 ) [1957] وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ فينا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ؟ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ . وفي رواية : ( عتود ) بدل ( جذع ) . و( قوله : إلا أن يعسر عليكم ، فتذبحوا جذعة من الضأن ) دليل : على أنَّه لا يجوز في الأضحية الجذع من المعز ، ولا من البقر ، ولا من الإبل . وهو قول أهل العلم . وإنَّما اختلف في إجزاء الجذعة من الضأن كما قلناه آنفًا .
( 8 ) باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره 1977- ( 39 و 41 و 42 ) [1969] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا . وفي رواية : إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ . وفي أخرى : مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ . ( 8 ) ومن باب : إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمسَّ من شعره ولا من بَشَره شيئًا أخذ بظاهر هذا النهي أحمد ، وإسحاق ، وابن المنذر ؛ فمنعوا ذلك . ورأى الشافعي : أن ذلك محمله على الندب . وحكي عن مالك . والمشهور من مذهبه : أن ذلك يجوز . وهو مذهب أهل الرأي . وقال الليث : قد جاء هذا الحديث ، وأكثر الناس على خلافه . وقد استدل أصحابنا على الجواز بقول عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهدي من المدينة ، فأفتل قلائد هديه ، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم . وظاهر هذا العموم : أنَّه ما كان يجتنب حلق شعر ، ولا قص ظُفُر ولا غيرهما . قال الطحاوي : ولما رأينا الجماع الذي يُفسد الحج لا يحرم على من دخل عليه العشر وأراد الأضحية ، وهو أغلظ ؛ كان أحرى وأولى أن لا يحرم عليه غير ذلك .
1976 - [1971] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ. وفي رواية : وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ . و( قوله : لا فرع ولا عتيرة ) قد فُسَّر الفَرَع في الحديث ، غير أن أبا عبيد زاد فيه زيادة عن أبي عمرو ، قال : الفَرَع ، والفَرَعة - بفتح الراء - : هو أول ما تلده الناقة ، فكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم ، فنهي المسلمون عن ذلك . وقد أفرع القوم إذا بلغت إبلهم ذلك . وقال شمر : قال أبو مالك : كان الرجل في الجاهلية إذا تَمَّت إبله مائة قدَّم ذبحًا ، فذبحه لصنمه ، فذلك الفَرَع . وقد ذكر أبو عبيد أيضًا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الفَرَع فقال : ( حق ، وأن تتركه حتى يكون ابن مخاض ، أو ابن لبون زُخْزبًّا ، خيرٌ من أن تكفأ إناءك وتُوَلِّه ناقتك ، وتذبحه ، يلصقُ لحمه بوبره ) . قلت : وعلى هذا : فالفَرَع هنا : إنما هو الصغير . ألا ترى أنه فسّره بذلك ، ولا فرق بين أوَّل النتاج ، ولا بين ما بعده . والمعروف عند أهل اللغة : أنه أول النتاج ؛ لأنَّهم كانوا في الجاهلية يذبحونه لآلهتهم ، فلما جاءهم الإسلام ؛ ذبحوا لله تعالى ، استنانًا ، كما فعلوا بالعتيرة ، فنهى الشرع عن ذلك بقوله : ( لا فَرَع ، ولا عتيرة ) . حكى معنى ما قلته الحربي . وقوله في حديث أبي عبيد : ( تُكفئ إناءك ) جاء رباعيًّا ، وقد قلنا : إن الأفصح الثلاثي . ويعني بذلك : إنك إذا ذبحت ولد الناقة انقطع لبنها ، فانكفأ إناء اللَّبن ؛ أي : قلب على فمه لأنه فارغ من اللَّبن . و( قوله : وتُولِّه ناقتك ) أي : تفجعها بفقد ولدها حتى تُولَّه ؛ أي : يصيبها الوَلَه . وهو : خَبَلان العقل . ومنه الحديث : ( لا تُولِّهُ والدة على ولدها ) . و( الزُخْزبُّ ) : الغليظ ، وفيه : إرشاد إلى عدم ذبح الصغير من الأنعام لقلَّة طيبه ، وعدم فائدته ، ولما يترتب عليه من عدم اللبن ، ووَلَه الأم .
1977- ( 42 ) [1970] وعن عَمْرو بْن مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارٍ اللَّيْثِيّ قَالَ: كُنَّا فِي الْحَمَّامِ قُبَيْلَ الْأَضْحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَكْرَهُ هَذَا، أَوْ يَنْهَى عَنْهُ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، هَذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ . و( قوله : كنا في الْحَمَّام قبيل الأضحى ، فاطَّلى ناسٌ ) . قُبيل : تصغير قبل ؛ يعني به : يوم الأضحى . و( اطَّلى ) يعني : بالنورة ، وهو جائز للرجال والنساء ؛ لأنَّه من باب إصلاح الجسد وتنظيفه ، وإنما اختلف في كراهته في العشر لمن أراد أن يضحِّي ؛ لأنه مما تضمنه النهي المذكور . و( قوله : أن سعيدًا كان يكرهه ) يدلّ : على أن مذهب سعيد في كراهة ذلك كان معروفًا . وهل تلك الكراهة بمعنى الحظر ، أو بمعنى التنزيه ؟ الأظهر منها التنزيه . وقول سعيد : ( يا ابن أخي ! هذا حديث قد ترك ونسي ) هذا منه إنكارٌ على من ترك العمل به . ألا ترى أن المعروف من مذهبه الكراهية؟ ! وقد حكى أبو عمر عن سعيد جواز ذلك ، فيكون عنه في ذلك قولان والله تعالى أعلم .
( 6 ) باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث 1969 - ( 25 ) [1963] عن أَبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَا تَأْكُلُوا . 1970 - ( 26 ) [1964] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، قَالَ سَالِمٌ : فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ . ( 6 و 7 ) ومن باب : النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث ونسخه حديث أبي عبيد مولى ابن أبي أزهر ، وابن عمر يدلان : على أن عمر ، وعليًّا ، وابن عمر ، كانوا يرون بقاء حكم النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، وأن ذلك ليس بمنسوخ ، ولا مخصوصًا بوقت ، ولا بقومٍ . وكأنَّهم لم يبلغهم شيء من الأحاديث المذكورة - بعد هذا - الدالَّة على نسخ المنع ، أو على أن ذلك المنع كان لعلَّة الدافَّة التي دفت عليهم . وإنما لم تبلغهم تلك الأحاديث الرافعة ؛ لأنَّها أخبار آحاد لا متواترة ، وما كان كذلك صحَّ أن يبلغ بعض الناس دون البعض . وظاهر النهي عن الادِّخار التحريم . وقيل : كان محمولًا على الكراهة . واختلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادِّخار جائزًا فيها . فقيل : أولها يوم النحر . فمن ضحَّى فيه جاز له أن يمسك يوم النحر ، ويومين بعده . ومن ضحَّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر . وقيل : أولها يوم يضحي ، فلو ضحَّى في آخر أيام النحر ؛ لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده . وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع ، فإنَّه قال فيه : ( من ضحَّى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء ) . قلت : ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولًا ثالثًا ، وهو أن في حديث أبي عبيد : ( فوق ثلاث ليال ) . وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحَّى فيه من العدد ، وتعتبر ليلته وما بعدها . وكذلك حديث ابن عمر فإنَّ فيه : ( فوق ثلاث ) يعني : الليالي . وكذلك : حديث سلمة فإنَّ فيه : ( بعد ثالثة ) . وأما حديث أبي سعيد ففيه : ( ثلاثة أيام ) . وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي .
( 2 ) باب إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام 1964 - ( 14 ) [1955] عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ، وَلَا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( 28 ) كتاب الأضاحي ( 1 ) باب في التسمية على الأضحية وفي وقتها وأن من ذبح قبله أعاد 1960 - ( 1 و 2 ) [1953] عن جُنْدَب بْن سُفْيَانَ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَما أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، سَلَّمَ ؛ فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ. فَقَالَ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ - أَوْ : نُصَلِّيَ - فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ . ( 28 ) كتاب الضحايا ( 1 و 2 و 3 ) ومن باب : التسمية على الأضحية ، وفي وقتها ، وأين تذبح ؟ قال الأصمعي : في الأضحية أربع لغات : أضحيَّةٌ ، وإضحيَّة ، والجمع : أضاحي . وضحيَّة - على وزن فعيلة - والجمع ضحايا . وأضحاةٌ ، والجمع أضحى ، كما يقال : أرطاةٌ ، وأرطى . وبها سَمَّي يوم الأضحى ، وفي الصحاح : ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ، ثم بعده : الضحى ، وهو حين تشرق الشمس ، مقصورة ، مؤنثة ، وتذكَّر . فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ، ومن ذَكَّر ذهب إلى أنه اسم على فعل ، مثل : نُغَرٍ ، وصُرَدٍ ، قال : وهو ظرف غير متمكِّن ، مثل : سحر . تقول : لقيته ضحًى وضحى ؛ إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه . قلت : قياسه : ضحى على سحر قد أخذ عليه فيه ابن بري . وهي مؤاخذة صحيحة ؛ لأنَّ الظروف التي لا تنصرف إذا عينت هي : سحر - كما ذكر - وغدوة ، وبكرة لا غير ، فسحر : إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف ، والعدل . وفي : غدوة وبكرة للتعريف والتأنيث . فأمَّا بكير ، وعشاء ، وعتمة ، وضحوة ، وعشية ، وضحى ونحوها فإنها منصرفة على كل حال . فإنَّ أريد بها وقت بعينه كانت نكرات اللفظ معرَّفة بالمعنى على غير وجه التعريف . وهكذا ذكره الحسن بن خروف ، وغيره . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ) هذا اللفظ بظاهره يفيد حكمين : أحدهما : وجوب الأضحية من حيث إنه أمر بالإعادة . وثانيهما : وقت الذبح : عند الفراغ من صلاة الإمام . وقد اختلف في الحكمين ، فلنذكرهما . فأما الأول : فالجمهور من السلف والخلف على أنها سنة مؤكدة . وهو مشهور مذهب مالك ؛ متمسِّكين في ذلك بمداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - على فعلها ، وأنه لم يرد نصٌّ في وجوبها ، بل ولا ظاهر صحيح ، سليم عن القوادح . وقد روى الترمذي عن ابن عمر : أنه قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة عشر سنين يضحي . وسُئل ابن عمر عن الأضحية : أواجبة هي ؟ فقال : ضحَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم وضحى المسلمون . قال الترمذي : إنهما حديثان حسنان . قال : والعمل على هذا عند أهل العلم : أن الأضحية ليست بواجبة ، ولكنها سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم وما روي عن بعض السلف مِنْ تركه الأضحية مع تمكنه ، فذلك محمول على أنهم إنما تركوها مخافة أن يعتقد : أنها واجبة . وقال ابن عبد الحكم : سألت مالكًا عن الأضحية : أواجبة هي ؟ فقال : إنها سنة . ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت بالأضحى ، وهي لكم سنة ) . قلت : فأفتى ، واستدلَّ ؛ وهذا يدلّ على صحة هذا الحديث عند مالك ؛ إذ قد استدلَّ به ، ولا يجوز الاستدلال بما لا يصح . وقد ذهب إلى وجوب الأضحية طائفة ، منهم : الأوزاعي ، والليث ، وأبو حنيفة ؛ غير أنه اشترط في الوجوب أن يملك المضحي نصابًا . وقد روي القول بالوجوب عن مالك ، وبعض أصحابه . وقد تُمُسِّك القائلون بالوجوب بقوله تعالى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، وبما رواه أبو داود وغيره من حديث مخنف بن سلم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يا أيها الناس ! إن على كلِّ بيت في كلِّ عام أضحية ، وعتيرة . أتدرون ما العتيرة ؟ هذه التي يقول الناس : الرَّجبيَّة ) ، وبظاهر الأمر بالإعادة في الحديث المتقدِّم . قلت : ولا حجَّة في شيء من ذلك . أما الآية : فلأنها محتملة لأمور متعددة ، ولذلك اختلفت أقوال العلماء فيها . فقيل : معناهما : صلِّ الصلوات المعهودة ، وضع يمينك على شمالك ، وضعهما على نحرك . قاله علي - رضي الله عنه وقال أبو الأحوص : ارفع يديك في التكبير إلى نحرك . وقيل : استقبل القبلة بنحرك في الصلاة . وقال مجاهد : صلِّ بالمزدلفة ، وانحر الْهَدْي . وقال عطاء : صل العيد ، وانحر الأضحية . ونحوه قال مالك . وقال ابن جبير : ادع لربك ، وارفع يديك إلى نحرك عند الدعاء . وقال عطاء : استو بين السجدتين حتى يبدو نحرك . قلت : وهذه الأقوال كلها ؛ الآية قابلة لها ؛ على أن الأظهر منها قول من قال : إن المراد بها : صلِّ الصلوات المعهودة ، وانحر الهدايا الواجبة ؛ تمسُّكًا بالعُرْف المستعمل في ذينك اللفظين ، والله أعلم . وعند هذا ظهر : أن لا حجَّة في الآية . وأما قوله : ( على أهل كل بيت أضحية ، وعتيرة ) : فليس بصحيح . قيل : هو حديث ضعيف على ما قاله أبو محمد عبد الحق وغيره ، ولو سُلِّمت صحته فلا حجة فيه لوجهين : أحدهما : أنه ليس صريحا في الوجوب ، بل قد يقال مثله في المندوب ، كما قال في السواك : ( وعليكم بالسواك ) ، وليس السواك واجبًا في الجمعة بالاتفاق ، وإنما يحمل ذلك على أن من أراد تحصيل الأجر الكثير ، وإقامة السُّنَّة ، فعليه بالأضحية والسواك. وهذا نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشره شيئًا ) . والثاني : عطف العتيرة على الأضحية . والعتيرة ليست بواجبةً باتفاق على ما ذكره المازري . وقال أبو داود : العتيرة منسوخة . وهذا من قول أبي داود يدل على أن العتيرة كانت مشروعة في أول الإسلام ، ثم نسخت ، وكذلك قال ابن دريد ، قال : العتيرة شاة كانت تذبح في رجب في الجاهلية يُتقرَّب بها ، وكان ذلك في صدر الإسلام أيضًا . والعَتْر : الذبح . قال غيره : وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، كذبيحة : بمعنى مذبوحة . يقال : عتر الرجل يعتر عترًا ، بالفتح : إذا ذبح العتيرة . ويقال : هذه أيام ترجيب ، وتعتار . قلت : وظاهر قول أبي داود في العتيرة : إنها منسوخة : أنها لم تبق لها مشروعية على جهة الوجوب ، ولا الجواز . قال القاضي أبو الفضل : وعامة أهل العلم على تركها للنهي عنها ، إلا ابن سيرين فإنَّه كان يذبح العتيرة في رجب ، ولم يره منسوخًا ؛ يعني : الجواز . وأما الوجوب فمتفق على تركه على ما حكاه المازري . فإن قيل : لا نسلِّم أنَّ نسخ وجوب العتيرة يلزم منه نفي وجوب الأضحية ؛ لأنَّ الحديث تضمن أمرين : أحدهما : الأضحية - ولم يقل أحدٌ : إنها منسوخة والعتيرة - وهي المنسوخة ، فلا يلزم من نسخِها نسخُها . فالجواب : إنهما وإن كانا أمرين متغايرين ، لكنهما قد اجتمعا في مفيد الوجوب ، وهو : على ؛ الذي استدللتم بها على الوجوب ؛ لأنَّه لما عطف العتيرة على الأضحية بالواو من غير إعادة : على . علمنا : أن العتيرة دخلت مع الأضحية في معنى : على . وهو معنى واحدٌ ، فإذا رفع ذلك المعنى عن العتيرة ارتفع عن الأضحية ؛ لضرورة الاتحاد . وهذا حكم حروف العطف المشَرِّكة في المعنى إذا عطف بها المفردات . فإنك إذا قلت : قام زيد وعمرو ؛ استحال أن يرفع القيام عن عمرو ، ويبقى لزيد ، فلو أعاد العامل لصحَّ أن يرفع حكم أحدهما ويثبت حكم الآخر ؛ لأنَّه يكون من باب عطف الجمل ، ويجوز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض . وقد أشبعنا القول في هذا في الأصول . وهو أصل حسن يجب الاعتناء به . وأما الاستدلال بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اذبح مكانها أخرى ) : فقد عضدوه بما جاء في بعض طرق هذا الحديث ، في قوله : ( أعد نسكًا ) ، وقوله : ضحِّ بها - يعني : الجذعة من المعز - ولا تجزي عن أحد بعدك ) ، ولا حجَّة في شيء من ذلك واضحة ؛ لأنَّ المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية لمن أراد أن يفعلها ، أو من التزمها فأوقعها على غير الوجه المشروع غلطًا ، أو جهلًا ، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه تدارك ما فرط فيه . وهذا هو المعني بقوله : ( لا تجزي ) أي : لا يحصل لك مقصود القربة ، ولا الثواب . وهذا كما يقال في صلاة النفل : لا تجزي إلا بطهارة ، وستر عورة ؛ أي : لا تصح في نفسها ؛ إذ لا يحصل مقصود القربة إلا بتمام شروطها . وهذا واضح جدًّا . وقد استدلَّ بعض من رأى الوجوب : أن الأضحية من شريعة إبراهيم - عليه السلام - وقد أُمِرنا باتِّباعه ، لقوله تعالى : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وهذا ترد عليه أسئلة كثيرة ، قد ذكرناها في الأصول ، فلا حجة فيه ؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك ، ونسألهم : هل كانت الأضحية واجبة في شرعه ، أو سُنَّة ؟ وليس هناك ما يدلّ على شيء من ذلك ، فإنَّ استدلوا بقصة الذبيح ؛ فتلك قضية خاصة ، أو منسوخة ، ولا حجة في شيء منها . والله تعالى أعلم . وأما وقت ذبحها : فهو عند مالك بعد صلاة الإمام ، وذبحه ، إلا أن يؤخر تأخيرًا يتعدَّى فيه فيسقط الاقتداء به معتمدًا في ذلك على حديث جابر المذكور في الأصل . وهو نصٌّ في ذلك . وعند أبي حنيفة : الفراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح الإمام . ويشهد له حديث البراء ؛ فإنَّه قال فيه : ( من ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكه ) . فعلَّق الذبح على الصلاة ، ولم يذكر الذبح للإمام . وعند الشافعي : وقتها دخول وقت الصلاة ، ومقدار ما توقع فيه . فاعتبر الوقت دون الصلاة ، وهو خروج عن ظواهر هذه الأحاديث ، غير أنه لما صحَّ عنده : أن الأضحية مخاطب بها أهل البوادي ، ومن لا إمام له ، ومن لا يخاطب بصلاة عيد : ظهر له أن حكمها متعلِّق بمقدار وقت الصلاة لأهل المصر وغيرهم . والله تعالى أعلم . وأما على مذهب مالك : فردَّ مطلق حديث البراء إلى مقيد حديث جابر ؛ لأنَّه قد اتحد الموجب والموجب . وقد قلنا في أصول الفقه : إن هذا النوع متفق عليه عند الأصوليين . وأما قبل الصلاة : فقال القاضي عياض : أجمع المسلمون : أن الذبح لأهل المصر لا يجوز قبلها ؛ وإنما اختلفوا إذا ذبح بعدها وقبل ذبح الإمام . واختلفت فيه الآثار . وأما أهل البوادي ، ومن لا إمام له ، أو إذا لم يبرز الإمام أضحيته : فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام ، أو أقرب الأئمة إليه . وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يُجزِه ، ويجزيه إن ذبح بعده . وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر . وكأن هؤلاء تمسكوا في ذلك بقوله : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فأضاف النحر إلى اليوم ، وهل اليوم من بعد طلوع الفجر أو من طلوع الشمس ؟ هذا سبب اختلافهم . وهذا لا تعويل عليه هنا ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عيَّن للأضحية وقتًا من اليوم بفعله ، وقوله ؛ فإنه ذبح بعدما صلَّى ، وقال : ( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي ، ثم ننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن لم يفعل فإنما هو لحم قدَّمه لأهله ، ليس من النُّسك في شيء ) . وهذا اللفظ عام يتناول كل مضحٍّ ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر من ذبح قبله أن يعيد أضحية أخرى ، ونهى أن يذبح قبل ذبحه . فإذًا : أحسن المسالك ما ذهب إليه مالك . هذا القول في مبدأ زمان الذبح . فأما منتهاه : فهو عند مالك : يوم النَّحر ، ويومان بعده . وعند الشافعي : وثلاثة بعده . وعند غيرهما : يوم النحر خاصَّة . وقاله سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، ورويا حديثًا مرسلًا . ومعتمد أصحابنا قوله تعالى : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ الآية قالوا : والمعلومات : جمع قلَّة ، لكن المتيقن منه الثلاثة ، فإنَّه أقل الجمع على ما تقرر في الأصول . وما بعد الثلاثة غير متيقن ، فلا يعمل به ، فإنَّ تعيين عدد بعد ذلك تحكم ؛ إذ لم يعينه الشرع . وأما القول الثالث : فلا وجه له - في علمي - غير التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول خاصة ، وهو ضعيف مع قوله : فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ واختلف في ليالي أيام النحر : هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا ؟ فروي عن مالك في المشهور : أنها لا تدخل . فلا يجوز الذبح بالليل ، وعليه جمهور أصحابه . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : الليالي داخلة في الأيام ، ويجزي الذبح فيها ، وروي عن مالك ، وأشهب نحوه . ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية ، فأجاز الهدي ليلًا ، ولم يجز الضحية ليلًا . وقد تمسَّك مالك بأصل وضع الأيام ؛ فإنَّه الحقيقة في الكلام . وقد روي في ذلك نهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عطاء بن يسار مرسلًا ، ولا يصح ؛ لأنَّه من حديث مُبَشِّر بن عبيد ، وهو متروك . و( قوله : ومن لم يذبح فليذبح باسم الله ) فيه دليل : على وجوب التسمية عند الذبح ، وقد ذكر الخلاف فيه في الصيد . وكونه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى يوم الأضحى ثم خطب : دليل واضح على من أجاز تقديم الخطبة على الصلاة . وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان .
1961 - ( 5 و 7 ) [1954] وعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ. فَقَالَ: ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ . وفي رواية : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّل مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا، أن نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ. وَكَانَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ قَدْ ذَبَحَ فَقَالَ: عِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . و( قوله : إن عندي جذعة من المعز ) ، وفي رواية : ( أعناقًا ) ، وفي رواية أخرى : ( عَتُودًا ) ، وكلها بمعنى واحد . واختلف في سنِّ الجذعة من الغنم . فأقل ما قيل في ذلك : ستة أشهر . وأقصى ما قيل في ذلك : سنة تامَّة . وفي الصحاح : الْجَذَعُ قبل الثني ، والجمع : جذعان ، وجذاع ، والأنثى : جذعة . والجمع : جذعات . يقال منه لولد الشاة في السنة الثانية ، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة ، وللإبل في السنة الخامسة : أجذع . والجذع : اسم له في زمن ، وليس بسن ينبت ويسقط . وقد قيل في ولد النعجة : إنه يجذع في ستة أشهر ، أو تسعة أشهر ، وذلك جائز في الأضحى . و( قوله : عندي جذعة خير من مسنة ) يعني به : طيب لحمها ، وهو أهم المقصودين في الأضاحي ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحَّى بالغنم ، كما أن أهم المقصودين في الهدايا : كثرة اللحم ، ولذلك أهدى الإبل ، ومن هنا ظهر حسن ما ذهب إليه مالك ، فقال : الغنم في الضحايا أفضل ، والإبل في الهدايا أفضل . والشافعي يرى أن الإبل أفضل في الضحايا والهدايا نظرًا إلى كثرة اللحم . و( قوله : ولا تَجزِي جذعة عن أحدٍ بعدك ) يعني : من المعز ، وهو الذي لا نعرف فيه خلافًا . وأما الجذع من الضأن : فإنَّه جائز عند الجمهور ، وفيه خلاف شاذّ يرده حديث جابر ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم ، فتذبحوا جذعة من الضأن ) ، وما روى الترمذي عن أبي كباش ، قال : جلبت غنمًا جذعانًا إلى المدينة ، فكسدت علي ، فلقيتُ أبا هريرة ، فسألته ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( نعم -أو : نعمت - الأضحية الجذع من الضأن ) فانتهبها الناس . قال : هذا حديث حسن غريب . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الجذع من الضأن يَجزِي في الأضحية . فأمَّا الجذع من المعز ، فلا يَجْزِي لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة : ( لا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك ) . قال القاضي عياض : وقد أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبي بردة ، وأنَّه لا يَجْزي الجذع من المعز ، فإن لم يتمكَّن إلا من الجذع من الضأن كان نعم الأضحية ، كما قال - صلى الله عليه وسلم ويعني بالمسنَّة : الكبيرة ، وأوَّل ذلك : الثني ، وهو المعني هنا ، فإنَّها أطيب لحمًا مما قبلها ، وأسرع نضجًا مما بعدها . والله تعالى أعلم .
( 16 ) بَابٌ حُسْنُ الْجِوَارِ وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ مِنَ الإِْيمَانِ 46 - [ 37] عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ . ( 16 ) وَمِنْ بَابِ حُسْنُ الْجِوَارِ وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ مِنَ الإِْيمَانِ ( قوله : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) الجارُ هنا : يصلُحُ للمجاوِرِ لك في مسكنك ، ويصلُحُ للداخل في جوارك وحُرْمتك ؛ إذْ كلُّ واحد منهما يجبُ الوفاءُ بحقه ، وتحرمُ أَذِيَّتُهُ تحريمًا أشدَّ من تحريم أذى المسلمين مطلقًا . فمَنْ كان مع هذا التأكيد الشديد مُضِرًّا لجاره ، كاشفًا لعوراته ، حريصًا على إنزالِ البوائِقِ به ؛ كان ذلك منه دليلاً ؛ إمَّا على فسادِ اعتقادٍ ونفاق ، فيكونُ كافرًا ، ولا شك في أنه لا يدخُلُ الجنة . وإمَّا على استهانةٍ بما عظَّم اللهُ تعالى مِنْ حرمةِ الجار ، ومِنْ تأكيدِ عهدِ الجوار ، فيكونُ فاسقًا فِسْقًا عظيمًا ، ومرتكبَ كبيرةٍ ، يُخَافُ عليه من الإصرار عليها أن يُخْتَمَ عليه بالكفر ؛ فإنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفْر ، فيكونُ من الصِّنْفِ الأول ، وإنْ سَلِمَ من ذلك ، ومات غيرَ تائب ، فأمرُهُ إلى الله تعالى ، فإنْ عَاقَبَهُ بدخول النار ، لم يدخُلِ الجَنَّةَ حين يدخلُهَا مَنْ لم يكنْ كذلك ، أو لا يدخُلُ الجنَّةَ المعدَّةَ لمن قام بحقوق جاره . وعلى هذا القانون ينبغي أن يحمَلَ ما في هذا الباب مما قالَ فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ فاعله لا يدخُلُ الجنّة ، مما ليس بشركٍ ؛ للأدلَّةِ المتقدِّمة ، ولِمَا يأتي في أحاديث الشفاعة . والبوائق : جمعُ بائقة ، وهي الداهيةُ التي تُوبِقُ صاحبها ؛ أي : تهلِكه ، وقد تقدَّم ذكرها .
47- [ 38 ] وَعَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ . وَفِي أُخْرَى : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ . و ( قوله : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ ) الحديثَ . يعني : مَنْ كان يؤمنُ بالله الإيمانَ الكامل ، المُنْجِيَ مِنْ عذاب الله ، المُوصِلَ إلى رضوان الله ؛ لأنَّ مَنْ آمَنَ بالله حَقَّ إيمانه ، خاف وعيدَه ورجا ثوابَه ، ومَنْ آمنَ باليومِ الآخر ، استعدَّ له ، واجتهَدَ في فعل ما يدفَعُ به أهوالَهُ ومكارهه ، فيأتمرُ بما أُمِرَ به ، وينتهي عما نُهِيَ عنه ، ويتقرَّبُ إلى الله تعالى بفعلِ ما يقرِّبُ إليه ، ويعلمُ أَنَّ مِنْ أهمِّ ما عليه ضَبْطَ جوارحه التي هي رعاياه ، وهو مسؤولٌ عنها جارحةً جارحةً ؛ كما قال تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا و : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، وأنَّ مِنْ أكثرِ المعاصي عددًا ، وأيسرها فعلاً : معاصيَ اللسان ، وقد استقرَأَ المحاسِبُونَ لأنفسهم آفاتِ اللسان ، فوجدوها تُنَيِّفُ على العشرين . وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا جملةً ؛ فقال : وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ . وقال : كُلُّ كَلاَمِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ ، إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى ، أو أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ ، أو نَهيٌ عَنْ مُنْكَرٍ . وقال : إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً ، يَهوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا . فَمَنْ علم ذلك ، وآمَنَ به حقَّ إيمانه ، اتَّقَى اللهَ في لسانه ، فيتكلَّمَ إذا غنم ، ويسَكَتَ إذا سْلَمَ . و ( قوله : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) الضَّيْفُ : هو القادمُ على القومِ النازلُ بهم ، ويقال : ضَيْفٌ ، على الواحد والجمع ، ويجمع أيضًا على : أضياف ، وضُيُوف ، وضِيفَان ، والمرأة ضَيفٌ ، وضَيفَةٌ ، وأَضَفْتُ الرَّجُلَ وضَيَّفْتُهُ : إذا أنزلتَهُ بك ضَيْفًا ، وضِفْتُ الرجلَ ضِيَافةً : إذا نَزَلْتَ عليه ، وكذلك تَضَيَّفْتُهُ . والضيافةُ : مِنْ مكارم الأخلاقِ ، ومن مَحَاسِنِ الدين ، ومِنْ خُلُق النبيِّين ، وليستْ بواجبةٍ عند عامَّةِ أهل العلم خلا اللَّيْث ؛ فإنه أوجبها ليلةً واحدة ؛ محتجًّا بقوله - عليه الصلاة والسلام - : لَيْلَة الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وبقوله : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِحَقِّ الضَّيْفِ فَاقْبَلُوهُ ، َوإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ . وحُجَّةُ الجمهور : قوله - عليه الصلاة والسلام - : جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، والجائزةُ : العطيَّةُ والصلةُ التي أصلُهَا على الندب ، وقلَّما يستعملُ مثلُ هذا اللفظ في الواجب . وتأويل الجمهورُ أحاديثَ الليث بأنَّ ذلك كان في أولِ الإسلام ؛ إذْ كانت المواساةُ واجبة ، أو كان هذا للمجاهدين في أوَّلِ الإسلام ؛ لقلَّة الأزواد ، أو المرادُ به : مَنْ لزمته الضيافةُ من أهل الذمَّة . ثُمَّ اختلفوا فيمن يخاطَبُ بالضيافة : فذهب الشافعيُّ ، ومحمد بنُ عبد الحكم : إلى أن المخاطَبَ بها أهلُ الحضر والبادية . وقال مالكٌ وسُحْنون : إنما ذلك على أهلِ البوادي ؛ لتعذُّرِ ما يحتاجُ إليه المسافرُ في البادية ، ولتيسُّرِ ذلك على أهل البادية غالبًا ، وتعذُّرِهِ على أهل الحَضَرِ ومشقَّتِهِ عليهم غالبًا . وقد رُوِيَ : الضَّيَافَةُ عَلَى أهل الْوَبَر ، وَلَيْسَتْ عَلَى أهل المَدَر .
50 - [ 40 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أُمَّةٍ قَبْلِي ، إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ ؛ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فهو مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فهو مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فهو مُؤْمِنٌ ، ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ . و ( قوله : مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي ، إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ ) أي : ما من رسولٍ من الرسلِ المتقدِّمة ، ويعني بذلك : غالبَ الرسل لا كلَّهم ؛ بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الآخَرِ الذي أخبَرَ فيه عن مجيء الأنبياءِ في أممهم يوم القيامة ؛ فإنَّه قال فيه : يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ ، وَيَأْتِي النَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ؛ فهذا العمومُ - وإنْ كان مؤكَّدًا مِنْ بعد النفي ، فهو مخصَّصٌ بما ذكرناه . والحواريُّون : جمع حَوَارِيٍّ ، وهم خُلْصَان الأنبياء ، الذين أخلصوا في حُبِّ أنبيائهم ، وخَلَصُوا مِنْ كل عيب ، وحُوَّارَى الدقيقِ : الدقيقُ الذي نُخِلَ ؛ قاله الأزهريُّ . وقال ابن الأنباري : هم المختصُّون المفضَّلون ، وسمِّي خُبْزَ الحُوَّارَى ؛ لأنه أشرفُ الخبز . وقيل : هم الناصرون للأنبياء ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : لكلِّ نبيٍّ مِنْ أمَّته حَوَارِيُّون ، وحَوَارِيَّ الزبيرُ . وقيل في حَوَارِي عيسى خمسةُ أقوال : قيل : هم البِيضُ الثيابِ ، وقيل : المبيِّضون لها ، وقيل : المجاهدون ، وقيل : الصَّيَّادون ، وقيل : المُخْلصون . والأصحاب : جمعُ صَحْب ، كَفَرْخٍ وأَفْرَاخٍ ؛ قاله الجوهري ، وقال غيره : أصحابٌ عند سيبوَيْه : جمعُ صاحب ؛ كشاهِدٍ وأشهاد ، وليس جمعَ صَحْب ؛ لأنَّ فَعْلاً لا يجمع على أفعال إلا في ألفاظ معدودة ، وليس هذا منها . والصُّحْبَةُ : الخُلْطَةُ والملابَسَةُ على جهة المحبَّة ؛ يقال : صحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً بالضم ، وصَحَابةً بالفتح ، وقد يراد به الأصحابُ ، وجمع الصاحب : صَحْبٌ ؛ كراكبٍ ورَكْب ، وصُحْبَةٌ بضم الصاد ؛ كفَارِة وفُرْهَة ، وصِحَابٌ بالكسر ؛ كجائِع وجِيَاع ، وصُحْبَان كشابٍّ وشُبَّان . و ( قوله : ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ ) الروايةُ : أنَّهَا بهاء التأنيث فقطْ ، وأعادها على الأُمَّة ، أو على الطائفة التي هي معنى حواريِّينَ وأصحاب ، ويَحْتَمِلُ أن يكون ضميرَ القِصَّة . والخُلوفُ بضمِّ الخاء : جمع خَلْفٍ ، بفتح الخاء وسكون اللام ، وهو القَرْنُ بعد القرن ، واللاحقُ بعد السابق ؛ ومنه قولُهُ تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ويقالُ فيه : خَلَفٌ ، بفتح اللام ؛ ومنه قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، وحكى الفَرَّاءُ الوجهَيْن في الذمِّ ، والفتحَ في المدحِ لا غير ، وحكَى أبو زَيْدٍ الوجهَيْن فيهما جميعًا .
( 17 ) بَابٌ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ 49 - [ 39 ] وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ : مَرْوَانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ : قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ؛ سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ . ( 17 ) وَمِنْ بَابِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ ( قوله : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ : مَرْوَانُ ) هذا أصحُّ ما رُوِيَ في أَوَّلِ من قدَّم الخطبةَ على الصلاة ، وقد رُوِيَ : أوَّلَ مَنْ فعل ذلك عمر ، وقيل : عثمان ، وقيل : ابن الزبير ، وقيل : معاوية رضي الله عنهم . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وبعيدٌ أن يصحَّ شيءٌ مِنْ ذلك عن مثل هؤلاء ؛ لأنَّهم شاهدوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم وصلَّوْا معه أعيادًا كثيرة ، والصحيحُ المنقولُ عنه ، والمتواترُ عند أهل المدينة : تقديمُ الصلاة على الخطبة ؛ فكيف يَعْدِلُ أحد منهم عما فعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وداوَمَ عليه إلى أن توفِّي ؟ فإنْ صحَّ عن واحدٍ مِنْ هؤلاء أنَّه قدَّم ذلك ، فلعلَّه إنما فعله لمَا رأى من انصرافِ الناسِ عن الخُطْبة ، تاركين لسماعها مستعجلين ، أو ليدرك الصلاَة مَنْ تأخَّر وبَعُدَ منزلُهُ ، ومع هذين التأويلين ، فلا ينبغي أن تُتْرَكَ سنَّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لمثل ذلك ، وأولئك الملأُ أعلمُ وأجلُّ من أن يصيروا إلى ذلك ، والله أعلم . وأمَّا مَرْوان وبنو أمية ، فإنما قدَّموها ؛ لأنَّهم كانوا في خُطَبهم ينالون من عليٍّ - كرم الله وجهه - ويُسْمِعون الناسَ ذلك ، فكان الناسُ إذا صلَّوْا معهم ، انصرفوا عن سَمَاعِ خُطَبِهِمْ لذلك ، فلمَّا رأى مَرْوَانُ ذلك أو مَنْ شاء الله من بني أميَّة ، قدَّموا الخطبة ؛ لِيُسْمِعُوا الناسَ مِنْ ذلك ما يكرهون . والصوابُ : تقديمُ الصلاةِ على الخُطْبة ؛ كما تقدَّم ، وقد حكى فيه بعضُ علمائنا الإجماعَ . و ( قوله : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ) مقتضَى هذا السياق أن المُنْكِرَ على مَرْوان رجلٌ غيرُ أبي سعيد ، وأنَّ أبا سعيد مصوِّبٌ للإنكار ، مستدِلٌّ على صحته ، وفي الرواية الأخرى : أن أبا سعيد هو المنكرُ على مروان والمستَدِلُّ . ووجهُ التلفيقِ بينهما : أَنْ يقال : إنَّ كلَّ واحد مِنَ الرجل وأبي سعيد أنكَرَ على مروان ؛ فَرَأى بعضُ الرواةِ إنكارَ الرجل ، ورأى بعضهم إنكارَ أبي سعيد . وقيل : هما واقعتان في وقتَيْنِ ، وفيه بُعْدٌ . وفيه من الفقه : أنَّ سنن الإسلامِ لا يجوزُ تغييرُ شيء منها ولا مِنْ ترتيبها ، وأنَّ تغييرَ ذلك منكَرٌ يجبُ تغييره ولو على الملوكِ إذا قُدِرَ على ذلك ، ولم يَدْعُ إلى منكرٍ أكبَرَ من ذلك . وعلى الجملة : فإذا تحقَّق المنكَرُ وجَبَ تغييرُهُ على مَنْ رآه ، وكان قادرًا على تغييره ؛ وذلك كالمُحْدَثَاتِ والبِدَع ، والمجمعِ على أنَّه منكَر ، فأمَّا إنْ لم يكنْ كذلك ، وكان مما قد صار إليه الإمام ، وله وجهٌ مَّا من الشرع ، فلا يجوزُ لمن رأى خلافَ ذلك أن يُنْكِرَ على الإمام ؛ وهذا لا يُخْتَلَفُ فيه . وإنما اختلف العلماء : فيمن قلَّده السلطانُ الحِسْبةَ في ذلك ، هل يَحْمِلُ الناسَ على رأيِِه ومذهبِهِ أم لا ؟ على قولَيْن . و ( قوله : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ) هذا الأمرُ على الوجوب ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر من واجباتِ الإيمان ، ودعائمِ الإسلام ، بالكتابِ والسنة وإجماع الأمة ، ولا يُعْتَدُّ بخلافِ الرافضة في ذلك ؛ لأنَّهم إمَّا مكفَّرون ؛ فليسوا من الأمة ، وإمَّا مبتدعون ؛ فلا يُعتَدَّ بخلافهم ؛ لظهور فِسْقهم ؛ على ما حقَّقناه في الأصول . ووجوبُ ذلك بالشرعِ لا بالعقل ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بأنَّه واجبٌ عقلاً ، وقد بيَّنَّا في الأصول أنَّه لا يجبُ شيءٌ بالعقل ، وإنما العقلُ كاشفٌ عن ماهيَّاتِ الأمور ، ومميِّزٌ لها ، لا مُوجِبٌ شيئًا منها . ثم إذا قلنا : إنَّ الأمر بالمعروفِ ، والنهيَ عن المنكر واجبٌ ، فذلك على الكفاية ، مَنْ قام به أجزَأَه عن غيره ؛ لقوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ولوجوبه شرطان : أحدهما : العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنْكَرًا أو معروفًا . والثاني : القدرةُ على التغيير . فإذا كان كذلك ، تعيَّن التغييرُ باليد إنْ كان ذلك المُنْكَرُ مما يَحْتَاجُ في تغييره إليها ، مثلُ : كَسْرِ أواني الخمر ، وآلاتِ اللهو ؛ كالمزاميرِ والأوتاد والكبَرِ ، وكمنعِ الظالمِ من الضَّرْبِ والقتلِ وغيرِ ذلك ، فإنْ لم يَقْدِرْ بنفسه ، استعان بغيره ، فإنْ خاف من ذلك ثَوَرَانَ فتنةٍ ، وإشهارَ سلاح ، تعيَّن رفعُ ذلك ، فإنْ لم يَقْدِرْ بنفسه على ذلك ، غيَّر بالقولِ المرتجى نفعُهُ ، مِن لين أو إغلاظ ؛ حسَبَ ما يكونُ أنفع ، وقد يُبْلَغُ بالرِّفْقِ والسياسة ما لا يُبْلَغ بالسيف والرياسة . فإنْ خاف من القول القتل أو الأذى ، غيَّر بقلبه ، ومعناه : أن يكره ذلك الفعلَ بقلبه ، ويعزمَ على أنْ لو قدَرَ على التغيير لغيَّره . وهذه آخرُ خَصْلَةٍ منَ الخصالِ المتعيِّنةِ على المؤمن في تغييرِ المُنْكَر ، وهي المعبَّرُ عنها في الحديث بأنَّها أضعفُ الإيمان ، أي : خصالِ الإيمان ، ولم يبق بعدها للمؤمنِ مرتبةٌ أخرى في تغيير المنكر ؛ ولذلك قال في الرواية الأخرى : لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِْيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ، أي : لم يبق وراءَ هذه المرتبةِ رتبةٌ أخرى ، والإيمانُ في هذا الحديث بمعنى الإسلام على ما تقدَّم . وفيه دليلٌ على أن مَنْ خاف على نفسه القتلَ أو الضرب سقَطَ عنه التغيير ، وهو مذهبُ المحقِّقين سَلَفًا وخَلَفًا ، وذهبتْ طائفةٌ من الغلاة : إلى أنه لا يسقُطُ وإن خاف ذلك ، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى في الجهاد إن شاء الله تعالى .
9 - [ 8 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : سَلُونِي ، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الإِْسْلاَمُ ؟ قَالَ : أَلاَّ تُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا - فِي رِوَايَةٍ : تَعْبُدُ اللهَ ، لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا - وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ - فِي رِوَايَةٍ : الْمَكْتُوبَةَ - وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ - فِي رِوَايَةٍ : الْمَفْرُوضَةَ - وَتَصُومُ رَمَضَانَ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخر ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ؛ فَإِنَّكَ إِنْ لاَ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : يَا رسولَ الله ، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ ؟ قَالَ : مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا : إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : رُدُّوهُ عَلَيَّ ، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : هَذَا جِبْرِيلُ ، أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا . وَفِي رِوَايَةٍ : إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا يَعْنِي : السَّرَارِيَّ . ( قوله عليه الصلاة والسلام - : سَلُونِي ؛ فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ ) كان هذا منه لمَّا أكثروا عليه من الأسئلة ، واستشعروا أنّه كان هناك مَنْ سأل تعنتًا وتجهيلاً ، فَغَضِبَ لذلك حتى احمَرَّ وجهُهُ ، وجعَلَ يقول : سلوني سلوني ؛ فوالله لا تسألوني عن شَيْءٍ إلا أخبرتُكُمْ به ما دُمْتُ في مقامي هذا فدخل الناسَ مِنْ ذلك خوفٌ ، فلم يَزَلْ كذلك حتَّى بَرَكَ عمَرُ بين يدَيْهِ ، وجعل يقول : رَضِينَا باللهِ رَبًّا ، وبالإسلامِ دِينًا ، وبمحمَّدٍ رسولاً ، حتى سكَنَ غضبه - صلى الله عليه وسلم وسيأتي الحديث بكماله . وفي ذلك الوقت أنزَلَ اللهُ تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ؛ فانكفَّ الناسُ عن سؤالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك قال : نُهِينَا أن نسأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ؛ فلمَّا انكفُّوا عن ذلك ؛ امتثالاً لأمر الله تعالى ، وتعظيمًا لحرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم عَلِمَ اللهُ ذلك منهم ، فأرسَلَ السائلَ البصير ، فأجابه العالِمُ الخبير ، فجعلَ العلم للسامعينَ الممتثلينَ مِن غير سؤال ، كما قد كَفَى اللهُ المؤمنينَ القتالَ ، وقد نبَّه على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : هذا جِبْرِيلُ ؛ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا . وقولُهُ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في جوابه عن الإسلام : تعبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، بدَلَ قوله في حديث عمر : أن تَشْهَدَ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ إلى آخره ، فهو نقلٌ بالمعنى ، وحديثُ عمر نَقْلٌ باللفظ ، والله أعلم . وتقييدُهُ في هذا الحديث الصلاةَ بالمكتوبة ، والزكاةَ بالمفروضة : دليلٌ على أنَّ النوافلَ لا تدخُلُ في مسمَّى الإسلامِ الشرعيِّ ، فيخرُجُ منه الصلواتُ المسنونات وغيرها ، وزكاةُ الفِطْرِ على قولِ مَنْ يَرى أنها سنَّة ، وصدقاتُ التطوُّع ، وهذا كلّه يدور على القولِ بدليلِ الخطاب على ما أوضَحْناه في الأصول . و ( قوله : وَتَصُومُ رَمَضَانَ ) دليلٌ على جواز قول القائل : رمضانُ ، من غير إضافة الشهر إليه ؛ خلافًا لمن يقول : لا يقالُ إلا شَهرُ رمضان ؛ متمسكاً في ذلك بحديثٍ لا يَصِحُّ ، وهو أنَّه يروى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : لا تقولوا رمضانُ ، فإنَّ رَمَضَانَ اسمٌ من أسماء الله تعالى . خرَّجه ابنُ عَدِيٍّ مِنْ حديثِ أبي مَعْشَرٍ نَجِيحٍ ، ولا يُحْتَجُّ به . ولو سلَّمنا صِحَّته ، لكانت الأحاديث التي فيها ذِكْرُ رمضان من غير شهر الأولى ؛ لأنّها أصحُّ وأشهر ، ولأنَّ مثبته منكر ؛ إذْ لم يُوجَدْ في شيءٍ من أسماء الله تعالى رمضان ، ولأنَّ المعنى الذي اشتُقَّ منه رمضان محالٌ على الله تعالى . وحُكِيَ عن القاضي أبي بكر بْنِ الطَّيِّبِ أنه قال : إنما يُكْرَهُ ذلك فيما يُدْخل في الكلام لَبْسًا ؛ مِثلُ : جاء رَمضانٌ ، ودخل رمضانُ ، وأما : صُمْنَا رمضانَ ، فلا بأس به . و ( قوله : متى تقومُ السَّاعَةُ ؟ ) مقصودُ هذا السؤالِ امتناعُ السامعين مِنَ السؤال عنها ؛ إذْ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيينِ وقتها ؛ كما قال تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا و يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ وهو كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة ، فلمَّا أجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّه لا يَعْلَمُها إلا الله ، يَئِسَ السائلون مِنْ معرفتها ، فانكفُّوا عن السؤال عنها ، وهذا بخلاف الأَسْئلَةِ الأُخَرِ ؛ فإنَّ مقصودها : استخراجُ الأجوبةِ عنها ليستعملها السامعون ، ويعمل بها العاملون . و ( قوله : سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا ) وفي حديث عمر قال : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ، ووجه التلفيق : أنَّه لم يقلْ له النبي - صلى الله عليه وسلم - : سَأُحَدِّثُك عَنْ أَشْرَاطِهَا ، حتَّى قال له جبريلُ : فَأَخْبِرْني عَنْ أَمَارَتِهَا ؛ فذكر في إحدى الروايَتَيْنِ السؤالَ والجواب ، وفي الأخرى الجوابَ فقط ، والله أعلم . وقد اقتصَرَ في هذا الحديث على ذِكْرِ بعضِ الأشراط التي يكونُ وقوعُهَا قريبًا مِنْ زمانه ، وإِلاَّ فالشروطُ كثيرةٌ ، وهي أكثَرُ مما ذكر هنا ؛ كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة . ثم إنها منقسمةٌ إلى ما يكونُ مِنْ نوعِ المعتاد : كهذه الأشراطِ المذكورة في هذا الحديث ، وكرفع العِلْمِ وظهورِ الجهل وكثرةِ الزنى وشربِ الخمر إلى غير ذلك ، وأما التي ليست من النوع المعتاد : فكخروج الدَّجَّال ، ونزولِ عيسى ابْنِ مريم ، وخروجِ يأجوجَ ومأجوجَ ، ودابَّةِ الأرض ، وطلوعِ الشمس من مَغْرِبها ، والدُّخَانِ ، والنَّارِ التي تسوقُ الناسَ وتحشُرُهم ؛ على ما يأتي . و ( قوله : في خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ ) فيه حذفٌ وتوسُّع ، أي : هي من الخَمْس التي قد انفرَدَ الله بعلمها ، أو في عددهنَّ ؛ فلا مطمَعَ لأحدٍ في عِلْمِ شيء من هذه الأمور الخمس ، ولقوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ؛ فلا طريقَ لِعِلْمِ شيءٍ من ذلك إلا أن يُعْلِمَ اللهُ تعالى بذلك - أو بشيءٍ منه - أحداً ممن شاءه ؛ كما قال تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ . فمَنِ ادعَى عِلْمَ شيء من هذه الأمور ، كان في دعواه كاذبًا ، إلا أن يُسْنِدَ ذلك إلى رسولٍ بطريقٍ تُفيدُ العِلْمَ القطعيَّ ؛ ووجودُ ذلك متعذِّر بل ممتنعٌ . وأما ظنُّ الغيب فلم يتعرَّض شيءٌ من الشرع لنفيِهِ ولا لإثباتٍه ؛ فقد يجوزُ أن يَظُنَّ المنجِّمُ - أو صاحبُ خَطِّ الرَّمْلِ ، أو نحو هذا - شيئًا مما يقعُ في المستقبل ، فَيَقَعَ على ما ظنّه ؛ فيكونُ ذلك ظنًّا صادقًا ، إذا كان عن مُوجِبٍ عاديٍّ يقتضي ذلك الظَّنَّ ، وليس بِعِلْمٍ ، فيفهمْ هذا منه ؛ فإنَّه موضعٌ غَلِطَ بسببه رجال ، وأُكِلَتْ به أموال ، ثم اعلم أنّ أَخْذَ الأجرةِ والجُعْلِ على ادِّعَاءِ عِلْمِ الغيبِ أو ظَنِّهِ لا يجوزُ بالإجماع ؛ على ما حكاه أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ . وفي الحديث أبوابٌ من الفقه وأبحاثٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا ، والله أعلم .
( 1 ) كِتَابُ الإِْيمَانِ ( 1 ) بَابُ مَعَانِي الإِْيمَانِ وَالإِْسْلاَمِ وَالإِْحْسَانِ شَرْعًا 8 - [ 7] عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحِمْيَرِيُّ - حَاجَّيْنِ أو مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا : لَو لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاءِ فِي الْقَدَرِ! فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي ، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ ، وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلامَ إِلَيَّ ، فَقُلْتُ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ : وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ . فقَالَ : إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي ، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ! لَو أَنَّ لأَِحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ : بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِْسْلامِ . فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : الإِْسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ! قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِْيمَانِ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِْحْسَانِ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ : مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ . قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ : يَا عُمَرُ ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ؛ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ( 1 ) كتَابُ الإِْيمَانِ ( 1 ) ومِنْ بَابِ مَعَانِي الإِْيمَانِ وَالإِْسْلاَمِ وَالإِْحْسَانِ شَرْعًا مقصودُ هذا الباب : إيضاحُ معاني هذه الأسماءِ في الشَّرْعِ دون اللغة ؛ فإنَّ الشرعَ قد تصرَّفَ فيها على ما يأتي بيانه . و ( قولُ يحيى بنِ يَعْمَر : كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ ) معبدٌ هذا : هو معبدُ بنُ عبد الله بن محمَّدٍ ، وقيل : معبدُ بنُ خالد ، والصحيحُ : أنْ لا يُنْسَب . وهو بصريٌّ ، روَى عن عمرَ مرسلاً ، وعن عِمْرَانَ ، وروى عنه : قتادةُ ، ومالكُ بن دينارٍ ، وعَوْفٌ الأعرابيُّ . قال أبو حاتم : وكان صدوقًا في الحديث ، ورأسًا في القَدَر ، قَدِمَ المدينة فأفسَدَ فيها ما شاء الله ، وقال يحيى بن معين : هو ثقة . القَدَر : مصدرُ قَدَرْتُ الشيءَ - خفيفة الدال ، أقْدِرُهُ ، وأقْدُرُه قَدْرًا وقُدَرًا : إذا أحَطْتَ بمقداره ، ويقال فيه : قدَّرْتُ أُقَدِّرُ تقديرًا ، مشدَّدَ الدالِ للتضعيف ؛ فإذا قلنا : إنَّ الله تعالى قدَّرَ الأشياءَ ، فمعناه : أنَّهُ تعالى علِمَ مقاديرها وأحوالَهَا وأزمانَهَا قبل إيجادها ، ثُمَّ أوجَدَ منها ما سبَقَ في علمه أنَّهُ يُوجِدُهُ على نحو ما سبَقَ في علمه ؛ فلا مُحْدَثَ في العالمِ العُلْويِّ والسُّفلْيِّ إلاَّ وهو صادرٌ عن علمِه تعالى وقدرتِه وإرادتِه . هذا هو المعلومُ من دِينِ السلف الماضين ، والذي دلَّت عليه البراهين . وقد حكى أربابُ المقالاتِ عن طوائفَ من القدريَّةِ إنكارَ كونِ البارئ تعالى عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم ، وإنَّمَا يَعْلَمُهَا بعد كونها ، قالوا : لأنَّه لا فائدةَ لِعِلْمِهِ بها قبل إيجادها ، وهو عَبَثٌ ، وهو على الله محال . قال الشيخ - رحمه الله تعالى - : وقد رُويَ عن مالكٍ أنه فسَّرَ مذهبَ القَدَريَّة بنحو ذلك ، وهذا المذهَبُ هو الذي وقَعَ لأهل البصرة ، وهو الذي أنكَرَهُ ابنُ عمر . ولا شكَّ في تكفير من يذهبُ إلى ذلك ، فإنَّه جَحْدُ معلومٍ من الشرع ضرورةً ؛ ولذلك تبرَّأ منهم ابنُ عمر ، وأفتى بأنَّهم لا تُقْبَلُ منهم أعمالُهُمْ ولا نفقاتُهُمْ ، وأنّهم كمَا قال الله تعالى فيهم : وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وهذا المذهب هو مذهب طائفةٍ منهم تسمَّى السكبيّة ، وقد تُرِكَ اليومَ ، فلا يُعرف مَن يُنسب إليه من المتأخرين مِن أهل البدع المشهورين . والقدرية اليومَ : مُطْبِقون على أنَّ الله تعالى عالمٌ بأفعالِ العباد قبلَ وقوعها ؛ ومعنى القدر عند القائلين به اليوم : أنَّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم ، وواقعةٌ منهم بِقُدْرَتِهم ومشيئتِهم ، على جهة الاستقلال ، وأنّها ليست مقدورةً لله تعالى ولا مخلوقةً له ، وهو مذهبٌ مبتدَعٌ باطلٌ بالأدلّةِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ المذكورةِ في كتب أئمَّتنا المتكلِّمين . و ( قوله : فانطلقتُ أنا وحُمَيْدُ بْنُ عبد الرحمن الحميري حاجَّيْنِ أو معتمرَيْنِ ) كذا الروايةُ الصحيحة بـ أو التي للشَّكِّ ؛ فكأنَّه عرَضَ له شكٌّ في حالهما ، هل كانا حاجَّيْنِ أو كانا معتمرَيْنِ ؟ وأجيب : بأَنَّهُ وقَعَ في بعض النسخ : حاجَّيْنِ ومعتمرَيْنِ بالواو الجامعةِ ؛ على أنَّهما كانا قارنيْنِ ، وفيه بُعْدٌ ، والصحيحُ الأوَّل ، والله أعلم . و ( قوله : لو لَقِينَا أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) لو هنا بمعنى ليت ؛ وهي نحو قولِهِ تعالى : رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ونحو قولِ امرئ القيس : لو يشرونَ مَقْتَلِي ويأتي لامتناعِ الامتناعِ وهو أصلُهَا ، وبمعنى : إنْ ؛ كقوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وللتقليل ؛ كقوله عليه الصلاة والسلام : الْتَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حديدٍ . و ( قوله : فاكتنفتُهُ أنا وصاحبي ) أي : صرنا بِكَنَفَيْه . والكَنَفُ والكَنِيف : الساتر ؛ ومنه قول العرب : أنا في كنَفِكَ ، أي : في سترك . وإنَّمَا جاءاه كذلك تأدُّبًا واحترامًا ؛ إذْ لو قاما أمامه ، لمنعاه المشي ، ولو صارا له من جانبٍ واحد ، لكلَّفاه الميل إليهما ، وكانتْ هذه الهيئةُ أحسنَ ما أمكنهما . و ( قوله : فَظَنَنْتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلاَمَ إِلَيَّ ) هذا منه اعتذارٌ عن توهُّمِ اعتراضٍ يُنْسَبُ إليه فيه قلَّةُ المبالاةِ بصاحبه ، واستِئْثَارُهُ عليه بالمسابقة إلى الكلام ؛ فبيَّنَ وجهَ اعتذارِهِ عن ذلك ؛ وذلك أنَّهُ عَلِمَ من صاحبه أنَّهُ يكلُ الكلامَ إليه : فإمَّا لكونه أحسنَ منه سؤالاً وأبلغَ بيانًا ، وإمَّا لحياءٍ يَلْحَقُ صاحبَهُ يمنعه من السؤال ، وإمَّا إيثارًا له ، والله أعلم . و ( قوله : يا أبا عبدِ الرحمن : فيه دليلٌ على ما كانوا عليه من الاقتصاد في كلماتهم ، وترْكِ الإطراء والمدح وإنْ كان حقًّا ، فقد كان ابنُ عمر مِنْ أعلمِ الناس وأفضلهم ، وابنَ أميرِ المؤمنين عمر بن الخَطَّاب ، ومع ذلك فلم يمدحوه بشيء مِنْ ذلك مع جلالتِهِ ولا أَطْرَوْهُ ؛ محاسبةً منهم لأنفسهم على ألفاظهم ، واكتِفاءً بما يُعْلَمُ من فضائل الرجل عن القول والمدح الذي يُخاف منه الفتنة على المادح والممدوح . و ( قوله : إنَّهُ قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ ) أي : فشا مذهبُهُمْ وانتشر ، وهو مِنَ الظهورِ الذي يُضَادُّ الخفاء . و ( قوله : يقرؤون القرآنَ ، ويتقَفَّرُونَ العِلْمَ ) ؛ وهذه اللفظةَ بتقديمِ القافِ وتأخير الفاء ، أي : يَتَّبِعون ويجمعون ، يقال : اقْتَفَر أثرَهُ ، أي : تَتَبَّعه . ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء وتأخير القاف ، أي : إنَّهُم يُخْرِجون غامضَه ، ويبحثون عن أسراره ، ومنه قولُ عمر بن الخَطَّاب - وذكر امرَأَ القَيْس - فقال : افتقَرَ عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ ، أي : فتح عن معانٍ غامضةٍ مبصرًا . وروي - في غير كتاب مسلم - : يَتَقَفَّوْنَ بواو مكان الراء ، من قَفَوْتُ أثرَهُ ، أي : تتبَّعْتُهُ ، وهو من القَفَاء ، وكلُّها واضحُ . و ( قوله : وذكَرَ من شأنهم ) أي : عظمِ أمرهم في الذكاء ، والجِدِّ في طلب العلم ، وإنما ذَكَرَ له ذلك من أوصافهم ؛ تنبيهًا له على الاعتناءِ بمقالتهم والبحث عنها ؛ ليوضِّحَ أمرها ؛ فإنّ كلامَهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلا إيضاح بالغ ، وبرهانٌ واضح ، ولمَّا فَهِمَ ابن عمر ذلك أفتى بإبطالِ مذهبهم وفَسَادِه ، وحكَمَ بِكُفْرهم ، وتبرَّأ منهم ، واستدلَّ على ذلك بالدليل القاطع عنده . و ( قوله : إنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ ) أي : مستَأْنَفٌ ، ومعناه عندهم : أنَّهُ لم تسْبِقْ به سابقةُ علمِ الله ولا مشيئتِهِ ، وإنما أفعالُ الإنسان موجودةٌ بعلم الإنسان واختيارِهِ ؛ كما تقدَّم من مذهبهم . وأَنْفُ كلِّ شيء : أوَّلُهُ ، ومنه : أنفُ الوجه ؛ لأنَّه أوَّلُ الأعضاء في الشخوص ، وأَنْفُ السيل : أَوَّلُهُ ؛ كما قال امرؤ القيس : قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي في أَنْفِهِ لاَحِقُ الأيطْل مَحْبُوكٌ مُمَرّ وروضٌ أنفٌ : لم يُرْعَ قَبْلُ ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ : لم يُشْرَبْ قبلُ ؛ ومنه قوله تعالى : مَاذَا قَالَ آنِفًا أي : هذه الساعةَ المستأنفةَ . و ( قوله : والذي يحلف به عبد الله بن عمر ) هذه كنايةٌ عن الحلف باسم الله ؛ فإنَّه هو الذي كان يَحْلِفُ به غالبًا ، ولم يتلفَّظْ به ؛ إجلالاً لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذَ عُرْضَةً لكثرة الأيمان بها ، والله أعلم . و ( قوله : لو أنّ لأَِحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَه ما قَبِلَ الله منه حتى يؤمن بالقدر ) هذا صريحٌ في أنَّه كفَّرَهُمْ بذلك القولِ المحكيِّ عنهم ؛ لأنَّهُ حكَمَ عليهم بما حكَمَ الله به على الكفَّارِ في الآية المتقدِّمة ، وقد قلنا : إنَّ تكفيرَ هذه الطائفة مقطوعٌ به ؛ لأنَّهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع . و ( قوله : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بينا هذه هي الظرفية ، زِيدَت عليها الألف ؛ لتكفَّها عن عملها الذي هو الخفض ، كما قد زيدَتْ عليها أيضًا ما لذلك ، وما بعدها مرفوعٌ بالابتداء في اللغة المشهورة . ومنهم مَنْ خَفَضَ ما بعد الألف على الأصل ؛ فقال : بَيْنَا تَعَانُقِه الْكُمَاةُ وَرَوْغِهِ يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ وروي بخفض تعانقِهِ ورفعه ؛ وعلى هذا فالألفُ والميم ليستا للكَفِّ ، لكن لتمكن النطق . وقد ذهَبَ بعضُ النحويِّين إلى أنَّها للتأنيث في الوجهين ، وهي عنده فَعْلَى كـ : شَرْوَى . و عند : من ظروف الأمكنة غير المتمكِّنة ، يقال لما مُلِكَ أو اختُصَّ به حاضرًا كان أو غائبًا ، ومثلها لدى ، إلاَّ أَنَّها تختصُّ بالحاضر ، وفي لدى لغاتٌ ثمانٍ مذكورةٌ في كتب النحو . و ( قوله : إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ) : إذ و إذا أصلهما ظرفان غير متمكِّنَيْنِ ، يضافان إلى الجمل ، إلاَّ أنَّ إذْ : لما مضى ، وتضاف للجملتَيْنِ الفعليَّةِ والاسميَّة . و إذا : لما يُسْتَقْبَلُ ، ولا تُضافُ إلاَّ إلى الفعليَّة ، وفيها معنى الشرط ، وليس ذلك في إذ ، إلاّ إذا دخلَتْ عليها ما ؛ كقولهم : إِذْ ما أَتَيْتََ عَلَى الرَّسُولِِ فَقُلْ لَهُ وقد يقعان للمفاجأة ، كما وقعَتْ إذْ هاهنا . وأمّا إذا للمفاجأة ، ففي قوله تعالى : فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ فـ إذا الأولى ظرفيَّةٌ ، والثانية مفاجِئَةٌ ، ونحوُهُ في القرآن كثيرٌ . وفيه دليلٌ على استحبابِ تحسينِ الثيابِ والهيئة والنظافةِ عند الدخولِ على العلماءِ والفُضَلاءِ والملوك ؛ فإنَّ جبريل عليه السلام أتى معلِّمًا للناس بحالِهِ ومقاله . و ( قوله : لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ) ؛ هكذا مشهورُ رواية هذا اللفظ : يُرَى مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ ، بالياء باثنتَيْنِ من تحتها ، ولا يعرفه بالياء أيضًا . وقد رواه أبو حازم العُذْرِيُّ : لا نَرَى عليه أَثَرَ السَّفَرِ ولا نَعْرِفُهُ بالنون فيهما ، مبنيًّا لفعل الجماعة ، وكلاهما واضح المعنى . و ( قوله : حتَّى جلَسَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم فأسنَدَ ركبتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ، ووضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وقال : يا محمَّد ) ؛ هكذا مشهورُ هذا الحديثِ في الصحيحين من حديث ابن عمر . وقد روى النَّسائيُّ هذا الحديثَ من حديث أبي هريرة ، وأبي ذَرٍّ ، وزاد فيه زيادةً حسنةً ، فقالا : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُ بين ظَهرَانَيْ أصحابه فيجيءُ الغريبُ ، فلا يَدْرِي أهو هو حتَّى يَسْأَلَ ، فطلبنا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن نجعَلَ له مجلسًا يَعْرِفُهُ الغريبُ إذا أتاه ، فَبَنَيْنَا له دُكَّانًا من طِينٍ يَجْلِسُ عليه ، إنَّا لجلوسٌ عنده ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلسه ؛ إذْ أقبَلَ رجلٌ أحسَنُ الناسِ وجهًا ، وأطيَبُ الناسِ رِيحًا ، كأنَّ ثيابَهُ لم يَمَسَّهَا دَنَسٌ ، حتَّى سَلمَ من طَرَفِ السِّمَاطِ ، فقال : السَّلاَمُ عليكم يا محمَّدُ ، فرَدَّ عليه السلام ، قال : أَدْنُو يا محمَّدُ ؟ قال : ادْنُهُ ، فما زال يقول : أدنو ؟ مرارًا ، ويقول له : ادْنُ ، حتَّى وضَعَ يدَيْهِ على ركبتَيِ النبيِِّ - صلى الله عليه وسلم وذكر نحو حديث مسلم . ففيه من الفقه : ابتداءُ الداخلِ بالسلام على جميع مَن دخل عليه ، وإقبالُهُ على رأس القوم ؛ فإنه قال : السلامُ عليكم ، فعَمَّ ، ثم قال : يا محمَّد ، فخَصَّ . وفيه : الاستئذانُ في القُرْبِ من الإمام مرارًا ، وإنْ كان الإمامُ في موضعٍ مأذونٍ في دخوله . وفيه : تركُ الاكتفاءِ بالاستئذان مرةً أو مرتَيْنِ على جهة التعظيم والاحترام . وفيه : جوازُ اختصاصِ العالم بموضعٍ مرتفِعٍ من المسجد ، إذا دعت إلى ذلك ضرورةُ تعليمٍ أو غيرِهِ . وقد بيَّن فيه : أنَّ جبريل وضع يدَيْه على رُكْبَتَيْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم فارتفع الاحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم ؛ فإنَّه قال فيه : فوضع كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ ، وهو محتمل ، وإنما فعل جبريلُ ذلك - والله أعلم - ؛ تنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوَّةِ النَّفْس عند السؤال ، وعدمِ المبالاة بما يقطع عليه خاطره ، وإنْ كان المسؤول مِمَّنْ يُحْتَرَمُ ويُهَاب ، وعلى ما ينبغي للمسؤولِ مِنَ التواضعِ والصَّفْحِ عن السائل ، وإنْ تعدَّى على ما ينبغي من الاحترام والأدب . ونداءُ جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما يناديه الأعرابُ : يا محمَّد ، تعميةٌ على حاله . الإسلام في اللغة هو : الاستسلامُ والانقيادُ ؛ ومنه قوله تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا أي : اِنْقَدْنا ، وهو في الشرع : الانقيادُ بالأفعالِ الظاهرة الشرعيَّة ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أنس عنه : الإسلامُ علانيَةٌ ، والإيمانُ في القَلْب ؛ ذكره ابن أبي شَيْبَةَ في مصنفه . والإيمان لغةً : هو التصديقُ مطلقًا ، وفي الشرع : التصديقُ بالقواعد الشرعيَّة ؛ كما نبَّه عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم في حديثِ أنسٍ هذا . وقد تنافس علماءُ الأصول في هذه الأسماء الشرعيَّة تنافسًا لا طائلَ له ، إذا حُقِّقَ الأمرُ فيه ؛ وذلك أنَّهم مُتَّفِقُونَ على أنَّها لا يستفادُ منها في الشرع زيادةٌ على أصل الوضع ، وهل ذلك المعنى يُصَيِّرُ تلك الأسماءَ موضوعةً كالوضع الابتدائيِّ مِنْ قِبَلِ الشرع ، أو هي مبقاةٌ على الوضعِ اللغويِّ ، والشرعُ إنما تصرَّفَ في شروطها وأحكامها ، هنا تنافسهُمْ في الأمر قريب . والحاصل : أنَّ الشرعَ تصرَّف في حال هذه الأسماء التي في أصلِ وضعها ، فخصّص عامًّا ، كالحال في الإسلام والإيمان ؛ فإنّهما بحكم الوضع يَعُمَّانِ كلَّ انقياد ، وكلَّ تصديق ، لكنْ قَصَرَها الشرعُ على تصديقٍ مخصوص وانقيادٍ مخصوص ؛ وكذلك فعلَتِ العربُ في لغتها في الأسماء العُرْفيَّة ، كالدابَّةِ : فإنَّها في الأصل لكلِّ ما يَدِبُّ ، ثمَّ عُرْفُهُم خصَّصها ببعض ما يَدِبُّ ؛ فالأسماءُ الشرعيَّةُ كالأسماء العرفيَّة في هذا التصرُّف ، والله أعلم . وقد استفدنا من هذا البحث : أنّ الإيمانَ والإسلامَ حقيقتان متباينتان لغةً وشرعًا ؛ كما دلَّ عليه حديثُ جبريلَ هذا وغيرُهُ ؛ وهذا هو الأصلُ في الأسماء المختلفة - أعني : أنْ يَدُلَّ كُلُّ واحد منها على خلافِ ما يَدُلُّ عليه الآخر - غير أنَّهُ قد توسَّعَ الشرعُ فيهما : فأطلَقَ اسمَ الإيمانِ على حقيقة الإسلام ؛ كما في حديث وَفْدِ عبد القَيْسِ الآتي بعد هذا ، وكقوله : الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون بابًا ، أدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرفعها قولُ : لا إله إلا الله . وقد أطْلَقَ الإسلامَ مريدًا به مسمَّى الإسلامِ والإيمان ، بمعنى التداخُلِ ، كقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . وقد أطلَقَ الإيمانَ كذلك أيضًا ؛ كما رُوِيَ من حديثِ عليٍّ مرفوعًا : الإيمَانُ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ، وإقرارٌ باللِّسَان ، وعَمَلٌ بالأَرْكَان . وهذه الإطلاقاتُ الثلاثُ من باب التجوُّز والتوسُّع على عادة العرب في ذلك ، وهذا إذا حُقِّقَ يريحُ مِنْ كثيرٍ من الإشكال الناشئ مِنْ ذلك الاستعمال . والصلاة لغةً : الدعاءُ ؛ ومنه قوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي : ادْعُ ؛ قال الأعشى : عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا وقيل : إنَّهَا مأخوذةٌ من الصَّلاَ ، والصلا : عِرْقٌ عند أصل الذَّنَب ، ومنه قيل للفرس الثاني في الحَلْبة : مُصَلٍّ ؛ لأنَّ رأسَهُ عند صَلاَ السابق ؛ قال الشاعر : فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقٌ بِأَنْ قِيل : فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا والأوّل : أولى وأشهر . وهي في الشرع : أفعالٌ مخصوصةٌ ، بشروطٍ مخصوصة ، الدعاءُ جزءٌ منها . لغةً : هي النماء والزيادة ، يقال : زكا الزرعُ والمالُ ، وسمِّي أخذُ جزءٍ من مالِ المسلم الحُرِّ زكاةً ؛ لأَنَّها إنما تؤخذُ من الأموال النامية ، أو لأنّها قد نَمَتْ وبلغتِ النصاب ، أو لأنّها تنمِّي الأموالَ بالبركة ، وحسناتِ مؤدِّيها بالتكثير . والصوم : هو الإمساكُ مطلقًا ؛ ومنه قوله تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ، أي : إمساكًا عن الكلام ؛ قال الشاعر : خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا أي : ممسكةٌ عن الحركة . وهو في الشرع : إمساكٌ جميعِ أجزاءِ اليومِ عن أشياءَ مخصوصةٍ ، بشرطٍ مخصوص ، على ما يأتي . والحج : هو القصدُ المتكرِّر في اللغة ؛ قال الشاعر : وأَشْهَدُ مِنْ عوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا وهو في الشرع : القصدُ إلى بيت الله المعظَّم ؛ لفعل عبادة مخصوصة . والحَجُّ بالفتح : المصدر ، وبالكسر : الاسم ، وقُرئ بهما : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . والاستطاعة : هي القوةُ على الشيء ، والتمكُّنُ منه ؛ ومنه قوله تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ، وسيأتي اختلاف العلماء فيها . والإحسان : هو مصدر أحسَنَ يُحْسِنُ إحسانًا ، ويقال على معنيَيْنِ : أحدهما : متعدٍّ بنفسه ؛ كقولك : أحسنْتُ كذا وفي كذا ، إذا حَسَّنْتَهُ وكمَّلْتَهُ ، وهو منقولٌ بالهمزة من حَسُنَ الشيءُ . وثانيهما : متعدٍّ بحرف جرٍّ ؛ كقولك : أحسنتُ إلى كذا ، أي : أوصَلْتُ إليه ما يَنْتَفعُ به ، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأوَّل ، لا بالمعنى الثاني ؛ إذ حاصلُهُ راجعٌ إلى إتقانِ العبادات ، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها ، ومراقبته ، واستحضارِ عظمتِهِ وجلاله حالةَ الشروع ، وحالةَ الاستمرار فيها . وأربابُ القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما : غالبٌ عليه مشاهدةُ الحقِّ ، فكأنَّهُ يراه ؛ ولعلَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى هذه الحالة بقوله : وجُعِلتْ قُرَّةُ عيني في عبادة ربي . وثانيهما : لا ينتمي إلى هذه الحالة ، لكنْ يغلب عليه أنَّ الحقَّ سبحانه مطَّلِعٌ عليه ومشاهدٌ له ؛ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى : الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وبقولِهِ : وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ . وهاتان الحالتان ثمرةُ معرفةِ الله تعالى وخشيتِهِ ؛ ولذلك فسَّر الإحسانَ في حديث أبي هريرة بقوله : أَنْ تخشى اللهَ كأَنَّك تراه ؛ فعبَّرَ عن المسبَّب باسم السَّبَب توسُّعًا ، والألفُ واللامُ اللذان في الإحسان المسؤول عنه للعهد ، وهو الذي قال الله تعالى فيه : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ، و : هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ، و : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . ولمَّا تكرَّر الإحسانُ في القرآن ، وترتَّب عليه هذا الثوابُ العظيم ، سألَ عنه جبريلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم فأجابه ببيانه ؛ ليعمَلَ الناسُ عليه ، فيحصُلُ لهم هذا الحظُّ العظيم . وسؤالُ جبريل عليه السلام عن الإيمانِ والإسلام بلفظ : ما كما في حديث أبي هريرة ، يدُلُّ على أنَّهُ إنما سأل عن حقيقتهما عنده ، لا عن شَرْحِ لفظهما في اللغة ، ولا عن حُكْمِهما ؛ لأنّ ما في أصلها إنما يُسْأَلُ بها عن الحقائق والماهيات . ولذلك أجابه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله : أن تُؤْمِنَ بالله وبكذا وكذا ؛ فلو كان سائلاً عن شرح لفظهما في اللغة لَمَا كان هذا جوابًا له ؛ لأنَّ المذكورَ في الجواب هو المذكورُ في السؤال ، ولمّا كان الإيمانُ في اللغة معلومًا عندهما ، أعاد في الجوابِ لفظَهُ ، وبيَّنَ له متعلَّقاتِهِ ، وأنَّهُ قصره على تصديقٍ بأمورٍ مخصوصة . والإيمانُ بالله : هو التصديقُ بوجوده تعالى ، وأنَّه لا يجوزُ عليه العدم ، وأنه تعالى موصوفٌ بصفاتِ الجلال والكمال مِنَ : العلم ، والقدرة ، والإرادة ، والكلام ، والسمع ، والبصر ، والحياة ، وأنَّهُ تعالى منزَّهٌ عن صفاتِ النقصِ التي هي أضدادُ تلك الصفات ، وعن صفاتِ الأجسامِ والمتحيِّزات ، وأنَّهُ واحدٌ صمدٌ ، فَرْدٌ ، خالقُ جميعِ المخلوقات ، متصرِّفٌ فيها بما يشاء من التصرُّفات ، يفعلُ في ملكه ما يريد ، ويحكُمُ في خلقه ما يشاء . والإيمان بالملائكة : هو التصديقُ بأنَّهم : عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ، و : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، وأَنَّهُمْ سُفَرَاءُ الله بينه وبين رسله ، والمتصرِّفون كما أَذِنَ لهم في خلقه . بكتب الله : هو التصديقُ بأنَّها كلامُ الله ، ومِنْ عِنْدِهِ ، وأنَّ ما تضمَّنَتْه حقٌّ ، وأنَّ الله تعالى تعبَّد خلقه بأحكامها وفَهمِ معانيها . برسل الله : هو أَنَّهُمْ صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى ، وأنَّ الله تعالى أيَّدَهُمْ بالمعجزاتِ الدالَّةِ على صدقهم ، وأنَّهم بلَّغوا عن الله رسالاتِه ، وبيَّنوا للمكلَّفين ما أمرهم الله بنيانه ، وأنَّهُ يجبُ احترامُهُمْ ، وألا يفرِّقَ بين أحدٍ منهُمْ . والإيمانُ باليوم الآخر : هو التصديقُ بيوم القيامة ، وما اشتمَلَ عليه من الإعادةِ بعد الموت ، والنَّشْرِ ، والحشر ، والحساب والميزان والصِّرَاط ، والجنة والنار ، وأنهما دارا ثوابِهِ وجزائِهِ للمُحْسِنين والمُسِيئين ، إلى غير ذلك مما صَحَّ نصُّه ، وثبَتَ نقله . والإيمانُ بالقدر : هو التصديقُ بما تقدَّم ذكره ، وحاصله : هو ما دلّ عليه قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وقوله : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السلف والخلف على صِدْقِ قول القائل : ما شاء الله كان ، وما لم يَشَأْ لم يكن ، وقولِهِ عليه الصلاة والسلام : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدرٍ حتَّى العَجْزُ والكَيْسُ . تنبيه : مذهبُ السلفِ وأئمَّةِ الفتوى من الخَلَف : أنَّ من صدَّق بهذه الأمور تصديقًا جَزْمًا لا ريبَ فيه ولا تردُّدَ ولا توقُّف ، كان مؤمناً حقيقةً ، وسواءٌ كان ذلك عن براهينَ ناصعة ، أو عن اعتقاداتٍ جازمة . على هذا انقرضَتِ الأعصارُ الكريمة ، وبها صرَّحتْ فتاوى أئمة الهدى المستقيمة ، حتى حدثَتْ مذاهبُ المعتزلة المبتدعة ، فقالوا : إنَّهُ لا يصحُّ الإيمانُ الشرعيُّ إلا بعد الإحاطةِ بالبراهينِ العقليَّةِ والسمعيَّة ، وحصولِ العلمِ بنتائجها ومطالبها ، ومَنْ لم يحصُلْ إيمانه كذلك فليس بمؤمن ، ولا يجزئ إيمانُهُ بغير ذلك ؛ وتبعهم على ذلك جماعةٌ من متكلِّمي أصحابنا ؛ كالقاضي أبي بكر ، وأبي إسحاقَ الإسْفَرَايِينِيِّ ، وأبي المَعَالِي في أوَّل قولَيْهِ . والأولُ هو الصحيح ؛ إذ المطلوب من المكلَّفين ما يقال عليه : إيمان ؛ كقوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . والإيمانُ : هو التصديقُ لغةً وشرعًا ؛ فمَنْ صدَّق بذلك كلِّه ، ولم يُجَوِّزْ نقيضَ شيء من ذلك : فقد عَمِلَ بمقتضى ما أمره الله به على نحو ما أمره الله تعالى ، ومَنْ كان كذلك ، فقد تَقصَّى عن عُهدَةِ الخطاب ؛ إذ قد عمل بمقتضى السُّنَّةِ والكتاب ، ولأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَهُ بعده حكموا بصحَّةِ إيمانِ كُلِّ مَنْ آمن وصدَّق بما ذكرناه ، ولم يفرِّقوا بين مَنْ آمن عن برهان أو عن غيره ؛ ولأنَّهم لم يأمروا أجلافَ العربِ بترديد النظر ، ولا سألوهم عن أدلَّةِ تصديقهم ، ولا أرجؤوا إيمانَهُمْ حتى ينظروا ، وتحاشَوْا عن إطلاق الكفر على أحدٍ منهم ، بل سَمَّوْهُمُ المؤمنين والمسلمين ، وأَجْرَوْا عليهم أحكامَ الإيمان والإسلام ، ولأنَّ البراهين التي حرَّرها المتكلِّمون ، ورتَّبها الجَدَليُّونْ ، إنما أحدثها المتأخِّرون ، ولم يَخُضْ في شيء من تلك الأساليب السلَفُ الماضونْ ؛ فمِنَ المحال والهذيانْ : أنْ يُشْتَرَطَ في صحة الإيمانْ ، ما لم يكنْ معروفًا ولا معمولاً به لأهلِ ذلك الزمانْ ، وهم مَنْ هم فَهمًا عن الله ، وأخذًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبليغًا لشريعتِهِ ، وبيانًا لسنته وطريقتِهِ ، وسيأتي قولٌ شافٍ في ذلك إن شاء الله . والملائكة : جمعُ مَلَك ، وقد اختُلِفَ في اشتقاقه ووزنه ؛ فقال ابن شُميل : لا اشتقاقَ له ، وقال ابن كَيْسَانَ : وزنه : فَعَلٌ من المُلْكِ ، وقال أبو عُبَيْدَة : هو مَفْعَلٌ من : لَأَكَ ، أي : أرسَلَ ، وقال غيره : إنه مأخوذٌ من الأَلُوكَة ، وهي الرسالة ، فكأنها تؤلك في الفم ، قال لَبِيدٌ : وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ فأصله على هذا : مَأْلَكٌ ؛ فالهمزة فاءُ الفعل ، لكنَّهم قلبوها إلى عينه ، فقالوا : مَلأَْكٌ ، ثم سهَّلوه ، فقالوا : مَلَاكٌ ، وقد جاء على أصله في الشعر ؛ قال : فَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلأَْكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَو السَّمَاءِ يَصُوبُ وقيل : هو مَلْكٌ من مَلَكَ ، نحو : شَمَلٍ من شَمَلَ . والساعة في أصل الوضع : مقدارٌ مَّا من الزمان ، غيرُ معيَّن ولا محدود ؛ لقوله تعالى : مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ . وفي عرف أهل الشرع : عبارةٌ عن يوم القيامة . وفي عرف المعدِّلين : جزءٌ من أربعة وعشرين جزءا من أوقاتِ الليل والنهار . والأشراط : هي الأَماراتُ والعلامات ؛ ومنه قوله تعالى : فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا وبها سمي الشُّرَطُ ؛ لأنَّهم يُعْلِمُون أنفسَهُمْ بعلامات يُعْرَفون بها . والأمَة هنا هي : الجاريةُ المستَوْلَدَة ، وربَّها سَيِّدها ، وقد سُمِّي بعلا في الرواية الأخرى ، كما سماه الله تعالى بعلا في قوله : أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ . في قول ابن عباس ، وحُكِيَ عنه أنه قال : لم أدر ما البَعْلُ حتَّى قلتُ لأعرابيٍّ : لِمَنْ هذه الناقةُ ؟ فقال : أنا بَعْلُها . وقد سُمِّي الزوجُ بَعْلاً ، ويجمع : بُعُولة ؛ كما قال تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ورَبَّتها : تأنيثُ رَبٍّ . واختُلِف في معنى ( قوله : أنْ تلد الأمةُ رَبَّتهَا ) على ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد به : أن يستولي المسلمون على بلاد الْكُفْرِ ، فيكثُرُ التسرِّي ؛ فيكونُ ولَدُ الأَمَةِ من سيِّدها بمنزلة سيِّدها ؛ لشرفِهِ بأبيه ، وعلى هذا : فالذي يكون مِنْ أشراطِ الساعة : استيلاءُ المسلمين على المشركين ، وكَثْرَةُ الفتوح والتسرِّي . وثانيها : أن يبيعَ السادةُ أمّهاتِ أولادهم ، ويكثُرَ ذلك ؛ فتتداوَلُ الأمهات المستولَدَةَ ، فربَّما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك ؛ فيصيرُ ولدُهَا ربَّها ، وعلى هذا : فالذي يكون من الأشراط : غلبةُ الجهلِ بتحريمِ بيعِ أُمَّهَاتِ الأولاد ، والاستهانةُ بالأحكام الشرعيَّة ؛ وهذا على قولِ مَنْ يرى تحريمَ بيعِ أُمَّهاتِ الأولاد ، وهم الجمهور ؛ ويصحُّ أن يحمَلَ ذلك على بيعهنَّ في حال حَمْلِهِنَّ ، وهو محرَّمٌ بالإجماع . وثالثها : أن يكْثُرَ العقوقُ في الأولاد ، فيُعَامِلَ الولدُ أُمَّهُ معاملةَ السيِّد أمَتَهُ من الإهانة والسَّبِّ ؛ ويشهدُ لهذا قولُهُ في حديث أبي هريرة : المَرْأَة مكان الأَمَة . وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - : لا تقومُ الساعةُ حتَّى يكونَ الوَلَدُ غَيْظًا . و ( قوله : وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ) . الحُفَاةُ : جمعُ حافٍ ، وهو الذي لا يلبس في رِجْلهِ شيئًا . والعُرَاة : جمعُ عارٍ ، وهو الذي لا يلبس على جَسَدِهِ ثوبًا . والعَالَةُ مخفَّفةَ اللام : جمع عائل ، وهو الفقير ، والعَيْلة : الفقر ؛ يقال : عال الرجلُ يَعِيل عَيْلَةً : إذا افتقر ، وأَعال يُعِيلُ : إذا كَثُرَ عياله ، وهذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية ، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة بأنهم صُمٌّ بكم عمي ، ويعني بذلك - والله تعالى أعلم - : أنهم جَهَلَةٌ رَعَاعٌ ، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في عِلْمٍ ولا في شيء من أمر دينهم ، وهذا نحو قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ؛ أطلَقَ ذلك عليهم مع أنَّهم كانت لهم أسماعٌ وأبصار ، ولكنَّهم لما لم تحصُلْ لهم ثمراتُ تلك الإدراكات ، صاروا كأنَّهم عَدِمُوا أصلَهَا ، وقد أوضح هذا المعنى قولُهُ تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ . ومقصودُ هذا الحديث : الإخبارُ عن تبدُّلِ الحال وتغيُّره ؛ بأنْ يستولي أهلُ الباديةِ الذين هذه صفاتُهمْ على أهل الحاضرة ، ويتملَّكوا بالقهر والغلبة ، فتكثُرَ أموالُهُمْ ، وتتسعَ في حُطَامِ الدنيا آمالُهُم ، فتنصرفَ هِممهُمْ إلى تشييد المَبانِي ، وهَدْمِ الدين وشريفِ المعاني ، وأنَّ ذلك إذا وُجِدَ ، كان من أشراط الساعة . ويؤيِّد هذا : ما ذُكِرَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أَسْعَدَ الناسِ بالدنيا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ وقد شوهد هذا كلُّه عِيَانَا ، فكان ذلك على صِدْقِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قرب الساعة حُجَّةً وبرهانَا ، وفيه : دليلٌ على كراهية ما لا تدعو الحاجةُ إليه مِنْ تطويلِ البناء وتشييدِه ؛ وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : يُؤْجَرُ ابنُ آدَمَ في كلِّ شيء إلا ما يَضَعُهُ في هذا التراب ومات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يَضَعْ حَجَرًا على حجرِ ، ولا لَبِنَةً على لبنة ، أي : لم يشيِّد بناءً ، ولا طوَّله ، ولا تأنَّق فيه . والرِّعَاء : جمعُ راع ، وأصلُ الرعي : الحفظ . والشاء : جمع شاة ، وهو من الجمعِ الذي بينه وبين واحده الهاء ، وهو كثيرٌ فيما كان خِلْقَةً لله تعالى ؛ كشَجَرَةٍ وشَجَر ، وثَمَرَةٍ وثَمَر ، وإنما خَصَّ رِعَاءَ الشاء بالذِّكْر ؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية . والبَهْم بفتح الباء : جمعُ بَهيمَة ، وأصلها : صغار الضَّأْن والمَعْز ، وقد يختصُّ بالمعز ، وأصله من استبهَمَ عن الكلام ، ومنه البهيمة . ووقع في البخاري : رِعَاءُ الإبلِ البُهمُ بضم الباء ، جمع بَهِم ، وهو : الأسود الذي لا يخالطه لونٌ آخر ، وقُيِّدَتْ ميم البُهم بالكسر والضم ، فمَنْ كسرها جعلها صفةً للإبل ، ومن رفعها جعلها صفةً للرعاء ، وقيل : معناه : لا شيءَ لهم ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غرلا . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وهذا التأويلُ فيه نظر ؛ لأنه قد نَسَبَ لهم إِبِلاً ، وظاهرها المِلْكُ ، وقال الخَطَّابيُّ : هو جمعُ بَهِيمٍ ، وهو المجهولُ الذي لا يُعْرَف . قال المؤلف رحمه الله تعالى : والأَوْلَى أن يُحْمَلَ على أنَّهم سودُ الألوان ؛ لأن الأَدَمَةَ غالبة على ألوانهم ، وروايةُ مسلم في رعاء البَهمِ من غير ذكر الإبل أولى ؛ لأنَّها الأنسب لِمَسَاقِ الحديث ولمقصوده ؛ فإنَّ مقصودَهُ ، أنَّ أضعف أهل البادية وهم رعاء الشاء ، سينقلب بِهِمُ الحال إلى أن يصيروا ملوكًا مع ضعفهم وبُعْدِهِمْ عن أسباب ذلك ، وأمَّا أصحابُ الإبل فهم أهلُ الفخرِ والخُيَلاَء ؛ فإنَّ الإبل عِزُّ أهلها ، ولأنَّ أهلَ الإبل ليسوا عالةً ولا فقراءَ غالبًا . و ( قوله : وَتُؤْمِن بالبعْثِ الآخِرِ ) وصفُ البعثِ بالآخر يَحْتَمِلُ أن يكون على جهة التأكيد ، كما قالوا : أَمْسِ الدابرُ ، وأَمْسِ الذاهبُ . ويَحْتمل أن يقال : إن البعث : إحياءٌ بعد إماتة ، وقد فعل الله ذلك مرتين ؛ فأحياناً بعد أَنْ كنَّا نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا وهي أمواتٌ ، ثم يحيينا ليومِ القيامة وهو البَعْثُ الآخِر ؛ كما قال الله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ قال أهلُ التفسير : أمواتًا في حال كوننا نُطْفًا وعَلَقًا في الأرحام ، ثُمَّ نفخَ الرُّوحَ وأحيا . و ( قوله : فعجبنا له يَسْأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ ) ؛ إنَّما تعجَّبوا من ذلك ؛ لأنَّ ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعْرَفُ إلا مِنْ جهته ، وليس هذا السائلُ مِمَّنْ عُرِفَ بلقاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ولا بالسَّمَاعِ منه ، ثم هو قد سأل سؤالَ عارفٍ محقِّقٍ مصدِّقٍ ؛ فتعجَّبوا من ذلك تعجُّبَ المُسْتَبْعِدِ لأنْ يكونَ أحدٌ يعرف تلك الأمورَ المسؤولَ عنها من غير جهة النبي - صلى الله عليه وسلم و ( قوله : فَلَبِثَ مليًّا ) أي : أقام بعد انصرافه حينًا ، يعني : النبيَّ - صلى الله عليه وسلم ويُروى : فَلَبِثْتُ بتاء مضمومة للمتكلِّم ، فيكونُ عمر هو الذي أخبَرَ بذلك عن نفسه ، وكلاهما صحيحُ المعنى . و ( قوله : إنَّه جبريل ) دليلٌ على أنَّ الله تعالى مكَّنَ الملائكةَ من أن يتمثَّلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم ؛ كما قد نصّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا . وقد كان جبريلُ يتمثَّلُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صورة دِحْيَةَ بنِ خَلِيفَة ، وقد كان لجبريل صورةٌ خاصَّة خُلِقَ عليها لم يَرَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليها غير مرتين ؛ كما صحَّ الحديث بذلك ؛ وهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عرَفَ جبريلَ لكنْ في آخر الأمر ، فأمَّا قبلَ ذلك ، فقد جاء في كتاب البخاري : التصريحُ بأنَّه لم يَعْرِفْ أنَّهُ جبريلُ إلا في آخر الأمر . و ( قوله : أتاكم يُعلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ) أي : قواعدَ دينكم ، أو كُلِّيَّاتِ دينكم ؛ قال القاضي : وهذا الحديث قد اشتمل على جميعِ وظائف العبادات الظاهرة والباطنة ؛ مِنْ عقودِ الإيمان ، وأعمالِ الجوارح ، وإخلاصِ السرائر ، والتحفُّظِ مِنْ آفاتِ الأعمال ، حتى إنَّ علومَ الشريعة كُلَّهَا راجعةٌ إليه ، ومتشعِّبَةٌ منه . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : فيصلُحُ هذا الحديث أن يقالَ فيه : إنه أُمُّ السُّنَّة ؛ لما تضمَّنه مِنْ جُمَلِ عِلْمِ السُّنَّة ، كما سُمِّيَتِ الفاتحةُ : أُمُّ الكتاب ؛ لما تضمَّنته مِنْ جملِ معاني القرآن ، كما سيأتي بيانُهَا ، إن شاء الله تعالى .
12 - [ 10 ] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ : نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شَيْءٍ ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أهل الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهل الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ . قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ ؟ قَالَ : اللهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ ؟ قَالَ : اللهُ . قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ ؟ قَالَ : اللهُ . قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ ، وَخَلَقَ الأَرْضَ ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ ، آللهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا . قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا ؟ قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قال : وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا . قال : صدق . قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قال : وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا . قال : صدق ، قال : ثم ولى ، قال : والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ، ولا أنقص منهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صدق ليدخلن الجنة . وَفِي رِوَايَةٍ : كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَل وَذَكَرَهُ . و ( قوله : نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - في القرآن - عَنْ شَيْءٍ ) يعني بذلك قولَهُ تعالى : لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وقد تقدَّمَ سببُ ذلك ، وسيأتي تكميله . و ( قوله : فَجَاءَ رَجُلٌ ) هذا الرجلُ هو ضِمَامُ بن ثَعْلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر ، قَدِمَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنَةَ تِسْع ؛ قاله أبو عُبَيْدَ ، وقيل : سنةَ سَبْع ، وقال محمَّد بن حَبِيب : سنةَ خَمْس ، وهو أبعدها ؛ لأنَّ فرض الحَجِّ لم يكنْ نزل إذْ ذاك ، والله أعلم ، وسيأتي ذلك في الحجِّ إن شاء الله تعالى . وقد خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ ، وقال فيه : عن أنس - رضي الله عنه - : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ، ثُمَّ عَقَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أيُّكم محمَّدٌ بن عبد الله ؟ وَالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين ظَهرانيهم ، فقُلنا : هذا الرجل الأبيضُ المُتَّكِئُ ، فقَالَ الرَّجُلُ : ابنَ عبدِ المُطَّلب ؟ فقال لَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : قَدْ أَجَبْتُكَ ، فقالَ الرَّجُلُ : إنِّي سَائِلُك فمُشَدِّدٌ عَلَيْك في المَسْأَلةِ ، فلا تجِدْ عليَّ في نفسِكَ ، فقَالَ : سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَال : أَسْأَلُكَ بربِّكَ ورَبِّ مَنْ قَبْلَكَ ، آللهُ أرْسَلَكَ إلَى النّْاس كُلِّهِمْ ؟ فقال : اللَّهُمَّ نعم . وذكر نحو حديثِ مسلم . وقد فَهِمَ البخاريُّ مِنْ هذا الحديثِ : أنَّ هذا الرجُلَ قد كان أسلَمَ على يدَيْ رسول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءهم ، وصَحَّ إيمانه ، وحَفِظَ شرائعه ، ثُمَّ جاء يَعْرِضها على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَلاَ تَرَى البخاريّ كيف بوَّب على هذا بابُ : القِرَاءَةِ وَالعَرْضِ على المحدِّث ؟ وكأنَّ البخاريَّ أخذ هذا المعنى من قولِ الرجل في آخر الحديث : آمَنْتُ بما جِئتَ بِهِ ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي ، وفيه نَظَرٌ . وأمَّا مساقُ حديثِ مسلم : فظاهره أنَّ الرجُلَ لم يَْشَرِحْ صدرُهُ للإسلامِ بَعْدُ ، وأنَّه بَقِيَتْ في قلبه منازعاتٌ وشكوكٌ ، فجاء مجيءَ الباحثِ المستَثْبِت ؛ أَلاَ تراه يقولُ : يا محمَّدُ ، أتانا رسُولُكَ فزَعَمَ لنا أَنَّكَ تزعُمُ أنَّ الله أَرْسَلَكَ ؛ فإنَّ الزَّعْم قولٌ لا يُوثَقُ به . قاله ابن السِّكِّيتِ وغيرُهُ ، غير أنَّ هذا الرجُلَ كان كاملَ العَقْل ، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات ، فَدَلَّهُ ذلك على أنَّ لها خالقًا خلقها ؛ ألا ترى أنَّهُ استفهَمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن خالقِ المخلوقاتِ استفهامَ تقريرٍ للقاعدة التي لا يَصِحُّ العلمُ بالرسول إلاَّ بعد حصولها ، وهي التي تفيدُ العِلْمَ بالمُرْسِلِ ، ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا وافقَهُ على ما شَهِدَ به العقلُ ، وأنَّ الله تعالى هو المُنْفَرِدُ بِخَلْقِ هذه المخلوقات : أقسَمَ عليه وسأله به : هل أرسلَهُ ؟ ثمَّ إنَّ الرجُلَ استمرَّ على أَسْئلتِه ، إلى أنْ حَصَلَ على طَلِبَتِه ، فانشرَحَ صدرُهُ للإسلامْ ، وزاحَتْ عنه الشكوك والأوهامْ ، وذلك ببركَةِ مشاهدِته أنوارِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلقدْ كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلمُ بصحَّةِ رسالَتِه ، بنفسِ رؤيتِهِ ومشاهدتِه قبلَ النظر في معجزتِه ؛ كما قال أبو ذرٍّ : فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ، حتَّى قال بعضهم : لَو لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ والحاصلُ : مِنْ حال هذا السائل أنَّهُ حصَلَ له العلمُ بصدقِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم وبصحَّةِ رسالتِهِ لمجموع قرائن لا تتعيَّنُ إحداها ولا تنحصرُ أعدادها . ويستفادُ من هذا الحديث : أنَّ الشرع إنَّما طلَبَ مِنَ المكلَّفين التصديقَ الجزم بالحقِّ ، كيف حَصَل ، وبأيِّ وجهٍ ثَبَت ، ولم يَقْصُرْهُم في ذلك على النظر في دلالةٍ معيَّنة ، ولا معجزةٍ ولا غيرها ، بل كُلُّ مَنْ حصَلَ له اليقينُ بِصِدْقِهِ : بمشاهدةِ وجهه ، أو بالنظرِ في معجزتِه ، أو بتحليفهِ ، أو بقرينةٍ لاَحَتْ له كان من المؤمنينْ ، وكان مِنْ جُمْلَةِ عبادِ الله المخلصينْ ؛ لكنْ دلالاتُ المعجزات هي الخاصَّةُ بالأنبياءْ ، والطرقُ العامَّةُ للعقلاءْ . وقد روى ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - حديثَ ضِمَامٍ هذا بأكملَ مِنْ هذا ، وقال فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ضِمَامًا إِنَّما أسلَمَ بعد أنْ أجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أسئلته المتقدِّمة ، فلمَّا أنْ فرَغَ ، قال ضِمَام : أَشْهدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَشْهَدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ ، وَسَأُؤدِّي هذه الفرائضَ ، وَأَجْتَنِبُ ما نهَيتَنِي عنه ، ثمّ لا أزيد ولا أنقُصُ ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : إِنْ يَصْدُقْ ذُو العَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الجَنَّة ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أهلِهِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ ، فَمَا أَمْسَى ذَلِكَ اليَوْمُ في حَاضرِهِ مِنْ رجُلٍ ولا امرأةٍ إلاَّ مسلمًا ، قال ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدٍ قَطُّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامٍ . ونادى هذا الرجلِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يا محمَّد ، ويا ابْنَ عَبْدِ المطَّلب ، ولم ينادِه بالنبوَّةِ ولا بالرسالة ، إمَّا لأنَّهُ لم يؤمنْ بَعْدُ ؛ كما قلناه ، وإمَّا لأنَّهُ باقٍ على صفة أهلِ الباديةِ والأعراب ؛ إذْ لم يتأدَّبْ بَعْدُ بشيء من آداب الشرع ، ولاَ عَلِمَ ما يجبُ عليه مِنْ تَعْزِيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره ؛ فإنّ اللهَ تعالى قد نهى أن ينادَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : يا محمَّدُ ، حين قال تعالى : لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، وأَوْلَى ما يقال : إنّ ضِمَامًا قَدِمَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تِسْعٍ ؛ كما قاله أبو عُبَيْدَةَ وغيرُهُ من أهل التواريخ ، ولأنَّها كانتْ سنةَ الوفود ؛ وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا فتَحَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ ، وهزَمَ جَمْعَ هَوَازِنَ ، وأسلَمْتْ قريشٌ كلُّها - : دوَّخَ اللهُ العرَبَ ، ونصَرَ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم وذلك سنةَ ثمانٍ من الهجرة ؛ فدخَلَ الناسُ في دين الله أفواجًا ، وقَدِمَ رؤساءُ العربِ وفودا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع ، فَسُمِّيَتْ : سنةَ الوفود لذلك . وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفَى يطولُ تتبُّعُهَا .
( 2 ) بَابُ وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ 11 - [ 9 ] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ، قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَهلِ نَجْدٍ ، ثَائِرُ الرَّأْسِ ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ، وَلا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فَقَالَ : لا ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَصِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ َقَالَ : لا ، إِلاّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الزَّكَاةَ ، فقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لا ، إِلاّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يَقُولُ : وَالله ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ!! فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، أو : دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . ( 2 ) ومِنْ بَابِ وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ الشرائع : جمع شَرِيعَةٍ ، وهي في أصل اللغة : مَشْرَعَةُ الماء ، وهي مَوْرِدُ الشارعة ، فسمِّيَتْ شرائعُ الإسلام بذلك ؛ لأنَّهَا الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الورود عليها والعمل بها . و ( قوله : جاء رَجُلٌ مِنْ أهل نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ ) قيل : إن هذا الرجل هو ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ الذي سمَّاه البخاريُّ في حديث أنسٍ المذكورِ بعدَ هذا ، وإنَّ الحديثَيْن حديثٌ واحد ، وهذا فيه بُعْدٌ ؛ لاختلافِ مساقهما ، وتباينِ الأَسْئلَةِ فيهما ، ولزيادةِ الحجِّ في حديث أنس ، ويبعُدُ الجَمْعُ بينهما ؛ فالأَوْلَى أن يقال : هما حديثانِ مختلفانِ ، وكذلك القَوْلُ في كُلِّ ما يَرِدُ من الأحاديث التي فيها الأسئلةُ المختلفة ؛ كحديث أبي أيُّوبَ ، وجابرٍ ، وغيرِهما ممّا يُذْكَرُ بعد هذا . وقد رام بعضُ العلماءِ الجَمْعَ بينها ، وزَعَم أنَّها كلَّها حديثٌ واحد ، فادَّعَى فَرَطَا ، وتكلَّف شَطَطَا ، من غير ضرورةٍ نقليّةٍ ، ولا عقليّةٍ . والنَّجْدُ : المرتفعُ من الأرض ، والغَوْرُ : المنخفض منها ، وهما بحكم العرف جهتانِ مخصوصتان . وثائرُ الرأس : منتفشُ الشَّعْرِ مرتفعُهُ ، مِنْ قولهم : ثار الشَّيْءُ : إذا ارتفَعَ ، ومنه : ثارَتِ الفتنةُ ، وهذه صفةُ أهلِ البادية غالبًا . و ( قوله : نسْمَعُ دَوِيّ صَوْتِهِ ولا نفْقَهُ مَا يَقُولُ ) رويناه : يُسْمَع ، ويُفْقَه بالياء اثنتين من تحتها مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ ، وبالنون فيهما للفاعل ، وكلاهما واضحُ الصحَّة ، وإنَّمَا لم يفهموا ما يقولُ ؛ لأنَّه نادى مِنْ بُعْدٍ ، فلمَّا دنا فهموه ؛ كما قال : حتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم و ( قوله : فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ ) إذا هذه هي المفَاجِئَةُ التي تقدَّم ذِكْرها . وهذا السائلُ إنَّما سَأَلَ عن شرائعِ الإسلام ، لا عن حقيقة الإسلام ؛ إذْ لو كان ذلك ، لأجَابَهُ بما أجاب به جبريلَ - عليه السلام - في حديثه ، ولِمَا رواه البخاريُّ في هذا الحديث ؛ فإنَّه قال : فأخبرَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائعِ الإسلام ، وكأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَهِمَ عنه أَنَّهُ إِنَّما سأل عمَّا تعيَّن فعلُهُ مِنْ شرائعِ الإسلام الفعليَّة لا القلبيَّة ؛ ولذلك لم يذكُرْ له : أَنْ تشهَدَ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ الله ، وأنَّ محمَّدًا رسول الله ، وكذلك لم يذكُرْ له الحَجَّ ؛ لأَنَّهُ لم يكنْ واجبًا عليه ؛ لأنَّه غيرُ مستطيع ، أو لأنَّ الحجَّ على التراخي ، أو لأنَّهُ كان قبل فَرْضِ الحجِّ ، والله أعلم ، وسيأتي ذكر الاختلافُ في وقت فرضِ الحجِّ . و ( قوله : خمسُ صَلَواتٍ فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فقال : لاَ يدُلُّ هذا على أنَّ الوِتْرَ ليس بلازمٍ ولا واجب ؛ وهو مذهبُ الجمهور ، وخالفهم أبو حنيفة ، فقال : إنَّه واجبٌ ، ولا يسمِّيه فرضًا ؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعًا بلزومه ؛ كالصلوات الخمس . و ( قوله : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فَقَالَ : لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ ) ظاهرٌ في أنَّ معنى هذا الكلامِ : هل يجبُ عليَّ مِنْ تطوعِ الصلواتِ شيءٌ غيرُ هذه الخَمْس ؟ فأجابه : بأَنَّهُ لا يَجِبُ عليه شيءٌ ، إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ ، فَيَجِبُ عليك . وهذا ظاهرٌ ؛ لأنَّ أصلَ الاستثناءِ من الجنس ، والاستثناءُ من غير الجنس مُختَلَفٌ فيه ، ثُمَّ هو مَجَازٌ عند القائلِ به . فإذا حَمَلْنَاه على الاستثناءِ المتَّصِل ، لَزِمَ منه أن يكون التطوُّعُ واجبًا ، ولا قائلَ به ؛ لاستحالتِهِ وتناقُضِهِ ، فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذهب إليه مالكٌ ، وهو أنَّ التطوُّعَ يصيرُ واجبًا بنفس الشروع فيه ، كما يصير واجبًا بالنذر ؛ فالشروعُ فيه التزامٌ له ؛ وحينئذٍ : يكونُ معنى قوله : أن تَطَّوَّعَ : أن تشرَعَ فيه وتبتدئه ، ومن ادَّعى أنَّه استثناءٌ من غير الجنسِ ، طولبَ بتصحيحِ ما ادَّعاه ، وتمسَّك مانعُهُ بالأصل الذي قرَّرناه . و ( قوله : فأدبر الرجل وهو يقول : واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص ) قيل معناه : لا أُغيِّر الفروض المذكورة بزيادة فيها ولا نقصان منها . ولا يصحّ أن يقال : إنّ معناه : لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفرائض المذكورة من السنن ، ولا من فروض أُخَر إن فُرضتْ ، فإنّ ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده ؛ لأنَّهُ مُنْكَرٌ ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُقِرُّ على مثله . و ( قوله : أَفْلَحَ وأَبِيهِ إنْ صَدَقَ ) أي : فاز بمطلوبه ؛ قال الهَرَوِيُّ : العرب تقول لكلِّ من أصاب خيرًا : مُفْلِح ، قال ابنُ دُرَيْدٍ : أَفْلَحَ الرجلُ وأَنْجَحَ : إذا أدرَكَ مطلوبَهُ . وأصلُ الفلاح الشَّقُّ والقطع ؛ قال الشاعر : إِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَح أي : يُشَقّ ؛ فكأنَّ المُفْلِحَ قد قطَعَ المصاعبَ حتَّى نال مطلوبَهُ . وقد استُعْمِلَ الفلاحُ في البقاء . كما قال : لَو كَانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الفَلاَحِ أدْرَكَهَا مُلاعِبُ الرِّمَاحِ وقال آخر : نَحُلُّ بِلاَدًا كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا وَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ و ( قوله : وأبيه ) الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعْرَفُ غيرُها هكذا ، بصيغة القسم بالأب . وقال بعضهم : إنَّما هي : واللهِ وصُحِّفَتْ بأَنْ قُصِرَتِ اللامان ؛ فالتبسَتْ بأبيه ؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه ؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخْرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات . وإنَّما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال ؛ لِمَا عارضَهُ عنده مِنْ نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بالآباء ؛ حيثُ قال : لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ؛ مَنْ كاَنَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ . وَيُنْفَصَلُ عن هَذَا مِنْ وجهين : أحدهما : أَنْ يقال : إنَّ هذا كان قبل النَّهيِ عن ذلك . والثاني : أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بِحُكْمِ السَّبْقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ للحَلِفِ به ، كما جَرَى منه : تَرِبَتْ يمِينُكِ ، وعَقْرَى حَلْقَى ، وهذه عادةٌ عربيَّةٌ بشريَّةٌ لا مؤاخذةَ عليها ، ولا ذمَّ يتعلَّق بها . وقد جاء في هذا الحديث : الصدقُ في الخبر المستقبل ، وهو رَدٌّ على ابن قتيبة إذْ قال : الصِّدْقَ إنّما يدخُلُ على الماضي ، والخُلْفَ في المستقبل ، ويَرُدُّ عليه أيضًا قولُهُ تعالى : ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ . و ( قوله : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أو : دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ) هذا شكٌّ من بعض الرواة في هذا الطريق ، وقد جاء طريقٌ آخَرُ بالجزم على أحدهما ؛ كما تقدَّم . ثم معنى اللفظَيْن واحدٌ ، فلا يَضُرُّ الشكّ ، وإنَّما ذكره الراوي متحرِّيًا .
( 18 ) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ 51 - [ 41 ] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ : أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْو الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أَلاَ إِنَّ الإِْيمَانَ هاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . ( 18 ) وَمِنْ بَابِ الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ( قوله : أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْو الْيَمَنِ ، وَقَالَ : أَلاَ إِنَّ الإِْيمَانَ هاهُنَا ) قيل : إنَّ هذه الإشارة صدَرَتْ عنه - عليه الصلاة والسلام - وهو بتَبُوكَ ، وبينه وبين اليمن مكةُ والمدينة ؛ ويؤيِّد هذا قولُهُ في حديث جابر : الإِْيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ ، فعلى هذا : يكونُ المرادُ بأهلِ اليمن : أهلَ المدينة ومَنْ يليهم إلى أوائلِ اليمن . وقيل : كان بالمدينة ؛ ويؤيِّده أنَّ كونَهُ بالمدينة كان غالبَ أحوالِهِ ؛ وعلى هذا : فتكونُ الإشارة إلى سُبَّاقِ اليمن ، أو إلى القبائل اليمنيَّة الذين وَفَدُوا على أبي بكر لفتحِ الشامِ وأوائلِ العراق ؛ وإليهم الإشارةُ بقوله - عليه الصلاة والسلام - : إنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ ، أي : نَصْرَهُ في حياتِهِ وتنفيسَه عنه فيها ، وبعد مماته ، والله تعالى أعلم . وسُمِّيَ اليَمَنُ يَمَنًا ؛ لأنَّه عن يمين الكعبة ، وسُمِّيَ الشامُ شامًا ؛ لأنَّه عن يسارِ الكعبة ، مأخوذٌ من اليدِ الشُؤْمَى ، وهي اليُسْرَى . و ( قوله : إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ) الْقَسْوَةُ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ : اسمان لمسمًّى واحدٍ ، وهو نحو قولِهِ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ، والبَثُّ : هو الحُزْن . قال المؤلِّف : وَيَحْتَمِلُ أن يقال : إِنَّ القسوةَ يرادُ بها : أنَّ تلك القلوبَ لا تَلِينُ لموعظة ولا تخشَعُ لِتَذْكار ، وغلظها : ألا تَفْهَمَ ولا تَعْقِل ، وهذا أولى من الأوَّل . والفَدَّادون مشدَّد الدال : جمعُ فَدَّاد ؛ قال أبو عُبَيْدٍ : هم المُكْثِرون من الإبل ، وهم جُفَاةٌ أهلُ خُيَلاَءَ ، واحدهم : فدَّاد ، وهو الذي يملكُ من المائتين إلى الألف . وقال أبو العبَّاس : هم الجَمَّالون والبَقَّارون ، والحَمَّارون والرُّعْيان . وقال الأصمعيُّ : هم الذين تعلو أصواتُهُمْ في حروثهم وأموالهم ومواشيهم ، قال : والفديدُ : الصوت ، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فديدًا ؛ وأنشد : أَعَاذِلُ مَا يُدْرِيكَ أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ لأَِخْفَافِهَا فَوْقَ المِتَانِ فَدِيدُ ورجلٌ فدَّاد : شديدُ الصوت . وأمَّا الفَدَادون بتخفيف الدال : فهي البَقَرُ التي تحرُثُ ، واحدها : فَدَّانُ بالتشديد ، عن أبي عمرو الشَّيْبانيِّ . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وأمَّا الحديثُ فليس فيه إلاَّ روايةُ التشديد ، وهو الصحيحُ على ما قاله الأصمعيُّ وغيره . و ( قوله : عِنْدَ أُُصولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ) المراد به ، والله أعلم : الملازمون للإبِلِ ، السائقون لها . ويظهر لي : أنَّ الفَدَّادين هو العاملُ في غير مكانه . قال : المصوِّتون عند أذناب الإبِلِ سَوْقًا لها ، وحَدْوًا بها . و ( قوله : حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ) هذا تعيينٌ لمواضعهم ؛ كما قال في الرواية الأخرى : رَأسُ الكُفْرِ قِبَلَ المَشْرِقِ . واختُلِفَ في قَرْنَيِ الشيطان : فقيل : هما ناحيتا رأسِهِ العُلْيَا ، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره ؛ فإنَّ قَرْنَ الشيءِ أعلاه في اللغة ؛ فيكونُ معناه على هذا : أنَّ الشيطاَن ينتصبُ قائمًا مع طلوعِ الشمس لِمَنْ يسجد للشمس ؛ لِيُسْجَدَ له ، ويُعْبَدَ بعبادتها ، ويَفْعَلُ هذا في الوقت الذي يسجُدُ لها الكُفَّار ؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ ومعها قَرْنُ الشَّيْطَان ، فإذا ارتفعَتْ فارَقَهَا ، ثُمَّ إذا استَوَتْ قارَنَهَا ، فإذا زالَتْ فارَقَهَا ، ثم إذا قارَبَتِ الغروبَ قارنَهَا ، ثم إذا غرَبَتْ فارَقَهَا . وقيل : القَرْنُ الجماعةُ من الناس والأُمَّة ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ . وعلى هذا فيكونُ معنى قَرْنَيِ الشيطان في الحديث : أنَّهما أُمَّتان عظيمتان يَعْبُدُونَ غيرَ الله ، ولعلَّهم في ذلك الوقت ربيعةُ ومُضَرُ المذكوران في الحديث ، أو أُمَّتَانِ من الفُرْسِ يعبدون الشمسَ ، ويَسْجُدُونَ لها مِنْ دون الله ؛ كما جاء في الحديث : وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ . وقال الخَطَّابِي : قَرْنُ الشيطانِ ضَرَبَ به المَثَلَُ فيما لا يُحْمَدُ من الأمور . وقيل : المرادُ بهذا الحديث : ما ظهَرَ بالعراق من الفتنِ العظيمة ، والحروبِ الهائلة ؛ كوقعةِ الجَمَل ، وحروبِ صِفِّين ، وحَرُورَاء ، وفِتَنِ بني أميَّة ، وخُرُوجِ الخوارج ؛ فإنَّ ذلك كان أصلُهُ ، ومنبعُهُ العراقَ ومَشْرِقَ نَجْد ، وتلك مساكنُ ربيعةَ ومُضَرَ إذْ ذاك ، والله أعلم . 52 - [ 42 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : جَاءَ أَهلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ، الإِْيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، السَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي الْفَدَّادِينَ أهل الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ . وَفِي رِوَايَةٍ : رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ . 53 - [ 43 ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَالإِيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ . و ( قوله في أهل اليمن : هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ) يعني : مِنْ أهلِ المشرق ، لا مِنْ أهل الحجاز ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - قد قال في الحديث الآخر : وَالإِْيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ ، واليَمَنُ من الحجاز ؛ كما سيأتي بيانُهُ إِنْ شاء الله تعالى . وقد وصَفَ أهلَ اليمنِ في هذا الحديث بضدِّ ما وصَفَ به أهلَ العراق ؛ فإنَّه قابَلَ وصفَي القسوةِ والغِلَظِ بوصفَيِ الرِّقَّةِ والضعف ؛ والرقَّةُ في مقابلة القسوة ، والضعفُ يقابلُ الغِلَظَ ، فمعنى أَرَقُّ : أخشَعُ ، ومعنى أضعَفُ : أسرَعُ فَهمًا وانفعالاً للخير . والأفئدة : جمعُ فؤاد ، وهو القلبُ ، وقيل : الفؤادُ داخلُ القلب ، أي : اللطيفةُ القابلةُ للمعاني مِنَ العلومِ وغيرها . وقوله : الإِْيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، قد تقدَّم القولُ في الإيمان . والحِكْمَةُ عند العرب : ما منَعَ من الجهل والجفاء ، والحكيم : مَنْ منعهُ عقلُهُ وحِلْمُهُ من الجهل ؛ حكاه ابنُ عَرَفة ، وهو مأخوذٌ من حَكَمَةِ الدابَّة ، وهي الحديدةُ التي في اللجام ، سُمِّيَتْ بذلك ؛ لأنّها تمنعها . وهذه الأحرف ح ك م حيثما تَصَرَّفَتْ فيها معنى المَنْع ، قال الشاعر : أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِموا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمْ أن أَغْضَبَا وقيل في قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ : إنَّها الإصابةُ في القولِ والفهم ؛ قال مالك : الحِكْمةُ الفِقْهُ في الدين . و ( قوله : وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ ) أي : السكونُ والوَقَارُ والتواضع . والفَخْرُ : التفاخرُ بالآباءِ الأشراف وكثرةِ الأموال والخَوَل والجاه ، وغير ذلك مِنْ مراتب أهل الدنيا . والخُيَلاَء : ممدودة وزنُهُ عند سيبويه : فُعَلاَء ، وهي التكبُّرُ والتعاظم ؛ يقال : خالَ الرجلُ يَخُولُ ، فهو خَالٌ وذو خَالٍ ومَخِيلَةٍ ؛ ومنه قولُ طلحةَ لِعُمَرَ : إنَّا لاَ نَخُولُ عليك ، أي : لا نتكبَّر عليك ، ويقالُ : اختالَ يختالُ فهو مختالٌ ؛ ومنه قولُهُ تعالى : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وأهلُ الوَبَر ، يعني به : أهلَ ذات الوبر ، وهي الإبلُ ، والوَبَرُ للإبل كالصوفِ للغَنَمِ ، والشَّعْرِ للمَعْز ؛ ولذلك قال الله تعالى : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبارٌ عن أكثرِ حالِ أهلِ الغنم ، وأهلِ الإبلِ وأغلبه . ورَأْسُ الْكُفْرِ : معظمُهُ ويريدُ : أنَّ كثرةَ أهلِهِ ورياستَهُمْ هناك . والحجاز سُمِّيَ بذلك ؛ لِحَجْزه بين نَجْدٍ وتِهَامَةَ ؛ قاله القتبي ، وقال ابنُ دُرَيْد : لحجزه بين نجد والسَّرَاة ، قال الأصْمعي : إذا انحدَرْتَ من ثنايا ذاتِ عِرْق ، فقد أَتْهَمْتَ إلى البحر ، فإذا استَقْبَلَكَ الحِرَارُ ، فذلك الحجاز ، سمِّيت بذلك ؛ لأنَّها حُجِزَتْ بالحِرَارِ الخَمْس ، وقيل : حَدُّ الحجاز مِنْ جهة الشام : شَعبٌ ، ومما يلي تِهَامَةَ : بَدْرٌ وعُكَاظ . قال بعضُ علمائنا : يجوزُ أن يكون المرادُ بالحجاز في هذا الحديث : المدينةَ فقطْ ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إِنَّ الإِْيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ .
45- [ 36 ] عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . و ( قوله : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) أي : لا يكمُلُ إيمانه ؛ كما تقدَّم ؛ إذْ مَنْ يَغُشُّ المسلمَ ولا ينصحُهُ مرتكبٌ كبيرةً ، ولا يكونُ كافرًا بذلك ؛ كما بيَّنَّاه غير مرَّة . وعلى هذا : فمعنى الحديث : أنَّ الموصوفَ بالإيمانِ الكامل : مَنْ كان في معاملته للناس ناصحًا لهم ، مريدًا لهم ما يريده لنفسه ، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه ، وتتضمَّنُ أن يفضِّلهم على نفسه ؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ أن يكونَ أفضَلَ من غيره ، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه ، فقد أَحَبَّ أن يكونَ غيره أفضَلَ منه ؛ وإلى هذا المعنى أشار الفُضَيْلُ بنُ عِيَاض لمَّا قال لسفيانَ بنِ عُيَيْنة : إنْ كنتَ تريدُ أن يكون الناسُ مثلَكَ ، فما أدَّيْتَ للهِ الكريمِ النصيحة ، فكيف وأنتَ تُوَدُّ أنَّهم دونك ؟!
( 15 ) بَابٌ لاَ يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مِنَ الْخَلْقِ 44 - [ 35] عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي رِوَايَةٍ : الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . وَفِي لَفظٍ آخَرَ : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . ( 15 ) وَمِنْ بَابِ : لاَ يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مِنَ الْخَلْقِ ( قوله : لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، هذا الحديثُ على إيجازِهِ يتضمَّنُ ذكرَ أصنافِ المَحَبَّةِ ؛ فإنَّها ثلاثة : محبَّةُ إجلالٍ وإعظام ؛ كمحبَّةِ الوالِدِ والعلماءِ والفضلاء . ومحبَّة ُرحمةٍ وإشفاق ؛ كمحبَّة الولد . ومحبَّةُ مشاكلةٍ واستحسان ؛ كمحبَّة غير مَنْ ذكرنا . وإنَّ محبَّةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لا بدَّ أن تكون راجحةً على ذلك كلِّه . وإنَّما كان ذلك ؛ لأنَّ الله تعالى قد كمَّله على جميعِ جنسه ، وفضَّله على سائر نوعه ، بما جبله عليه مِنَ المحاسنِ الظاهرة والباطنة ، وبما فضَّله مِنَ الأخلاقِ الحسنة والمناقبِ الجميلة ؛ فهو أكملُ مَنْ وَطِئَ الثَّرى ، وأفضلُ مَنْ رَكِبَ ومَشَى ، وأكرمُ مَنْ وافى القيامة ، وأعلاهُمْ منزلةً في دارِ الكرامة . قال القاضي أبو الفضل : فلا يصحُّ الإيمانُ إلاَّ بتحقيق إنافةِ قَدْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومنزلتِهِ ، على كلِّ والدٍ وولد ، ومُحْسِنٍ ومُفْضِل ، ومن لم يعتقدْ هذا واعتقَدَ سواه ، فليس بمؤمنٍ . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وظاهرُ هذا القول أنَّه صرَفَ محبَّةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اعتقادِ تعظيمِهِ وإجلاله ، ولا شكَّ في كُفْرِ مَنْ لا يعتقدُ عليه . غيرَ أنَّ تنزيلَ هذا الحديثِ على ذلك المعنى غيرُ صحيح ؛ لأنَّ اعتقادَ الأعظَمِيَّةِ ليس بالمحبَّةِ ، ولا الأحبِّيَّة ، ولا مستَلْزِم لها ؛ إذْ قد يجدُ الإنسانُ من نفسه إعظامَ أمرٍ أو شخصٍ ، ولا يجدُ محبَّته ، ولأنَّ عمر لَمَّا سمع قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، قَال عمر : يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي ، فَقَالَ : وَمِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ ، قَالَ : وَمِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ : الآنَ يَا عُمَرُ . وهذا كلُّه تصريحٌ بأنَّ هذه المحبَّةَ ليستْ باعتقاد تعظيم ، بل ميلٌ إلى المعتقَدِ وتعظيمُهُ وتعلُّقُ القلبِ به ، فتأمَّلْ هذا الفرق ؛ فإنَّه صحيحٌ ، ومع ذلك فقد خَفِيَ على كثيرٍ من الناس . وعلى هذا المعنى الحديث - والله أعلم - أنَّ مَنْ لم يجدْ مِنْ نفسه ذلك الميلَ ، وأرجحيَّتَهُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكْمُلْ إيمانُهُ . على أنِّي أقولُ : إنَّ كلَّ مَنْ صدَّق بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم وآمَنَ به إيمانًا صحيحًا ، لم يَخْلُ عن وِجْدَانِ شيء من تلك المحبَّة الراجحةِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ غير أنّهم في ذلك متفاوتون ؛ فمنهم : مَنْ أخذ تلك الأرجحيّةِ بالحظِّ الأوفى ؛ كما قد اتَّفَقَ لعمر حتى قال : ومِنْ نَفْسِي ، ولهندٍ امرأةِ أبي سفيان حين قالتْ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : لَقَدْ كَانَ وَجْهُكَ أَبْغَضَ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ الحديث ، وكما قال عمرو بن العاص : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلاَلاً لَهُ ، وَلَو سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ ، مَا أَطَقْتُ ؛ لأَِنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، ولا شَكَّ في أنَّ حظَّ أصحابِهِ من هذا المعنى أعظَمُ ؛ لأنَّ معرفتهم لقدره أعظم ؛ لأن المحبَّةُ ثمرةُ المعرفة ، فتقوَى وتضعُفُ بِحَسَبها . ومن المؤمنين : من يكونُ مستغرِقًا بالشهواتْ ، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثرِ أوقاته ؛ فهذا بأخسِّ الأحوال ، لكنَّه إذا ذُكِّرَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم وبشيء من فضائله ، اهتاجَ لذكرِهِ ، واشتاقَ لرؤيته ، بحيثُ يُؤْثِرُ رؤيتَهُ ، بل رؤيةَ قبرِهِ ومواضعِ آثاره ، على أهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ ، ونفسِهِ والناسِ أجمعين ، فيخطُرُ له هذا ويجدُهُ وِجْدانًا لا شَكَّ فيه ، غير أنَّه سريعُ الزوال والذَّهَاب ؛ لغلبة الشَّهَوَاتِ ، وتوالي الغَفَلاَت ؛ ويُخَافُ على مَنْ كان هذا حالُهُ ذَهَابُ أصلِ تلك المحبَّةْ ، حتى لا يوجَدَ منها حَبَّةْ ، فنسألُ اللهَ الكريم أن يَمُنَّ علينا بدوامها وكمالَِها ، ولا يَحْجُبَنَا عنها .
( 19 ) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصْحُ مِنَ الإِْيمَانِ 54 - [ 44 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ . ( 19 ) وَمِنْ بَابٍ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصْحُ مِنَ الإِْيمَانِ و ( قوله : لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ) كذا صحَّت الروايةُ هنا : وَلاَ تُؤْمِنُوا ؛ بإسقاطِ النون ، والصوابُ : إثباتها كما قد وقع في بعض النسخ ؛ لأنَّ لا نَفْيٌ لا نهيٌ ؛ فلزم إثباتها . والإيمانُ المذكورُ أوَّلاً هو : التصديقُ الشرعيُّ المذكورُ في حديث جبريل ، والإيمانُ المذكور ثانياً هو : الإيمانُ العمليُّ المذكورُ في قوله : الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون بابًا ، ولو كان الثاني هو الأوَّلَ ، لَلَزِمَ منه أن لا يدخلَ الجَنَّةَ مَنْ أبغَضَ أحدًا من المؤمنين ، وذلك باطلٌ قطعًا ؛ فتعيَّنَ التأويلُ الذي ذكرناه . وإِفْشَاءُ السَّلاَمِ إظهارُهُ وإشاعته ، وإقراؤُهُ على المعروفِ وغيرِ المعروف . ومعنى قولِهِ : لاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أي : لا يكمُلُ إيمانكم ولا يكونُ حالُكم حالَ مَنْ كَمُلَ إيمانُهُ ؛ حتى تُفْشُوا السلامَ الجالبَ للمحبَّة الدينيَّة ، والألفةِ الشرعيَّة .
56 - [ 46 ] وعَنْ جَرِيرٍ ؛ قَالَ : بَايَعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ - فَلَقَّنَنِي : فِيمَا اسْتَطَعْتَ - : وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . و ( قولُ جرير : بَايَعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) كانتْ مبايَعَةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِهِ مرَّاتٍ متعدِّدَةً في أوقاتٍ مختلفة ، بحسَبِ ما كان يحتاجُ إليه مِنْ تجديدِ عهدٍ ، أو توكيدِ أمرٍ ؛ فلذلك اختلفَتْ ألفاظها ؛ كما دلَّتْ عليه الأحاديثُ الآتيةُ . و ( قوله : فلَقَّنَني : فِيمَا اسْتَطَعْتَ ) رويناه : بفتح التاء على مخاطبته إيَّاه ؛ وعلى هذا : فيكونُ قوله : فِيمَا اسْتَطَعْتَ مِنْ قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مخاطِبًا له به ، فلا يحتاجُ جريرٌ إلى التلفُّظِ بهذا القول . ورويناه : بضمِّ التاءِ للمتكلِّم ، وعلى هذا : فيكون النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَهُ أن ينطق بهذا اللفظ ؛ فكأنَّه قال له : قلْ : فيما استطَعْتُ ، وعليه فيحتاجُ جريرٌ إلى النطق بذلك امتثالاً للأمر . وعلى الوجهَيْن : فمقصودُ هذا القولِ التنبيهُ على أنَّ اللازمَ من الأمورِ المبايَع عليها هو ما يُطَاقُ ويُستطاع ، كما هو المُشْتَرَطُ في أصل التكليف ؛ كما قال تعالى : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا . ويُشْعِرُ الأمرُ بقولِ ذلك اللفظِ في حال المبايعة : بالعَفْو عن الهفوة والسقطة ، وما وقع عن خطأٍ أو تفريط .
55- [ 45] وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَال : للهِ ، وَلِكِتَابِهِ ، وَلِرَسُولِهِ ، ولأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ . و ( قوله : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) هي مصدرُ : نَصَحَ يَنْصَحُ ، نَصِيحَةً ، ونُصْحًا بضم النون ، فأمَّا نَصَحْتُ الثوبَ ، فمصدره : نَصْحًا بفتح النون ؛ قاله الجوهريُّ . وقال الخطَّابِيُّ : النصيحةُ كلمةٌ يعبَّر بها عن جملةِ هي إرادةِ الخَيْرِ للمنصوح له ، وهي في اللغةِ الإخلاصُ ؛ من قولهم : نَصَحْتُ العَسَلَ : إذا صَفَّيْتَهُ . قال نِفْطَوَيْهِ : يقال : نَصَحَ له الشيءُ : إذا خَلَصَ ، ونصَحَ له القولَ : أخْلَصَهُ له . وقيل : هي مأخوذةٌ من النَّصْحِ بالفتح ، وهي الخِيَاطةُ ، والإبرة : المِنْصَحَة ، والنِّصَاح : الخَيْطُ ، والنَّاصِحُ : الخَيَّاط ؛ فكأنَّ الناصحَ لأخيه يَلُمُّ شَعَثَهُ ويَضُمُّهُ كما تَضُمُّ الإبرةُ خَرْقَ الثوب . فالنصحُ للهِ تعالى : هو صحةُ الاعتقادِ بالوحدانيَّة لله تعالى ، ووصفُهُ بصفات الإلهية ، وتنزيهُهُ عن النقائص ، والرغبةُ في محابِّه ، والبُعدُ عن مَسَاخطه . والنُّصُحُ لكتابِ الله تعالى : هو الإيمانُ به ، وتحسينُ تلاوته ، وتفسير معانيه ، وتدبُّرُ آياته ، وتوقيرُهُ وتعظيمه ، والدعاءُ إليه ، والذَّبُّ عنه . والنصحُ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : هو التصديقُ بنبوَّته ، والتزامُ طاعتِهِ فيما أمَرَ به ونَهَى عنه ، وموالاةُ مَنْ والاه ، ومعاداةُ مَنْ عاداه ، وتوقيرُهُ وتعزيرُه ، ومحبَّتُهُ ومحبةُ آل بيته ، وتعظيمُ سُنَّتِه ، وإحياؤُهَا بعد موتِه ، بروايَتِهَا وتصحيحها ، والبَحْثِ عنها والتفقُّهِ فيها ، والذَّبِّ عنها ونَشْرِها والدعاءِ إليها ، والتخَلُّقِ بأخلاقِهِ الكريمة . ونصيحةُ أئمَّةِ المسلمين : هي طاعتُهُمْ في الحقِّ ، ومعونَتُهُمْ عليه ، وتذكيرُهُمْ به ، وإعلامُهُمْ بما غَفَلُوا عنه أو جهلوه في أمر دينهم ومصالح دنياهم ، وبالجملة : بأَنْ يكونَ معهم كما قال - عليه الصلاة والسلام - : أن تُؤْتِيَهُمْ مَا تُحِبُّ أن يُؤْتَى إِلَيْكَ ، وتَكْرَهَ لَهُمْ ما تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ . وقد تقدَّم القولُ على قولِهِ : لاَ يُؤْمِنُ أحدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . وإذا كان هذا في حَقِّ المسلمين ، فالأمراءُ والأئمَّةُ بذلك أولى .
( 3 ) بَابُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَانْتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ 13 - [ 11 ] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ ، قَالَ : تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ ، قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أَمَرْ بهُ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ . ( 3 ) ومن بَاب مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَانْتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ هذه الترجمةُ يشهدُ بصحَّتها الحديثان المذكورانِ تحتها ؛ فأمَّا حديثُ أبي أَيُّوبَ ، فمِنْ حيثُ إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دلَّ السائلَ على فِعْلِ ما وجَبَ عليه ، وقال : إنْ تَمَسَّكَ بِمَا أَمَر بهُ دَخَلَ الجَنَّةَ . وأمَّا حديثُ جابرٍ فمِنْ حيثُ إنّ السائل إنّما سأله عن دخولِ - مَنْ فَعَلَ ما يجبُ عليه ، وَانْتَهَى عمَّا حُرِّمَ عليه - الجَنَّةَ ، فأجابه بـ نعم ، ولم يَذْكُرْ لهما في هذَيْن الحديثين شيئًا مِنْ فعل التطوُّعات ؛ فدَلّ على صِحَّةِ ما ذكرناه ، وعلى جواز ترك التطوُّعاتِ على الجملة ، لكنْ مَنْ تركها ولم يعملْ شيئًا منها ، فقد فوَّت على نفسه ربحًا عَظِيمًا ، وثوابًا جسيمَا ، ومَنْ داوم على ترك شيءٍ من السنن ، كان ذلك نقصًا في دينه ، وقدحًا في عدالته ، فإنْ كان ترَكَهُ تهاوُنًا به ورغبةً عنها ، كان ذلك فِسْقًا يستحقُّ به ذمًّا . وقال علماؤنا : لو أنَّ أهلَ بلدةٍ تواصلوا على ترك سنة ، لقوتلوا عليها حتى يرجعوا ، ولقد كان صَدْرُ الصحابة ومَنْ بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتَهُمْ على الفرائض ، ولم يكونوا يفرِّقون بينهما في اغتنامِ ثوابهما ؛ وإنما احتاج أئمَّةُ الفقهاء إلى ذِكْرِ الفرق بينهما ؛ لما يترتَّب عليه مِنْ وجوبِ الإعادةِ وتركها ، وخَوْفِ العقابِ على الترك ، ونَفْيِهِ إِنْ حصل تركٌ ما بوجهٍ ما . وإنما سكَتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء السائلين عن ذِكْرِ التطوُّعات ، ولم يذكُرْهَا لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عبيد الله ؛ لأنَّ هؤلاءِ - والله أعلم - كانوا حديثي عهدٍ بإسلام ؛ فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال ؛ لئلاَّ يَثْقُلَ ذلك عليهم فيَمَلُّوا ، أو لِئَلاَّ يعتقدوا أنَّ تلك السنن والتطوُّعاتِ واجبة ، فتركَهُمْ إلى أن تنشرحَ صدورهم بالفهم عنه ، والحرصِ على تحصيلِ ثوابِ تلك المندوبات ؛ فتسهل عليهم . ومن المعلوم أنَّ هؤلاءِ ما سُوغُ لهم تركُ الوتر ولا صلاةِ العيدَيْن ، ولا غير ذلك ، مِمَّا فعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في جماعة المسلمين ، ولا يجترئون على ترك ذلك ؛ للذي يُعْلَمُ مِنْ حرصهم على الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم وعلى تحصيل الثواب ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ ) يعني : قرابتَكَ ؛ وعلى هذا ؛ فتكون القرابة جنسًا مضافًا إلى ذي ؛ فإنَّ حكمها أن تضافَ إلى الأجناس . وهذا أَوْلَى مِنْ قول من قال : إنَّ الرحم هنا اسمُ عَيْن ، وإنّها هنا بمنزلة قولهم : ذو نُوَاسٍ ، وذو يَزَنَ ، وذو عَيْنٍ ؛ لأنَّ هذه أسماءُ أعلامٍ لا أسماءُ أجناس ، و ذو بمعنى صاحب ، وهي من الأسماء الستَّة التي اعتلَّتْ بحذف لاماتها في الإفراد ، ورفعُهَا بالواو ، ونصبُهَا بالألف ، وخفضها بالياء ، وقد ذَكَرَ النحويون أوزانَهَا وأحكامها .
15- [ 12 ] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلاَلَ ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَاللهِ ، لا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا . و ( قوله : أَرَأَيْتَ إِذَا أَحْلَلْتُ الْحَلاَلَ ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ ) يعني : اكتسبْتُ الحلال ، وامتَنَعْتُ مِنْ كسب الحرام ، هذا عرفُ الحلالِ والحرامِ في الشرع . وأمَّا في أصل الوضع : فيصلُحُ أنْ يطلق الحلالُ على كلِّ ما للإنسان أن يفعلَهُ شرعًا ، ولا يُمتْنَعَ منه ، والحرامُ على ما مْنَعُ الإنسانُ من فعله مطلقاً . و ( قوله : وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ) يصلُحُ أنْ يُحْمَلَ على ما ذكرناه آنفًا ، وَيَحْتَمِلُ أن يكون قال ذلك ؛ لأنَّه لم يتفرّغْ لفعلِ شيء من النوافل في تلك الحال : إمَّا لِشَغْله بالجهاد ، أو لغيره من أعمال الدين ، والله تعالى أعلم .
( 14 ) بَابُ الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ 38 - [ 32 ] عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ : غَيْرَكَ - قَالَ : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ . ( 14 ) وَمِنْ بَابِ الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ ( قوله : قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ) أي : علِّمْني قولاً جامعًا لمعاني الإسلام ، واضحًا في نفسه ، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك ، أعمَلُ عليه ، وأكتفي به ؛ وهذا نحو ممَّا قاله له الآخر : عَلِّمْنِي شَيْئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ ، وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى ، فَقَالَ : لاَ تَغْضَبْ . وهذا الجوابُ ، وجوابُهُ بقوله : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ؛ دليلٌ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ ، واختُصِرَ له القول اختصارًا ؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُخْبِرًا بذلك عن نفسه ؛ فإنّه - عليه الصلاة والسلام - جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَيْن الكلمتَيْن معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها ؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه ، وذاكرًا بلسانه . ويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه ، التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل ، وأَمْرِهِ بالاِستقامةِ على أعمال الطاعاتْ ، والانتهاءِ عن جميع المخالفاتْ ؛ إذْ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيء من الاعوجاج ، فإنَّها ضِدُّه . وكأنَّ هذا القولَ منتزَعٌ من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا أي : آمَنُوا باللهِ ووحَّدوه ، ثم استقاموا على ذلك وعلى طاعتِهِ إلى أن تُوُفُّوا عليها ؛ كما قال عمرُ بنُ الخَطَّاب : استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ ، ولم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثعالب ، وملخَّصُهُ : اعتَدَلُوا على طاعة الله تعالى ، عَقْدًا وقولاً وفعلاً ، وداموا على ذلك . 39 - [ 33 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ . وَفِي أُخْرَى : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . و ( قوله : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ) أي : أيُّ خصالهم أفضلُ ؟ بدليل جوابه بقوله : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ، وكأنَّه - عليه الصلاة والسلام - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنَّه يسألُ عن أفضلِ خصالِ المسلمين المتعدِّيَةِ النفعَ إلى الغير ، فأجابَهُ بأعمِّ ذلك وأنفعِهِ في حقِّه ؛ فإنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان يجيبُ كُلَّ سائلٍ على حَسَبِ ما يُفْهَمُ منه ، وبما هو الأهمُّ في حقِّه والأنفعُ له . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) قال أبو حاتم : تقول : قَرَأَ عليه السلامَ وأقْرَأَهُ الكتابَ ، ولا تقول : أَقْرَأَهُ السلامَ إلاَّ في لغة سُوء ، إلاَّ أن يكونَ مكتوبًا فتقول : أَقْرِئْهُ السلامَ ، أي : اجعلْهُ يقرؤه . وجمَعَ له بين الإطعامِ والإفشاء ؛ لاجتماعهما في استلزام المحبَّةِ الدينيَّة ، والأُلْفةِ الإسلاميَّة ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ . وفيه : دليلٌ على أنَّ السلام لا يُقْصَرُ على من يُعْرَفُ ، بل على المسلمين كافَّة ؛ لأنّه كما قال - عليه الصلاة والسلام - : السَّلاَمُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا ، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا . ورَدُّ السلامِ أوكَدُ من ابتدائه ، وسيأتي القولُ فيه ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ فقَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) هذا السؤالُ غيرُ السؤالِ الأوَّل وإن اتَّحَدَ لفظهما ؛ بدليلِ افتراق الجواب ، وكأنَّه - عليه الصلاة والسلام - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنه إنما سأل عن أحقِّ المسلمين باسم الخيريَّة وبالأفضليَّة ، وفَهِمَ عن الأوَّل أنَّه سَأَلَ عن أحقِّ خصالِ الإسلامِ بالأفضليَّة ، فأجاب كُلاًّ منهما بما يليقُ بسؤاله ، والله تعالى أعلم ، وهذا أولى مِنْ أن تقول : الخبران واحد ، وإنَّما بعضُ الرواة تسامَحَ ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفَعُ الثقةَ بأخبارِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ العدول ، مع وجودِ مندوحةٍ عن ذلك . 40 - [ 34 ] وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . و ( قوله : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) أي : مَنْ كانتْ هذه حالَهُ ، كان أحقَّ بهذا الاسمِ ، وأمكنَهُمْ فيه . ويبيِّن ذلك : أنَّه لا ينتهي الإنسانُ إلى هذا ، حتَّى يتمكَّنَ خوفُ عقابِ الله تعالى مِنْ قلبه ، ورجاءُ ثوابه ، فيُكْسِبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضَبْطِ لسانه ويده ، فلا يتكلَّمُ إلاَّ بما يعنيه ، ولا يفعلُ إلاَّ ما يَسْلَمُ فيه ؛ ومَنْ كان كذلك ، فهو المسلمُ الكامل ، والمتَّقي الفاضل . ويقرُبُ من هذا المعنى بل يزيدُ عليه : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ؛ إذْ معناه : أَنَّهُ لاَ يتمُّ إيمانُ أحدٍ الإيمانَ التامَّ الكامل ، حتَّى يَضُمَّ إلى سلامةَ النَّاسِ منه إرادته الخيرِ لهم ، والنُّصْحَ لجميعهم فيما يحاوله معهم . ويستفادُ من الحديث الأوَّل : أنَّ الأصلَ في الحقوقِ النفسيَّة والماليَّة المنعُ ؛ فلا يحلُّ شيءٌ منها إلاَّ بوجهٍ شرعيٍّ ، واللهُ تعالى أعلَمُ بغيبه وأحكم .
( 4 ) بَابُ مَبَانِي الإِْسْلاَمِ 16 - [ 13 ] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَصِيَامِ رَمَضَانَ ، وَالْحَجِّ . فَقَالَ رَجُلٌ : الْحَجِّ ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : لا ، صِيَامِ رَمَضَانَ ، وَالْحَجِّ ، هكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم وَفِي أُخْرَى : بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ ، ويُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ الحَدِيثَ . ( 4 ) وَمِنْ بَابِ مَبَانِي الإِْسْلاَمِ ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ) يعني : أن هذه الخمس أساسُ دين الإسلام ، وقواعدُه عليها تنبني ، وبها تقوم ، وإنما خَصَّ هذه بالذكر ولم يذكُرْ معها الجهاد ، مع أنه به ظهر الدين ، وانقمع به عُتَاةُ الكافرين ؛ لأنَّ هذه الخمس فرضٌ دائم على الأعيان ، ولا تسقطُ عمَّن اتَّصَفَ بشروط ذلك ، والجهادُ من فروض الكفايات ، وقد يسقُطُ في بعض الأوقات ، بل وقد صار جماعةٌ كثيرةٌ إلى : أنّ فرضَ الجهاد قد سقَطَ بعد فتح مكَّة ، وذُكرَ أنَّه مذهبُ ابنِ عمر ، والثوري ، وابن سِيرِينَ ، ونحوُهُ لسُحْنُون من أصحابنا ، إلا أن ينزلَ العَدُو بقوم ، أو يأمر الإمامُ بالجهاد ، فيلزمُ عند ذلك . وقد ظهَرَ مِنْ عدولِ ابن عمر عن جواب الذي قال له : ألا تغزو ؟ إلى جوابه بقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ، أنَّه كان لا يرى فرضيَّةَ الجهاد في ذلك الوقت خاصَّةً ، أو على أنَّهُ يرى سقوطَهُ مطلقًا ؛ كما نُقِلَ عنه . وحديث ابن عمر هذا قد روي من طرق : ففي بعضها : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ ، وفي بعضها : على أن تعْبَدَ اللهُ ، وتكْفَرَ بما دونه ، فالأُولَى نَقْلٌ للفظ ، والأخرى نقلُ بالمعنى ، والأصل نقل اللفظ ، وهو المتفق عليه . وقد اختُلِفَ في جواز نقل الحديثِ بالمعنى مِنَ العالِمِ بمواقعِ الكلم ، وتركيبها على قولين : الجواز ، والمنع . وأما مَنْ لا يَعْرِف ، فلا خلافَ في تحريمِ ذلك عليه ، وقد أوضحنا المسألةَ في الأصول . وقد وقع في بعضِ الرواياتِ في الأصل تقديمُ الحجِّ على الصوم ، وهي وَهَمٌ ، والله أعلم ؛ لأنَّ ابن عمر لمَّا سَمِعَ المستعيدَ يُقدِّمُ الحجَّ على الصوم ، زجَرَهُ ونهاه عن ذلك ، وقدَّم الصومَ على الحجِّ ، وقال : هكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم ولا شك في أنَّ نقل اللفظ كما سُمِعَ هو الأَوْلَى والأسلم ، والأعظم للأجر ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هو أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ . ويَحْتَمِلُ أن يكون محافظةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على ترتيب هذه القواعد ؛ لأنَّها نزلَتْ كذلك : الصلاةُ أولاً ، ثُمَّ الزكاةُ ، ثُمَّ الصوم ، ثُمَّ الحج . وَيَحْتَمِلُ ذلك أنْ يكونَ لإفادة الأوكد فالأوكد ؛ فقد يَسْتَنْبِطُ الناظرُ في ذلك الترتيب تقديمَ الأوكدِ على ما هو دونَهُ إذا تعذَّر الجمعُ بينهما ؛ كمن ضاق عليه وقتُ الصلاة ، وتعيَّن عليه في ذلك الوقتِ أداءُ الزكاة لضرورة المستَحِقِّ ؛ فيبدأ بالصلاة ، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحَاجِّ ، فيتذكَّرُ العشاءَ الآخرة ، وقد بقي عليه مِنْ وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعلَهُ فاته الوقوفُ بِعَرَفَةَ ، فقد قال بعضُ العلماء : إنَّه يبدأُ بالصلاة وإنْ فاته الوقوفُ ؛ نظرًا إلى ما ذكرناه ، وقيل : يبدأ بالوقوف ؛ للمشقَّةِ في استئناف الحَجِّ . ومن ذلك : لو رجلٌ بزكاةٍ فرَّط في أدائها ، وبكفَّارةِ فِطْرٍ من رمضان ، وضاقَ الثلثُ عنهما ، بدَأَ بالزكاة أولا لأوكديَّتها على الصوم ، وكذلك : لو بكفَّارةِ الفطر وبَهديٍ واجبٍ في الحَجِّ ، قدَّمَ كَفَّارَةَ الفِطْر ؛ وهذا كلُّه على أصل مالك ، فإنَّ ذلك كلَّه يُخْرَجُ من الثلث ، وأمّا مَنْ ذهب إلى أنَّ ذلك يُخْرَجُ من رأس المال ، فلا تفريعَ على ذلك بشيء ممَّا ذكرناه ، والله تعالى أعلم .
( 20 ) بَابٌ لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو كَامِلُ الإِْيمَانِ 57- [ 47] عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وهو مُؤْمِنٌ ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وهو مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَغُلُّ حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤْمِنٌ ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ ! وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ . ذَكَرَهُ بِأَسَانِيدَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ . ( 20 ) وَمِنْ بَابٍ لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو كَامِلُ الإِْيمَانِ هذه الترجمةُ مشعرةٌ بأنَّ هذه الأحاديثَ المذكورةَ تحتها ليستْ على ظواهرها ، بل متأوَّلَةٌ ، وهي تحتملُ وجوهًا من التأويلات ؛ أحدُهَا : ما ذُكِرَ في الترجمة ، وسيأتي . والزِّنَى في العُرْفِ الشرعيِّ : هو إيلاجُ فَرْجٍ محرَّمٍ ، في فرجٍ محرَّمٍ شرعًا ، مُشْتَهًى طَبْعًا ، مِنْ حيثُ هو كذلك ؛ فتحرَّزوا بمُشْتَهًى طبعًا من اللِّوَاطِ وإتيانِ البهيمة ، وبقولِهِ : مِنْ حَيْثُ هو كَذَلِكَ عن وَطْءِ المُحْرِمةِ والصائمةِ والحائض ؛ فإنَّه تحريم مِنْ جهةِ الموانعِ الخارجيَّة . و ( قوله : وَلا يَنْتَهِبُ أَحَدُكُمْ نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ ) النُّهبَةُ والنُّهبَى : اسمٌ لما يُنْتَهَبُ من المال ، أي : يؤخذُ من غير قَسْمة ولا تقدير ، ومنه سُمِّيتِ الغنيمةُ نهبى ، كما قال : وَأَصَبْنَا نَهبَ إِبِلٍ ، أي : غنيمةَ إبل ؛ لأنَّها تؤخذُ من غير تقدير ، يقولُ العرب : أَنْهَبَ الرجلُ مالَهُ فانتهبُوهُ ونَهَبُوهُ وناهبوه ؛ قاله الجوهريُّ . وذَاتَ شَرَفٍ ، أي : ذاتَ قَدْرٍ ومالٍ ورفعة ، والروايةُ الصحيحةُ بالشين المعجمة ، وقد رواه الحربي : سَرَفٍ بالسين المهملة ، وقال : معناه : ذاتَ مقدارٍ كثير ينكره الناس ؛ كنَهبِ الفُسَّاق في الفِتَنِ الماَل العظيمَ القَدْرِ مما يستعظمُهُ الناس ، بخلافِ التمرةِ والفَلْسِ وما لا خطَرَ له . ومقصودُ هذا الحديثِ : التنبيهُ على جميع أنواعِ المعاصي ، والتحذيرُ منها : فنبَّه بالزِّنَى على جميع الشهواتِ المحرَّمة ؛ كشهوةِ النَّظَرِ ، والكلامِ والسمعِ ، ولمسِ اليد ، ونَقْلِ الخُطَا إلى مثلِ تلك الشهوة ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : زِنَى العَيْنين النظرُ ، وزِنَى اللسانِ الكلامُ ، وزِنَى اليدِ البَطْشُ ، وزِنَى الرِّجْلِ الخُطَا ، والفَرْجُ يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبه . ونَبَّه بالسَّرِقَةِ على اكتسابِ المال بالحِيَلِ الخفيَّة ، وبالنَّهبِ على اكتسابه على جهةِ الهَجْمِ والمغالبة ، وبالغلول : على أَخْذِهِ على جهة الخيانة ؛ هذا ما أشار إليه بعضُ علمائنا . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وهذا تنبيهٌ لا يتمشَّى إلاَّ بالمسامحة ، وأولَى منه أن يقال : إن الحديثَ يتَضَمَّنَ التحذيرَ عن ثلاثةِ أمور ، وهي مِنْ أعظمِ أصول المفاسد ، وأضدادُهَا مِنْ أُصولِ المصالح ، وهي استباحةُ الفروجِ المحرَّمةِ ، والأموالِ المحرَّمة ، وما يُؤَدِّي إلى الإخلال بالعقول ، وخَصَّ بالذِّكْر أغلبَ الأوجه حرمة التي يؤخذ بها مال الغير بغير الحق ، وظاهرُ هذا الحديث : حُجَّةٌ للخوارجِ والمعتزلةِ وغيرهم ممَّن يُخْرِجُ عن الإيمانِ بارتكابِ الكبائر ، غيرَ أنَّ أهلَ السنة يعارضونهم بظواهرَ أُخَرَى أولى منها ، كقولِهِ - عليه الصلاة والسلام - في حديث أبي ذَرٍّ : مَنْ مات لا يُشْرِكُ بالله شيئًا ، دَخَلَ الجنةَ وإنْ زنَى وإِنْ سرَقَ . وكقوله في حديثِ عُبَادَةَ بْنِ الصامت : ومَنْ أصاب شيئًا مِنْ ذلك - يعني : مِنَ القتلِ والسَّرق والزنى - فعُوقِبَ به ، فهو كَفَّارةٌ له ، ومَنْ لم يُعَاقَبْ ، فأمرُهُ إلى الله ؛ إنْ شَاءَ عفا ، وإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ . ويعضُدُ هذا قولُهُ تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، ونَحْو هذا في الأحاديثِ كثيرٌ . ولمَّا صحَّتْ هذه المعارضةُ ، تعيَّن تأويلُ تلك الأحاديثِ الأُوَلِ وما في معناها ، وقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك ؛ فقال حَبْرُ القرآنِ عبد الله بنُ عبَّاس : إنَّ ذلك محمولٌ على المستحِلِّ لتلك الكبائر . وقيل : معنى ذلك : أنَّ مرتكبَ تلك الكبائرِ يُسْلَبُ عنه اسمُ الإيمانِ الكاملِ أو النافعِ ، الذي يفيدُ صاحبَهُ الانْزِجَارَ عن هذه الكبائر . وقال الحسن : يُسْلَبُ عنه اسمُ المدح الذي سمَّي به أولياءُ اللهِ المؤمنون ، ويَستَحِقُّ اسمَ الذمِّ الذي سمَّي به المنافقون والفاسقون . وفي البخاري : عن ابن عبَّاس : يُنْزَعُ منه نُورُ الإيمان . ورَوَى في ذلك حديثًا مرفوعًا ، فقال : مَنْ زَنَى ، نزَعَ اللهُ نُورَ الإيمانِ مِنْ قلبه ، فإنْ شاء أن يَرُدَّهُ إليه ، رَدَّهُ . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وكُلُّ هذه التأويلاتِ حسنةٌ ، والحديثُ قابلٌ لها ، وتأويلُ ابن عبَّاس هذا أحسنُهَا . و ( قوله : وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - إرشادٌ لمن وقَعَ في كبيرة أو كبائرَ إلى الطريقِ التي بها يتخلَّصُ ، وهي التوبةُ . ومعنى كونها معروضةً ، أي : عرَضَهَا الله تعالى على العباد ، حيثُ أمرهم بها وأوجَبَهَا عليهم ، وأخْبَرَ عن نفسه أنَّه تعالى يقبلُهَا ؛ كلُّ ذلك فَضْلٌ من الله تعالى ، ولُطْفٌ بالعبد ؛ لِمَا عَلِمَ الله تعالى مِنْ ضَعْفِهِ عن مقاومةِ الحواملِ على المخالفاتِ ، التي هي : النفسُ والهوَى ، والشيطانُ الإنسيُّ والجِنِّيُّ ، فلمَّا عَلِمَ الله تعالى أنَّه يقع في المخالفات ، رحمه بِأَنْ أرشدَهُ إلى التوبة ، فعرَضَهَا عليه وأوجبها ، وأخبَرَ بِقَبُولها . وأيضًا : فإنَّه يجبُ على النُصَحاءِ أنْ يعرضوها على أهل المعاصي ويُعرِّفوهم بها ، ويوجبوها عليهم ، وبعقوبةِ الله تعالى لِمَنْ تركها ، وذلك كلُّه لطفٌ مُتَّصِلٌ إلى طلوع الشمس مِنْ مغربها ، أو إلى أن يُغَرْغِرَ العبدُ ؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . و بَعْدُ : ظرفٌ مبنيٌّ على الضمِّ ؛ لقطعِهِ عن الإضافة لَفْظًا ، وإرادةِ المضافِ ضِمْنًا ، ويقابلها قَبلُ ؛ كما قال الله تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ .
( 5 ) بَابُ إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا 17- [ 14 ] عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ؟ فَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنِ الْوَفْدُ ؟ - أو : مَنِ الْقَوْمُ ؟ - قَالُوا : رَبِيعَةُ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أو بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى ، قَالَ : فَقَالُوا : يَا رسولَ الله ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ ، قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ؛ قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالإِْيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِْيمَانُ بِاللهِ ؟ قَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ : الْمُقَيَّرِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : النَّقِيرِ - وَقَالَ : احْفَظُوهُ ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَنْ وَرَاءَكُمْ . ( 5 ) وَمِنْ بَابُ إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا معنى جَعَلَ في هذه الترجمة : سمّى ، كما قال تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ويصلُحُ أن يكون بمعنى : صيَّر ؛ كما تقول العرب : جعلتُ حُسنَ فلانٍ قبحًا ، أي : صيَّرتُهُ ، وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام من حديث جبريل . ( قوله : أبو جمرة ) هذا الذي يروي عن ابن عبَّاسٍ حديثَ وَفْدِ عبد القَيْس ، هو بالجيم والراء ، واسمه : نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ ، وقد روى عن ابنِ عبَّاسٍ رجلٌ آخر يقالُ له : أبو حَمْزةَ - بالحاء المهملة والزاي - واسمه : عِمْرَانُ بنُ أبي عطاءٍ القَصَّابُ . و ( قوله : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ ) أي : أبلِّغُ كلامه ، وأفسِّره لِمَنْ لا يفهمه ، وعُرْفُ الترجمةِ : التعبيرُ بلغةٍ عن لغةٍ لمن لا يفهم ، وقيل كان أبو جمرة يتكلَّم بالفارسيَّة . وفيه دليلٌ على أنَّ ابنَ عبَّاس كان يكتفي في الترجمة بواحد ؛ لأنَّهُ مُخْبِرٌ ، وقد اختُلِفَ فيه ، فقيل : لا يكفي الواحدُ ، بل لا بدَّ من اثنين ؛ لأنَّها شهادة . و ( قوله : فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ) وهي : جمعُ جَرَّةٍ ، وهي : قِلاَلٌ من فَخَّارٍ ، غير أنها مَطلِيَّةٌ بالزجاج ، وهو الحَنْتَمُ ، ونبيذُ الجرِّ : هو ما يُنْبَذُ فيها من التمر وغيره . وإنما سأَلَتْهُ عن حكم النبيذ في الجِرَارِ : هل يَحِلُّ أم لا ؟ فذكَرَ لها ما يدُلُّ على منْع ذلك ، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصَّته . ففيه : ما يدلُّ على أن المفتي يجوز له أن يذكر الدليلَ مستغنيًا به عن النصِّ على الفتيا إذا كان السائلُ بصيرًا بموضع الحُجَّة . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنِ القَوْمُ ؟ أو مَنِ الْوَفْدُ ؟ ) هذا شَكٌّ من بعض الرواة . و الوَفْد : الوافدون ، وهم القادمون والزائرون ، يقال : وَفَدَ يَفِدُ ، فهو وافد ، والجمع : وَافِدونَ وَوُفُود ، والقوم وَفْدٌ ، وقال ابنُ عبَّاسِ - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا رُكْبانًا . و ( قوله : مَرْحَبًا ) هو من الرُّحْب - بضمِّ الراء - وهو السعة ، والرَّحْبُ - بفتح الراء - : هو الشيءُ الواسع ، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ ، لا يُستعمل إظهارُهُ ، أي : صادفْتَ رُحْبًا ، أو أتيتَ رَحْبًا ؛ فاسْتَأْنِسْ ولا تَسْتَوْحِشْ . والخَزَايَا جمع خَزْيَان ؛ مثلُ : نَدْمَان ونَدَامَى ، وسَكْران وسَكَارَى ؛ كما قال تأَبَّطَ شَرًّا : وَالْمَوْتُ خَزْيَانُ يَنْظُرُ خَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ؛ إذا ذَلَّ ، وخَزَايَةً : إذَا خَجِلَ واستحيى . والنَّدَامَى هنا : جمعُ نادمٍ ؛ لكنَّه على غير قياس ؛ لأنَّ قياس نَدَامَى أن يكون جمع نَدْمَان ، كما قلناه ، والندمان : هم المُجَاليِسُ على الخمر وساقيها ؛ كما قال الشاعر : فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالأَْكْبَرِ اسْقِنِي وَلاَ تَسْقِني بِالأَْصْغَرِ المُتَثَلِّمِ وليس مرادًا هاهنا ، وإِنَّمَا جَمَعَ نَادِماً هذا على نَدَامَى ؛ إتباعًا لخَزَايَا ؛ على عادتهم في إتباع اللفظِ اللفظَ ، وإنْ لم يكنْ بمعناه ؛ كما قالوا : إنِّي لآتيه بالغَدَايَا والعَشَايَا ؛ فجمعوا الغُدْوَةَ : غَدَايَا ؛ لمَّا ضمَّوه إلى العشايا ؛ كما قال شاعرهم : هَتَّاكِ أَخْبِيَةٍ وَلاجِ أَبْويَةٍ فجمَعَ البابَ على أَبْوِيةً ، لَمَّا أتبعَهُ أَخْبِيَة ، ولو أفرده لما جاز ذلك ، ومن هذا النوع : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - للنساء المتَّبعات للجنازة : ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ، ولولا مراعاةُ الإتباع قال : مَوْزُورات بالواو ؛ لأنه من الوِزْرِ . وقال القَزَّاز في جامعه : يقال في النادم : نَدْمَانُ ؛ فيكون نَدَامَى على القياس ، ومعنى هذا القول : التأنيسُ ، والإكرامُ والثناءُ عليهم بأنَّهم بادروا بإسلامهم طائِعِينَ من غيرِ خِزْيٍ لَحِقَهُمْ من قَهرٍ ولا سِبَاء ، ثُمَّ إنَّهم لمَّا أسلموا كذلك احْتُرِمُوا وأُكْرِموا وأُحِبُّوا ، فلم يَنْدَمُوا على ذلك ، بل انشرحَتْ صدورهم للإسلام ، وتنوَّرَتْ قلوبُهُمْ بالإيمان . وغَيْرَ خزايا : منصوبٌ على الحال ، أي : أتيتُمْ في هذه الحال . وروي : ولا الندامى ، ولا ندامى ، معرَّفًا وغير مُعَرَّف ؛ وهما بمعنىً واحدٍ . والشُّقَّة البعيدة : المسافةُ البعيدة الصعبة . والحَيُّ : القبيل ، وربيعة : هو خبَرُ مبتدأ محذوف ؛ أي : نحنُ بنو ربيعة . و ( قوله : وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهرِ الْحَرَامِ ) كذا الرواية الصحيحة بتعريف الحرام ، وإضافة الشهر إليه ، وهو من باب إضافةِ الشيء إلى صفته ؛ كما قالوا : مسجدُ الجامع ، وصلاةُ الأُولَى ؛ وقال تعالى : وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وهو على تقدير محذوف ؛ فكأنّه قال : شَهرٌ الوقتِ الحرامِ ، ومسجدُ المكانِ الجامعِ ، ولدارُ الحالةِ الآخِرَةِ ، ونحوه . ويعنون بشَهرِ الحرامِ : رجبًا ؛ لأنَّه متفردٌ بالتحريم من شهور الحِلِّ ، بخلاف سائر الأشهر الحُرُم ؛ فإنَّها متوالية ؛ ولذلك قال فيها : ثلاثةٌ سَرْد ، وواحدٌ فَرْد ، يعنون به : رجبًا ، وهو الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنَّهُ شَهرُ مُضَرَ ، وإنما نسبُهُ إليهم : إمَّا لأنَّها انفردَتْ بابتداء احترامه ، أو لتخصيص الاحترامِ به ، أو بزيادةِ التعظيمِ له على غيرهم ، والله تعالى أعلم . وقد وقع في بعض النسخ : في شهرٍ حَرَامٍ ، وهو يصلُحُ لرجبٍ وحدَهُ ، ولجميعِ الأشهُرِ الحُرُمِ ، وحاصلُ قولهم هذا أنه اعتذارٌ عن امتناعِ تكرُّرِ قدومهم عليه . و ( قوله : فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ، نَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ ) قيّدناه على مَنْ يُوثَقُ بعلمِه : نُخْبِر بهُ مرفوعًا ، وندخل مرفوعًا ومجزومًا ؛ فرفعهما على الصفة لأَمْر ، وجزمُ ندخُلْ على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء ؛ فكأنَّه قال : إنْ أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ ، فعلنا به ، ورجَوْنَا دخولَ الجنة بذلك الفعل . والقولُ الفصلُ : هو الواضحُ البليغُ الذي يَفْصِلُ بين الحقِّ والباطل ؛ كما قال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . و ( قوله : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍٍ ) ثُمَّ إنَّه ذكر خمسًا : فقيل في ذلك : إنَّ أَوَّلَى الأربعِ الموعود بها : هو إقامُ الصلاة ، في ذكَرَ كلمةَ التوحيد ؛ تبرُّكًا بها ، وتشريفًا لها كما قيل ذلك في قوله تعالى : ُ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ في قولِ كثيرٍ من أهل العلم . وقيل : إنما قصد إلى ذِكْرِ الأركان الأربع التي هي : التوحيدُ ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، ثم ظهر له أنَّهُمْ أهلُ غزو وجهاد ، فَبَيَّنَ لهم وجوبَ أداءِ الخُمُسِ ، والله أعلم . وإنما لم يذكُرْ لهم الحجَّ ؛ لأنَّهم لم يكنْ لهم إليه سبيلٌ من أجلِ كُفَّارِ مُضَرَ ، أو لأَنَّ وجوبَ الحجِّ على التراخي ، والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام ، وأنَّهما حقيقتان متباينتانِ في الأصل ، وقد يُتَوَسَّعُ فَيُطْلَقُ أحدها على الآخر ، كما جاء هنا ؛ فإنَّهُ أطلَقَ الإيمانَ على الإسلام ؛ لأنَّهُ عنه يكون غالبًا ، وهو مُظْهِرُهُ .
18 - [ 15] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَذَكَر نَحْو مَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ : فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : اعْبُدُوا اللهَ ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وَصُومُوا رَمَضَانَ ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُزَفَّتِ ، وَالنَّقِيرِ ، قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللهِ ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ ؟ قَالَ : بَلَى ؛ جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ - أو قَالَ : مِنَ التَّمْرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أو إِنَّ أَحَدَهُمْ - لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ ، قَال : وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ ، وَكُنْتُ أَخْبَأُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ : فَفِيمَ نَشْرَبُ يا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ : فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي تُلاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ، فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ ، وَلاَ تَبْقَى فيِهَا أَسْقِيَةُ الأَْدَمِ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ! وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ! وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ! قَالَ : وَقَالَ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لأُِشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ : الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ . و ( قوله : وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ) أي : عن الانتباذِ في هذه الأواني الأربع ؛ فالمنهيُّ عنه واحدٌ بالنوع ، وهو الانتباذُ ، ثمَّ إنَّه تعدَّد بحَسَبِ هذه الأوعية الأربعِ التي هي : الدُّبَّاء ، والحَنْتَم ، والمزفَّت ، والنَّقِير ، وخَصَّ هذه بالنهي ؛ لأنَّها أوانيهم التي كانوا ينتبذون فيها : فالدُّبَّاء ممدودٌا ، وهي : القَرْعَةُ كانت يُنْبَذُ فيها فيضَرَّى ؛ قاله الهروي . والحَنْتَمُ : أَصَحُّ ما قيلَ فيها : إنَّها كانت جِرَارًا مَطْلِيَّةً بالحَنْتَمِ المعمولِ من الزجاجِ ، كانت الخمرُ تُحْمَلُ فيها ، ونُهُوا عن الانتباذ فيها ؛ لأنَّها تعجِّلُ إسكارَ النبيذ كالدُّبَّاء ، وقال عطاءٌ : كانت تُعْمَلُ مِنْ طين يعجن بالدم والشعْر ؛ وعلى هذا يكونُ النهيُ عنها ؛ لأجل أصل النجاسة ، والأوَّل أعرفُ وأصحُّ . والمُزَفَّت : المطليُّ بالقارِ ، وهو نوعٌ من الزِّفْت . والنَّقِيرُ : مفسَّر في الحديث . والجِذْع : أصل النخلة ، ويجمع على جذوع . وتَقْذِفُون : تجعلون وترمون ، وأصل القذف : الرمي . والقُطَيْعَاء : نوعٌ من التمر يقال له : الشِّهرِيز . وفي رواية أخرى : وتُدِيفُونَ مِنَ القُطَيْعَاءِ ، والرواية : مضموم التاء رباعيًّا ، وبالدال المهملة ، وقد حكى ابن دُرَيْد : دُفْتُ الدَّوَاءَ وغيرَهُ بالماء أَدُوفُهُ ، بإهمال الدال ، وحكى غيره أنه يقال : ذُفْتُه أَذُوفُهُ ، وسُمٌّ مَذُوفٌ ومَذِيفٌ ، ومُذَوَّوفٌ ، ومُذَافٌ ، بالذال المعجمة ، وحكى غيره أنه يقال : أَدافَ الدواءَ بالدواء ؛ فالروايةُ على هذا صحيحةٌ ، ومعناه : خَلَطَ ومزَجَ . والأَسْقِية : جمعُ سِقَاءٍ ، وهو الإناءُ من الجِلْدِ . والأَدَمُ : جمع أَديم ، وهو الجلدُ أيضًا . و ( تُلاَثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ) أي : تُشَدُّ وتُربَط . قال القُتَبِيُّ : أصلُ اللَّوْثِ : الطَّيُّ ، ولُثْتُ العمامةَ : لَفَفْتُها ؛ وهذا نحو ممَّا يقال : عليكم بالمُوكَى بالقصر ، أي : السقاء الذي يُرْبَطُ فوه بالوِكَاء ، وهو الخيط . و الجِرْذَان جمعُ جُرَذٍ ، وهو الفأر ، وإنما حضَّهم على الانتباذ في الأسقية ؛ لأنها إذا غلا فيها النبيذُ انشقَّتْ لرقَّةِ الجلود خلافِ الأواني المذكورةِ ؛ قيلُ : فإنها تعجِّل الشدَّةَ وتُخْفِيهَا . و ( قولهم : إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ ، وَلاَ تَبْقَى فيِهَا أَسْقِيَةُ الأَْدَمِ ) أي : لأنَّ الجِرْذَانَ تأكلها ؛ ولذلك قال لهم : وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ ، ولم يعذرهم بذلك ؛ لأنَّهم يمكنهم التحرُّزُ بتعليق الأَسْقية ، أو باتِّخَاذِ ما يُهلِكُ الفئران مِنْ حيوانٍ أو غيره ، والله تعالى أعلم . وقد تمسَّكَ بعض أهل العلم بظاهر هذا النهي عن الانتباذ في تلك الظروف ؛ فحمله على التحريم ، ومِمَّنْ قال هذا : ابن عمر ، وابن عباس ، على ما يأتي في الأشربة ؛ فسنبيِّن هنالك - إنْ شاء الله تعالى - أنَّ ذلك منسوخٌ بقوله عليه الصلاة والسلام : كنتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الاِنْتِبَاذِ إِلاَّ فِي الأسِقَية ، فَانْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَلاَّ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا . وأشجُّ عبد القيس اسمه : المنذر بن عائذ ، بالذال المعجمة ، وقيل : المنذر بن الحارث ، وقيل : هو عبد الله بنُ عَوْف ، وقيل : قيس ، والأوَّلُ أصحُّ . وقد روى أبو داودَ ، من حديثِ أُمِّ أَبَانَ بنتِ الوازعِ بن زارع ، عن جَدِّها زارع ، وكان في وَفْدِ عبد القيس ، قال : فلمَّا قَدِمْنَا المدينةَ ، تبادَرْنَا مِنْ رواحلنا نُقبِّلُ يدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرِجْلَهُ ، وانتظَرَ المنذرُ حتى أتى عَيْبَتَهُ ، فَلَبِسَ ثوبه ، ثم أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم فقال له : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ ورسوله : الحِلْمُ ، والأَنَاةُ ، فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا ، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ : بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ، قَالَ : الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ . والحِلْمُ هنا : هو العَقْلَ ، وهو بكسر الحاء ؛ يقال منه : حَلُمَ الرجلُ يَحْلُمُ ، بضم اللام : إذا صار حليمًا ، وتحلَّم : إذا تكلَّف ذلك . والأناة : الرفقُ والتثبُّت في الأمور ؛ يقال منه : تأنَّى الرجل يتأنَّى تَأَنِّيًا ؛ ومنه قولُ الشاعر : أَنَاةً وحِلْمًا وانْتِظَارًا بِهِمْ غَدًا وقد يقال الحِلْمُ على الأناة . وقد ظهَرَ من حديث أبي داود : أنّ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك للأشَجِّ ؛ لِمَا ظَهَرَ له منه مِنْ رِفْقِهِ وتَرْكِ عجلته . وقد رُوي في غير كتاب أبي داود : أنَّه لمَّا بادَرَ قومُهُ إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - تأنَّى هو ، حتَّى جمَعَ رحالَهُمْ ، وعقَلَ ناقته ، ولَبِسَ ثيابًا جُدُدًا ، ثم أقبَلَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حالِ هدوءٍ وسكينة ، فأجلَسَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى جانبه ، ثم إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لِوَفْدِ عبد القيس : تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى قَوْمِكُمْ ؟ فقال القومُ : نَعَمْ ، فقال الأَشَجُّ : يا رسولَ الله ، إِنَّكَ لم تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَلَى أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا ، وتُرْسِلُ معنا مَنْ يَدْعُوهُمْ ، فمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا ، ومَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ ، قال : صَدَقْتَ ؛ إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ الحديثَ . فالأُولى : هي الأناة ، والثانية : هي العقل . وفيه من الفقه : جَوَازُ مدحِ الرجلِ مشافهةً بما فيه إذا أُمِنَتْ عليه الفتنةُ ، والأصلُ منعُ ذلك ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : إِيَّاكُمْ والمَدْح فَإِنَّهُ الذَّبْح ، ولقوله للمادح : وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى . و ( قوله : وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلك ) قيل : اسمُ هذا الرجل : جَهمُ بن قُثَمَ ؛ قاله ابن أبي خَيْثَمَةَ ، وقيل : كانت الجراحةُ في ساقه . قال المؤلِّف رحمه الله تعالى : وهذا الرجل ليس هو أشج عبد القيس ؛ لأن اسمهما مختلف كما ذكر هنا وفيما تقدم ؛ ولأنَّ الأصل في الشِّجاجِ لا يكون إلا في الرأس والوجه . وفي الصحاح : رَجُلٌ أَشَجُّ بيِّنُ الشَّجَجِ : إذا كان في جبينه أَثَرُ الشَّجَّةِ ؛ وعلى هذا : يدُلُّ كونُ هذا الرجل غلب عليه الأشَجُّ ؛ لأنَّهُ إنَّما يغلبُ على الإنسان ما كان ظاهرًا من أمره ، ولمَّا كانت ظاهرةً في وجهه ، نسَبَهُ إليها كُلُّ من كان رآه منه ؛ فغلب عليه ذلك ، ولو كانت في ساقه ، لَمَا غلَبَ عليه ذلك ، والله أعلم . وأصلُ الشَّجِّ القطعُ والشَّقُّ ؛ ومنه قولهم : شَجَّتِ السفينةُ البحرَ ؛ أي : شَقَّتْهُ ، وشَجَجْتُ المفازة : قطعتُهَا ؛ قال الشاعر : تَشُجُّ بِيَ العَوْجَاءُ كُلَّ تَنُوفَةٍ كَأَنَّ لَهَا بَوًّا بِنِهيٍ تُغَاوِلُه وتعريف النبي - صلى الله عليه وسلم - بحالِ ذلك الرجل يَدُلُّ على أنَّه عَرَفَهُ بعينه ؛ غير أنه لم يواجههُ بذلك ؛ حُسْنَ عِشْرةٍ منه - صلى الله عليه وسلم - على مقتضى كَرَمِ خُلُقه ؛ فإنّهُ كَانَ لاَ يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرُهُه . وإنَّما خَصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الأربعَ الأواني بالذكر ؛ لأنها أغلب أوانيهم ، ويلحق بها في النهي ما كان في معناها ؛ كأواني الزُّجَاج ، والحديد ، والنُّحَاس ، وغير ذلك مما تعجِّل الإسكار ؛ بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في جواب قولهم : فِبمَ نَشْرَبُ يَا رسولَ الله ؟ فَقَالَ : في أَسْقِيةِ الأَدَمِ ، وبدليلِ قوله في حديث بُرَيْدَةَ : وكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ ، ولأنَّ ما عدا تلك الأربعَ في معناها ، فَيُلْحَقُ بها على طريقة نَفْيِ الفارق ، والله أعلم .
59 - [ 49 ] وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ - وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ - : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ . وَلَمْ يَذْكُرْ : وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ . وكونُهُ - عليه الصلاة والسلام - ذَكَرَ في حديثِ أبي هريرة : أنَّ علامةَ المنافقِ ثلاثٌ ، وفي حديث ابن عمرو : أنَّها أربعٌ : يَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - استجَدَّ من العلم بخصالِ المنافقين ما لم يكُنْ عنده : فإمَّا بالوحي ، وإمَّا بالمشاهَدَةِ لتك منهم . وعلى مجموعِ الروايتَيْنِ : تكونُ خصالهم خمسًا : الكذبُ ، والغَدْرُ ، والإخلافُ ، والخيانةُ ، والفجورُ في الخصومة ، ولا شَكَّ في أنَّ للمنافقين خصالاً أُخَرَ مذمومةً ؛ كما قد وصفهم الله تعالى حيث قال : وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ، فيحتملُ أن يقال : إنَّما خُصَّتْ تلك الخصالُ الخمسُ بالذِّكْر ؛ لأنَّها أظهرُ عليهم مِنْ غيرها عند مخالطتهم للمسلمين ، أو لأنَّها هي التي يَضُرُّون بها المسلمين ، ويقصدون بها مفسدتهم ، دون غيرها مِنْ صفاتهم ، والله تعالى أعلم .
( 21 ) بَابُ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ 58 - [ 48 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ ، كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ . ( 21 ) وَمِنْ بَابِ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ ( قوله : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ) قال ابنُ الأنباريِّ : في تسميةِ المنافقِ منافقًا ثلاثةُ أقوال : أحدها : أنَّه سمِّي بذلك ؛ لأنَّه يستُرُ كفره ؛ فأشبه الداخلَ في النَّفَق ، وهو السَّرَبُ . وثانيها : أنه شُبِّهَ باليربوعِ الذي له جُحْرٌ يقال له : القَاصِعاء ، وآخَرُ يقال له : النَّافِقاء ، فإذا أُخِذَ عليه مِنْ أحدهما ، خرَجَ من الآخر ؛ وكذلك المنافق : يخرُجُ من الإيمانِ مِنْ غير الوجهِ الذي يدخُلُ فيه . وثالثها : أنَّه شُبِّه باليربوعِ مِنْ جهة أنَّ اليربوع يَخْرِقُ في الأرض ، حتى إذا قاربَ ظاهرَهَا ، أَرَقَّ الترابَ ، فإذا رَابه رَيْب ، دفَعَ الترابَ برأسِهِ فخرَجَ ، فظاهرُ جُحْرِهِ تراب ، وباطنُهُ حَفْر ، وكذلك المنافقُ : ظاهرُهُ الإيمان ، وباطنه الكفر . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وظاهرُ هذا الحديثِ : أنَّ مَنْ كانتْ هذه الخصالُ الثلاثُ فيه ، خرَجَ من الإيمان ، وصار في النفاق الذي هو الكُفْرُ الذي قال فيه مالكٌ : النفاقُ الذي كان على عَهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الزندقةُ عندنا اليَوْمَ . وليس الأمرُ على مقتضى هذا الظاهرِ ؛ لِمَا قرَّرناه في أوَّلِ الكتابِ ، وأَعَدْناه في البابِ الذي قبلَ هذا . ولمَّا استحالَ حملُ هذا الحديثِ على ظاهره على مذهبِ أهل السنة ، اختلَفَ العلماءُ فيه على أقوال : أحدها : أنَّ هذا النفاقَ هو نفاقُ العملِ الذي سألَ عنه عمرُ حذيفةَ لما قال له : هل تعلَمُ فيَّ شيئًا من النفاق ؟ أي : مِنْ صفات المنافقين الفعليَّة ، ووجهُ هذا : أنَّ مَنْ كَانَتْ فيه هذه الخصالُ المذكورة ، كان ساترًا لها ، ومظهرًا لنقائضها ؛ فصدَقَ عليه اسمُ منافق . وثانيها : أنّه محمولٌ على مَنْ غلبتْ عليه هذه الخصال ، واتَّخَذَها عادةً ، ولم يبالِ بها ؛ تهاوُنًا واستخفافًا بأمرها ؛ فأي مَنْ كان هكذا ، كان فاسدَ الاِعتقادِ غالبًا ، فيكونُ منافقًا خالصًا . وثالثها : أنَّ تلك الخصالَ كانتْ علامةَ المنافقين في زمانه ؛ فإنَّ أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا متجنبين لتلك الخصال ؛ بحيث لا تقع منهم ، ولا تُعْرَفُ فيما بينهم ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاس وابنُ عمر ، ورُوِيَ عنهما في ذلك حديثٌ ، وهو أنهما أَتَيَا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسألاه عن هذا الحديث ، فضحكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقال : ما لكم ولهنَّ ، إنما خصَصْتُ بهنَّ المنافقين ، أنتم مِنْ ذلك بُرَآء ، وذكر الحديثَ بطولِهِ القاضي عياض ، قال : وإلى هذا صارَ كثيرٌ من التابعين والأئمَّة . و ( قوله : وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) أي : مال عن الحَقِّ ، واحتال في ردِّه وإبطاله . قال الهَرَوِيُّ : أصلُ الفجور : الميلُ عن القصد ، وقد يكونُ الكذبَ . والخَلَّةُ بفتح الخاء : الخَصْلة ، وجمعها خِلاَل ، وبالضمِّ الصداقة . والزُّعْمُ بضم الزاي قولٌ غيرُ محقَّق ؛ كما تقدَّم .
( 6 ) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ 19 - [ 16 ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ َقَالَ : إِنَّكَ سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهل كِتَابٍ ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عز وجل ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا فَعَلُوا ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا ، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أهل الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ وَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحْوَهُ ، وَزَادَ : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ . ( 6 ) وَمِنْ بَابِ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ ( قوله : إِنَّكَ سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهل كِتَابٍ ) يعني به : اليهودَ والنصارى ؛ لأنهم كانوا في اليمنِ أكثرَ مِنْ مشركي العَرَبِ أو أغلَبَ ، وإنما نبَّهه على هذا ؛ ليتهيَّأَ لمناظرتهم ، ويُعِدَّ الأدلَّةَ لإفحامهم ؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ سابقٍ ، بخلافِ المُشْرِكين وعَبَدَةِ الأوثان . و ( قوله : فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ) قد تقدَّم أنَّ أصلَ العبادةِ التذلُّلُ والخضوع ، وسُمِّيَتْ وظائفُ الشرعِ على المكلَّفين : عباداتٍ ؛ لأنَّهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذلِّلين لله تعالى . والمراد بالعبادة هنا : هو النطقُ بشهادة أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله ؛ كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرًا : فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ . و ( قوله : فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ ، فَأَخْبِرْهُمْ ) أي : إنْ أطاعوا بالنطق بذلك ، أي : بكلمتي التوحيد ؛ كما قال في الرواية الأخرى : فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا بذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ ، فسمَّى الطواعية بذلك والنطقَ به : معرفةً ؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن المعرفة . وهذا الذي أَمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - به معاذًا ، هو الدَّعْوَةُ قبلَ القتالِ ؛ التي كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي بها أُمَرَاءَهُ ، وقد اختُلِفَ في حُكْمها على ما يأتي في الجهاد . وعلى هذا فلا يكونُ في حديث معاذٍ حُجَّةٌ لمن تمسَّكَ به من المتكلِّمين على أنَّ أوَّلَ واجبٍ على كلِّ مكلَّفٍ : معرفةُ الله تعالى بالدليل والبرهان ، بل هو حُجَّةٌ لمن يقول : إنَّ أَوَّلَ الواجباتِ التلفُّظُ بكلمتَيِ الشهادةِ ، مُصَدِّقًا بها . وقد اختلف المتكلِّمون في أوَّل الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ ، منها ما يَشْنُعُ ذكره ، ومنها ما ظَهَرَ ضعفه ، والذي عليه أئمَّةُ الفتوى ، وبهم يُقْتَدَى كمالكٍ ، والشافعيِّ ، وأبي حنيفةَ ، وأحمدَ بن حنبل ، وغيرِهِمْ من أئمَّةِ السلف : أنَّ أوَّلَ الواجباتِ على المكلَّف : الإيمانُ التصديقيُّ الجَزْمِيُّ الذي لا رَيْبَ معه بالله تعالى ورسلِهِ وكُتُبِه ، وما جاءتْ به الرسلُ ، على ما تقرَّرَ في حديثِ جبريلَ ، كيفما حصَلَ ذلك الإيمان ، وبأيِّ طريقٍ إليه تُوُصِّلَ ، وأما النطقُ باللسان : فمُظْهِرٌ لما استَقَرَّ في القلب من الإيمان ، وسَبَبٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام . وتفصيلُ ما أجملناه يستدعي تفصيلاً وتطويلاً يُخْرِجُ عن المقصود ، ولعلَّنَا بِعَوْنِ الله تعالى نكتُبُ في هذه المسألة جزءًا ؛ فإنها حَرِيَّةٌ بذلك . وقد احتَجَّ بهذا الحديث مَنْ قال بأنَّ الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروع الشريعة ؛ وهو أحدُ القولَيْنِ لأصحابنا وغيرِهم ؛ من حيثُ إنّهُ - عليه الصلاة والسلام - إنما خاطبهم بالتوحيد أوَّلاً ، فلمَّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاةُ والزكاة ، وهذا لا حجة فيه ؛ لوجهين : أحدهما : أنّه لم يَنُصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أنَّه إنما قدّم الخطابَ بالتوحيد لِمَا ذكروه ، بل يَحْتَمِلُ ذلك ، ويحتملُ أن يقال : إنَّه إنَّما قدَّمه لكونِ الإيمانِ شَرْطًا مصحِّحًا للأعمالِ الفروعيَّة ، لا للخطابِ بالفروع ؛ إذ لا يَصِحُّ فِعْلُهَا شرعًا إلا بتقدُّم وجوده ، ويصحُّ الخطابُ بالإيمانِ وبالفروعِ معًا في وقتٍ واحد ، وإنْ كانتْ في الوجودِ متعاقبةً ؛ كما بيَّناه في الأصول ؛ وهذا الاحتمالُ أظهَرُ مما تمسَّكوا به ، ولو لم يكنْ أظهَرَ ، فهو مساو له ؛ فيكونُ ذلك الخطابُ مجمَلاً بالنسبةِ إلى هذا الحكم . وثانيهما : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما رتَّب هذه القواعدَ ؛ ليبيِّن الأوكَدَ فالأوكد ، والأهَمَّ فالأهم ؛ كما بيَّنَّاه في حديثِ ابن عمر الذي قبل هذا ، والله تعالى أعلم . واقتصارُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذِكْرِ القواعد الثلاث ؛ لأنَّها كانتْ هي المتعيِّنَةَ عليهم في ذلك الوقتِ المتأكِّدَ فيه ؛ ولا يُظَنُّ أنّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذْ ذاك ؛ لأنَّ إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سنة تِسْعٍ ، وقد كان فُرِضَ الحَجُّ ، وأما الصوم : ففُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة ، ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذٌ باليمن على الصحيح . وقولُ مَنْ قال : إنَّ الرواةَ سَكَتُوا عن ذكر الصومِ والحجِّ ؛ قولٌ فاسد ؛ لأنَّ الحديث قد اشتهر ، واعتنى الناسُ بنقله سلفًا وخلفًا ؛ فلو ذكر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - له شيئًا مِن ذلك لَنُقِلَ . و ( قوله : إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ) دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قِسْمتها على الأصنافِ المذكورين في الآية ، وأنَّه يجوزُ للإمامِ أن يصرفها إلى صِنْفٍ واحد من الأصناف المذكورين في الآية ؛ إذا رآه نَظَرًا ومصلحةً دينيَّة ، وسيأتي هذا كاملا في كتاب الزكاة ، إن شاء الله تعالى . وفيه دليلٌ لمن يقول : يدفعها مَنْ وجبَتْ عليه للإمامِ العدل ، الذي يضعها مواضعها ، ولا يجوزُ لمن وجبَتْ عليه أن يَلِيَ تفرقتَهَا بنفسه إذا أقام الإمامُ من تُدْفَعُ إليه ، ومن ذلك تفصيلٌ يُعْرَفُ في الفروع . و ( قوله : وَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ) أي : خيارَهَا ونفائسَهَا ؛ حذَّرَهُ مِنْ ذلك ؛ نظرًا لأربابِ الأموال ، ورِفْقًا بهم ، وكذلك أيضا : لا يأخُذُ مِنْ شرارِ المال ولا مَعِيبِهِ ؛ نظرًا للفقراء ؛ فلو طابَتْ نفسُ رَبِّ المال بشيءٍ من كرائم أمواله ؛ جاز للمُصَدِّقِ أخذُهَا منه ، ولو أن المُصَدِّقُ رأى أنْ يَأْخُذَ مَعِيبَةً على وجه النظر والمصلحةِ للفقراء جاز . و ( قوله : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ) الروايةُ الصحيحة في فإنَّه بضمير المذكَّر ؛ على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن ، ويَحْتملُ : أنْ يعودَ على مذكَّرِ الدعوة ؛ فإنَّ الدعوةَ دعاءٌ . ووقع في بعض النسخ : فإنَّها بهاء التأنيث ، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة . ويستفادُ منه : تحريمُ الظُّلْمِ ، وتخويفُ الظالم ، الدعاء للمظلوم عليه ، والوَعْدُ الصِّدْقُ بأنَّ الله تعالى يستجيبُ للمظلومِ فيه ، غيْرَ أنَّهُ قد تعجِّلُ الإجابةَ فيه ، وقد يؤخِّرها إملاءً للظالم ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : إِنَّ اللهَ يُمْلِي للِظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ، ثُمَّ قرأ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ، وكما قد رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْفَعُ دَعْوَةَ المَظْلُومِ عَلَى الغَمَامِ ، وَيَقُولُ لَهَا : لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَو بَعْدَ حِينٍ .
37- [ 31 ] وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ : الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْر ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ : أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا ، وَمِنْهُ سَكِينَةً ، فَقَالَ عِمْرَانُ : أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ ؟! و ( قولُ بُشَيْر بن كعب : إِنَّ مِنْهُ وَقَارًا ، وَمِنْهُ سَكِينَةً ) يعني : إنَّ منه ما يحملُ صاحبَهُ على أنْ يُوَقِّرَ الناسَ ويتوقَّرُ هو في نفسه ، ومنه : ما يحملُهُ على أنْ يَسْكُنَ عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّكُ الناسُ إليه مِنَ الأمورِ التي لا تليقُ بذوي المروءات . ولم يُنْكِرْ عِمْرَانُ على بُشَيْرٍ هذا القولَ مِنْ حيثُ معناه ، وإنَّما أنكرَهُ عليه مِنْ حيثُ إنَّه أتى به في مَعْرِضِ مَنْ يعارضُ كلامَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بكلامِ الحكماءِ ، ويقاومُهُ به ؛ ولذلك قال له : أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ ! وقيل : إنَّما أنكَرَه عليه ؛ لأنَّه خافَ أن يَخْلِطَ بالسُّنَّة ما ليس منها ؛ فَسَدَّ ذريعةَ ذلك بالإنكار ، والله تعالى أعلم .
36 - [ 30 ] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ : الْحَيَاءُ مِنَ الإِْيمَانِ . و ( قوله : مر بِرَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ) أي : يَعْذِلُهُ على كثرته ، ويزجُرُهُ عنه . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : دَعْهُ ) زجرٌ للواعظ ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - عَلِمَ أنّ ذلك الشخصَ لا يضرُّهُ الحياءُ في دينه ، بل ينفعُهُ ؛ ولذلك قال له : دَعْهُ ، فَإِنَّ الحَيَاءَ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْر . وقد يُفْرِطُ الحياءُ على بعضِ الناس ، حتَّى يمنعَهُ ذلك من القيامِ بحقِّ الله تعالى من الأمرِ بالمعروفِ وتغييرِ المنكر ، ويحملَهُ على المداهنة في الحَقِّ ، وكلُّ ذلك حياءٌ مذمومٌ شرعًا وطبعًا يحرُمُ استعمالُهُ ، ويجب الانكفافُ عنه ؛ فإنَّ ذلك الحياءَ أحقُّ باسم الجُبْنِ والخَوَرْ ، وأَوْلَى منه باسمِ الحياءِ والخَفَرْ .
( 13 ) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا 35- [ 29 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم قَالَ : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أو بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا : قَوْلُ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَدْنَاهَا : إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ . ( 13 ) وَمِنْ بَابِ الإِيمَانُ شُعَبٌ ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا ( قوله : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ) الإيمانُ في هذا الحديث يرادُ به : الأعمالُ ، بدليل أنَّه ذكَرَ فيه أعلى الأعمال ، وهو قولُ : لا إلهَ إلاَّ الله ، وأدناها ، أي : أقرَبَها ، وهو إماطةُ الأذى ، وهما عملان ؛ فما بينهما مِنْ قبيل الأعمال . وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً ، وأنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا مجازًا وتوسُّعًا ؛ لأنَّها عن الإيمان تكونُ غالبًا . والبِضْعُ والبِضْعَةُ واحدٌ ، وهو من العَدَدِ بكسر الباء ، وقد تُفْتَح وهو قليلٌ ؛ ذكره الجوهريُّ . فأمَّا مِنْ بَضْعِ اللحم فبِفَتْح الباء لا غير ، والبَضْعَةُ من اللحم ، بالفتح القطعةُ منه ، واستعملَتِ العربُ البِضْعَ في المشهور مِنْ كلامها : فيما بين الثلاثِ إلى العَشْر ، وقيل : إلى التِّسْع ، وقال الخليلُ : البِضْعُ : سبع ، وقيل : هو ما بين اثنَيْنِ إلى عَشْر ، وما بين عشَرَ إلى عشرين ، ولا يقالُ في أحدَ عشَرَ ، ولا في اثنَيْ عشر ، وقال الخليلُ أيضًا : هو ما بين نِصْفِ العَقْد ، يريد مِنْ واحدٍ إلى أربع . والشُّعْبَةُ في أصلها : واحدةُ الشُّعَب ، وهي أغصانُ الشجر ، وهي بضمِّ الشين ، فأمَّا شُعَبُ القبائل ، فواحدُهَا : شَعْبٌ بفتحها ، وقال الخليل : الشَّعْب : الاجتماعُ والافتراق . وفي الصحاح : هو من الأضداد . فيُراد بالشُّعْبة في الحديث الخَصْلة ، ويعني : أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة ، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ ، وسمَّى الشُّعْبة بابًا ، فقال : بِضْعٌ وستون أو بضع وسَبْعُونَ ، ولا يُلْتَفَتُ لهذا الشكِّ ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضْعٌ وسبعون ، وروايةُ مَنْ جزَمَ أولى . ومقصودُ هذا الحديثِ : أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا ، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد ، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّنْ ذلك العدد لنا ولا فصَّله . وقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك ؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها ، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد ، ولا يصحُّ له ذلك ؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ ؛ ببيانِ التداخل . والصحيحُ : ما صار إليه أبو سُلَيْمان الخَطَّابيُّ وغيره : أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى ، وعِلْمِ رسوله ، وموجودةٌ في الشريعة ، مفصَّلَةٌ فيها ، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفْنَا على أشخاص تلك الأبواب ، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا ، ولا كيفيَّةَ انقسامها ، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلْمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفْنا به مِنْ شريعتنا ولا في عملنا ؛ إذْ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة ، فما أُمِرْنَا بالعَمَلِ به عَمِلْنَاه ، وما نُهِينَا عنه انتهَيْنَا ، وإنْ لم نُحِطْ بِحَصْرِ أعداد ذلك ، والله تعالى أعلم . والحياءُ : انقباضٌ وحِشْمَةٌ يجدها الإنسانُ مِنْ نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على ما يُسْتَقْبَحُ ويُذَمُّ عليه ، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة ، ومنه مكتسَبٌ للإنسان ؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل : رَأَيْتُ العَقْلَ عَقْلَيْنِ فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ وَلاَ يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لاَ تَنْفَعُ الْعَيْنُ وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ وهذا المكتَسَبُ : هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان ، وهو الذي يُكلَّفُ به . وأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به ؛ إذْ ليس ذلك مِنْ كسبنا ، ولا في وُسْعنا ، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلاَّ وسعها ؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحْمِلُ على المكتسب ، ويُعِينُ عليه ؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ ، والحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ . وأوَّلُ الحياءِ وأَوْلاَه : الحياءُ من الله تعالى ، وهو ألاَّ يراك حيثُ نهاك ، وذلك لا يكونُ إلاَّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة ، ومراقبةٍ له حاصلَة ، وهي المعبَّرُ عنها بقوله : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . وقد رَوَى الترمذيُّ مِنْ حديث ابن مسعود أَنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - قال : اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ ، فَقَالُوا : إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالحَمْدُ للهِ ، فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ ، ولكنَّ الاسْتِحْياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى ، وَالْبطنَ وما وَعَى ، وَتَذْكُرَ المَوْتَ وَالْبِلَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ . قال الشيخ : وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون ؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم ، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء ، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذْراء في خِدْرها ، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِرْوتها .
( 22 ) بَابُ إِثْمِ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ 60 - [ 50 ] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ قَال : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأخِيهِ : كَافِرٌ ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلاّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ . ( 22 ) وَمِنْ بَابِ إِثْمِ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ كَفَّرَ الأوَّلُ - مشدَّدا - ومعناه : نسبَهُ إلى الكفر ، وحكَمَ عليه به ، وكفَرَ الثاني - مخفَّفٌ - بمعنى : جحَدَ حقَّهُ ، ولم يقم به . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأخِيهِ : كَافِرٌ ) صوابُ تقييده : كافرٌ بالتنوين ، على أن يكون خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ ، أي : أنتَ كافر ، أو هو كافرٌ . وربَّما قيَّده بعضهم : كَافِرُ بغير تنوين ؛ فجعله منادًى مفردًا محذوفَ حرف النداء . وهذا خطأٌ ؛ إذ لا يحذفُ حرفُ النداء مع النكرات ولا مع المُبْهَمات ، إلاَّ فيما جرى مجرى المَثَل ؛ في نحو قولهم : أَطْرِقْ كَرَا ، وافْتَدِ مخنوقُ ، وفي حديث موسى : ثَوْبِي حَجَرُ ، ثَوْبِي حَجَرُ ، وهو قليلٌ . وأصلُ الكفر : التغطيةُ والستر ؛ ومنه سُمِّيَ الزارع : كافرًا ؛ ومنه قوله تعالى : أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ أي : الزُّرَّاع ، ومنه قول الشاعر : فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أي : ستَرَ وغطَّى ، والغمام : السحاب . وأمَّا الكفر الواقعُ في الشرع ، فهو جحدُ المعلومِ منه ضرورةً شرعيَّةً ، وهذا هو الذي جَرَى به العُرْفُ الشرعيُّ ، وقد جاء فيه الكُفْرُ بمعنَى جَحْدِ المُنْعِم ، وتَرْكِ الشكرِ على النِّعَم ، وتركِ القيامِ بالحقوق ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - للنساء : يكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ، ويكْفُرْنَ العَشِيرَ ، أي : يَجْحَدْنَ حقوقَ الأزواج وإحسانهم ؛ ومِنْ هاهنا صحَّ أن يقال : كفرٌ دون كفرٍ ، وظُلْمٌ دون ظلمٍ ، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان . و ( قوله : فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) أي : رجَعَ بإثمها ، ولازَمَ ذلك ؛ قال الهرويُّ : وأصلُ البَوء : اللزوم ؛ ومنه : أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، أي : أُقِرُّ بها وأُلْزِمها نفسي ، وقال غيره من أهل اللغة : إنَّ باء في اللغة : رجَعَ بِشَرٍّ . والهاءُ في بها راجعٌ إلى التكفيرةِ الواحدة التي هي أقلُّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر . ويحتملُ أن يَعُودَ إلى الكلمة ، ونعني بهذا أنَّ المقولَ له كافر إن كان كافرًا كفراً شرعيًّا ، فقد صدَقَ القائلُ له ذلك ، وذهَبَ بها المقولُ له ، وإن لم يكنْ كذلك ، رجعَتْ للقائلِ مَعَرَّةُ ذلك القولِ وإثمُهُ . وأحدهما هنا يعني به : المقول له على كلِّ وجه ؛ لقوله : إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وأمَّا القائُل ، فهو المَعْنِيُّ بقوله : وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ . وبيانُهُ بما في حديث أبي ذرٍّ الذي قال فيه : مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالكُفْرِ ، أو قَالَ : عَدُو اللهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ ، إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ ، أي : على القائل . وحار : رجع ، ويعني بذلك وِزْرَ ذلك وإثمَهُ .
67- [ 56 ] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ . و ( قوله : اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ ) أي : مِنْ خصالِ أهلِ الكفر ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام : أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهنَّ : الطَّعْنُ فِي الأحسَابِ ، وَالْفَخْرُ بالأنسَابِ ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ، وَالنِّيَاحَةُ .
61 - [ 51 ] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وهو يَعْلَمُهُ - إِلاَّ كَفَرَ ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِنَّا ، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ ، أو قَالَ : عَدُو اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ . و ( قوله : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ ، وهو يَعْلَمُهُ ، إِلاَّ كَفَرَ ) أي : انتسَبَ لغير أبيه رغبةً عنه مع عِلْمِه به . وهذا إنَّما يفعله أهلُ الجفاءِ والجهلِ والكِبْر ؛ لِخِسَّةِ مَنْصِبِ الأب ودناءته ؛ فيرى الانتسابَ إليه عارًا ونقصًا في حقِّه . ولا شكَّ في أنَّ هذا محرَّمٌ معلومُ التحريمِ ، فمَنْ فعَلَ ذلك مستحلاًّ ، فهو كافرٌ حقيقةً ، فيبقى الحديثُ على ظاهره . وأمَّا إنْ كان غيرَ مستحلٍّ ، فيكونُ الكفرُ الذي في الحديثِ محمولاً على كفرانِ النِّعَمِ والحقوقِ ؛ فإنَّه قابَلَ الإحسانَ بالإساءة ، ومَنْ كان كذلك ، صدَقَ عليه اسمُ الكافر ، وعلى فِعْلِهِ أنَّهُ كُفْرٌ ؛ لغةً وشرعًا على ما قرَّرْناه ، ويحتملُ أن يقال : أُطْلِقَ عليه ذلك ؛ لأنَّه تَشَبَّهَ بالكُفَّار أهلِ الجاهليَّةِ ، أهلِ الكِبْرِ والأنفة ؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِنَّا ) ظاهره : التبرِّي المُطْلَقُ ، فيبقى على ظاهره في حقِّ المستحِلِّ لذلك ؛ على ما تقدَّم . ويُتأوَّلُ في حقِّ غير المستحلِّ بأنَّه ليس على طريقة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ولا على طريقةِ أهلِ دينه ؛ فإنَّ ذلك ظلمٌ ، وطريقةُ أهلِ الدِّينِ : العدلُ ، وتركُ الظلم ، ويكونُ هذا كما قال : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ ، وَشَقَّ الجُيُوب ، ويقرُبُ منه : مَنْ لم يَأْخُذْ مِنْ شاربِهِ ، فليس مِنَّا . 63 - [ 52 ] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكْرَةَ ، كِلاَهُمَا قَالَ : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ . و ( قوله : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي : مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - ) الضميرُ في سَمِعَتْهُ ضميرُ المصدر الذي دَلَّ عليه سَمِعَتْهُ ، أي : سَمِعَته سمعًا أُذْنَايَ ؛ كما تقولُ العربُ : ظننتُهُ زيدًا قائمًا ، أي : ظَنَنْتُ ظنًّا زيدًا قائمًا ، وهذا الوجهُ أحسنُ ما يقالُ فيه إنْ شاء الله تعالى . ويجوزُ : أن يكونَ الضميرُ عائدًا على معهودٍ متصوَّرٍ في نفوسهم ، ومحمّد بدلٌ منه ، والله أعلم . 64 - [ 53 ] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ . و ( قوله : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ) أي : خروجٌ عن الذي يجبُ من احترامِ المسلم ، وحرمةِ عِرْضِهِ وسَبِّه ، وقد تقدَّم القولُ في الفِسْق . و ( قوله : وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) القول فيه على نحو ما ذكرناه آنفا . 65- [ 54 ] وَعَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : اسْتَنْصِتْ لِيَ النَّاسَ ، ثُمَّ قَالَ : لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ . و ( قوله : لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) أي : لا تَتشَبَّهُوا بالكفَّار في المقاتلةِ والمقاطعة . وفيه : ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم ما يكونُ بعده في أمَّته من الفتن والتقاتل ، ويَدُلُّ أيضًا : على قربِ وقوعِ ذلك مِنْ زمانه ؛ فإنَّه خاطَبَ بذلك أصحابَهُ ، وظاهُرُه : أنَّه أرادهم ؛ لأنَّه بهم أعنَى ، وعليهم أحنَى ، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك . 68 و 69 و 70 - [ 55] وَعَنْهُ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ ، فَقَدْ كَفَرَ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . وَفِي آخَرَ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ . وَفِي آخَرَ : إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ . و ( قوله : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ ، فَقَدْ كَفَرَ ) محمولٌ على ما ذكرنا . و ( قوله : فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ) أي : ذِمَّةُ الإيمان وعهدُهُ وخَفَارَتُهُ : إنْ كان مستحلاًّ للإباق ، فيجبُ قتلُهُ بعد الاستتابة ؛ لأنَّه مرتدٌّ ، وإنْ لم يكن كذلك ، فقد خرَجَ عن حُرْمة المؤمنين وذِمَّتهم ؛ فإنَّهُ تجوزُ عقوبتُهُ على إباقه ، وليس لأحدٍ أن يحولَ بين سيَّده وبين عقوبتِهِ الجائزةِ إذا شاءها السَّيِّد . ويقال : بَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ والدَّيْنِ بَرَاءةً ، وبَرئتُ أَبْرَأُ إليه بُرْءًا وبُرُوءًا ، ويقالُ أيضًا : بَرُؤْتُ - بضمِّ الراء - أَبْرُؤُ . و ( قوله : لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ ) إنْ كان مستحلاًّ ، حُمِلَ الحديثُ على ظاهره ؛ لأنَّه يكون كافرًا ، ولا يُقْبَلُ لكافرٍ عملٌ . وإن لم يكنْ كذلك ، لم تصحَّ صلاتُهُ على مذهب المتكلِّمين في الصلاة في الدار المغصوبة ؛ لأنَّه منهيٌّ عن الكَوْنِ في المكانِ الذي يصلِّي فيه ، ومأمورٌ بالرجوع إلى سيِّده ، وأمَّا على مذهب الفقهاءِ المصحِّحين لتلك الصلاة ، فيمكنُ أن يُحْمَلَ الحديثُ على مذهبهم على أنَّ الإِثْمَ الذي يلحقه في إباقِه أكثَرُ من الثواب الذي يدخُلُ عليه من جهة الصلاة ؛ فكأنَّه صلاتَهُ لم تُقْبَلْ ؛ إذْ لم يتخلَّصْ بسببها من الإثم ، ولا حصَلَ له منها ثوابٌ يتخلَّصُ به من عقابِ الله على إباقه ؛ فكان هذا كما قلناه في قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنَّ شَارِبَ الخَمْرِ لاَ تُقْبَلُ منهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وقد كنا كتبنا في ذلك الحديثِ جزءًا حسنًا .
( 7 ) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا الله وَيَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ 21 - [ 17] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَاسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ - رضي الله عنه - بَعْدَهُ ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - لأبِي بَكْر - رضي الله عنه - : كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لا إِلهَ إِلا اللهُ ، فَمَنْ قَالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ ، إِلاَّ بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ - رضي الله عنه - : وَاللهِ! لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، وَاللهِ! لَو مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَوَاللهِ مَا هو إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللهَ - عز وجل - قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ ؛ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ . وعنه ، عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَيُؤْمِنُوا بِي ، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، إِلا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ . 22 - [ 18 ] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ : حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ . ( 7 ) ومِنْ بَابٍ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا الله ، وَيَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ ( قوله : وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ ) قال ابنُ إسحاق : لمَّا قُبِضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدَّتِ العربُ إلاَّ ثلاثةَ مساجدَ : مسجدَ المدينةِ ، ومسجدَ مَكَّةَ ، ومسجدَ جُؤاثَا . قال القاضي أبو الفضلِ عِيَاضٌ : كان أهلُ الردَّةِ ثلاثةَ أصناف : فصنْفٌ كفَرَ بعد إسلامه ، وعاد لجاهليته ، واتَّبَعَ مُسَيْلِمَة َوالعَنْسِيَّ ، وصدَّقَ بهما . وصنفٌ أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها ، وتأوَّلَ بعضُهُمْ أنَّ ذلك كان خاصًّا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لقولِهِ تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وصنفٌ اعترَفَ بوجوبِها ، ولكنِ امتنع مِنْ دفعها إلى أبي بكر ، فقال : إنما كان قَبْضُهَا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً لا لغيره ، وفرَّقوا صدقاتِهم بأيديهم ، فرأى أبو بَكْرٍ والصحابةُ قتالَ جميعِهم ، الصِّنْفانِ الأَوَّلانِ لِكُفْرهم ، والثالثُ لامتناعهم . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وهذا الصنفُ الثالثُ هم الذين أشكَلَ أمرُهم على عمر ، فباحَثَ أبا بكرٍ في ذلك حتَّى ظهَرَ له الحقُّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر ، فوافقه على ذلك ؛ ولذلك قال : فَوَاللهِ! مَا هو إِلا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ ؛ فَعَرَفْتُ أنّهُ الحَقُّ ، أي : ظَهَرَ له من الدليل ، وحصَلَ له من ثَلَجِ الصدر وانشراحِهِ لذلك ، مثلُ الذي حصَلَ لأبي بكر ، لأنَّه قلَّده واتَّبَعَهُ بعد ظهور الدليل ؛ لأنَّ التقليد لا ينشرحُ به الصدرُ ، ولا يُعْرَفُ به الحقُّ ، ولأنه لا يجوزُ لمجتهدٍ أن يقلِّد مجتهدًا عند تمكُّنِهِ من الاجتهادِ ؛ كما بيَّنَّاه في أصول الفقه ، ثُمَّ إنَّ أبا بكر قاتَلَ جميعَ المرتدِّين الثلاثة الأصناف ، وسَبَى ذراريهم ؛ قال القاضي : وحكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد ، فلمَّا تُوُفِّيَ أبو بكرٍ ووَلِيَ عمر رَدَّ عليهم سَبْيَهُمْ ، وحكَمَ عليهم بحكم المرتدِّين ، وكان أبو بكر يرى سَبْيَ أولاد المرتدِّين ؛ وبذلك قال أصبَغُ بن الفَرَجِ من أصحابنا ، وكان عمر يرى أنهم لا يُسبَوْنَ ، ولذلك ردَّ سبيهم ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ وأئمَّةُ الفتوى . ويستفاد مِنْ فعل عمر وحُكْمِهِ : أنَّ الإمام المجتِهدَ العدلَ إذا أمَرَ بأمر ، أو حكم بحكم ، وجبَتْ موافقتُهُ على الجميع ، وإنْ كان فيهم مَنْ يرى خلافَ رأيه ، بل يجبُ عليه تركُ العمل والفُتْيَا بما عنده ، وإن اعتقَدَ صِحَّته ، فإنْ عاد الأمرُ إليه ، عَمِلَ على رأيه الذي كان يعتقده صوابًا . ويحصَّل من قضيَّة أبي بكر وعمر : أنَّ سَبْيَ أولادِ المرتدِّين لم يكنْ مُجْمَعًا عليه ، وأنَّ عمر إنَّما وافق أبا بكرٍ ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميعِ لا غيرُ ، وأمَّا سبْيُ الذراري ، فلم يوافقْهُ عليه عمرُ باطنًا ، لكنَّه تركَ العملَ بما ظهَرَ له والفُتْيَا به ؛ لِمَا يجبُ عليه مِنْ طاعة الإمام وموافقتِهِ ، فلمَّا وَلِيَ عمل بما كان عنده ؛ هذا هو الظاهرُ من حال عمر . ولا يجوزُ أن يقال : إنَّهُ كان قد ظهَرَ له مِنْ جواز السَّبْيِ ما ظهر لأبي بكر ، ثمّ تغيَّر اجتهاده ؛ لأنّ ذلك يلزمُ منه خرقُ إجماعِ الصحابة السابق ؛ فإنَّهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر على السَّبْيِ ، وَعَمِلُوا بذلك مِنْ غير مخالفة ظهرَتْ من أحد منهم ولا إنكارٍ ظاهرٍ ؛ غير أنَّهم منقسمون في ذلك إلى مَنْ ظَهَرَ له جوازُ ذلك ؛ فسكَتَ لذلك ، ومنهم : مَنْ ظهر له خلافُ ذلك ؛ فسكَتَ بحكم ترجيحِ قول الإمام العدل المجتَهِدِ على رأيه ، ولوجوبِ اتَّبَاعِ الإمامِ على ما يراه ، والعمل به ؛ فإذا فُقِدَ ذلك الإمامُ ، تعيَّن على ذلك المجتهدِ أن يعمَلَ على ما كان قد ظهر له ، لكنْ بعد تجديد النظر ، لا أنّه يعتمدُ على ذلك الرأيِ الأوَّلِ مِنْ غير إعادة البحث ثانيةً ؛ لإمكانِ التغييُّر على ما بَيَّنتُه في عِلْم الأصول . وقد حكى بعضُ الناس : أنّ الإجماع انعقد بعد أبي بكر على أنّ المرتدَّ لا يُسْبَى ؛ وليس ذلك بصحيح ؛ لوجودِ الخلاف في ذلك ؛ كما قد حكيناه عن أصبَغَ ، ولأنَّه يؤدِّي إلى تناقُضِ الإجماعَيْنِ ، وهو محالٌ ؛ كما يُعْرَفُ في الأصول . ولمَّا اعتقَدَ بعضُ الأصوليِّين في هذه المسألة إجماعَيْن متناقَضَيْن رأى أنَّ المُخَلِّصَ من ذلك : اشتراطُ انقراضِ العَصْرِ في صحَّة الإجماع ، فلم ينعقدْ عند هذا القائل فيها إجماعٌ أوَّلاً ولا آخرًا ؛ لأنَّ عصر الصحابة لم يكنِ انقرَضَ في زمان عمر . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : واشتراطُ انقراضِ العصر في دلالة الإجماعِ باطلٌ ؛ لأنَّهُ زيادةُ شرطٍ في دلالات الإجماعِ الصحيحِة ، من غير أن يَشْهَدَ لتلك الزيادةِ عَقْلٌ ولا نقل ، والصحيحُ من هذه المسألة : أنَّه لا إجماعَ فيها أوَّلاً ولا آخِرًا ؛ لإضمارِ الخلاف فيها في عَصْرِ أبي بكر ، والتصريح به بعده ، والله تعالى أعلم . و ( قولُ عمر لأبي بكر : كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاس وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لاَ إِلهَ إلا اللهُ ) ؟ ظاهره : أنَّ مَن نطق بكلمة التوحيد فقطْ حُكِمَ له بِحُكْمِ الإسلام . وهذا الظاهرُ متروكٌ قطعًا ؛ إذْ لا بدَّ مع ذلك من النطقِ بالشهادة بالرسالةِ أو بما يدلُّ عليها ، لكنَّهُ سكَتَ عن كلمة الرسالة ؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها ؛ لأنَّهما متلازمان ، فهي مرادةٌ قطعًا . ثُمَّ النطقُ بالشهادتَيْن يدلُّ على الدخولِ في الدِّينِ والتصديقِ بكلِّ ما تضمَّنه ؛ وعلى هذا : فالنطقُ بالكلمةِ الأولى يفيدُ إرادةَ الثانية ، كما يقال : قرأتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والمرادُ جميعُ السورة . ويدلُّ على صِحَّةِ ما قلناه : الرواياتُ الأُخَرُ التي فيها : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، وفي لفظٍ آخر : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَيُؤْمِنُوا بِي ، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ . غير أنَّ أبا بكر وعمر لم يَحضرْ لهما في وقتِ هذه المناظرة غيرُ ذلك اللفظِ الذي ذكراه ؛ إذ لو حضر لهما قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، لارتفَعَ البحثُ بينهما ؛ لأنَّ هذا اللفظَ نَصُّ في المطلوب ، وأوضَحُ في الدلالة ممَّا استدَلَّ به أبو بكر مِنْ قوله : لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ . ويعني بهذا أبو بكر - واللهُ أعلَم ُ- : أنَّ الله تعالى قد سوَّى بين الصلاة والزكاة في الوجوب في قولِهِ تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ؛ وفي غيرها ، فقد جمَعَ اللهُ تعالى بينهما في الأمر بهما ، والصلاةُ المأمورُ بها واجبةٌ قطعًا ؛ فالزكاةُ مثلُهَا ، فمَنْ فرَّقَ بينهما قُوتِلَ . ويمكنُ أَنْ نشِيرَ بذلك إلى قولِهِ تعالى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، ودليلُ خطابها : أنَّ مَنْ لم يفعَلْ جميعَ ذلك لَمْ يُخَلَّ سبيلُهُ ، فيقاتَلُ إلى أن يُقْتَلَ أو يتوبَ ، وبهذه الآية وبذلك الحديث استدلَّ الشافعيُّ ومالك ومَنْ قال بقولهما على قَتْلِ تاركِ الصلاة وإن كان معتقدًا لوجوبها ؛ على ما يأتي إن شاء الله تعالى . و ( قوله : فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ ) عصَمَ : منع ، وَالعِصْمَةُ : المنعُ والاِمتناع ، والعِصَامُ : الخيطُ الذي يُشَدُّ به فَمُ القِرْبةِ ، سُمِّيَ بذلك ؛ لمنعه الماءَ من السَّيْلان ، والحقُّ المستثنَى : هو ما بيَّنه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر بقوله : زنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ ، أو كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ ، أو قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ، وسيأتي ذكره في الحدود . و ( قوله : وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ) أي : حسابُ سرائرهم على الله ؛ لأنَّه تعالى هو المُطَّلِعُ عليها ؛ فَمَنْ أخلَصَ في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاءَ المُخْلِصينْ ، ومن لم يُخْلِصْ في ذلك كان من المنافقينْ ، يُحْكَمُ له في الدنيا بأحكامِ المسلمينْ ، وهو عند الله مِنْ أسوأ الكافرينْ . ويستفادُ منه : أنَّ أحكامَ الإسلامِ إِنَّما تُدَارُ على الظواهرِ الجليَّة ، لا الأسرارِ الخفيَّة . و ( قوله : وَاللهِ لَو مَنَعَوْنِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَقَاتَلْْتُهُم عَلى مَنْعِهِ ) اخْتُلِفَ في هذا العِقَال على أقوال : أولها : أنه الفريضةُ من الإبل ؛ رواه ابن وَهبٍ عن مالك ، وقاله النَّضْرُ بن شُمَيْل . وثانيها : أنَّه صَدَقةُ عامٍ ؛ قاله الكسائيُّ ؛ وأنشد : سَعَى عِقَالاً فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا فَكَيْفَ لَو قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْن ؟ ! وثالثهما : أنَّه كُلُّ شيءٍ يؤخذُ في الزكاةِ مِنْ أنعامٍ وثمار ؛ لأنَّهُ يُعْقَلُ عن مالكه ؛ قاله أبو سَعِيدٍ الضريرُ . ورابعها : هو ما يأخُذُهُ المصدِّق من الصدقة بعينها ، فإنْ أخَذَ عِوَضَها ، قيل : أخَذَ نقدًا ؛ ومنه قولُ الشاعر : وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالاً وَلاَ نَقْدًا وخامسها : أنه اسمٌ لما يُعْقَلُ به البعير ؛ قاله أبو عُبَيْد ، وقال : قد بعَثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمَّد بن مَسْلَمة على الصدقة ، فكان يأخذ مع كُلِّ قَرينَيْنِ عِقَالاً ورِوَاءً . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : والأشبه بمساق قول أبي بكر أن يراد بالعِقَال : ما يُعْقَلُ به البعير ؛ لأنه خرج مَخْرَجَ التقليل ، والله أعلم . وقد رُوِيَ في غير كتاب مسلم : لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا مكان عِقَالاً ، وهو الجَذَعُ مِنْ أولاد المَعْز . وقد روي : جَذعًا مكانَ عَنَاقًا ، وهو تفسيرٌ له ، والجذَعُ من أولاد الغنم : هو الذي جاوز ستةَ أشهر إلى آخر السنة ، ثم هو ثَنِيٌّ . وبهذه الروايةِ تمسَّك مَنْ أجاز أَخْذَ الجذَعَ من المعز في الزكاة إذا كانتْ سِخَالاً كلُّها ؛ وهو قولُ الشافعيِّ ، وأحدُ قولَيْ مالك ، وليس بالمشهور عنه . ولا حُجَّةَ في ذلك ؛ لأنَّه خرج مَخْرَجَ التقليل ؛ فإنَّ عادةَ العرب إذا أَغْيَتْ تقليل شيء ، ذَكَرَتْ في كلامها ما لا يكونُ مقصودًا ؛ كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَو فِرْسِنَ شَاةٍ ، وفي أخرى : وَلَو ظِلْفًا مُحْرَقًا ، وليسا مما ينتفعُ به ، وكذلك قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لله وَلَو مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ ؛ وذلك القَدْرُ لا يكونُ مسجدًا ، ونحو من هذا في الإغْيَاء قولُ امرئ القيس : مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَو دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرا ونحوُهُ كثيرٌ في كلامهم في التقليل والتكثيرُ والتعظيم والتحقير . وفي الحديث : حُجَّةٌ على أنَّ الزكاةَ لا تسقُطُ عن المرتدِّ بردَّته ، بل يؤخذُ منه ما وجَبَ عليه منها ، فإنْ تاب ، وإلا قُتِلَ وكان ماله فَيْئًا .
( 8 ) بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ 24 - [ 19 ] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ ، جَاءَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهلٍ ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : يَا عَمِّ ، قُلْ : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، كَلِمَةً أَشْهَد لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ، فَقَالَ أبو جَهلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ ، حَتَّى قَالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ : هو عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَمَا وَاللهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ُ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . ( 8 ) وَمِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ُ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ( قوله : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ ) أبو طالب هذا : هو ابنُ عبد المطَّلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ قُصَيٍّ ، وهو عمُّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ووالدُ عليّ بن أبي طالبِ ، واسمُهُ : عبد مناف ، وقيل : اسمه كنيته ، والأوَّل أصحّ ، واسمُ عبد المطَّلب : شَيْبَةُ ، وكان يُقالُ له : شيبةُ الحمد ، واسمُ هاشمٍ : عمرو ، وهاشمٌ لَقَبٌ له ؛ لأنَّه أوّلُ من هَشَمَ الثريدَ لقومه . واسمُ عبد منافٍ : المغيرة ، واسمُ قُصَيٍّ : زيدٌ ، وقيل له : مجمِّعٌ ؛ لأنَّه جَمَّعَ إليه قومَهُ . وكان والدُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو عبدُ الله قد توفِّيَ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حَمْلٌ في بطنِ أمِّه على الأصحِّ ، فوُلِدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم ونشَأَ في كَفَالَةِ جَدِّهِ عبد المُطَّلِبِ إلى أن تُوُفِّي ، فكفله عمُّه أبو طالب ، ولم يَزَلْ يحبُّه حُبًّا شديدًا ، ويحوطُهُ ويحفظه إلى أنْ بعَثَ اللهُ محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بالنبوَّة ، فنصره أبو طالب وأعانه وأجارَهُ ممَّنْ يريدُ به سوءًا ، وقامَ دونه ، وعادى في حَقَّهِ قريشًا وجميعَ العرب ، إلى أنْ ناصبوه القتالَ وجاهروه بالعداوة والأذى ؛ وطلبوا أن يُسَلِّمَهُ لهم ، فلم يفعَلْ . ثُمَّ إنَّ قريشًا وجميعَ أهلِ مَكَّةَ تعاقدوا فيما بينهم ، وتحالفوا على هَجْرِهِ وجميعِ بني هاشمٍ ومقاطعتهم ، وعلى ألاَّ يقاربوهم ، ولا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يَصِلُوهُمْ بشيء من وجوه الرفق كلِّها ، حتَّى يُسَلِّموا إليهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في الكعبة ، فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شِعْبهم ، وأقاموا على ذلك نحو ثَلاَثِ سنين في جَهدٍ جهيد ، وحالٍ شديد ، إلى أن نقَضَ اللهُ أمرَ الصحيفة ، وأظهر أمْرَ نبيِّه على ما هو مذكورٌ في كتب السير . وكان أبو طالب يَعْرِفُ صدقَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ ما يقوله ، ويقولُ لقريش : تَعلمُون واللهِ أنّ محمّدًا لم يكذبْ قطُّ ، ويقولُ لابنه عليٍّ : اتَّبِعْهُ ، فإنَّه على الحقِّ . غير أنَّه لم يدخُلْ في الإسلام ، ولم يَتَلفَّظ به ، ولم يَزَلْ على ذلك إلى أن حَضَرتْهُ الوفاةُ ، فدخل عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - طامعًا في إسلامه ، وحريصًا عليه ، باذلاً في ذلك جُهده ، مستفرغًا ما عنده ، لكنْ عاقتْ عن ذلك عوائقُ الأقدارْ ، التي لا ينفَعُ معها حرصٌ ولا اقتدارْ . و ( قوله : يَا عَمِّ ، قُلْ : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، كَلِمَةً أَشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ) أحسنُ ما تُقيَّد به كلمة النصبُ ؛ على أن تكون بدلاً من لا إله إلاّ الله ، ويجوزُ رفعُها على إضمار المبتدأ . وأَشْهَدْ : مجزومٌ على جواب الأمر ، أي : إنْ تقلْ أشهدْ . وكلُّ ذلك ترغيبٌ وتذكيرٌ لأبي طالب ، وحِرْصٌ على نجاته ، ويأبى الله إلاَّ ما يريد . و ( قوله : فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ ) هكذا هو في الأصول وعند أكثر الشيوخ ، ويعني بذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقبَلَ على أبي طالب يعرضُ عليه الشهادة ، ويكرِّرها عليه . ووقع في بعض النسخ : وَيُعِيدَانِ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ ، ووجههما : أنّ أبا جهل وعبد الله بن أبي أُميَّة أعادا على أبي طالب قولهما له : أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟! حتَّى أجابهما إلى ذلك . و ( قوله : وأبى أن يقولَ : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، أي : امتنع من قولها . و ( قوله : يَقُولُونَ : إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ ) بالجيم والزاي : صحيحُ الرواية ؛ لا يُعْرَفُ في كتاب مسلم غيرها ، وهو بمعنى : الخَوْفِ من الموت . وفي كتاب أبي عُبَيْد : الخَرَع - بالخاء المعجمة والراء المهملة - وقال : يعني : الضعفَ والخَوَر ، وكذلك قال ثعلبٌ وفسَّره به ، قال شَمِرٌ : يقال : جزعَ الرجلُ ؛ إذا ضَعُف ، وكلُّ رِخْو ضعيفٍ : خَريعٌ وخرِعٌ ، والخَرِعُ : الفصيلُ الضعيف ، قال : والخَرَعُ : الدَّهَشُ . وفي الصحاح : الخَرَعُ ، بالتحريك : الرَّخَاوة في الشيء ، وقد خَرِعَ الرجلُ ، بالكسر ، أي : ضَعُف ، فهو خَرِعٌ ، ويقال لِمِشْفَرِ البعير إذا تدلَّى : خَرِيعٌ .
25- [ 20 ] وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : َقَالَ أبو طَالِبٍ : لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ ؛ يَقُولُونَ : إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الآية . و ( قوله : لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ ؛ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ) أي : تَسُبَّني وتقبِّحَ عليَّ ؛ يقال : عَيَّرتُهُ بكذا تعييرا ، والعامَّةُ تقولُ بالباء ، والأوَّل كلامُ العرب ؛ كما قال النابغة : وَعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وَمَا عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ ومعنى : أقرَرْتُ عينَك بها ، أي : سرَرْتُك بقولها ، وأبلغتُكَ أُمْنيتك : قال ثعلب : يقال : أقرَّ اللهُ عينَكَ ، أي : بلَّغه أمنيتَهُ حتَّى ترضَى نفسُهُ ، وتَقرَّ عيناُهُ ؛ ومنه قولهم فيمن أدرَكَ ثأرَهُ : وَقَعْتَ بِقُرِّك ، أي : أدرَكَ قلبُكَ ما كان يتمنَّى . وقال الأصمعيُّ : معناه : بَرَّدَ الله دمعته ؛ لأنَّ دمعةَ الفرح باردةٌ . قال غيره : ودمعةُ الحزن حارَّة ؛ ولذلك يقال : أسخَنَ اللهُ عينَهُ ، أي : أراه ما يسوؤُهُ فيبكي فتَسْخَنُ عينُهُ . وقوله : ُ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ أي : ما يجوزُ ولا ينبغي لهم ذلك ، ُ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أي : الموت على الكفر . والجحيمُ : اسمٌ من أسماء النار المُعَدَّة للكفَّار ، وكل نارٍ في مَهواة ، فهي جحيمٌ ؛ ومنه قوله تعالى : ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . والجاحمُ : المكانُ الشديد الحرِّ ، وأصحابُ الجحيم مَسْتَحِقُّوها وملازموها . ثَمَّ بيَّن الله عُذْرَ إبراهيم عن استغفاره في قوله : وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ بأنَّ ذلك : إنما كان منه لأجلِ وَعْدِ إبراهيمَ لأبيه حين قال له سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وقيل : إنَّ الموعدة هي مِنْ أبي إبراهيم له بِأنْ يُسلِم ، فلمَّا لم يَفِ بها ، وتبيَّن له أنَّه لا يُسْلِم إمَّا بالوحي وإمَّا بموته على الكفر ؛ تبرَّأ منه ، كما قال تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، والقولان لأهل التفسير . قال القاضي أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ : يروى عن عمرو بن دينار أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال : استغفَرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشركٌ ؛ فلا أَزَالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتّى ينهاني الله ، وقال أصحابُهُ : استغفِرُوا لآبائكم كما استغْفَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب عمِّه ، فأنزَلَ الله تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية وقوله تعالى : ُ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أي : لا تقدرُ على توفيقِ مَنْ أراد الله خِذْلانه ، وكَشْفُ ذلك : بأنَّ الهداية الحقيقيَّة هي خلقُ القُدْرَة على الطاعة ، وقبولُهَا ، وليس ذلك إلاّ لله تعالى ، والهدايةُ التي تَصِحُّ نسبتُها لغير الله تعالى بوجهٍ ما : هي الإرشادُ والدَّلاَلَة ؛ كما قال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : ترشدُ وتبيِّن ؛ كما قال : ُ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ و : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وما ذكرناه : هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة ، وهو الذي تدُلُّ عليه البراهينُ القاطعة .
43 - [ 28 ] وعَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم قَالَ : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ تعالى ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ . و( قوله : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ) إنما خصَّ هذه الثلاثَ بهذا المعنى ؛ لأنَّها لا توجدُ إلا ممَّن تنوَّرَ قلبُه بأنوار الإيمان واليقين ، وانكشَفَتْ له محاسنُ تلك الأمور التي أوجَبَتْ له تلك المَحَبَّةَ التي هي حالُ العارفين . و ( قوله : مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ) دليلٌ على جواز إضافةِ المحبَّةِ لله تعالى ، وإطلاقِهَا عليه ، ولا خلافَ في إطلاقِ ذلك عليه صحيح مُحِبًّا ومحبوبًا ؛ كما قال تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وهو في السُّنَّة كثير . ولا يختلف النُّظَّار من أهل السُّنَّة وغيرِهِمْ : أنَّها مُؤَوَّلةٌ في حق الله تعالى ؛ لأنَّ المحبة المتعارَفَةَ في حقِّنا إنَّما هي مَيْلٌ لما فيه غَرَضٌ يَسْتَكْمِلُ به الإنسانُ ما نقصَهُ ، وسكونٌ لما تَلْتَذُّ به النفس ، وتكمُلُ بحصوله ، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك . وقد اختلف أئمَّتنا في تأويلها في حَقِّ الله تعالى : فمنهم مَنْ صرفها إلى إرادتِهِ تعالى إنعامًا مخصوصًا على مَنْ أخبَرَ أنَّه يحبُّه من عباده ؛ وعلى هذا تَرْجِعُ إلى صفة ذاته . ومنهم : مَنْ صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام ؛ وعلى هذا فتكون من صفات الفعل . وعلى هذا المنهاج : يتمشَّى القولُ في الرحمة والنَّعْمَة والرضا ، والغضبِ والسَّخَط وما كان في معناها ، ولِبَسْطِ ذلك موضعٌ آخر . فأما محبَّةِ العبد لله تعالى فقد تأوَّلها بعضُ المتكلِّمين ؛ لأنَّهم فسَّروا المحبَّة بالإرادةُ ، والإرادة إنما تتعلَّق بالحادث لا بالقديم ، ومنهم مَنْ قال : لأنَّ محبتَنا إنَّما تتعلَّق بمستَلَذٍّ محسوسٍ ، واللهُ تعالى منزَّهٌ عن ذلك . وهؤلاءِ تأوَّلوا محبةَ العبدِ لله تعالى بطاعتِهِ له ، وتعظيمِهِ إياه ، وموافقتِهِ له على ما يريد منه . وأما أربابُ القلوب ، فمنهم مَنْ لم يتأوَّلْ محبَّةَ العبدِ لله تعالى ، حتى قال : المحبةُ لله تعالى هي الميلُ الدائم بالقلبِ الهائم ، وقال أبو القاسم القُشَيْرِيُّ : أما محبةُ العبدِ لله تعالى ، فحالةٌ يجدها العبدُ من قلبه تَلْطُفُ عن العبارة ، وقد تحملُهُ تلك الحالةُ على التعظيمِ لله تعالى ، وإيثارِ رضاه ، وقلَّةِ الصبر عنه ، والاحتياج إليه ، وعَدَمِ الفرَارِ عنه ، ووجودِ الاستئناسِ بدوامِ ذكره . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : فهؤلاءِ قد صرَّحوا بأنَّ محبَّة العبد لله تعالى : هي مَيْلٌ من العبد وتَوَقَان ، وحالٌ يَجِدُها المُحِبُّ مِنْ نفسه مِنْ نوعِ ما يجده في محبوباتِهِ المعتادةِ له ، وهو صحيحٌ . والذي يوضِّحه : أنَّ الله تعالى قد جَبَلَنا على الميل إلى الحُسْنِ والجمال والكمال ، فبقدر ما ينكشفُ للعاقل من حُسْنِ الشيء وجمالِهِ ، مالَ إليه وتعلَّقَ قلبُهُ به حتى يُفْضِيَ الأمرُ إلى أنْ يستولي ذلك المعنَى عليه ؛ فلا يَقْدِرُ على الصبر عنه ، وربَّما لا يشتغلُ بشيءٍ دونه . ثم الحُسْنُ والكمالُ نوعان : محسوسٌ ، ومعنويٌّ : فالمحسوسُ : كالصور الجميلة المشتهاة لنيلِ اللذَّةِ الجِسْمَانية ، وهذا في حقِّ الله تعالى محالٌ قطعًا . وأما المعنويُّ : فكمَنِ اتَّصَفَ بالعلومِ الشريفة ، والأفعالِ الكريمة ، والأخلاقِ الحميدة ، فهذا النوعُ تميلُ إليه النفوسُ الفاضلة ، والقلوب الكاملة ميلاً عظيمًا ؛ فترتاحُ لذكرِه ، وتتنعم بخُبْرِهِ وخَبَرِهِ ، وتهتزّ لسماعِ أقوالِه ، وتتشوَّف لمشاهدة أحواله ، وتلتذُّ بذلك لذةً رُوحَانيةً لا جِسْمَانِيَّةً ، كما تجده عند ذِكْرِ الأنبياءِ والعُلَمَاء والفُضْلاَءِ والكُرَمَاء من الميلِ واللذَّة والرِّقَّة والأنس ، وإنْ كنَّا لا نَعْرِفُ صورهم المحسوسة ، وربَّما قد نَسْمَعُ أنَّ بعضَهم مِنْ غير الأنبياء قبيحُ الصورة الظاهرة أو أعمَى أو أجْذَم ، ومع ذلك : فذلك الميلُ والأُنْسُ والتشوُّقُ موجودٌ لنا ؛ ومَنْ شَكَّ في وِجْدانِ ذلك ، أو أنكَرَهُ ، كان عن جِبِلَّةِ الإنسانيَّةِ خارجَا ، وفي غِمَارِ المعتوهين والجَا . وإذا تقرَّر ذلك : فإذا كان هذا الموصوفُ بذلك الكمال قد أحسنَ إلينا ، وفاضَتْ نعمُهُ علينا ، ووصَلَنَا ببِرِّه ، وعطفِهِ ولُطْفِه ، تضاعَفَ ذلك الميلُ ، وتجدَّد ذلك الأُنْس ، حتَّى لا نصبرَ عنه ، بل يستغرقنا ذلك الحالْ ، إلى أن نُذْهَلَ عن جميعِ الأشغالْ ، بل ويطرأُ على الْمُشتَهرِ بذلك نوعُ اختلالْ . وإذا كان ذلك في حَقِّ مَنْ كمالُهُ وجمالُهُ مُقيَّدًا مَشُوبًا بالنقص مُعَرَّضًا للزوالْ ، كان مَن كمالُهُ وجمالُهُ واجبًا مطلقًا لا يشوبُهُ نقصٌ ولا يعتريه زوال ، وكان إنعامُهُ وإحسانُهُ أكثرَ بحيثُ لا ينحصرُ ولا يُعَدّ ، أولَى بذلك الميل وأحقَّ بذلك الحبّ ، وليس ذلك إلاَّ لله وحده ، ثُمَّ لَِمْن خصَّه الله تعالى بما شاء مِنْ ذلك الكمال ، وأكملُ نوع الإنسان محمَّدٌ عليه أفضل الصلاةِ والسلام . فَمَنْ تَحَقَّق ما ذكرْناه ، واتّصَفَ بما وصفْناه ، كان اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهما ، ومن كان كذلك تأهَّلَ للقائهما ، بالاتِّصَافِ بما يُرْضِيهما ، واجتنابِ ما يُسخِطُهُمَا ؛ ويستلزمُ ذلك كلُّه الإقبالَ بالكُلِّيَّة عليهما ، والإعراضَ عمَّا سواهما إلاّ بإذنهما وأمرهما ، ولتفصيلِ ذلك موضعٌ آخر . و ( قوله : وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ ) يعني : بالمرء هنا : المُسْلِمَ المؤمنَ ؛ لأنَّه هو الذي يمكنُ أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبَّتِه ، وأن يُتَقَرَّبَ لله تعالى باحترامِهِ وحُرْمَتِه ؛ فإنه هو الموصوفُ بالأخوَّة الإيمانيَّة ، والمحبَّة الدينيَّة ؛ كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، وكما قال تعالى : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا . وقد أفاد هذا الحديثُ : أنَّ محبَّةَ المؤمنِ الموصِّلَةَ لحلاوة الإيمان لا بدَّ أن تكونَ خالصةً لله تعالى ، غيرَ مشوبةٍ بالأَغراض الدنيويَّة ، ولا الحظوظِ البشريَّة ؛ فإنَّ مَنْ أحبَّه لذلك ، انقطعَتْ محبَّته إنْ حصَلَ له ذلك الغرَضُ أو يئِسَ مِنْ حصوله . ومحبَّةُ المؤمن وظيفةٌ متعيِّنة على الدوام ، وُجِدَتِ الأغْراضُ أو عُدِمَتْ ، ولمَّا كانتِ المحبَّةُ للأغراضِ هي الغالبة ، قَلَّ وِجْدانُ تلك الحلاوة ، بل قد انعدم ، لا سيَّما في هذه الأزمانْ التي قد امَّحَى فيها أكثَرُ رسومِ الإيمانْ . وعلى الجملة : فمحبَّةُ المؤمنين من العباداتْ ، التي لا بُدَّ فيها من الإخلاصِ في حُسْنِ النيَّاتْ . و ( قوله : وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) معنى يُقْذَفَ : يُرْمَى ، والقذفُ : الرمي . وهذه الكراهةُ مُوحيَةٌ ؛ لما انكشَفَ للمؤمن من محاسن الإسلام ، ولِمَا دخَلَ قلبَهُ من نور الإيمانْ ، ولِمَا خلّصه الله مِنْ رذائلِ الجهالاتِ وقُبْحِ الكفرانْ ، والحمدُ لله .
( 12 ) بَابُ مَنْ يَذُوقُ طَعْمَ الإِْيمَانِ وَحَلاَوَتَهُ 34 - [ 27] عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً . ( 12 ) وَمِنْ بَابِ مَنْ يَذُوقُ طَعْمَ الإِْيمَانِ وَحَلاَوَتَهُ ( قوله : ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ ) أي : وَجَدَ حَلاَوَتَهُ ، كما قال في حديث أنس : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِْيمَانِ ، وهي عبارةٌ عمَّا يجده المؤمنُ المحقِّقُ في إيمانه ، المطمئنُّ قلبه به ؛ من انشراحِ صدره ، وتنويرِهِ بمعرفةِ الله تعالى ، ومعرفةِ رسوله ، ومعرفةِ مِنَّةِ الله تعالى عليه : في أنْ أنعَمَ عليه بالإسلامْ ، ونظَمَهُ في سلك أمَّةِ محمَّدٍ خيرِ الأنامْ ، وحبَّب إليه الإيمانَ والمؤمنينْ ، وبَغَّض إليه الكُفْرَ والكافرينْ ، وأنْجَاهُ من قبيح أفعالهمْ ، ورَكَاكةِ أحوالهمْ . وعند مطالعةِ هذه الْمِنَن ، والوقوفِ على تفاصيل تلك النِّعَم ، تطيرُ القلوبُ فرحًا وسرورَا ، وتمتلئُ إشراقًا ونورَا ، فيا لها مِنْ حلاوةٍ ما ألذَّها ، وحالةٍ ما أشرفَها!! فنسأله - الله - تعالى أنْ يَمُنَّ بدوامها وكمالِهَا ، كما مَنَّ بابتدائها وحُصُولِهَا ؛ فإنَّ المؤمن عند تذكُّرِ تلك النِّعَمِ والمِنَن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة ؛ غير أنَّ المؤمنين في تمكُّنها ودوامها متفاوتون ، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ مَعْلُوم ، وذلك بِحَسَبِ ما قُسِمَ لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة ، والمِنَحِ الربَّانيَّة ، وللكلام في تفاصيلِ ما أجملناه مَقَامٌ آخرُ . و ( قوله : مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا ) الحديثَ ؛ الرضا بهذه الأمورِ الثلاثة على قسمَيْن : رِضًا عامٌّ : وهو ألا يَتَّخِذَ غيرَ الله ربًّا ، ولا غيرَ دين الإسلام دينًا ، ولا غيرَ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً ؛ وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم ؛ إذ لا يَصِحُّ التديُّنُ بدين الإسلام إلا بذلك الرضا . والرضا الخاصُّ : هو الذي تكلَّم فيه أربابُ القلوب ، وهو ينقسم على قسمَيْن : رضًا بهذه الأمور ، ورضًا عن مُجْرِيها تعالى ؛ كما قال أبو عبد الله بنُ خَفِيف : الرضا قسمان : رضًا به ، ورضًا عنه ؛ فالرضا به مدبِّرًا ، والرضا عنه فيما قضى ، وقال أيضًا : هو سكونُ القلب إلى أحكامِ الرَّبّ ، وموافقتُهُ على ما رَضِيَ واختار ، وقال الجُنَيْد : الرضا رفعُ الاختيار ، وقال المُحَاسِبِيُّ : هو سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام ، وقال أبو عليٍّ الرُّوذْبَارِيُّ : ليس الرضا ألاَّ يُحِسَّ بالبلاء ، إنما الرضا ألاَّ يَعْتَرِضَ على الحكم . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وما ذكره هؤلاءِ المشايخُ هو مبدأُ الرضا عندهم ، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النُّورِيُّ : هو سرورُ القلبِ بِمُرِّ القضاء ، وَسُئِلَتْ رابعةُُ عن الرضا ؟ فقالتْ : إذا سرَّتْهُ المصيبةُ كما سرَّتْهُ النعمةُ . وقد غلا بعضهم وهو أبو سُلَيْمَانَ الداراني ، فقال : أرجو أنْ أكونَ عَرَفْتُ طَرَفًا من الرضا ، لو أنَّه أدخلني النارَ ، لَكُنْتُ به راضيًا . وقال رُوَيْم : الرضا هو : لو جعَلَ جهنَّمَ عن يمينه ، ما سَأَلَ أن يحَوَّلَ عن شماله . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وهذا غلو ، وفيه إشكالٌ ، والكلامُ فيه يُخْرِجُ عن مقصودِ كتابنا . وعلى الجملة : فالرضا بابُ اللهِ الأعظمُ ، وفيه جماعُ الخيرِ كلِّه ؛ كما قال عمر لأبي موسى فيما كتب إليه : أما بعدُ ! فإنَّ الخَيْرَ كلَّه في الرضا ؛ فإنِ استطَعَتَ أنْ ترضَى ، وإلاَّ فاصبر .
( 23 ) بَابٌ نِسْبَةُ الاِخْتِرَاعِ لِغَيْرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفْرٌ 71 - [ 57] عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ . ( 23 ) وَمِنْ بَابِ : نِسْبَةُ الاِخْتِرَاعِ إِلَى غَيْرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفْرٌ ( قوله : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ ) أكثرُ الرواة يشدِّدون ياء الحُدَيْبِيَّةِ ، وهي لغةُ أهلُ اليمن ، وأهل العراق يخفِّفونها . والجِعِرَّانة يقولها أهلُ المدينة بكسر العين وتشديد الراء ، وأهلُ العراق يُسْكِنون العين ويُخفِّفون الراء ، وابنُ المسيِّب وأهلُ المدينة يكسرون الياءَ مشدَّدة ، وأهلُ العراق يفتحونها ، وكذلك قرأتُهُ ، وقيَّدته على مَنْ لَقِيته وقَيَّدتُّ عليه . والحديبية : موضعٌ فيه ماءٌ بينه وبين مَكَّة أميال ، وَصَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إليه وهو مُحْرِمٌ بعمرة قبل فتح مكَّة ، فصدَّه المشركون عن البيت ، فصالحهم وشرَطَ لهم وعليهم ، ولم يدخُلْ مكَّةَ في تلك السنة ، ورجَعَ إلى المدينة ، فلمَّا كان العامُ المقبلُ ، دخلها ، وسيأتي تفصيلُ ذلك كلِّه ، إنْ شاء الله تعالى . وإثْرَ الشَّيْءِ بكسرِ الهمزة وإسكانِ الثاء المثلَّثة : بَعْدَهُ وعَقِبَهُ ، ويقال فيه : أَثَر ، بفتح الهمزة والثاء . والسَّمَاءُ هنا المطرُ ، سُمِّي بذلك ؛ لأنَّه من السماء ينزل ، وحقيقةُ السماء : كلُّ ما علاك فأظلَّك . و ( قوله : فَلَمَّا انْصَرَفَ ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ) أي : انصرَفَ مِنْ صلاته ، وفرَغَ منها ؛ فظاهره : أنَّه لم يكن يثبت في مكان صلاتِهِ بعد سلامه ؛ بل كان ينتقلُ عنه ويتغيَّرُ عن حالته ، وهذا الذي يستحبَّهُ مالك للإمامِ في المسجد ؛ كما سيأتي . و ( قوله : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ) ظاهره : أنَّه الكُفْرُ الحقيقيُّ ؛ لأنَّه قابَلَ به المؤمنَ الحقيقيَّ ، فيُحْمَلُ على مَنِ اعتقَدَ أنَّ المطر مِنْ فعل الكواكبِ وخَلْقِها ، لا مِنْ فِعْلِ الله تعالى ؛ كما يعتقده بعضُ جهَّال المنجِّمين والطبائعيِّين والعَرَب . فأمَّا من اعتقَدَ أنَّ الله تعالى هو الذي خلَقَ المَطَرَ واخترعَهُ ثُمَّ تكلَّم بذلك القولِ ، فليس بكافر ؛ ولكنَّه مخطئٌ من وجهَيْن : أحدهما : أنّه خالَفَ الشرع ؛ فإنَّه قد حذَّر من ذلك الإطلاق . وثانيهما : أنَّه قد تشبَّه بأهلِ الكفر في قولهم ، وذلك لا يجوزُ ؛ لأنَّا قد أَمَرَنَا بمخالفتهم ؛ فقال : خَالِفُوا المُشْرِكين ، وخَالِفُوا اليَهُودَ . ونُهِينَا عن التشبُّهِ بهم ؛ وذلك يقتضي الأَمْرَ بمخالفتهم في الأفعالِ والأقوالِ على ما يأتي إنْ شاء الله تعالى ، ولأنّ الله تعالى قد مَنَعَنا من التشبُّهِ بهم في النطق ، بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا لمَّا كان اليهودُ يقولون تلك الكلمةَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يقصدون ترعينَهُ ، مَنَعَنَا اللهُ مِن إطلاقها ، وقولِهَا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإنْ قَصَدْنا بها الخيرَ ؛ سَدًّا للذريعة ، ومنعًا من التشبُّهِ بهم . فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يريدُ به الإخبارَ عمَّا أَجْرَى الله به سُنَّتَهُ جاز ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : إذا نشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ثُمَّ تشاءَمَتْ ، فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ . و ( قوله : فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ) أي : مصدِّقٌ بأنَّ المطر خَلْقِي لا خلقُ الكوكب ، أَرْحَمُ به عبادي ، وأتفضَّل عليهم به ، كما قال : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ . والنَّوْء لغةً : النهوضُ بثِقَلٍ ، يقال : ناء بكذا : إذا نهَضَ به متثاقلاً ؛ ومنه : لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أي : لَتُثْقِلُهُمْ عند النهوضِ بها . وكانت العَرَبُ إذا طلع نجمٌ من المشرِقِ ، وسقَطَ آخر من المغرب ، فحدَثَ عند ذلك مطرٌ أو ريح : فمنهم مَنْ يَنْسُبُهُ إلى الطالِعِ ، ومنهم مَنْ ينسبه إلى الغارب الساقِطِ نِسْبَةَ إيجادٍ واختراعٍ ، ويُطْلِقون ذلك القولَ المذكور في الحديث ، فنهى الشرعُ عن إطلاقِ ذلك ؛ لئلا يَعْتَقِدَ أحدٌ اعتقادَهُمْ ، ولا يتشبَّهَ بهم في نُطْقهم ، والله أعلم .
73 - [ 58 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ، قَالُوا : هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حَتَّى بَلَغَ : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ . و ( قوله : أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ) أصلُ الشكر : الظهورُ ؛ ومنه قولهم : دابَّةٌ شَكُورٌ : إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكلُهُ من العلف . والشاكرُ : هو الذي يُثْنِي بالنعمةِ ويُظْهِرها ويعترفُ بها للمُنْعِم ، وجَحْدُهَا : كفرانُهَا ؛ فمَنْ نسَبَ المطَرَ إلى الله تعالى ، وعرَفَ مِنَّتَهُ فيه ، فقد شكَرَ الله تعالى ، ومَنْ نسبه إلى غيره ، فقد جحَدَ نعمةَ الله تعالى في ذلك ، وظلَمَ بنسبتها لغير المُنْعِم بها ؛ فإن كان ذلك عن اعتقاد ، كان كافرًا ظالمًا حقيقةً ، وإن كان عن غير معتقد ، فقد تشبَّهَ بأهلِ الكفر والظلمِ الحقيقيِّ ؛ كما قلناه آنفًا . وقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر ؛ فدلَّ ظاهره على أن المراد بالكفر هاهنا كفرانُ النعم ، لا الكفرُ بالله تعالى . ويحتملُ أن يكون المرادُ به الكفرَ الحقيقيَّ ؛ ويؤيِّد ذلك استدلالُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي : تجعلون شُكْرَ رزقِكُمُ التكذيبَ ؛ على حذفِ المضاف ؛ قاله المفسِّرون ، وقرأ عليٌّ : وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ فعبَّر عن الرزق بالشُّكْرِ ، والرزقُ : الشكرُ بلغَةِ أَزْدِ شَنُوءة ، يقال : ما أرزقَهُ ! أي : ما أشكَرهُ ! وما رزَقَ فلانٌ فلانًا ، أي : ما شَكَره . و ( قوله : فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) أصله : للقسم ؛ قاله ابنُ عبَّاس . وقرأ عيسى : لَأُقْسِمُ بحذفِ الألف ؛ كأنه قال : لَأُقْسِمَنَّ ، فحذَفَ نونَ التوكيد ، وكذلك قرأ الحسَنُ والفراء في رواية البزي : لأقسم بيوم القيامة ويلزمُ ذلك النونُ الشديدةُ أو الخفيفةُ ، وحَذْفُهَا شاذٌّ . و مواقع النجوم مساقطها ، وقيل : مطالعها ، وقيل : انكدارُهَا وانتثارها يوم القيامة . وقيل في تأويلِ الآية : إنها قَسَمٌ بقلبِ محمد - صلى الله عليه وسلم والنجومُ هي القرآن ؛ لأنَّه أُنْزِلَ نجومًا ؛ وروي ذلك عن ابن عبَّاس ، والقَسَمُ : الإيلاءُ والحَلِفُ . وهذا وأشباهه قَسَمٌ من الله تعالى على جهة التشريفِ للمقسَمِ به ، والتأكيدِ للمُقسَمِ له ، ولله تعالى أن يُقْسِمَ بما شاء مِنْ أسمائه وصفاتِهِ ومخلوقاتِهِ تشريفًا وتنويهًا ؛ كما قال : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، وَالْعَادِيَاتِ ، وَالْمُرْسَلَاتِ ، وَالنَّازِعَاتِ ونحو هذا . وقد تكلَّف بعضُ العلماء ، وقال : إنَّ المقسَمَ به في مثلِ هذه المواضع محذوفٌ للعلم به ؛ فكأنه قال : وربِّ الشمسِ ، وربِّ الليل . والذي حمله على ذلك : أنَّه لمَّا سَمِع أنَّ الشرع قد نهانا أن نَحْلِفَ بغير الله تعالى ، ظنَّ أنَّ الله تعالى يمتنعُ مِنْ ذلك ، وهذا ظن قاصر وفهمٌ غيرُ حاضر ؛ إذْ لا يَلْزَمُ شيءٌ من ذلك ؛ لأنَّ للهِ تعالى أن يحكمَ بما شاء ، ويفعَلَ من ذلك ما يشاء ؛ إذْ لا يتوجَّهُ عليه حُكْم ، ولا يترتَّبُ عليه حَقٌّ . وأيضًا : فإنَّ الشرع إنما منعنا من القسمِ بغيرِ الله تعالى ؛ حمايةً عن التشبُّهِ بالجاهليةِ فيما كانوا يُقْسِمون به من معبوداتهم ومُعَظَّمَاتِهم الباطلةِ ؛ على ما يأتي الكلامُ عليه في الأَيْمَان . وقوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ الكريم : الشريفُ الكثيرُ المنافعِ السَّهلهَا . والمكنونُ : المَصُونُ المحفوظ ، ويعني بالكتاب : اللوحَ المحفوظَ ؛ كقوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ . والْمُطَهَّرُونَ بحكم عُرْفِ الشرع : هم المتطهِّرون من الحدَثِ ؛ وعليه فتكونُ لَا نهيًا ، ويَمَسّهُ مجزومٌ بالنهي ، وضُمَّتْ سينه لأجل الضمير ؛ كما قالوا : شُرهُ ومُرهُ . ويجوزُ أن يكون خبرًا عن المشروعيَّة ، أي : لا يجوزُ مسُّهُ إلاَّ لمن تطهَّر من الحدث ، ويكونُ هذا نحو قولِهِ تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ . وهذا تقريرُ وجهِ منِ استدلَّ بالآية على تحريمِ مَسِّ القرآنِ على غير طهارة ، وهُمُ الجمهور ، وأَمَّا مَنْ أجاز ذلك ، وهم أهلُ الظاهر : فحملوا الآية على أنَّها خبرٌ عمَّا في الوجود ، أي : لا يَمَسُّهُ ولا ينالُهُ ولا يباشرُهُ إلا الملائكةُ ، وهم المطهَّرون بالحقيقةِ ، وتكونُ هذه الآيةُ مثلَ قوله : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ؛ وإلى هذا صار مالكٌ في تفسير هذه الآية ، مع أنَّ مذهبَهُ أنَّه لا يجوزُ لِمُحْدِثٍ مسُّ المصحف ؛ أخذًا بهذا الحكم مِنَ السُّنَّةِ الثابتة عنده ، لا مِنَ الآية ، والله تعالى أعلم . وقد قيل في الآية : لَا يَمَسُّهُ : لا يفهمُهُ ولا يجدُ حلاوتَهُ إلا المؤمنون المحقِّقون ، والأول الظاهر . و ( قوله : أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني بالحديث : القرآنَ ؛ لأنه أحاديثُ عن الأممِ الماضيةُ والوقائعِ الآتية ، والأحكامِ الجارية . و مُدْهِنُونَ : مكذِّبون ، وأصله من الدَّهن ؛ يقال : أَدْهَنَ ، وداهَنَ ؛ أي : ترَكَ ما هو عليه وتلبَّس بغيره .
( 10 ) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ 30 - [ 24 ] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ - وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ : عُفَيْرٌ ، ولَمْ يَذكُرْ : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ - فَقَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ! قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ : أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ . ( 10 ) وَمِنْ بَابِ حَقِّ الله عَلَى العِبَادِ ( قوله : كُنْتُ رِدْفَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يُرْوَى : رِدْفَ بسكون الدال من غير ياء ، وبكسر الراء ، ويُرْوَى : رَدِيفَ بفتح الراء وكسر الدال وياء بعدها ، وكلاهما صحيحٌ روايةً ولغةً ، وهما اسمان للراكب خَلْفَ الراكب ، يقالُ منه : رَدِفْتُهُ أَرْدَفُهُ ، بكسر الدال في الماضي ، وفتحها في المستقبل ، وأَرْدَفْتُهُ أنا بألفٍ ، وذلك الموضعُ يسمَّى الرِّدف . ورواه الطبريُّ : رَدِف بفتح الراء وكسر الدال مِنْ غير ياء ، كـ : عَجِل وحذِر وزمِن ، وليس بمعروفٍ في الأسماء . و ( قوله : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ ) كذا وقع هاهنا : مُؤَخَّرة ، وقَرَأْنَاه على مَن يُوثَقُ بعلمه بضمِّ الميم ، وفتح الراء ، والخاءُ مشدَّدة على أنَّه اسمُ مفعولٍ ؛ لأنَّها تؤخَّر . وأنكَرَ هذا اللفظ يعقوب ، وابنُ قُتَيْبة ، وقالا : المعروفُ عند العرب : أخِرَةُ الرَّحْل ، وهي العُودُ الذي خَلْفَ الراكب ، وتقابله : قادِمَتُهُ . وقيل فيها : مُؤْخِرَةٌ ، بهمزِ الواو خفيفةً وكسرِ الخاء ، حكاها صاحبُ الصحاح ، وأبو عُبَيْد . والرَّحْلُ للبعير كالسَّرْجِ للفَرَس ، والإكافِ للحمار . وعُفَيْر : تصغيرُ أَعْفَرَ تصغيرَ الترخيم ؛ كَسُوَيْد تصغيرُ أسود ، وتصغيره غير مرخم : أعيفر . والعُفْرة : بياضٌ يخالطه صُفْرة كعُفْرة الأرض والظِّبَاء . والمشهورُ في اسمِ حمارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْفُور . تنبيه : إِنْ كانتْ هاتان الروايتان قضيةً واحدةً ، فقد تجَوَّزَ بعضُ الرواة في تسميته الإكافِ رَحْلاً ، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ تلك قضيةً واحدةً تكرَّرت مرتين ، والله أعلم . وفيه ما يدلُّ على جواز ركوبِ اثْنَيْنِ على حمار ، وعلى تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم وإنما كرّر النبي - صلى الله عليه وسلم - نداءَ معاذ ثلاثًا ؛ ليستحضرَ ذهنَهُ وفهمه ، ولِيُشْعِرَه بِعِظَمِ ما يلقيه عليه . وحقُّ الله على عباده : ما أوجبَهُ عليهم بحُكْمه ، وألزمهم إيّاه بخطابه . وحقُّ العبادِ على الله : هو ما وعدَهُمْ به مِنَ الثواب والجزاء ؛ فحَقَّ ذلك ووجَبَ بحكم وعده الصِّدْقِ ، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوزُ عليه الكذبُ في الخبر ، ولا الخُلْفُ في الوعد ؛ فالله تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ بِحُكْمِ الأمر ؛ إذْ لا أمرَ فوقه ، ولا بحُكْمِ العقل ؛ إِذِ العقلُ كاشفٌ لا مُوجِبٌ ، كما بيَّنَّاهُ في الأصول .
32 - [ 26 ] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ! قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ! قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ! قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - فِي البُخَارِيِّ : صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ - إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار ، قَالَ : يَا رسولَ الله ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ : إِذَنْ يَتَّكِلُوا ؛ فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا . و ( قوله في حديث معاذ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار ) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما عَلِمْتُهُ ، وقد زاد البخاريُّ فيه : صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ ، وهي زيادةٌ حسنةٌ تنُصُّ على صحَّةِ ما تضمَّنَتْهُ الترجمة المتقدِّمة ، وعلى فساد مذهب المرجئة ؛ كما قد قدَّمناه . ومعنى صدق القلب : تصديقُهُ الجازمُ بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدَّق به ، وذلك إمَّا عن برهان ، فيكونُ عِلْمًا ، أو عن غيره ، فيكونُ اعتقادًا جَزْمًا . ويجوز : أن يحرِّم اللهُ مَنْ مات على الشهادتين على النار مطلقًا ، ومَنْ دخلَ النارَ مِنْ أهل الشهادتين بكبائرِهِ ، حرَّم على النارِ جميعَهُ أو بعضَهُ ؛ كما قال في الحديث الآخر : فَيحَرَّمُ صُوَرُهُمْ على النارِ ، وقال : حرَّم اللهُ على النار أنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السجود . ويجوز أن يكون معناه : إنَّ الله يحرِّمه على نارِ الكفَّار التي تُنْضِجُ جلودَهُمْ ، ثمَّ تُبَدَّل بعد ذلك ؛ كما قال تعالى : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا الآية . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : أمَّا أهلُ النار الذين هُمْ أهلُهَا ، فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَوْنَ ، ولكن ناسا أصابتهم النارُ بذنوبهم ، فأماتَهُمْ اللهُ إماتةً ، حتى إذا كانوا فَحَمًا ، أُذِنَ لهم في الشفاعة الحديثَ ، وسيأتي . و ( قوله : فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا ) أي : تحرُّجًا من الإثم ، وخوفًا منه ؛ قال الهرويُّ وغيره . وتَفَعَّل كثيرًا ما يأتي لإلقاء الرَّجُل الشيءَ عن نفسه ، وإزالتِهِ عنه ؛ يقال : تحنَّت ، وتحرَّج ، وتحوَّب : إذا ألقَى عن نفسه ذلك ، ومنه : فلانٌ يَتهجَّدُ ، أي : يُلْقِي الهُجُودَ عن نفسه ، ومنه : امرأةٌ قَذُوّرٌ : إذا كانتْ تتَجَنَّبُ الأقذارَ ؛ حكاه الثعالبيُّ .
( 11 ) بَابٌ لاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ 31 - [ 25] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم مَعَنَا أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رضي الله عنهما - فِي نَفَرٍ ، فَقَامَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا ، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا ، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا ، فَفَزِعْنَا وَقُمْنَا ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ ، فَدُرْتُ بِهِ ، هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا ؟ فَلَمْ أَجِدْ ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ : الْجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : أبو هُرَيْرَةَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ يَا رسولَ الله ، قَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قُلْتُ : كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، فَقُمْتَ ، فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا ، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا ، فَفَزِعْنَا ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ! - وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ - فقَالَ : اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ، وكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ ، فَقَالَ : مَا هَاتَانِ النَّعْلاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟! قُلْتُ : هَاتَانِ نَعْلاَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم بَعَثَنِي بِهِمَا ، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ . قَالَ : فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِيهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَخَرَرْتُ لاِسْتِي ، فَقَالَ : ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ ، فَإِذَا هو عَلَى أَثَرِي ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟! قُلْتُ : لَقِيتُ عُمَرَ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاِسْتِي ، فقَالَ : ارْجِعْ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : يَا عُمَرُ ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ ؟ فقَالَ : يَا رسولَ الله - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! - أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ : مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلا تَفْعَلْ ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : فَخَلِّهِمْ . ( 11 ) وَمِنْ َبابِ لاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ هذه الترجمةُ تنبيهٌ على فسادِ مذهبِ غُلاَةِ المرجئةِ القائلين : إنَّ التلفُّظَ بالشهادتين كافٍ في الإيمان ، وأحاديثُ هذا الباب تَدُلُّ على فساده ، بل هو مذهبٌ معلومٌ الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها ، ولأنَّهُ يَلْزَمُ منه تسويغُ النفاقِ ، والحُكْمُ للمنافق بالإيمانِ الصحيح ، وهو باطلٌ قطعًا . و ( قوله : وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا ) أي : يحالَ بيننا وبينه بِأَخْذٍ أو هلاك . و ( قوله : فَفَزِعْنَا وَقُمْنَا ) أي : تَرَكْنَا ما كنا فيه ، وأقبلنا على طلبه ؛ من قولهم : فَزِعْتُ إلى كذا : إذا أقْبَلْتَ عليه ، وتفرَّغْتَ له ؛ ومنه قول الشاعر : فَزِعْتُ إليكُمْ من بَلاَيَا تَنُوبُنِي فَأَلْفَيْتُكُمْ منها كَرِيمًا مُمَجَّدَا وقد دلَّ على ذلك قوله : فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ ، أي : أوَّلَ مَنْ أخذ في طلبه ، وليس هو من الفَزَعِ الذي هو الذُّعْرُ والخوف ؛ لأنَّه قد قال قبل هذا : فَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا ، ثم رتَّب فَزِعْنَا عليه بفاء التعقيب المُشْعِرَةِ بالتسبُّب ، والفَزَعُ : لفظٌ مشترك ينطْلقُ على ذَيْنِكَ المعنيَيْنِ ، وعلى الإغاثة . و ( قوله : فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ ) رواه عامَّةُ الشيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحَفْر ، ورُوِيَ عن الجُلُوديِّ : بالزاي ؛ وكأنَّه الصواب ، ويعني به : أنَّه تضامَمَ وتصاغَرَ ليسعه الجدول ، ومنه حديث عليٍّ : إذا صَلَّتِ المرأةُ ، فلتحتَفِزْ ، أي : لِتَضَامَّ وتَنْزَو إذا سجدَتْ . و ( قوله : كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ) أي : بيننا ، ورواه الفارسي : ظَهرَيْنَا . وقال الأصمعي : العربُ تقولُ : بين ظَهرَيْكُمْ وظَهرَانَيْكُمْ ؛ قال الخليل : أي : بينكم . و ( قوله : وَهَؤُلاءِ النَّاسُ من وَرَائِي ) يعني به : النفر الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم فقام عنهم ، وأخذوا في طلبه ، وهم المعنيُّون للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا - بقوله : فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ؛ فإنَّه قيَّده بقوله : مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ ، ولا شكَّ في أنَّ أولئك هم مِنْ أهل الجنة ، وهذا ظاهرُ اللفظ . ويَحْتمِلُ أن يقال : إنَّ ذلك القيدَ مُلْغًى ، والمراد : هم وكُلُّ مَنْ شاركهم في التَّلفُّظِ بالشهادتَيْنِ واستيقانِ القلبِ بهما ؛ وحينئذٍ : يُرْجَعُ إلى التأصيلِ والتفصيل الذي ذكرناه في البابِ قبلَ هذا . وفي دفع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة بنعلَيْه : دليلٌ على جوازِ عَضْدِ المُخْبِرِ الواحد بالقرائن ؛ تقويةً لخبره وإنْ كان لا يُتَّهَمُ . وفيه اعتبارُ القرائنِ والعلامات ، والعملُ على ما يقتضيه من الأعمالِ والأحكام . واليَقِينُ : هو العلمُ الراسخُ في القلب الثابتُ فيه ، يقال منه : يقِنْتُ الأمرَ ، بالكسر ، معناه أيقنْتُ واستيقَنْتُ وتيقَّنْتُ ، كلُّه بمعنًى واحدٍ ، وربَّما عبَّروا عن الظنِّ باليقين ، وباليقين عن الظن ؛ قال الشاعر : تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لاَ أُغَامِرُه يقولُ : تشمَّم الأَسَدُ ناقتي يظُنُّ أنَّني أفتدي بها مِنْهُ وأتركُهَا له ولا أقاتلُهُ ، قاله الجوهريُّ . وقال غيره : اليقينُ هو السكونُ مع الوضوح ؛ يقال : يَقِنَ الماءُ ، أي : سَكَنَ وظهَرَ ما تحته . و ( قوله : وَرَكِبَنِي عُمَرُ ) أي : اتَّبَعَنِي في الحالِ مِنْ غير تربُّص ، وضَرْبُ عُمَرَ أبي هريرةَ حتى سقطَ َلم يكنْ ليؤذيَهُ ويوقعه ، لكنْ إنما كان ليوقفَهُ ويمنَعَهُ من النهوضِ بالبشرى حتى يراجعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولا ردًّا لأمره ، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عَنْ مصلحةٍ ظهرَتْ له ، لم يعارضْ بها حكمًا ولا شرعًا ؛ إذْ ليس فيما أَمَرَهُ به إلا تطييبُ قلوب أصحابه أو أمَّته بتلك البشرى ، فرأى عُمَرُ أنَّ السكوتَ عن تلك البشرى أصلَحَ لهم ؛ لئلا يتَّكلوا على ذلك ، فتقلَّ أعمالهم وأجورهم . ولعلَّ عمر قد كان سَمِعَ ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سمعه معاذٌ على ما يأتي في حديثه ، فيكونَ ذلك تذكيرًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بما قد سمع منه ، ويكونُ سكوت النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك تعديلاً على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك ، ويكونُ عمر لِمَا خصَّه الله تعالى به من الفِطْنة وحضور الذهن تذكَّر ذلك . واستبلَدَ أبا هريرة ؛ إذ لم يتفطَّن لذلك ولا تذكره ، فضربه تلك الضربةَ ؛ تأديبًا وتذكيرًا ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : فَخَرِرْتُ لاِسْتِي ) أي : على استي ؛ كما قال تعالى : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ أي : عليها ، وكأنَّه وَكَزَهُ في صدره فوقَعَ على استه ، وليس قولُ من قال : خرَّ على وَجْهه بشيء . و ( قوله : أَجْهَشْتُ بُكَاءً ) أي : تهيَّأْتُ له وأخذْتُ فيه ؛ قال أبو عُبَيْد : الجَهشُ : أن يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسان مريدًا للبكاء ؛ كالصبيِّ يَفْزَعُ لأمه ، فقال : جَهَشْتُ ، وأجهشْتُ : لغتان ، وقال أبو زيد : جَهَشْتُ للبكاء والحُزْنِ والشوقِ جُهُوشًا . وفي هذا الحديث : دليلٌ على جواز تخصيصِ العموم بالمصلحةِ المشهودِ لها بالاعتبار ، وقد اختلَفَ فيه الأصوليُّون ، وفيه : عَرْضُ المصالح على الإمام وإنْ لم يستَدْعِ ذلك ، وفيه أبوابٌ لا تخفى .
( 24 ) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَْنْصَارِ آيَةُ الإيمَانِ ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ 74 - [ 59 ] عَنْ أَنَسٍ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ : حُبُّ الأَنْصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ . ( 24 ) وَمِنْ بَابِ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَْنْصَارِ مِنَ الإيمَانِ ( قوله : آيَةُ الإِْيمَانِ حُبُّ الأَْنْصَارِ ) الحديث ، الآيةُ : العَلاَمَةُ والدَّلاَلة ، وقد تكون ظَنِّيَّة ، وقد تكون قطعيَّة . وحُبُّ الأَْنْصَارِ من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ ، وباذلين أموالَهُمْ وأَنْفُسَهُمْ في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه وإعلاءِ كلمته دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَنْ كان كذلك ، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم وبُغْضُهم كذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق . وكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه ؛ فمَنْ أحبَّه لسابقته في الإسلام ، وقِدَمِهِ في الإيمان ، وغَنَائِهِ فيه ، وذوده عنه وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ولمكانته من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرابتِهِ ومصاهرته ، وعلمِهِ وفضائله ، كان ذلك منه دليلاً قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم ومَنْ أبغضَهُ لشيء من ذلك ، كان على العكس . قال المؤلف - رحمه الله - : وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء ، والعَشَرة ، والمهاجرين ، بل وفي كُلِّ الصحابة ؛ إذْ كُلُّ واحدٍ منهم له شاهد وغَنَاءٌ في الدِّين ، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه ؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان ، وبُغْضُهُمْ له محضُ النفاق ، وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه : قوله - عليه الصلاة والسلام - فيما أخرجه البَزَّار في أصحابه كلِّهم : فَمَنْ أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم ، ومَنْ أبغضَهُمْ فببغضي أبغَضَهُمْ . لكنَّهم لما كانوا في سوابقهم ومراتبهم متفاوتين ، فمنهم المتمكِّن الأمكن ، والتالي والمقدَّم ، خَصَّ الأمكَنَ منهم بالذكر في هذا الحديث ، وإنْ كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرَفُ حديث ، وهذا كما قال العليُّ الأعلى : لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ، إلى قوله : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى . تنبيه : مَنْ أبغض بعضَ مَنْ ذَكَرْنا من الصحابة من غير تلك الجهات التي ذكرناها ، بل لأمرٍ طارئ ، وحدَثٍ واقعٍ ؛ من مخالفةِ غَرَضٍ ، أو ضررٍ حصل ، أو نحو ذلك : لم يكنْ كافرًا ، ولا منافِقًا بسبب ذلك ؛ لأنهم - رضي الله عن جميعهم - قد وقعتْ بينهم مخالفاتٌ عظيمة ، وحروبٌ هائلة ، ومع ذلك فلم يكفِّرْ بعضُهُمْ بعضًا ، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك ، وإنما كان حالُهُمْ في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام ؛ فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له . أو المصيبُ واحدٌ ، والمخطئُ معذورْ ، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجور . فمَن وقع له بُغْضٌ في واحد منهم لشيءٍ من ذلك ، فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبةُ من ذلك ، ومجاهدةُ نفسه في زوال ما وقَعَ له من ذلك ، بأنْ يذكر فضائلَهُمْ وسوابقَهُمْ ، وما لهم على كلِّ مَنْ بعدَهم مِنَ الحقوقِ الدينيَّةِ والدنيوية ؛ إذْ لم يصلْ أحدٌ ممن بعدهم بشيءٍ من الدنيا ولا الدِّينِ إلا بهم ، وبسببهم وأدبهم وصلَتْ لنا كلُّ النِّعَمْ ، واندفَعَتْ عنا الجهالاتُ والنِّقَمْ ، ومَنْ حَصَلَتْ به مصالِحُ الدنيا والآخِرَة ، فبغضُهُ كفرانٌ للنِّعَمِ ، وصفقتُهُ خاسِرَة .
78 - [ 61 ] وَعَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَليٍّ قَالَ : وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ! إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيَّ : أَلا يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ . و ( قولُ عليٍّ - رضي الله عنه - : وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ) أي : شقَّها بما يخرُجُ منها ؛ كالنَّخْلة من النواة ، والسنبلةِ مِنْ حَبَّةِ الحنطة ، والحَبَّة بفتح الحاء : لما يُزْرَعُ ويُسْتَنْبَتُ ، وبكسرها : لبذور بُقُولِ الصحراء التي لا تزرع . و ( قوله : وبَرَأَ النَّسَمَةَ ) أي : خلقها ، والنَّسَمَةُ : النَّفْسُ ، وقد يقال على الإنسان : نَسَمة ، وقد يقال أيضًا على الرَّبْو ؛ ومنه الحديث : تنكَّبوا الغُبَارَ ؛ فمنه تكونُ النَّسَمَةُ ) أي : الرَّبْو والبُهرُ ، وهو امتلاءُ الجوف من الهواء . و ( قوله : إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ألاَ يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ ) العهد : الميثاق . والأُمِّيُّ : هو الذي لا يَكْتُبُ ؛ كما قال : إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ ، وهو منسوبٌ إلى الأُمِّ ؛ لأنَّه باقٍ على أصلِ وِلاَدتها ؛ إذ لم يتعلَّم كتابةً ولا حسابًا . وقيل : ينسبَ إلى معظمِ أُمَّةِ العرب ؛ إذِ الكتابةُ كانتْ فيهم نادرةً . وهذا الوصفُ مِنَ الأوصافِ التي جعلها الله تعالى مِنْ أوصافِ كمال النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ومدَحَهُ بها ، وإنَّما كان وصفَ نقصٍ في غيره ؛ لأنَّ الكتابةَ والدراسةَ والدّربة على ذلك : هي الطرقُ الموصِّلَةُ إلى العلومِ التي بها تشرُفُ نفسُ الإنسان ، ويعظُمُ قَدْرُهَا عادةً . فلمَّا خَصَّ اللهُ تعالى نبيَّنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بعلومِ الأوَّلين والآخرين مِنْ غير كتابة ولا مدارسة ، كان ذلك خارقًا للعادة في حقِّه ، ومِنْ أوصافه الخاصَّةِ به ، الدالَّة على صدقه ، التي نُعِتَ بها في الكُتُبِ القديمة ، وعُرِفَ بها في الأممِ السابقة ؛ كما قال الله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ؛ فقد صارت الأُمِّيَّةُ في حقِّه من أعظمِ معجزاتِه ، وأجلِّ كراماتِه ، وهي في حَقِّ غيره نقصٌ ظاهر ، وعجزٌ حاضر ؛ فسبحان الذي صيَّر نقصَنَا في حقِّه كمالاَ ، وزادَهُ تشريفًا وجلالا . و ( قوله : ألاَ يُحِبَّنِي ) بفتح همزة أَلا ؛ لأنَّها همزةُ أَنِ الناصبةِ للفعل المضارع ، ويَحتمِل : أن تكون المخفَّفةَ من الثقيلة ؛ وكذلك روي : يُحِبُّنِي ، بضمِّ الباء وفتحها ، وكذلك : يُبْغِضني ؛ لأنَّه معطوفٌ عليه . والضميرُ في إنَّه ضميرُ الأمر والشأن ، والجملةُ بعده تفسيرٌ له .
75- [ 60 ] وعَنِ الْبَرَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِي الأَنْصَارِ : لاَ يُحِبُّهُمْ إِلاَّ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلاَّ مُنَافِقٌ ؛ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ . و ( قوله : فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ ) هذا على مقابلة اللفظ باللفظ ، ومعناه : أنَّ من أحبَّهم ، جازاه الله على ذلك جزاءَ المحبوبِ المُحِبَّ من الإكرامِ ، والتَّرْفِيع ، والتشفيع ، وعكس ذلك في البغض . وظاهرُ هذا الكلام : أنَّه خبرٌ عن مآلِ كُلِّ واحدٍ من الصنفين . ويصلح أنْ يقال : إنَّ ذلك الخبر خرَجَ مخرجَ الدعاء لكلِّ واحدٍ من الصنفين ؛ فكأنَّه قال : اللهمَّ ، افعَلْ بهم ذلك ، كما قال : صلَّى اللهُ على محمَّد وآله ، والله أعلم .
( 9 ) بَابُ مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ ، دَخَلَ الجَنَّةَ 26 - [ 21 ] عَنْ عُثْمَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ مَاتَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ . ( 9 ) وَمِنْ بَابِ مَنْ لَقِيَ اللهَ عَالِمًا بِهِ ، دَخَلَ الجَنَّةَ ( قوله : مَنْ مَاتَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) حقيقةُ العلم : هي وضوحُ أمرٍ ما ، وانكشافُهُ على غايته ، بحيثُ لا يَبْقَى له بعد ذلك غايةٌ في الوضوح ، ولا شكَّ في أنَّ من كانت معرفتُهُ بالله تعالى ورسولِهِ كذلك ، كان في أعلى درجات الجَنَّة ، وهذه الحالةُ هي حالةُ النبيِّين والصِّدِّيقين . ولا يلزمُ فيمنْ لم يكنْ كذلك ألاَّ يدخُلُ الجَنَّة ؛ فإنَّ من اعتقد الحقَّ وصدَّقَ به تصديقًا جازمًا لا شَكَّ فيه ولا ريبَ ، دخل الجَنَّةَ ؛ كما قدَّمناه ، وكما دَلَّ عليه قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - في حديث أبي هريرة : مَنْ لَقِيَ اللهَ وهو يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأَنِّي رسولُ الله غَيْرَ شَاكٍّ فيهما ، دخَلَ الجَنَّةَ . وكما قال : مَنْ كَانَ آخِرَ قوله : لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ دخَلَ الجَنَّةَ . فحاصلُ هذَيْنِ الحديثَيْن : أنَّ مَنْ لقي الله تعالى وهو موصوفٌ بالحالة الأولى والثانية دخَلَ الجنَّة ؛ غير أنَّ هناك فرقا بين الدرجتَيْنِ كما بين الحالتَيْن ، كما صرَّحَتْ به الآياتُ الواضحات ؛ كقوله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ .
27- [ 22 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ ، قَالَ : فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ، حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ! لَو جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا ، قَالَ : فَفَعَلَ ، قَالَ : فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ ، قَالَ : وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ ، قُلْتُ : وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَاةِ ؟ قَالَ : يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، قَالَ : فَدَعَا عَلَيْهَا ، حَتَّى مَلأ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ ، قَالَ : فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، إِنْ فَعَلْتَ ، قَلَّ الظَّهرُ ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ . وفيها : حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ لَهم : خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ ، قَالَ : فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ ، قَالَ : فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ . و ( قوله : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ ، فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ) المسير : السيرُ ، يريدُ به السفر ، ونَفدَتْ : فَرَغَتْ وفَنِيَتْ ؛ ومنه قولُهُ تعالى : ُ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي . والحمائلُ جمع حَمُولَةٍ بفتح الحاء ؛ ومنه قوله تعالى حَمُولَةً وَفَرْشًا ، وهي : الإبلُ التي تُحْمَلُ عليها الأثقالُ ، وتسمَّى رواحلَ ؛ لأنها يُرْحَلُ عليها ، وتسمَّى نواضحَ ؛ إذا استُقِيَ عليها . والبعيرُ ناضحٌ ، والناقةُ ناضحةٌ ؛ قاله أبو عُبَيْد . و ( قوله : وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ ) كذا الرواية ، ووجهُهُ : وذو النَّوَى بنواه ، كما قال : وذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ . و ( قوله : حَتَّى مَلأ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ ) هكذا الرواية ، وصوابُهُ : مَزَاوِدَهُمْ ؛ فإنّها هي التي تُمْلَأُ بالأَزْوِدة ، وهي جمعُ زاد ، فسمَّى المزاودَ أزودةً باسمها ؛ لأنَّها تُجْعَلُ فيها على عادتهم في تَسْمِيَتِهِمُ الشيءَ باسمِ الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب ، وقد عبَّر عنها في الرواية الأخرى بالأَوْعِيَةِ . و ( قوله : حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ ) يعني : النبيَّ - صلى الله عليه وسلم كان هذا الهمُّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم النظر المَصْلَحيِّ لا بالوحي ؛ أَلاَ تَرَى كيف عرَضَ عمرُ بن الخطَّاب عليه مصلحةً أخرى ، ظهر للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رجحانُهَا ؛ فوافقَهُ عليها وعمل بها . ففيه : دليلٌ على العمل بالصالح ، وعلى سماعِ رأي أهلِ العَقْل والتجارب ، وعلى أنَّ الأزواد والمياه إذا نَفِدَتْ أو قلَّت ، جمَعَ الإمامُ ما بقي منها ، وقَوَّتَهُمْ به شرعًا سواءً ؛ وهذا كنحو ما مدَحَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأشعريِّين ، فقال : الأَشْعَرِيُّونَ إذا قَلَّ زَادُهُمْ ، جَمَعُوهُ ، فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى . و ( قوله : لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ ) يعني : كلمتَيِ التوحيدِ المتقدِّمَتَيْنِ . ويُحْجَبُ : يُمْنَعْ ، ورويناه بفتح الباء ورفعها ، فالنصبُ بإضمار أنْ بعد الفاء في جواب النفي ، وهو الأظهر والأجود ، وفي الرفع إشكال ؛ لأنه يرتفعُ على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديره : فهو يُحْجَبُ ، وهو نقيضُ المقصود ، فلا يستقيمُ المعنى حتى تقدَّر لا النافيةُ ، أي : فهو لا يُحْجَبُ ، ولا تحذف لا النافية في مِثْلِ هذا ، والله أعلم . وظاهرُ هذا الحديث : أنَّ مَنْ لقي الله وهو يشهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحده ، دخَلَ الجنة ، ولا يدخُلُ النار ، وهذا صحيحٌ فيمن لقي اللهَ تعالى بَرِيئا من الكبائر . فأمَّا مَنْ لقي الله تعالى مرتكبَ كبيرةٍ ولم يَتُبْ منها ، فهو في مشيئة الله تعالى التي دَلَّ عليها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقد جاءتِ الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة المفيدةُ بكثرتها حصولَ العلم القطعيِّ : أنَّ طائفةً كثيرة مِنْ أهلِ التوحيد يَدْخُلُونَ النار ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ منها بالشفاعةِ ، أو بالتفضُّلِ المعبَّرِ عنه بالقَبْضَةِ في الحديث الصحيح ، أو بما شاء الله تعالى ، فدلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ المتقدِّمَ ليس على ظاهره ، فيتعيَّن تأويلُهُ ، ولأهل العلم فيه تأويلان : أحدهما : أنَّ هذا العموم يرادُ به الخصوصُ مِمَّنْ يعفو اللهُ تعالى عنه مِنْ أهلِ الكبائر ممَّن يشاء الله تعالى أن يَغْفِرَ له ابتداءً مِنْ غير توبةٍ كانت منهم ، ولا سَبَبٍ يقتضي ذلك غيرَ محضِ كَرَمِ الله تعالى وفضله ؛ كما دَلَّ عليه قوله تعالى : ُ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . وهذا على مذهبِ أهلِ السُّنَّة والجماعة ؛ خلافًا للمبتدعة المانعين تَفَضُّلَ الله تعالى بذلك ، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلَّة القطعية العقليَّة والنقلية ، وبسطُ ذلك في عِلْمِ الكلام . وثانيهما : أنَّهم لا يُحْجَبون عن الجنّةِ بعد الخروج من النار ، وتكونُ فائدتُهُ الإخبارَ بخلودِ كلِّ مَنْ دخل الجنةَ فيها ، وأنَّه لا يُحْجَبُ عنها ، ولا عن شيءٍ مِنْ نعيمها ، والله تعالى أعلم .
28 - [ 23 ] وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ ، وَابْنُ أَمَتِهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ . وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ . و ( قوله : وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ ، وَابْنُ أَمَتِهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) هذا الحديثُ مقصودُهُ إفادةُ التنبيه على ما وقَعَ للنصارَى من الغلط في عيسى وأُمِّهِ عليهما السلام ، والتحذيرُ عن ذلك ، بأنَّ عيسى عبد الله لا إلهٌ ولا وَلَدٌ ، وأُمُّهُ أَمَةٌ الله تعالى ، ومملوكةٌ له لا زوجةٌ ، تعالى الله عما يقولُ الجاهلون علوًّا كبيرًا! . ويستفادُ من هذا ما يُلَقَّنُهُ النصرانيُّ إذا أسلم . وقد اختُلِفَ في وصف عيسى بكونِهِ كلمةً ، فقيل : لأنَّه تكوَّنَ بكلمة ُ كن من غير أبٍ . وقيل : لأنَّ المَلَكَ جاء أُمَّهُ بكلمة البِشَارة به عن أمر الله تعالى . وهذان القولان أشبَهُ ما قيل في ذلك . ومعنى ألقاها ، أي : أعلَمَهَا بها ، يقالُ : ألقَيْتُ عليكَ كلمةً ، أي : أعلمتُكَ بها . وسمِّي عيسى رُوحَ الله ؛ لأنَّه حدَثَ عن نَفْخَةِ المَلَك ، وإضافَة الله تعالى إليه ؛ لأنَّ ذلك النفخَ كان عَنْ أمره وقدره ، وسُمِّيَ النفخُ رُوحًا ؛ لأنّه ريحٌ يخرُجُ من الرُّوح ؛ قاله المَكِّيُّون . وقيل : سُمِّي بذلك عيسى ؛ لأنَّه رُوحٌ لمن اتَّبعه . وقيل : لأنَّه تعالى خلَقَ فيه الرُّوحَ مِنْ غير واسطة أب ؛ كما قال في آدم : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي قاله الحَرْبِيُّ . و ( قوله : أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ) ظاهر هذا يقتضي أنَّ قولَ هذه الكلماتِ يقتضي دخولَ الجنَّة ، والتخييرَ في أبوابها ، وذلك بخلافِ ما ظَهَر من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب الزكاة ؛ فإنَّ فيه ما يقتضي أنَّ كلَّ مَن كان مِنْ أهل الجنَّة إنما يدخُلُ من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله غالبًا الداخُل ؛ فإنَّه قال فيه : فَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الصَّلاَةِ ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الصِّيَامِ ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ ، وَهَكَذَا الجِهَادُ . والتوفيقُ بين الظاهرَيْن : أنَّ كُلَّ مَنْ يدخلُ الجَنَّةَ مخيَّرٌ في الدخول من أيِّ بابٍ شاء ، غيرَ أنَّهُ إذا عُرِضَ عليه الأفضلُ في حقِّه ، دخَلَ منه مختارًا للدخولِ منه مِنْ غير جَبْرٍ عليه ، ولا مَنْعٍ له مِنَ الدخولِ من غيره ؛ ولذلك قال أبو بكر - رضي الله عنه - : مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوابِ مِنْ ضُرُورَةٍ ، والله أعلم . و ( قوله : عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ ) أي : يدخُله الجنَّةَ ولا بُدَّ ، سواء كان عملُهُ صالحًا أو سيِّئًا ، وذلك بأن يَغْفِرَ له السَّيِّئ ؛ بسبب هذه الأقوال ، أو يُرْبِيَ ثوابَهَا على ذلك العمل السيِّئ . وكُلُّ ذلك يحصُلُ إن شاء الله لمن مات على تلك الأقوال ، إمَّا مع السلامة المُطْلَقَةِ ، وإمَّا بعد المؤاخَذَة بالكبائِرِ على ما قرَّرْناه آنفًا .
( 68 ) باب أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - شطر أهل الجنة 222 - [ 165] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَقُولُ اللهُ : يَا آدَمُ ! فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ ! وَسَعْدَيْكَ ! وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ! قَالَ : يَقُولُ : أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ . قَالَ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ . قَالَ : فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ، قَالَ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ . قَالُوا : يَا رسولَ الله ! أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ : أَبْشِرُوا ، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهل الْجَنَّةِ فَحَمِدْنَا اللهَ وَكَبَّرْنَا . ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهل الْجَنَّةِ فَحَمِدْنَا اللهَ وَكَبَّرْنَا . ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أهل الْجَنَّةِ . إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ ، أو كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ . ( 68 ) ومن باب : أن أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - شطر أهل الجنّة ( قوله تعالى لآدم : أخرجْ بعث النار ) إنّما خصّ آدم بذلك القول ؛ لأنه أب للجميع ، ولأنّ الله تعالى قد جمع له نسم بنيه في السماء بين يديه ، وهم الأسودة التي رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء عن يمين آدم ، وهم أهل الجنّة ، وعن يساره وهم أهل النار ، كما تقدّم . و بعث النار من يبعث إليها ، وكذلك بعث أهل الجنة . ومعنى أخرج هنا ممن يخرج ، ويميز بعضهم عن بعض ، وذلك يكون في المحشر حيث يجتمع الناس ويختلطون ، والله تعالى أعلم . ويحتمل أن يكون معنى أخرج ؛ أي : احضر إخراجهم ، فكأنهم يعرضون عليه بأشخاصهم وأسمائهم ، كما قد عرضت عليه نسمهم . و ( قوله : وما بعث النار ؟ ) وضعت هنا ما موضع كم العددية ؛ لأنه أجيب عنها بعدد ، وأصل ما أن يسأل بها عن ذوات الأشياء وحدودها . ولَمَّا سمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ألفًا إلا واحدًا للنار ، وواحدًا للجنة ، اشتد خوفهم لذلك ، واستقلوا عدد أهل الجنة منهم ، واستبعد كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الواحد ، فسكّن النبي - صلى الله عليه وسلم - خوفهم ، وطيَّب قلوبهم ، فقال : أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل ؛ ويعني بالألف هنا : التسعمائة والتسعة والتسعين المتقدمة الذكر . و يأجوج ومأجوج خلق كفار وراء سد ذي القرنين . والمراد بهم في هذا الحديث : هم ومن كان على كفرهم ، كما أن المراد بقوله : منكم أصحابه ومن كان على إيمانهم ؛ لأن مقصود هذا الحديث : الإخبار بقلة أهل الجنة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم ، ألا ترى أن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو كالرّقمة في ذراع الحمار ؛ يدل على ذلك المقصود ؟ . وأما نسبة هذه الأمّة إلى من يدخل الجنة من الأمم ، فهذه الأمة شطر أهل الجنة كما نص عليه . والشطر : النصف ، ومنه يقال : شاطرْتُه مُشاطَرَةً ، إذا قاسمْتُه فأخذتُ نصفَ ما في يديه . والرقمتان للفرس أو الحمار الأثرانِ بباطن أعضادهما ، والرقمتانِ للشاة هَيئتَان في قوائمها متقابلتانِ كالظفرين . و لبّيْك معناه : إجابةً لك بعد إجابة ، و سَعْدَيْك : مساعدة بعد مساعدة ، وكلاهما منصوبٌ على المصدر ، ولم تستعمل العرب له فعلاً من لفظه يكون مصدره . و ( قوله : والخير في يديْك ) أي : تملكه أنت لا يملكه غيرك ، وهذا كقوله تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، أي : بيدك الخير والشرّ ، ولكن سكت عن نسبة الشرّ إليه تعالى ؛ مراعاة لأدب الحضرة ، ولم ينسب الله لنفسه الشر ؛ تعليمًا لنا مراعاة الأدب واكتفى بقوله : إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ إذ قد استغرق كلّ الموجودات الممكنات . و ( قوله : إنّي لأَطمعُ أن تكونوا شطرَ أهل الجنّة ) هذه الطماعية قد حُقِّقتْ له بقوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وبقوله : إنّا سنُرضيك في أمّتك ، كما تقدّم ، لكن علّق هذه البُشرى على الطمع ؛ أدبًا مع الحضرة الإلهيّة ووقوفًا مع أحكام العبوديّة .
( 67 ) باب يدخل الجنة من أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعون ألفًا بغير حساب 220 - [ 163 ] عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ : أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ ؟ قُلْتُ : أَنَا . ثُمَّ قُلْتُ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاةٍ ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ . قَالَ : فَمَاذَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : اسْتَرْقَيْتُ . قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ . فقَالَ : وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لا رُقْيَةَ إِلا مِنْ عَيْنٍ أو حُمَةٍ . فَقَالَ : قَدْ أَحْسَنَ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ . وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنهُ قَالَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ . إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي ، فَقِيلَ لِي : هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ . وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ ، فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ . فَقِيلَ لِي : انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ . فَقِيلَ لِي : هَذِهِ أُمَّتُكَ ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ . ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ ، فَقَالَ بَعْضُهمْ : فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ صَحِبُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ ؟ فَأَخْبَرُوهُ . فَقَالَ : هُمِ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ ، وَلا يَسْتَرْقُونَ ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ، فَقَالَ : ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . فَقَالَ : أَنْتَ مِنْهُمْ . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ : ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . فَقَالَ : سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ. 218 - [ 164 ] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالُوا : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : هُمِ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ ، وَلا يَكْتَوُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . ( 67 ) ومن باب كم يدخل الجنّة من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - بغير حساب ؟ ( قوله : لا رقيةَ إلاّ من عين أو حُمَة ) العين : إصابة العين ، والحمة - بضمّ الحاء وفتح الميم مخفَّفة - : حرقة السُمّ ولذعه ، وقيل : السُمّ نفسه . قال الخطّابيّ : ومعنى ذلك : لا رقيةَ أشفى وأولى من رقية العين والْحُمّة . وكان - عليه الصلاة والسلام - قد رقي ورقى ، وأمر بها وأجازها ، وإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى ، فهي مباحة أو مأمور بها . وإنّما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب ، فإنّه ربّما كان كفرًا أو قولاً يدخله الشرك . قال : ويحتمل أن يكون الذي يُكره من الرقية ما كان منها على مذاهب الجاهليّة التي كانوا يتعاطونها ، وأنّها تَدفع عنهم الآفات ، ويعتقدون أنّ ذلك من قِبَل الجنّ ومعونتهم . وقد اختلفت الرواية عن مالك في إجازة رقية أهل الكتاب للمسلم ، فأجازها مرّةً إذا رقى بكتاب الله ، ومنعها أخرى ؛ إذ لا يُدرى ما الذي يرقي به . و ( قوله : فإذا سواد عظيم ) يعني به : أشخاصًا كثيرةً ، وجمعه أَسْوِدَة ، وقد تقدّم . و ( قوله : هم الذين لا يرقون ولا يستَرْقَون ولا يكتوون ولا يتطيّرون ) اختلف الناس في معنى هذا الحديث وعلى ماذا يُحمل ؟ فحمله الإمام المازَرِيّ - رحمه الله - على أنّهم الذين جانبوا اعتقاد الطبائعيّين في أنّ الأدوية تنفع بطباعها واعتقاد الجاهليّة في ذلك ورقاهم . وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه ؛ إذ مقصوده إثبات مزيَّةٍ وخصوصيّةٍ لهؤلاء السبعين ألفًا ، وما ذكره يرفع المزيّة والخصوصيّة ، فإنّ مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافَّةً ، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا . ثمّ إنّ ظاهر لفظ الحديث إنّما هو : لا يرقون ولا يكتوون أي : لا يفعلون هذه الأمور ، وما ذكره خروج عنه من غير دليل . وقال الداوديّ . المراد بذلك الذين يجتنبون فعله في الصحّة ، فإنّه يُكره لمن ليست به علّة أن يتّخذ التمائم ويستعمل الرقى ، فأمّا من يستعمل ذلك في مرضٍ به فهو جائز . وهذا إن صحّ أن يقال في التمائم وفي بعض الرقى ، فلا يصحّ أن يقال في التعويذات ، وهي من باب الرقى ؛ إذ قد يجوز أن يتعوّذ من الشرور كلّها قبل وقوعها . ولا يصح ذلك في التطبب ، فإنه يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها ، وأمّا الكيّ ، فيأتي القول فيه إن شاء الله تعالى . وذهب الخطّابيّ وغيره إلى أنّ وجه ذلك أن يكون تركُها على جهة التوكّل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء ، قال : وهذه أرفع درجات المحقِّقين بالإيمان ، قال : وإلى هذا ذهب جماعة من السلف ، وسمّاهم . قال القاضي أبو الفضل عياض : وهذا هو ظاهر الحديث ؛ ألا ترى قوله : وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ومضمون كلامه أنّه لا فرق بين ما ذكر من الكيّ والرقى وبين سائر أبواب الطبّ . وقد ذهب غيره إلى أنّ استعمال الرقى والكيّ قادح في التوكّل بخلاف سائر أنواع الطبّ ، فإنّها غير قادحة في التوكّل ، وفرّق بين القسمين بأن قال : باب الرقى والكيّ والطِيَرة موهوم فيقدح في التوكل ، وما عداها غير موهوم بل محقّق ، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للريّ ، فلا يقدح . قال الشيخ : وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : أنّ أكثرَ أبواب الطبّ موهومة كالكيّ ، فلا معنى لتخصيصه بالكيّ والرقى . وثانيهما : أنّ الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكّل على الله تعالى ، فإنّه التجاء إليه ، ويتضمّن ذلك رغبته له وتبرّكًا بأسمائه ، والتعويل عليه في كشف الضُرّ والبلاء ، فإن كان هذا قادحًا في التوكّل ، فليكن الدعاء والأذكار قادحا في التوكّل ، ولا قائل به ، وكيف يكون ذلك ؟ وقد رقى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واسترقى . ورقاه جبريل وغيره ورقته عائشة ، وفعل ذلك الخلفاء والسلف ، فإن كانت الرقى قادحة في التوكّل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا ، فالتوكّل لم يتمّ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا لأحد من الخلفاء ، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا مع أنّهم أفضل مَن وافى القيامة بعد الأنبياء ، ولا يتخيل هذا عاقل . قال الشيخ - رحمه الله - : والذي يظهر لي أنّ القول ما قاله الخطّابيّ وحكاه عن جماعة من السلف ، وذلك ظاهر في الطيرة والكيّ ، فإذا دفع الطيرة عن نفسه ولم يلتفت إليها بالتوكّل على الله تعالى ، كان في المقام الأرفع من التوكّل ؛ لأنّ الطيرة قد تلازم قلب الإنسان ولا يجد الانفصال عنها ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن الطيرة فقال : ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم فإذا استعمل المؤمن الإعراض عنها والتفويض إلى الله في أموره ، ذهب ما كان يجده منها ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود : الطيرة شرك ، الطيرة شرك - ثلاثًا - وما منّا إلا ، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل . و ( قوله : إلاّ ) يعني استثناء ما يجده الإنسان منها في نفسه الذي قال فيه : ذاك شيء يجدونه في صدورهم . وأمّا الكيّ ، فالمأمون منه جائز ، وقد كوى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أُبيًّا يوم الأحزاب على أكحله لما رمي . وفي البخاريّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال : الشفاء في ثلاث : في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كيّة بنار ، وأنا أنهى أمّتي عن الكيّ ، وفي حديث جابر : وما أُحِبُّ أن أكتوي . وعلى هذا فالمأمون من الكيّ وإن كان نافعًا - جائز ، إلاّ أنّ تركه خير من فعله ، وهذا معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عنه ، وسببه أنّه تعذيب بعذاب الله ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : لا تُعذِّبوا بعذاب الله يعني : النار . وبهذا ينفرد الكيّ ولا يُلحق به التطبُّب بغير ذلك في الكراهة ، فإنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد تطبَّب وطبب ، وأحال على الطبيب وأرشد إلى الطبّ بقوله : يا عبادَ الله ! تداووا ، فإنّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء . وأمّا الرقي والاسترقاء ، فما كان منه من رقي الجاهليّة أو بما لا يعرف ، فواجب اجتنابه على سائر المسلمين ، وتركه حاصل من أكثرهم ، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا ، ولا اجتناب الرقي بأسماء الله تعالى وبالمرويّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لما قدّمناه من أنّه التجأ إلى الله ، وتبرّك بأسمائه . ويظهر لي - والله تعالى أعلم - أنّ المقصود : اجتناب رقي خارج عن القسمين ، كالرقي بأسماء الملائكة والنبيّين والصالحين ، أو بالعرش والكرسيّ والسماوات والجنّة والنار وما شاكل ذلك ممّا يعظَّم ، كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى ، فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور الذي يعمّ اجتنابه ، وليس من قبيل الرقي الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرُّك بأسمائه ، وكأنّ هذا القسم المتوسط يُلحق بما يجوز فعله ، غير أنّ تركه أولى ؛ من حيث إنّ الرقي بذلك تعظيم ، وفيه تشبيه المَرقيِّ به بأسماء الله تعالى وكلماته ، فينبغي أن يُجتنب لذلك . وهذا كما نقوله في الحلف بغير الله ، فإنّه ممنوع ، فإنّ فيه تعظيمًا لغير الله تعالى بمثل ما يعظّم به الله ، والله أعلم . وهذا ما ظهر لي ، فمن ظهر له ذلك فليقبلْه شاكرًا ، وإلا فليتركْه عاذرًا . وسيأتي الكلام في اشتقاق لفظ الطِيَرَة في كتاب الصلاة ، إن شاء الله . و ( قوله : وعلى ربّهم يتوكّلون ) التوكّل لغةً : هو إظهار العجز عن أمر ما ، والاعتماد فيه على الغير ، والاسم التكلان ، يقال منه : اتّكلْتُ عليه في أمري ، وأصله اوْتَكلْت ، قُلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها ، ثمّ أُبدل منها التاءُ وأُدغمت في تاء الافتعال . ويقال : وكّلْتُه بأمر كذا توكيلاً ، والاسم الوِكالة بكسر الواو وفتحها . واختلف العلماء في التوكّل وفيمن يستحِقّ اسم المتوكِّل على الله ، فقالت طائفة من المتصوِّفة : لا يستحقّه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سَبُع أو غيره ، وحتّى يترك السعي في طلب الرزق ؛ لضمان الله تعالى . وقال عامّة الفقهاء : إنّ التوكّل على الله تعالى هو الثقة بالله والإيقان بأنّ قضاءه ماضٍ ، واتّباع سنّة نبيّه في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرّز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنّة الله تعالى المعتادة . وإلى هذا ذهب محقِّقو المتصوِّفة ، لكنّه لا يستحقّ اسم المتوكّل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب ، والالتفات إليها بالقلوب ، فإنّها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا ، بل السبب والمسبّب فعل الله تعالى ، والكلّ منه وبمشيئته . ومتى وقع من المتوكِّل ركون إلى تلك الأسباب ، فقد انسلخ عن ذلك الاسم . ثمّ المتوكِّلون على حالين : الحال الأوّل : حال المتمكِّن في التوكُّل ، فلا يَلتفِت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ، ولا يتعاطاها إلاّ بحكم الأمر . الحال الثاني : حال غير المتمكِّن ، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا ، غير أنّه يدفعها عن نفسه بالطرق العلميّة والبراهين القطعيّة والأذواق الحاليّة ، فلا يزال كذلك إلى أن يُرقِيَه الله بجوده إلى مقام المتمكِّنين ، ويلحقه بدرجات العارفين . و ( قوله : فقام إليه عُكّاشة بن مِحصَن فقال : ادع اللهَ أن يجعلَني منهم ) عكاشة هذا هو بضمّ العين وتشديد الكاف ، قال ثعلب . وقد تخفَّف . قال الشيخ - رحمه الله - : ولعلّه منقول من عُكاشة اسمٍ لبيت النمل بالتخفيف ، أو مأخوذ من عَكِش الشَعر وتعكَّش إذا التوى . وعُكاشة هذا من أفاضل الصحابة وخيارهم وشجعانهم ، له ببدر المقام المشهود والعَلَم المنشور ، وذلك أنّه ضرب بسيفه في الكفّار حتّى انقطع ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جِزل حطب فأخذه فهزّه فعاد في يده سيفًا صارمًا ، فقاتل به حتّى فتح الله على المسلمين . وكان ذلك السيف يسمَّى العون ، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتّى قُتل عُكاشة في الردّة وهو عنده ، قتله طُليحة الأسديّ ، وهو الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : منّا خيرُ فارسٍ في العرب ، قالوا . ومن هو يا رسول الله ؟ قال : عُكاشة بن محصن . ولقوّة يقينه وشدّة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله سبحانه ، سبق الصحابةَ كلَّهم بقوله : ادع الله أن يجعلني منهم . ولمّا لم يكن عند القائم بعده من تلك الأحوال الشريفة ما كان عند عُكاشة ، قال له : سبقك بها عُكاشة ، وأيضًا فلئلاّ يطلبَ كلّ من هنالك ما طلبه عُكاشة ، والرجل الآخر ، ويتسلسل الأمر ، فسدّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الباب بما قال لعكاشة . وهذا أولى من قول من قال : إنّ ذلك الرجل كان منافقًا ؛ لوجهين : أحدهما : أنّ الأصل في الصحابة صحة الإيمان والعدالة ، فلا يُظنُّ بأحد منهم شيءٌ يقتضي خلاف ذلك الأصل ، ولا يُسمع ما لا يصح نقله ، ولا يجوز تقديره . والثاني : أنّه قلّ أن يصدر مثل ذلك السؤال عن منافق ، إذ ذلك السؤال يقتضي تصديقا صحيحا ويقينا ثابتا ، والله أعلم .
( 25 ) بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ 79 - [ 62 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، تَصَدَّقْنَ ، وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أهل النَّارِ . فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ : وَمَا لَنَا - يَا رسولَ الله - أَكْثَرَ أهل النَّارِ ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ ! قَالَتْ : يَا رسولَ الله وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؟ قَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ : فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ ؛ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ وَمَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ ؛ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ . ( 25 ) وَمِنْ بَابِ كُفْرَانِ العَشِيرِ ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ ( قوله : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، تَصَدَّقْنَ ، وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أهل النَّارِ ) هذا نداءٌ لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة ، وإرشادٌ لهنَّ إلى ما سيُخَلِّصُهُنَّ من النار ، وهو الصدقةُ مطلقًا ، واجبُهَا وتطوُّعُهَا . والظاهر : أنّ المراد هنا القدرُ المشترَكُ بين الواجبِ والتطوُّع ؛ لقوله في بعض طرقه : ولو مِنْ حُلِيِّكُنَّ . والاستغفار : سؤالُ المغفرة ، وقد يعبَّر به عن التوبة ؛ كما قال تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا أي : توبوا ، وإنما عبَّر عن التوبةِ بالاستغفارِ ؛ لأنَّه إنَّما يصدُرُ عن الندمِ وجل الإصرار ، وذلك هو التوبة . فأمَّا الاستغفارُ مع الإصرار ، فحالُ المنافقين والأشرار ، وهو جديرٌ بالردِّ وتكثيرِ الأوزار ، وقد قال بعضُ العارفين : الاستغفارُ باللسانِ توبةُ الكذَّابين . و ( قوله : رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أهل النَّارِ ) أي : اطَّلَعَ على نساءٍ آدميَّات من نوع المخاطَبَات ، لا أنفس المخاطبات ؛ كما قال في الرواية الأخرى : اطَّلَعْتُ عَلَى النَّارِ ، فَرَأَيْتُ َأكْثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ . فلمَّا سمع النساءُ ذلك ، عَلِمْنَ أنَّ ذلك كان لسبب ذنبٍ سبَقَ لهنَّ ، فبادرَتْ هذه المرأةُ لجزالتها وشِدَّةِ حرصها على ما يُخَلِّصُ من هذا الأمر العظيم ، فسأَلَتْ عن ذلك ، فقالت : وَمَا لَنَا أَكْثَرَ أهل النَّارِ ؟ ، فأجابها - صلى الله عليه وسلم - : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وتَكْفُرْنَ العشيرَ ، أي : يدور اللعنُ على ألسنتهنَّ كثيرًا لمن لا يجوزُ لعنه ؛ وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب ، كما قد غَلَبَتْ بعد ذلك على النساءِ والرجال ، حتَّى إنَّهم إذا استحسنوا شيئًا ربَّما لعنوه ، فيقولون : ما أشعرَهُ! لَعَنَهُ الله!! ، وقد حكى بعضهم أنَّ قصيدةَ ابنِ دُرَيْدٍ كانتْ تسمَّى عندهم : الملعونة ؛ لأنَّهم كانوا إذا سمعوها ، قالوا : ما أشعرَهُ! لعَنَهُ اللهُ!! ، وقد تقدَّم أنَّ أصل اللعن : الطردُ والبُعْد . والعَشِير : هو المعاشرُ والمخالط مطلقًا ، والمرادُ به هنا : الزَّوْج ، والكفر : كفرانُ الحقوق ؛ ويدلُّ على صحَّة الأمرين : حديثُ الموطَّأ ، الذي قال فيه : لكْفُرْهنَ ، قيل : أَيَكْفُرْنَ بالله ؟ فقال : يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ، لَو أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . والجَزَالَة : الشهامةُ والجدَّة ، مع العقل والرفق ؛ قال ابن دُرَيْد : الجزالةُ : الوقارُ والعقل ، وأصلُ الجزالة : العِظَمُ من كلِّ شيء ، ومنه : عطاءٌ جَزْلٌ . واللُّبُّ : العقلُ ، سمِّي بذلك ؛ لأنَّه خلاصةُ الإنسان ولبُّه ولبابُهُ ، ومنه سُمِّيَ قلب الحبّ : لُبًّا . والعقلُ الذي نُقِصَهُ النساء : هو التثبُّتُ في الأمور ، والتحقيقُ فيها ، والبلوغُ فيها إلى غاية الكمال ، وهُنَّ في ذلك غالبًا بخلافِ الرجال . وأصل العقل : العلمُ ، وقد يقال على الهدوءِ والوقارِ والتثبُّتِ في الأمور ، وللعلماءِ خلافٌ في حَدِّ العقل المشتَرَطِ في التكليف ، ليس هذا موضعَ ذكره . والدِّين هنا يرادُ به : العباداتُ ، وليس نقصانُ ذلك في حقِّهنَّ ذمًّا لهنَّ ؛ وإنَّمَا ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك مِنْ أحوالهنَّ على معنى التعجبِ من الرجال ، حيثُ يغلبهم مَنْ نقَصَ عن درجتهم ، ولم يبلُغْ كمالهم ؛ وذلك هو صريحُ قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ ؛ وذلك نحوا ممَّا قاله الأعشى فيهنَّ : وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٌ لِمَنْ غَلَبْ ونحو قولهم فيما جرَى مجرى المثل : يَغْلِبْنَ الكِرَامْ ، ويَغْلِبُهُنَّ اللِّئَامْ . وفيه : ما يدلُّ على أنَّ الحائضَ لا تُصَلِّي ولا تصومُ مُدَّةَ حَيْضِها ، وهو مجمعٌ عليه ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .
203 - [ 160 ] وَعَنْ أَنْسٍ ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رسولَ الله ! أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ : فِي النَّارِ . فَلْمَا قَفى دَعَاهُ فَقَالَ : إِنَّ أبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ. و ( قوله : فلمّا قفَّى ) أي : ولّى قفاه . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنّ أبي وأباك في النار ) جبرٌ للرجل ممّا أصابه ، وأحاله على التأسّي حتّى تهون عليه مصيبته بأبيه ؛ وذلك لَمَّا حفظ الحرمة ، ولم يقل : أين أبوك ؟ بخلاف من قال ذلك للنبيّ - صلى الله عليه وسلم فقال له : حيثما مررْتَ بقبر كافر فبشِّرْه بالنار ، فكان الرجل يفعل ذلك ، فشقَّ عليه حتّى قال : لقد كلَّفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شططًا ، ذكره النسائيّ .
215- [ 162 ] وَعَنْ عمرو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ ، يَقُولُ : أَلا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلانًا - لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ . إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ . و ( قوله : ألا إنّ آل أبي فلان ) كذا للسمرقنديّ ، ولغيره : ألا إنّ آل أبي يعني : فلانًا ، وفي رواية : فلانٍ على الحكاية ، وهذا كناية عن قومٍ معينين كره الراوي تسميتهم ؛ لما يُخاف ممّا يقع في نفوس ذراريهم المؤمنين . وقيل : إن الْمَكْنِى عنه : هو الحكم بن أبي العاصي . وفائدة الحديث انقطاع الولاية بين المسلم والكافر وإن كان قريبًا حميمًا . وقد وقع في أصل كتاب مسلم موضع فلان أبيض لم يكتب عليه شيء ، وفلان : كناية عن اسم علم كتب في ذلك إصلاحا له .
( 66 ) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة 214 - [ 159 ] عَنْ عَائِشَةَ ؛ قالت : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ! ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ، فَهَلْ ذَلكَ نَافِعُهُ ؟ قَالَ : لا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا : رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . ( 66 ) ومن باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ( قول عائشة : هل ذلك نافعه ؟ معناه : هل ذلك مخلصه من عذاب الله المستحق بالكفر ؟ فأجابها بنفي ذلك ، وعلله بأنه لم يؤمن . وعبّر عن الإيمان ببعض ما يدلّ عليه وهو قوله : لم يقل : ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين . ويقتبس منه أن كل لفظ يدلّ على الدخول في الإسلام اكتفي به ، ولا يلزم من أراد الدخول في الإسلام صيغة مخصوصة مثل كلمتي الشهادة ، بل أي شيء دلّ على صحة إيمانه ومجانبة ما كان عليه اكتفي به في الدخول في الإسلام ، ولا بد له مع ذلك من النطق بكلمتي الشهادة ، فإن النطق بهما واجب مرة في العمر .
2808 - [ 161 ] وَعَنْهُ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤمِنًا حَسَنَة ، يُعْطَى بِها فِي الدُنْيا ويُجْزَى بِها فِي الآخِرةِ . وأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمْ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ للهِ بِها فِي الدُنْيَا حَتْى إِذْا أَفْضَى إِلى الآخِرةِ لَمْ تَكُنْ لَه حَسَنَةٌ يُجْزَى بها. و ( قوله : إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً ) يعني : لا ينقصه ولا يمنعه ثوابها في الدار الآخرة والأولى . و ( قوله : وأما الكافر ، فيطعم بحسنات ) هكذا رواه الجماعة ، ورواه ابن ماهان : فيعطى بحسنات ، وكلاهما صحيح المعنى . وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة ، إنما كان بحسب ظنّ الكافر ، وإلا فلا تصح منه قربة ؛ لعدم شرطها الذي هو الإيمان ، أو سميت حسنة ؛ لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرًا . ثمّ هل يعطى الكافر بحسناته في الدنيا ولا بدّ ، فحكم هذا الوعد الصادق ؟ أو ذلك مقيَّد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ وهذا هو الصحيح . وأمّا المؤمن ، فلا بدّ له من الجزاء الأخرويّ كما قد عُلم من الشريعة . و ( قوله في الكافر : لم تكن له حسنةٌ يجزى بها ) أي : لا يتخلّص من العذاب بسببها ، وأمّا التخفيف عنه بسببها ، فقد يكون على ما قرّرناه ، والله تعالى أعلم .
( 26 ) بَابُ تَرْكُ الصَّلاَةِ جَحْدًا أو تَسْفِيهًا لِلأَْمْرِ كُفْرٌ 82 - [ 63 ] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ . ( 26 ) وَمِنْ بَابِ : تَرْكُ الصَّلاَةِ جَحْدًا أو تَسْفِيهًا لِلأَْمْرِ كُفْرٌ ( قوله : بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلاَةِ ) يعني : أَنَّ من تركَ الصلاَةَ ، لم يَبْقَ بينه وبين الكفر حاجزٌ يحجزه عنه ، ولا مانعٌ يمنعه منه ، أي : قد صار كافرًا ؛ وهذا إنَّما يكونُ بالاتِّفاق فيمَنْ كان جاحدًا لوجوبها ، فأمَّا لو كان معترِفًا بوجوبها ، متهاونًا بفعلها ، وتاركًا لها ، فالجمهورُ : على أنَّه يُقْتَلُ إذا أخرَجَهَا عن آخِرِ وقتها ، ثُمَّ هل يُقْتَلُ كُفْرًا ، أو حَدًّا ؟ فممَّن ذهَبَ إلى الأوَّل : أحمدُ بنُ حنبل ، وابنُ المبارك ، وإسحاقُ ، وابنُ حَبِيبٍ من أصحابنا ، ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ بن أبي طالب ، وممن ذهَبَ إلى الثاني : مالكٌ ، والشافعيُّ ، وكثيرٌ من أهل العلم ؛ قالوا : يقتل حَدًّا إذا عُرِضَتْ عليه فلم يفعلها ، ثم هل يستتاب أم لا ؟ قولان لأصحابنا . وقال الكوفيُّون : لا يقتلُ ، ويؤمر بفعلها ، ويعزَّرُ حتى يفعلها . والصحيحُ : أنََّه ليس بكافر ؛ لأنَّ الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ، ولأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال : خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ ، فَلَيْسَ لَهُ على اللهِ عَهدٌ ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ؛ فهذا ينصٌّ على أَنَّ تركَ الصلاةِ ليس بِكُفْر ، وأنَّه مما دون الشِّرْكِ الذي قال الله تعالى فيه : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . واختلف العلماء في أخواتِ الصلاة من الفرائض ؛ كالزكاة ، والصيام ، والحج ، والوضوءِ ، والغُسْلِ من الجنابة ، هل يُقْتَلُ الآبي مِنْ فعِْلِهَا وإن اعترَفَ بوجوبها ، أم يعاقبُ حتى يَفْعَل ؟ وهل هو كافرٌ أم عاصٍ ؟ مذهب مالك : في أنَّ من قال : لا أتوضَّأُ ولا أصوم ، أنَّه يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل ، وإن قال : لا أُزَكِّي ، أُخِذَتْ منه كرهًا ، فإن امتنع ، قوتل ، فإنْ قال : لا أَحُجُّ ، لم يُجْبَرْ ؛ لكونِ فرضِهِ على التراخي . قال المؤلف - رحمه الله - : هكذا أطلق أئمتنا ، وينبغي أن يقال : إنَّه إذا انتهى الممتنع إلى حالةٍ يخافُ معها الفَوْتَ ؛ كالهَرَمِ ، والمرض ، حُمِلَ على الفعل ؛ لئلا يُخلى زمانَهُ عن الحجِّ مع استطاعته ، وأما من يقول : إنَّ الحجَّ على الفور إذا حصلَتْ الاستطاعةُ ، فقياسُ مذهبه : يقتضي أن يُحْمَلَ على الفعل في تلك الحال ، لكنَّ أصحابنا لم يقولوا به ، ولا كفَّروه بترك الحجِّ كما فعلوا في الصلاة ؛ لأنَّ كونَ وجوبِهِ على الفور ليس بمعلومِ التحديد والتوقيف مِنَ الشرع ؛ كما هو في الصلاة ، وإنما قيل ذلك بالاجتهادِ والظَّنِّ ، والله أعلم . وقال ابن حَبِيب : مَنْ قال عند الإمام : لا أصلِّي وهي عَلَيَّ ، قُتِلَ ولا يستتاب ، وكذلك من قال : لا أتوضَّأ ، ولا أغتسلُ من الجنابة ، ولا أصوم . وقال أيضًا : مَنْ ترك الصلاةَ متعمِّدًا أو مُفَرِّطًا : كافرٌ ، ومَنْ ترك أخواتِهَا متعمِّدًا ؛ من زكاة ، وحجٍّ ، وصوم : كافر ، وقاله الحَكَم بن عُتَيْبة وجماعةٌ من السلف .
81 - [ 64 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي ، ويَقُولُ : يَا وَيْلَهُ! - وَفِي رِوَايَةٍ : يَا وَيْلَتَا! - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ ؛ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ ؛ فَلِيَ النَّارُ . و ( قوله : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ ) أصلُ السجود في اللغة : الخضوعُ والخشوع ؛ قال زَيْدُ الخَيْلِ : بِجَمْعٍ تَصلي البُلْقُ فِي حَجَرَاتِه تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ أي : خاضعةً . ويقالُ أيضًا : على المَيْلِ ؛ يقال : سجَدَتِ النخلةُ ، أي : مالَتْ ، وسجدَتِ الناقةُ : طأطأَتْ رأسَهَا ، قال يعقوبُ : أسجَدَ الرجلُ : إذا طأطَأَ رأسه ، وسجَدَ : إذا وضع جبهتَهُ في الأرض ، وقال ابن دُرَيْد : أصلُ السجود : إدامةُ النظر مع إطراقٍ إلى الأرض . قال المؤلف - رحمه الله - : والحاصلُ أن أصلَ السجودِ : الخضوعُ ، وسُمِّيَتْ هذه الأحوالُ سجودًا ؛ لأنها تلازمُ الخضوع غالبًا ، ثم قد صار في الشرعِ عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحو مخصوصٍ . والسجودُ المذكور في هذا الحديث : هو سجودُ التلاوة ؛ لقوله : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ . وقد اختُلِفَ في حُكْمه : فذهَبَ الجمهور : إلى أنَّه مندوبٌ وفضيلة ، وصار أبو حنيفة : إلى أنه واجب ؛ مستدلاًّ بهذا الحديث . ووجهه : أنَّ إبليس عصَى بترك ما أُمِرَ به من السجود ؛ فذُمَّ ولُعِنَ ، وابنُ آدم أطاعَ بفعله ؛ فمُدِحَ وأُثِيبَ بالجنَّة ؛ فلو تَرَكَهُ لعصى ؛ إذ السجودُ نوعٌ واحد ، فلزم من ذلك كونُ السجود واجبًا . والجوابُ : أنَّ ذمَّ إبليس ولَعْنَهُ لم يكنْ لأجلِ تَرْكِ السجود فقطْ ، بل لترك السجود عُتُوًّا على الله وكِبْرًا ، وتسفيهًا لأمره تعالى ، وبذلك كفَرَ ، لا بترك العملِ بمطلق السجود ؛ أَلاَ ترى قوله تعالى مُخبِرًا عنه بذلك حين قال : أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، وقال : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ، وقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . سلَّمنا : أنَّه ذُمَّ على ترك السجود ، لكنْ لا نُسلِّمُ أنَّ السجودَ نوعٌ واحد ؛ فقد قال بعضُ المفسِّرين : إنَّ السجود الذي أمَرَ اللهُ به الملائكةَ إنَّما كان طأطأةَ الرأسِ لآدمَ تحيَّةً له ، وسجودُ التلاوة وَضْعُ الجبهة بالأرض على كيفيَّة مخصوصة ، فافترَقَا ؛ سلَّمنا : أنَّه نوعٌ واحد ؛ لكن منقسمٌ بالإضافة ، ومتغايرٌ بها ، فيصحُّ أن يُؤْمَرَ بأحدها ويُنْهَى عن الآخر ؛ كما يؤمَرُ بالسجود لله تعالى ويُنْهَى عن السجود للصنم ؛ فما أُمِرَ به الملائكةُ من السجود لآدم محرَّمٌ على ذُرِّيَّته ، كما قد حُرِّمَ ذلك علينا ؛ وكيف يُسْتَدَلُّ بوجوبِ أحدهما على وجوبِ الآخر ؟! وسيأتي القولُ في سجود القرآن في بابِهِ ، إنْ شاء الله تعالى . وبكاءُ إبليسَ المذكورُ في الحديث : ليس ندمًا على معصية ، ولا رجوعًا عنها ، وإنَّما ذلك لفرطِ حَسَده وغيظِهِ وألمِهِ مما أصابه مِنْ دخولِ أحدٍ من ذُرِّيَّةِ آدم الجنَّةَ ونجاتِهِ ، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذانِ والإقامةِ ويومِ عرفة ؛ على ما يأتي إنْ شاء الله تعالى . و ( قوله : يَا وَيْلَتَا ) الويلُ : الهلاك ، وويلٌ : كلمةٌ تقال لمن وقَعَ في هلكة ، والألف في يا ويلتا : للندبةِ والتفجُّع .
210 - [ 156 ] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ . فَقَالَ : لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَارٍ ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ . 212 - [ 157] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أَهوَنُ أهل النَّارِ عَذَابًا أبو طَالِبٍ ، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. 213 - [ 158 ] وَعَنِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : إِنَّ أَهوَنَ أهل النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ . و ( قوله : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ) هذا المترجى في هذا الحديث قد تحقق وقوعه ؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : وجدته في غمراتٍ فأخرجته إلى ضحضاح ، فكأنه لما ترجى ذلك أعطيه وحقق له فأخبر به ، وهل هذه الشفاعة لبيان قول محقق أو لسان حال ؟ اختلف فيه ، فإن تنزلنا على أنه حقيقة ، وأنه - عليه الصلاة والسلام - شفع لأبي طالب بالدعاء والرغبة حتى شُفِّع ، عارضه قوله تعالى : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وقوله : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وما في معناه . والجواب من أوجه ؛ أقربها : أن الشفاعة المنفية إنما هي شفاعةٌ خاصةٌ ، وهي التي تخلّص من العذاب . وغاية ما ذكر من المعارضة إنما هي بين خصوصٍ وعموم . ولا تعارُض بينهما ؛ إذ البناء والجمع ممكن ، وإن تنزّلنا على أنه لسان حال ، فيكون معناه . أن أبا طالب لمّا بالغ في إكرام النبي - صلى الله عليه وسلم - والذبّ عنه ، خُفّف عنه بسبب ذلك ما كان يستحقه بسبب كفره مع ما حصل عنده من معرفته صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قدمناه . ولما كان ذلك بسبب وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - وببركة الحنو عليه ؛ نسبه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى نفسه . ولا يستبعد إطلاق الشفاعة على مثل هذا المعنى ، فقد سلك الشعراء هذا المعنى ، فقال بعضهم : في وجهه شافعٌ يمحو إساءته إلى القلوب وجيه حيثما شفعا وقد يُورَد أيضًا على هذا المعنى ، فيقال : هذا إثبات نَفْع الكافر في الآخرة بما عمله في الدنيا . وقد نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في حديث ابن جدعان الآتي : لا ينفعه ، وبقوله : وأمّا الكافر ، فيُعطى بحسنات ما عمل في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة ، لم تكن له حسنة يجزى بها . والجواب من وجهين ؛ أحدهما : ما تقدم في بناء العام على الخاص . والثاني : أنّ المخفّف عنه لَمَّا لم يجد أثرًا لما خُفف عنه ، فكأنّه لم ينتفع بذلك . ألا ترى أنه يعتقد أنّه ليس في النار أشدّ عذابًا منه ، مع أنّ عذابه جمرة من جهنّم في أخمصه . وسببه أن القليل من عذاب جهنّم - أعاذنا الله منه - لا تطيقه الجبال ، وخصوصًا عذاب الكافر . وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذّب ، وأما المعذّب ، فمشتغل بما حلّ به ؛ إذ لا يخلَّى ، ولا بغيره يتسلى ، فيصدق عليه أنه لم ينتفع ، ولم يحصل له نفع ألبتة ، والله أعلم .
( 65 ) باب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه في التخفيف عنه 209 - [ 155] عَنِ الْعَبَّاسَ ؛ قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ! إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. ( 65 ) ومن باب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمّه أبي طالب في التخفيف عنه ( قوله : كان يحوطك ) أي : يحفظك . و ينصرك : يعينك ، والنصرة . العون ، تقول العرب : أرض منصورة ؛ أي : معانة على إنباتها بالمطر . وقد كان أبو طالب يمنعه ممن يريد به مكروهًا ، ويعينه على ما كان بصدده . و غَمَرات - بالميم - : جمع غمرة ، وهي ما يغطي الإنسان ويغمره ، مأخوذ من الماء الغَمْر ، وهو الكثير . وقد وقع في بعض النسخ غُبّرات ، وهو تصحيف ولا معنى للغبرات هنا ، و الضحضاح : ما رقّ من الماء على وجه الأرض ، ومنه قول عمرو في عُمر : أنه جانب غمرتها ، ومشى ضحضاحها ، وما ابتلّت قدماه ، يعني : لم يتعلّق من الدنيا بشيء . والدرك في مراتب التسفل والنزول ، كالدرج في مراتب العلو والارتفاع ، ويراد به آخر طبق في أسفل النار ، وهو أشدّ أطباق جهنّم عذابًا ، ولذلك قال تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وكان أبو طالب يستحق ذلك ؛ إذ كان قد عُلِم صدقُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع حالاته ، ولم يخفَ عليه شيءٌ من أموره من مولده إلى حين اكتهاله ، ولذلك كان يقول لعلي ابنه : اتَّبِعْه ، فإنه لا يُرشِدُك إلا إلى خير أو حق أو كما قيل عنه .
198 - [ 153 ] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا . و ( قوله : لكلّ نبيٍّ دعوة مستجابة ) أي : مجابة ، والسين زائدة ، يقال : أجاب واستجاب ، قال : فلم يستجبْه عند ذلك مجيبُ . أي : لم يجبه . ومعناه : أنهم عليهم السلام لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى ، ثم خيّرهم في تعيينها ، وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها ، وإلا فكم قد وقع لهم من الدعوات المجابة ؟ وخصوصًا نبينا - صلى الله عليه وسلم فقد دعا لأمته بألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم ، وألا يهلكهم بسنة عامة فأعطيهما . وقد منع أيضًا بعض ما دعا لهم به ؛ إذ قد دعا ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها ، وهذا يحقق ما قلناه من أنّهم في دعواتهم راجون الإجابة ، بخلاف هذه الدعوة الواحدة ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : فهي نائلة إن شاء الله تعالى ) نائلة ، وأصله من نال الشيء إذا ظفر به ، ودخول الاستثناء هنا كدخوله في قوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ وسيأتي القول فيه في قوله - عليه الصلاة والسلام - : وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون في الطهارة .
( 64 ) باب النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة ، وأولهم شفاعة ، واختباء دعوته شفاعة لأمته 196 - [ 151 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ ، وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ . 197- [ 152 ] وَعَنْهُ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَسْتَفْتِحُ ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَقُولُ : مُحَمَّدٌ . فَيَقُولُ : بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ . ( 64 ) ومن باب قوله : أنا أوّل الناس يشفع في الجنّة أي : في دخول الجنّة قبل الناس ، ويدلّ عليه قوله : وأنا أوّل من يقرع باب الجنّة ، وقول الخازن : بك أُمِرْتُ لا أفتح لأحدٍ قبلك ، وقوله في حديث آخر : فأنطلقُ معي برجالٍ فأدخلهم الجنّة وهذه إحدى شفاعاته المتقدِّمة الذكر . وقوله في الرواية الأخرى : أنا أوّل شفيع في الجنّة يمكن حمله على ما تقدّم ، ويحتمل أن يراد به أنّه يشفع في ترفيع منازل بعض أهل الجنّة ، والأوّل أظهر .
202 - [ 154 ] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو بْنِ الْعَاصِ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَلا قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الآيَةَ ، وَقَالَ عِيسَى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللهُمَّ ! أُمَّتِي . أُمَّتِي وَبَكَى ، فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا جِبْرِيلُ ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ ، فَسلْهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَأَتَاهُ جبريل فَسَأَلَهُ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا قَالَ ، وهو أَعْلَمُ . فَقَالَ اللهُ : يَا جِبْرِيلُ ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ : إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ . و ( قوله : وقال عيسى : إن تعذّبهم ) هو مصدر معطوف على قوله : وتلا قول الله . والعرب تقول : قال يقول قولا وقالا وقيلا ، فكأنه قال : وتلا قول عيسى . ومعنى هاتين الآيتين أنّ كلَّ واحد من إبراهيم وعيسى لم يَجْزِمَا في الدعاء لعصاة أممهما ، ولم يُجْهدا أنفسهما في ذلك ، ولم يكن عندهما من فرْط الشفقة ما كان ينبغي لهما . ألا ترى أنهما في الآيتين كأنّهما تبرأا من عصاة أممهما ، ولما فهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - ذلك ؛ انبعث بحكم ما يجده من شدة شفقته ورأفته وكثرة حرصه على نجاة أمته ، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رفعة مقامه على غيره ، جازمًا في الدعاء مجتهدًا فيه لهم متضرعًا باكيا مُلحًّا يقول : أمتي أمتي ، فعل المحب المستهتر بمحبوبه ، الحريص على ما يرضيه ، الشفيق عليه ، اللطيف به ، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله فيهم ، وبشّره بما بشرّه من مآل حالهم ، حيث قال له تعالى : إنا سنرضيك في أمتك ، وهو معنى قوله تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . قال بعض العلماء : واللهِ ما يرضى محمد وواحد من أمته في النار . وهذا كلّه يدلّ على أنّ الله تعالى خصّ نبينا - صلى الله عليه وسلم - من كرم الخُلق ، ومن طيب النفس ، ومن مقام الفتوة بما لم يخص به أحدا غيره ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وبقوله : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية ، صلى الله عليه أفضل ما صلى على أحدٍ من خليقته ، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته . وأمر الله تعالى جبريل بأن يسأل نبينا عليه الصلاة والسلام عن سبب بكائه ؛ ليعلم جبريل تمكن نبينا في مقام الفتوة ، وغاية اعتنائه بأمته - صلى الله عليه وسلم
( 27 ) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ 83 - [ 65] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الإِْيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ . ( 27 ) وَمِنْ بَابٍ الإِْيمَانُ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ ( قوله - عليه الصلاة والسلام - وقد سُئِلَ عن أفضلِ الأعمال : الإْيمَانُ بِاللهِ ) يدلُّ على أنَّ الإيمانَ من جملة الأعمالِ ، وهي داخلٌ فيها ، وهو إطلاقٌ صحيحٌ لغةً وشرعًا ؛ فإنَّه عملُ القلب وكسبه ، وقد بَيَّنَّا أنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب ، وأنَّهُ منقسمٌ إلى ما يكونُ عنه برهان ، وعن غير برهان . ولا يُلْتَفَتُ لخلافِ مَنْ قال : إنَّ الإيمانَ لا يسمَّى عملاً ؛ لجهله بما ذكرناه . ولا يخفَى أنَّ الإيمانَ بالله تعالى أفضلُ الأعمال كلِّها ؛ لأنَّه متقدِّمٌ عليها ، وشرطٌ في صحَّتها ، ولأنَّه من الصفات المتعلِّقة ، وشرفُهَا بحسب متعلَّقاتها ، ومتعلَّقُ الإيمانِ هو الله تعالى ، وكتبُهُ ، ورسلُهُ ، ولا أشرَفَ من ذلك ؛ فلا أشرَفَ في الأعمال من الإيمان ، ولا أفضَلَ منه . و ( قوله : ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ) ظاهرُ هذا الحديثِ : أنَّ الجهاد أفضلُ من سائر الأعمال بعد الإيمان ، وظاهرُ حديثِ أبي ذَرٍّ أنَّ الجهادَ مساو للإيمان في الفضل ، وظاهرُ حديثِ ابن مسعود يخالفهما ؛ لأنَّه أخَّر الجهادَ عن الصلاةِ ، وعن بِرِّ الوالدَيْن ، وليس هذا بتناقض ؛ لأنَّه إنَّما اختلفَتْ أجوبتُهُ لاختلاف أحوالِ السائلين ، وذلك أنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان يجيبُ كلَّ سائلٍ بالأفضل في حقِّه ، وبالمتأكِّد في حقه ؛ فمن كان متأهِّلاً للجهاد ، وراغبا فيه ، كان الجهادُ في حقِّه أفضلَ مِنَ الصلاةِ وغيرها ، وقد يكونُ هذا الصالِحُ للجهاد له أبوانِ يحتاجان إلى قيامِهِ عليهما ، ولو تركهما لضاعا ؛ فيكونُ بِرُّ الوالدَيْنِ في حقِّه أفضَلَ من الجهاد ، كما قد استأذن رجلٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الجهادِ ، فقال : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قال : نعم ، قال : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ، وهكذا سائرُ الأعمال . وقد يكونُ الجهادُ في بعضِ الأوقاتِ أفضلَ مِنْ سائر الأعمال ، وذلك في وقتِ استيلاءِ العَدُو ، وغَلَبتِهِ على المسلمين ؛ كحالِ هذا الزمان ، فلا يخفَى على مَنْ له أدنى بصيرة أنَّ الجهادَ اليومَ أوكَدُ الواجبات ، وأفضلُ الأعمال ؛ لما أصابَ المسلمين مِنْ قَهرِ الأعداء ، وكثرةِ الاستيلاء ، شرقًا وغربًا ، جَبَرَ اللهُ صَدْعنا ، وجدّد نصرنا . والحاصل من هذا البحث : أنَّ تلك الأفضليَّةَ تختلفُ بِحَسَبِ الأشخاصِ والأحوال ، ولا بُعْدَ في ذلك . فأمَّا تفصيلُ هذه القواعد مِنْ حيثُ هي ، فعلى ما تقدَّم في حديثِ ابن عمر الذي قال فيه : بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ ، والله أعلم . والحَجُّ المَبْرُورُ : هو الذي لا يخالطُهُ شيءٌ من المأثم ؛ قاله شَمِرٌ ، وقيل هو المقبول ، وذُكِرَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قيل له : مَا بِرُّ الحَجِّ ؟ فَقَالَ : إِطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَطِيبُ الكَلاَمِ . ويقال : بُرَّ حَجُّكَ ، بضمِّ الباء مبنيًّا للمفعول ، وبَرَّ اللهُ حَجَّكَ بفتحها للفاعل .
84 - [ 66 ] وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الإِيمَانُ بِاللهِ ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهلِهَا ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا ، قَالَ : قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : تُعِينُ صانعًا ، أو تَصْنَعُ لأَِخْرَقَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ ؟ قَالَ : تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ . و ( قوله : أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ ) أي : في العتق . وأَنْفَسُهَا : أَغْبَطُها وأَرْفَعُها ، والمالُ النفيس : هو المرغوبُ فيه ، قاله الأصمعيُّ ، وأصله : من التنافُسِ في الشيء الرفيع . و ( قوله : فَإنْ لَمْ أَفْعَلْ ) أي : لم أَقْدِرْ عليه ، ولا تيسَّرَ لي ؛ لأنَّ المعلوم من أحوالهم : أنَّهم لا يمتنعون من فِعْلِ مِثْلِ هذا إلاَّ إذا تعذَّر عليهم . و ( قوله : تُعِينُ صَانعًا ) الروايةُ المشهورة بالضاد المعجمة ، وبالياء مِنْ تحتها ، ورواه عبد الغافرِ الفارسيُّ : صَانِعًا - بالصاد المهملة والنون وهو أحسَنُ ؛ لمقابلتِهِ لأخرق ، وهو الذي لا يُحْسِنُ العَمَلَ ؛ يقال : رجلٌ أخرَقُ ، وامرأةٌ خَرْقاء ، وهو ضدِّ الحاذق بالعمل ، ويقال : رجلٌ صَنَعٌ ، وامرأةٌ صَنَاعٌ ، بألفٍ بعد النون ؛ قال أبو ذُؤَيْب في المذكَّر : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُوِدَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أو صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ وقال آخر في المؤنّث : صَنَاعٌ بِأشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِهَا جَوَادٌ بِقُوتِ البَطْنِ وَالعِرْقُ راجز والشَّكْر بفتح الشين : الفَرْج ، وبضمِّها : الثناءُ بالمعروف كما تقدم . و ( قوله : تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ ) دليلٌ على أنَّ الكَفَّ فعلٌ للإنسان ، داخلٌ تحت كسبه ، ويؤجَرُ عليه ، ويعاقَبُ على تركه ؛ خلافًا لبعض الأصوليِّين القائلِ : إنَّ الترك نَفْيٌ محضٌ لا يدخُلُ تحتَ التكليف ولا الكَسْب ؛ وهو قولٌ باطل بما ذكرناه هنا ، وبما بسطناه في الأصول ؛ غيرَ أنَّ الثواب لا يحصُلُ على الكَفِّ إلاَّ مع النيَّاتِ والمقصود ، وأمَّا مع الغفلة والذهول فلا ، والله تعالى أعلم .
( 63 ) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار 185- [ 150 ] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَمَّا أَهلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أهلُهَا ، فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ . وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أو قَالَ : بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً . حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا ، أذِنَ بالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قِيلَ : يَا أَهل الْجَنَّةِ ! أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ . فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : كَأَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ . ( 63 ) ومن باب كيفية عذاب من يعذَّب من الموحّدين ( قوله : ضبائر ضبائر ) قال الهروي : جمع ضِبارة بكسر الضاد ، مثل عِمارة وعمائر ، وهي الجماعة من الناس ، يقال : رأيتهم ضبائر ؛ أي : جماعات في تَفْرِقَة . وقال غيره : الصواب أضابر جمع إضبارة . وفي الصحاح : الإضبارة بالكسر الإضمامة ، يقال : جاء فلان بإضبارةٍ من كتبٍ ، وهي الأضابير ، قال : والضَّبْرُ الجماعة من الناس يغْزُون ، وضَبَرَ الفرسُ ، إذا جمع قوائمه ووثب . و بُثّوا فرّقوا . وهذا الحديث ردّ على الخوارج والمعتزلة ، حيث حكموا بخلود أهل الكبائر في النار ، وأنّهم لا يخرجون منها أبدًا ، وقد تقدم الكلام على الحبة .
( 62 ) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين 183 - [ 149 ] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالُوا : يَا رسولَ الله ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : نَعَمْ قَالَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لا . يَا رسولَ الله ! قَالَ : مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا . إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ : لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ . فَلا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ ، إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ . حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ ، وَغُبَّرِ أهل الْكِتَابِ . َفُيدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ . فَيُقَالُ : كَذَبْتُمْ ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ . فَمَاذَا تَبْغُونَ ؟ قَالُوا : عَطِشْنَا ، يَا رَبَّنَا! فَاسْقِنَا . فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ : أَلا تَرِدُونَ ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ . ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى . فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ . فَيُقَالُ لَهُمْ : كَذَبْتُمْ ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : مَاذَا تَبْغُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : عَطِشْنَا ، يَا رَبَّنَا ! فَاسْقِنَا . قَالَ : فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ : أَلا ترِدُونَ ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ . حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا . قَالَ : فَمَا تَنْتَظِرُونَ ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ . قَالُوا : يَا رَبَّنَا ! فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ . لا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا - مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثًا - حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ . فَيَقُولُ : هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ . فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ، فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ ، وَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلا جَعَلَ اللهُ ظَهرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً ، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ . ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَته الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ . فَيقَول : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا . ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ . وَيَقُولُونَ : اللهُمَّ! سَلِّمْ . سَلِّمْ . قِيلَ : يَا رسولَ الله ! وَمَا الْجِسْرُ ؟ قَالَ : دَحْضٌ مَزِلَّةٌ . فِيها خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ ، وَحَسَكٌ ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ ، يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ . فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ . فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ . حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ ، فِي اسْتِقصاءِ الْحَقِّ ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمِ الَّذِينَ فِي النَّارِ . يَقُولُونَ : رَبَّنَا ! كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ . فَيُقَالُ لَهُمْ : أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا . قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ، يَقُولُونَ : رَبَّنَا ! مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ . فَيَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ : ارْجِعُوا . فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ . فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا . ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا ! لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا . ثُمَّ يَقُولُ : ارْجِعُوا . فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ . فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا . ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا ! لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا . ثُمَّ يَقُولُ : ارْجِعُوا . فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ . فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا . ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا ! لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا . وَكَانَ أبو سَعِيدٍ يَقُولُ : إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا . فيَقُولُ اللهُ تَعَالىَ : شَفَعَتِ الْمَلائِكَةُ ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا . فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، أَلا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أو إِلَى الشَّجَرِ ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ ، وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ ؟ فَقَالُوا : يَا رسولَ الله ! كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ . قَالَ : فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ ، فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ ، يَعْرِفُهُمْ أَهلُ الْجَنَّةِ ، هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللهِ ، الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ . ثُمَّ يَقُولُ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فهو لَكُمْ . فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . فَيقولُ : لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا . فَيَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا ! أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا ؟ فَيَقُولُ : رِضَاي : فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا . وَفِي رِوَايَةٍ ؛ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْر وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ . ( 62 ) ومن باب شفاعة الملائكة ( قوله : أذَّن مؤذِّنٌ ) أي : نادَى منادٍ برفيع صوته ؛ كي يعلم أهل الموقف . والأنصاب : جمع نَصْب بفتح النون ، وهو ما ينصِبَ من حجارة أو غيرها ليُعْبد من دون الله تعالى ، والأصنام : جمع صَنَم ، وهو ما كان مصورًا اتُّخِذَ ليعبد . ويقال عليه : وَثَنٌ وأوثان . و ( قوله : وغُبَّرِ أهل الكتاب ) يعني : بقاياهم ، وهو من غَبَر الشيء إذا بقي ، ويقال أيضًا بمعنى : بعد وذهب ، وهو من الأضداد ، وقد جاء الأمران في كتاب الله تعالى . و عزير رجل من بني إسرائيل قيل : إنه لما حرّق بختنصّر التوراة وقتل القائمين بها والحافظين لها ، قذفها الله تعالى في قلبه فقرأها عليهم ، فقالت جهلة اليهود عنه : إنه ابن الله . و تبغون تطلبون . قال : أنشدوا الباغي يحب الوجدان و السراب ما تراه نصف النهار وكأنه ماءٌ . و يحطم بعضها بعضًا أي : يركب بعضها على بعض ويكثر بعضها على بعض ، كما يفعل البحر إذا هاج . و ( قوله : فيشار إليهم ألا ترِدون ) لما ظنّوا أنه ماء أُسمعوا بحسب ما ظنّوا ، فإن الورود إنما يقال لمن قصد إلى الماء ليشرب . و يحشرون يساقون مجموعين . و ( قوله : حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر ) يعبد الله يوحده ويتذلل له . والبر ذو البر ، وهو فِعل الطاعات والخير ، والفجور عكسه . و ( قوله : أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) إتيان الله تعالى هنا هو عبارة عن إقباله عليهم وتكليمه إياهم ، و أدنى بمعنى : أقرب ، و الصورة بمعنى : الصفة ، و رأوه بمعنى : أبصروا غضبه . ومعنى ذلك أنّهم لما طال عليهم قيامُهم في ذلك المقام العظيم الكرْب الشديد الخوف الذي يقول فيه كل واحد من الرسل الكرام : إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولم يغضب بعده مثله ، هالهم ذلك ، وكأنهم يئسوا من انجلاء ذلك . فلمّا كشف الله عنهم ذلك ، وأقبل عليهم بفضله ورحمته وكلّمهم ، رأوا من صفات لطفه ومن كرمه ما هو أقرب مما رأوه أولاً من غضبه وأخذه ، وإلا فهذا أول مقام كلّمهم الله فيه مشافهةً ، وأرى من أراد منهم وجهَه الكريمَ ، إن قلنا : إنَّ المؤمنين رأوه في هذا المقام ، وقد اختلف فيه ، ولم يكن تقدّم لهم قبل ذلك سماع ولا رؤية ، فتعيّن ما قلناه ، والله أعلم . و ( قوله : قالوا : يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ) الصحيح من الرواية : فَارَقْنا ساكنة القاف ، و الناسَ منصوب على مفعول فارقنا ، وهو جواب الموحدّين لمّا قيل : لِتَتَّبِعْ كلُّ أمَّة ما كانت تعبد ، ومعناه . إنا فارقنا الناس في معبوداتهم ولم نصاحبْهم على شيء منها ؛ اكتفاءً بعبادتك ومُعاداةً فيك ، ونحن على حال حاجة شديدة إليهم وإلى صحبتهم ؛ إذ قد كانوا أهلا وعشيرة ومخالطين ومُعاملين ، ومع ذلك ففارقناهم فيك وخالفناهم ؛ إذ خالفوا أمرك ، فليس لنا معبود ولا متبوع سواك . وكان هذا القول يصدر من المحق والمتشبه ، فحينئذ تظهر لهم صورةٌ تقول : أنا ربكم امتحانًا واختبارًا ، فيثبت المؤمنون العارفون ويتعوّذون ، ويرتاب المنافقون والشاكون . ثم يؤمر الكل بالسجود على ما تقدم ، وقد تقدم القول على مشكلات هذا الحديث في حديث أبي هريرة المتقدم . و ( قوله : كأجاويد الخيل والركاب ) هي سراعها ، وهو جمع جياد ، فهو جمع الجمع . و الركاب الإبل ، و مخدوش مرسل ، يعني تأخذ منه الخطاطيف حتى تقطع لحمه ثم يُخلّى ، وبعد ذلك ينجو . و ( قوله : ومكدوسٌ في نار جهنم ) روايتنا فيه بالسين المهملة ، وروي عن العذري بالشين المثلثة . ووقع في بعض نسخ كتاب مسلم : مكردس بدل مكدوس ، وهي الثابتة في حديث أنس المتقدم ، وقد ذكر تفسيرها فيه . والكدس بالمهملة : إسراع المُثْقل في السير ، يقال : تكدّس الفرس ؛ إذا مشى كأنه مثقل . والكُدسُ بضم الكاف واحد أكداس الطعام . ويحتمل أن يؤخذ المكدوس من كلّ واحد منهما . وأما الشين المعجمة ، فالكَدْش الخدش ، عن الأصمعي ، وهو أيضًا السوْق الشديد ، وكلاهما يصحّ حملُ هذه الرواية عليه . و ( قوله : فتحرم صورهم على النار ) يعني صور المخرجين . وهذا كما قال فيما تقدم : حرّم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود ، وآثار السجود تكون في أعضائه السبعة ولا يقال ، فقد قال عقيب هذا : فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه . وهذا ينصّ على أنّ النار قد أخذت بعض أعضاء السجود ، لأنَّا نقول : تأخذ فتغيّر ولا تأكل فتُذهب . ولا يبعد أن يقال : إنّ تحريم الصور على النار إنما يكون في حق هذه الطائفة المشفوع لهم أولاً ؛ لعلو رتبتهم على من يخرج بعدهم ، فتكون النار لم تقرب صُورهم ولا وجوههم بالتغيير ولا الأكل ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : مثقال ذَرّة ) كذا صحّت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ، وهي الصغيرة من النمل ، ولم يختلف أنه كذلك في هذا الحديث . وقد صحّفه شعبة في حديث أنس ، فقال : ذُرَة ، بضم الذال وتخفيف الراء . على ما قيّده أبو علي الصدفي والسمرقندي ، وفيما قيّده العُذري والخشني . دُرّة ، بالدال المهملة وتشديد الراء واحدة الدُّر ، وهو تصحيف التصحيف . وقول أبي سعيد : إن لم تصدّقوني فاقرؤوا ، ليس على معنى أنهم اتهموه ، وإنما كان منه على معنى التأكيد والعضد . و ( قوله : فيقبض قبضة ) يعني : يجمع جماعة فيخرجهم دفعة واحدة بغير شفاعة أحد ولا ترتيب خروج ، بل كما يُلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة . و ( قوله : قد عادوا حُمَمًا ) أي : صاروا ، وليس على أصل العود الذي هو الرجوع إلى الحال الأولى ، بل هذا مثل قوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ؛ أي : لتصيرن إليها ، فإن الأنبياء لم يكونوا قط على الكفر ، وكما قال الشاعر : تلك المكارم لا قَعْبان من لبنٍ شيبا بماء فعادا بعد أبوالا و الحمم : الفحم ، واحدها : حممة . و ( قوله : في رقابهم الخواتم ) أي : الطوابع والعلامات التي بها يُعرفون .
( 28 ) بَابٌ أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ بَعْدَ الإِْيمَانِ ؟ 85- [ 67] وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا ، قَالَ : قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلاَّ إِرْعَاءً عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : الصَّلاَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا . ( 28 ) وَمِنْ بَابٍ أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ بَعْدَ الإِيمَانِ ؟ ( قوله : الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا ) هذه اللامُ للتأقيت ؛ كما قال تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي أي : عند ذلك ؛ كما قال في الرواية الأخرى : الصَّلاَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا . وقد روى الدَّارَقُطْنِيُّ هذا الحديثَ من طريق صحيح وقال : الصَّلاَةُ لأَِوَّلِ وَقْتِهَا ، وهو ظاهرٌ في أنَّ أوائلَ أوقاتِ الصلوات أفضلُ ؛ كما ذهب إليه الشافعيُّ ، وعند مالك تفصيلٌ يأتي في الأوقات ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ ) هو القيامُ بحقوقهما ، والتزامُ طاعتهما ، والرفقُ بهما ، والتذلُّلُ لهما ، ومراعاةُ الأدبِ معهما في حياتهما ، والترحُّمُ عليهما ، والاستغفارُ لهما بعد موتهما ، وإيصالُ ما أمكنَهُ من الخير والأَجْرِ لهما . و ( قوله : مَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلاَّ إِرْعَاءً عَلَيْهِ ) أي : إبقاءً لئلا أُحْرِجَهُ ، وأنتقصَ مِنْ حرمته ؛ قال صاحب الأفعال : الإرعاءُ : الإبقاء على الإنسان . ففيه من الفقه : احترامُ العالِمِ والفاضِلِ ، ورعايةُ الأدبِ معه وإنْ وَثِقَ بِحِلْمه وصَفْحه ، والله أعلم .
( 61 ) باب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أدخل النار من الموحدين 193 - [ 148 ] عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هِلالٍ الْعَنَزِيُّ ؛ قَالَ : انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ . فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وهو يُصَلِّي الضُّحَى . فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ . فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ . فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ! إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أهل الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ . فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ : اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ . فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى ، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ . فَيُؤْتَى مُوسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى ، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ ، فَيُؤتَى عِيسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَأُوتَى فَأَقُولُ : أَنَا لَهَا . فأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي ، فَيُؤْذَنُ لِي ، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ اللهُ ، ثُمَّ أَخِرُّ له سَاجِدًا . فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ، قُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَه ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَقُولُ : يَا رَبِّ! أُمَّتِي . أُمَّتِي ، فَيُقَالُ : انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أو شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا . فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ . ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا . فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَه ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَقُولُ : أُمَّتِي . أُمَّتِي . فَيُقَالُ لِي انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا . فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ . ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا . فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَه ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ! أُمَّتِي . أُمَّتِي . فَيُقَالُ لِي : انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ . فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ . هَذَا حَدِيثُ مَعْبَد عَنْ أَنَسٍ ، وَزَادَ الْحَسَنِ عَنْهُ : ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ! ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ . قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ لَكَ - أو قَالَ : لَيْسَ ذاكَ إِلَيْكَ - وَلَكِنْ وَعِزَّتِي ! وَكِبْرِيَائِي ! وَعَظَمَتِي! وَجِبْرِيَائِي ! لأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ . ( 61 ) ومن باب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أدخل النار من الموحدين ( قوله : فيقال : انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبةٍ من برّة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها إلى أن قال : أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان ) اختلف الناس في هذا الإيمان المقدّر بهذه المقادير ، فمنهم من قال : هو اليقين ، ورأى أنّ العلم يصحّ أن يقال فيه : إنه يزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن ، وباعتبار دوام حضوره ، وأنّه ينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن . وهذا معقول ، غير أنّ حمْلَ هذا الحديث عليه فيه بعدٌ ؛ لما جاء من حديث أبي سعيد ، حيث قال الشافعون : لم نذر فيها خيرًا ؛ مع أنه تعالى مخرج بعد ذلك جموعًا كثيرة ممن يقول : لا إله إلا الله وهم مؤمنون قطعًا ، ولو لم يكونوا مؤمنين ، لما خرجوا بوجهٍ من الوجوه ، ولذلك قال تعالى : لأُخرّجن من قال لا إله إلا الله . وعن إخراج هؤلاء عبّر بقوله : فيقبض قبضةً فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط ، فإذًا الأصحّ في تأويل هذا الحديث أن يكون الإيمان هنا أطلق على أعمال القلوب ، كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك من أعمال القلوب ، وسمّاها إيمانًا ؛ لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان ، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب . وإنما قلنا : أراد به أعمال القلوب هنا دون أعمال الأبدان ، لقوله : من كان في قلبه و وجدتم في قلبه فخصّه بالقلب ، ولا جائز أن يكون التصديق على ما تقدّم ، فتعيّن ما قلناه ، والله أعلم . وذكر الحبّة ونصفها والمثقال ونصفه وأدنى من ذلك ، هي كلها عبارات عن كثرة تلك الأعمال وقلتها . و ( قوله : وعزتي وكبريائي وعظمتي ) العزّة : القوة والغلبة ، ومنه : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ؛ أي : غلبني ، ويقال أيضًا : عزَّ الشيء إذا قلّ ، فلا يكاد يوجد مثله ، يعِزّ عِزًّا وعزازة ، وعزّ يعِزُّ عزَّةً ، إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلَّةً ، فعزّة الله تعالى قهره للجبابرة وقوَّته الباهرة ، وهو مع ذلك عديم المثل والنظير : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وأما الكبرياء و الكِبر ، فكلاهما مصدر كَبر في نفسه يكبر ، وأصله من كِبَر السن أو كِبَر الجرم ، لكن صار ذلك بحكم عُرف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعا لها على الغير . ومن هاهنا كان الكبر قبيحًا ممنوعًا في حقنا ، واجبًا في حق الله تعالى . وبيانه : أنَّ الكمال الحقيقيَّ المطلق لا يصحّ إلا لله تعالى ، وكمال غيره إنما هو عرض نسبيّ ، فإذا وصَف الحقَُ نفسَه بالكِبَر ونسبه إليه ، كانت النسبة حقيقةً في حقه ؛ إذ لا أكملَ منه ولا أرفعَ ، فكلّ كاملٍ ناقص ، وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله . والعظمة بمعنى الكبرياء ، غير أنها لا تستدعي غيرًا يُتَعاظم عليه كما يستدعيه الكِبْر على ما بيّنا ، وأيضًا فقد يُستعمل الكبير فيما لا يُستعمل فيه العظيم ، فيقال : فلان كبير السنِّ ، ولا يقال : عظيم السن . و ( قوله : وجِبريائي بكسر الجيم ، فمعناه : بجبروتي ، والجبّار : العظيم الشأن الممتنع على من يرومه ، ومنه نخلة جبّارة إذا فاقت الأيدي طولا ، يقال منه . جبّار بيِّن الجبرية والجبروت ، ولم يأت فعّال من أفعلت إلا جبَّار من أجبرت ، ودرّاك وسآر . و الجبروت أيضًا للمبالغة بزيادة التاء ، مثل مَلَكُوت ورَحَمُوت ورَهَبوت من الملك والرحمة والرهبة . وجاء جبريائي هنا لمطابقة كبريائي ، كما قالوا . هو يأتينا بالغدايا والعشايا . وقيل في معنى الجبّار ؛ أي : المصلح ، من قولهم : جبرت العظم ، وذلك أنه تعالى يجبر القلوب المنكسرة من أجله ، ويرحم عباده ، ويسدّ خلاتهم .
( 29 ) بَابُ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ وَذِكْرِ الكَبَائِرِ 86 - [ 68 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رسولَ الله ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ؟ قَالَ : أَنْ تَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . ( 29 ) وَمِنْ بَابٍ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ وَذِكْرِ الكَبَائِرِ ( قوله : أَنْ تَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ ) النِّدُّ : المِثْلُ ، وجمعه : أنداد ، وهو نحو قوله تعالى : فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ومعناه : أنَّ اتِّخَاذَ الإنسانِ إلهًا غيرَ خالقِهِ المُنْعِمِ عليه ، مع علمه بأنَّ ذلك المُتَّخَذَ ليس هو الذي خلقَهُ ، ولا الذي أنعَمَ عليه : مِنْ أقْبَحِ القبائح ، وأعظمِ الجهالات ؛ وعلى هذا فذلك أكبَرُ الكبائر ، وأعظَمُ العظائم . و ( قوله : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ) هذا مِنْ أعظمِ الذنوب ؛ لأنَّه قتلُ نفسٍ محرَّمةٍ شرعًا ، محبوبةٍ طبعًا ، مرحومةٍ عادةً ؛ فإذا قتلها أبوها ، كان ذلك دليلاً على غلبةِ الجَهلِ والبُخْل ، وغِلَظِ الطبعِ والقسوة ، وأنَّه قد انتهَى من ذلك كلِّه إلى الغاية القُصْوَى . وهذا نحو قوله تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ أي : فقرٍ ، وهذا خطابٌ لمن كان فقره حاصلاً في الحال ، فيخفّف عنه بقتلِ ولدِهِ مؤنتُهُ مِنْ طعامه ولوازمه ، وهذه الآية بخلافِ الآية الأخرى التي قال فيها : خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ؛ فإنَّه خطابٌ لمن كان واجدًا لما يُنْفِقُ عليه في الحال ؛ غيرَ أنَّه كان يقتله مخافةَ الفقر في ثاني حال ، وكان بعضُ جفاةِ الأعرابِ وجُهَّالُهُمْ ربَّما يفعلون ذلك . وقد قيل : إنَّ الأولاد في هاتَيْنِ الآيتَيْنِ هم البنات ، كانوا يدفنونهنَّ أحياءً ؛ أَنَفَةً وكبْرًا ، ومخافةَ العَيْلَةِ والمَعَرَّة ، وهي الموءودةُ التي ذكر الله تعالى : وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ والحاصلُ : أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يصنعونَ كلَّ ذلك ؛ فنهى الله تعالى عن ذلك ، وعظَّم الإثمَ فيه والمعاقَبَةَ عليه ، وأخبَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ذلك مِنْ أعظمِ الكبائر . و ( قوله : وَأَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ) الحَلِيلَةُ ، بالحاء المهملة : هي التي يَحِلُّ وطؤها بالنكاح أو التسرِّي . والجار : المُجَاوِرُ في المسكن ، والداخلُ في جوار العهد . وتُزَانِي : تحاولُ الزِّنَى ، يقال : المرأةُ تزاني مُزَانَاة زنى ، والزِّنَى وإنْ كان من الكبائرِ والفواحش ، لكنَّه بحليلة الجارِ أفحشُ وأقبح ؛ لما ينضمُّ إليه من خيانةِ الجار ، وهَتْكِ ما عظَّم الله ورسولُهُ مِنْ حرمته ، وشِدَّةِ قبح ذلك شرعًا وعادة ؛ فلقد كانتِ الجاهليةُ يتمدَّحون بصون حرائمِ الجار ، ويَغُضُّون دونهم الأبصار ؛ كما قال عنترة : وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأْوَاهَا و ( قوله : فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ يعني إلى آخر الآية ؛ ظاهِرُ هذا : أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ بسببِ هذا الذنبِ الذي ذكرَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم وليس كذلك ؛ لأنَّ الترمذيَّ قد روى هذا الحديثَ ، وقال فيه : وتلا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآيةَ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ الآيةَ ، بدَلَ : فَأَنْزَلَ اللهُ وظاهرُهُ : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - قرأ بعد ذِكْرِ هذا الحديث ما قد كان أُنْزِلَ منها ، على أَنَّ الآيةَ تضمَّنَتْ ما ذكره في حديثِهِ بِحُكْمِ عمومها ، وسيأتي الكلامُ على هذه الآية في تفسيرِ سُورَةِ الفرقان .
90 - [ 71 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو بْنِ الْعَاصِ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْه ، قَالُوا : يَا رسولَ الله ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟! قَالَ : نَعَمْ ، يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ . و ( قوله : إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ ) يعني : مِنْ أكبرِ الكبائر ؛ لأنَّ شتم المسلمِ الذي ليس بِأَبٍ كبيرةٌ ، فشتمُ الآباءِ أكبَرُ منه . و ( قوله : وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ ! ) استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ ؛ لوقوع ذلك مِنْ أحدٍ من الناس ، وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من المبالغة في بِرِّ الوالدين ، ومِن الملازمةِ لمكارمِ الأخلاق والآداب . و ( قوله : يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ) دليلٌ على أنَّ سبب الشيء قد ينزله الشرعُ منزلةَ الشيء في المَنْع ؛ فيكونُ حُجَّةً لمن منَعَ بيعَ العنبِ ممَّن يعصره خمرًا ، ويمنَعَ بيعَ ثيابِ الخز ممَّن يلبسها ، وهي لا تَحِلُّ له ، وهو أحدُ القولَيْن لنا . وفيه : حُجَّةٌ لمالكٍ على القولِ بِسَدِّ الذرائع ، وهو مِنْ نحو قوله تعالى : وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ والذريعةُ : هي الامتناعُ مما ليس ممنوعًا في نفسه ؛ مخافةَ الوقوعِ في محظورٍ ؛ على ما بيَّنَّاه في الأصول .
87- [ 69 ] وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ ( ثَلاَثًا ) الإِْشْرَاكُ بِاللهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، ( أو : قَوْلُ الزُّورِ ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَّكِئًا ، فَجَلَسَ ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ! . و ( قوله : وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ) عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ عصيانُهُمَا ، وقَطْعُ البِرِّ الواجبِ عنهما ، وأصلُ العَقِّ : الشقُّ والقطع ، ومنه قيل للذبيحة عن المولود : عَقِيقَةٌ ؛ لأنَّه يُشَقُّ حُلْقُومها ؛ قاله الهَرَوِيُّ وغيره . و شَهَادَةُ الزُّورِ الشهادةُ بالكذب والباطل ، وإنما كانتْ مِنْ أكبر الكبائر ؛ لأنها يتوصَّلُ بها إلى إتلاف النفوسِ والأموال ، وتحليلِ ما حرَّم الله ، وتحريمِ ما حَلل الله ، فلا شيءَ من الكبائر أعظَمُ ضررًا ، ولا أكثَرُ فسادًا منها بعد الشرك ، والله أعلم .
89 - [ 70 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ . و ( قوله : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ ) أي : المُهلِكات ، جمعُ مُوبِقَةٍ من أَوْبَقَ . وَوَابقَة : اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا : إذا هلَكَ ، والمَوْبِقُ : مَفْعِلٌ منه ، كالمَوْعِد : مَفْعِلٌ من الوعد ؛ ومنه قوله تعالى : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ، وفيه لغة ثانية : وَبِقَ ، بكسر الباء ، يَوْبَقُ بالفتح ، وَبَقًا ، وفيه لغة ثالثة : وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما ، وأوْبَقَهُ : أهلكه . وسمّيت هذه الكبائرَ مُوبِقَاتٍ ؛ لأنَّها تُهلِكُ فَاعِلَهَا في الدنيا بما يترتَّب عليها من العقوبات ، وفي الآخرة مِنَ العذاب . ولا شكَّ في أنَّ الكبائرَ أكثَرُ مِنْ هذه السبع ؛ بدليلِ الأحاديثِ المذكورة في هذا الباب وفي غيره ؛ ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر ، فقال : هي إلى السبعينَ أقرَبُ منها إلى السبع ، وفي رواية عنه : هي إلى سبعمائةٍ أقرَبُ منها إلى سبع . وعلى هذا : فاقتصارُهُ - عليه الصلاة والسلام - على هذه السبعِ في هذا الحديث يَحْتملُ : أن تكونَ لأنَّها هي التي أُعْلِمَ بها في ذلك الوقت بالوحي ، ثُمَّ بعد ذلك أُعْلِمَ بغيرها . ويَحْتملُ أن يكون ذلك ؛ لأنَّ تلك السبع هي التي دعت الحاجةُ إليها في ذلك الوقت ، أو التي سُئِلَ عنها في ذلك الوقت ؛ وكذلك القولُ في كُلِّ حديثٍ خَصَّ عددًا من الكبائر ، والله تعالى أعلم . وقد اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي ؟ وفي الفرق بينها وبين الصغائر ، فرُوِيَ عن ابن مسعود : أنَّ الكبائر : جميعُ ما نهى الله عنه من أوَّلِ سورةِ النساء إلى قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ . وعن الحسن : أنَّها كُلُّ ذنبٍ ختمه اللهُ بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذاب . وقيل : هي كلُّ ما أوعَدَ اللهُ عليه بنارٍ ، أو بِحَدٍّ في الدنيا . وروي عن ابن عباس : أنَّها كُلُّ ما نَهَى الله عنه . قال المؤلف - رحمه الله - : وما أظنُّه صحيحًا عنه ؛ لأنَّه مخالفٌ لما في كتابِ الله تعالى من التفرقةِ بين المنهيَّاتِ ، فإنَّه قد فرَّق بينها في قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وقوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ؛ فجعَلَ من المنهيَّات : كبائِرَ وصغائر ، وفرَّق بينهما في الحُكْمِ لمَاَّ جعَلَ تكفيرَ السيئاتِ في الآيةِ مشروطًا باجتنابِ الكبائر ، واستثنى اللَّمَمَ مِنَ الكبائرِ والفواحشِ ؛ فكيف يَخْفَى هذا الفَرْقُ على مثل ابن عباس وهو حَبْرُ القرآن ؟! فتلك الروايةُ عن ابن عباس ضعيفةٌ ، أو لا تصحُّ ، وكذلك أكثَرُ ما روي عنه ؛ فقد كذَبَ الناسُ عليه كثيرًا . قال المؤلف - رحمه الله - : والصحيحُ إنْ شاء الله تعالى : أنَّ كلَّ ذنب أطلَقَ الشرعُ عليه أنَّهُ كبيرٌ أو عظيمٌ ، أو أخبَرَ بشدَّةِ العقابِ عليه ، أو علَّق عليه حَدًّا ، أو شَدَّدَ النكيرَ عليه وغلَّظه ، وشَهِدَ بذلك كتابُ اللهِ أو سنةٌ أو إجماعٌ : فهو كبيرة . والنظَرُ في أعيانِ الذنوب نظَرٌ طويلٌ لا يليق بهذا الكتاب ، وسيأتي القولُ في السحر ، إن شاء الله تعالى . والزَّحْفُ : القتال ، وأصله : المشيء المتثاقل ؛ كالصَّبِيِّ يَزْحَفُ قبل أن يمشي ، والبعيرِ إذا أعيا ؛ فَجَرَّ فرَسَنَهُ ، وقد سُمِّيَ الجيشُ بالزَّحْف ؛ لأنَّه يُزْحَفُ فيه . والتَّوَلِّي عن القتال : إنما يكون كبيرةً إذا فَرَّ إلى غير فئة ، وإذا كان العدو ضِعْفَيِ المسلمين ؛ على ما يأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى . وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ : رَمْيُهُنَّ بالزنى ، والإحصانُ هنا : العِفَّةُ عن الفواحش ، وسيأتي ذكرُهُ ، والغَافِلاَتُ ، يعني : عمَّا رُمِينَ به مِنَ الفاحشة ، أي : هنَّ بريئات من ذلك ، لا خبَرَ عندهنَّ منه ، وسيأتي القولُ في الزنى .
( 60 ) باب ما خُصَّ به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من الشفاعة العامة لأهل المحشر 194 - [ 146 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهسَةً ، فَقَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذلكَ ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَما لا يَحْتَمِلُونَ ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : أَلا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ ؟ أَلا تَرَوْن مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : ائْتُوا آدَمَ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ! أَنْتَ أبو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ آدَمُ : إِنَّ رَبِّي - عَزَّ وَجَّلَّ - قَد غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ . فَيَأْتُونَ نُوحًا ، فَيَقُولُونَ : يَا نُوحُ ! أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنا ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ . وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أهل الأَرْضِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفْسِي . نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى . فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُونَ : يَا مُوسَى ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالاتِهِ وَبِكْلامِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ . أَلا تَرَى مَا إلى نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى إلى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ، نَفْسِي . نَفْسِي . اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى . فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ : يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهدِ ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليوم غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا ، نَفْسِي . نَفْسِي . اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي . اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم فَيَأْتُونِّي ، فَيَقُولُونَ : يَا مُحَمَّدُ ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ . اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي ، ثُمَّ يقَالُ : يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهِ ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ! أُمَّتِي . أُمَّتِي . فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ! أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ ، مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِ ، مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ بسائر الأَبْوَابِ . وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ! إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ . أو كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى . زَادَ فِي رِوَايَة - فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ : وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ : هَذَا رَبِّي وَقَوْله لآلِهَتِهِمْ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ . ( 60 ) ومن باب ما خصّ به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الشفاعة العامة ( قوله : فنهس منها نهسة ) النهس بالسين المهملة أخذ اللحم بمقدم الأسنان ، وقد يقال عليه أيضًا نهش بالمثلثة ، حكاه الجوهري ، وقيل : النهش بالأضراس ، قاله أبو العباس ، وقال غيره : هو نثر اللحم . و ( قوله : أنا سيّد الناس ) أي : المقدم عليهم . و السيّد هو الذي يسود قومه ؛ أي : يفوقهم بما جمع من الخصال الحميدة ، بحيث يلجأون إليه ويعوّلون عليه في مهماتهم ، قال الشاعر : فإن كنتَ سيِّدَنا سدتَنا وإن كنت للخال فاذهب فخِل وقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبيِّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون ، ويشهد له بذلك النبيُّون والمرسلون . وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء ، فكلّهم تبرّأ منها . ودلّ على غيره ، إلى أن بلغت محلّها ، واستقرَّت في نصابها . ومحبّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذراع ؛ لنضج لحمها وسُرعة استمرائها وزيادة لذتها ، ولبعدها عن موضع الأثفال . و الصعيد المستوي من الأرض . الثرى هو التراب . ثعلب : هو وجه الأرض . و ( قوله : فيسمعهم الداعي وينفُذهم البصر ) معناه : أنهم مجتمعون مهتمُّون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد ، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعوه ، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم . ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر ، كقوله تعالى : يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ . و ( قوله : خلقك الله بيده ) اعلم أنّ الله تعالى منزّه عن يد الجارحة كما قد قدمناه . واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك . واللائق هنا حمْلُها على القدرة ، وتكون فائدة الاختصاص لآدم : أنّه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قلبه فيها ، وذلك بخلاف غيره من ولده ، ويحتمل أن يكون شرّفه بالإضافة إليه ، كما قال : بَيْتِيَ . وقد قدّمنا أن التسليم في المشكلات أسلم . و ( قوله : ونفخ فيك من روحه ) الروح هنا هو المذكور في قوله : تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ و نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ وشرّفه بالإضافة كما قال : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وهو جبريل على قول أكثر المفسرين ؛ أي : كان كل واحد منهما من نفخة الملك ، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته ، ولا يلتفت إلى ما يقال غير هذا . وقد تقدم أنّ غضب الله عبارة عن انتقامه وحلول عذابه . والشفاعة أصلها : الضم والجمع ، ومنه ناقة شَفُوع ، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة ، وناقة شافع ، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها . و الشفع ضمُّ واحدٍ إلى واحدٍ . و الشفعة ضمُّ ملك الشريك إلى ملكك . فالشفاعة إذن ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال منفعةٍ إلى المشفوع له ، وسيأتي ذكر أقسامها . و الشكور الكثير الشكر ، وهو من أبنية المبالغة ، وأصل الشكر الظهور ، ومنه دابة شَكور ، إذا كانت يظهر عليها من السمن فوق ما تأكله من العلف ، وأشكر الضرع ، إذا ظهر امتلاؤه باللبن ، والسماء بالمطر ، فكأنّ الشاكر يظهر القيام بحق المنعم ، ولذلك قيل : الشكور هو : الذي ظهر منه الاعتراف بالنعمة ، والقيام بالخدمة ، وملازمة الحرمة . و ( قوله : كانت لي دعوة دعوت بها على قومي ) يريد قوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا وإبراهيم بالسريانية هو الأب الرحيم ، حكاه المفسرون . والخليل الصديق المخلص ، والخُلَّة بضم الخاء الصداقة والمودة ، ويقال فيها أيضًا . خلالة بالضم والفتح والكسر ، والخَلة بفتح الخاء . الفقر والحاجة ، والخِلة بكسرها واحدة خِلل السيوف وهي بطائن أغشيتها ، والخلل الفرجة بين الشيئين ، والجمع الخلال . واختُلِف في الخليل اسم إبراهيم - عليه السلام - من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ ؟ فقيل : إنّه مأخوذ من الخُلّة بمعنى الصداقة ، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى ، وأخلص فيها حتى آثر محبته على كل محبوباته ، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان ، وجسده للنيران . وقيل : من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة ، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه ولجأ إليه في فاقته ، حتى لم يلتفت إلى غيره ، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق : ألك حاجة ؟ فقال : أمّا إليك ، فلا . وقيل : من الْخَلَل بمعنى الفرجة بين الشيئين ، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته ، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك . وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء ، فقال : قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة : إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار ، والغنى عن الأغيار . و ( قوله : إنما كنت خليلاً من وراء وراء ) أي : إنما كنت خليلاً متأخرًا عن غيري ؛ إشارة إلى أن كمالَ الخلّة ، إنما تصح لمن يصحّ له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون ، وذلك لم يصح ولا يصح إلاَّ لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم وراءَ وراءَ صحيح الرواية فيه بالمد والفتح ، وكأنه مبني على الفتح ؛ لتضمنه الحرف ، كما قالت العرب : هو جاري بيتَ بيتَ ؛ أي : بيته إلى بيتي ، فكأنه قال في الحديث : من ورائي إلى ورائي . ونحوه : خمسة عشر ، وسائر الأعداد المركبة ، ومنه قولهم : هي همزة بين بين ، وأتيتك صباح مساء ، ويوم يوم ، وتركوا البلاد حيثَ بيث ، وحاث باث ؛ ونحو ذلك . وقد زعم بعض النحويين المتأخرين أن الصواب الضم فيهما ، واستدلّ على ذلك بما أنشده الجوهري في الصحاح : إذا أنا لم أُومن عليك ولم يكُن لِقاؤُكَ إلاَّ من وَراءُ وراءُ قلت : ولا شك أن السماع في هذا البيت بالضم فيهما ، ووجهه ما نبّه عليه الأخفش ؛ حيث قال : لقيته من وراء ، فترفعه على الغاية ، كقولك : من قبلُ ومن بعدُ ، فنبّه على أن : وراء الأولى ، إنما بنيت لقطعها عن الإضافة ، وأما الثانية : فيحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف من لدلالة الأولى عليها ، ويحتمل أن تكون الثانية تأكيدًا لفظيًّا للأولى . ويجوز أن تكون بدلاً منها ، أو عطف بيان عليها . كما قالوا : يا نصرُ نصرٌ على تكلف . وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي : مِن وراءَ ، مِن وراءَ بتكرار مِن وفتح الهمزتين . وكان رحمه الله تعالى قد اعتنى بهذا الكتاب غاية الاعتناء ، وقيده تقييدًا حسنًا . فلا يصح أن يقال : إن ذلك بناء على الوجه الأول ، لوجود من المضمنة في الوجه الأول ، وإنما محمله على أن وراء قطعت عن الإضافة ، ولم تقصد قصد مضاف بعينه ، فصارت كأنها اسم علم ، وهي مؤنثة ، فيجتمع فيها التعريف والتأنيث ، فيمتنع الصرف . وإنما قلنا : إن وراء مؤنثة ؛ لما قال الجوهري : إنها مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها : وُريِّئة . وعلى هذا : فهمزتها ليست للتأنيث ، ولأن همزة التأنيث لا تقع ثالثة . وقد وجدت في بعض المعلقات بخط معتبر . قال الفراء : تقول العرب : فلان يكلمني من وراءَ وراءَ ، بالنصب على الظرف ، ومن وراء وراء ، بجعل الأولى ظرفًا والثانية غاية . ومن وراء وراء بجعلهما غايتين . ومِن وراءِ وراء تضيف الأولى إلى الثانية وتمنع الثانية من الجر . ومن وراءِ وراءِ على البناء . وحكى ثعلب عن بعض الناس : أنهم قالوا : من وراء وراء بالتنوين فيهما . و ( قوله : وذكر كذباته ) قد فسّرها في الرواية الأخرى ، بما ليس كذبًا على التحقيق ، ونحن نذكرها ونبيّنها إن شاء الله تعالى . فمنها قوله في الكوكب : هَذَا رَبِّي ذكر المفسرون أنّ ذلك كان منه في حال الطفولية في أول حال استدلاله ، ثم إنه لَمّا تكامل نظره ؛ وتمّ على السداد وضح له الحق ، قال : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا . قال الشيخ - رحمه الله - : وهذا لا يليق بالأنبياء ؛ لأن الله تعالى خصهم بكمال العقل والمعرفة بالله عز وجل ، وسلامة الفطرة والحماية عن الجهل بالله تعالى والكفر من أول نشوئهم وإلى تناهي أمرهم ، إذ لم يُسمع عن واحد منهم أنه اعتقد مع الله إلَهًا آخر ، ولا اعتقد محالاً على الله تعالى ، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أممهم الذين أرسلوا إليهم ، لا قبل النبوة ولا بعدها . ولو كان شيء من ذلك لقَرَّعهم بذلك أممهم لَمَّا دعوهم إلى التوحيد ، ولاحتجوا عليهم بذلك ، ولم ينقل شيء من ذلك . وأما بعد إرسالهم فكل ذلك محال عليهم عقلاً على ما نبينه . وقيل : إنه - عليه الصلاة والسلام - قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ لهم ، والإنكار عليهم ، وحذفت همزة الاستفهام اتساعًا ، كما قالت العرب : لعمرك ما أدري وإني لحاسب بسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمانِ وقال آخر : رفوني وقالوا : يا خويلد لم ترع فقلت : وأنكرت الوجوه هُم هُم أي : أهم أهم . وقيل : إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه ؛ تنبيهًا على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية . ومنها قوله لآلهتهم : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا إنما قاله ممهدًا للاستدلال على أنها ليست آلهة ، وقطعا لقومه في قولهم : إنها تضرُّ وتنفع . وهذا الاستدلال والذي قبله يتحرّر من الشرط المتصل ، ولذلك أردف على قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ، قوله : فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ، وعند ذلك قالوا : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ فقَالَ لهم : أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية ، فحقت كلمته وظهرت حجته . ومنها قوله : إِنِّي سَقِيمٌ هذا تعريض ، وحقيقته أنه سيسقم ، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير ، ويحتمل أن يريد به أنه سقيم الحجة على الخروج معكم ؛ إذ كان لا يصح على جواز ذلك حجة . ومنها ما جاء في حديث إبراهيم أنّه قال قوله لزوجه سارة حين دخل أرض الجبار فسئل عنها فقال : إنها أختي . وصدق ، فإنها أخته في الإسلام ، وكذلك جاء عنه منصوصًا أنّه قال : إنما أنتِ أختي في الإسلام . وعلى الجملة فأوجه هذه الأمور واضحة وصدقها معلوم على الأوجه المذكورة ، فليس في شيء منها ما يقتضي عتابًا ولا عقابًا ، لكن هول المقام وشدة الأمر حمله على ذلك الخوف منها ، وأيضًا فلنتبيّن درجة من يقول : نفسي نفسي من درجة من يقول : أمتي أمتي . و موسى سمي بذلك ؛ لأنه وجد بين موشِى بالعبرية ؛ أي : الماء والشجر فعرب ، والجمع موسَون في الرفع ، وبالياء في النصب والجر عند البصريين ، وعند الكوفيين موسُون بضم السين وموسِين بكسرها . و ( قوله : وفضلك الله برسالاته وبكلامه ) هذه إشارة إلى قوله تعالى : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ولا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف ، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحّت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك ؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترِك ، كما قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ واستيفاء الكلام على هذه المسألة سؤالاً وجوابًا في كتب الكلام . و ( قوله : وكلَّمتَ الناسَ في المهد ) أي : صغيرًا في الحال الذي تمهد له فيها موضعه ليضجع عليه لصغره . و ( قوله : وكلمة منه ) قال ابن عباس : سماه كلمة ؛ لأنه كان بكلّمة كن من غير أن يتقلب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره . وألقاها إلى مريم أي : أبلغها إليها . وقد تقدم الكلام في وصفه - عليه السلام - بأنه روح الله . و ( قوله : غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافا كثيرا . والذي ينبغي أن يقال : إنّ الأنبياء معصومون مما يناقض مدلولَ المعجزة عقلاً ، كالكفر بالله تعالى ، والكذب عليه ، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه ، ومعصومون من الكبائر وعن الصغائر التي تزْري بفاعلها ، وتحطّ منزلته وتسقط مروءته إجماعًا عند القاضي أبي بكر ، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة . وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم . واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم ، فمِن قائل : بالوقوع ، ومِن قائل بمنع ذلك . والقول الوسط في ذلك : أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها ، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا وتابوا . وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها ، وإن قبل ذلك آحادها . لكن الذي ينبغي أن يقال : إنّ الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر ولا مما يُزري بمناصبهم على ما تقدم ، ولا كثر منهم وقوع ذلك ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم ، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم ، وإنما عُددت عليهم وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وإلى علو أقدارهم ؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يُثاب عليه السائس . ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم ، فلم يُخِلّ ذلك بمناصبهم ، ولا قدح ذلك في رتبتهم ، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ، ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين - والكلام على هذه المسألة تفصيلا يستدعي تطويلا ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية . و ( قوله : فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا ) قد زاد عليه في حديث أنس : فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد ، ثم أخِرّ ساجدًا . وبمجموع الحديثين يكمل المعنى ، ويعلم مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لآداب الحضرة العليّة . ثم اعلم أن هذا الانطلاق من النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو إلى جنة الفردوس التي هي أعلى الجنة ، وفوقها عرش الرحمن كما جاء في الصحيح ؛ بناء على أن لا محل هناك إلا الجنة والنار ، وعلى أنّ العرش محيط بأعلى الجنة ، والله تعالى أعلم . ولا شكّ في أن دخول الجنة هو المحلّ الكريم ، لا بد فيه من استئذان الخزنة ، وعن هذا عبّر بقوله - عليه الصلاة والسلام - : فأستأذن على ربي ، ولا يُفهم من هذا ما جرت به عاداتنا في أن المستأذَن عليه قد احتجب بداره وأحاطت به جهاته ، فإذا استؤذن عليه فأذِن ، دخل المستأذن معه فيما أحاط به ؛ إذ كل ذلك على الله محال ، فإنه منزّه عن الجسمية ولوازمها على ما تقدم . والعرش في أصل اللغة الرفع ، ومنه قوله : مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ؛ أي : مرفوعات القضبان ، قاله ابن عباس ، أو مرفوعات الحيطان على قول غيره ، ومنه سمي السرير وسقف البيت عرشًا ، ويقال : لما يُستظَلُّ به عرْش وعريش ، وإضافته إلى الله تعالى على جهة الملك أو التشريف ، لا لأنّ الله استقرّ عليه أو استظلّ به كما قد توهمه بعض الجُهّال في الاستقرار ، وذلك على الله محال ؛ إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها . تنبيه : في حديث أبي هريرة : إن المحامد كانت بعد السجود ، وفي حديث أنس قبل السجود في حالة القيام ، وذلك يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كله في قيامه وسجوده إلى أن أسعف في طلبته . و ( قوله : فأقول يا ربِّ أمتي أمتي ، فيقال : يا محمدُ ، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه ) هذا يدل على أنه شفع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقفِ ، فإنه لما أُمِر بإدخال من لا حساب عليه من أمته ، فقد شُرِع في حساب من عليه حِساب من أمته وغيرهم ، ولذلك قال في الرواية الأخرى : فيؤذن له وتُرسَل الأمانة والرحم ، فيقومان جنبتي الصراط . هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد عن أنس ، فإنه ذكر فيه عقيب استشفاعه لأهل الموقف أنه أجيب بشفاعته لأمته ، وليست الشفاعة العامة التي طلب منه أهل الموقف . وكأن هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة فذُكِرت شفاعته لأمته ؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طلبت من أنس أن يحدّث بها في ذلك الوقت ، وهي التي أنكرها أهل البدع ، والله أعلم . قال القاضي عياض : شفاعات سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة أربعٌ : الأولى : شفاعته العامة لأهل الموقف ؛ ليعجِّل حسابهم ويُراحوا من هول موقفهم ، وهي الخاصة به - صلى الله عليه وسلم الثانية : في إدخال قوم الجنة دون حساب . الثالثة : في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم ، فيخرجون من النار ويدخلون الجنة بشفاعته ، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعةُ الخوارج والمعتزلة ، فمنعتها على أصولهم الفاسدة ، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح العقليَّين ، وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم أنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة . ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة علم على الضرورة صحة ذلك وفساد قول من خالف في ذلك . الرابعة : في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها . و ( قوله : أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه ) يعني به - والله أعلم - : السبعين ألفًا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون . ومن الباب الأيمن هو الذي عن يمين القاصد إلى الجنة بعد جواز الصراط - والله أعلم - وكأنه أفضل الأبواب . و ( قوله : هم شركاء الناس بسائر الأبواب ) يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حساب عليهم ، وهو الظاهر ويكون معناه أنهم لا يلجؤون إلى الدخول من الباب الأيمن ، بل من أي باب شاؤوا ، كما جاء في حديث أبي بكر ، حيث قال : فهل على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - : لا ، وأرجو أن تكون منهم . وكما قال - عليه الصلاة والسلام - فيمن أسبغ الوضوء وهلّل بعده : أدخله الله من أي أبواب الجنّة الثمانية شاء . ويحتمل أن يعود على الأمة ، وفيه بعد . و المصْرَعان ما بين عضادتي البابين ، والباب : المغلقُ . و ( قوله : لكما بين مكة وهجر ، أو كما بين مكة وبصرى ) يحتمل أن يكون شكًّا من بعض الرواة ، ويحتمل أن يكون تنويعًا ، كأنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إذا رأى ما بينهما ، قدره راءٍ بكذا ، وقدّره آخر بكذا ، ويصح أن يقال : سلك بها مسلك التخيير ، فكأنه قال : قدِّروها إن شئتم بكذا ، وإن شئتم بكذا ، وإن شئتم بكذا .
195- [ 147] وَفِي أُخْرى : فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ . إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ . وَفِيْها : فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا . فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ . وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ ، فَتقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَالَ : قُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ ؟ قَالَ : أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ ، وَشَدِّ الرِّجَالِ . تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ : رَبِّ ! سَلِّمْ سَلِّمْ . حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا . قَالَ : وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ ، مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ . فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْردسٌ فِي النَّارِ . وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ ! إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعينَ خَرِيفًا . ورُويَ أيْضًا عَنْ حُذْيفَة . و ( قوله : تجري بهم أعمالهم ) يعني : أن سرعة مرّهم على الصراط بقدر أعمالهم ، ألا تراه كيف قال : حتى تعْجِز أعمال العباد ، و شدّ الرجال جريهم الشديد ، جمع رجل . وعند ابن ماهان الرحال بالحاء المهملة ، وكأنه سُميت الراحلة بالرحْل ثم جمع ، يريد : كجري الرواحل ، وفيه بعد . و الزحْف مشي الضعيف ، يقال : زحف الصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي ، وزحف البعيرُ إذا أَعْيَا فَجَرَّ فِرْسِنَه . و الكلاليب جمع كَلُّوب على فَعُّول ، نحو سَفُّود ، وهي التي سمّاها فيما تقدم خطاطيف و مكردس بمعنى : مكدوس ، يقال : كرْدس الرجل خَيْلَهُ إذا جمعها كراديس ؛ أي : قطعًا كبارًا . ويحتمل أن يكون معناه المكسور فقار الظهر . ويحتمل أن يكون من الكردسة ، وهو الوثاق ، يقال : كُرْدِسَ الرجلُ ، جُمعت يداه ورجلاه ، حكاه الجوهري . و ( قوله : لسبْعين خريفًا ) تفسيره في الحديث الآخر ؛ إذ قال : إن الصخرة العظيمة لتلقى في شفير جهنّم ، فتهوي فيها سبعين عامًا . و الخريف أحد فصول السنة ، وهو الذي تخترف فيه الثمار ، والعرب تذكره كما تذكر المساناة والمشاهرة ، يقال : عاملته مُخَارَفَةً ؛ أي : إلى الخريف . والأجود رفع لسبعون على الخبر ، وبعضهم يرويه : لسبعين يتأوّل فيه الظرف ، وفيه بعد .
( 59 ) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة 180 - [ 143 ] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ، فِي جَنَّةِ عَدْنٍ . ( 59 ) ومن باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة ( قوله : ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكِبرياء على وجهه ) الرداء هُنا : استعارة كَنى بها عن كبريائه وعظمته ، كما قال في الحديث الآخر : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة ، وإنّما هي توسُّعات ، ووجه المناسبة أنّ الرداء والإزار لَمّا كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما غيره ، عبّر عن عظمة الله وكبريائه بهما ؛ لأنّهما ممّا لا يجوز مشاركة الله فيهما . ألا ترى آخرَ الحديث : فمن نازَعَني واحدًا منهما قَصَمتُه ثمّ قذفتُه في النار . ومعنى حديث أبي موسى أنّ مقتضى جَبَرُوت الله تعالى وكبريائه وعزّته واستغنائه ألا يراه أحدٌ ولا يعبأ بأحد ولا يلتفت إليه ، لكن لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم ، وعوده عليهم ، يقتضي أن يمنّ عليهم بأن يُريهم وجهه ؛ إبلاغًا في الإنعام وإكمالاً للامتنان ، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم ، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم . ووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدّس ، أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة ؟ في ذلك ، لأئمتنا قولان ، وكذلك القول في اليد والعين والجنب المضافة إلى الله تعالى . و ( قوله : في جنة عدن ) متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم ، فكأنه قال : كائنين في جنة عدن ، ولا يكون من الله تعالى ؛ لاستحالة المكان والزمان عليه .
182 - [ 145] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ : يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رؤية الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ؟ قَالُوا : لا ، يَا رسولَ الله ! قَالَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ؛ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ - تبارك وتعالى - فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَيَتَّبِعُونَهُ ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهرَيْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللهُمَّ ! سَلِّمْ ، سَلِّمْ . وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رسولَ الله ! قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلا اللهُ ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أهل النَّارِ ، أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ ، مِمَّنْ يَقُولُ : لا إِلهَ إِلا اللهُ ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ ؛ تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ . فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وقَدِ امْتَحَشُوا ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ ، وهو آخِرُ أهل الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا ، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا ، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ؟ فَيَقُولُ : لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ الله ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ! مَا أَغْدَرَكَ ! فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! يَدْعُو اللهَ تعالى حَتَّى يَقُولَ لَهُ : فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ؟ فَيَقُولُ : لا وَعِزَّتِكَ ! فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ الله مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَلا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ! مَا أَغْدَرَكَ ! فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ ، فَلا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ مِنْهُ ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ ، قَالَ لَهُ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ : تَمَنَّه ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى ، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ ، قَالَ اللهُ : ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا ، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أبو هُرَيْرَةَ : إنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ : ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ، قَالَ أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : مَا حَفِظْتُ إِلا قَوْلَهُ : ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَوْلَهُ : ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ . قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهل الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ . و ( قوله : هل تضارّون ) يُروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وبتخفيفها ، وضم التاء والتشديد أكثر ، وكلها له معنى صحيح ، ووجه الأكثر أنه مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله . أصله تضاررون ، أسكنت الراء الأولى وأدغِمتْ في الثانية . وأصل ماضيه ضورر ، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل بمعنى : تُضارِرون ، بكسر الراء ، إلاّ أنّها سكنت الراء وأدغمت . وكلّه من الضرّ المشدّد . وأمّا التخفيف ، فهو من ضاره ، يضيره ، ويضوره ضيرًا مخفّفةً ، فإذا بُني لما لم يُسمَّ فاعله ، قلت فيه : يُضَار مخفَّفة ، وأمّا رواية فتح التاء ، فهي مبنيّة للفاعل بمعنى تتضارون ، وحُذِفت إحدى التاءين ؛ استثقالا لاجتماعهما ، ومعنى هذا اللفظ : أن أهل الجنة إذا امتنّ الله عليهم برؤيته سبحانه تجلّى لهم ظاهرًا ، بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله ، كما يفعل عند رؤية الأهلّة ، بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه . وقد حُكي : ضاررته مضارة ؛ إذا خالفته ، وقد رُوي : تضامّون بالميم . والقول فيه روايةً ومعنًى كالقول في تضارون ، غير أن تضامّون بالتشديد من المضامّة ، وهي الازدحام ؛ أي : لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلّة . وأما بالتخفيف ، فمن الضيم ، وهو الذل ؛ أي : لا يذلّ بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة . و ( قوله : فإنكم ترونه كذلك ) هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي ، لا المرئي . ومعناه : أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة ولا مزاحمة ، كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عِيانًا ، وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم ، فقالوا : إن معنى رؤيته تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورة . وهذا خطأ لفظًا ومعنى . وأما اللفظ : فهو أنّ الرؤية بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين ، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر ، وهي قد تعدّت هنا إلى مفعول واحد ، فهي للإبصار ، ولا يصحّ أن يقال : إن الرؤية بمعنى المعرفة ؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى عرفت ، لكن بمعنى علمت أو أبصرت ، واستعملت علمت بمعنى عرفت ، لا رأيت بمعنى عرفت . وأما المعنى ، فمن وجهين : أحدهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - شبّه رؤية الله تعالى بالشمس ، وذلك التشبيه لا يصح إلا بالمعاينة . وثانيهما : أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة ، فترتفع خُصوصية المؤمنين بالكرامة وبلذة النظر ، وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة . و الطواغيت جمع طاغوت ، وهو الكاهن والشيطان وكل رأسٍ في الضلال ، والمراد به في الحديث الأصنام . ويكون واحدًا ، كقوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وقد يكون جمعًا ، كقوله تعالى : أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ . وطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت ، فهو مقلوب ؛ لأنه من طغى ، ولاهوت غير مقلوب ؛ لأنه من لاهٍ ، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت ، قاله في الصحاح . و ( قوله : وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، ظنّ المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم كما نفعهم في الدنيا ، جهلا منهم بأن الله تعالى عالم بهم ، ومطلع على ضمائرهم . وهذا كما قد أقسمت طائفة من المشركين أنهم ما كانوا مشركين ، توهمًا منهم أنّ ذلك يُنجيهم . ويحتمل أن يكون حشرهم مع المسلمين لِما كانوا يُظهرونه من الإسلام ، فحفظ عليهم ذلك ، حتّى يميِّز الله الخبيث من الطيّب . ويحتمل أنّه لمّا قيل : تتّبعَ كلُّ أمّةٍ ما كانت تعبدُ ، فاتّبع الناس معبوداتِهم ، ولم يكونوا عبدوا شيئًا ، فبقوا هنالك حتّى مُيِّزوا ممّن كان يعبد الله . و ( قوله : فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون ) هذا المقام مقام هائل يمتحن الله تعالى فيه عبادَه ؛ ليُميِّز المُحِقّ من المُبطِل ، وذلك أنّه لمّا بقي المنافقون والمُراءون متلبّسين بالمؤمنين والمخلصين ، زاعمين أنّهم منهم ، وأنّهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا اللهَ مثل معرفتهم ، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع : أنا ربُّكم ، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك ، والتعوُّذ منه ؛ لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله تعالى ، وأنّه منزَّه عن صفات هذه الصورة ؛ إذ سماتها سمات المُحدَثات ، ولذلك قال في حديث أبي سعيد : فيقولون نعوذ بالله منك ، لا نشرك بالله شيئًا مرّتين أو ثلاثًا ، حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب . وهذا البعض الذي همّ بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين ، ولعلّ هذه الطائفة هي التي اعتقدت الحق ، وجزمت عليه من غير بصيرة ، ولذلك كان اعتقادهم قابلاً للانقلاب . ثم يقال بعد هذا للمؤمنين : هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساقٍ ؛ أي : يوضح الحقّ ويتجلّى لهم الأمر ، فيرونه حقيقة معاينة . وكشف الساقِ : مَثَلٌ تستعمله العرب في الأمر إذا حقّ ووضح واستقر ، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها ، إذا زالت مخارقها وحقّت حقائقها ، وقال : وكنتُ إذا جاري دَعا لِمَضُوفةٍ أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئزَري وعند هذا يسجد الجميع ، فمن كان مخلصًا في الدنيا ، صحّ له سجوده على تمامه وكماله ، ومن كان منافقًا أو مرائيًا ، عاد ظهره طبقةً واحدةً ، كلما رام السجود ، خرّ على قفاه . وعند هذا الامتحان يقع امتياز المحقّ من المبطل ، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة . والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء ، ويكون معنى الكلام : إن الله تعالى يجيئهم بصورة ، كما قيل في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ أي : بظلل . ويكون معنى الإتيان هنا : يحضر لهم تلك الصورة . وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلّى لهم الحقّ ، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ، ولا يشبهه بشبهها شيء من المصوّرات . وهذا الوصف هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا ، وهو المعبّر عنه بـ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، ولذلك قالوا : إذا جاء ربّنا عرفناه . وفي حديث آخر يقال : وكيف تعرفونه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له ولا نظير . ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة ، فمن المتداول أن يقال : صورة هذا الأمر كذا ؛ أي : صفته . والإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى ثانيًا هو عبارة عن تجليه لهم ، فكأنه كان بعيدًا فقرُبَ ، أو غائبًا فحضر . وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب ، فإنهم يسمّون الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو قاربه ، أو كان منه بسبب . و ( قوله في حديث أبي سعيد : ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة ) يعني : أن المؤمنين إذا رفعوا رؤوسهم ، رأوا الحقّ مرة ثانية ؛ إذ كانوا قد رأوه حالة قولهم : أنت ربنا ، قبل السجود . والتحوّل المنسوب إلى الله تعالى هنا عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوّذ منها ، وعن إظهاره تعالى وجوده المقدّس للمؤمنين ، فيكون قوله : وقد تحوّل حالاً متقدمة قبل سجودهم ، بمعنى : وقد كان تحوّل ؛ أي : حوّل تلك الصورة وأزالها ، وتجلّى هو بنفسه ، فيكون المراد بهذا الكلام . أن الحقّ سبحانه لمّا تجلّى لعباده المؤمنين أوّل مرة رأوه فيها لم يزل كذلك ، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم ، ثم لَمّا فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرة ثانية . و ( قوله في حديث أبي هريرة الأول : فيتبعونه ) أي : يتبعون أمره ، كما يقال : اتبعت فلانًا على رأيه ، واتبعت أمره ؛ أي : انْقَدْتُ إليه وامْتَثَلْتُه ، فيكون من باب الاستعارة . ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف ؛ أي : يتبعون ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة ، فكأنهم يتقدّمون بين أيديهم دلالة وخدمة وتأنيسًا ، والله تعالى أعلم . تنبيه : اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات هذه الأحاديث ، فمِن مبعدٍ ومن محوّم ، وما ذكرناه أحسنها وأقربها لمنهاج كلام العرب ، ولأنْ يكون هو المراد . ومع ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد . والتحقيق أن يقال : الله ورسوله أعلم . والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم ، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها ؛ لما يعارضها من ظواهر أخر ، كما قرره أئمتنا في كتبهم ، ولما دلّ العقل الصريح عليه ، وقد أشرنا إلى نبذٍ من ذلك . و ( قوله : ثم يضرب الصراط بين ظهري جهنم ) الصراط في اللغة : هو الطريق ، وفيه لغات : الصاد والسين والزاي ، وهو هنا : الطريق من أرض المحشر إلى الجنة ، وهو منصوب على متن جهنم أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف ، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر . و جهنّم اسم من أسماء النار التي يُعذَّب بها في الآخرة . قال الجوهري : هو ملحقٌ بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه ، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث ، وهو فارسي معرَّب . وركية جِهِنَّامٌ ؛ أي : بعيدة القعر . و ( قوله : فأكون أنا وأمتي أوّل من يُجيز ) بضمّ أوّله رباعيًا من أجاز أي : يمضي عليه ويقطعه ، يقال : أجزت الوادي وجُزْتُه لغتان فصيحتان . وحُكي عن الأصمعي أنه قال : أجزته قطعته ، وجُزته مشيت فيه . ويحتمل أن يقال : إن الهمزة في أجاز هنا للتعدية من قولهم : أجيزي صوفة ؛ أي : أجزنا ، وذلك أن صوفة كان رجلاً معظمًا في قريش يُقتدى به في مناسك الحج ، فلا يجوز أحدٌ في شيء من مواقفه حتى يجوز ، فكان الناس يستعجلونه فيقولون : أجِزْ صوفةُ ؛ أي : ابتدِئ بالجواز حتّى نجوز بعدك ، فكان يمنعهم بوقوفه ويجيزهم بجوازه ، ثمّ بقي ذلك في ولده فقيل للقبيلة : أجيزي صوفة . فكذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمّته على الصراط ، فلا يجوز أحد حتّى يجوز هو وأمّته ، فكأنّه يجيز الناسَ . و دعوى الرسل دعاؤها ، جاء بالمصدر مؤنّثًا . و ( قوله : يومئذٍ ) إشارة إلى حين الجواز على الصراط ، وإلا ففي وقت آخر تجادل كلّ نفس عن نفسها . و السَّعْدان نبت كثير الشوك ، شوكه كالخطاطيف والمحاجن . و ( قوله : لا يعلم ما قدر عظمها إلاّ الله ) قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء على أن تكون ما استفهامًا خبرًا مقدَّمًا ، و قدر مبتدأ ، أو بنصبها على أن تكون ما زائدة ، و قدر مفعول يعلم . و ( قوله : فمنهم الموبق بعمله ) بالباء بواحدة من أسفل كذا للعذري ، ومعناه : الْمُهلَك بعمله السيئ ، وللطبري : الموثق بعمله بالثاء المثلثة من الوثاق ، وللسمرقندي : المؤمن بقي بعمله وكلها صحيح ، والأول أوضحها . وروى العذري وغيره : ومنهم المخردل مكان المجازى ، ومعناه الذي تقطع الكلاليب لحمه ، يقال : خردلت اللحم خراديل ؛ أي : قطعته قطعًا ، وهو بالدال المهملة . وحكى يعقوب أنه يقال بالذال المعجمة ، وهو أيضًا بالخاء بواحدة من فوق ، وقد قاله بعضهم بالجيم . والجردلة : الإشراف على الهلاك والسقوط فيه . و ( قوله : حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد ) أي : تمم عليهم حسابهم وكمّله وفصل بينهم ، لا أن الله يشغله شأن عن شأن ، يعني : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، وشفع كل من له شفاعة . ألا ترى قوله : وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار . واقتصاره على لا إله إلا الله ، ولم يذكر معها الشهادة بالرسالة ؛ إما لأنهما لما تلازمتا في النطق ، اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى ، وإما لأنه لَمّا كانت الرسل كثيرين ، ويجب على كل أحد أن يعرف برسالة رسوله ، كان ذكر جميعهم يستدعي تطويلاً ، فسكت عن ذكرهم ؛ علمًا بهم واختصارًا لذكرهم ، والله أعلم . و ( قوله : قد امتَحَشوا ) صوابه بفتح التاء والحاء ، ومعناه : احترقوا ، يقال : امتحش الخبز ؛ أي : احترق ، ويقال : محشتْه النارُ وأمحشتْه ، والمعروف : أمحشه . قال صاحب العين : وقد رواه بعضهم : امتُحِشوا مبنيًا لما لم يسم فاعله ؛ أي : أُحرِقوا ، والصواب الأول . و الحُمم الفحم ، واحده حممة . و الحِبة - بكسر الحاء - : نور العشب ، و الحَبة بفتحها : من الحنطة وغيرها مما يزرع . و ماء الحياة هو الذي من يشربه أو يطهر به لم يمت أبدًا . و حميل السيل ما يحمله من طين وغثاء ، فإذا اتفق أن يكون فيه حبة ، فإنها تنبت في يوم وليلة ، وهي أسرع نابتة نباتا ، فشبّه - عليه الصلاة والسلام - سُرعة نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبة ، وهذا معنى ما قاله الإمام أبو عبد الله . وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوع آخر دلّ عليه ما في حديث أبي سعيد ، حيث قال : ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر ، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض ، وهو تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسن . وما يكون منهم إلى جهة النار ، يتأخر ذلك النصوع عنه ، فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحُسْن والنور ونضارة النعمة عليهم . ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن ما يباشر الماء ، تشتدّ سرعةُ نصوعه ، وأنّ ما فوق ذلك يتأخر عنه البياض ، لكنه يسري إليه سريعًا ، والله أعلم . و ( قوله : ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ثانيًا ) يعني : يكمل خروجَ الموحدين من النار . و ( قوله : قَشَبني ريحها ) أي : غيّر جلدي وصورتي وسوّدني وأحرقني ، قاله الحربي . وقال الخطابي : قشبه الدخانُ ، إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكَظمه . وقال الجوهري : قشبني يقشبني ؛ أي : أذابني ، كأنه قال : سمّني ريحه . قال : والقشيب السمُّ ، والجمع أقشاب عن أبي عمرو . و ذكاء النار شدة حرِّها بفتح الذال مقصور ، وهو المشهور . وقد حكى أبو حنيفة اللغوي فيه المد ، وخطأه علي بن حمزة ، وقد روي هنا بالوجهين مقصورًا و ممدودا . و ( قوله : انفهقت له الجنة ) أي : اتسعت وانفتحت ، والمتفيْهِق : المتوسع في كلامه المتكلِّف فيه . و ( قوله : فيرى ما فيها من الخير كذا مشهور الرواية فيه ، وقد روي الحَبر بالحاء المهملة مفتوحة والباء بواحدة ، وهي إفراط التنعم ، ومنه : فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ؛ أي : يُنعمون ويسرّون . والحِبر بكسر الحاء الذي يكتب به والعالم والجمال ، ومنه : ذهب حِبْره وسِبره ؛ أي : جماله وبهاؤه . ويقال في العالم بفتح الحاء . و قوله : فلا يزال يدعو الله حتى يضحكَ الله منه ، فإذا ضحك الله منه قال له : ادخل الجنة ، الضحك من خواص البشر ، وهو تغيُّرٌ أوْجَبَه سرورُ القلب بحصول كمال لم يكن حاصلاً قبل ، فتثور من القلب حرارةٌ ينبسط لها الوجهُ ، ويضيق عنها الفمُ ، فينفتح ، وهو التبسّم ، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه . وذلك كله على الله تعالى محال ، لكن لما كان دلالة عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا ، عُبّر عن سببه به ، وقد قالوا : تضحك الأرض من بكاء السماء ؛ أي : يظهر خيرها . وفي بعض الحديث : فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك يعني : السحاب ، ومنه قولهم : ضحك المشيب برأسه فبكى وقال : في طعنة تضحك عن نجيع فالضحك في هذه المواضع بمعنى الظهور ، فيكون معناه في هذا الحديث : أن الله تعالى رضي عن هذا العبد ، وأظهر عليه رحمتَه وفضلَه ونعمته ، ولهذا حمله قوم هنا على أنّه تجلّى لهذا العبد وظهر له . و ( قوله في الحديث الآخر : أتسخر مني ؟ ) وفي رواية : أتستهزئ مني ؟ ، قد أكثر الناس في تأويله ، ومن أشبه ما قيل فيه : إن هذا الرجل استخفّه الفرح وأدهشه ، فقال ذلك غير ضابط لما يقول ، كما جاء في الحديث الآخر في الذي وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخطأ من شدّة الفرح . وقيل : إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة أنّه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين ، فكأنه قال : أتجازيني على ما كان مني ؟ وهذا كما قال تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، و سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ؛ أي : يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات . و ( قوله في حديث ابن مسعود : فيقول الله : يا ابن آدم ما يصريني منك ؟ ) قال الحربي : إنّما هو : يصريك منّي ، قال : يقال : صريتُ الشيء ، إذا قطعتُه . الجوهريّ : صرى الله عنه شره : رفعه ، وصريته : منعته ، وصر قوله صريا : قطعه .
181 - [ 144 ] وَعَنْ صُهَيْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِذَا دَخَلَ أهلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، قَالَ : يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا ؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ : فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ . وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ . و ( قول من يسأله الله من أهل الجنة بقوله : هل تريدون شيئًا أزيدكم ؟ ألم تبيضَّ وجوهُنا وتدخلْنا الجنّة وتنجِنا من النار ؟ ) لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبة والشوق ، وإنما يليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء ، فلما حصل على الأمن من المخوف والظفر بالمرجو الذي كان تَشَوُّقه إليه ، قنِع به ، ولها عن غيره . وأما من مات محبًّا لله مشتاقًا لرؤيته ، فلا يكون همّه ، إلا طلب النظر لوجهه الكريم لا غير . ويدلّ على صحة ما قلته أن المرء يحشر على ما يموت عليه كما علم من الشريعة ، بل أقول : إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا ينبّه بالسؤال ، بل يعطيه أمنيته ذو الفضل والإفضال ، ومذهب أهل السنة بأجمعهم : أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم ، كما نطق بذلك الكتاب ، وأجمع عليه سلف الأمة ، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة منهم المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة ؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقلية ، كاشتراط البنية المخصوصة والمقابلة ، واتصال الأشعة ، وزوال الموانع من القرب المفرط والبعد المفرط والحجب الحائلة في خبط لهم وتحكم . وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلاً سوى وجود المرئيّ ، وأنّ الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي ، فيرى المرئي لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعا تبدلها ، والله أعلم ، وتفصيل ذلك وتحقيقه في علم الكلام .
179 - [ 142 ] وَعَنْ أَبِي مُوسَى ؛ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةٍ : النَّارُ ، لَو كَشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ . و ( قوله : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ) النوم عليه محال ؛ لأن النوم موت ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن نوم أهل الجنة ، فقال : النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها ، وأيضًا فإن النوم راحة من تعب التصرف ، وذلك من تعب الأجسام . و ( قوله : يخفض القسط ويرفعه ) قال ابن قتيبة : القِسط : الميزان ، وسمي بذلك ؛ لأن القسط هو العدل ، وذلك إنما يحصل ويُعرف بالميزان في حقوقنا ، وأراد به هاهنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه ، وأرزاقهم الواصلة إليهم ، كما قال الله تعالى : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . و القسطاس - بضم القاف وكسرها - : هو أقوام الموازين ، وقيل : أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كل مخلوق ، يخفضه فيقتره ، ويرفعه فيوسّعه . وقيل : إن القسط هو العدل نفسُهُ ، ويراد به الشرائع والأحكام ، كما قال الله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ؛ أي : النصفة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فتارة يرفعه بمعنى : يعليه ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به ، وتارة يخفضه بمعنى أنّه يذهبه ويخفيه بدروس الشرائع ، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها . ويحتمل أن يكون رفعها : قبضها ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في الأمانة : إنها ترفع من القلوب ، وكما قال : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون منه الصلاة ، بل كما قال : عليكم بالعلم قبل أن يرفع ، وخفضها إيجادها في الأرض ووضعها ، والله أعلم . و ( قوله : يرفع إليه عمل النهار قبل الليل ) يعني أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم ، فترفعه في آخره لقرب الليل ، وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار ، ولذلك جاء في الرواية الأخرى : يرفع إليه عمل الليل بالنهار وعمل النهار بالليل ، فجعل الباء مكان قبل . وهذا الحديث كقوله : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار . والهاء في إليه عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف ، والمراد به المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد ، ولعلّه سدرة المنتهى كما تقدم في حديث الإسراء . وهذا كما تقول : رفع المال إلى الملك ؛ أي إلى خزائنه . وعلى هذا يحمل قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ . و ( قوله : تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) أي : مقاماتهم في حضرته ، وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل ؛ لئلا يتخيل الجاهل أنه مختصّ بجهة فوق فيلزمه التجسيم ، ويكفيك مما يدل على نفي الجهة في حقه تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وما في معناه . و ( قوله : حجابه النور أو النار ) الحجاب : هو المانع والساتر ، ومنه سمي المانع من الأمير حاجبًا ، وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملكٍ واختراع ، أو إضافة تشريف ، والمحجوب به العباد . وهو النور الذي بهر بصر النبي - صلى الله عليه وسلم حيث قال : نورٌ أَنَّى أراه ، وهو المعني بقوله في سدرة المنتهى : فغشيها ألوان لا أدري ما هي . وأما البارئ تعالى ، فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب ؛ إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا ، فيحتاج إلى مُقدّر ومخصّص ، ويلزم منه حدوثه . وفي التحقيق أن الحجاب في حقوقنا الموانع التي تقوم بنا عند وجود هذه الحوائل ؛ كالجسم الكثيف والشديد النور . و ( قوله : لو كشفها ) الضمير عائد على النار أو الأنوار ، و الحجاب ؛ بمعنى : الحجب ، والسبحات جمع سُبحة ، وأصلها جمال الوجه وبهاؤه ، ثم يُعبّر عنها عن العظمة والجلال ، وفي العين والصِحاح : سبُحات وجه ربّنا جلاله . والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال ، وهو الذي عاد عليه ضمير وجهه ، وكذلك ضمير خلقه . ومعنى الكلام : أن الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ، ولهلكوا من عند آخرهم ، كما قال الله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا . ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها ، فإذا أنشأهم الله للبقاء وقوّاهم ، حملوا ذلك . وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا ، لا سيما من قال : إن الهاء في وجهه تعود على المخلوق ، فإنه يحيل مساق الكلام ويُخلّ بالمعنى . والأشبه ما ذكرناه ، أو التوقف كما قال السلف : اقرؤوها كما جاءت ) ، يعنون المشكلات ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
178 - [ 141 ] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ قَالَ : سَأَلْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : رَأَيْتُ نُورًا . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : نور أَنَّى أراه ) هكذا رويناه وقيدناه برفع نور وتنوينه ، وفتح أَنَّى التي بمعنى كيف الاستفهامية ، ورواية من زعم أنه رواه : نورٌ إني ليست بصحيحة النقل ولا موافقة للعقل ، ولعلها تصحيف . وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى ، حيث قال : رأيت نورًا ، ورفع نور على فعل مضمر تقديره : غلبني نورٌ ، أو حجبني نورٌ . و أَنَّى أراه استفهام على جهة الاستبعاد ؛ لغلبة النور على بصره كما هي عادة الأنوار الساطعة كنور الشمس ، فإنه يُعشي البصر ، ويحيره إذا حدّق نحوه ، ولا يعارض هذا : رأيتُ نورًا ، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه ، ثم غلب عليه بعد ، فضعُف عنه بصره . ولا يصح أن يُعتقد أن الله نور كما اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسّمة ممن قال : هو نور لا كالأنوار ؛ لأن النور لون قائم بالهواء ، وذلك على الله تعالى محال عقلاً ونقلا . فأما العقل فلو كان عرضًا أو جسمًا ، لجاز عليه ما يجوز عليهما ، ويلزم تغيّره وحدثُه . وأما النقل فقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولو كان جسمًا أو عرضًا لكان كل شيء منهما مماثلاً له . وقول هذا القائل : جسم لا كالأجسام ، أو نور لا كالأنوار متناقض ، فإن قوله : جسم أو نور ، حاكم عليه بحقيقة ذلك ، و قوله : لا كالأجسام يعني لما أثبته من الجسمية والنورية ، وذلك متناقض ، فإن أراد أنه يساوي الأجسام من حيث الجسمية ومفارق لها من حيث وصفٌ آخر ينفرد به ، لزمت تلك المحالات من حيث الجسمية ، ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص ؛ إذ الأعمّ من الأوصاف تلزمه أحكام من حيث هو لا تلزم الأخصّ كالحيوانية والنطقية ، وتتميم هذا في علم الكلام .
( 58 ) باب هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه ؟ 177- [ 138 ] عَنْ مَسْرُوقٍ ؛ قَالَ : كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَائِشَةَ! ثَلاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ . قُلْتُ : مَا هُنَّ ؟ قَالَتْ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ . قَالَ : وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ! أَنْظِرِينِي وَلا تَعْجَلِيني . أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إِنَّمَا هو جِبْرِيلُ ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ . فَقَالَتْ : أولَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . أولَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا إلى قَولِهِ : عَلِيٌّ حَكِيمٌ ؟ قَالَتْ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ ، وَاللهُ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ . قَالَتْ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ . وَاللهُ يَقُولُ : قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ ، قالت : وَلَو كَانَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ . 173 - [ 139 ] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ؛ فِي تَفْسير : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى : أنَّهُ جِبْرِيلُ . ( 58 ) ومن باب هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربّه ؟ ( قول عائشة للذي سألها عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربّه : لقد قفّ شعري لِما قلت ) أي : قام من الفزع . قال أبو زيد : قفّ الرجل من البرد قفّةً ، والقفوف . القشعريرة . قال الخليل بن أحمد : القفقفة . الرعدة . قال ابن الأعرابي : تقول العرب عند إنكار الشيء . قفّ شعري واقشعرّ جلدي واشمأزّت نفسي . واختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى ، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة ، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة ، ثم هل رأى نبينا - صلى الله عليه وسلم - ربّه أم لا ؟ اختلف في ذلك السلف والخلف ، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف ، وهو المشهور عن ابن مسعود ، وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين . وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه وأنه رأى ربّه بعينيه ، وإليه ذهب ابن عبّاس ، وقال : اختُصّ موسى بالكلام وإبراهيم بالخلّة ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بالرؤية . وأبو ذرّ وكعب والحسن وأحمد بن حنبل . وحُكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر ، ومثل ذلك حُكي عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه . وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف ، وقالوا : ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا ، ولكنه جائز عقلاً ، وهذا هو الصحيح ؛ إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلّت عليها الأدلة العقلية والنقلية ، فأما العقلية ، فتعرف في علم الكلام . وأما النقلية فمنها سؤال موسى رؤية ربه ، ووجه التمسّك بذلك علم موسى بجواز ذلك ، ولو علم استحالة ذلك ، لما سأله ، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك ؛ إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة ، وانتهائه إلى أن يصطفيه الله على الناس ، وأن يُسمعه كلامه بلا واسطة ، جاهلاً بما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ويجوز ، ومجوز هذا كافر . ومنها قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة ، وإذا جاز أن يروه فيها ، جاز أن يروه في الدنيا ؛ لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية . ومنها : ما تواترت جملته في صحيح الأحاديث من أخباره - صلى الله عليه وسلم - لوقوع ذلك ؛ كرامةً للمؤمنين في الدار الآخرة ، فهذه الأدلة تدلّ على جواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة والدنيا . ثم هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء أو لم تقع ؟ ليس في ذلك دليل قاطع ، وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسّك بظواهر متعارضة معرضة للتأويل ، والمسألة ليست من باب العمليات ، فيكتفى فيها بالظنون ، وإنما هي من باب المعتقدات ، ولا مدخل للظنون فيها ؛ إذ الظنّ من باب الشك ؛ لأن حقيقته تغليب أحد الْمُجَوَّزَيْن ، وذلك يناقض العلم والاعتقاد . واختلفوا أيضا هل كلّم محمد - صلى الله عليه وسلم - ربّه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا ؟ فذهب ابن مسعود وابن عبّاس وجعفر بن محمد وأبو الحسن الأشعري في طائفة من المتكلمين إلى أنه كلّم الله بغير واسطة ، وذهبت جماعة إلى نفي ذلك . والكلام على هذه المسألة كالكلام على مسألة الرؤية سواء . و ( قول عائشة : فقد أعظم الفِرية على الله تعالى ) الفرية هي الافتراء ، وهو اختلاق الكذب وما يقبُح التحدّث به . و ( قوله تعالى : بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) الأفق : الجانبُ والناحية ، وجمعه آفاقٌ ، ويقال : أفق بضم الفاء وسكونها . والمبين : البيّن الواضح . والضمير في وَلَقَدْ رَآهُ عائد إلى رسولٍ ، وهو جبريل . وكذلك في قوله : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى وقد روت ذلك عائشة مرفوعًا مفسّرا على ما يأتي ، فلا يلتفت إلى ما يقال في الآية غير هذا . وأما استدلال عائشة بقوله تعالى : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ففيه بُعْد ؛ إذ قد يقال بموجبه ، إذ يفرق بين الإدراك والإبصار ، فيكون معنى لا تدركه لا تحيط به ، مع أنها تبْصره ، قاله سعيد بن المسيب . وقد بقيَ الإدراك مع وجود الرؤية في قول الله تعالى : فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا ؛ أي : لا يدركونكم . وأيضًا فإن الإبصار عموم وهو قابل للتخصيص ، فيخصص بالكافرين ، كما قال تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ويُكْرَّم المؤمنون أو من شاء الله منهم بالرؤية ، كما قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وبالجملة فالآية ليست نصا ولا من الظواهر الجلية ، فلا حجة فيها . و اللطيف الكثير اللطف ، وهو في حق الله تعالى رفقُه بعباده وإيصاله لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون ، كما قال : إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ وأصله من اللطف في العمل وهو الرفق فيه ، وضده العنف ، والاسم منه اللطَف بتحريك الطاء ، يقال : جاءتنا لطَفَةٌ من فلان ؛ أي : هدية . و الخبير العليم بخبرة الأمور ؛ أي : ببواطنها وما يختبر منها ، يقال : صدَّق الْخَبر الخُبر بضم الخاء ، ومنه قول أبي الدرداء . وجدت الناس اخْبرُ تَقْلِه . وأما استدلالها بقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا فلا حجة فيه على نفي الرؤية ؛ إذ يقال بموجبها ، فإن مقتضاها نفي كلامِ الله على غير هذه الأحوال الثلاثة ، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - مشافهةً على ضعفٍ في ذلك لا يخفى على متأمّل ، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدا رأى ربه وكلّمه دون واسطة ، فقال : هي ثلاثة أقسام . من وراء حجاب ، كتكليم موسى ، وبإرسال الملائكة ، كحال جميع الأنبياء . ولم يبق من تقسيم المكالمة إلا كونها مع المشاهدة ، وهذا أيضا فيه نظر . و ( قوله تعالى : فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ؛ أي : بأمره ، كما قال : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ وفي يوحي ضمير يعود على الرسول ، وفي يَشَاءُ ضمير يعود على الله تعالى ، ومعناه . فيُلقي الرسول إلى الموحَى إليه ما يشاؤه الله تعالى . و العَلِيّ ذو العلو ، وهو الرفعة المعنويَّة في حقّه تعالى لا المكانيّة . والحكيم المُحكِم الأمور ، أو الكثير الحكمة . ومعنى مساق الآية . أنّه تعالى مُنزَّه عن أن يتَنزل كلامَهُ أسماعُ كلّ السامعين ، بل يُحكِمُ الله كيفية إيصاله إلى النبيّين والمرسلين . وقولها : ولو كان محمّد كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، قد اجترأ بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية ونسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يليق به ويستحيل عليه ؛ إذ قد عصمه الله منه ، ونزّهه عن مثله ، فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هَوِيَ زينب امرأة زيد ، وربما أطلق بعض الْمُجّان لفظ عشق . ثم جاء زيد يريد تطليقها ، فقال له : أمسك عليك زوجك واتَّقِ الله ، وهو مع ذلك يحبُّ أن يطلقها ليتزوجها . وهذا القول إنما يصدر عن جاهل بعصمته - عليه الصلاة والسلام - عن مثل هذا ، أو مستخفّ بحرمته . والذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين أن ذلك القول الشنيع ليس بصحيح ، ولا يليق بذوي المروءات ، فأحرى بخير البريات ، وأن تلك الآية إنما تفسيرها ما حكي عن علي بن حسين : أن الله تعالى أعلم نبيه بكونها زوجةً له ، فلما شكاها زيدٌ له وأراد أن يطلقها ، قال له : أمسك عليك زوجَك واتَّقِ الله ، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به مما هو مبديه بطلاق زيدٍ لها وتزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها . ونحوه عن الزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري وغيرهم . والذي خشيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو إرجاف المنافقين ، وأنه نَهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه ، ومساق الآية يدل على صحة هذا الوجه بقوله تعالى : مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ولو كان ما ذكر أولئك ، لكان فيه أعظم الحرج ولقوله : لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وبالله التوفيق .
176 - [ 140 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى قَالَ : رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ . و ( قول ابن عباس : أنه - عليه الصلاة والسلام - رآه بفؤاده مرتين ) الفؤاد : القلب . ولا يريد بالرؤية هنا : العلم ، فإنه - عليه الصلاة والسلام - كان عالِمًا بالله على الدوام ، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي - صلى الله عليه وسلم - في القلب . وهذا على ما يقوله أئمتنا : إن الرؤية لا يُشترط لها محل مخصوص عقلا ، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان ، وإنما العادة جارية بخلقها في العين . وقول ابن عباس هذا خلاف ما حكيناه عنه من أنه رآه بعينه . ولا يبعد الجمع بينهما في مذهبه ، فيقول : إنه رآه بقلبه وعينه . فأما اسم الله تعالى : النور ، فمعناه أنه هادٍ من ظلمات الجهالات ، كما أن النور المحسوس هادٍ في محسوس الظلمات . وقيل : معناه أنه منوّر السماوات والأرض وخالق الأنوار فيهما .
167- [ 135] وَعَنْ جَابِرٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ . فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنوءَةَ ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ . 168 - [ 136 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا ، فَكُرِبْتُ كَرْبة مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ . قَالَ : فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ . وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي ، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي ، أَقْرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي ، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ ، قَالَ قَائِلٌ : يَا مُحَمَّدُ ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ : فَالْتَفَتُّ إِلَيه ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ . و أزد شنوءة حي من اليمن ، شُبّه بهم موسى في كيفية خِلْقتهم ، وسموا شنوءة ؛ لِشنوءتهم ، وهي تباعدهم من الأنجاس ، يقال : رجل فيه شنوءة ؛ أي : تقزز في المباعدة عن الأقذار ، حكاه الجوهري . وقال القتبي : سُموا بذلك ؛ لأنهم تشانؤوا ؛ أي : تباغضوا . تنبيه : إن تنزلنا على أن رؤيته - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء حقيقة في اليقظة فصلاته وصلاتهم وطوافهم بالبيت كذلك ، فلا يستبعد من حيث إنهم قد ماتوا ، أو من حيث إن ما بعد الموت ليس بمحل تكليف ؛ لأنا نجيب عن الأول بأنهم أحياء كالشهداء ، بل هم أولى . وعن الثاني : أنهم يُحبب إليهم ذلك ويلهمونه ، فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم ، لا بما يلزمون كما يحمده ويسبّحه أهل الجنة ، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس .
( 57 ) باب رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء ، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال 166 - [ 134 ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ : سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ ، فَقَالَ : أَيُّ وَادٍ هَذَا ؟ فَقَالُوا : وَادِي الأَزْرَقِ ، فقالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى - فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعَرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ - وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي . قَالَ : ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ ، فَقَالَ : أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ ؟ قَالُوا : هَرْشَى أو لِفْتٌ ، فَقَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا . ( 57 ) ومن باب رؤيته - عليه الصلاة والسلام - للأنبياء ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : كأنّي أنظرُ إلى موسى ؛ يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره ، وحقيقته ليلة الإسراء ، وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي ، ويحتمل أن يكون ذلك كله مناما . ورؤيا الأنبياء وحيٌ ، وهو نص حديث ابن عمر . و الجؤار رفع الصوت ، وهو مهموز ، ومنه قوله تعالى : فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ . و هَرْشِى بفتح الهاء وسكون الراء . جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة . و لَفْت روي عن أبي بحرٍ أنه قاله بفتح اللام وسكون الفاء ، وقاله ابن سراج بكسر اللام وسكون الفاء . وأنشد بعضهم : مررت بلفتٍ والثريا كأنها قلائد درٍ حلّ عنها نظامها بالكسر . وقاله القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء ، و الخلبة وهو بضم الخاء : الليف ، وفيها لغتان : ضم اللام ، وسكونها . و الضَّرْب من الرجال الذي له جسْم بين جسمين ، ليس بالضخم ولا الضئيل . قال طرفة : أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه
169 - [ 137] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَيْنَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ - الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ ، رَجِلُ الشَّعْرِ ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعْدًا قَطَطًا ، أَعْوَرَ العَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ . والمسيح ابن مريم لا خلاف أنه بفتح الميم ، وكسر السين مخففة . وأما المسيح الدجّال ، فتقييده عند أكثر العلماء مثل الأول ، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر : بكسر الميم وتشديد السين ، وقاله كذلك غير واحد . وبعضهم يقوله كذلك بالخاء المنقوطة ، وبعضهم يقول : مَسيحٌ بفتح الميم وبالحاء والتخفيف . واختُلِف في المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ ؟ فقيل : لأنه مسح الأرض ؛ أي : ذهب فيها ، فلم يسكن بكن . وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة . وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين . وقيل : لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ . وقيل : لأن الجمال مسحه ؛ أي : أصابه وظهر عليه . وقال ابن الأعرابي : المسيح : الصدّيق ، وبه سُمي عيسى ، وقيل : هو اسم سمّاه الله تعالى به ؛ أي : أنه غير مشتق . وأما الدجّال ، فسمّي مسيحًا ؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى ، وقيل : لأنه مسح الأرض ؛ أي : قطعها بالذهاب . ومن قاله بالخاء فمن المسخ . و ( قوله : بين ظهراني الناس ) أي : في الناس ومعهم ، يقال : ظهراني بنون وبغير نون ، وظهور ، كلها بمعنى واحد . و ( قوله في هذا الحديث : أعور العين اليُمنى ) هذا هو الصحيح والمشهور ، وقد وقع في رواية : اليسرى ، وكأنه وهمٌ ، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة من أن العوراء هي الصحيحة ؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها ، وليس بشيء ، بل العوراء التي أصابها العور ؛ أي : العيب . و ( قوله : طافية ) بغير همز ، وعليه أكثر الروايات ، وهكذا قال الأخفش ، ومعناه أنها ممتلئة قد طفتْ وبرزتْ ، وقد روي بالهمز ؛ أي : قد ذهب ضوؤها وتقبّضت ، ويؤيد هذه الرواية قوله في أخرى : أنه ممسوح العين ، وأنها ليست جحرا ولا ناتئة وأنها مطموسة ، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وزال ماؤها ، وبهذا فسره عيسى بن دينار . وقوله في وصف عيسى : آدم من الأدمة ، وهو لون فوق السُّمرة ودون السحمة بالسين المهملة ، وكأن الأدمة يسير سوادٍ يضرب إلى الحمرة ، وهو غالب ألوان العرب . ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى : إنه أحمر مكان آدم وعلى هذا يجتمع ما في الروايتين . وقد روى البخاري من رواية أبي هريرة في صفة عيسى : أنه أحمر ، كأنما خرج من ديماس ، وقد أنكر ابن عمر هذا وحلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقله . و اللمة بكسر اللام : الشعر الواصل إلى المنكب ، كأنه ألمّ به ؛ أي : نزل . و الْجُمة : الشعر الواصل إلى شحمة الأذن ، وهو أيضا الوفرة . و الرَّجِلُ : فوق السبط ودون الجعد ، وهو الذي فيه يسير تكسُّر . و الجعد الكثير التكسر والتقبّض . و القطط - بفتح الطاء وكسرها - : هو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا إذا جبذ ، كشعور غالب السودان ، وهو من وصف الدجّال . و ( قوله : يقطر رأسه ماءً ) يعني : أنه قريب عهد بغسل ، وكأنه اغتسل للطواف . وفي الرواية الأخرى : ينطف ، ومعناه . يقطر . وفي رواية : قد رجّلها أي : مشّطها ، وشعر مرجّل ؛ أي : ممشوط مسرّح . والشعر الرَّجِل منه .
93 - [ 73 ] وَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ قَالَ : مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ . و ( قوله : ما المُوجِبَتَانِ ؟ ) سؤالُ مَنْ سمعهما ولم يدر ما هما ، فأجابَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّهما : الإيمانُ ، والشِّرْك ، وسُمِّيَا بذلك ؛ لأنَّ الله تعالى أوجَبَ عليهما ما ذكره مِنَ الخلودِ في الجنة أو في النار . و ( قوله : مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا ، دَخَلَ الجَنَّةَ ) أي : من مات لا يتخذْ معه شريكًا في الإلهية ، ولا في الخَلْقِ ، ولا في العبادة . ومن المعلومِ مِنَ الشَّرْعِ المجمَعِ عليه مِنْ أهل السنَّة : أنَّ مَنْ مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة ، وإنْ جرَتْ عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنَة ، وأنَّ مَنْ مات على الشرك لا يدخُلُ الجَنَّة ، ولا يناله من الله تعالى رَحْمَة ، ويخلُدُ في النارِ أبدَ الآبادْ ، مِنْ غيرِ انقطاعِ عذابٍ ولا تصرمِ آباد ، وهذا معلومٌ ضروريٌّ من الدِّينْ ، مجمَعٌ عليه من المسلمينْ . وأما قولُ ابن مسعود المذكورُ في أصلِ كتاب مسلم ، وهو قوله : قُلْتُ أَنَا : وَمَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ ، فيعني بذلك : أنه لم يسمعْ هذا اللفظَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نصًّا ، وإنما استنبطَهُ استنباطًا من الشريعة ؛ فإمَّا مِنْ دليلِ خطابِ قولِهِ - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ، أو مِنْ ضرورةِ انحصار الجزاءِ في الجنة والنار ، أو مِنْ غير ذلك . وعلى الجملة فهذا الذي لم يسمعه ابنُ مسعودٍ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هو حقٌّ في نفسه ، وقد رواه جابرٌ في هذا الحديث من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك اكتفينا به في المختصَرِ عن نقل ابن مسعود .
( 30 ) بَابٌ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ 91 - [ 72 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم قَالَ : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ، فقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؟ قَالَ : إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ؛ الْكِبْرُ : بَطَرُ الْحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ . وَفِي رِوَايَةٍ : لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ من خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ . ( 30 ) وَمِنْ بَابٍ : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ الكِبْرُ والكِبْرِيَاء في اللغة : هو العظمة ، يقال فيه : كَبُرَ الشيءُ ، بضمِّ الباء ، أي : عَظُمَ ، فهو كبيرٌ وكُبَار ، فإذا أفرَطَ قيل : كُبَّار ، بالتشديد ؛ وعلى هذا فيكونُ الكِبْرُ والعظمةُ اسمَيْن لمسمًّى واحد . وقد جاء في الحديث ما يُشْعِر بالفرق بينهما ؛ وذلك أنَّ الله تعالى قال : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، والْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا ، قَصَمْتُهُ ؛ فقد فرَّق بينهما بأنْ عبَّر عن أحدهما بالإزار ، وعن الآخر بالرداء ، وهما مختلفان ، ويَدُلُّ أيضًا على ذلك قوله : فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا ؛ إذ لو كانا واحدًا ، لقال : فمَنْ نازعنيه . فالصحيحُ إِذَنِ الفرقُ ، ووجهُهُ : أنَّ جهة الكِبْرِيَاءَ : يستدعي متكبَّرًا عليه ؛ ولذلك لمَّا فسَّر الكِبْرَ ، قال : الْكِبْرُ : بَطَرُ الحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ ، وهو احتقارُهُمْ ، فذكَرَ المتكبَّرَ عليه ، وهو الحقُّ أو الخَلْقُ ، والعَظَمَةُ : لا تقتضي ذلك . فالمتكبِّرُ يلاَحِظ ترفعَ نفسِهِ على غيره بسببِ مزيَّةِ كمالها فيما يراه ، والمعظِّمُ يلاَحِظ كمالَ نفسه مِنْ غير ترفعٍ لها على غيره ، وهذا التعظيمُ هو المعبَّرُ عنه بالعُجْبِ في حقِّنا إذا انْضَاف إليه نِسْيانُ مِنَّةِ الله تعالى علينا فيما خصَّنا به مِنْ ذلك الكمال . وإذا تقرَّر هذا : فالكِبْرِيَاءُ والعَظَمَةُ مِنْ أوصافِ كمالِ الله تعالى واجبان له ؛ إذْ ليست أوصافُ كمالِ الله وجلالُهُ مُستفادةً مِنْ غيره ، بل هي واجبة الوجود لذواتها ، بحيثُ لا يجوزُ عليها العدَمُ ولا النقص ، ولا يجوزُ عليه تعالى نقيضُ شيءٍ من ذلك ، فكمالُهُ وجلالُهُ حقيقةٌ له ؛ بخلاف كمالنا ، فإنَّه مستفادٌ مِنَ الله تعالى ، ويجوزُ عليه العدَمُ وطروءُ النقيضِ والنقصِ . وإذا كان هذا ، فالتكبُّرُ والتعاظُمُ خُرْقٌ مِنَّا ، ومستحيلٌ في حقِّنا ؛ ولذلك حرَّمهما الشرع ، وجعلهما من الكبائر ؛ لأنَّ مَنْ لاحظَ كمالَ نفسه ناسيًا مِنَّةَ الله تعالى فيما خصَّه به ، كان جاهلاً بنفسه وبربِّه ، مغترًّا بما لا أصلَ له ، وهي صفةُ إبليسَ الحاملةُ له على قوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وصفةُ فرعونَ الحاملةُ له على قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ولا أقبَحَ ممَّا صارا إليه ؛ فلا جَرَمَ كان فرعونُ وإبليسُ أَشَدَّ أهلِ النار عذابًا ؛ نعوذ بالله من الكِبْرِ والكفر . وأمَّا مَنْ لاحظ مِنْ نفسه كمالاً ، وكان ذاكرًا فيه مِنَّةَ الله تعالى عليه به ، وأنَّ ذلك مِن تفضُّله تعالى ولطفه ، فليس مِنَ الكِبْرِ المذمومِ في شيء ، ولا مِنَ التعاظُمِ المذموم ، بل هو اعترافٌ بالنعمة ، وشُكْرٌ على المِنَّة . والتحقيقُ في هذا : أنَّ الخَلْقَ كلَّهم قوالبُ وأشباح ، تجري عليهم أحكامُ القُدْرة ؛ فمَنْ خصَّه الله تعالى بكمالٍ ، فذلك الكمالُ يرجعُ للمكمِّلِ الجاعل ، لا للقالَبِ القابل . ومع ذلك : فقد كمَّل الله الكمالَ بالجزاءِ والثناءِ عليه ؛ كما قد نقَصَ النقصَ بالذمِّ والعقوبةِ عليه ، فهو المُعْطِي والمُثْنِي ، والمُبْلِي والمعافي ؛ كيف لا وقد قال العليُّ الأعلى : أَنَا اللهُ خَالِقُ الخَيْرِ وَالشَّرِّ ؛ فَطُوبَى لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وَقَدَرْتُهُ عَلَيْهِ ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وَقَدَرْتُهُ عَلَيْهِ ؛ فلا حِيلَةَ تعمل مع قهر ؛ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . ولمَّا تقرَّر أنَّ الكِبْرَ يستدعي متكبَّرًا عليه ، فالمتكبَّرُ عليه إنْ كان هو اللهَ تعالى ، أو رُسُولَهُ ، أو الحَقَّ الذي جاءتْ به رسلُهُ ؛ فذلك الكِبْرُ كُفْر . وإن كان غَيْرَ ذلك ؛ فذلك الكِبْرُ معصيةٌ وكبيرة ، يُخَافُ على المتلبِّس بها المُصِرِّ عليها أنْ تُفْضِيَ به إلى الكُفْر ، فلا يدخُلُ الجنَّة أبدًا . فإن سَلِمَ مِنْ ذلك ، ونفَذَ عليه الوعيد ، عوقبَ بالإذلالِ والصَّغَارْ ، أو بما شاء اللهُ مِنْ عذابِ النارْ ، حتَّى لا يبقى في قلبه مِنْ ذلك الكِبْرِ مثقالُ ذَرَّة ، وخَلُصَ من خَبَثِ كِبْره حتى يصيرَ كالذَّرَّة ؛ فحينئذ يتداركُهُ الله برحمتِه ، ويخلِّصُهُ بإيمانِهِ وبركتِه . وقد نصَّ على هذا المعنى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المحبوسين على الصِّرَاط لما قال : حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا ، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ) : الجمالُ لغةً : هو الحُسْنُ ؛ يقال : جَمُلَ الرجلُ يَجْمُلُ بالضمِّ ، جَمَالاً ؛ فهو جميلٌ ، والمرأةُ جميلة ، ويقال : جَمْلاَءُ عن الكِسائيِّ . وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الجميل مِنْ أسماء الله تعالى ، وقال بذلك جماعةٌ من أهل العلم ، إلاَّ أنَّهم اختلفوا في معناه : فقيل : معناه معنى الجليل ؛ قاله القشيريُّ . وقيل : معناه ذو النُّورِ والبهجة ، أي : مالكُهُمَا ؛ قاله الخَطَّابيّ . وقيل : جميلُ الأفعالِ بكُمْ والنظرِ إليكم ؛ فهو يُحِبُّ التجمُّلَ منكم في قلَّةِ إظهارِ الحاجة إلى غيره ؛ قاله الصَّيْرَفيُّ . وقال : الجميلُ : المنزَّهُ عن النقائص ، الموصوفُ بصفاتِ الكمال ، الآمِرُ بالتجمُّلِ له بنظافةِ الثياب والأبدان ، والنزاهةِ عن الرذائلِ والطغيان ، وسيأتي القولُ في أسماء الله تعالى . وبَطَرُ الحقِّ : إبطالُهُ ؛ من قول العرب : ذهَبَ دمُهُ بِطْرًا وبُطرًا ؛ أي : باطلاً . وقال الأصمعيُّ : البَطَرُ : الحَيْرة ، أي : يتحيَّرُ عند الحقِّ ؛ فلا يراه حَقًّا . وغَمْطُ النَّاسِ : احتقارُهُمْ واستصغارهم ؛ لما يرى مِنْ رِفْعته عليهم ، وهو بالغين المعجمة والطاء المهملة . ويُرْوَى : غَمْص بالصاد المهملة في كتاب الترمذي ، ومعناهما واحد ؛ يقال : غَمَطَ الناسَ وغَمَصَهُمْ : إذا احتقرهم . والمِثْقَالُ : مِفعالٌ من الثِّقَلِ ، ومِثقالُ الشيء : وزنه ، يقال : هذا على مِثْقَالِ هذا ، أي : على وزنه . والمرادُ بالإيمان في هذا الحديث : التصديقُ القلبيُّ المذكورُ في حديث جبريل ، ويُستفادُ منه : أنَّ التصديق القلبيَّ على مراتب ، ويزيدُ وينقصُ ؛ على ما يأتي في حديث الشفاعة ، إن شاء الله تعالى . وهذه النارُ المذكورةُ هنا : هي النارُ المُعَدَّةُ للكفَّارِ التي لا يُخْرَجُ منها مَنْ دخلها ؛ لأنَّه قد جاء في أحاديثِ الشفاعةِ المذكورةِ بعد هذا أنَّ خَلْقًا كثيرًا ممَّن في قلبه ذَرَّاتٌ كثيرةٌ من الإيمانِ يدخلون النار ، ثُمَّ يُخْرَجون منها بالشفاعة أو بالقَبْضة ؛ على ما يأتي ، ووجهُ التلفيق : أنَّ النارَ دَرَكَاتٌ ؛ كما قال الله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وأهلُهَا في العذاب على مراتبَ ودَرَكاتٍ ؛ كما قال الله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ، وأنَّ نارَ مَنْ يعذَّبُ من الموحِّدين أخفُّها عذابًا ، وأقرَبُهَا خروجًا ؛ فمَنْ أُدْخِلَ النارَ من الموحِّدين ، لم يُدْخَلْ نار الكفَّار ، بل نارًا أخرى يموتون فيها ، ثُمَّ يُخْرَجون منها ؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الآتية بعد هذا ، إن شاء الله تعالى .
162 - [ 131 / م ] وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ ، وَهِيَ خَمْسُونَ ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ . وَفِيهِ : ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ . و ( قوله : مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) دليل على استقرار هذا العدد ، فلا يُزاد فيه ولا ينقص منه ، وهو ردّ على أبي حنيفة في حكمه بوجوب صلاة سادسة وهي الوِتر ، سيّما وقد جُعِلت هذه الخمس بمنزلة الخمسين ، فلو استقرّت في علم الله ستًّا ، لبُدِئ فرضها ستّين ، ثمّ نقص على ستٍّ ؛ إذ كلّ صلاة بعشر . و ( قوله : ثمّ أُدْخِلْتُ الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ) قال ابن الأعرابيّ : الجَنْبَذَةُ : القبّة ، وجمعها جَنَابِذ . وقال ثابت عن يعقوب : هو ما ارتفع من البناء . ووقع في كتاب البخاريّ في كتاب الصلاة حبائل اللؤلؤ ، وهو تصحيف ، والصحيح الأوّل على ما قاله جماعة من العلماء . وفي حديث أنس ما يقتضي أنّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها ؛ لقوله : ثمّ ذهب بي إلى السدرة بعد أن استفتح السماء السابعة ، ففتح له فدخل ، وفي حديث عبد الله أنّها في السماء السادسة . وهذا تعارض لا شكّ فيه ، وما في حديث أنس أصحّ ، وهو قول الأكثر ، والذي يقتضيه وصفُها بأنّها التي ينتهي إليها علمُ كلّ مَلَكٍ مقرَّب وكلّ نبيّ مرسل على ما قاله كعب ، وقال : وما خلفها غيبٌ لا يعلمه إلاّ الله ، وكذلك قال الخليل بن أحمد . وقيل : إليها تنتهي أرواح الشهداء . وقال ابن عبّاس : هي عن يمين العرش ، وأيضًا فإنّ حديث أنس مرفوع وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله ، والمُسنَدُ المرفوعُ أولى .
163 - [ 132 ] وَمِنْ حَديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَبَّةَ الأَنْصَارِيِّ ؛ قَالا : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ . و ( قوله : حتّى ظهرْتُ لمُستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام ) ظهرْتُ : علوتُ ، والمستوَى : موضعٌ مشرفٌ يُستوَى عليه ، وقد يكون المستوى يراد به هنا حيث يظهر عدلُ الله وحُكمه لعباده هناك ، والسواء والاستواء العدل . وصريف الأقلام : تصويتها فيما يُكتب بها فيه ، ومن ذلك صريف الفحل بأنيابه ، وهو صوت حَكِّ بعضها ببعض ، وهذا المكتوب فيه هو اللوح المحفوظ ، والله أعلم . ولعلّ الأقلام المصوِّتة هنا هي المعبَّر عنها بالقلم المُقسَم به في قوله تعالى : ن وَالْقَلَمِ ويكون القلم هنا للجنس . وكيفية الأقلام واللوح لا يعلمها إلاّ الله تعالى أو من أعلمه بذلك . وأمّا تخصيص موسى بأمره للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمراجعة الله تعالى في الحطّ من الصلوات ، فلعلّه إنّما كان لأنّ أمّة موسى كانت قد كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكَلَّف غيرها من الأمم ، فثقُلَتْ عليهم ، فخاف موسى - عليه السلام - على أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك . وعلى هذا يدلّ قوله : فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك ، والله أعلم . وقيل : لأنّ موسى كان في السماء السابعة ، فكان أوّل من لقي من الأنبياء ، وليس بصحيح ، فإنّ هذا الحديث نصّ في أنّ موسى - عليه السلام - كان في السادسة وإبراهيم في السابعة ، فكان يكون إبراهيم أولى بذلك . والأشبه الأوّل ، والله أعلم . وهذا الحديث نصّ في وقوع النسخ قبل التمكّن من الامتثال ، وهو ردّ على من خالف في ذلك ، وهم المعتزلة . وأبو حبّةَ الأنصاريّ صحح اسمه بالباء بواحدة من أسفلَ ، وقد رواه الفارسيّ عن المروزيِّ باثنتين ، وليس بشيء . واسمه مالك بن عمرو البدريّ ، وقال الغسّانيّ : اسمه عامر ، وقيل : زيد ، وهو يشتبه بحيّةَ بالياء ، وهو حيي بن حيّةَ الثقفيّ .
173 - [ 133 ] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ ؛ قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم انْتهي به إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا . قَالَ : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . قَالَ : فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ . قَالَ : فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاثًا : أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ . و ( قوله : إذ يغشى السدرةَ ما يغشى ) يُغَطِّي ويعلو . و الفراش : كلّ ما يطير من الحشرات والديدان . وفي حديث ابن جُرَيج : وأُرخِيَتْ عليها ستورٌ من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزَبَرْجَد . و ( قوله : وغفر لمن لم يشركْ بالله شيئًا المُقحَماتِ ) أي : الذنوب العظام التي تقحِمُهم في النار ؛ أي : تُدخِلهم فيها بمشقّةٍ وكُرْهٍ وشِدَّةٍ ، يقال : اقتحم يقتحم ؛ أي : دخل في أمر شاقّ ، وأقْحَمْتُه أنا : أدْخلْتُهُ فيه . و ( قوله : وأعطي خواتيم سورة البقرة ) إنّما خصّتْ بذلك ؛ لما تضمّنتْه من التخفيف عنهم والثناءِ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، وإجابةِ دعواتهم ونُصرتِهم ، وقد تقدَّم القول فيهما .
( 56 ) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا - صلى الله عليه وسلم - من كرامة الإسراء 162 - [ 131 ] عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ - وهو دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ ، فَوْقَ الْحِمَارِ ، وَدُونَ الْبَغْلِ ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ قَالَ : فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . قَالَ : فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِها الأَنْبِيَاءُ . قَالَ : ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ . قَالَ : ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . قَالَ : فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخيرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . قال : فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا - صلوات الله عليهما - فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ، إِذَا هو قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ هذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ، فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ، قَالَ اللهُ تَعالَى : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا . ثُمَّ عَرَجَ بِنا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ هذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ . قَالَ : فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَإِذَا هو يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ . ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ . قَالَ : فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا . فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى ، فَفَرَض عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : خَمْسِينَ صَلاةً . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يطِيقون ذَلِكَ ، فَإِنِّي قدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي ، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقُلْتُ : حَطَّ عَنِّي خَمْسًا . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ . قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى ، حَتَّى قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا . وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . قَالَ : فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ . ( 56 ) ومن باب ما خص الله به محمدا نبينا - صلى الله عليه وسلم - من كرامة الإسراء و ( قوله في صفة البُراق : دابّة أبيض طويل ) جاء بوصف المذكَّر ؛ لأنّه وصفٌ للبراق ، ولو أتى به على لفظ الدابّة ، لقال : طويلة . والبُراق مشتقّ من البرْق ، قاله ابنُ دُرَيد . وقيل : هو من الشاة البَرْقاء إذا كان في خلال صُوفِها الأبيض طاقاتٌ سودٌ ، ومن هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - : أَبْرِقوا ، فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سَوْدَاوَينِ ؛ أي : ضَحُّوا بالبرقاء ، وهي العفراء هنا ؛ فإنّ العفرة بياضٌ يخالطه يسيرُ صُفْرَةٍ . و ( قوله : عند منتهى طَرْفِه ) بسكون الراء ، وهو العين ، يعني أنّه سريعٌ بعيدُ الخطْو . و ( قوله : أصبتَ الفِطْرَة ) أصل الفطرة : ابتداء الخِلْقَةِ ، ومنه : فطر ناب البعير ، إذا ابتدأ خروجه ، ومنه : قول الأعرابيّ المتحاكِم إلى ابن عبّاس في البئر : أنا فَطَرْتُها ، أي : ابتدأتُ حفْرَها . وقيل في قوله تعالى : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ؛ أي : جِبِلَّة الله التي جَبَلَهم عليها من التهيُّؤ لمعرفته والإقرار به . وقيل : هي ما أخَذ عليهم في ظهر آدم - عليه السلام - من الاعتراف بربوبيّته . وقيل : الفطرة الإسلام ؛ لأنّه الذي تقتضيه فطرة العقل ابتداءً . وقد حُمِل على هذا قولُه - عليه الصلاة والسلام - : كلّ مولود يُولَدُ على الفطرة الحديث ، وقد نصّ على هذا في حديث آخر ، فقال : جَبَلَ اللهُ الخلْقَ على معرفته فاجتالتْهم الشياطين . وكأن معنى الحديث أنّه لمّا مال إلى ما يُتناوَل بالجبلَّة والطبع وما لا ينشأ عنه مفسدةٌ وهو اللبن ، وعدل عمّا ليس كذلك مما يتَوَقَّعُ منه مفسدة أو من جنسه ، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح ، صوَّب الملك فعله ودعا له ، كما قال في الرواية الأخرى : أصبتَ أصاب الله بك ، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التفاؤل والتشبيه ؛ لما كان اللبن أوّلَ شيء يدخل جوف الصبيّ ويشقّ أمعاءه ، فسمّي بذلك فطرةً . و ( قوله : وقد بعث إليه ؟ ) هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وإرساله إلى الخلق . وهذا يدلّ على أنّهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله ؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة لا يفترون عنها . وقيل : معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء . و البيت المعمور سُمّي بذلك ؛ لكثرة عمارته بدخول الملائكة فيه وتعبُّدهم عنده . و الأسْوِدَة جمع سواد ، وهي الأشخاص ، وسواد الإنسان شخصه ، يقال : لا يفارق سوادي سوادَك ، وهي هاهنا أرواح بني آدم ، وقد فسّرها بنسم بنيه . و النَّسَم جمع نَسَمَة ، كالشجر جمع شجرة . ولا يناقض هذا أن يُخبِر الشارع أنّ أرواح المؤمنين في الجنّة أو في الصُور الذي يُنْفَخ فيه أو في القبور ، وأرواح الكافرين في سجّين ؛ لأنّ هذا في أحوالٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متغايرةٍ ، والله أعلم . و السِدْرَةُ واحدة السِدْر ، وهو شجر النبق ، وهو من أعظم الشجر جرْمًا ، وهو أكثر شجر البادية عندهم له شوك . ولأجل هذا وصفه الله بكونه مخضودًا ؛ أي : منزوعَ الشوك . وقد فسّر المعنى الذي به سمّيت سدرة المنتهى في حديث عبد الله الآتي . و ( قوله : فلمّا غَشِيَها مِن أمر الله ما غَشِيَ ) يعني . من جلال الله وعظيم شأنه وسلطانه ، تغيّرت ؛ أي : انتقلت عن حالها الأول إلى حال أحسن منها .
( 55 ) باب في شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثانية ، وتطهير قلبه ، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء 163 - [ 129 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ، فَفَرَجَ صَدْرِي ، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، قال : فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ وذكر الحديث . 163 - [ 129 / م ] وَمِنْ حَدِيثِ أبي ذَرٍّ ؛ قَالَ : فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ . قَالَ : فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبلَ شِمَالِهِ بَكَى ، فقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ - وهكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ، وَسَائِرُ الأَنْبِيَاءِ يَقُولُونَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ قَالَ : قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ! مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهلُ الْيَمِينِ أَهلُ الْجَنَّةِ ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهلُ النَّارِ . فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى الحديث . ( 55 ) ومن باب الإسراء الإسراء سير الليل ، يقال : سريْتُ مَسْرًى وسُرًى وأَسْرَيْتُ إِسْراءً ، بمعنى واحد ، وبالألف لغة أهل الحجاز وقد جاء في القرآن ، وقال حسّان : حَيِّ النضيرَة رَبَّةَ الخِدْرِ أسْرَتْ إليك ولم تكنْ تَسْرِي وقيل : أسرى : سار من أوّل الليل ، وسَرَى : سار من آخره ، والقول الأوّل أعرف . ويقال سِرينَا سَرْيَةً واحدةً ، والاسم السُرْيَة بالضمّ والسُرَى . ويقال : أسْراه وأسْرى به ، مثل . أخَذ الخطامَ وأخَذ بالخطامِ . واختُلِف في كيفيّة هذا الإسراء وفي زمانه ، فقيل : كان كلُّه منامًا ، وقيل : كان كلُّه يقظةً ، وقيل : كان إلى المسجد الأقصى يقظةً ، وإلى ما بعد ذلك منامًا . وكلّ تلك الأقسام جائز ، ولكن الذي عليه معظم السلف والخلف أنّه أسري بجسده ، وحقيقتُهُ في اليقظة إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء ، وعليه يدلّ ظاهرُ الكتاب وصحيحُ الأخبار ، ومبادرةُ قريش لإنكار ذلك وتكذيبه . ولو كان منامًا لما أنكروه ولما افتُتِنَ به من افتُتِنَ ؛ إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمورٌ عجيبةٌ وأحوالٌ هائلة ، فلا يُستبعَد ذلك في النوم ، وإنّما يُستبعَد في اليقظة . ولا يُعارِض ما ذكرْناه إلاّ ظاهرُ قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وألفاظٌ وقعتْ في بعض طُرُق أحاديث الإسراء ، كقوله - عليه الصلاة والسلام - : بينا أنا نائمٌ ، وقوله : فاستيقظتُ ونحو ذلك ممّا وقع في كتاب مسلم وغيرِه . وقد انفصل عن الآية بوجهين : أحدهما : أنّ هذه قضيّة أخرى غيرُ الإسراء على ما ذكره عكرمة ، قال : هي رؤيا دخول المسجد الحرام ، والفتنة : الصدّ بالحُدَيبِية . الثاني : أنّ الرؤيا بمعنى الرؤية والمعاينة ، قاله ابن عبّاس في جماعة ، والفتنة ارتداد من أنكر ذلك .
164 - [ 130 ] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ قَالَ : قَالَ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ : أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، فَأُتِيتُ ، فَانْطُلِقَ بِي ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وكذا . قَالَ قَتَادَةُ : فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي : مَا يَعْنِي ؟ قَالَ : إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ . فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ ، يُقَالُ لَه : الْبُرَاقُ وذكر الحديث . وأمّا قوله : بينا أنا نائم يعني في أوّل القصّة ، وذلك أنّه كان قد ابتدأ نومه ، فأتاه المَلَك فأيقظه . وفي بعض ألفاظِه بينا أنا بين النائمِ واليقْظانِ أتاني المَلَك وذكر الحديث . وقوله : فاستيقظْتُ وأنا في المسجد الحرام ؛ يحتمل أن يكون استيقاظه من نومٍ نامه بعد الإسراء ؛ لأنّ إسراءه لم يكن طول ليلته ، وإنّما كان في بعضها . ويحتمل أن يكون بمعنى . أفقْتُ ، وذلك ممّا كان غمر باطنَه من عجائب ما رأى ، وطالع من ملكوت السماوات ، وخامر باطنَه من مشاهدة الملأ الأعلى ، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى : لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى فلم يستَفِقْ ويرجعْ إلى حال بشريّته إلاّ وهو بالمسجد الحرام ، والله أعلم . وأمّا متى كان الإسراء ؟ فأقلّ ما قيل فيه : إنّه كان بعد مبعثه - عليه الصلاة والسلام - بخمسةَ عشرَ شهرًا ، قاله الزهريّ . وقال الحربيّ : كان ليلةَ سبعٍ وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنةٍ . وقال ابن إسحاق : أُسْرِيَ به وقد فشا الإسلام بمكّة والقبائل . وقال الزُهريّ : كان ذلك بعد مبعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين ، وهذا أشبه ؛ لأنّه لا خلافَ أنّ خديجة صلّت معه بعد فرض الصلاة ، ولا خلافَ أنّها توفيت قبل الهجرة بمدّة قيل : بثلاث سنين ، وقيل : بخمس . وقد أجمع العلماء على أنّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء . و الحكمة أصلها ما يمنع الجهل والسفه ، ومنه حكمة البعير ، وكونها تملأ الطست استعارة تُفهِم أنّ المجعولَ في قلبه منها كثيرٌ شريف ، وإلاّ فليست العلوم أجسامًا حتّى تملأ الطست . وقيل : إنّ القلب لمّا امتلأ حكمةً بعد غسْله بملء الطست من ماء زمزم ، قُدِّرت الحكمةُ بما كانت عنده ، والله أعلم .
164 - [ 130 / م ] وَمِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ : قَالَ : فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ - يعني : موسى - بَكَى ، فَنُودِيَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : رَبِّ ! هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي ، يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي . وَفِيهِ : وَحَدَّثَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهرَانِ ظَاهِرَانِ ، وَنهرَانِ بَاطِنَانِ ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ! مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ ؟ ، فقَالَ : أَمَّا النَّهرَانِ الْبَاطِنَانِ : فَنَهرَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ : فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ . و ( قوله : في حديث مالك بن صعصعة : إن سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار ، نهران باطنان في الجنة ، ونهران ظاهران وهما النيل والفرات ) يدلّ على أنّ السدرة ليست في الجنّة ، بل خارجًا عنها . وعلى ذلك أيضًا يدلّ قوله تعالى : عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ولكن قد جاء في حديث أبي هريرة : ما يدلّ على أنّ النيل والفرات ظاهران خارجان من الجنّة . ويمكن أن يجمع بينهما ؛ أنّ النيل والفرات لمّا كانا مشاركين لنهري الجنّة في أصل السدرة ، أُطْلِقَ عليهما أنّهما من الجنّة . وسيحان وجيحان يمكن أن يكونا تفرَّعا من النيل والفرات ؛ لقرب انفجارهما من الأصل . وقيل : إنّ ذلك إنّما أُطْلِق تشبيهًا لهذه الأنهار بأنهار الجنّة ؛ لما فيها من شدّة عذوبتها وحسنها وبركتها ، والله تعالى أعلم . وبكاء موسى - عليه السلام - إشفاق وحزن على أمّته ؛ لما تقدّم من ضلالهم ولأجل ما فاته من كثرة ثواب من عساه أن يؤمنَ من أمّته به لو آمن .
( 31 ) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيْرُ مُخْرِجٍ للمُؤْمِنَ مِنْ إِيمَانِهِ 94 - [ 74 ] عَنْ أَبي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَنَّهُ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ - عليه السلام فَبَشَّرَنِي : أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى ، وَإِنْ سَرَقَ . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَهَا ثَلاَثًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : فَخَرَجَ أبو ذَرٍّ وهو يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ . ( 31 ) وَمِنْ بَابٍ رُكُوبُ الْكَبَائِرِ غَيْرُ مُخْرِجٍ للمُؤْمن مِنْ إِيمَانِهِ ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : أَتَانِي جِبْرِيلُ ، فَبَشَّرَنِي : أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ ) يدلُّ على شِدَّةِ تَهمُّمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأمرِ أُمَّته ، وتعلُّقِ قَلْبِهِ بما يُنْجِيهم ، وخوفِهِ عليهم ؛ ولذلك سكَّن جبريلُ قلبَهُ بهذه البشرَى . وهذا نحو مِنْ حديثِ عمرو بن العاص الذي يأتي بعد هذا ، الذي قال فيه : إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تلا قولَ إبراهيمَ - عليه السلام - : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وقولَ عيسى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . فرفَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدَيْهِ وبكى ، وقال : رَبِّ ، أُمَّتِي أُمَّتِي ، فنزَلَ عليه جبريلُ ، فقال له مُخْبِرًا عن الله تعالى : إِنَّ اللهَ َسيُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ يَسُوؤُكَ . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - مُقْتَضَى ما جبله الله تعالى عليه من الخُلُقِ الكريمْ ، وأنَّه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمْ . و ( قوله : لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا ) معناه بحكم أصلِ الوضعِ : ألاَّ يَتَّخِذَ معه شريكًا في الألوهية ، ولا في الخَلْقِ ؛ كما قدَّمناه . لكنَّ هذا القولَ قد صار بحكمِ العُرْف : عبارةً عن الإيمان الشرعي ؛ أَلاَ تَرَى أنَّ من وحَّد الله تعالى ولم يؤمنْ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم لم ينفعْهُ إيمانُهُ بالله تعالى ، ولا توحيدُهُ ، وكان من الكافرين بالإجماعِ القطعيِّ . و ( قوله : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ) رويناه بفتح الراء ، وهي إحدى لغاته ؛ فإنَّه يقال بفتحها وضَمِّها وكسرها ، وهو مصدرُ رَغِمَ ، بفتح الغين وكسرها ، وهو مأخوذٌ من الرَّغَامِ ، وهو التراب ، يقال : أرغَمَ اللهُ أنفه ، أي : أَلْصَقَهُ بالتراب ، ورَغِمَ أنفي لله ، أي : خضَعَ وذَلَّ ؛ فكأنَّه لَصِقَ بالتراب . والمراغمةُ : المغاضبة ، والمُرَاغَمُ : المذهَبُ والمَهرَب ، ومنه : يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً . وإنما واجَهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا ذَرٍّ بهذه الكلماتِ ؛ لِمَا فهم عنه من استبعادِهِ دخولَ مَنْ زنى ومن سرق الجَنَّةَ ، وكان وقَعَ له هذا الاستبعادُ بسببِ ظاهرِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ الحديثَ ، ومما هو في معناه ، فردَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الوَهمَ وأنكره ، وكان هذا الحديثُ نَصًّا في الرَّدِّ على المُكَفِّرَةِ بالكبائر ؛ كما تقدَّم . وخروجُ أبي ذَرٍّ قائلاً : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ ، رجوعٌ منه عمَّا كان وقَعَ له من ذلك ، وانقيادٌ للحقِّ لمَّا تبيَّن له .
( 54 ) باب في شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه 162 - [ 128 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ - صلى الله عليه وسلم - أَتَاهُ جِبْرِيلُ وهو يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً ، فَقَالَ : هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ لأَمَهُ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي : ظِئْرَهُ - فَقَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وهو مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ . قَالَ أَنَسٌ : قَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ . ( 54 ) ومن باب شُقَّ صدرُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في صِغَره ( قوله : فاستخرج منه علقة ) أي : قطعة دم ، والعلق الدم . وهذه العلقة المنتزَعَة عنه هي القابلة للوسواس والمحرِّكة للشهوات ، فأُزِيل ذلك عنه ، وبذلك أُعين على شيطانه حتّى سلم منه . و لأمَه أي : ضمَّه وجمَعه ، و ظِئره مُرضِعَتُه ، و منتقَعٌ اللون متغيِّره ، يقال : انتَقَعَ لونُه ، وابتُقِعَ وامتقع ؛ أي : تغيَّر عن حاله . و المخيَط ما يخاط به ، وهو الخيط والإبرة . وفي الطست لغات ؛ طَسْتٌ بفتح الطاء وكسرها ، وطَسٌّ وطَسَّة ، والجمع طِسَاس وطُسُوْسٌ وطسَّاتٌ . وهذا الحديث محمول على ظاهره وحقيقته ؛ إذ لا إحالةَ في متنه عقلاً ، ولا يُستبعَدُ من حيثُ إنّ شقّ الصدرِ وإخراج القلب موجبٌ للموت ، فإنّ ذلك أمر عاديٌّ ، وكانت جُلُّ أحوالِه - صلى الله عليه وسلم - خارقةٌ للعادة ، إمّا معجزةً ، وإمّا كرامةً . وهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصعة ؛ بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين . أمّا الزمانان ، فالأوّل في صِغَره ، والثاني في كِبَره . وأمّا المكانان ، فالأوّل كان ببعضِ جهات مكّة عند مُرضِعته ، والثاني عند البيت . وأمّا الحالان ، فالأوّل نُزِعَ من قلبه ما كان يَضُرُّه وغُسِل ، وهو إشارة إلى عصمته ، والثاني غُسِل ومُلِئ حكمةً وإيمانًا ، وهو إشارة إلى التهيُّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده . ولا يلْتَفِتْ إلى قول مَن قال : إنّ ذلك كان مرّةً واحدة في صِغَرِه ، وأخذ يُغَلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين ، فإنّ الغلط به أليق ، والوَهم منه أقرب ، فإن رواة الحديثين أئمّةٌ مشاهير حُفَّاظ . ولا إحالةَ في شيء ممّا ذكروه ، ولا معارضةَ بينهما ولا تناقُضَ ، فصحّ ما قلناه . وبهذا قال جماعة من العلماء ، منهم القاضي المُهلَّب بن أبي صُفرة في شرح مختصر صحيح البخاريّ . والله تعالى أعلم .
( 32 ) بَابٌ يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الإِْسْلاَمِ ، وَلاَ يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ 95- [ 75] عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : يَا رسولَ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ ، فَقَاتَلَنِي ، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ، فَقَالَ : أَسْلَمْتُ لِلّهِ ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رسولَ الله ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَقْتُلْهُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رسولَ الله ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا ، أَفَأَقْتُلُهُ ؟ قَالَ رَسُولُ الله ِ- صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَقْتُلْهُ ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَلَمَّا أَهوَيْتُ لأَِقْتُلَهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ . ( 32 ) وَمِنْ بَابٍ يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الإِْسْلاَمِ ، وَلاَ يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ ( قوله : أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الكُفَّارِ ، فَقَاتَلَنِي ؟ ) دليلٌ على جوازِ السؤالِ عن أحكامِ النوازلِ قبل وقوعها . وقد رُوِيَ عن بعضِ السلف : كراهيَةُ الكلامِ في النوازلِ قبل وقوعها ، وهذا إِنَّما يُحْمَلُ على ما إذا كانتْ تلك المسائلُ مما لا تقَعُ ، أو تقعُ نادرًا ، فأمَّا ما يتكرَّر من ذلك ، ويكثُرُ وقوعه : فيجبُ بيانُ أحكامِهَا على مَنْ كانتْ له أهليةُ ذلك ، إذا خِيفَ الشُّغُور عن المجتهدين والعلماءِ في الحالِ أو في الاستقبال ؛ كما قد اتَّفَقَ عليه أئمَّةِ المسلمين مِنَ السلف : لما توقَّعوا ذلكْ ، فرَّعوا الفروعَ ودوَّنوها وأجابوا عما سُئِلُوا عنه مِنْ ذلكْ ؛ حِرْصًا على إظهارِ الدِّينْ ، وتقريبًا على مَنْ تعذَّرَتْ عليه شروطُ الاجتهادِ مِنَ اللاحقينْ . و ( قوله : لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ) أي : استتَرَ ؛ يقال : لاَذَ يَلُوذُ لِوَاذًا : إذا استتَرَ ، والمَلاَذُ : ما يُسْتَتَرُ به . و ( قوله : أَسْلَمْتُ لِلّهِ ) أي : دخلْتُ في دينِ الإسلامِ ، وتَدَيَّنْتُ به . وفيه : دليلٌ على أَنَّ كلَّ مَنْ صدَرَ عنه أمرٌ مَّا يدُلُّ على الدخولِ في دينِ الإسلامِ مِنْ قولٍ أو فعل ، حُكِمَ له لذلك بالإسلام ، وأنَّ ذلك ليس مقصورًا على النطقِ بكلمتَيِ الشهادة . وقد حكَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإسلامِ بني جَذِيمة الذين قتلهم خالدُ بنُ الوليد ، وهم يقولون : صَبَأْنَا صَبَأْنَا ، ولم يُحْسِنُوا أن يقولوا : أَسْلَمْنَا ، فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم قال : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ ، رافعًا يدَيْهِ إلى السماء ، ثم وَدَاهُمْ . على أنَّ قوله في هذه الرواية : أَسْلَمْتُ لِلّهِ يَحْتملُ أن يكونَ ذلك نقلاً بالمعنى ، فيكونُ بعض الرواة عبَّر عن قوله : لا إله إلا الله بأَسْلَمْتُ ؛ كما قد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيها : فَلَمَّا أَهوَيْتُ لأَِقْتُلَهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ . وأَهوَيْتُ : مِلْتُ لقتله ؛ قال الجوهريُّ : أهوَى إليه بيده ليأخذه ، وقال الأصمعيُّ : أهوَيْتُ بالشيءِ : إذا أومأْتُ إليه ، ويقال : أهوَيْتُ له بالسيف ، فأمَّا هَوَى ، فمعناه : سقَطَ إلى أسفل ، ويقال : انهوى بمعناه ، فهو مُنْهَوٍ . و ( قوله : إِنْ قَتَلْتَهُ ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ) يعني ، والله أعلم : أنَّه بمنزلتِكَ في عِصْمة الدم ؛ إذْ قد نطَقَ بما يوجبُ عصمتَهُ من كلمتَيِ الإسلام . و ( قوله : وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ) ظاهره : في الكفر ، وليس ذلك بصحيح ؛ لأنَّه إنَّما قتله متأوِّلاً أنَّه باقٍ على كفره ؛ فلا يكونُ قتلُهُ كبيرةً ؛ وإذا لم يكنْ قتلُهُ كبيرةً ، لم يصحَّ لأحدٍ - وإنْ كان مكفِّرًا بالكبائر - أن يقول : هذا كُفْرٌ بوجه ؛ فدلَّ ذلك على أنَّه متأوِّل . وقد اختُلِفَ في تأويله ؛ فقال أبو الحسنِ بنُ القَصَّار : هو مثلُهُ في كونِهِ غيرَ معصومِ الدمِ مُعَرَّضًا للقِصَاص . قال المؤلف - رحمه الله - : وهذا ليس بشيء ؛ لانتفاء سَبَبِ القصاص ، وهو العَمْدُ العدوان ، وذلك منتفٍ هنا قطعًا ؛ لأنَّ المقدادَ تأوَّلَ ما تأوَّله أسامةُ بن زيد : أنَّه قال ذلك خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ ؛ أَلاَ تَرَى قولَ المقداد : إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ، فَلَمَّا أَهوَيْتُ لأَِقْتُلَهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ؟ غير أنَّ هذا التأويلَ لم يُسْقِطْ عنهما التوبيخَ والذم ، ولا توقع المطالبةَ بذلك في الآخرة ؛ أَلاَ ترى قوله - عليه الصلاة والسلام - لأسامة : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟! ، وكرَّر ذلك عليه ، ولم يَسْتغفِرْ له مع سؤالِ أسامةَ ذلك من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وإنما لم يُسْقِطْ عنه التوبيخَ والتأثيمَ وإنْ كان متأوِّلاً ؛ لأنَّه أخطَأَ في تأويله ؛ وعلى هذا : يمكنُ أن يحمل قوله : إِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، على أنَّه بمنزلتِهِ في استحقاقِ الذمِّ والتأثيم ، ويكونُ هذا هو التأويل الثاني فيه ، غير أنَّ الاستحقاقَ فيهما مختلفٌ ؛ فإنَّ استحقاقَ المقداد لذلك الاستحقاقُ مقصِّرٍ في اجتهاد مؤمن ، والآخَرُ استحقاقُهُ استحقاقُ كافر ، وإنما وقع التشبيهُ بينهما في مجرَّدِ الاستحقاقِ فقط ، والله أعلم . التأويلُ الثالث : أنَّه بمنزلتِهِ في إخفاءِ الإيمان ، أي : لعلَّه ممن كان يخفي إيمانَهُ بين الكفَّار ، فأُخْرِجَ مكرهًا كما كنتَ أنت بمكَّة ؛ إذْ كنتَ تُخْفِي إيمانك . ويَعْتَضِدُ هذا التأويلُ : بما زاده البخاريُّ في هذا الحديث ، من حديث ابن عبَّاسٍ ؛ أنّه - عليه الصلاة والسلام - قال للمقداد : إِذَا كَانَ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ ؟ كذلك كُنْتَ تُخْفِي إيمانَكَ بمكة .
96 - [ 76 ] وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَرِيَّةٍ ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً ، فَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، فَطَعَنْتُهُ ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَقَتَلْتَهُ ؟! ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ ، قَالَ : أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : وَلِمَ قَتَلْتَهُ ؟ فقَالَ : يَا رسولَ الله ، أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَقَتَلَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا - وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا - وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَقَتَلْتَهُ ؟! قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟! قَالَ : يَا رسولَ الله ، اسْتَغْفِرْ لِي ، فقَالَ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟! ، قَالَ : فَجَعَلَ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟! . و ( قوله : فَصَبَّحْنَا الحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ) رويناه بضم الراء وفتحها ، وهو موضعٌ معروفٌ من بلاد جُهَيْنَةَ ، يسمّى بجمع المؤنَّث السالم ؛ كعَرَفَات ، وأَذْرِعَات . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - لأسامة : أَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَقَتَلْتَهُ ؟! ، وتكرارُ ذلك القولِ : إنكارٌ شديد ، وزجرٌ وكيد ، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله : إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ . و ( قوله : أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟! ) أي : أقالها بقلبه ، وتكلَّمَ بها مع نفسه ، ففيه : دليلٌ لأهل السنَّة على أنَّ حديث النَّفْسِ كلام وقَوْل ؛ فهو رَدٌّ على مَنْ أنكَرَ ذلك من المعتزلةِ وأهلِ البدع . وفيه : دليلٌ على ترتيبِ الأحكامِ على الأسبابِ الظاهرة الجليَّة ، دون الباطنةِ الخفيَّة . و ( قوله : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ ) أي : كلمةَ الإنكار ، وظاهرُ هذه الرواية : أنَّ الذي كُرِّرَ عليه إنَّما هو قولُهُ : أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟ ! ، وفي الرواية الأخرى أنَّ الذي كُرِّرَ عليه إنَّما هو قولُهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟! ووجهُ التلفيقِ بينهما : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كرَّر الكلمتَيْن معًا ، غيرَ أنَّ بعضَ الرواةِ ذكَرَ إحدى الكلمتَيْن ، وذكَرَ آخَرُ الأخرى . ومعنى قوله : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ؟ ! أي : بماذا تحتجُّ إذا قيل لك : كيف قَتَلْتَ مَنْ قال : لا إله إلاَّ الله ، وقد حصلَتْ لدمِهِ حرمةُ الإسلام ؟! وإنَّما تمنَّى أسامةُ أن يتأخَّر إسلامُهُ إلى يوم المعاتبة ؛ لِيَسْلَمَ من تلك الجناية السابقة ، وكأنَّه استصغَرَ ما كان منه مِنَ الإسلامِ والعملِ الصالح قبل ذلك ، في جَنْب ما ارتكَبَه من تلك الجناية ؛ لِمَا حصَلَ في نفسه من شدَّةِ إنكارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لذلك ، وعِظَمِهِ . فإنْ قيل : إذا استحال أن يكونَ قتلُ أسامةَ لذلك الرجلِ عمدًا لِمَا ذكرتم ، وثبَتَ أنَّه خطأ ، فلِمَ لم يُلْزِمْهُ الكَفَّارةَ ، والعاقلةَ الديةَ ؟ فالجوابُ : أنَّ ذلك مسكوتٌ عنه ، وغيرُ منقولٍ شيءٌ منه في الحديث ولا في شيءٍ من طرقه ؛ فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حكَمَ بلزومِ ذلك أسامةَ وعاقلتِهِ ولم يُنْقَلْ ، وفيه بعد ؛ إذْ لو وقَعَ شيءٌ من ذلك ، لَنُقِلَ في طريقٍ من الطرق ، مع أنَّ العادة تقتضي التحدُّثَ بذلك والإشاعةَ . وَيَحْتملُ أن يقال : إنَّ ذلك كان قبل نزولِ حُكْمِ الكفَّارة والدية ، والله أعلم . وقد أجاب أصحابنا عن عدمِ إلزامِ الدية بأجوبةٍ ، نذكُرُهَا على ضَعْفها : أحدها : إنَّها لم تَلْزَمْهُ ولا عاقلتَهُ ؛ لأنَّه كان مأذونًا له في أصل القتال ؛ فلا يكونُ عنه مِنْ إتلافِ نفسٍ أو مال ؛ كالخاتِنِ والطَّبِيب . وثانيها : إنَّما لم يَلْزَمْهُ ذلك ؛ لأنَّ المقتولَ كان من العدو وفيهم ، ولم يكنْ له وليٌّ من المسلمين يستحقّ ديته ، فلا تجبُ فيه ديةٌ ؛ كما قال الله تعالى : فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولم يحكُمْ فيه بسوى الكفَّارة ؛ وهذا يتمشَّى على مذهب ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ من أهل العلم في الآية . وقد ذهب بعضهم : إلى أنَّ الآية فيمن كان أولياؤُهُ مُعَانِدين ، وقد ذُكِرَ عن مالك ، والمشهورُ عنه : أنها فيمَنْ لم يهاجِرْ من المسلمين ؛ لقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا . وثالثها : أنَّ أسامةَ اعترَفَ بالقتل ، ولم تَقُمْ بذلك بيِّنة ، ولا تَعْقِلُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا ، ولا صُلْحًا ولا اعترافًا ، ولم يكنْ لأسامةَ مالٌ فيكونَ فيه الديةُ . قال المؤلف رحمه الله : وهذه الأوجُهُ لا تسلَمُ عن الاعتراض ، وتتبُّعُ ذلك يُخْرِجُ عن المقصود . ولم أجدْ لأحدٍ من العلماء اعتذارًا عن سقوطِ إلزامِ الكفارة ؛ فالأَوْلى التمسُّكُ بالاحتمالَيْن المتقدِّمَيْن ، والله أعلم .
( 53 ) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهاؤه 160 - [ 126 ] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَنَّهَا قَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْيِ : الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلاّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ . ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ ، فَكَانَ يَخْلو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أولاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وهو فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ . فقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ . فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ، زَمِّلُونِي . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ : أَيْ خَدِيجَةُ ! مَا لِي ؟ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، فقَالَ : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، فقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : كَلاَّ ! أَبْشِرْ ، فَوَاللهِ ! لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا . وَاللهِ ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ . فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى - وهو ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : أَيْ عَمِّ ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ . قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ : يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَآه ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حين يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أومُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ! لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَوَاللهِ ! لا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا. ( 53 ) ومن باب كيف كان ابتداء الوحي وانتهاؤه الوحي : إلقاء الشيء في سرعة ، ومنه : الوحا الوحا . ويقال على الإلهام ، ومنه قوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ؛ أي : ألهمناها ، وعلى التسخير ، ومنه قوله تعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ؛ أي : سخّرها . وهو في عرف الشريعة : إعلام الله تعالى لأنبيائه بما شاء من أحكامه أو أخباره . و فلق الصبح وفرقه : ضياؤه ؛ ومعناه : أنّها جاءت واضحة بيّنة ، وهذا له - صلى الله عليه وسلم - مبدأ من مبادئ الوحي ومقدّمة من مقدّماته . وقد أوحى الله تعالى إلى إبراهيم في النوم حيث قال : يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والأنبياء كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم . وقد كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - في أوّل أمره يرى ضوءًا ويسمع صوتًا ، ويسلِّم عليه الحجر والشجر وتناديه بالنبوّة ، وهذه أمور ابتُدِئ بها تدريجيا لَمّا أراد الله به من الكرامة والنبوة ، واستلطافًا له ؛ لئلا يفجأه صريح الوحي ، ويبغته الملك ، فلا تحتمل ذلك قوّته البشريّة . و حِرَاء بالمدّ : جبل بينه وبين مكّة قدر ثلاثة أميال عن يسارك إذا ذهبت إلى منى . ويجوز فيه التذكير فيُصرف على إرادة الموضع ، والتأنيث على إرادة البقعة . وضبطه الأَصيليّ : حَرَا بفتح الحاء والقصر . وقال الخطّابيّ : أصحاب الحديث يخطئون فيه في ثلاثة مواضع ، يفتحون الحاء وهي مكسورة ، ويكسرون الراء وهي مفتوحة ، ويقصرون الألف وهي ممدودة . واختُلِف في عبادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه ، هل كانت لأنّه كان متعبِّدًا بشريعة مَن قبله ؟ أم كانت لِمّا جعل الله في نفسه وشرح به صدره من نور المعرفة ؟ ومن بغضه لِما كان عليه قومه من عبادة الأوثان وسوء السيرة وقبح الأفعال ، فكان يفرّ منهم بُغْضًا ويخلو بمعروفه أُنسًا ؟ ثمّ الذين قالوا : إنّه كان متعبِّدًا بشريعة ، فمنهم من نسبه إلى إبراهيم ، ومنهم من نسبه إلى موسى ، ومنهم من نسبه إلى عيسى . وكلّ هذه أقوال متعارضة لا دليلَ قاطع على صحّة شيء منها . والأصحّ القول الأول ؛ لأنّه لو كان متعبِّدًا بشيء من تلك الشرائع ؛ لعُلم انتماؤه لتلك الشريعة ، ومحافظته على أحكامها وأصولها وفروعها ، ولو عُلم شيءٌ من ذلك ، لنُقِل ؛ إذ العادة تقتضي ذلك ؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - ممّن تتوفّر الدواعي على نقل أحواله وتتبُّعِ أموره ، ولمّا لم يكن شيء من ذلك ، علم صحّة القول الأول . و ( قوله : حتّى فجئه الحقّ ) أي : أتاه الوحْي بغتةً ، يقال : فجِئ بكسر الجيم يفجَأ ، وفجَأ يفجَأ بفتحها أيضًا . و ( قوله : ما أنا بقارئ ) ما نافية ، واسمها أنا ، وخبرها بقارئٍ ، والباء زائدة لمجرَّد النفي والتأكيد . وقال بعضهم : إنّها هنا للاستفهام ، وهو خطأ ؛ لأنّ هذه الباء لا تزاد على الاستفهام ، وإنّما تصلح للاستفهام رواية من رواها : ما أقرأ ، وتصلح أيضًا للنفي . و ( قوله : فغطّني ) أي : غمّني وعصَرني ، ورواه بعضهم : فغتني ، وهما بمعنى واحد . وفي العين : غَطَّه في الماء غَرَّقَه وغمسه ، ويقال : غَتَّه وغطه وخنقه بمعنى واحد . و ( قوله : حتّى بلغ منّي الجَهد ) أي : غاية المشقَّة ، بفتح الجيم . و الجُهد - بالضمّ - : الطاقة ، قاله القُتبيّ . وقال الشعبيّ : الجُهد في القوت والْجَهد في العمل . وقيل هما بمعنى واحد ، قاله البصريّون . وهذا الغط من جبريل للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - تفزيع له وإيقاظٌ ، حتّى يقبل بكليته ما يُلقى إليه ، وتكراره ثلاثًا مبالغة في هذا المعنى . وقال الخطّابيّ : كان ذلك ليبلو صبره ويحسن أدبه فيرتاض لتحمُّل ما كلّفه من أعباء الرسالة . وهذا الحديث نصّ في أوّل ما نزل من القرآن ، وهو أولى من حديث جابر إذ قال : إن أوّل ما أُنزِل من القرآن : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وسياق حديث جابر لا ينصّ على ذلك ، بل سكت عمّا ذكرتْه عائشة من نزول : اقْرَأْ في حراء ، وذكر أنّه رجع إلى خديجة فدثّروه ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وعائشة أخبرت بأوّل ما نزل عليه في حراء ، فكان قول عائشة أولى ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : ترجف بوادره ) ترعد وتضطرب . والبوادر من الإنسان : اللحمة التي بين المنكب والعنق ، قاله أبو عبيد في الغريب . وقد رُوي في الأمّ : يرجف فؤاده ، أي : قلبه ، وهذا هو سبب طلبه أن يُدَّثّر ويُزّمَّل ؛ أي : يغطَّى ويُلفّ ؛ لشدّة ما لحقه من هول الأمر وشدّة الضغط . والتزمُّل والتدثُّر واحد ، ويقال لكلّ ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار . وأصل المزَّمِّل والمدَّثِّر : المتزمِّل والمتدثِّر ، أدغمت التاء فيما بعدها ، وقد جاء في أثر أنّهما من أسمائه - عليه الصلاة والسلام و ( قوله : لقد خشيتُ على نفسي ) اُختُلِف في سبب هذه الخشية ، وفي زمانها ، فقيل : كانت عند رؤية التباشير وسمع الصوت قبل لقاء الملك ، وعند هذا يجوز أن يكون شكّ في حاله ولم يتحقَّق مآله ، وأمّا بعد مشافهة الملك وسماعه منه ما أخبره به وما قرأ عليه ، فلا يُتصوّر في حقِّه شكٌّ في رسالته بوجه من الوجوه . وإن كانت الخشية حصلت منه في هذا الحال ، فيحتمل أن كانت من ضعفه عن القيام بأعباء النبوّة والرسالة ، وأنّه لا يقدر عليها . ويحتمل أن يكون خوفه من مباعدة قومه له ونفارهم عنه ، فيُكذِّبونه ويؤذونه ويقتلونه ، وهذا في أوّل أمره قبل أن يعلم بمآل حاله ، وأنّ الله يعصمه من الناس ، وقول خديجة يُشعِر بهذا ، والله تعالى أعلم . و ( قولها : لا يخزيك الله أبدًا ) قاله معمر بالحاء المهملة والنون ، وقال يونس وعقيل بالخاء المعجمة وبالياء المنقوطة باثنتين من أسفل ، ومعناه : لا يفضحك ولا يهينك . و ( قولها : وتحمل الكَلَّ ) قال ابن النحّاس : الكَلُّ الثِقَل ، من كلَّ شيء في المؤنة والجسم . والكَلّ أيضًا اليتيم والمسافر ، وهو الذي أصابه الكلال وهو الإعياء . و ( قولها : وتكسب المعدوم ) رُوِيتُه بفتح التاء وضمّها ، قال ابن النحاس : يقال : كسبتُ الرجلَ مالاً ، وأكسبْتُه مالاً ، وأنشد : فأكسبَنِي مالاً وأكسبْتُه حمدًا وحكى أبو عبد الله بن القزّاز أنّ كسب حرف نادر ، يقال : كسبْتُ المال وكسبْتُه غيري ، ولا يقال : أكسبْتُ . وحكى الهرويّ : كسبْتُ مالاً وكسبْتُه زيدًا . وحُكي عن ثعلب وابن الأعرابيّ : أكسبْتُ زيدًا مالاً . ومعناه أنّه - عليه الصلاة والسلام - كان يَكسب الناس ما لا يجدونه من معدومات الفوائد والفضائل ، وهذا أولى في وصفه من قول من قال : إنّ خديجة مدحتْه باكتساب المال الكثير الذي لا يجده غيره ولا يقدر عليه . و ( قول ورقة : هذا الناموس ) قال أبو عبيد في مصنَّفه : هو جبريل - عليه السلام قال الهرويّ : وسُمِّي جبريل ناموسًا ؛ لأنّ الله خصّه بالوحي وعلم الغيب . وقال المطّرز : قال ابن الأعرابيّ : لم يأت في الكلام فاعول ، لام الفعل سين إلاّ الناموس ، وهو صاحب سرّ الخير ، والجاسوس وهو صاحب سرّ الشرّ ، والجاروس الكثير الأكل ، والفاعوس الحيّة ، والبابوس الصبيّ الرضيع ، والراموس القبر ، والقاموس وسط البحر ، والقابوس الجميل الوجه ، والفاطوس دابّة يُتشاءم بها ، والفانوس النمّام ، والجاموس ضرب من البقر . قال ابن دريد في الجمهرة : جاموس أعجميّ وقد تكلّمت به العرب ، وقال غيره : الحاسوس بالحاء غيرَ معجمة من تحسّسه بمعنى الجاسوس . وقال ابن دريد : الكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه ، والناموس موضع الصائد ، وناموس الرجل صاحب سرّه ، وفي الحديث : ناعوس البحر ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . و ( قوله : يا ليتني فيها جذعًا ) فـ : فيها عائد على النبوّة ، يريد مدّتها ، تمنّى نصرته في مدّة نبوّته . و جذعًا كذا صحّت الرواية فيه ، وعند ابن ماهان جذع مرفوعًا على خبر ليت ، وكذا هو في البخاريّ . ونصبه من أحد ثلاثة أوجه : أوّلها : أنّه خبر كان مقدَّرة ؛ أي : يا ليتني أكون فيها جذعًا ، وهذا على رأي الكوفيّين كما قالوا في قوله تعالى : انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ؛ أي يكن خيرًا لكم ، ومذهب البصريّين أنّ خيرًا إنّما انتصب بإضمار فعل دلّ عليه انتهوا ، والتقدير : انتهوا وافعلوا خيرًا . وقال الفرّاء : هو نعت لمصدر محذوف ، تقديره : انتهُوا انتهاءً خيرًا لكم . وثانيها : أنّه حال ، وخبر ليت في المجرور ، فيكون التقدير : ليتني كائن فيها ؛ أي : مدّةَ النبوّة في هذه الحال . وثالثها : أن يكون ليت أُعمِلتْ عمل تمنّيتُ ، فنصبت اسمين ، كما قاله الكوفيّون ، وأنشدوا عليه : يا ليتَ أيّامَ الصبا رواجعا وهذا فيه نظر . و ( قوله : أنصرك نصرًا مؤزَّرًا ) كذا رويناه بالزاي المفتوحة والراء المهملة ، وهو الصحيح ، ومعناه : قوِيًّا ، مأخوذ من الأزر وهو القوّة ، قال الله تعالى : اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وقوله في الأمّ : فجثثتُ منه فرقًا ، يروى بالحاء غير معجمة وبالثاءين المثلّثتين ، بمعنى : أسرعْتُ خوفًا منه . ويروى بالجيم المعجمة والثاءين ، وجَئِثْتُ بالجيم وبالهمزة المكسورة مكان الثاء الأولى ، قال الهرويّ : جوث الرجل وجئث وجثّ ؛ أي : أفزع .
3016 - [ 127] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ قَالَ : إِنَّ الله تَابَعَ الوَحْيَ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوفِّيَ ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم و ( قوله في حديث أنس : إنّ الله تابع الوحي على رسوله ) يعني : والى ، أي : الشيء بعد الشيء . وأكثرُ ما كان مرفوع بالابتداء ، و ما مع الفعل بتأويل المصدر ، و كان تامّة ، و يوم : خبر أكثر .
( 52 ) باب في قوله تعالى : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا الآية 158 - [ 125] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا : طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَالدَّجَّالُ ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ . ( 52 ) ومن باب قوله : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ( قوله : ثلاث إذا خرجن ) اختلف في أوّل الآيات خروجًا ، فقيل : أوّلها طلوع الشمس من مغربها ، وقيل : خروج الدابّة . ومن رواية ابن أبي شيبة عن ابن عمرو مرفوعًا قال : وأيتها كانت قبل صاحبتها ، فالأخرى على إثرها ، وفي حديث أنس : أوّل أشراط الساعة نار تخرج من اليمن ، وفي حديث حُذَيفة بن أسيد آخر ذلك النار . وسيأتي كلّ ذلك إن شاء الله تعالى . ومذهب أهل السنّة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها ؛ إذ لا إحالة فيها ، وهي أمور مُمكنة في نفسها ، وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشُهرتها ، فيجب التصديق بها ، ولا يُلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها .
104 - [ 81 ] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ، قَالاَ : أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ ، قَالاَ : ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا - أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ . و ( قوله : أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ ) أصلُ البراءة : الانفصالُ عن الشيء ، والبينونةُ منه ؛ ومنه : البراءةُ من العُيُوبِ والدَّيْن . وَيَحْتمل أن يريد به : أنَّه متبرِّئٌ من تصويبِ فِعْلِهِمْ هذا ، أو مِنَ العهدةِ اللازمةِ له في التبليغ . وحَلَقَ ، أي : شَعْرَهُ عند المصيبة . وسَلَقَ ، أي : رفَعَ صوتَهُ بها ، ويقال بالسين والصاد ؛ ومنه قوله تعالى : سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ؛ ومنه قولهم : خَطِيبٌ سلاَق ، وقال أبو زيد : السَّلْقُ : الوَلْوَلَةُ بصوتٍ شديد . وذُكِرَ عن ابن الأعرابي : أنَّه ضَرْبُ الوجه . والأوَّلُ : أصحُّ وأعرف .
( 33 ) بَابٌ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - 98 - [ 77] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا . 99 - [ 78 ] وَفِي حَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ ، فَلَيْسَ مِنَّا . ( 33 ) وَمِنْ بَابِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ( قوله : مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا ) أي : مَنْ حَمَلَ علينا السلاحِ مقاتلاً ؛ كما في الرواية الأخرى : مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ ، فَلَيْسَ مِنَّا ، ويعني بذلك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نفسَهُ وغيرَهُ من المسلمين . ولا شكَّ في كفرِ من حارب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ وعلى هذا فيكونُ قوله - عليه الصلاة والسلام - : فَلَيْسَ مِنَّا ، أي : ليس بمسلمٍ ، بل هو كافرٌ . وأمَّا مَنْ حاربَ غيرَهُ مِنَ المسلمين متعمِّدًا مستَحِلاًّ مِنْ غير تأويل ، فهو أيضًا كافرٌ كالأول . وأمَّا مَنْ لم يكنْ كذلك ، فهو صاحبُ كبيرةٍ ، إنْ لم يكنْ متأوِّلاً تأويلاً مسوَّغًا بوجه . وقد تقدَّم أنَّ مذهبَ أهلِ الحقِّ : لا يكفُرُ أحدٌ من المسلمين بارتكابِ كبيرةٍ ما عدا الشِّرْك ؛ وعلى هذا فيحمَلُ قوله - عليه الصلاة والسلام - : لَيْسَ مِنَّا في حقِّ مِثْلِ هذا على معنى : ليس على طريقتنا ، ولا على شريعتنا ؛ إذْ سُنَّةُ المسلمين وشريعتهم التواصُلُ والتراحُم ، لا التقاطُعُ والتقاتل ؛ ويجري هذا مَجْرَى قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ غَشَّنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا ، ونظائرِهِ ، وتكونُ فائدتُهُ : الرَّدْعَ والزَّجْرَ عن الوقوع في مثل ذلك ؛ كما يقولُ الوالدُ لولدِهِ إذا سلَكَ غيرَ سبيله : لَسْتُ مِنْكَ ، ولَسْتَ مِنِّي! ؛ كما قال الشاعر : إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي
103 - [ 80 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ ، أو شَقَّ الْجُيُوبَ ، أو دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ . ودَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ هنا : هي النياحةُ ، ونُدْبَةُ الميِّت ، والدعاءُ بالويل ، والنَّعْيُ ، وإطراءُ الميِّت بما لم يكنْ فيه ؛ كما كانتِ الجاهليَّةُ تفعل . وَيَحْتملُ أن يراد بها : نداؤهم عند الهِيَاجِ والقتال : يا بني فلانٍ ، مستَنصرًا بهم في الظُّلْمِ والفساد ، وقد جاء النهي عنها في حديث آخر وقال : دَعُوهَا ؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ، وأمَرَ بالانتماءِ إلى الإسلامِ ، فقال : ادْعُوا بِدَعْوَةِ المُسْلِمِينَ الَّتِي سَمَّاكُمُ اللهُ بِهَا . والأولُ : أليقُ بهذا الحديث ؛ لأنَّه قَرَنَهُ بضربِ الخدود ، وشَقِّ الجيوب .
101 - [ 79 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا ، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ : أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي . و صُبْرَةُ الطَّعَامِ : هي الجملةُ المصبورة ، أي : المحبوسةُ للبيع ، والصَّبْرُ : هو الحَبْس . والسَّمَاءُ هنا : هو المطر ، سمِّي بذلك ؛ لنزوله مِنَ السماء ، وأصلُ السماء : كلُّ ما علاك فأظلَّك . والغِشُّ : ضدُّ النصيحة ، وهو بكسر الغين ؛ يقال : غَشَّهُ يَغِشُّهُ غِشًّا ، وأصله من اللبن المغشوش ، أي : المخلوطِ بالماءِ تدليسًا .
155- [ 122 / م ] وعَنْهُ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ ؟ وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ . قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ ؟ قَالَ : فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ - عَزَّ وَجَلَّ - وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم 156 - [ 123 ] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ : فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ : تَعَالَ صَلِّ لَنَا ، فَيَقُولُ : لا ، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ. و ( قوله : وإمامكم منكم و أمكم أيضًا ) قد فسّره ابن أبي ذئب في الأصل ، وتكميله أن عيسى - عليه السلام - لا يأتي لأهل الأرض بشريعة أخرى ، وإنّما يأتي مقرِّرًا لهذه الشريعة ، ومجدِّدًا لها ؛ لأنّ هذه الشريعة آخر الشرائع ، ومحمّد - صلى الله عليه وسلم - آخر الرسل . ويدلّ على هذا دلالةً واضحةً قولُ الأمير لعيسى : تعال صلِّ لنا ، فيقول : لا ، إنّ بعضَكم على بعض أمراء ؛ تكرمةَ الله هذه الأمّة . و تكرمة منصوب على أنه مفعول من أجله . و ظاهرين : غالبين عالين . ومنه قوله تعالى : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ . و فجّ الروحاء موضع معروف .
1252 - [ 124 ] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : والَّذِي نَفْس محمد بِيَدِهِ! لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أو مُعْتَمِرًَا أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا . و ( قوله : أو ليثنينّهما ) يعني : ليقرننّ بينهما . أو يحتمل أن تكون إبهامًا على السامع ؛ إذ ليس هذا من باب الأحكام ، ولا تدعو الحاجة إلى التعيين ، ويجوز بقاؤها على أصلها من الشكّ .
( 51 ) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به 155- [ 122 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : وَاللهِ ! لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلاً ، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ ، وَلتَتْرُكَنَّ الْقِلاص ، فَلا يُسْعَى عَلَيْهَا ، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ . ( 51 ) ومن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام ( قوله : لَينزلنّ فيكم ابنُ مريم حَكَمًا مُقسِطًا ) وفي رواية : عادلاً مفسِّرًا . يقال : أَقسَطَ الرجلُ يُقسِطُ ؛ أي : عدل ، ومنه قوله تعالى : وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وقَسَطَ يَقْسُطُ قُسوطًا وقِسْطًا ؛ أي : جار ، ومنه قوله تعالى : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وقتْلُ عيسى للخنزير وكسْره الصليب يدلّ على أنّ شيئًا من ذلك لم يسوِّغْه لهم ، وأنّ ذلك لا يقر إذا تمكّن من تغييره وإزالته . وقيل معنى قوله : ويكسّر الصليب ؛ أي : يبطل أمرُه ويُكسر حكمُه ، كما يقال : كسر حجّته . و ( قوله : وليضعن الجزية ) قيل : يُسقطها فلا يقبلها من أحدٍ ، وذلك لكثرة الأموال ؛ إذ تقيء الأرض أفلاذ كبدها ، فلا يكون في أخذها منفعة للمسلمين ، فلا يقبل من أحد إلا الإيمان . وقيل : يضربها على كلّ صنف من الكفّار ؛ إذ قد أذعن الكلّ له فإمّا بالإسلام ، وإمّا بأنْ ألقوا بأيديهم . والتأويل الأوّل أولى ؛ لقوله بعد هذا : ولْتتركنّ القلاص ، فلا يُسعى عليها ؛ أي : لا تطلب زكاتها ، كما جاء في الحديث الآخر . و القلاص : جمع قَلوص ، وهي من الإبل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال . وهذا كقوله تعالى : وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ؛ أي : زُهِد فيها وتُرِكت ، وإن كانت أحبَّ الأموال إليهم الآن . والشحناء والتباغُض والعداوة بمعنى واحد . والتحاسد : الحسد ، وهو أن يتمنّى زوالَ نعمة الله عن المسلم . والغبطة : أن تتمنّى أن يكون لك مثلها من غير أن تزول عنه ، وهو التنافس أيضًا . و ( قوله : حتّى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها ) معناه : أنّ الصلاة تكون أفضلَ من الصدقة ؛ لفيض المال إذ ذاك ، لعدم الانتفاع به . وأهل الحجاز يُسمُّون الركعة سجدة .
( 50 ) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وشدة عذابه إذا لم يؤمن 153 - [ 120 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؛ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ! لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أو نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ، إِلاّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ . 154 - [ 121 ] وعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعَرِي ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ : رَجُلٌ مِنْ أهل الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ ، فَلَهُ أَجْرَانِ . وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحَقَّ سَيِّدِهِ ، فَلَهُ أَجْرَانِ . وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا ، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ، فَلَهُ أَجْرَانِ . ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ : خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ . ( 50 ) ومن باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن ( قوله : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ) الحديث . الأمّة في أصل اللغة : الجماعة من الحيوان ، قال الله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ وقال : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يسقون ثم قد استعمل في محامل شتّى ، والمراد به في هذا الحديث : كل من أُرْسِلَ إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - ولزمته حجته ، سواء صدّقه أو لم يصدّقه ، ولذلك دخل فيه اليهودي والنصراني . لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا ، فإنه قال فيه : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، بغير واو العطف ، فإنّه يكون بدلاً من الأمة . وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد ، وقال : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهوديّ ولا نصرانيّ ، فحينئذ لا يدخل اليهوديّ ولا النصرانيّ في الأمة المذكورة ، والله تعالى أعلم . وفيه دليل على أنّ مَن لم تبلغْه دعوةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أمره ، لا عقاب عليه ولا مؤاخذة ، وهذا كما قال تعالى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ومن لم تبلغْه دعوة الرسول ولا معجزته ، فكأنّه لم يُبعثْ إليه رسول . وهذا الكتابيّ الذي يضاعَف أجرُه ، هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقدًا وفعلاً ، ثمّ لم يزل متمسّكًا بذلك إلى أنْ جاء نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - فآمن به ، واتّبع شريعته ، فهذا هو الذي يؤجَر على اتّباع الحقّ الأوّل والحقّ الثاني . وأمّا من اعتقد الإلهيّة لغير الله تعالى ، كما تعتقده النصارى اليوم ، أو من لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه ، فإذا أسلم جبّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط ، ولم يكن له حقّ يؤجر عليه إلاّ الإسلام خاصّة - والله أعلم وسيأتي في هذا الحديث زيادة بحث .
( 49 ) باب إعطاء من يخاف على إيمانه 150 - [ 119 ] عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ؛ قَالَ : قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَسْمًا ، فَقُلْتُ : يَا رسولَ الله ! أَعْطِ فُلانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : أو مُسْلِمٌ ، أَقُولُهَا ثَلاثًا ، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاثًا : أو مُسْلِمٌ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ . وَفِي رِوَايَةٍ قال : مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا . وفِي أُخْرَى : قال : فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ، ثُمَّ قَالَ : أَقِتَالاً ؟ أَيْ سَعْدُ ! إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وذكر نحوه . ( 49 ) ومن باب إعطاء مَن يُخاف على إيمانه ( قوله : أعطِ فلانًا فإنّه مؤمنٌ ، فقال : أو مسلم ) دليل على صحّة ما قدّمناه من الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام ، وأن الإيمان من أعمال الباطن ، وأن الإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة ، وفيه ردٌّ على غُلاة المُرجِئة والكرامية ، حيث حكموا بصحّة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقد بقلبه ، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا ؛ لأنّه تسويغٌ للنفاق . وفيه حجّة لمن يقول : أنا مؤمن بغير استثناء . وهي مسألة اختلف فيها السلف ، فمنهم المجيز والمانع . وسبب الخلاف النظر إلى الحال أو إلى المآل ، فمن منع خاف من حصول شك في الحال أو تزكية ، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال وهو غيب في الحال ؛ إذ لا يدري بما يختم له . والصواب : الجوازُ إذا أُمِنَ الشكُّ والتزكيةُ ، فإنّه تفويض إلى الله تعالى . و ( قوله : أو مسلمًا ) الرواية بسكون الواو ، وقد غلط من فتحها وأحال المعنى ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُرِدْ استفهامَه ، وإنما أشار له إلى القِسْمِ الآخر المختص بالظاهر الذي يمكن أن يدرك ، فجاء بأو التي للتقسيم والتنويع . و ( قوله : مخافة أن يكبّه الله في النار ، الرواية يَكُبه بفتح الياء وضمّ الكاف ، من كبّ ثلاثيًا . ولا يجوز هنا غيره ؛ لأنّ رباعيَّه لازم ، ولم يأت في لسان العرب فعلٌ ثلاثيّه متعدٍ ورباعيّه غير متعدٍ إلا كلمات قليلة ، يقال : أكبَّ الرجلُ وكببْتُه ، وأقشعَ الغيمُ وقشعتْه الريح ، وأنسَلَ ريشُ الطائر ووَبَرُ البعيرِ ونسلْتُه أنا ، وأنزفتِ البئرُ : قلَّ ماؤها ونزفْتُها أنا ، وأَمْرَت الناقةُ : قلَّ دَرُّها ومَرَيْتُها أنا ، وأشنقَ البعيرُ أي : رفَع رأسَه ، وشْنَقْتُه أنا . و ( قوله : والله إني لأُراه مؤمنًا ) الرواية بضم الهمزة ، بمعنى أظنّه ، وهو من سعد حلفٌ على ما ظنَّه ، فكانت هذه اليمين لاغية ، ولذلك لم ينكرها النبي - صلى الله عليه وسلم ولا أمره بكفارة عنها ، فكان فيه دليل على جواز الحلف على الظنّ ، وأنّها هي اللاغية ، وهو قول مالك والجمهور . و ( قوله : أقِتَالاً ؟ أيْ سعد ! ) هو مصدر ، أي : أتُقَاتِلُني قتالاً ؟ فحذف الفعل ؛ لدلالة المصدر عليه . ومعنى القتال هنا : الدفع والمكابدة ، وهذا كقوله في المارّ بين يدَيْ المصلِّي : فإنْ أبى ، فَلْيُقَاتِلْه ، أي : فَلْيُدَافعْه ويمنعْه من المرور .
148 - [ 117] وعَنْ أَنَسٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرْضِ : اللهَ ، اللهَ . وفي أخرى : لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ : اللهَ ، اللهَ . و ( قوله : لا تقوم الساعةُ حتّى لا يقالَ في الأرض : اللهَ اللهَ ) كذا صوابه بالنصب ، وكذلك قيّدناه عن محقِّقي من لقيناه ، ووجهه أنّ هذا مثل قول العرب : الأسدَ الأسدَ ، والجدارَ الجدارَ ، إذا حذّروا من الأسد المفترس والجدار المائل ، فهو منصوب بفعل مضمر ، كأنّهم قالوا : احذر الأسد ، لكنّهم التزموا إضماره هنا ؛ لتكرار الاسم ونصبه ، كما قال الشاعر : أخاكَ أخاكَ إنّ من لا أخَا له كساعٍ إلى الهيجا بغيرِ سلاحِ فإن أفردوا ، ذكروا الفعل فقالوا : اتّقِ الأسد واحذر الجدار ، واحفظ أخاك . وقد قيَّده بعضهم اللهُ اللهُ بالرفْع على الابتداء وحذْف الخبر ، وفيه بُعد . ولا يعارض هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة ؛ لأنّ هذه الطائفة يقاتلون الدجّال ويجتمعون بعيسى - عليه السلام ثمّ لا يزالون على ذلك إلى أن يقبضهم الله بالريح اليمانية التي لا تُبقِي مؤمنا إلا قبضَتْه ، فيبقى شرارُ الخلق بعدهم ليس فيهم من يقول : الله الله ، يتهارجون تهارُج الحُمُر ، فعليهم تقوم الساعة ، على ما يأتي في كتاب الفتن .
149 - [ 118 ] وعَنْ حُذَيْفَةَ ؛ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلامَ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رسولَ الله ! أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ ؟ قَالَ : إِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا . قَالَ : فَابْتُلِينَا ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لا يُصَلِّي إِلاّ سِرًّا . و ( قوله : أَحْصُوا لي كَمْ يلفظ الإسلام ) أي : عدّوا لي ، ومنه : وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا . وأصل اللفظ الرمي ، ومنه : لفظه البحر ، أي : رماه ، وعداه بنفسه لما حذف الباء في رواية ، وفي أخرى بثبوت الباء ؛ لأنه محمول على تكلّم المتعدي بحرف الجرّ ، فكأنه قال : عُدُّوا لي كم يتكلم بالإسلام . و ( قول حذيفة : فابتُلِينَا حتّى جعل الرجل منّا لا يصلّي إلا سرًا ) يعني بذلك - والله أعلم - ما جرى لهم في أوّل الإسلام بمكة حين كان المشركون يُؤْذُونهم ، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم ، حتى كانوا يُصلّون سرًّا .
( 48 ) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود ؟ 145- [ 114 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء . ( 48 ) ومن باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود ؟ ( قوله : بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ) كذا روايتُه بهمز بدأ ، وفيه نظر ، وذلك أنّ بدأ مهموزًا متعدٍّ إلى مفعول ؛ كقوله تعالى : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ قال صاحب الأفعال : يقال بدأ الله الخلق بدءًا ، وأبدأهم : خَلَقهم ، وبدأ في الحديث لا يقتضي مفعولاً ، فظهر الإشكال . ويرتفع الإشكال بأنْ يحمل بدأ الذي في الحديث على طرأ فيكون لازمًا ، كما قد اتّفق للعرب في كثير من الأفعال ، يتعدّى حملاً على صيغةٍ ، ولا يتعدّى حملاً على أخرى ، كما قالوا : رجع زيد ورجعته ، وفَغَرَ فَاه وفَغَرَ فُوه ، وهو كثير . وقد سمعت من بعض أشياخي إنكار الهمزة ، وزعم أنّه بدا بمعنى ظهر غير مهموز ، وهذا فيه بعد من جهة الرواية والمعنى . فأما الرواية بالهمز ، فصحيحة النقل عَمَّن يُعتمد على علمه وضبطه . وأمّا المعنى ، فبعيد عن مقصود الحديث ، فإنّ مقصودَه أنّ الإسلام نشأ في أول أمره في آحادٍ من الناس وقلّة ، ثمّ انتشر وظهر ، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنّه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة كابتدائه . وأصل الغربة البعد ، كما قال : فلا تحرميني نائلا عن جناية فإني امرؤٌ وَسْطَ العباب غريبُ ويحتمل أن يراد بالحديث المهاجرون ؛ إذ هم الذين تغرَّبوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم ، فيكون معناه أنّ آخر الزمان تشتدّ فيه المحن على المسلمين ، فيفرّون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون . وقد ورد في الحديث : قيل : يا رسول الله ! من الغرباء ؟ قال : هم النزاع من القبائل ، إشارة إلى هذا المعنى ، والله أعلم . ولذلك قال الهرويّ : أراد بذلك المهاجرين . والنُزَّاع جمع نزيع أو نازع ، وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته وبَعُدَ عن ذلك .
146 - [ 115] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ ، وهو يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا . 147- [ 116 ] ومن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّ الإِيْمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ بنحوه . و ( قوله : الإسلام يأرِز بين المسجدين ، وإنّ الإيمان ليأرِز إلى المدينة ) قال أبو عبيد : أي : ينضمّ ويجتمع بعضه إلى بعض كما تنضمّ الحيّة في جحرها . وقال ابن دريد : أَرَزَ الشيء يأْرِز ، إذا ثبت في الأرض ، وشجرة أرْزَة ، أي : ثابتة مجتمعة . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبار بما كان في عصره وعصر من يليه من أصحابه وتابعيهم ، من حيث إنّ المدينة دار هجرتهم ومقامهم ، ومقصدهم وموضع رحلتهم في طلب العلم والدين ، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مهمّات دينهم ووقائعهم ، حتّى لقد حصل للمدينة من الخصوصيّة بذلك ما لا يوجد في غيرها . وفيه حجّة على صحّة مذهب مالك في تمسُّكه بعمل أهل المدينة وكونِه حجّةً شرعيّة . وقال أبو مصعب الزبيريّ في معنى هذا الحديث : إنّما المراد بالمدينة أهل المدينة ، وأنّه تنبيه على صحّة مذهبهم ، وسلامتهم من البدع المحدثات ، واقتدائهم بالسنن ، والإيمان مجتمع عندهم وعند من سلك سبيلهم . و ( قوله : بين المسجدين ) يعني : مسجدي مكّة والمدينة . وهو إشارة إلى أنّ مبدأ الإيمان كان بمكّة وظهوره بالمدينة .
107- [ 83 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ . و ( قوله : شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ) العائلُ : الفقير ، والمُعِيلُ : الكثيرُ العِيَال ؛ يقال : عال الرجلُ فهو عائلٌ : إذا افتقَرَ ، والعَيْلَةُ : الفقر ، وأعالَ فهو مُعِيلٌ : إذا كَثُرَ عياله . وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة ؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحْضُ المعاندة ، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها ؛ إذْ لم يَحْمِلْهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما يدعو مَنْ لم يكنْ مثلهم . وبيانُ ذلك : أنَّ الشَّيْخَ لا حاجةَ ولا داعية له تدعوه إلى الزنى ؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه ، ولكمالِ عَقْلِه ، ولقربِ أجله ؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره . ونحو من ذلك المَلِكُ الكَذَّابُ ؛ إذْ لا حاجةَ له إلى الكذب ؛ فإنه يمكنه أنْ يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدْق ، فإنْ خاف من الصدق مفسدةً ، وَرَّى . وأما العَائِلُ المُسْتَكْبِرُ : فاستحقَّ ذلك ؛ لغلبة الكِبْرِ على نفسه ؛ إذْ لا سببَ له مِنْ خارجٍ يحملُهُ على الكبر ؛ فإنَّ الكِبْرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ والجاه ، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه ؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبْرِ على نفسه ، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه ، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ الرقة والتواضُعُ ؛ لفقره وعجزه .
( 34 ) بَابٌ مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ 106 - [ 82 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاَثَ مِرَارٍ ، فقَالَ أبو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ! مَنْ هُمْ يَا رسولَ الله ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ ، وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ . وفِي رِوَايَةٍ : الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ . ( 34 ) وَمِنْ بَابِ : مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( قوله : لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ) أي : بكلامِ مَنْ يرضى عنه . ويجوز : أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَنْ سَخِطَ عليه ؛ كما جاء في كتاب البخاري : يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ : اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي ؛ كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين : اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ . وقيل : معناه : لا يكلِّمهم بغير واسطة ؛ استهانةً بهم . وقيل : معنى ذلك : الإعراضُ عنهم ، والغضَبُ عليهم . ونَظَرُ الله تعالى إلى عباده : رحمتُهُ لهم ، وعطفُهُ عليهم ، وإحسانُهُ إليهم ، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث . و ( قوله : وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) قال الزجَّاج : لا يُثْنِي عليهم ، ومن لم يُثْنِ عليه عذَّبه ، وقيل : لا يُطَهِّرهم مِنْ خُبْثِ أعمالهم ؛ لعظيمِ جُرْمهم . والعذاب الأليم : الشديدُ الألمِ المُوجِعُ . و ( قوله : المُسْبِلُ إِزَارَهُ ) أي : الجارُّهُ خُيَلاَءَ ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا . والخُيَلاَء : الكِبْرُ والعُجْب . ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه : على أنَّ مَنْ جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء ، لم يَدْخُلْ في هذا الوعيد ؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ ، قال : يا رسولَ الله ، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : لَسْتَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ ؛ خرَّجه البخاري . وحُكْمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ ؛ وقد روى أبو داود مِنْ حديثِ ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال : الإسْبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ ؛ فَمَنْ جَرَّ مِنْهَا خُيَلاَءَ ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر : ما قاله رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الإزارِ ، فهو في القَمِيصِ . قال المؤلف - رحمه الله - : وقد بيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه ؛ فقال فيما رواه أبو داود ، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ : أُزْرَةُ المُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ ، مَا أَسْفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ . والمَنَّان : فَعَّالٌ من المَنِّ ، وقد فسَّره في الحديث ، فقال : هو الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئًا إِلاَّ منَّة ؛ أي : إلا امتَنَّ به على المُعْطَى له ، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء ، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء ، مُؤْذٍ للمُعْطَى له ؛ ولذلك قال تعالى : لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى . وإنَّما كان المَنُّ كذلك ؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخْلِ ، والعُجْبِ ، والكِبْر ، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه ؛ فالبخيلُ : يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ ، وإنْ كانتْ حقيرةً في نفسها ، والعُجْبُ : يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة ، وأنَّه مُنْعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له ، ومتفضِّلٌ عليه ، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ ، والكِبْرُ : يحمله على أن يحتقر المُعْطَى له ، وإنْ كان في نفسه فاضلاً ، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ ، ونِسْيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه ؛ إذْ قد أنعَمَ عليه مما يُعْطِي ، ولم يَحْرِمْهُ ذلك ، وجعله ممَّنْ يُعْطِي ، ولم يجعلْهُ ممَّن يَسْأَل ، ولو نظَرَ ببصيرة لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِنْ إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع ، ومن الذنوب ، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل ، والثناءِ الجميل ، ولبسط هذا موضعٌ آخر . وقيل : المَنَّانُ في هذا الحديث : هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطْع ؛ كما قال الله تعالى : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي : غَيْرُ مقطوع ؛ فيكونُ معناه : البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ ؛ كما قد جاء في حديثٍ آخر : البَخِيلُ المَنَّانُ ، فنَعَتَهُ به ، والتأويلُ الأوَّل أظهر .
108 - [ 84 ] وَعَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلْعَةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا ، فَصَدَّقَهُ ، وهو عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا ؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ . وَفِي رِوَايَةٍ : سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ . و ( قوله : ورَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ ) يعني بفَضْلِ المَاءِ : ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخْذِ حاجتِهِ منه ؛ فمَنْ كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد . وابنُ السَّبِيل : هو المسافر ، والسبيلُ : الطريق ، وسمِّي المسافرُ بذلك ؛ لأنَّ الطريقَ تُبْرِزه وتُظْهِره ، فكأنَّها وَلَدَتْهُ ، وقيل : سمِّي بذلك ؛ لملازمتِهِ إياه ، كما يقالُ في الغراب : ابنُ دَأْيَة ؛ لملازمتِهِ دَأْيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنْقُرَهَا . والفَلاَةُ : القَفْر ، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن منعه بقوله : لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ ، وسيأتي الكلامُ عليه . وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك ؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِنْ مستَحِقِّهِ ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه ، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك ؛ لأنَّه قتلَهُ ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح . و ( قوله : وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلْعَةً ) رويناه سِلْعَةً بغير باء ، ورويناه بالباء ؛ فعلى الباء : بايَعَ بمعنى ساوَمَ ؛ كما جاء في الرواية الأخرى : ساوَمَ ، مكان بايَعَ ، وتكونُ الباء بمعنى عن ؛ كما قال الشاعر : فَإِنْ تَسْأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ أي : عن النِّسَاء . وعلى إسقاطها : يكون معنى بايع : باع ؛ فيتعدَّى بنفسه ، وسِلْعةً : مفعولٌ . و ( قوله : فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا ) يعني : أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى ؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب ، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلْمًا ؛ فقد جمع بين كبائر ، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد . وتخصيصُهُ بما بَعْدَ العَصْر ، يَدُلُّ على أنَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرْمةِ ما ليس لغيره مِنْ ساعات اليوم . قال المؤلف - رحمه الله - : ويظهرُ لي أنْ يقال : إنما كان ذلك ؛ لأنَّه عَقِبَ الصلاةِ الوُسْطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانتْ هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدْرِ أكثَرُ مما لغيرها ، فينبغي لمصلِّيها أن يَظْهَرَ عليه عَقبهَا من التحفُّظِ على دينه ، والتحرُّزِ على إيمانِهِ أكثَرُ مما ينبغي له عَقبَ غيرها ؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا أن تَنْهَى عن الفحشاء والمنكر ؛ كما قال الله تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، أي : تَحْمِلُ على الامتناعِ عنْ ذلك ، مما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح ، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه ؛ ولهذا أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : مَنْ لم تَنْهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنْكَرِ ، لم يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا ، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها ، كانتِ الوسطى بذلك أولَى ، وحقُّها في ذلك أكثرَ وأوفَى ؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير ، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفْسَدَ ، والله تعالى أعلم . وهذا الذي ظهَرَ لي أَوْلَى مما قاله القاضي أبو الفَضْل ؛ فإنَّه قال : إنَّما كان ذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقْتِ ؛ لوجهَيْن : أحدهما : لأنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ العَصْرِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ ؛ وعلى هذا فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر ؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك . وثانيهما : أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُمْ إنما هو في حالِ فعل هاتَيْنِ الصلاتين لا بعدهما ؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال : يَجْتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجْرِ وصَلاَةِ العَصْرِ ، وتقولِ الملائكةِ : أتيناهُمْ وهم يُصَلُّونَ ، وتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَطْ ، وبها يَشْهَدون . فتدبَّرْ ما ذكرتُهُ ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ ، والله أعلم . و ( قوله : وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا ) إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ ؛ لأنَّه لم يَقُمْ لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيْعةِ الدينيَّة ، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص ، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِنْ دنيا يَقْصِدها ، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده ، بَقِيَتْ عهدتُهَا عليه ؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ والمسلمين ، غيرُ ناصحٍ في شيء من ذلك . ومَنْ كان هذا حاله ، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين ؛ بحيثُ يَسْفِكُ دماءَهُمْ ، ويستبيحُ أموالهم ، ويَهتِكُ بلادهم ، ويَسْعَى في إهلاكهم ؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَنْ بلّغهُ إلى أغراضه ، فيبايعُهُ لذلك ويَنْصُرُهُ ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد . وقد تكونُ هذه المخالفة في بعضِ أغراضه ، فينكُثُ بيعتَه ، ويطلُبُ هَلَكَتَه ، كما هو حالُ أهل أكثر هذه الأزمانْ ، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدْرُ والخِذْلاَنْ . و ( قوله : فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ ) هكذا الرواية وَفَى بتخفيفَ الفاء ، و يَفِ محذوفَ الواو والياءِ مخفَّفًا ، وهو الصحيحُ هنا روايةً ومعنًى ؛ لأنَّه يقال : وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً ، والوفاءُ ممدودٌ ضِدُّ الغدر ، ويقال : أوفَى ، بمعنى : وَفَى ، وأما وَفَّى المشدَّدُ الفاءِ ، فهي بمعنى توفيةِ الحَقِّ وإعطائِهِ ؛ يقال : وفَّاه حَقَّهُ يُوَفِّيهِ تَوْفِيَةً ؛ ومنه قوله تعالى : وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ، أي : قام بما كُلِّفَهُ مِنَ الأعمالِ ؛ كخِصَالِ الفطرة وغيرها ؛ كما قال الله تعالى : فَأَتَمَّهُنَّ ، وحكى الجوهريُّ : أوفاه حقَّه . قال المؤلف - رحمه الله - : وعلى هذا وعلى ما تقدَّم ، فيكونُ أَوْفَى بمعنى الوفاء بالعهد ، وتوفيةِ الحق . والأصلُ في أَوْفَى : أَطَلَّ على الشيء ، وأشرَفَ عليه . و ( قوله : والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِب ) الروايةُ في المُنَفِّق : بفتح النون وكسر الفاء مشدَّدة ، وهي مضاعَفُ : نَفَقَ البِيعُ يَنْفُقُ نَفَاقًا : إذا خرَجَ ونفَدَ ، وهو ضدُّ كَسَدَ ، غيرَ أنَّ نَفَقَ المخفَّفَ لازمٌ ، فإذا شُدِّد ، عُدِّي إلى المفعول ، ومفعولُهُ هنا سِلْعة . وقد وصَفَ الحَلِف وهي مؤنَّثة ، بالكاذب وهو وصفُ مذكَّرٍ ، وكأنَّه ذهب بالحلفِ مذهبَ القَوْل فذكَّره ، أو مذهَبَ المصدر ، وهو مِثْلُ قولهم : أتاني كِتَابُهُ فَمَزَّقْتُهَا ؛ ذهب بالكتابِ مذهَبَ الصَّحِيفة ، والله تعالى أعلم .
144 - [ 113 ] وعَنْه ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الْفِتَنَ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : نَحْنُ سَمِعْنَاهُ ، فَقَالَ : لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أهلِهِ وَجَارِهِ ؟ قَالُوا : أَجَلْ ، قَالَ : تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ : فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ ، فَقُلْتُ : أَنَا ، قَالَ : أَنْتَ ؟ للهِ أَبُوكَ! قَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ : عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ؛ لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ . قَالَ حُذَيْفَةُ : وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ ، قَالَ عُمَرُ : أَكَسْرًا لاَ أَبَا لَكَ! فَلَو أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ! قلت : لاَ بَلْ يُكْسَرُ ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أو يَمُوتُ ، حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ . قَالَ أبو خَالِدٍ : فَقُلْتُ لِسَعْدٍ : يَا أَبَا مَالِكٍ ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادا ؟ قَالَ : شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ ، قَالَ : قُلْتُ : فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا ؟ قَالَ : مَنْكُوسًا . و أَجَلْ بمعنى : نَعَم . و تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ أي : تَضْطرِبُ ويدفعُ بعضُها بعضًا ، وكُلُّ شيءٍ اضطرَبَ : فقد ماج ؛ ومنه : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ . و أَسْكَتَ الْقَوْمُ أي : أَطْرَقوا ؛ قال الأصمعيُّ : سكَتَ القومُ : صَمَتُوا ، وأَسْكَتوا : أَطْرَقوا ، وقال أبو عليٍّ البغداديُّ وغيره : سكَتَ وأسكَتَ ، بمعنى : صَمَتَ . قال الهرويُّ : ويكونُ سكَتَ بمعنى سكَنَ ؛ ومنه : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ وبمعنى انقطَعَ ؛ تقول العرب : جرى الوادي ثلاثًا ، ثم سكَتَ ، أي : انقطَعَ ، ويقال : هو السُّكُوتُ والسُّكَاتُ ، وسكَتَ يَسْكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا . و ( قوله : كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ) قيد ثلاثُ تقييدات ، قيَّده القاضي الشَّهِيد : بفتح العينِ المهملة والذالِ المعجمة . وقيَّده أبو بحر سفيانُ بن العاصي : بضمِّ العين ودالِ المهملة . واختار أبو الحُسَيْنِ بنُ سِرَاجٍ : فَتْحَ العينِ والدالِ المهملة . فمعنى التقييدِ الأوَّل : سؤالُ الإعاذة ؛ كما يقال : غَفْرًا غَفْرًا ، أي : اللهمَّ اغفِرْ ، اللهم اغفرْ . وأما التقييد الثاني ، فمعناه : أنَّ الفتن تتوالَى واحدةً بعد أخرى ؛ كَنَسْج الحصير عُودًا بإزاء عُود ، وشَطْبةً بإزاء شَطْبة ، أو كما يناولُ مهيِّئ القُضْبان للناسجِ عُودًا بعد عُود . وأما التقييدُ الثالث : فمعناه قريب مِنْ هذا ، يعني أنَّ الفتنةَ كلَّما مضت ، عادَتْ ؛ كما يفعلُ ناسجُ الحصير : كلَّما فرَغَ من موضعِ شَطْبةٍ أو عُودٍ ، عاد إلى مثله . والمعنى الثاني أمكَنُ وأليقُ بالتشبيه ، والله أعلم . و أُشْرِبَهَا أي : حَلَّتْ فيه مَحَلَّ الشَّرب ؛ كقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي : حُبَّهُ . و ( قوله : عَلَى قَلْبَيْنِ : أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ) أي : قَلْبٍ أبيضَ ، فحذَفَ الموصوفَ للعِلْمِ به ، وأقامَ الصفةَ مُقَامَهُ . وليس تشبيهُهُ بالصَّفَا مِنْ جهة بياضه ، ولكنْ مِنْ جهةِ صلابته على عَقْدِ الإيمان ، وسلامتِهِ من الخَلَلِ والفتن ؛ إذْ لم يلْصَقْ به ولم يؤثِّر فيه ؛ كالصَّفَا وهو الحَجَرُ الأملسُ الذي لا يَعْلَقُ به شيءٌ ، بخلاف القلبِ الآخَرِ الذي شبَّهه بالكُوزِ الخاوي ؛ لأنه فارغٌ من الإيمانِ والأمانة . و ( قوله : وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادّا ) قيد ثلاثُ تقييدات ؛ مُرْبَادٌّ : مُفْعَالٌّ ، من ارْبَادَّ ؛ مِثْلَ مُصْفَارٍّ من اصْفَارَّ ؛ وهو روايةُ الخُشَنِيِّ عن الطبريِّ . ومُرْبَدٌّ : مثلُ مُسْوَدٍّ ومُحْمَرٍّ ، من اربَدَّ واسْوَدَّ واحْمَرَّ ؛ وهو تقييدُ أبي مروانَ بنِ سِرَاجٍ . ومُرْبَئِدٌّ بالهمز ، قيَّده العُذْرِيُّ ، وكأنَّه من ارْبَأَدَّ لغةٌ . وقال بعض اللغويين : احمَرَّ الشيء ، فإذا قوي ، قيل : احمَارَّ ، فإذا زاد ، قيل : احمَأَرَّ بالهمز ؛ فعلى هذا تكونُ تلك الرواياتُ صوابًا كلُّها . قال أبو عبيد ، عن أبي عمرو وغيره : الرُّبْدَة : لَوْنٌ بين السواد والغُبْرة ، وقال ابن دُرَيْد : الرُّبْدة : الكُدْرة ، وقال الحَرْبِيُّ : هو لونُ النَّعَامِ ؛ بعضُهُ أسودُ ، وبعضُهُ أبيض ، ومنه : اربَدَّ لونه ؛ إذا تغيَّر ودخله سواد ؛ وإنما سمِّي النعام رُبْدًا ؛ لأنَّ أعاليَ رِيشِهَا إلى السواد ، وقال نِفْطَوَيْهِ : المُرْبَدُّ : الملمَّع بسواد وبياض ، ومنه : تربَّدَ لونُه ، أي : تلوَّن فصار كلونِ الرماد . وقولُ سعدِ بنِ طارق لخالدٍ الأحمرِ في تفسير مُرْبَادّ : شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ ، قال فيه القاضي أبو الوليدِ الكِنَانِيُّ : هذا تصحيفٌ ، وأرى صوابه : شِبْهُ البياضِ في سواد ؛ وذلك أنَّ شِدَّةَ البياضِ في سوادٍ لا تسمَّى رُبْدة ، وإنما يقال لها : بَلَقٌ ؛ إذا كان في الجِسْم ، وحَوَرٌ ؛ إذا كان في العين ، والرُّبْدة إنما هي شيءٌ من بياضٍ يسيرٍ يخالطُه السوادَ ؛ كلونِ أَكْثَرِ النعام . و ( قوله : كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ) قال الهروي : المُجَخِّي : المائلُ ، وجَخَّى : إذا فتح عَضُدَيْهِ في السجود ، وكذلك : جَخَّ ، وقال شَمِرٌ : جَخَّى في صلاته : إذا رفَعَ بطنَهُ عن الأرض في السجود ، وكذلك : خَوَّى . وقال أبو عُبَيْد : المجخّى : المائلُ ، ولا أَحْسِبُهُ أراد بميله إلا أنه منخَرِقُ الأسفلِ ، شبَّه به القلبَ الذي لا يَعِي خيرًا ولا يَثْبُتُ فيه ، كما لا يثبُتُ الماءُ في الكُوزِ المنخرق . قال المؤلف - رحمه الله - : ولا يحتاجُ إلى هذا التقديرِ والتكلُّف ؛ فإنَّه إذا كان مقلوبًا منكوسًا - كما قال سعد - لم يَثْبُتْ فيه شيءٌ وإنْ لم يكنْ مُنْخَرِقًا ، وقد فسَّره سياقُ الكلام ؛ حيثُ قال : لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ . و ( قوله : أَكَسْرًا لاَ أَبَا لَكَ ! ) استعظامٌ من عمر لكسر ذلك البابِ ، وخوفٌ منه ألاَّ يَنْجَبِرَ ؛ لأن الكَسْرَ لا يكونُ إلا عن إكراهٍ وغَلَبة ؛ فكأنَّ البابَ المُغْلَقَ عن دخولِ الفتن على الإسلامِ : عمر - رضي الله عنه وكَسْرُهُ قتله . واللام في لاَ أَبَا لَكَ! مُقْحَمَةٌ ، وكذلك في قولهم : لا يَدَيْ لفلانٍ بهذا الأمر ، ولا تريد العربُ بهذا الكلامِ نَفْيَ الأبوَّةِ حقيقةً ، وإنما هو كلامٌ جَرَى على ألسنتهم كالمَثَلِ . ولقد أبدَعَ البديع حيثُ قال في هذا المعنى : وقَدْ يُوحِشُ اللفظُ وكلُّه وُدّ ويُكْره الشيء وما من فعله بُدّ هذه العربُ تقولُ : لا أَبَا لك للشيءِ إذا أهَمّ ، و قاتَلَهُ اللهُ ، ولا يريدون به الذمّ ، و وَيْلَ أُمِّهِ للأمر إذا تَمّ ، والإلبابِ في هذا الباب أن ينْظُرَ إلى القولِ وقائله ، فإنْ كان وليًّا فهو الولاءُ وإن خَشُنْ ، وإنْ كان عدوًّا فهو البَلاَءُ وإنْ حَسُنْ . و ( قوله : حَدِيثًا لَيْسَ بالأَْغَالِيط ) أي : حَدَّثْتُهُ حديثًا ، فهو مصدر . والأَغَالِيطُ : جمع أُغْلُوطة ؛ قال ابن دُرَيْد : هي التي يُغَالَطُ بها ، واحدها : مَغْلَطَةٌ وأُغْلُوطة ، وجمعها : أغاليطُ .
( 47 ) بَابٌ فِي رَفْعِ الأَْمَانَةِ وَالإِْيمَانِ مِنَ القُلُوبِ ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَيْهَا 143 - [ 112 ] عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَيْنِ ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ ؛ حَدَّثَنَا : أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ ، قَالَ : يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَْمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ ، فَنَفِطَ ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَها عَلَى رِجْلِهِ ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ ، لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ ، حَتَّى يُقَالَ : إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا ، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ . وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أو يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ، وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعُ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا. ( 47 ) وَمِنْ بَابِ رَفْعِ الأَْمَانَةِ وَالإِْيمَانِ مِنَ القُلُوبِ ( قوله : إِنَّ الأَْمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ) جَذْرُ الشيء - بالجيم المفتوحة - : أصلُهُ ؛ على قولِ الأصمعيِّ ، وحكى أبو عمرو كسرها ، قال أبو عُبَيْدٍ : الجَذْرُ : الأصلُ مِنْ كل شيء . ومعنى إنزالِهَا في القلوبِ : أنَّ الله تعالى جبَلَ القلوبَ الكاملةَ على القيامِ بحقِّ الأمانة ؛ مِنْ حِفْظِهَا واحترامِهَا ، وأدائِهَا لمستَحِقِّها ، وعلى النُّفْرةِ مِنَ الخيانةِ فيها ؛ لِتَنْتَظِمَ المصالحُ بذلك ، لا لأنَّها حَسَنَةٌ في ذاتها ؛ كما يقولُهُ المعتزلةُ ؛ على ما يُعْرَفُ في موضعه . والأَمَانَةُ : كلُّ ما يُوَكَّلُ إلى الإنسانِ حفظُهُ ويُخَلَّى بينه وبينه ؛ ومِنْ هنا سُمِّيَ التكليفُ أمانةً في قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ في قولِ كثيرٍ من المفسِّرين . والوَكْتُ : الأَثَرُ اليسير ؛ يقال للبُسْرِ إذا وقَعَتْ فيه نُكْتةٌ من الأرطاب : قد وَكَّتَ ؛ قاله الهرويُّ ، وقال صاحبُ العين : الوَكْتُ ، بفتح الواو : نكتةٌ في العَيْن ، وعَيْنٌ موكوتة ، والوَكْتُ : سواد العين . والمَجْلُ : هو أن يكونَ بين الجِلْدِ واللحم ماءٌ ، يقالُ : مَجِلَتْ يَدُهُ تَمْجَلُ مَجَلاً ، بكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع ، ومَجَلَتْ ، بالفتح في الماضي ، والكسر في المضارع ، أي : تَنَفَّطَتْ مِنَ العمل . ومُنْتَبِرًا : منتفِخًا ، وأصلُهُ : الارتفاعُ ، ومنه : انْتَبَرَ الأميرُ : إذا صَعِدَ المِنْبَرَ ؛ وبه سمِّي المِنْبَرُ ، ونَبِرَ الجرحُ ، أي : وَرِمَ ، والنَّبْرُ : نَوْعٌ من الذُّبَابِ يَلْسَع ؛ ومنه سمِّي الهمزُ : نَبْرًا ، وكلُّ شيء ارتفَعَ : فقد نَبِرَ ، وقال أبو عبيد : مُنْتَبِرًا : مُنْتَفِطًا . و لاَ يَكَادُ أي : لا يقارب . و ما أجلده! أي : ما أقواه! . و ما أظرفه! أي : ما أحسَنَهُ! والظَّرْفُ عند العرب : في اللسان والجسم ، وهو حُسْنُهما ، وقال ابنُ الأعرابيِّ : الظَّرْفُ في اللسان ، والحَلاَوَةُ في العين ، والمَلاَحَةُ في الفم ، وقال المبرِّد : الظَّرِيفُ : مأخوذٌ من الظَّرْف ، وهو الوعاء ، كأنَّه جُعِلَ وعاءً للآداب ، وقال غيره : يقال منه : ظَرُفَ يَظْرُفُ ظَرْفًا ، فهو ظَرِيفٌ ، وَهُمْ ظُرَفَاء ، وإنما يقال في الفِتْيَانِ والفَتَيَاتِ أهلِ الخِفَّة . و ( قوله : لاَ أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ ) يعني : من البيع ، لا مِنَ المبايعة ؛ لأنَّ اليهوديَّ والنصرانيَّ لا يبايعُ بَيْعَةَ الإسلام ، ولا بيعةَ الإمامة ، وإنما يعني : أنَّ الأمانةَ قد رُفِعَتْ من الناس ، فقَلَّ مَنْ يُؤْمَنُ على البيعِ والشراء . وقد قدَّمنا أنَّ أصلَ الفِتْنَة : الامتحانُ والاختبار ، ثم صارَتْ في العُرْفِ عبارةً عن : كلِّ أمرٍ كَشَفَهُ الاختبارُ عن سوء ؛ قال أبو زيد : فَتِنَ الرجلُ فُتُونًا : إذا وقَعَ في الفتنة ، وتحوَّل عن حالٍ حسنةٍ إلى حالٍ سيئة ، والأهلُ والمالُ والولدُ أمورٌ يُمْتَحَنُ الإنسانُ بها ، ويُخْتَبَرُ عندها ؛ كما قال الله تعالى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ أي : مِحْنَةٌ تُمْتَحَنُونَ بها حتى يَظْهَرَ منكم ما هو خَفِيٌّ عمَّن يُشْكِلُ عليه أمركم .
105- [ 111 ] وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الحدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ ، قَالَ : فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : نَمَّامٌ . و ( قوله : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ ) أي : نَمَّامٌ ، كما فسَّره في الرواية الأخرى ، وفي الصِّحَاح : القَتُّ : نَمُّ الحديثِ ، والقِتِّيتَى مِثْلَ الهِجِّيرَى : النميمةُ . والنمَّام : هو الذي يرفعُ الأحاديثَ يقتتها على وجه المفسدة ، وإلقاءِ الشرور ؛ قال ابنُ الأعرابي : القتّات : هو الذي ينقُلُ عنك ما تحدِّثُهُ وتستكتمُهُ ، والقَسَّاسُ : هو الذي يتسمَّعُ عليكم ما تحدِّثُ به غيرَهُ ، ثُمَّ ينقُلُهُ عنك . وفيه : دليلٌ على أنَّ النميمةَ من الكبائر ، وإنما كانت كذلك ؛ لما يترتَّبُ عليها من المفاسدِ والشرورِ .
( 46 ) بَابُ مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً ، فَلَمْ يَجْتَهِدْ ، وَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ ، وَمَنْ نَمَّ الحَدِيثَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ 142 - [ 110 ] عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَلا يَنْصَحُ ، إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ . ( 46 ) وَمِنْ بَابِ مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً ، فَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ ( قوله : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً ) الحديثَ ، هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَنْ كُلِّفَ حِفْظَ غيرِهِ ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ؛ فالإمامُ الذي على الناس راعٍ ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ ، وهكذا الرجلُ في أهل بيتِهِ ، والوَلَدُ ، والعبدُ . والرعايةُ : الحِفْظُ والصيانة ، والغِشُّ : ضِدُّ النصيحة . وحاصلُهُ : راجعٌ إلى الزجر عن أن يضيِّع ما أُمِرَ بحفظه ، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعْلِ ما يتعيَّنُ عليه . وقد تقدَّم القولُ على قوله : حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ، وأنَّ ذلك محمولٌ على ظاهره إنْ كان مستحلاًّ ، وإن لم يكنْ مُسْتَحِلاًّ ، فأحدُ تأويلاتِهِ : أنه إنْ أنفَذَ اللهُ عليه الوعيدَ ، أدخلَهُ النارَ آمادًا ، ومنعَهُ الجنةَ وحَرَّمَهَا عليه في تلك الآمادِ ، ثم تكونُ حالُهُ حالَ أهلِ الكبائر مِنْ أهل التوحيد ؛ على ما تقدَّم . و ( قوله : لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ ) يُشِيرُ إلى صِحَّةِ ما ذكرناه مِنْ أنَّه لا يدخُلُ الجنةَ في وقتٍ دون وقت ، وهو تقييدٌ للرِّوَايةِ الأخرى المُطْلَقَةِ التي لم يَذْكُرْ فيها منعَهُمْ .
( 45 ) بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فهو شَهِيدٌ 140 - [ 108 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : قَاتِلْهُ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : هو فِي النَّارِ . 141 - [ 109 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فهو شَهِيدٌ . ( 45 ) وَمِنْ بَابِ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فهو شَهِيدٌ . دُونَ في أصلها ظرفُ مكانٍ ، بمعنى : أَسْفَلَ وتَحْتَ ، وهي نقيضُ فَوْق ، وقد استُعْمِلَتْ في هذا الحديث بمعنى لأَِجْلِ السببيةِ ، وهو مجازٌ وتوسُّعٌ ، ووجهه : أنَّ الذي يُقَاتِلُ على ماله ، إنما يجعله خَلْفَهُ أو تحته ، ثم يقاتِلُ عليه . والشَّهِيدُ سمِّي بذلك ؛ لأنَّه حيٌّ ؛ فكأنَّه يشاهدُ الأشياء ؛ قاله النَّضْرُ بن شُمَيْل . وقال ابن الأنباريِّ : سمِّي بذلك ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وملائكتَهُ شَهِدُوا له الجنَّة . وقيل : لأنَّه يُشْهَدُ يومَ القيامةِ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وقيل : لأنَّه يُشَاهِدُ ما أَعَدَّ اللهُ له من الكرامة ؛ كما قال تعالى : فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . و ( قوله : لاَ تُعْطِهِ مَالَكَ وقَاتِلْهُ ) دليلٌ على أنَّ المُحَارِبَ لا يجوزُ أن يُعْطي شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبَهُ على وجه الحِرَابَةِ ما أمكن ، لا قليلاً ولا كثيرًا ، وأنَّ المُحَارِبَ يجبُ قتالُهُ ؛ ولذلك قال مالك : قِتَالُ المحارِبِينَ جهادٌ ، وقال ابن المنذر : عَوَامُّ العلماءِ على قتالِ المحارِبِ على كُلِّ وجهٍ ، ومدافعتِهِ عن المالِ والأهلِ والنَّفْس . قال المؤلف - رحمه الله - : واختلَفَ مذهبنا إذا طلَبَ الشيءَ الخفيفَ كالثَّوْبِ ، والطعامِ - فهل يُعْطُونه أم لا ؟ على قولَيْن ، وذكَرَ أصحابنا : أنَّ سبَبَ الخلافِ في ذلك : هو هل الأَمْرُ بقتالهم من بابِ تغييرِ المُنْكَرِ فلا يُعْطَوْنَ ويُقَاتَلُونَ ، أو هو مِنْ بابِ دفعِ الضَّرَر ؟ وخرَّجوا من هذا الخلافِ في دعائهم قبل القتال ، هل يُدْعَوْنَ قبله أم لا ؟
110 - [ 86 ] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ؛ أَنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، وَأَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِْسْلاَمِ كَاذِبًا فهو كما قال - وَفِي رِوَايَةٍ : مُتَعَمِّدًا - وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لاَ يَمْلِكُهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ . وَفِيهَا : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ . وَفِي أُخْرَى : وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ، ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . و ( قوله : إِنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) وَكَانَتْ سَمُرَةً ، وهذه بيعةُ الرضوانِ التي قال الله فيها : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . وكانتْ قبل فَتْحِ مَكَّة في ذي القَعْدَةِ سنة سِتٍّ من الهجرة . وكان سببها : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قصَدَ إلى مَكَّةَ معتمرًا ، فلمَّا بلغ الحُدَيْبِيَةَ - وهي موضعٌ فيه ماءٌ ، بينه وبين مَكَّةَ نحو من أميال - صَدَّتْهُ قريشٌ عن الدخولِ إلى البيت ، فوجَّه لهم عثمانَ رَسُولاً ، فَتُحُدِّثَ أنَّ قريشًا قتلوه ، فتهيَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لحربهم ، فبايَعَ أصحابَهُ تلك البيعةَ على الموت ، أو على ألاَّ يَفِرُّوا ؛ كما سيأتي ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : مَنْ حلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلاَمِ ) اليمينُ هنا : يعني به المحلوفَ عليه ؛ بدليلِ ذكْرِهِ المحلوفَ به ، وهو بملَّةٍ غيرِ الإسلام . ويجوز أن يقال : إنَّ عَلَى صِلَةٌ ، وينتصبُ يَمِين على أنَّه مصدرٌ مُلاَقٍ في المعنَى لا في اللفظ . و ( قوله : كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا ) يحتملُ أن يريدَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ كان معتقدًا لتعظيمِ تلك المِلّةِ المغايرةِ لملَّةِ الإسلام ؛ وحينئذٍ يكونُ كافرًا حقيقةً ، فيبقى اللفظُ على ظاهره . وكاذبًا : منصوبٌ على الحال ؛ أي : في حال تعظيمِ تلك المِلَّة التي حلَفَ بها ، فتكونُ هذه الحالُ من الأحوالِ اللازمة ؛ كقوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ؛ لأنَّ مَنْ عظَّم مِلَّةً غيرَ الإسلام ، كان كاذبًا في تعظيمِهِ دائما في كلِّ حالٍ وكلِّ وقتٍ ، لا ينتقلُ عن ذلك . ولا يصلُحُ أن يقال : إنَّه يعني بكونه كاذبًا في المحلوفِ عليه ؛ لأنَّه يستوي في ذَمِّهِ كونُهُ صادقًا أو كاذبًا إذا حلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسلام ؛ لأنَّه إنَّما ذمَّهُ الشرعُ مِنْ حيثُ إنَّه حَلَفَ بتلك الملَّةِ الباطلة ، معظِّمًا لها على نحو ما تعظَّمُ به ملَّةُ الإسلامِ الحَقِّ ؛ فلا فَرْقَ بين أن يكونَ صادقًا أو كاذبًا في المحلوفِ عليه ، والله تعالى أعلم . وأمَّا إنْ كان الحالفُ بذلك غيرَ معتقِدٍ لذلك : فهو آثمٌ مرتَكِبٌ كبيرةً ؛ إذْ قد نسبه في قوله لمَنْ يعظِّمُ تلك المِلَّةَ ويعتقدها ، فغُلِّظَ عليه الوعيدُ ؛ بأن صيّرَه كواحدٍ منهم ، مبالغةً في الرَّدْعِ والزَّجْر ؛ كما قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . وهل تجبُ عليه كفَّارةٌ أم لا ؟ اختلَفَ العلماءُ في ذلك : فَرُوِيَ عن ابن المبارك مما ورَدَ مِثْلَ هذا : أنَّ ذلك على طريقةِ التغليظ ، ولا كفَّارةَ على مَنْ حلف بذلك وإنْ كان آثِمًا ؛ وعليه الجمهورُ ، وهو الصحيحُ ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ ، فَلْيَقُلْ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، ولم يوجبْ عليه أكثَرَ من ذلك ، ولو كانتِ الكفَّارةُ واجبةً ، لبيَّنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ ؛ لأنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة . وقد ذهب بعضُ العراقيِّين إلى وجوبِ الكفَّارة عليه ، وسيأتي ذلك إنْ شاء الله تعالى . و ( قوله : لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لاَ يَمْلِكُهُ ) هذا صحيحٌ فيما إذا باشَرَ النذرُ مِلْكَ الغير ؛ كما لو قال : للهِ عَلَيَّ عِتْقُ عبدِ فلانٍ ، أو هَدْيُ بَدَنَةِ فُلاَن ، ولم يعلِّق شيئًا مِنْ ذلك على مِلْكِهِ له ، فلا خلافَ بين العلماء أنَّ ذلك لا يلزمُه منه شيءٌ ؛ غير أنَّه حُكِيَ عن ابن أبي ليلى في العتق : أنَّه إذا كان مُوسِرًا عتِقَ عليه ، ثُمَّ رجَعَ عنه . وإنَّما اختلَفُوا فيما إذا علَّقَ العِتْقَ أو الهَدْيَ أو الصدقةَ على المِلْك ؛ مِثْلُ أن يقول : إنْ مَلَكْتُ عَبْدَ فلانٍ ، فهو حُرٌّ ، فلم يُلْزمْهُ الشافعيُّ شيئًا من ذلك عَمَّ أو خصَّ ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث . وألزمَهُ أبو حنيفة : كُلَّ شيء مِنْ ذلك عمَّ أو خصَّ ؛ لأنَّه مِنْ بابِ العقودِ المأمورِ بالوفاءِ بها ، وكأنَّه رأى أنَّ ذلك الحديثَ لا يتناوَلُ المعلَّقَ على المِلْك ؛ لأنَّه إنَّما يلزمُهُ عند حصولِ المِلْكِ لا قبله . ووافَقَ أبا حنيفةَ مالكٌ فيما إذا خَصَّ ؛ تمسُّكًا بمثل ما تمسَّكَ به أبو حنيفة ، وخالَفَهُ إذا عمَّ ؛ رفعًا للحَرَجِ الذي أدخَلَهُ على نفسه ، ولمالكٍ قولٌ آخر مِثْلُ قولِ الشافعيِّ .
113 - [ 87] وَعَنْ جُنْدَبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ ، فَلَمَّا آذَتْهُ ، انْتَزَعَ سَهمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، فَنَكَأَهَا ، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ رَبُّكُمْ : قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . و ( قوله : إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ ) القُرْحَةُ : واحدةُ القُرَحِ والقروح ، وهي الجِرَاحُ ؛ يقال منه : قَرِحَ جِلْدُهُ بالكسر يَقْرَحُ قَرَحًا ، ويقال : القَرْحُ والقُرْحُ - بفتح القاف وضمِّها - لغتان عن الأخفش ، وقال غيره : القَرْحُ ، بالفتح : الجَرْح ، وبالضمِّ : ألمُ الجراح . و ( قوله : فَنَكَأَهَا ) بهمزةٍ مفتوحةٍ على الألف ، أي : قَشَرها وفَجَرها . و ( قوله : فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ) أي : لم ينقطع ، وهو بالهمز ؛ يقال : رَقَأ الدَّمُ يَرْقَأُ : إذا انقطع ؛ ويروى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : لاَ تَسُبُّوا الإِْبِلَ ؛ فَإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ ، أي : إذا دُفِعَتِ الإبلُ في الدية ، ارتفَعَ القصاصُ والقَتْلُ وانقطَعَ الدم . وهذا الفعلُ مِنْ هذا الرجل يَحْتملُ أن يكونَ : إنَّما حمله عليه الجزَعُ والتبرُّمُ واستعجالُ الموت ؛ فيكونُ ممَّن قتَلَ نفسه بحديدةٍ ؛ فيكونُ فِعْله نحوًا ممَّا فعله الذي أصابتْهُ جِرَاحَةٌ في الحرب ، فاستعجَلَ الموتَ ، فوضَعَ نَصْلَ سيفه بالأرض ، وذُبَابَهُ بين ثديَيْهِ ، فتحامَلَ عليه ، فقتَلَ نفسه . ويَحْتملُ أن يكونَ قصَدَ بَطَّ تلك الجراحةِ ؛ ليخفف عنه الألَمُ ، ففرَّطَ في التحرُّز ، فعوقبَ على تفريطه . ويُستفادُ مِنَ التأويلِ الأوَّل : وجوبُ الصبرِ على الآلام ، وتحريمُ استعجالِ الموتِ عند شِدَّةِ الآلام وإنْ أيقَنَ به . ومِنَ التأويل الثاني : وجوبُ التحرُّزِ مِنَ الأدويةِ المَخُوفَةِ والعلاجِ الخطر ، وتحريمُ التقصيرِ في التحرُّزِ مِنْ ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) أي : في الإثم . ووجهه : أنَّ مَنْ قال لمؤمنٍ : لَعَنَهُ اللهُ ، فقد تضمَّنَ قولُهُ ذلك إبعادَهُ عن رحمةِ الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين ، وإخراجَهُ مِنْ جملتهم في أحكامِ الدنيا والآخرة ، ومَنْ كان كذلك ، فقد صار بمنزلةِ المَفْقُودِ عن المسلمين بعد أَنْ كان موجودًا فيهم ؛ إذْ لم يَنْتفِعْ بما انتفَعَ به المسلمون ، ولا انتفَعُوا به ؛ فأشبَهَ ذلك قتلَهُ . وعلى هذا فيكونُ إثمُ اللاعنِ كَإِثْمِ القاتل ، غير أنَّ القاتِلَ أَدْخَلُ في الإثم ؛ لأنَّه أفقَدَ المقتولَ حِسًّا ومعنًى ، واللاعنُ أفقدَهُ معنًى ، فإثمه أخفُّ منه ، لكنَّهما قد اشتَرَكَا في مطلَقِ الإثمِ ، فصدَقَ عليه أنَّه مِثْلُهُ ، والله أعلم . و ( قوله : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً ، يعني - والله أعلم - : أَنَّ مَنْ تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال ، وتعاطاه ، وادَّعَاهُ لنفسه ، وليس موصوفًا به ، لم يَحْصُلْ له مِنْ ذلك إلاَّ نقيضُ مقصودِهِ ، وهو النقص : فإنْ كان المُدَّعَى مالاً ، لم يبارَكْ له فيه ، أو علمًا ، أظهَرَ اللهُ جَهلَهُ ، فاحتقَرَهُ الناس ، فقَلَّ مقدارُهُ عندهم . وكذلك لو ادَّعَى دِينًا أو نَسَبًا أو غَيْرَ ذلك ، فضَحَهُ اللهُ ، وأظهَرَ باطلَهُ ؛ فقَلَّ مقدارُهُ ، وذَلَّ في نفسه ؛ فحصَلَ على نقيضِ قصده ؛ وهذا نحو قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً ، أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا ، ونحو منه قولُهُ تعالى : وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا وقولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . وفائدةُ الحديث : الزجرُ عن الرياءِ وتعاطيه ، ولو كان بأمورِ الدنيا . و ( قوله : وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) كذا صحَّتِ الروايةُ في أصلِ كتابِ مسلم لهذا الكلام ، مقتصرًا على ذكر جملة الشرط مِنْ غير ذكرِ جملةِ الجزاء ؛ فَيَحتمِلُ : أن سكَتَ عنه ؛ لأنَّه عطفَهُ على مَنْ التي قبلها ، فكأنَّه قال : ومن حلف يمينًا فاجرة ، كان كذلك ، أي : لم يَزِدْهُ اللهُ بها إلاَّ قِلَّةً ؛ قاله القاضي عِيَاض . قال المؤلف - رحمه الله - : ويَحتمِلُ : أن يكونَ الجزاءُ محذوفًا ، ويكونَ تقديره : مَنْ فعَلَ ذلك ، غَضِبَ اللهُ عليه ، أو عاقَبَهُ ، أو نحو ذلك ؛ كما جاء في الحديثِ الآخر : مَنْ حلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ . والروايةُ في يَمِينٍ صَبْرٍ بالتنوينِ على أنَّ صَبْرًا صفةٌ اليَمِين ، أي : ذاتِ صَبْرٍ . وأصلُ الصبر : الحَبْسُ ؛ كما قال عنترةُ : فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً أي : حَبَسْتُ في الحربِ نَفْسًا معتادةً لذلك كريمةً لا ترضَى بالفرار . وقال أبو العبَّاس : الصبرُ ثلاثةُ أشياء : الحبسُ ، والإكراهُ ، والجرأة ؛ كما قال تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ أي : ما أجرأَهُمْ عليها . ووُصِفَتِ اليمينُ بأنَّها ذاتُ صَبْرٍ ؛ لأنَّها تَحْبِسُ الحالفَ لها ، أو لأنَّ الحالفَ يجترئُ عليها ، وذكر الصبر ، وقد أجراه صفةً على اليمين ، وهي مؤنَّثةٌ ؛ لأنَّه قَصَدَ قَصْدَ المصدرِ .
( 35 ) بَابٌ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ 109 - [ 85] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فهو يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فهو يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا . ( 35 ) وَمِنْ بَابِ : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ ( قوله : مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) يتوجَّأ : يطعن ، وهو مهموز ، من قولهم : وَجَأْتُهُ بالسِّكِّينِ أَجَؤُهُ ؛ أي : ضربتُهُ ، ووُجِئَ هو ، فهو موجوءٌ ، ومصدرُهُ : وَجَئا مقصورًا مهموزًا ، فأما الوِجَاءُ ، بكسر الواو والمَدِّ : فهو رَضُّ الأنثيين ، وهو ضَرْبٌ من الخِصَاء . و ( قوله : خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) ظاهرُهُ : التخليدُ الذي لا انقطاعَ له بوجه ، وهو محمولٌ على مَنْ كان مستَحِلاًّ لذلك ، ومَنْ كان مُعْتقِدًا لذلك ، كان كافرًا . وأمَّا مَنْ قتَلَ نفسَهُ ، وهو غيرُ مستحلٍّ ، فليس بكافر ، بل يجوزُ أن يَعْفُو اللهُ عنه ، كما يأتي في الباب الآتي بعد هذا ، في الذي قطَعَ بَرَاجِمَهُ فمات ، وكما تقدَّم في حديثِ عبادة وغيره . ويجوزُ أن يراد بقوله : خَالِدًا مخلَّدًا فِيهَا أَبَدًا تطويلُ الآمادِ ، ثم يكونُ خروجُهُ مِنَ النار مِنْ آخر مَنْ يخرُجُ من أهل التوحيد ؛ ويجري هذا مَجْرَى المثل فتقول العرب : خَلَّدَ اللهُ مُلْكَكَ ، وأبَّد أيَّامك ، ولا أُكَلِّمُك أَبَدَ الآبِدِين ، ولا دَهرَ الداهرين ، وهو ينوي أن يكلِّمَهُ بعد أزمان . ويجري هذا مجرى الإِعيَاءِ في الكلامِ على ما تقدَّم ، والله تعالى أعلم . والسُّمُّ : القاتلُ للحيوان ، يقال بضَمِّ السين وفتحها . فأمَّا السَّمُّ الذي هو ثُقْبُ الإبرة : فبالفتح لا غير . ويَتَحَسَّاهُ : يَشْربه و : يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ؛ كما قال الله تعالى .
139 - [ 106 ] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رسولَ الله ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَِبِي ، قَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا ، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قَال : لا ، قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ ، قَالَ : يَا رسولَ الله ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ ، لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَدْبَرَ : أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وهو عَنْهُ مُعْرِضٌ . و ( قوله : إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَِبِي ) وفي الرواية الأخرى : انْتَزَى ، بمعنى غلب ، وهو من النَّزْو ، وهو الارتفاعُ ، وهو دليلٌ على أنَّ المُدَّعِيَ لا يلزمُهُ تحديدُ المُدَّعَى به إنْ كان مما يُحَدُّ ، ولا أن يصفه بجميعِ أوصافه كما يوصفُ المُسْلَمُ فيه ، بل يكفي من ذلك أن يتميَّز المدعَى به تمييزًا تنضبطُ به الدعوى ، وهو مذهبُ مالك . خلافًا لما ذهَبَت الشافعيَّة إليه ؛ حيثُ ألزموا المدعيَ أن يَصِفَ المُدَّعَى به بحدودِهِ وأوصافِهِ المعيَّنةِ التامَّة ، كما يوصفُ المُسْلَمُ فيه . وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم ؛ أَلاَ ترى أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يُكَلِّفْهُ تحديدَ الأرضِ ولا تعيينَهَا ، بل لمَّا كانتِ الدعوَى متميِّزةً في نفسها ، اكتفَى بذلك . وظاهرُ هذا الحديثِ : أنَّ والد المدَّعِي قد كان توفِّي ، وأنَّ الأرضَ صارتْ للمدَّعِي بالميراث ، ومع ذلك فلم يطالبه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإثباتِ الموتِ ولا بِحَصْرِ الورثة ؛ فَيَحْتملُ أن يقال : إنَّ ذلك كان معلومًا عندهم ، وَيَحْتملُ أن يقالَ : لا يلزمُهُ إثباتُ شيء من ذلك ، ما لم يناكرْهُ خَصْمه ، والله أعلم . وفيه دليلٌ على أنَّ مَنْ نسَبَ خَصْمَهُ إلى الغَصْبِ حالةَ المحاكمة ، لم يُنْكِرِ الحاكمُ عليه ، إلا أنْ يكونَ المقولُ له ذلك لا يَلِيقُ به . و ( قوله : هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا ، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ) دليلٌ على أنَّ المدعَى فيه لا يُنْتَزَعُ من يدِ صاحبِ اليدِ لمجرَّدِ الدعوَى ، وأنَّه لا يُسْأَلُ عن سببِ يدِهِ ، ولا عن سببِ ملكه . وقوله للحضرمي : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ وفي الطريق الأخرى : شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ، دليلٌ على أنَّ المدعي يلزمُهُ إقامةُ البيِّنة ، فإنْ لم يُقِمْهَا ، حَلَفَ المدعى عليه ؛ وهو أمرٌ متَّفَقٌ عليه ، وهو مستفادٌ من هذا الحديث . فأمَّا ما يُرْوَى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله : البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي ، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، فليس بصحيحِ الرواية ؛ لأنَّه يدورُ على مسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنْجِيِّ ، ولا يُحْتَجُّ به ، لكنَّ معنى متنه صحيحٌ بشهادةِ الحديثِ المتقدِّم له ، وبحديثِ ابنِ عبَّاس الذي قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيه : وَلَكِنِ اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . وفيه : حجةٌ لمن لا يشترطُ الخِلْطَةَ في توجُّه اليمينِ على المدعَى عليه ، وقد اشترَطَ ذلك مالكٌ ، واعتُذِرَ له عن هذا الحديث : بأنَّها قضيةٌ في عَيْنٍ ، ولعلَّه - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ بينهما خِلْطةً ، فلم يطالبْهُ بإثباتها ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ ) الفاجر : هو الكاذبُ الجريءُ على الكذب ، والوَرَعُ : الكَفُّ ، ومنه قولُهُم : رَوِّعُوا اللِّصَّ وَلاَ تُورِعُوه أي : لا تنكفُّوا عنه . وظاهر هذا الحديث : أنَّ ما يجري بين المتخاصمَيْنِ في مجلس الحكم مِنْ مثلِ هذا السَّبِّ والتقبيحِ : جائزٌ ، ولا شيءَ فيه ؛ إِذْ لم يُنْكِرْ ذلك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ أهل العلم . والجمهورُ : لا يُجِيزون شيئًا من ذلك ، ويَرَوْنَ إنكارَ ذلك ويؤدِّبون عليه ؛ تمسُّكًا بقاعدةِ تحريمِ السبابِ والأعراضِ . واعتذَرُوا عن هذا الحديث : بأنَّه مُحْتمِلٌ لأنْ يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علم أنَّ المقولَ له ذلك القولُ كان كما قِيلَ له ؛ فكان القائلُ صادقًا ولم يَقْصِدْ أذاه بذلك ، وإنَّما قصَدَ منفعةً يستخرجها ، فلعلَّه إذا شُنِّعَ عليه ، فقد ينزجرُ بذلك ، فيرجعُ به للحق . ويَحْتملُ : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - تركَهُ ولم يَزْجُرْهُ ؛ لأنَّ المقولَ له لم يَطْلُبْ حقَّه في ذلك ، والله أعلم . و ( قوله : شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ) دليلٌ على اشتراطِ العددِ في الشهادة ، وعلى انحصارِ طُرُقِ الحِجَاجِ في الشاهد واليمين ، ما لم يَنْكُلِ المُدَّعَى عليه عن اليمين ، فإنْ نَكَلَ ، حلَفَ المدَّعي واستحَقَّ المدعَى فيه ، فإنْ نكل ، فلا حُكْمَ ، ويُتْرَكُ المدعَى فيه في يد مَنْ كان بيده ، وسيأتي القولُ في الشاهد واليمين . و ( قوله : لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وهو عَنْهُ مُعْرِضٌ ) أي : إعراضَ الغضبان ، كما قال في الحديث الآخر : وهو عَلَيْهِ غَضْبَانُ . وقد تقدَّم القولُ في غضبِ الله تعالى وفي رضاه ، وأنَّ ذلك محمولٌ إمَّا على إرادةِ عقابِ المغضوبِ عليه وإبعادِهِ ، وإرادةِ إكرامِ المرضِيِّ عنه . أو على ثَواب تلك الإرادة ، وهو الإكرامُ أو الانتقامُ . وفيه : دليلٌ على نَدْبِيَّةِ وَعْظِ المُقْدِمِ على اليمين . و ( قوله : فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ ) دليلٌ على أنَّ اليمينَ لا تُبْذَلُ أمام الحاكم ، بل لها موضعٌ مخصوص ، وهو أعظَمُ مواضعِ ذلك البلد ؛ كالبيتِ بمكَّة ، ومِنْبَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، ومَسْجِدِ بيت المَقْدِس ، وفي المساجِدِ الجامعةِ من سائرِ الأمصار ؛ لكنَّ ذلك فيما ليس بتافِهٍ ، وهو مما لا تُقْطَعُ فيه يَدُ السارق ، وهو أَقَلُّ من رُبُعِ دينار عند مالكٍ ؛ فيحلَّفُ فيه حيثُ كان مستقبِلَ القبلة ، وفي ربعِ الدينار فصاعدًا ؛ لا يُحَلَّفُ إلا في تلك المواضع ، وخالفه أبو حنيفة في ذلك ، فقال : لا تكونُ اليمينُ إلا حيثُ كان الحاكم . وظاهرُ هذا الحديث : أنَّ المدعَى عليه إذا حلَفَ ، انقطعَتْ حجةُ خَصْمه ، وبقي المدعَى فيه بيدِهِ ، وعلى ملكِهِ في ظاهر الأمر ، غيرَ أنَّه لا يَحْكُمُ له الحاكمُ بملك ذلك ؛ فإنَّ غايتَهُ أنه حائز ، ولم يَجْد ما يزيله عن حَوْزه ، فلو سأل المطلوبُ تعجيزَ الطالبِ بحيثُ لا تَبْقَى له حُجَّةٌ ، فهل للحاكمِ تعجيزُهُ وقطعُ حُجَّته أم لا ؟ قولان بالنفي والإثبات . وفي هذا الحديثِ أبوابٌ من علمِ القَضَاءِ لا تخفَى .
( 44 ) بَاب إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ 137- [ 105] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ، يَا رَسُولَ اللهِ ؟! قَالَ : وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ . ( 44 ) وَمِنْ بَابِ إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ اقْتَطَعَ : من القطع ، وهو الأَخْذُ هنا ؛ لأنَّ مَنْ أخَذَ شيئًا لنفسه ، فقد قطَعَهُ عن مالكه . و ( قوله : فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ ) أي : إنْ كان مستَحِلاًّ لذلك ، فإنْ كان غيرَ مستحلٍّ ، وكان ممَّن لم يغفرِ اللهُ له ، فيعذِّبُهُ اللهُ في النار ما شاء من الآباد ، وفيها تحرِّمُ عليه الجنةَ ، ثم يكونُ حاله كحالِ أهلِ الكبائر من الموحِّدين ؛ على ما تقدَّم . ويستفادُ من هذا الحديث : أنَّ اليمينَ الغَمُوسَ لا يَرْفَعُ إثمَهَا الكَفَّارةُ ، بل هي أعظَمُ مِنْ أن يُكفِّرَهَا شيءٌ ، كما هو مذهبُ مالك ، على ما يأتي في الأيمان إن شاء الله تعالى .
138 - [ 107] ومِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، هو فِيهَا فَاجِرٌ ، لَقِيَ اللهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، فَنَزَلَتْ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ، إِلَى آخِرِ الآيَةِ . وَفِي أُخْرَى : فَقَالَ : شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ . وَفِي أُخْرَى : أَنَّ الْكِنْدِيَّ هو : امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ ، وَخَصْمُهُ : رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ ، ويُقَالُ : ابْنُ عَيْدَانَ . و ( قوله : فنزلت : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا عَهدُ اللهِ : هو ميثاقُهُ ، وهو إيجابُهُ على المكلَّفين أن يقوموا بالحقِّ ، ويعملوا بالعدل . والأيمانُ : جمعُ يمين ، وهو الحَلِفُ بالله تعالى . ويشترون : يعتاضون ؛ فكأنَّهم يُعْطُونَ ما أوجَبَ الله عليهم مِنْ رعاية العهود والأيمان في شيءٍ قليلٍ حقيرٍ من عَرَضِ الدنيا . والخَلاَقُ : الحَظُّ والنصيب . ولاَ يُكَلِّمُهُمْ ، أي : بما يَسُرُّهم ؛ إذ لا يكلِّمهم إعراضًا عنهم واحتقارًا لهم . ولا ينظُرُ إليهم نظَرَ رحمةٍ ولاَ يُزَكِّيهِمْ ، أي : لا يُثْنِي عليهم كما يُثْنِي على مَنْ تَزَكَّى ، وقيل : لا يُطَهِّرهم من الذنوب . والأليم : المُوجِعُ الشديدُ الألم . وقد تقدَّم القولُ على يمين صبرٍ . و ( قوله : إِنَّ الْكِنْدِيَّ هو : امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عَابِسٍ ، وَخَصْمُهُ : رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ ) عَابِس : بالباءِ بواحدةٍ من تحتها بالسينِ المهملة . وعِبْدَان : بكسرِ العينِ المهملة وباءٍ بواحدةٍ ، هي رواية زُهَيْر . وقال أحمد بن حنبل : عَيْدَان بفتح العين المهملة وياءٍ باثنتين من تحتها ، وهو الصوابُ عند النُّقَّاد ؛ كالدارقطنيِّ ، وابنِ مَاكُولاَ ، وأبي عليٍّ الغَسَّانِيِّ .
135- [ 104 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ : مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ : مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَلْيَقُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ . و ( قوله : فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ ، وَلْيَنْتَهِ ) لمَّا كانتْ هذه الوساوسُ مِنْ إلقاءِ الشيطان ، ولا قُوَّةَ لأحدٍ بدفعِهِ إلا بمعونةِ الله وكفايتِهِ : أمَرَ بالالتجاءِ إليه ، والتعويلِ في دفع ضرَرِهِ عليه ، وذلك معنى الاستعاذةِ على ما يأتي ، ثم عقَّب ذلك بالأمرِ بالانتهاءِ عن تلك الوساوسِ والخواطرِ ، أي : عن الالتفاتِ إليها والإصغاءِ نحوها ، بل يُعْرِضُ عنها ولا يبالي بها . وليس ذلك نهيًا عن إيقاعِ ما وَقَعَ منها ، ولا عن أَلاَّ يقَعَ منه ؛ لأنَّ ذلك ليس داخلاً تحت الاختيار ولا الكَسْب ، فلا يكلَّفُ بها ، والله أعلم . و ( قوله في الحديث الآخر : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ) أمرٌ بتذكُّرِ الإيمانِ الشرعيِّ ، واشتغالِ القلب به ؛ لِتُمْحَى تلك الشبهاتْ ، وتَضْمَحِلَّ تلك التُّرَّهَاتْ . وهذه كلُّها أدويةٌ للقلوبِ السليمة ، الصحيحةِ المستقيمة ، التي تَعْرِضُ الترهاتُ لها ، ولا تَمْكُثُ فيها ؛ فإذا استُعْمِلَتْ هذه الأدويةُ على نحو ما أمر به ، بَقِيَتِ القلوبُ على صِحَّتها ، وانحفَظَتْ سلامتها . فأمَّا القلوبُ التي تمكَّنَتْ منها أمراضُ الشُّبَه فيها ، ولم تَقْدِرْ على دفع ما حَلَّ بها بتلك الأدويةِ المذكورة ، فلا بُدَّ من مشافهتها بالدليلِ العقليّ ، والبرهانِ القطعيّ ؛ كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الذي خالَطَتْهُ شبهةُ الإبلِ الجُرْب ، حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لاَ عَدْوَى ، فقال أعرابيٌّ : فما بَالُ الإِبِلِ تكونُ في الرَّمْلِ كأنَّهَا الظِّبَاءُ ، فإذا دخَلَ فيها البَعِيرُ الأَجْرَبُ أَجْرَبَهَا ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ؟! فاستأصَلَ الشبهةَ من أصلها . وتحريرُ ذلك على طريقِ البرهانِ العقليِّ أن يقال : إنْ كان الداخلُ أجرَبَهَا ، فمن أجرَبَهُ ؛ فإنْ كان أجرَبَهُ بعيرٌ آخر كان الكلامُ فيه كالكلامِ في الأوَّل ، فإمَّا أن يتسلسَلَ أو يَدُور ، وكلاهما محال ، فلا بُدَّ أن نقف عند بَعِيرٍ أجربَهُ الله مِنْ غير عَدْوَى ؛ وإذا كان كذلك ، فاللهُ تعالى هو الذي أجرَبَهَا كلَّها ، أي : خلَقَ الجَرَبَ فيها . وهذا على منهاجِ دليلِ المتكلِّمين على إبطالِ عِلَلٍ وحوادثَ لا أَوَّلَ لها على ما يُعْرَفُ في كتبهم . والوَسْوَسَةُ وزنها : فَعْلَلَة ، وهي صيغةٌ مُشْعِرَةٌ بالتحرُّكِ والاضطرابِ ؛ كالزَّلْزَلَةِ ، والقَلْقَلَةِ ، والحَقْحَقَة ، وأصلُ الوسوسة : الصوتُ الخفيُّ ، ومنه سمِّي صوتُ الحَلْيِ : الوَسْوَاس .
( 43 ) بَابُ اسْتِعْظَامُ الوَسْوَسَةِ وَالنُّفْرَةُ مِنْهَا خَالِصُ الإِْيمَانِ وَالأَْمْرِ بِالاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ وُقُوعِهَا 132 - [ 102 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ : إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ . قَالَ : وَقَدْ وَجَدتُّمُوهُ ؟! ، قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : ذَاكَ صَرِيحُ الإِْيمَانِ . 133 - [ 103 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْوَسْوَسَةِ ؟ فَقَالَ : تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ . ( 43 ) وَمِنْ بَابِ : اسْتِعْظَامُ الْوَسْوَسَةِ ، وَالنُّفْرَةُ مِنْهَا خَالِصُ الإِْيمَانِ ( قوله : وَقَدْ وَجَدتُّمُوهُ ؟! ) كذا صحَّت الروايةُ وقد بالواو ، ومعنى الكلام : الاستفهامُ على جهة الإنكارِ والتعجُّبِ ، فَيَحْتملُ : أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً ، والواو للعطفِ ، فيكونُ التقدير : أَوَقَدْ وَجَدتموه ؟! ويَحْتمل : أن تكونَ الواو عِوَضَ الهمزة ؛ كما قرأ قُنْبُلٌ ، عن ابن كَثِيرٍ : قَالَ فِرْعَوْنُ وَآمَنْتُمْ بِهِ ، قال أبو عمرو الداني : هي عِوَضٌ من همزة الاستفهام ، وهذه الواو مثلها . والضميرُ في وَجَدتُّمُوهُ عائدٌ على التعاظم الذي دَلَّ عليه يتعاظم . و الصَّرِيحُ والمَحْضُ : الخالصُ الصافي ، وأصلُهُ في اللبن . ومعنى هذا الحديثِ : أنَّ هذه الإلقاءاتِ والوساوسَ التي تلْقيها الشياطينُ في صدور المؤمنين ، تَنْفِرُ منها قلوبُهُمْ ، ويَعْظُمُ عليهم وقوعُهَا عندهم ، وذلك دليل صِحَّةِ إيمانهم ويقينِهِمْ ومعرفتِهِمْ بأنَّها باطلة ، ومن إلقاءاتِ الشيطان ، ولولا ذلك ، لركنوا إليها ، وَلَقَبِلوها ، ولم تَعْظُمْ عندهم ، ولا سَمَّوْهَا وسوسةً ، ولمَّا كان ذلك التعاظُمُ ، وتلك النُّفْرَةُ عن ذلك الإيمانَ ، عبَّر عن ذلك بأنَّه خالصُ الإيمان ، ومحضُ الإيمان ؛ وذلك مِنْ باب تسميةِ الشيءِ باسمِ الشيء ؛ إذا كان مُجَاوِرًا له ، أو كان منه بِسَبَبٍ .
( 42 ) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبْدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ 129 - [ 101 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : قَالَ اللهُ تَعَالَى : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ ، فَإِذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً ، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا ، فَإِذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : قَالَتِ الْمَلائِكَةُ : رَبِّ ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً ؟ - وهو أَبْصَرُ بِهِ - فَقَالَ : ارْقُبُوهُ ؛ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا ، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً ، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ . وفي رواية : إذا هم مكان إذا تحدث . ( 42 ) ومن باب ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة ( قوله : قَالَتِ المَلاَئِكَةُ : رَبِّ ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً - وهو أَبْصَرُ - ) به قال الطبريُّ : فيه دليلٌ على أنَّ الحَفَظَةَ تكتُبُ أعمالَ القلوبِ ؛ خلافًا لمن قال : إنَّها لا تكتُبُ إلاَّ الأعمالَ الظاهرة . و ( قوله : إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ ) أي : مِنْ أجلي ، وفيه لغتان : المَدُّ والقصر ؛ ومنه الحديث : إنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ ، أي : مِنْ أجلِ ، وهي مشدَّدةُ الراء في اللغتين ، وقد خُفِّفت معهما . ومقصودُ هذا اللفظ : أنَّ الترك للسَّيِّئةِ لا يُكْتَبُ حسنةً ، إلاَّ إذا كان خوفًا من الله تعالى ، أو حياءً من الله ، وأيُّهما كان ، فذلك التركُ هو التوبةُ من ذلك الذنبِ . وإذا كان كذلك ، فالتوبةُ عبادةٌ من العبادات ؛ إذا حصَلَتْ بشروطها ، أذهبَتِ السَّيِّئات ، وأعقَبَتِ الحسنات . وقوله تعالى : إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ . إخبارٌ منه تعالى للملائكةِ بما لم يعلموا مِنْ إخلاصِ العبد في التَّرْك ، ومِنْ هنا قيل : إنَّ الملائكةَ لا تَطَّلِعُ على إخلاصِ العبد . وقد دَلَّ عليه قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - في حديثِ حذيفةَ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وقد سأله عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : قَالَ اللهُ عز وجل : هُو سِرٌّ مِنْ سِرِّي ، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُ مِنْ عِبَادِي والحديثُ الآخرُ الذي يقولُ الله فيه للملائكةِ التي تكتُبُ الأعمالَ حينَ تَعْرِضها عليه : ضَعُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا ، فَتَقُولُ المَلاَئِكَةُ : وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْنَا إِلاَّ خَيْرًا ، فَيَقُولُ اللهُ : إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيْرِي ، وَلاَ أَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهِي .
( 36 ) بَابُ لاَ يُغْتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنْظَرَ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ 112 - [ 88 ] عَنْ سَهلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - الْتَقَى هو وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى عَسْكَرِهِ ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ ، فَقَالُوا : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أهل النَّارِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا ، قَالَ : فَخَرَجَ مَعَهُ ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أهل النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا لَكُمْ بِهِ ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَل أهل الْجَنَّةِ - فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ - وهو مِنْ أهل النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَل أهل النَّارِ - فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ - وهو مِنْ أهل الْجَنَّةِ . ( 36 ) وَمِنْ بَابِ : لاَ يُغْتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنْظَرَ بِمَا يُخْتَمُ عليهُ ( قوله : لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً ) الشَّاذُّ : الخارجُ عن الجماعة ، والفاذُّ : المنفرد ، وأنَّث الكلمتَيْنِ على جهة المبالغة ؛ كما قالوا : عَلاَّمَةٌ ، ونَسَّابة ؛ قال ابن الأعرابي : يقال : فلانٌ لا يَدَعُ لهم شَاذَّةً ولا فَاذَّةً : إذا كان شُجَاعًا لا يلقاه أحدٌ . وفيه من الفقه : ما يدلُّ على جواز الإغْيَاءِ في الكلامِ والمبالغةِ فيه ، إذا احتِيج إليه ، ولم يكنْ ذلك تعمُّقًا ولا تشدُّقًا . و ( قوله : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ ) كذا صحَّتْ روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا ، ومعناه : ما أغنَى ولا كَفَى . وفي الصحاح : أجزَأَني الشيءُ : كفاني ، وجزَى عنِّي هذا الأمرُ ، أي : قَضَى ؛ ومنه قوله : لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أي : لا تَقْضِي ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - لأبي بردةِ : تَجْزِي عَنْكَ ، وَلاَ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ، قال : وبنو تميمٍ يقولون : أَجْزَأَتْ عنك شاةٌ ، بالهمز . وقال أبو عُبَيْد : جَزَأْتُ بالشيءِ وأجزَأْتُ ؛ أي : اكتفَيْتُ به ، وأنشَدَ : فَإِنَّ اللُّؤْمَ فِي الأَْقْوَامِ عَارٌ وَإِنَّ المَرْءَ يَجْزَى بِالكُرَاعِ وفلانٌ ، قيل : هو قُزْمَان . ونَصْلُ السيف : حديدتُهُ كلُّها ، وأنشدوا : كالسَّيْفِ سُلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ ويقال عليها : مُنْصُلٌ ، والمرادُ بالنَّصْل في هذا الحديث : طَرَفُ النَّصْلِ الأسفلُ الذي يسمَّى : القَبِيعة ، والرئاس . وذُبَابُهُ : طَرَفُهُ الأعلى المحدَّدُ المهلَّل ، وظبَتَاهُ وغَرْبَاه : حَدَّاهُ ، وصدرُ السيفِ : مِنْ مَقْبِضه إلى مَضْرِبه ، ومَضْرِبُهُ : موقعُ الضَّرْب منه ، وهو دون الذُّبَاب بِشِبْرٍ . و ( قوله : فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ) أي : عظَّموه وكَبُرَ عليهم ؛ وإنما كان ذلك ؛ لأنَّهم نظروا إلى صورةِ الحالْ ، ولم يعرفوا الباطنَ ولا المآلْ ، فأعلَمَ العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمُغَيَّبِ الأمرِ وعاقبتِه ، وكان ذلك مِنْ أدلَّةِ صِدْقِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وصِحَّةِ رسالتِه ، ففيه التنبيهُ على تركِ الاِعتمادِ على الأعمالْ ، والتعويلُ على فضلِ ذي العزَّةِ والجلالْ . و ( قوله : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلَ أهل الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ) دليلٌ على أنَّ ذلك الرجُلَ لم يكنْ مخلصًا في جهاده ، وقد صرَّحَ الرجلُ بذلك فيما يروى عنه أنَّه قال : إِنَّمَا قَاتَلْتُ عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي ، فيتناول هذا الخَبَرُ أهلَ الرياء . فأمَّا حديثُ أبي هريرة الذي قال فيه : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أهل الجَنَّةِ ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فَيَدْخُلُهَا : فإنَّما يتناوَلَ مَنْ كان مخلصًا في أعمالِهِ ، قائمًا بها على شروطها ، لكنْ سبَقَتْ عليه سابقةُ القدر ، فبدَّل به عند خاتمته ؛ كما يأتي بحقيقته في كتاب القدر ، إن شاء الله تعالى .
114 - [ 90 ] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : فُلاَنٌ شَهِيدٌ ، فُلاَنٌ شَهِيدٌ ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ ، فَقَالُوا : فُلاَنٌ شَهِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : كَلاَّ! إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ ، فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا ، أو عَبَاءَةٍ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ : إنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ ، قَالَ : فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ : أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ . و ( قوله : حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ ، فَقَالُوا : فُلاَنٌ شَهِيدٌ ) هذا الرجلُ هو المسمَّى مِدْعَم ، وكان عبدًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا هو يَحُطُّ رحلَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم إذْ أصابه سهمٌ ، فقال الناس : هنيئًا له الجَنَّةُ ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلامَ . وكَلاَّ : رَدْعٌ وزجر . والغُلُول : الخيانةُ في المَغْنَم ؛ يقالُ منه : غَلَّ بفتح الغين ، يَغُلُّ بضمها في المضارع ؛ قال ابن قتيبة وغيره : الغُلُولُ : من الغَلَل ، وهو الماءُ الجاري بين الأشجار ؛ فكأنَّ الغالَّ سمِّي بذلك ؛ لأنَّه يُدْخِلُ الغلولَ على أثناءِ راحلته ، فأمَّا الغِلُّ ، بكسر الغين : فهو الحِقْدُ والشَّحْناء . والبُرْدَة : كساءٌ أسودُ صغيرٌ مربَّع يلبسُهُ الأعراب ؛ قاله الجوهري ، وقال غيره : هي الشَّمْلَةُ المخطَّطة ، وهي كساءٌ يُؤْتَزَرُ به . والعباءة ممدود : الْكِسَاء . و ( قوله : إِنِّي أُرِيتُهُ فِي النَّارِ ) ظاهره : أنَّها رؤيةُ عِيَانٍ ومشاهدة ، لا رؤية منام ؛ فهو حُجَّةٌ لأهل السُّنَّة على قولهم : إنَّ الجَنَّةَ والنار قد خُلِقَتَا ووُجِدَتَا . وفيه : دليلٌ على أنَّ بعضَ مَنْ يُعَذَّبُ في النار يدخلُهَا ويعذَّبُ فيها قبلَ يوم القيامة . ولا حُجَّةَ فيه للمُكَفِّرة بالذنوب ؛ لأنَّا نقولُ : إنَّ طائفةً مِنْ أهلِ التوحيدِ يَدْخُلُون النارَ بذنوبهم ، ثُمَّ يَخْرُجون منها بتوحيدهم ، أو بالشفاعةِ لهم ؛ كما سيأتي في الأحاديثِ الصحيحة ، ويجوزُ أن يكونَ هذا الغالّ منهم ، والله تعالى أعلم .
111 - [ 89 ] وَفِي رِوَايَةٍ : فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ ، فَقَالَ : اللهُ أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاً فَنَادَى فِي النَّاسِ : إنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : اللهُ أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ؛ عند وقوعِ ما أخبَرَ به من الغيب ؛ دليلٌ على أنَّ ذلك مِنْ جملة معجزاته ، وإنْ لم يقترنْ بها في تلك الحالِ تَحَدٍّ قوليٌّ ؛ وهذا على خلافِ ما يقولُهُ المتكلِّمون : أنَّ مِنْ شروطِ المعجزةِ اقترانَ التحدِّي القَوْلِيِّ بها ، فإنْ لم تكنْ كذلك ، فالخارقُ كرامةٌ لا مُعْجِزةٌ ، والذي ينبغي أن يقال : إنَّ ذلك لا يشتَرَطُ ؛ بدليلِ أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - كانوا كُلَّما ظهَرَ لهم خارقٌ للعادة على يَدَيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم استدلُّوا بذلك على صِدْقِهِ وثبوتِ رسالته ، كما قد اتَّفَقَ لعمر حين دعا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على قليلِ الأزوادِ ، فكَثُرَتْ فقال عند ذلك : أَشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إلا الله ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، وكقول أسامةَ بنِ زيد - رضي الله عنه وبدليل الاِتِّفاقِ على نَبْعَ الماء مِنْ بين أصابعه ، وتسبيحَ الحصَى في كَفِّه ، وحَنِينَ الجِذْع مِنْ أظهر معجزاته ، ولم يصدُرْ عنه مع شيءٍ مِنْ ذلك تحدٍّ بالقولِ عند وقوعِ تلك الخوارق ، ومع ذلك فَهِيَ معجزاتٌ . والذي ينبغي أن يقال : إنَّ اقترانَ القولِ لا يلزم ، بل يكفي مِنْ ذلك قولٌ كليٌّ يتقدَّم الخوارقَ ؛ كقولِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - : الدليلُ على صِدْقِي ظهورُ الخوارق على يَدَيَّ ؛ فإنَّ كُلَّ ما يظهَرُ على يَدَيْه منها بعد ذلك يكونُ دليلاً على صِدْقه وإنْ لم يقترنْ بها واحدًا واحدًا قولٌ . ويمكنُ أن يقال : إنَّ قرينةَ حاله تدلُّ على دوامِ التحدِّي ، فيتنزَّلُ ذلك منزلةَ اقترانِ القول ، والله أعلم . و ( قوله : فَنَادَى فِي النَّاسِ : إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ) أي : مؤمنة ؛ لأنَّ الإسلام العَرِيَّ عن الإيمانِ لا يَنْفَعُ صاحبَهُ في الآخرة ، ولا يُدْخِلُهُ الجَنَّة ؛ وذلك بخلافِ الإيمان : فإنَّ مجرَّده يَدْخُلُ صاحبُهُ الجنَّةَ وإنْ عُوقِبَ بتركِ الأعمال على ما سنذكرُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى ؛ فدلَّ هذا على أنَّ هذا الرجُلَ كان مُرَائِيًا منافقًا ؛ كما تقدَّم . ومما يدلّ على ذلك أيضًا : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : إنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ ، وهو الكافر ؛ كما قال : وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا . ويؤيِّد : يُقَوِّي ويَعْضُدُ . وأَمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بلالاً أنْ يُنادِيَ بذلك القولِ ، إنَّما كان تنبيهًا على وجوبِ الإخلاصِ في الجهادِ وأعمالِ البِرِّ ، وتحذيرًا من الرِّيَاءِ والنفاق .
127- [ 100 ] وعَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَكَلَّمْ بِهِ . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : إِنَّ اللهَ تعالى تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ) روايتنا : نصبُ أَنْفُسَهَا ، على أنَّه مفعولُ حَدَّثَتْ ، وفي حَدَّثَتْ ضميرُ فاعلٍ عائدٌ على الأُمَّة . وأهل اللغة يقولون : أَنْفُسُهَا بالرفع على أنَّه فاعلُ حَدَّثَتْ ، يريدون بغير اختيار ؛ قاله الطحاويُّ . قال المؤلف - رحمه الله - : يعني : أنَّ الذي لا يؤاخَذُ به هي الأحاديثُ الطارئةُ التي لا ثباتَ لها ، ولا استقرارَ في النَّفْسِ ، ولا رُكُونَ إليها . وهذا نحو ممَّا قاله القاضي أبو بكر في قوله - عليه الصلاة والسلام - عن الله : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ ، فَإِذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ عَشْرًا ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا ، فَإذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . قال القاضي : إنَّ الهمَّ هاهنا : ما يَمُرُّ بالفِكْرِ من غير استقرارٍ ولا توطين ، فلو استمرَّ ووطَّن نفسه عليه ، لكان ذلك هو العَزْمَ المؤاخَذَ به أو المثابَ عليه ؛ بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - : إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ ، قَالُوا : يَا رسولَ الله ، هَذَا القَاتِلُ ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ . لا يُقَالُ : هذه المؤاخذةُ هنا إنَّما كانتْ لأنَّه قد عَمِلَ بما استَقَرَّ في قلبه مِنْ حمله السلاحَ عليه ، لا بمجرَّدِ حِرْصِ القلب ؛ لأنَّا نقول : هذا فاسدٌ ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - قد نصَّ على ما وقعَتِ المؤاخذةُ به ، وأعرَضَ عن غيره ، فقال : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ، فلو كان حَمْلُ السلاحِ هو العِلَّةَ للمؤاخذةِ أو جُزْءَهَا ، لَمَا سكَتَ عنه ، وعلَّقَ المؤاخذَةَ على غيره ؛ لأنَّ ذلك خلافُ البيانِ الواجبِ عند الحاجةِ إليه ، وهذا الذي صار إليه القاضي ، هو الذي عليه عامَّةُ السلفِ وأهلِ العلمِ ؛ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين . ولا يُلْتَفَتُ إلى مَنْ خالفهم في ذلك ؛ فزعم : أنَّ ما يَهُمُّ به الإنسانُ ، وإن وطَّن نفسَهُ عليه ، لا يؤاخَذُ به ؛ مُتَمَسِّكًا في ذلك بقوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا وبقوله - عليه الصلاة والسلام - : مَا لَمْ يعْمَلْ أو يتَكَلَّمْ بِهِ ، ومن لم يعملْ بما عزَمَ عليه ولا نطَقَ به ، فلا يؤاخَذُ به ، وهو متجاوَزٌ عنه ، والجوابُ عن الآية : أنَّ مِنَ الهمِّ ما يؤاخَذُ به ، وهو ما استَقَرَّ واستوطَنَ ، ومنه ما يكونُ أحاديثَ لا تستقرُّ ؛ فلا يؤاخَذُ بها ؛ كما شَهِدَ به الحديثُ ، وما في الآية من القِسْمِ الثاني لا الأوَّل ، وفي الآيةِ تأويلاتٌ هذا أحَدُهَا ، وبه يحصُلُ الانفصال . وعن قوله مَا لَمْ يعْمَلْ أنَّ توطينَ النفسِ عليه عَمَلٌ يؤاخَذُ به ، والذي يرفعُ الإشكالَ ، ويبيِّنُ المرادَ بهذا الحديث : حديثُ أبي كَبْشةَ الأنماريِّ ، واسمه عُمَرُ بن سَعْد - على ما قاله خَليفة بنُ خَيَّاط - : أنَّه سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إِنَّمَا الدُّنْيَا لأِرْبَعَةِ نَفَرٍ الحديثَ إلى آخره ، وقد ذكرناه .
( 41 ) بَابٌ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ 125- [ 99 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الآية ، قَالَ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم فَأَتَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ ، فَقَالُوا : أَيْ رسولَ الله ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ ؛ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ ، وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ ، وَلاَ نُطِيقُهَا!! قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ؟! بَلْ قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ ، أَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ، نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : نَعَمْ ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : نَعَمْ ، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ : نَعَمْ ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قَالَ : نَعَمْ . ( 41 ) ومِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الآيَةَ ما هذه التي في أوَّلِ الآية بمعنى الذي ، وهي متناولةٌ لمن يَعْقِلُ وما لا يعقل ، وهي هنا عامَّةٌ لا تخصيصَ فيها بوجه ؛ لأنَّ كلَّ من في السماواتِ والأرضِ وما فيهما وما بينهما : خَلْقُ الله تعالى ، ومِلْكٌ له . وهذا إنما يتمشَّى على مذهبِ أهلِ الحَقِّ والتحقيقِ الذين يُحِيلُونَ على الله تعالى أن يكونَ في السماءِ أو في الأرضِ ؛ إذْ لو كان في شيء ، لكان محصورًا محدودًا ، ولو كان كذلك ، لكان مُحْدَثًا . وعلى هذه القاعدة : فقوله تعالى : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ وقولُ الأَمَةِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حين قال لها : أَيْنَ اللهُ ؟ فقالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، ولم يُنْكِرْ عليها ذلك ، وما قد رُوِيَ عن بعض السلف أنَّهم كانوا يُطْلِقون ذلك ، ليس على ظاهره ، بل هو مُؤَوَّلٌ تأويلاتٍ صحيحةً قد أبداها كثيرٌ من أهل العلمِ في كتبهم ، لكنَّ السلَفَ - رضي الله عنهم أجمعين - كانوا يجتنبون تأويلَ المتشابهات ، ولا يتعرَّضون لها ، مع عِلْمهم بأنَّ الله تعالى يستحيلُ عليه سِمَاتُ المُحْدَثَات ، ولوازمُ المخلوقات ، واستيفاءُ المباحث هذه في علم الكلام . و ( قوله : إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) ما : هذه أيضًا على عمومها ، فتتناولُ كلَّ ما يقع في نَفْسِ الإنسانِ من الخواطر ؛ ما أُطِيقَ دفعُهُ منها وما لا يطاق ؛ ولذلك أَشْفَقَتِ الصحابة مِنْ محاسبتِهِمْ على جميعِ ذلك ومؤاخذتِهِمْ به ، فقالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : كُلِّفْنَا مَا نُطِيقُ بالصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ ، وَهَذِهِ الآيةُ لاَ نُطِيقُهَا . ففيه دليلٌ على أنَّ موضوعَ ما للعموم ، وأنَّه معمولٌ به فيما طريقُهُ الاعتقادُ ؛ كما هو معمولٌ به فيما طريقُهُ العمل ، وأنَّه لا يجبُ التوقُّفُ فيه إلى البحثِ على المخصِّص ، بل يُبَادِرُ إلى استغراقِ الاعتقاد فيه ، وإنْ جاز التخصيصُ ، وهذه المسائلُ اختُلِفَ فيها ؛ كما بيَّنَّاه في الأصول . ولمَّا سمع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك القولَ منهم ، أجابهم بأنْ قال : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكِتَاب مِنْ قَبْلِكُمْ : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ؟! بَلْ قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، فأقرَّهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ما فهموه ، وبيَّن لهم أنَّ لله تعالى أن يُكلِّفَ عبادَهُ بما يطيقونَهُ وبما لا يطيقونه ، ونهاهم عن أن يقَعَ لهم شيءٌ مما وقَعَ لضُلاَّلِ أهل الكتاب مِنَ المخالفة ، وأمَرَهُمْ بالسَّمْعِ والطاعةِ ، والتسليمِ لأمر الله تعالى على ما فهموه ، فسلَّم القومُ لذلك وأذعنوا ، ووطَّنوا أنفسهم على أنَّهم كُلِّفُوا في الآية بما لا يطيقونَهُ ، واعتقدوا ذلك ، فقد عملوا بمقتضى ذلك العمومِ ، وثبَتَ ووَرَدَ ، فإنْ قدِّر رافعٌ لشيء منه ، فذلك الرَّفْعُ نسخٌ لا تخصيص . وعلى هذا : فقولُ الصحابي : فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللهُ على حقيقة النسخ ، لا على جهة التخصيص ؛ خلافًا لمن لم يَظْهَرْ له ما ذكرناه ، وهم كثيرٌ من المتكلِّمين على هذا الحديث ، مِمَّنْ رأى أنَّ ذلك من باب التخصيص ، لا مِنْ باب النسخ ، وتأوَّلوا قولَ الصحابيِّ : إنَّه نَسْخٌ ؛ على أنَّه أراد بالنَّسْخِ التخصيصَ ، وقال : إنَّهم كانوا لا يفرِّقون بين النسخ والتخصيص ، وقد كُنْتُ على ذلك زمانًا إلى أنْ ظَهَرَ لي ما ذكرتُهُ ، فتأمَّلْهُ ؛ فإنَّه الصحيح ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : إِنَّهُمْ - يعني : الصحابةَ إنهم - كانوا لا يُفرِّقون بين النسخ والتخصيص ) إنْ أراد به : أنَّهم لم ينصُّوا على الفَرْقِ فمسلَّم ، وكذلك أكثرُ مسائلِ عِلْمِ الأصول ، بل كله ؛ فإنَّهم لم ينصُّوا على شيء منها ، بل فرَّعوا عليها ، وعَمِلُوا على مقتضاها ، من غير عبارةٍ عنها ولا نُطْقٍ بها ، إلى أن جاء مَنْ بعدهم ، ففَطنُوا لذلك وعبَّروا عنه ، حتى صنَّفوا فيه التصانيفَ المعروفة ، وَأَوَّلُهُمْ في ذلك الشافعيُّ - رحمه الله - فيما علمنا . وإن أراد بذلك : أنَّهم لم يكونوا يَعْرِفُونَ الفرقَ بين النسخ والتخصيص ، ولا عَمِلُوا عليه : فقد نسبهم إلى ما يستحيلُ عليهم ؛ لثقابةِ أذهانهم ، وصحَّةِ فهومهم ، وغزارةِ علومهم ، وأنَّهم أَوْلَى بعلم ذلك مِنْ كل مَنْ بعدهم ؛ كيف لا وَهُمْ أئمَّةُ الهدى ، وبهم إلى كُلِّ العلومِ يُقتدَى ، وإليهم المرتَجَعْ ، وقولهم المُتَّبَعْ ، وكيف يَخْفَى عليهم ذلك ، وهو مِنَ المبادئ الظاهرة على ما قَرَّرْنَاهُ في الأصول . و ( قوله : لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) أي : يقولون : لا نفرِّقُ بين أحد منهم ؛ في العلم بِصِحَّةِ رسالاتهم ، وصِدْقِهِمْ في قولهم . وغُفْرَانَكَ : منصوبٌ على المصدر ، أي : اغفرْ غفرانَكَ ، وقيل : مفعولٌ بفعل مضمر ، أي : هَبْ غفرانَكَ . والمَصِير : المرجع . والتَّكْلِيف : إلزامٌ مَا في فعله كُلْفَةٌ ، وهي النَّصَبُ والمشقَّة . والوُسْع : الطاقة . وهذه الآية تدلُّ على أنَّ لله تعالى أن يكلِّفَ عبادَهُ بما يُطِيقونه وما لا يُطِيقونه ، ممكنًا كان أو غيرَ ممكن ، لكنَّه تعالى تفضَّلَ بأنَّه لم يُكَلِّفْنَا ما لا نطيقه ، وبما لا يمكننا إيقاعُهُ ، وكمَّلَ علينا بِفَضْلِهِ برَفْعِ الإصْرِ والمشقات التي كلَّفها غيرنا . واستيفاءُ مباحثِ هذه المسألةِ في علمِ الكلامِ والأصول . و ( قوله : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) أي : ما كسَبَتْ من خيرٍ ، فلها ثوابه ، وما اكتسَبَتْ من شَرٍّ ، فعليها عقابُهُ . وكَسَبَ واكْتَسَبَ : لغتان بمعنًى واحدٍ ؛ كقَدَرَ واقتَدَرَ . ويمكنُ أن يقال : إن هذه التاءَ تاءُ الاستفعالِ والتعاطي ، ودخلَتْ في اكتسابِ الشَّرِّ دون كسب الخير ؛ إشعارًا بأنَّ الشَّرَّ لا يؤاخَذُ به إلا بعد تعاطيه وفعلِهِ دون الهَمِّ به ؛ بخلاف الخير : فإنَّه يُكْتَبُ لمن هَمَّ به وتحدَّثَ به في قلبه ، كما جاء في قوله - عليه الصلاة والسلام - مُخْبِرًا عن الله تعالى : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْهَا ، فَإذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وإِذا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً ، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْ ، فَإِذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ، وفي لفظٍ آخَرَ : فإِذَا هَمّ َ بدل تَحَدَّثَ ، وسيأتي إن شاء الله تعالى النظرُ في هذا الحديث . والإِصْرُ : العهدُ الذي يُعْجَزُ عنه ؛ قاله ابن عباس ، وقال الربيع : هو الثقلُ العظيم ، وقال ابن زيد : هو الذنبُ الذي لا توبةَ له ، ولا كَفَّارَةَ . و ( قوله : وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ) قيل : اعْفُ عن الكبائر ، واغْفِرِ الصغائر ، وارحَمْ بتثقيل الموازين ، وقيل : اعْفُ عن الأقوالْ ، واغفِرِ الأفعالْ ، وارحَمْ بتوالي الألطافِ وسَنِيِّ الأحوالْ . قلت : وأصلُ العفو : التسهيلُ ، والمغفرةُ ، والسترُ ، والرحمةُ : إيصالُ النعمةِ إلى المحتاج . ومولانا : وليُّنا ، ومتولِّي أمورِنَا ، وناصرُنَا . ونَعَمْ : حرفُ جواب ، وهو هنا إجابةٌ لما دَعَوْا فيه ، كما قال في الرواية الأخرى عن ابن عبَّاس : قَدْ فَعَلْتُ بدل قوله هنا : نَعَمْ . وهو إخبارٌ من الله تعالى : أنَّه أجابهم في تلك الدعوات ، فكلُّ داعٍ يشاركُهُمْ في إيمانِهِمْ وإخلاصِهِمْ واستسلامِهِمْ ، أجابه الله تعالى كإجابتهم ؛ لأنَّ وَعْدَه تعالى صدقٌ ، وقولَهُ حقٌّ . وكان معاذ يختمُ هذه السورةَ بآمِينَ كما يختمُ الفاتحة ، وهو حَسَن .
( 40 ) بَابُ ظُلْمٍ دُونَ ظُلْمٍ 124 - [ 98 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا : أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لَيْسَ هو كَمَا تَظُنُّونَ ، إِنَّمَا هو كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ : يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . ( 40 ) وَمِنْ بَابِ ظُلْمٍ دُونَ ظُلْمٍ ( قوله تعالى : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) أي : لم يَخْلِطوا ، يقال : لَبَسْتُ الأَمْرَ بغيره - بفتح الباء في الماضي ، وكسرها في المستقبل - لَبْسًا : إذا خَلَطْتَهُ ، ولَبِسْتُ الثوبَ - بكسر الباء في الماضي ، وفتحها في المستقبل - لُبْسًا ولِبَاسًا . والظُّلْمُ : وَضْعُ الشيءِ في غير موضعه ؛ ومنه قولُ النابغة : وَالنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ فسمَّى الأرضَ مظلومةً ؛ لأنَّ النُّؤْيَ حُفِرَ في الصُّلْبِ منها ، وليس موضعَ حَفْر . والمرادُ به في الآية : ، وهو أعظمُ الظلم ؛ إذ المُشْرِكُ اعتقدَ الإلهيَّةَ لغيرِ مستَحِقِّها ؛ كما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ أي : لا ظُلْمَ أعظَمُ منه . ويقال على المعاصي ظُلْم ؛ لأنَّها وُضِعَتْ موضعَ ما يجبُ من الطاعةِ لله تعالى ، وقد يأتي الظُّلْمُ ويرادُ به النقص ؛ كما قال تعالى : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي : ما نَقَصُونا بِكُفْرهم شيئًا ، ولكنْ نَقَصُوا أنفسهم حظَّها من الخير . وفي هذا الحديثِ : ما يدلُّ على أنَّ النكرةَ في سياق النفي تَعُمُّ ؛ لأنَّ الصحابة فَهِمَتْ من ذلك العمومِ كُلَّ ظلم ، وأقرَّهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك الفَهمِ ، وبيَّن لهم أنَّ المراد بذلك ظُلْمٌ مخصوص . وفي الآية : دليلٌ على جواز إطلاقِ اللَّفْظِ العامِّ ، والمرادُ به الخصوصُ .
123 - [ 97] وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَيْ رسولَ الله ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ مِنْ صَدَقَةٍ ، أو عَتَاقَةٍ ، أو صِلَةِ رَحِمٍ ، أَفِيهَا أَجْرٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِْسْلاَمِ مِائَةَ رَقَبَةٍ ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَهُ . و ( قوله : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ) اختُلِفَ في تأويله ؛ فقيل معناه : إنَّك اكتسبتَ طِباعًا جميلةً ، وخُلُقًا حسنةً في الجاهلية ، أَكْسَبَتْكَ خُلُقًا جميلةً في الإسلام . وقيل : اكتسَبْتَ بذلك ثناءً جميلاً ، فهو باقٍ عليك في الإسلام . وقيل : معناه : ببركةِ ما سبَقَ لك مِنْ خيرٍ ، هداك الله للإسلام . وقال الحَرْبِيُّ : ما تقدَّم لك مِنَ الخير الذي عَمِلْتَهُ هو لك ؛ كما تقول : أَسْلَمْتُ على ألفِ درهم ، أي : على أَنْ أُحْرِزها لنفسه . قال المؤلف - رحمه الله - : وهذا الذي قاله الحَرْبِيُّ هو أشبهها وأَوْلاَها ، وهو الذي أَشَرْنا إليه في الترجمة ، والله تعالى أعلم . وفي هذا الحديثِ - أعني حديثَ عمرو بن العاصي - فوائد : منها : تبشيرُ المحتضَرِ ، وتذكيرُهُ بأعمالِهِ الصالحة ؛ ليقوَى رجاؤه ، ويَحْسُنَ باللهِ ظَنُّهُ . ومنها : أنَّ الميِّت تُرَدُّ عليه رُوحُهُ ، ويَسْمَعُ حِسَّ مَنْ هو على قبره ، وكلامَهُمْ ، وأنَّ الملائكةَ تسألُهُ في ذلك الوقت . وهذا كلُّه إنما قاله عمرو ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنَّ مِثْله لا يُدْرَكُ إلا مِنْ جهة النبي - صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فينبغي أن يُرْشَدَ الميِّتُ في قبره حين وَضْعِهِ فيه إلى جوابِ السؤال ، ويُذكَّرَ بذلك ، فيقال له : قُلِ : اللهُ ربِّي ، والإسلامُ ديني ، ومحمَّدٌ رسولي ؛ فإنَّه عن ذلك يُسْأَلُ كما جاءَتْ به الأحاديث على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى ، وقد جرى العمَلُ عندنا بِقُرْطُبَةَ كذلك ، فيقال : قل : هو محمَّدٌ رسولُ الله تعالى ؛ وذلك عند هَيْلِ التراب عليه . ولا يُعارَضُ هذا بقوله تعالى : وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ولا بقوله : فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد نادى أهلَ القَلِيبِ وأسمعهم ، وقال : مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، ولَكِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ جَوَابًا ، وقد قال في الميِّت : إِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، وإنَّ هذا يكونُ في حال دون حال ، ووَقْتٍ دون وقت ، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنَى في الجنائز ، إن شاء الله تعالى . وفي هذا الحديثِ : ما كانتِ الصحابةُ عليه مِنْ شدَّة محبَّتهم لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمِهِ وتوقيره . وفيه : الخوفُ مِنْ تغيُّرِ الحال ، والتقصيرِ في الأعمالِ في حالِ الموت ، لكنْ ينبغي أن يكونَ الرجاءُ هو الأغلَبَ في تلك الحال ، حتَّى يَحْسُنَ ظنُّهُ بالله تعالى عزَّ وجلَّ : فيلقاه على ما أَمَرَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ حيثُ قال : لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عزَّ وجلَّ . كما تقدم .
122 - [ 96 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ أنَاسًا مِنْ أهل الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا ، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا ، ثم أَتَوْا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ ، وَلَو تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً ، فَنَزَلَ : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، وَنَزَلَ : قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الآْيَةَ . و ( قوله : وَلَو تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً ) يَحْتملُ : أن تكونَ لو هنا للامتناع ، ويكونُ جوابها محذوفًا ، تقديره : لَأَسْلَمنا ، أو نحوه . ويَحْتملُ : أن يكون تمنِّيًا بمعنى ليت . والأوَّل أظهر . وقوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الآية ، ذا : إشارةٌ إلى واحدٍ في أصلِ وضعها ، غَيْرَ أنَّ الواحدَ تارةً يكونُ واحدًا بالنصِّ عليه ، وتارةً يكونُ بتأويل ، وإن كانتْ أمور متعدِّدة في اللفظِ كما في هذه الآية ؛ فإنَّه ذكَرَ قَبْلَ ذا أمورًا ، وأعاد الإشارةَ إليها مِنْ حيثُ إنَّها مَذْكُورةٌ أو مَقُولة ؛ فكأنَّه قال : ومَنْ يفعلِ المذكورَ أو المقولَ . وفي هذه الآية : حُجَّةٌ لمن قال : إنَّ الكفَّار مُخَاطَبُونَ بفروعِ الشريعة ، وهو الصحيحُ مِنْ مذهبِ مالكٍ ؛ على ما ذكرناه في الأصول .
121 - [ 95] وَعَنِ ابْنِ شُمَاسَةَ الْمَهرِيِّ ، قَالَ : حَضَرْنَا عمرو بْنَ الْعَاصِ وهو فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، فَبَكَى طَوِيلاً ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ : يَا أَبَتَاهُ ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ؟! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ؟! قَالَ : فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ : شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاَثَةٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنِّي ، وَلاَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ ، فَلَو مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أهل النَّارِ ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِْسْلاَمَ فِي قَلْبِي ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُِبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ ، قَالَ : فَقَبَضْتُ يَدِي ، قَالَ : مَا لَكَ يَا عَمْرُو ؟! ، قَالَ : قُلْتُ : أَرَدتُّ أَنْ أَشْتَرِطَ ، قَالَ : تَشْتَرِطُ بمَاذَا ؟! ، قُلْتُ : أَنْ يُغْفَرَ لِي ، قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟! وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ؟! وَأَنَّ الْحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟! ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ ؛ إِجْلاَلاً لَهُ ، وَلَو سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ ، مَا أَطَقْتُ ؛ لأَِنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَلَو مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهل الْجَنَّةِ ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ ، فَلاَ تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلاَ نَارٌ ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي ، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا ، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي . و ( قولُ عمرو بن العاص : إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ : شَهَادَةُ : أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ) أي : أفضلُ ما نتخذه عُدَّةً لِلِقَاءِ الله تعالى : الإيمانُ بالله تعالى ، وتوحيدُهُ ، وتصديقُ رسوله - صلى الله عليه وسلم والنطقُ بذلك . وقد تقدَّم أنَّ الإيمانَ أفضلُ الأعمالِ كلِّها ، ويتأكَّدُ أمرُ النطق بالشهادتَيْنِ عند الموت ؛ ليكونَ ذلك خَاتِمَةَ أمره ، وآخِرَ كلامه . و ( قوله : إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاَثَةٍ ) أي : أحوالٍ ومنازلَ ، ومنه قوله تعالى : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أي : حالاً بعد حال . و ( قوله : ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُِبَايِعْكَ ) بكسر اللام وإسكان العين على الأمر ، أي : أَمْرِ المتكلِّمِ لنفسه ، والفاءُ جوابٌ لما تضمَّنه الأمرُ الذي هو ابسُطْ من الشرط . ويصحُّ أن تكون اللامُ لامَ كي ، وبنصبَ أُبَايِعَكَ ، وتكونَ اللامُ سببية ، والله أعلم . و ( قوله : إِنَّ الإِْسْلاَمَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ، وَإِنَّ الْحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) الهَدْمُ هنا : استعارةٌ وتوسُّع ، يعني به : الإذهابَ والإزالة ؛ لأنَّ الجدار إذا انهدم ، فقد زالَ وضعُهُ ، وذهَبَ وجودُهُ ، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى بالْجَبِّ ، فقال : يَجُبُّ ، أي : يَقْطَعُ ، ومنه المجبوبُ ، وهو المقطوعُ ذَكَرُهُ . ومعنى العبارتَيْنِ واحد ، ومقصودُهُمَا : أنَّ هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسْقِطُ الذنوبَ التي تقدَّمَتْهَا كلَّها ، صغيرَهَا وكبيرها ؛ فإنَّ ألفاظَهَا عامَّةٌ خرجَتْ على سؤالٍ خاصٍّ ؛ فإنَّ عَمْرًا إنما سأل أن يغْفَرَ له ذنوبُهُ السابقةُ بالإسلام ، فأُجِيبَ على ذلك ؛ فالذنوبُ داخلةٌ في تلك الألفاظِ العامَّةِ قطعًا ، وهي بحكم عمومها صالحةٌ لتناوُلِ الحقوقِ الشرعيَّة ، والحقوقِ الآدميَّة ؛ وقد ثبَتَ ذلك في حَقِّ الكافر الحربيِّ إذا أسلَمَ ؛ فإنَّه لا يُطَالَبُ بشيء مِنْ تلك الحقوق ، ولو قَتَلَ وأَخَذَ الأموالَ ، لم يُقْتَصَّ منه بالإجماع ، ولو خرجَتِ الأموالُ مِنْ تحت يده ، لم يطالَبْ بشيء منها . ولو أسلَمَ الحربيُّ وبيده مالُ مسلمٍ ؛ عَبِيدٌ ، أو عُرُوضٌ ، أو عَيْنٌ ؛ فمذهبُ مالك : أنَّه لا يجبُ عليه رَدُّ شيء من ذلك ؛ تمسُّكًا بعمومِ هذا الحديث ، وبأنَّ للكفَّارِ شبه مِلْكٍ فيما حازُوهُ من أموال المسلمين وغيرهم ؛ لأنَّ الله تعالى قد نسَبَ لهم أموالاً وأولادًا ؛ فقال تعالى : فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ . وذهَبَ الشافعيُّ : إلى أنَّ ذلك لا يَحِلُّ لهم ، وأنَّه يجبُ عليهم ردُّها إلى مَنْ كان يملكها مِنَ المسلمين ، وأنَّهم كالغُصَّاب ؛ وهذا يُبْعِده : أنَّهم لو استَهلَكُوا ذلك في حالةِ كُفْرهم ثُمَّ أسلموا ، لم يَضْمَنوا بالإجماعِ ؛ على ما حكاه أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب . فأمَّا أسر المسلمين الأحرارِ : فيجبُ عليهم رفعُ أيديهم عنهم ؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُمْلَكُ . وأما مَنْ أسلم مِنْ أهل الذمَّة : فلا يُسْقِطُ الإسلامُ عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ مِنْ مالٍ أو دمٍ أو غيرهما ؛ لأنَّ أحكام الإسلامِ جاريةٌ عليهم . واستيفاءُ الفروعِ في كتب الفقه . وأما الهجرةُ ، والحَجُّ : فلا خلافَ في أنهما لا يُسْقِطان إلا الذنوبَ والآثامَ السابقة ، وهل يُسْقِطان الكبائرَ والصغائر ، أو الصغائرَ فقطْ ؟ موضعُ نظرٍ سيأتي في كتاب الطهارة ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : فَإِذَا مُتُّ ، فَلاَ تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلاَ نَارٌ ) إنَّما وصَّى باجتنابِ هذَيْن الأمرَيْن ؛ لأنَّهما مِنْ عَمَلِ الجاهليَّة ، ولِنَهيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك . و ( قوله : فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي ، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ) رُوِيَ هذا الحديث بالسِّين المهملة ، والمعجمة ، فقيل : هما بمعنًى واحدٍ ، وهو الصَّبُّ ، وقيل : هو بالمهملة : الصَّبُّ في سهولة ، وبالمعجمةِ : صَبٌّ في تفريق . وهذه سُنَّةٌ في التراب على الميِّت في القبر ؛ قاله عِيَاضٌ ، وقد كره مالكٌ في العُتْبِيَّةِ الترصيصَ على القَبْرِ بالحجارة والطُّوب . و ( قوله : ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا ) الجَزُورُ بفتح الجيم : من الإبل ، والجَزَرَةُ : من غيرها ، وفي كتاب العين : الجَزَرَةُ من الضَّأْنِ والمَعْز خاصَّةً ، وهي مأخوذةٌ من الجَزْرِ ، وهو القَطْع .
( 39 ) بَابٌ الإْسْلاَمُ إِذَا حَسُنَ ، هَدَمَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الآثَامِ ، وَأَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْبِرِّ 120 - [ 94 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَا رسولَ الله ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلاَمِ ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَمَنْ أَسَاءَ ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِْسْلاَمِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِْسْلاَمِ ، أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآْخِرِ . ( 39 ) وَمِنْ بَابٍ الإِْسْلاَمُ إِذَا حَسُنَ ، هَدَمَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الآثَامِ ، وَأَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْبِرِّ ( قوله : أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِْسْلاَمِ ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَمَنْ أَسَاءَ ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِْسْلاَمِ ) يعني بالإحسانِ هنا : تصحيحَ الدخولِ في دِينِ الإسلامِ ، والإخلاصَ فيه ، والدوامَ على ذلك مِنْ غير تبديلٍ ولا ارتداد . والإساءةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ في مقابلةِ هذا الإحسانِ : هي الكفرُ والنفاق ، ولا يَصِحُّ أن يراد بالإساءةِ هنا ارتكابُ سَيِّئةٍ ومعصية ؛ لأنه يلزمُ عليه ألاَّ يَهدِمَ الإسلامُ ما قبله مِنَ الآثامِ إلا لمن عُصِمَ من جميعِ السيئاتِ إلى الموت ، وهو باطلٌ قطعًا ؛ فتعيَّن ما قلناه . والمؤاخذةُ هنا : هي العقابُ على ما فعله مِنَ السيِّئات في الجاهليَّة وفي حالِ الإسلام ، وهو المعبَّرُ عنه في الروايةِ الأخرى بقوله : أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ . وإنما كان كذلك ؛ لأنَّ إسلامَهُ لمَّا لم يكنْ صحيحًا ولا خالصًا لله تعالى ، لم يَهدِمْ شيئًا مما سبَقَ ، ثم انضافَ إلى ذلك إثمُ نفاقِهِ وسيئاتِهِ التي عَمِلَهَا في حالِ الإسلام ، فاستحَقَّ العقوبةَ عليها . ومِنْ هنا : استَحَقَّ المنافقون أن يكونوا في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار ؛ كما قال الله تعالى . ويستفادُ منه أنَّ الكُفَّارَ مخاطَبُونَ بالفروع . وابْنُ شُمَاسَةَ رُوِّيناه بفتح الشين وضمِّها ، واسمُهُ : عبد الرحمن بن شُمَاسة ، أبوه مِنْ بني مَهرة ، قَبِيلٌ .
( 37 ) بَابٌ قَتْلُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ 116 - [ 91 ] عَنْ جَابِرٍ ؛ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عمرو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ ؟ - قَالَ : حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلأَْنْصَارِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عمرو ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رجلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَاجْتَوَى الْمَدِينَةَ ، فَمَرِضَ ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عمرو فِي مَنَامِهِ ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ ؟ فَقَالَ : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : اللَّهُمَّ ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ . ( 37 ) وَمِنْ بَابِ قَتْلُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ ( قوله : هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ ؟ ) الحِصْنُ : واحدُ الحصون ، وهي القصورُ والقلاعُ التي يتحصَّن فيها ، وحصين : فعيلٌ للمبالغة ، أي : شديدُ المَنْعِ لمن فيه . ومَنَعَة : يروى بفتح النون وسكونها ، وفي الصحاح يقالُ : فلانٌ في عِزٍّ ومَنَعَةٍ بالتحريك ، وقد يسكَّن عن ابن السِّكِّيت ، ويقال : المَنَعَةُ بالتحريك : جمع مانعٍ ، ككافرٍ وكَفَرَة ، أي : هو في عِزٍّ وعشيرةٍ يمنعونه . و ( قوله : وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَاجْتَوَى المَدِينَةَ ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ ) هكذا صوابُ الرواية بتوحيد رَجُل ، وعَطْفِ ما بعده على ما قبله على الإفراد ، وهي روايةُ عبد الغافر ، وعند غيره تخليطٌ ؛ فمنهم من جَمَعَ ، فقال : رِجَالٌ ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ ، ثم قال بعده : فَمَرِضَ فَجَزِعَ على الإفراد . والأوَّلُ : أصوب . واجْتَوَى المَدِينَةَ ، أي : كرهها ؛ يقال : اجتَوَيْتُ المدينةَ : إذا كرهتَهَا ، وإنْ كانتْ موافقةً لك في بَدَنِكَ ، قال الخَطَّابي : أصلُ الاِجتواءِ استِيبَالُ المكانِ ، وكراهيةُ المقامِ فيه ؛ لِمضرة لَحِقَتهُ ، وأصلُهُ : من الجَوَى ، وهو فسادُ الجَوْف . و ( قوله : فَأَخَذَ مَشَاقِصَ ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ ) المَشَاقِص : جمعُ مِشْقَص ، وهو السهمُ العريض ، وقال الداوديُّ : هو السِّكِّين . والبَرَاجِمُ والرَّوَاجِب : مفاصلُ الأصابعِ كلِّها ، وقال أبو مالك في كتابِ خَلْقِ الإنسان : الرَّوَاجِبُ : رؤوسُ العظام في ظَهرِ الكفِّ ، والبراجمُ : هي المفاصلُ التي تحتها . و ( قوله : فشَخَبَتْ ) بالشين المعجمة ، وهو بالخاء المعجمة ، وبفَتْحِهَا في الماضي ، وضمِّها في المضارع ، وقد تُفْتَحُ ، ومعناه : سال ، قال ابن دُرَيْد : كلُّ شيءٍ سال ، فهو شُخْبٌ - بضم الشين وفتحها - وهو : ما خرَجَ من الضَّرْع من اللبن ، وكأنه الدُّفْعَةُ منه ، ومنه المَثَلُ : شُخْبٌ في الأرضِ ، وشُخْبٌ في الإناء! ، يقال للذي يُصِيبُ مَرَّةً ، ويخطئُ في أخرى ؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يفعلُ ذلك . و ( قوله : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ) دليلٌ على أن الكبائر قد تُغْفَرُ بفعلِ القواعد ، وفيه نَظَرٌ سيأتي في الطهارة ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ) دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية ، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ ؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : اللَّهُمَّ ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ . والظاهرُ : أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم فغُفِرَ له وليدَيْهِ ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه ؛ وعلى هذا : فيكونُ قوله : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له ؛ فكأنَّه قيل له : لن نصلحَ منك ما أفسدْته ما لم يَدْعُ لك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم وهذا الحديثُ يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر ، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار ، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغْفِرَ له ؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرْك ، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُنْدُب ؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه .
118 - [ 93 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا . يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا . و ( قوله : بَادِرُوا بِالأَْعْمَالِ فِتَنًا ) أي : سَابِقُوا بالأعمالِ الصالحةِ هجومَ المِحَنِ المانعةِ منها ، السالبةِ لشرطها المصحِّح لها الإيمان ؛ كما قال : يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، ولا إحالةَ ولا بُعْدَ في حمل هذا الحديثِ على ظاهره ؛ لأنَّ المِحَنَ والشدائد إذا توالَتْ على القلوب أفسدَتْهَا بِغَلَبتها عليها ، وبما تُؤَثِّرُ فيها مِنَ القَسْوة . ومقصودُ هذا الحديثِ : الحَضُّ على اغتنامِ الفُرْصة ، والاِجتهادُ في أعمالِ الخيرِ والبِرِّ عند التمكُّنِ منها ، قَبْلَ هجومِ الموانع . و ( قوله : يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ) عَرَضُ الدنيا بفتح العين والراء : هو طمعها وما يَعْرِضُ منها ، ويدخُلُ فيه جميعُ المال ؛ قاله الهَرَوِيُّ ، فأمَّا العَرْضُ ، بإسكان الراء : فهو خلافُ الطُّول ، ويقالُ على أمور كثيرة ، والعِرْضُ ، بكسر العين وسكون الراء : هو نسَبُ الرجلِ وجسمهُ وذاتُهُ . ومقصودُ هذا الحديثِ : الأمرُ بالتمسُّك بالدِّين ، والتشدُّدُ فيه عند الفتن ، والتحذيرُ مِنَ الفتنِ ، ومِنَ الإقبالِ على الدنيا وعلى مَطَامِعِهَا .
( 38 ) بَابُ مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإِْيمَانِ 117- [ 92 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ قبل الْيَمَنِ ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ ، فَلاَ تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ : ذَرَّةٍ - مِنْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ . ( 38 ) وَمِنْ بَابِ مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإِيمَانِ ( وقوله : إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ ) هذه الريحُ إنما تُبْعَثُ بعد نزولِ عيسى ابْنِ مريم ، وقتلِه الدَّجَّالَ ، كما يأتي في حديثِ عبد الله بْنِ عمرو في آخر الكتاب ؛ الفتن ، غير أنَّه قال هنا : رِيحًا مِنْ قِبَل الْيَمَنِ ، وفي حديث عبد الله : مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ؛ فيجوزُ أن يكونَ مبدؤها من قبل اليمن ، ثُمَّ تَمُرُّ بالشام ، فَتَهُبُّ منه على مَنْ يليه . وقَبْضُ الإيمانِ في هذا الحديث هو بقبض أهله ؛ كما جاء في حديث ابن عمرو ، وقال فيه : ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ، فَلاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أو إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ ، لَدَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ ، قال : فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلاَمِ السِّبَاعِ .
( 3 ) باب من لبس ثوب حرير غلطا أو سهوا نزعه أول أوقات إمكانه 2070 - [1979] عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال : لَبِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقِيلَ : أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ. فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ، فَمَا لِي؟ فقَالَ: إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ، إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ تَبِيعُهُ. فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ . ( 3 ) ومن باب من لبس ثوب حرير غلطًا أو سهوًا نزعه أوَّل أوقات إمكانه قول جابر - رضي الله عنه - : ( لبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قباء من ديباج ) كان هذا اللباس منه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يُحرَّم الحرير ، ثم لما لبسه أُعلم بالتحريم ، فخلعه مسرعًا ، وقد دلَّ على هذا قوله : ( نهاني عنه جبريل ) ، و( أوشك ) معناه : أسرع . و( قوله : أوشك ما نزعته ) كذا وقع في بعض روايات مسلم : أوشك . وعند بعضهم : قد أوشك . وهو كلام غير مستقيم . وصوابه - والله أعلم - : ما أوشك ما نزعته ! على جهة التعجب ، فسقطت ( ما ) عند بعضهم ، وتصحفت بـ ( قد ) عند آخرين . ودلالة هذا الحديث على مقتضى الترجمة واضحة . و( القباء ) و( الفروج ) كلاهما ثوب ضيق الكمَّين ، ضيق الوسط ، مشقوق من خلفه ، يتشمر فيه للحرب ، والأسفار .
2075- [1980] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ . و( قوله : لا ينبغي هذا للمتقين ) أي : للمؤمنين ، فإنَّهم هم الذين خافوا الله تعالى واتَّقوه بإيمانهم وطاعتهم له . و( الفروج ) : قيد بفتح الفاء وضمها ، والضم المعروف ، وأما الراء : فمضمومة على كل حال مشدَّدة ، وقد تخفف ، والله تعالى أعلم . و( أوشك ) : أسرع . وقارب . وقد وقع هنا بلفظ الماضي ، وقد أنكر الأصمعي أن يقال من هذه اللفظة غير المستقبل خاصَّة ، كقولك : يوشك - بكسر الشين - وقد قال الخليل : إنها تقال . وهذا الحديث يصحح قول الخليل .
( 2080 ) ( 34 و35 ) - [1985] وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ ، وَكِسَاءً مِنْ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ . قَالَ : فَأَقْسَمَتْ بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ فِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ . و ( الملبَّد ) : الذي تراكب خمله حتى صار كاللبد .
( 6 ) باب لباس الحبرة والإزار الغليظ والمرط المرحل ( 2079 ) ( 32 ) - [1984] عن قَتَادَةُ قَالَ : قُلْنَا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَعْجَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : الْحِبَرَةُ . ( 6 و 7 ) ومن باب لباس الحبرة وهي ثياب مخططة ، يؤتى بها من اليمن . وسميت بالحبرة لأنها محبرة ؛ أي : مزينة . والتحبير : التزيين ، والتحسين .
( 2081 ) - [1986] وعنها قَالَت : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ . و ( المرط ) : واحد المروط ، وهو كساء مربع من صوف ، أو خز ، أو كتان . قاله الخليل . قال ابن الأعرابي ، وأبو زيد : هو الإزار . وقال الخطابي : هو كساء يؤتزر به . و ( مرحل ) يروى بالحاء المهملة ، وبالجيم ، فبالحاء فيه صور الرحال ، وبالجيم فيه صور الرجال . وقيل : صور المراجل ، وهي القدور ، ومنه قالوا : مرط مراجل - على الإضافة
( 4 ) باب الرخصة في لبس الحرير للعلة 2076 - ( 24 و 25 و 26 ) [1981] عن أَنَس بْن مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا . وفي رواية : لحكة ( من غير شك ) . وفي رواية : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا . ( 4 ) ومن باب : الرُّخصة في لبس الحرير للعلة ترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن ، والزبير في لباس الحرير للحكة ، أو للقمل ، يدلُّ على جواز ذلك للضرورة . وبه قال جماعة من أهل العلم ، وبعض أصحاب مالك ، وأما مالك : فمنعه في الوجهين . والحديث واضح الحجَّة عليه ، إلا أن يدّعي الخصوصية بهما ، ولا يصح . أو لعل الحديث لم يبلغه .
( 21 ) باب في لعن المتنمصات والمتفلجات للحسن ( 2125 ) - [2036] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ . قَالَ : والمتوشمات . فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالَ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ : مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ! فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ! فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ ، قَالَ اللَّهُ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَتْ الْمَرْأَةُ : فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الْآنَ . قَالَ : اذْهَبِي فَانْظُرِي . قَالَ : فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا . فَقَالَ : أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا . و ( المتنمصات ) : جمع متنمصة ، وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص ، وهو الذي يقلع الشعر . ويقال عليها : النامصة . و ( المتفلجات ) : جمع متفلجة ، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها ؛ أي : تعاينه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة ؛ فلجاء صنعة . وفي غير كتاب مسلم : ( الواشرات ) وهي جمع واشرة ، وهي التي تشر أسنانها ؛ أي : تصنع فيها أشرًا ، وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان ، تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبُّه بالشابَّة . وقد وقع في رواية الهوزني - أحد رواة مسلم - مكان الواشمة والمستوشمة : الواشية والمستوشية - بالياء باثنتين من تحتها مكان الميم وهي من الوشي ؛ أي : تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التَّنميص ، والتفليج ، والأشر ، وغير ذلك ، وبالميم أشهر ، وهذه الأمور كُلُّها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها ، وبأنَّها من الكبائر . واختلف في المعنى الذي لأجله نهي عنها . فقيل : لأنَّها من باب التدليس . وقيل : من باب تغيير خلق الله ؛ الذي يحمل الشيطان عليه ، ويأمر به ، كما قال تعالى مخبرًا عنه : وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال ابن مسعود ، والحسن : بالوشم . وهو الذي أومأ إليه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المغيرات خلق الله ) ولذلك قال علماؤنا : هذا المنهي عنه ، المتوعَّد على فعله ؛ إنَّما هو فيما يكون باقيًا ؛ لأنَّه من باب تغيير خلق الله . فأما ما لا يكون باقيًا ، كالكحل ، والتزين به للنساء : فقد أجازه العلماء : مالك وغيره . وكرهه مالك للرجال . وأجاز مالك أيضًا أن تشي المرأة يديها بالحناء . وروي عن عمر - رضي الله عنه - إنكار ذلك . وقال : إما أن تخضب يديها كلها ، أو تدع . وأنكر مالك هذا عن عمر . قال القاضي عياض : وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء . ذكره صاحب النصائح . قال أبو جعفر الطبري في هذا الحديث : إنَّه لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله تعالى عليه بزيادة ، أو نقص ، التماس الحسن لزوج أو غيره ، سواء فلجت أسنانها ، أو وشرتها ، أو كان لها سن زائدة فأزالتها ، أو أسنان طوال ، فقطعت أطرافها . وكذلك لا يجوز لها حلق لحية ، أو شارب ، أو عنفقة إن نبتت لها ؛ لأنَّ كل ذلك تغيير لخلق الله تعالى . قال القاضي : ويأتي على ما ذكره أن من خلق بإصبع زائدة ، أو عضو زائد ؛ لا يجوز له قطعه ، ولا نزعه ؛ لأنَّه من تغيير خلق الله ، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعه عند أبي جعفر الطبري وغيره . وقول ابن مسعود للمرأة : ( وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) دليل : على جواز الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إطلاق اللعن على من لعنه النبي - صلى الله عليه وسلم - معينًا كان أو غير معيَّن ؛ لأنَّ الأصل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يلعن إلا من يستحق ذلك . غير أن هذا يعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم ما من مسلم سببته ، أو جلدته ، أو لعنته ، وليس لذلك بأهل ، فاجعل ذلك له كفارة وطهورًا ) وهذا يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم قد يلعن من ليس بأهل للعنة . وقد أشكل هذا على كثير من العلماء ، وراموا الانفصال عن ذلك بأجوبة متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا ، وأشبه ما ينفصل به عن ذلك : أن قوله : ( ليس لذلك بأهل ) في علم الله . وأعني بذلك : أن هذا الذي لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما لعنه لسبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه ، لكنَّه قد يكون منهم من يعلم الله تعالى من مآل حاله : أنه يقلع عن ذلك السبب ، ويتوب منه ، بحيث لا يضره . فهذا هو الذي يعود عليه سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه ، ولعنه له بالرحمة والطهور والكفارة . ومن لا يعلم الله منه ذلك ، فإنَّ دعاءه - صلى الله عليه وسلم - زيادة في شقوته ، وتكثير للعنته ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : وهو في كتاب الله ) فهمت المرأة من هذا القول أن لعن المذكورات في الحديث منصوص عليه في القرآن ، فقالت : لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فلم أجده . وقوله لها : ( لئن كنت قرأتيه ، لقد وجدتيه ) بزيادة ياء هي الرواية ، وهي لغة معروفة فيما إذا اتصل بياء خطاب الواحدة المؤنثة ضمير غائب ؛ ويعني : بقرأتيه : تدبرتيه . ووجه استدلاله على ذلك بالآية : أنَّه فهم منها تحريم مخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يأمر به ، وينهى عنه ، وأن مخالفه مستحق للعنة . وهؤلاء المذكورات في الحديث مستحقات للعنة . وقول المرأة لابن مسعود : ( فإنا نرى على امرأتك شيئًا من هذا الآن ) تعني : أنها رأت على امرأته عن وقت قريب من وقت كلامها معه ، حتى كأنه في حكم الوقت الحاضر المعبَّر عنه بـ ( الآن ) شيئًا من تلك الأمور المذكورات في الحديث . وأقرب ما يكون ذلك الشيء التنميص ، وهو الذي يزول بنبات الشعر عن قريب ، ولو كان ذلك وشمًا ، أو تفليجًا ، لما زال . وقوله لها : ( اذهبي فانظري ) يعني : أنَّه لما رأى على امرأته شيئًا من ذلك نهاها فانتهت عنه ، وسعت في إزالته حتى زال ، فدخلت المرأة ، فلم تر عليها شيئًا من ذلك ، فصدَّق قوله فعله . وهكذا يتعين على الرجل أن ينكر على زوجته مهما رأى عليها شيئًا محرَّمًا ، ويمتنع من وطئها ، كما قال عبد الله : أما إنه لو كان ذلك لم يجامعها . هذا ظاهر هذا اللفظ . ويحتمل : لم يجتمع معها في دار ، ولا بيت ، فإما بهجران ، أو بطلاق ، كما قال تعالى : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ وإذا كان هذا لأجل حق الزوج ، فلأن يكون لحق الله تعالى أحرى وأولى .
( 2 ) باب ما يرخص فيه من الحرير 2069 - ( 10 ) [1976] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ ! فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ. فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ. فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ، لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا . ( 2 ) ومن باب : ما رخص فيه من الحرير مَنْعُ عبد الله العلم الحرير في الثوب ؛ إنما كان لأنَّه تمسك بعموم النهي عن لبس الحرير ، وكأنَّه لم يبلغه حديث عمر - رضي الله عنه - ؛ الذي رواه عنه سويد بن غفلة الآتي في آخر الباب . والصواب : إعمال ذلك المخصص في النهي العام . ولأجل هذا المخصص قال ابن حبيب : إنه يرخص في لبس العلم والصلاة فيه وإن عظم . قلت : ويعني بقوله : وإن عظم : إذا بلغ أربع أصابع ؛ الذي هو غاية الرخصة المذكورة في الحديث . وروي عن مالك اختلاف في قدر الإصبع من الحرير يكون في الثوب ، فنهى عنه مرة ، وأجازه أخرى . وقول ابن عمر في الجواب عن رجب : ( فكيف بمن يصوم الأبد ؟! ) معناه : إذا كان صوم الأبد جائزًا ، فكيف لا يكون صوم رجب كلَّه جائزًا . وهذا تكذيب لمن نقل عنه ، وإبطال لقول من يقول بذلك . وقد تقدَّم في كتاب الصوم الاختلاف في صوم الأبد . و( قوله : وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله ، فإذا هي أرجوان ) يعني : إنه كان يستعمل ميثرة الأرجوان ، فكيف يحرمها ؟ ! وهذا يبطل قول من فسَّر الميثرة المنهي عنها : بأنها من أرجوان . والأرجوان - بفتح الهمزة - ذكرها الجوهري . وقول أسماء : ( هذه جبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) تحتجُّ بذلك على جواز العلم من الحرير ، فإنَّ الجبَّة كان فيها لبنة من حرير ، وكانت مكفوفة بالحرير . ووجه الاحتجاج بذلك : أنه إذا كان القليل من الحرير المصمت المخيط في الثوب جائزًا ، كان العلم بالجواز أولى ، ولا يلتفت إلى قول من قال : إن ذلك الحرير وضع في الجبة بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنَّه لو كان كذلك لما احتجت به أسماء ، ولكان الواضع معروفًا عندهم ، فإنَّ الاعتناء بتلك الجبَّة كان شديدًا ، وتحفظهم بها كان عظيمًا ؛ لأنَّها من آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتداولة عندهم للتذكر ، والتبرك ، والاستشفاء ، فيبعد ذلك الاحتمال ، بل يبطل بدليل قولها : ( هذه كانت عند عائشة رضي الله عنها ) ، إلى آخر الكلام . فتأمَّله ، فإنَّه يدلّ على ذلك دلالة واضحة . وقولها : ( طيالسة ) أي : غليظة . كأنَّها من طيلسان ، وهو : الكساء الغليظ . وقولها : ( خسروانية ) بالخاء المنقوطة من فوقها ، هي رواية ابن ماهان . وبالكاف ، رواية غيره . وهي في الحالتين منسوبة إلى اسم أعجمي ، كما قالوا : كسروانية فنسبوها إلى كسرى . والله تعالى أعلم . ووقع في بعض الروايات : ( وفرجيها مكفوفين ) منصوبين على إضمار فعل ؛ أي : ورأيت فرجيها مكفوفين ، وعند الخشني ، وغيره : ( وفرجاها مكفوفان ) مرفوعًا على الابتداء والخبر ، والواو حالية .
عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ . و( أُكَيْدر دُومة ) هو ملك أيلة . أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حال شركه ، ثم أسلم بعد ذلك . وأُكيدر : تصغير أكدر ، وهو في الأصل : سواد يضرب إلى الغبرة . و( دومة ) رواه المحدثون بفتح الدال وضمها . وحكاه ابن دريد بالفتح ، قال : والمحدثون يقولونه بالضم ، وهو خطأ . وفيه دليل على جواز قبول هدايا المشركين . وقد تقدَّم في الجهاد . هذا الحديث تم نقله من موسوعة الحديث الشريف؛ وذلك نظرا لأن الشرح التالي خاص به، ووالمتن ليس موجودا بالمطبوع الورقي .
2067- ( 12 و 13 و 14 ) [1977] وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَي عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ: يَا عُتْبَةُ بْنَ فَرْقَدٍ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيكَ وَلَا كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشْبِعْ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ، وَإِيَّاك وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلَبُوسَ الْحَرِيرَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ، قَالَ: إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِصْبَعَيْهِ ، ورفع زهير السَّبَّابَةَ والْوُسْطَى وَضَمَّهُمَا . وفي رواية : وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ : وقال بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ، فَرُئِيتُها أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيْتُ الطَّيَالِسَةَ . وفي أخرى : قال أبو عثمان : فما عتمنا : أنه يعني الأعلام . 2067- ( 15 ) [1978] وعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ: أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ . و( قوله : إنَّه ليس من كدِّك ، ولا كدِّ أبيك ) يعني به : مال المسلمين ، وهو ضمير يفسره الحال . والكدُّ : السعي والتعب . و( قوله : فأشبع المسلمين مما تشبع منه ) أي : لا تستأثر عليهم بشيء ، ولا تختص به دونهم ؛ أي : أمره أن يسوي بين نفسه وبين الناس فيما يأخذه من مال المسلمين ، ثمَّ نهاه وحذره عن التنعُّم ، وهو الترفه ، والتوسُّع ، وعن زي أهل الشرك ؛ يعني بهم : المجوس ؛ إذ لا يعني به : مشركي العرب ، فإنَّ زي العرب كلُّه واحد ؛ مشركهم ومسلمهم . والزي : ما يتزيى الإنسان به ؛ أي : يتزين . وذلك يرجع إلى الهيئات ، وكيفية اللباس ، كما قال : ( خالفوا المشركين ، فإنَّهم لا يفرقون ) ، وفي آخر : ( فإنهم لا يصبغون ) ، وفي آخر : ( خالفوا المجوس : جزوا الشوارب ، وأوفوا اللحى ) . ومن هنا كره مالك رحمه الله ما خالف زي العرب جملة واحدة . و( لبوس الحرير ) : لباسه . يقال : لبس الثوب لباسًا ، ولبوسًا . وقد روى غير مسلم حديث أبي عثمان هذا ، وقال فيه : أتانا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد ، قال فيه : أما بعد : فائتزروا ، وارتدوا ، وانتعلوا ، واتقوا الخضاب ، والسراويلات ، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، وإياكم والتنعم ، وزي العجم ، وعليكم بالشمس فإنَّها حمام العرب ، وتمعددوا ، واخشوشنوا ، واخشوشبوا ، واخلولقوا ، واقطعوا الرَّكب ، وانزوا ، وارموا على الأغراض . و( قوله : فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحرير إلا هكذا ) وضم أصبعيه : السبابة والوسطى ؛ يعني : الأعلام . و( قوله : فرُئِيتها أزرار الطيالسة ) الأزرار : جمع زر ، وهو : ما يزرر به الثوب بعضه على بعض . ومنه : زررت علي قميصي . ويعني به : أطراف الطيالسة . وهي : جمع طيلسان ، وهو الكساء ، أو الثوب الذي له علم ، وكأنَّها كانت لها أعلام من حرير . وقوله : فما عتَّمنا : أنه يعني به : الأعلام ؛ كذا رواية الصدفي ، والأسدي . ومعنى ذلك : أنا لم نتردد ، ولم نبطئ . ورواه الطبري ، وغيره : فما علمنا إلا أنه يريد الأعلام . وهو واضح . وكذا رواه قاسم بن أصبغ . وأما حديث سويد بن غفلة الذي قال فيه : إلا موضع أصبعين ، أو ثلاث ، أو أربع . فذكر الدارقطني : أنَّه لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة . قال : وهو مدلس . وقد رواه جماعة من الأئمة الحفاظ موقوفًا على عمر قوله . وقد تقدَّم في أول الباب ذكر الخلاف في العلم ومقداره .
( 5 ) باب النهي عن لبس القسي والمعصفر ( 27 و 28 ) - [1982] عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ ، فَلَا تَلْبَسْهَما . وفي رواية : رَأَى عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ : أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا ؟ قُلْتُ : أَغْسِلُهُمَا ؟ قَالَ : بَلْ أَحْرِقْهُمَا . ( 2078 ) ( 29 و31 و64 ) - [1983] وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ ، وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ . وفي رواية : والسجود . وزاد في رواية : وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ . فأَمَّا الْقَسِّيِّ : فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ ، فِيهَا شِبْهُ كَذَا ، وَالْمَيَاثِرُ : فَشَيْءٌ كَانَتْ تَجْعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ الْأُرْجُوَانِ . ( 5 ) ومن باب النهي عن لبس القسي والمعصفر قوله : ( رأى علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبين معصفرين ) المعصفر : المصبوغ بالعصفر . وهو صبغ أحمر . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن هذين من ثياب الكفار ، فلا تلبسهما ) يدلّ : على أن علة النهي عن لباسهما التشبُّه بالكفار . وقوله في الرواية الأخرى : ( أأمك أمرتك بهذا ؟ ) يشعر بأنَّه إنما كرهها لأنَّها من لباس النساء . وظاهرهما : أنهما علّتان في المنع . ويحتمل أن تكون العلّة مجموعهما . وقد اختلف العلماء في جواز لبس المعصفر . فروي كراهته عن ابن عمر . وأجازه جماعة من الصحابة ، والتابعين ، والفقهاء . وهو قول مالك ، والشافعي . وكره ما اشتدَّت حمرته : عطاء وطاووس ، وأباحا ما خف منها ، وفرَّق بعضهم بين أن يمتهن ، فيجوز أو يلبس ، فيكره . وهو قول ابن عباس ، والطبري . وكره بعض أهل العلم جميع ألوان الحمرة . وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لبس حلَّة حمراء ، وقد لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صبغ بالصفرة على ما جاء عن ابن عمر ، فلا وجه لكراهة الحمرة مطلقًا ، وإنَّما المكروه المعصفر للرجال ، والمزعفر ؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك للرجال ، وكره المعصفر بعض أهل العلم مطلقًا ، وأجازه مالك تمسُّكًا بحديث ابن عمر المتقدِّم . وقد حمل بعضهم النهي على المحرم . قلت : وهذا فيه بُعدٌ ؛ لأنَّ النساء والرجال ممنوعون من التطيّب في الإحرام ، فلا معنى لتخصيصه بالرجال ، وإنما علَّة الكراهة في ذلك : أنه صبغ النساء ، وطيب النساء ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( طيب الرجال : ما ظهر ريحه ، وخفي لونه . وطيب النساء : ما ظهر لونه ، وخفي ريحه ، والله تعالى أعلم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( بل أحرقهما ) مبالغة في الرَّدع ، والزَّجر ، ومن باب جواز العقوبة في الأموال ، ولم يسمع بأحد قال بذلك . والله تعالى أعلم . وقد تقدم الكلام في باقي الحديث .
( 7 ) باب اتخاذ الوساد والفراش من أدم والأنماط ولم يجوز أن يتخذ من الفرش ؟ ( 2082 ) ( 37 ) - [1987] عن عائشة قالت : كَانَ وِسَادَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذي يَتَّكِئُ عَلَيْه مِنْ أَدَمٍ حَشْوُه لِيفٌ . ( 2082 ) ( 38 ) - [1988] وعنها أنها قَالَت : إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ . و ( الوساد ) : ما يتوسد عليه . أي : يُتكأ عليه ، ويجعل تحت الرأس . و ( الضجاع ) : ما يضطجع عليه ، وهو الفراش . وقول ابن عباس المتقدِّم : فاضطجعت في عرض الوسادة ، واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طولها . معناه : أنهم وضعوا رؤوسهم على الوسادة على تلك الصفة ، وعبر عن ذلك بالاضطجاع .
( 2083 ) - [1989] وعَنْ جَابِر بن عبد الله قَالَ : لَمَّا تَزَوَّجْتُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَّخَذْتم أَنْمَاطًا ؟ قُلْتُ : وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ . قَالَ جَابِرٌ : وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ ، وأَنَا أَقُولُ : نَحِّيهِ عَنِّي ، فتَقُولُ : قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا سَتَكُونُ . و ( الأنماط ) جمع نمط . قال الخليل : هو ظهارة الفراش . وقال ابن دريد : هو ما يستر به الهودج . وهو في حديث عائشة : ثوب سترت به سهوتها ، وهو القرام أيضًا ، كما جاء في حديث عائشة ، وقد يكون من حرير ، وغيره . وقد يسمَّى نمرقة في بعض طرق حديث عائشة . وقد عبَّر عنه بالستر في حديثها . وهذا كلُّه يدلّ على أنها أسماء لمسمَّى واحد . وسيأتي حديث عائشة بعد هذا ، إن شاء الله تعالى . وقول جابر : ( أنَّى لنا أنماط ؟ ) استبعاد لذلك . معناه : من أين يكون لنا أنماط ؟ ! وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أما إنها ستكون ) دلالة من دلائل صدقه ، فإنها إخبار عن غيب ، وجدت كما أخبر عنه . وقول جابر لامرأته : ( نحِّي نمطك عنِّي ) فإنما كان ذلك كراهة له ؛ مخافة الترفه في الدنيا والميل إليها ، لا لأنه حرير ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه . واستدلالها عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أما إنها ستكون ) هو استدلالٌ بتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - على اتِّخاذ الأنماط ؛ لأنَّه لما أخبر : بأنها ستكون ، ولم ينه عن اتخاذها ؛ دلَّ ذلك على جواز الاتخاذ .
( 2084 ) ( 39 و40 ) - [1990] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فراشٌ للرجل ، وفراشٌ لامرأته ، والثالث للضيف ، والرابع للشيطان ) دليل : على جواز اتخاذ الإنسان من الفرش والآلة ما يحتاج إليه ، ويترفه به . وهذا الحديث : إنما جاء مبينًا لعائشة ما يجوز للإنسان أن يتوسع فيه ، ويترفه من الفرش ؛ لأن الأفضل أن يكون له فراش يختص به ، ولامرأته فراش ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له إلا فراش واحد في بيت عائشة ، وكان فراشًا ينامان عليه في الليل ، ويجلسان عليه بالنهار . وأما فراش الضيف : فيتعين للمضيف إعداده له ؛ لأنَّه من باب إكرامه ، والقيام بحقه ، ولأنَّه لا يتأتى له شرعًا الاضطجاع ولا النوم مع المضيف وأهله على فراش واحد . ومقصود هذا الحديث : أن الرجل إذا أراد أن يتوسع في الفرش ؛ فغايته ثلاث ، والرابع لا يحتاج إليه ، فهو من باب السَّرف . وفقه هذا الحديث : ترك الإكثار من الآلات والأمور المباحة ، والترفه بها ، وأن يقتصر على حاجته . ونسبة الرَّابع للشيطان ذمٌّ له ، لكن لا يدلّ على تحريم اتخاذه ، وإنَّما هذا من باب قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه ، والبيت الذي لا يذكر الله فيه ) ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام ، كما تقدَّم . والله تعالى أعلم .
( 22 ) باب النهي عن الزور وهو ما يكثرن به الشعور وذم الكاسيات العاريات والمتشبع بما لم يعط ( 2127 ) ( 122 ) - [2037] عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، عَامَ حَجَّ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ . ( 2127 ) ( 124 ) - [2038] وعن مُعَاوِيَةَ أنه قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الزُّورِ . قَالَ : وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : أَلَا وَهَذَا الزُّورُ قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ . ( 22 ) ومن باب النهي عن الزور ، وهو ما يكثر به الشعر القُصَّة من الشعر : ما كان منه على الجبهة . قاله الأصمعي . وقول معاوية - رضي الله عنه - : ( يا أهل المدينة ! أين علماؤكم ؟ ) هذا من معاوية - رضي الله عنه - على جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه ، واستعانة على ما رام تغييره من ذلك . لا على جهة أن يعلمهم بما لم يعلموا ، فإنَّهم أعلم الناس بأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم لا سيما في ذلك العصر . ويحتمل أن يكون ذلك فيه ؛ لأنَّ عوام أهل المدينة أول من أحدث الزور ، كما قال في الرواية الأخرى : إنكم قد أحدثتم زي سوء ؛ يعني : الزور ، فنادى أهل العلم ليوافقوه على ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - من النهي عن ذلك ، فينزجر من أحدث ذلك من العوام . وقد فسَّر معاوية الزور المنهي عنه في هذا الحديث بالخِرَق التي يُكْثِر النساء بها شعورهن بقوله : ( ألا وهذا الزور ) وزاده قتادة وضوحًا . و ( الزور ) في غير هذا الحديث : قول الباطل ، والشهادة بالكذب . وأصل التزوير : التمويه بما ليس بصحيح . وهذا الحديث حجَّة واضحة على إبطال قول من قصر التحريم على وصل الشعر ، كما تقدَّم . وهذا يدلّ : على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم ، وأنها مرجع يعتمد عليه في الأحكام . وهو من حجج مالك على أن إجماع أهل المدينة حجَّة ، وقد حققنا ذلك في الأصول . و ( قوله : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم ) يظهر منه : أن ذلك كان محرَّما عليهم ، وأن نساءهم ارتكبوا ذلك المحرَّم ، فأقرَّهن على ذلك رجالهم ، فاستوجب الكل العقوبة بذلك ، وبما ارتكبوه من العظائم .
( 2128 ) - [2039] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا . و ( قوله : صنفان من أهل النار لم أرهما ) أي : لم يوجد في عصره منهما أحدٌ ؛ لطهارة أهل ذلك العصر الكريم . ويتضمن ذلك : أن ذينك الصنفين سيوجدان . وكذلك كان ، فإنَّه خلف بعد تلك الأعصار قوم يلازمون السياط المؤلمة التي لا يجوز أن يضرب بها في الحدود قصدًا لتعذيب الناس ، فإن أمروا بإقامة حد ، أو تعزير ، تعدوا المشروع في ذلك في الصفة والمقدار ، وربما أفضى بهم الهوى ، وما جبلوا عليه من الظلم إلى هلاك المضروب ، أو تعظيم عذابه . وهذا أحوال الشرط بالمغرب ، والعوانية في هذه البلاد . وعلى الجملة : فهم سخط الله في الجملة عاقب الله بهم شرار خلقه غالبًا . نعوذ بالله من سخطه في الدنيا والآخرة . و ( قوله : ونساء كاسيات عاريات ) قيل في هذا قولان : أحدهما : أنهن كاسيات بلباس الأثواب الرقاق الرفيعة التي لا تستر منهن حجم عورة ، أو تبدي من محاسنها - مع وجود الأثواب الساترة عليها - ما لا يحل لها أن تبديه ، كما تفعل البغايا المشتهرات بالفسق . وثانيهما : أنهنَّ كاسيات من الثياب ، عاريات من لباس التقوى ؛ الذي قال الله تعالى فيه : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ قلت : ولا بُعد في إرادة القدر المشترك بين هذين النوعين ؛ إذ كل واحد منهما عُرُوٌّ ؛ وإنَّما يختلفان بالإضافة . و ( قوله : مميلات مائلات ) كذا جاءت الرواية في هاتين الكلمتين بتقديم : مميلات على مائلات ، وكلاهما من الميل ، بالياء باثنتين من تحتها . ومعنى ذلك : أنهن يملن في أنفسهن تثنيًا ونعمة وتصنعًا ؛ ليُملن إليهن قلوب الرجال ، فيميلون إليهن ويفتنَّهم . وعلى هذا : فكان حق مائلات أن يتقدم على مميلات ؛ لأنَّ ميلهن في أنفسهن مقدَّم في الوجود على إمالتهن . وصحَّ ذلك لأن الصفات المجتمعة لا يلزم ترتيبها ؛ ألا ترى أنها تعطف بالواو ، والواو جامعة غير مترتبة ، إلا أن الأحسن تقديم مائلات على مميلات ؛ لأنَّه سببه كما سبق . وقد أبعد أبو الوليد الوقشي حيث قال : إن صوابه : ( الماثلة ) بالثاء المثلثة ، يعني : الظاهرة ، وقال : لا معنى للمائلة هنا . وترك هذا الصواب هو الصواب . و ( قوله : رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ) أسنمة : جمع سنام ، وسنام كل شيء : أعلاه . والبخت : جمع بختية ، وهي ضرب من الإبل عظام الأجسام ، عظام الأسنمة ، شبَّه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن تزينًا ، وتصنعًا ، وقد يفعلن ذلك بما يكثرن به شعورهن ، والمائلة : الرواية بالياء ، من الميل . يعني : أن أعلى السَّنام يميل لكثرة شحمه ، شبَّه أعالي ما يرفعن من الشعر بذلك . وقال الوقشي : صوابه : بالثاء المثلثة ؛ أي : المرتفعة الظاهرة . وقد تقدَّم القول على نحو قوله : ( لا يدخلن الجنة ) وعلى قوله : ( كذا وكذا ) وهو كناية عن خمسمائة عام ، كما قد جاء مفسَّرًا .
( 2130 ) - [2040] وعن أَسْمَاءَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ لِي ضَرَّةً ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِي بِمَا لَمْ يُعْطِنِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . وقولها : ( هل علي جناح أن أتشبَّع من مال زوجي بما لم يعطني ؟ ) سألته : هل يجوز لها أن تظهر لضرتها : أن زوجها قد مكنها ، أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه ، أو أكثر مما أعطى ضرتها ؛ افتخارًا عليها ، وإيهامًا لها أنها عنده أحظى منها ، فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بما يقتضي المنع من ذلك ، فقال : ( المتشبِّع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور ) وأصل التشبُّع : تفعُّل من الشِّبع ، وهو الذي يظهر الشِّبع وليس بشبعان . وكثيرًا ما تأتي هذه الصيغة بمعنى التعاطي كالتكبُّر ، والتصنُّع . ويفهم من هذا الكلام : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المرأة عن أن تتظاهر وتتكاثر بما لم يعطها زوجها ؛ لأنَّه شَبَّه فعلها ذلك بما يُنتهى عنه ، وهو : أن يلبس الإنسان ثوبين زورًا . واختلف المتأولون ؛ هل الثوبان محمولان على الحقيقة ، أو على المجاز ؟ على قولين : فعلى الأول يكون معناه : أنه شبهها بمن أخذ ثوبين لغيره بغير إذنه ، فلبسهما مظهرًا أن له ثيابًا ليس مثلها للمظهر له . وقيل : بل شبهها بمن يلبس ثياب الزهاد ، وليس بزاهد . وعلى الوجه الثاني : قال الخطابي : إن ذكر الثوبين هنا كناية عن حاله ومذهبه . والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه . والمعنى : أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن . وقيل : هو الرجل في الحي تكون له هيئة ، فإذا احتيج إليه في شهادة زور شهد بها ، فلا يرد لأجل هيئته ، وحسن ثوبه . فأضيفت شهادة الزور إلى ثوبه ؛ إذ كان سببها . قلت : وأي شيء من هذه الوجوه كان المقصود ، فيحصل منه : أن تشبع المرأة على ضرَّتها بما لم يعطها زوجها محرَّم ؛ لأنَّه شُبه بمحرَّم ، وإنما كان ذلك محرَّمًا ؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، ورياءً ، وأذًى للضرة من نسبة الزوج إلى أنَّه آثرها عليها ، وهو لم يفعل ، وكل ذلك محرَّم .
2071 - ( 18 ) [1974] وعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ . وقوله لعلي - رضي الله عنه - : ( شققها خُمُرًا بين الفواطم ) قال ابن قتيبة : هنَّ : فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت أسد بن هاشم - أم علي وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي ، قال : ولا أعرف الثالثة . قال الأزهري : هي : فاطمة بنت حمزة الشهيد . وقد روى أبو عمر بن عبد البر ، وعبد الغني الحافظ هذا الحديث ، قالا فيه : قال علي : فشققت منها أربعة أخمرة : خمارًا لفاطمة بنت أسد أم علي ، وخمارًا لفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم وخمارًا لفاطمة بنت حمزة - رضي الله عنهم قال يزيد بن أبي زياد : ونسيت الرابعة . قال بعض المتأخرين : الرابعة : فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب ؛ لاختصاصها بعلي - رضي الله عنه - بالصهر ، وقربها بالمناسبة . وقيل : فاطمة بنت الوليد بن عتبة . وقيل : فاطمة بنت عتبة .
2066 - ( 3 ) [1975] وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائزَ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَنَهَانَا عَنْ سبع : خَوَاتِيمَ الذهب ، أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ الذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنْ الْمَيَاثِرِ، وَعَنْ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ . وفي رواية : وإنشاد الضالة مكان إبرار المقسم . وفي أخرى : ورد السلام - مكان - إفشاء السلام . قال سالم بن عبد الله : الإستبرق : ما غلظ من الديباج . و( قوله : أمر بعيادة المريض ) وهي زيارته ، وتفقده . يقال : عاد المريض ، يعوده ، عيادة . و( تشميت العاطس ) : بالشين المعجمة هو : الدعاء له إذا عطس وحمد الله تعالى . فعلى السامع أن يقول له : يرحمك الله . وسُمي الدعاء تشميتًا ؛ لأنَّه إذا استجيب للمدعو له فقد زال عنه الذي يشمت به عدوه لأجله . وقد يقال بالسين المهملة . قال ابن الأنباري : يقال : شَمَّتُ فلانًا ، وسَمَّت عليه . فكل داع بالخير : مسمت ، ومشمت . قال ثعلب : الأصل السين من السمت ، وهو القصد ، ومنه الحديث : فدعا لفاطمة وسمت عليها . و( إبرار المقسم ) هو : إجابته إلى ما حلف عليه ، ولا يحنث ، لكن إذا كان على أمر جائز . و( نصر المظلوم ) : إعانته على ظالمه ، وتخليصه منه . و( إجابة الداعي ) تعم الوليمة وغيرها . لكن أوكد الدعوات : الوليمة . وقد تقدَّم الكلام فيها . و( إفشاء السلام ) : إشاعته ، ولا يخص به من يعرف دون من لم يعرف . و( إنشاد الضالَّة ) : هو التعريف بها . و( نشدتها ) : طلبتها . يقال : نشدت الضالَّة : طلبتها ، وأنشدتها : عرَّفتها . و( المياثر ) : جمع ميثرة . وهي مأخوذة من الوثارة ، وهي : اللين والنعمة . ومنه قولهم : فراش وثير ؛ أي : وطيء لين . وياء ميثرة ؛ واو ، لكنها انقلبت ياء لانكسار ما قبلها ، كميزان ، وميعاد . واختلف فيها . فقال الطبري : هي : وطاء كان النساء يضعنه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ، ومن الديباج على سروجهم ، وكانت من مراكب العجم . والأرجوان : هو الصوف - بفتح الهمزة وضم الجيم وقال الحربي عن ابن الأعرابي : هي كالمرفقة تتخذ كصفة السرج من الحرير . وقيل : جلود السِّباع . قلت : فإنَّ كانت حريرًا فوجه النهي واضحٌ ، وهو تحريم الجلوس عليها ؛ فإنَّها حرير ، ولباس ما يفرش : الجلوس عليه . وعلى هذا جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ، خلافًا لعبد الملك من أصحابنا ؛ فإنَّه أجازه . ولم ير الجلوس على الحرير لباسًا ، وهذا ليس بشيء ، فإنَّ لباس كل شيء بحسبه ، وقد قال أنس - رضي الله عنه - : فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس . وأما من كانت عنده الميثرة من جلود السِّباع : فوجه النهي عنها أنها مكروهة ؛ لأنَّها لا تعمل فيها الذكاة . وهو أحد القولين فيها عند أصحابنا ، أو لأنها لا تذكى غالبًا . وأما من كانت عنده من الأرجوان الأحمر : فوجه النهي عنها : أنها تشبه الحرير ، أو لأنها كانت من زي العجم ، فيكون من باب الذريعة . وهذا القول أبعدها ، والله أعلم . و( القسي ) بفتح القاف ، وقد أخطأ من كسرها . وهي منسوبة إلى القس : قرية من قرى مصر مما يلي الفَرَمَا . وهي مظلعة بالحرير . قال البخاري : فيها حرير أمثال الأترنج . وقيل : إنه القز ، أبدلت الزاي سينًا . والإستبرق : فارسي عرَّبته العرب . وهو : غليظ الديباج . و( السندس ) : ما رق منه . و( الديباج ) : جنس من الحرير الإستبرق ، والسندس من أنواعه . و( الدهقان ) : فارسي معرَّب ، ويجمع دهاقين : وهم الرؤساء . وقيل : الكثير المال والتنعم ، من الدهقنة ، وهي : الامتلاء والكثرة . يقال : دهق لي دهقة من المال ؛ أي : أعطانيه . وأدهقت الإناء : ملأته .
( 29 ) كتاب اللباس ( 1 ) باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء 2068 - ( 6 و 7 ) [1972] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا. فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ . وفي رواية : فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحْمِلُهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ ، وَقَدْ قُلْتَ بِالْأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ ! فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا. وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرًا عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَنْكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ ؟ فَأَنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَا ! فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ . 2069 - ( 11 ) [1973] وعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ . ( 29 ) كتاب اللباس ( 1 ) باب : تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء قوله : ( حُلَّة سِيَرَاء ) قد تقدَّم ذكر الحلَّة في الجنائز ، و( السِّيراء ) : المخطط بالحرير ، شُبِّهت بالسِّيور خطوطها ؛ قاله الأصمعي ، والخليل ، وغيرهما . والرواية : حُلَّة سيراء - بتنوين حلة ، ونصب سيراء - على أن تكون صفة للحلَّة كأنه قال : مسيَّرة . كما قالوا : جبَّة طيالسية ؛ أي : غليظة . قال الخطابي : حلَّة سيراء ، كقولك : ناقة عشراء . وبعضهم لا ينون الحلَّة ، ويضيفها إلى سيراء . وكذلك رواه ابن سراج . وكذلك قيدته على من يوثق بعلمه ، وتقييده . فهو على هذا من إضافة الشيء إلى صفته . كقولهم : ثوبُ خزٍّ ، على أن سيبويه قال : لم يأت فعلاء صفة ، وإنَّما سيراء يتنزل منزلة : مسيرة . و( قوله : لو اشتريت هذه فلبستها للوفد ) ، وإقراره - صلى الله عليه وسلم - على هذا القول ؛ يدلّ على مشروعية التجمل للوفود ، ومجامع المسلمين التي يقصد بها إظهار جمال الإسلام ، والإغلاظ على العدو . و( قوله : إنما يلبس هذه ) ، وفي رواية : ( الحرير ، من لا خلاق له في الآخرة ) الخلاق : قيل فيه : الحظ ، والنصيب ، والقدر . ويعني بذلك : أنه لباس الكفار ، والمشركين في الدنيا ، وهم الذين لا حظ لهم في الآخرة . واختلف الناس في لباس الحرير . فمن مانع ، ومن مجوِّز على الإطلاق . وجمهور العلماء على منعه للرجال ، وإباحته للنساء . وهو الصحيح لهذا الحديث ، وما في بابه . وهي كثيرة . وأما إباحته للنساء فيدل عليها قوله في هذا الحديث : ( إنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُرًا بين نسائك ) ، ولما خرَّجه النسائي من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حريرًا في يمينه ، وذهبًا في شماله ، ثم قال : ( إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي ، حل لإناثها ) . قال علي بن المديني : حديث حسن ، ورجاله معروفون . وهذا كله في الحرير الخالص المصمت ، فأمَّا الذي سداه حرير ، ولحمته غيره : فكرهه مالك . وإليه ذهب ابن عمر ، وأجازه ابن عباس . وأما الخز ، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال : الحظر ، والإباحة ، والكراهة . وجل المذهب على الكراهة . واختلف فيه ؛ ما هو ؟ فقيل : ما سداه حرير . قال ابن حبيب : ليس بين الخز وما سداه حرير ولحمته قطن أو غيره فرق إلا الاتباع ، فإنَّه حكي إباحة الخز عن خمسة وعشرين من الصحابة . منهم : عثمان بن عفان ، وسعيد بن زيد ، وعبد الله بن عباس ، وخمسة عشر تابعيًّا ، وكان عبد الله بن عمر يكسو بنيه الخز . وقيل في الخز : إنه يشبه الحرير ، وليس به . ويكره لشبهه بالحرير ، وللسَّرف . و( قوله : فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة ) قيل : إنه كان أخاه لأمه . ذكره النسائي . وفيه ما يدل على جواز القريب المشرك ، وما يدل على أن عمر - رضي الله عنه - لم يكن من مذهبه : أن الكفار يخاطبون بالفروع ؛ إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها ، وهي تحرم عليه . واختلف في تحريم الحرير للرجال . فقال الأبهري : هي التشبه بالنساء . وقيل : ما يجرُّه من الخيلاء . وقيل : التشبه بالكفار الذين لا حظ لهم في الآخرة . وهو الذي دلَّ عليه الحديث . و( قوله : إنما بعثت بها إليك لتصيب بها ) أي : مالًا . وكذا جاء مفسَّرا في بعض طرقه . ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر مثل الذي قال لأسامة ، ولا لعلي : ( لتشققها خمرًا بين نسائك ) . ولو سمع ذلك عمر لما سمع منه منع النساء من الحرير .
( 2122 ) ( 115 ) - [2033] وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَت : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ ؟ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . ( 2124 ) - [2034] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ . ( 2126 ) - [2035] وعن جَابِرٍ قال : زَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِشعرهَا شَيْئًا . و ( قول المرأة : إن لي ابنة عريسًا ) هو تصغير عروس ، قلبت الواو ياء ، وزيد عليها ياء التصغير ، وأدغمت إحداهما في الأخرى . ويقال : عروس ، للذكر والأنثى . يقال : رجل عروس ، ورجال عرس ، وامرأة عروس من نساء عرائس . والعرس - بالكسر - : امرأة الرجل ، ولبوة الأسد ، والجمع أعراس ، ومنه قول الشاعر : بالرقمتين له أجرٍ وأعراس و ( الحصبة ) - بفتح الحاء ، وسكون الصاد - : مرض معروف يشبه الجدري . وقولها : ( تمرق شعرها ) أي : انتتف ، وفي رواية أخرى : ( تَمَرَّط ) وكلاهما بمعنى واحد . يقال : مرق الصوف عن الإهاب ، يمرق ، مرقًا . وتمرق ، وأمرق ، ويقال : مرط شعره يمرطه مرطًا : إذا نتفه ، والمراطة : ما سقط منه . وتمرط شعره يتمرط تمرطًا : إذا تساقط . و ( وصل الشعر ) : هو أن يضاف إليه شعره آخر يكثر به . و ( الواصلة ) : هي التي تفعل ذلك . و ( المستوصلة ) : هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها . وكذلك ( الواشمة ) : هي التي تعمل الوشم . وقد ذكرناه . و ( المستوشمة ) : هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها . وهذا الحديث نصٌّ في تحريم وصل الشعر بالشعر . وبه قال مالك ، وجماعة العلماء . ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغيرها ؛ لأنَّ ذلك كله في معنى وصله بالشعر ، ولعموم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تصل المرأة شعرها . وقد شذَّ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق ، وما ليس بشعر . وهو محجوج بما تقدَّم . وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس ، وقالوا : إنما نهي عن الوصل خاصة ، وهذه ظاهريَّة محضة ، وإعراض عن المعنى . وقد شذَّ قوم فأجازوا الوصل مطلقًا ، وتأولوا الحديث على غير وصل الشعر . وهو قول باطل . وقد روي عن عائشة ، ولم يصح عنها . ولا يدخل في هذا النهي ما ربط من الشعر بخيوط الحرير الملوَّنة ، وما لا يشبه الشعر ، ولا يكثره ، وإنَّما يفعل ذلك للتجمل والزينة .
( 20 ) باب النهي عن القزع وعن وصل شعر المرأة ( 2120 ) - [2032] عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ قَالَ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : وَمَا الْقَزَعُ ؟ قَالَ : يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ . ( 20 و 21 ) ومن باب النهي عن القزع وعن وصل الشعر في الصحاح : القزع : أن يحلق رأس الصبي في مواضع ، ويترك الشعر متفرقًا ، وقد نُهي عنه . وقزع رأسه تقزيعًا : إذا حلق شعره ، وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه ، ورجل مقزع : رقيق شعر الرأس متفرقه . قال : والقزع : قطع من السحاب رقيقة ، الواحدة : قزعة . قلت : لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع ، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه ، لما عرف من اللغة كما نقلناه ، ولتفسير نافع له بذلك . واختلف فيما إذا حلق جميع الرأس وترك منه موضع كشعر الناصية ، أو فيما إذا حلق موضع وحده ، وبقي أكثر الرأس . فمنع ذلك مالك ، ورآه من القزع المنهي عنه . وقال نافع : أما القُصَّة ، والقفا للغلام : فلا بأس به . واختلف في المعنى الذي لأجله كره . فقيل : لأنه من زي أهل الزعارة والفساد . وفي كتاب أبي داود : أنه زي اليهود . وقيل : لأنَّه تشويه ، وكأن هذه العلة أشبه ؛ بدليل ما رواه النسائي من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى صبيًا حلق بعض شعره ، وترك بعضه ، فنهى عن ذلك ، وقال : ( اتركوه كله ، أو احلقوه كله ) .
( 2086 ) ( 47 ) - [1994] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، ارْفَعْ إِزَارَكَ . فَرَفَعْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ : زِدْ . فَزِدْتُ ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْدُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : إِلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ : إلى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ارفع إزارك ) يدل : على أن هذا لا يُقَرّ بل يُنْكَر ؛ وإن أمكن أن يكون من فاعله غلطًا وسهوًا . وقوله له : ( زد ) حمل له على الأحسن والأولى . وهذا كما بينه في الحديث الآخر ؛ إذ قال : ( إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعب ، وما أسفل من ذلك ففي النار ) . و ( قوله : فما زلت أتحراها ) أي : أقصد الهيئة التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحافظ عليها . ويعني بها : إزرته إلى نصف ساقيه ، كما قال في بقية الحديث .
( 8 ) باب إثم من جر ثوبه خيلاء ومن تبختر وإلى أين يرفع الإزار ( 2085 ) ( 42 و43 ) - [1991] عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ . وفي رواية : إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثوبه مِنْ الْخُيَلَاءِ ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( 8 و 9 ) ومن باب إثم من جرَّ ثوبه خيلاء قوله : ( لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء ) يعني : لا ينظر إليه نظر رحمة ، وقد تقدَّم هذا في الإيمان . والخيلاء والمخيلة : التكبر . وقد تقدم أيضًا . والمشهور في ( الخيلاء ) بضم الخاء ، وقد قيلت بكسرها . و ( الثوب ) يعم الإزار ، والرداء والقميص ، فلا يجوز جرّ شيء منها .
( 2087 ) ( 48 ) - [1992] وعن أبي هُرَيْرَةَ ، وَرَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَحْرَيْنِ - وَهُوَ يَقُولُ : جَاءَ الْأَمِيرُ ، جَاءَ الْأَمِيرُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا . و ( البطر ) الأشر . وينجر معه الكبر ، و ( خيلاء ) و ( بطرًا ) منصوب نصب المصدر الذي هو مفعول من أجله . وإعجاب الرجل بنفسه : هو ملاحظته لها بعين الكمال ، والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى ، فإنَّ رفعها على الغير واحتقره ، فهو الكبر المذموم .
( 2088 ) ( 49 ) - [1993] وعنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ ، إِذْ خُسِفت بِهِ الْأَرْضُ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ . و ( البُرْدان ) : الرداء ، والإزار ، وهذا على طريقة تثنية العمرين ، والقمرين . و ( يتجلجل ) : يخسف به مع تحرك واضطراب ، قاله الخليل وغيره . ويفيد هذا الحديث : ترك الأمن من تعجيل المؤاخذة على الذنوب . وأن عجب المرء بنفسه ، وثوبه ، وهيئته ، حرام وكبيرة .
( 2118 ) - [2029] وعن ابْنَ عَبَّاسٍ قال : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا مَوْسُومَ الْوَجْهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَا أَسِمُهُ إِلَّا فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ ، فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ . و ( الجاعرتان ) : مؤخر الوركين المشرفان مما يلي الدُّبر . وسُميا بذلك : لأن الجعر - وهو البعر - يقع عليهما . و ( قوله : قال : والله ! لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه ) ظاهر مساق هذا الحديث في كتاب مسلم : أن القائل : هو ابن عباس راوي الخبر ، وليس كذلك ؛ لما صحَّ من رواية البخاري في " التاريخ " ، وفي رواية أبي داود في مصنفه : أن القائل هو : العباس والد عبد الله . وهو أوَّل من كوى في الجاعرتين ، لا ابنه . و ( الميسم ) : المكوى . و ( الظهر ) هنا : الإبل التي يُحمل عليها . وهذه الأحاديث كلها تدلُّ على جواز كي الحيوان لمصلحة العلامة في كل الأعضاء إلا في الوجه . وهو مستثنى من تعذيب الحيوان بالنار ؛ لأجل المصلحة الرَّاجحة . وإذا كان كذلك ، فينبغي أن يقتصر منه على الخفيف الذي يحصل به المقصود ، ولا يبالغ في التعذيب ، ولا التشويه . وهذا لا يختلف فيه الفقهاء إن شاء الله تعالى .
( 19 ) باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم ؟ ( 2116 ) - [2028] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ ، وَعَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ . ( 19 ) ومن باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الضرب في الوجه ، وعن الوسم فيه يدلّ على احترام هذا العضو ، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة ، وذلك لأنه الأصل في خلقة الإنسان ، وغيره من الأعضاء خادم له ؛ لأنَّه الجامع للحواس التي تحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة ، ولأنَّه أول الأعضاء في الشخوص ، والمقابلة ، والتحدُّث ، والقصد ، ولأنَّه مدخل الروح ومخرجه ، ولأنه مقر الجمال والحسن ، ولأن به قوام الحيوان كله : ناطقه وغير ناطقه . ولما كان بهذه المثابة احترمه الشرع ، ونهى أن يُتعرَّض له بإهانة ، ولا تقبيح ، ولا تشويه . وقد مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل يضرب عبده فقال : ( اتق الوجه ، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته ) أي : على صورة المضروب . ومعنى ذلك - والله أعلم - : أن المضروب من ولد آدم ، ووجهه كوجهه في أصل الخلقة ، ووجه آدم - عليه السلام - مكرمٌ مشرف ؛ إذ قد شرفه الله تعالى بأن خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأقبل عليه بكلامه ، وأسجد له ملائكته . وإذا كان هذا الوجه يشبه ذلك الوجه فينبغي أن يحترم كاحترامه . ولما سمع ذلك الصحابي النهي عن الوسم ، وفهم ذلك المعنى قال : والله لا أسمه ، مبالغة في الامتثال والاحترام . و ( الوسم ) : الكي بالنار . وأصله : العلامة . يقال : وسم الشيء يسمه : إذا أعلمه بعلامة يعرف بها . ومنه : السيماء : العلامة ، ومنه قوله تعالى : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ومعروف الرواية : ( الوسم ) بالسين المهملة ، وقد رواه بعضهم بالشين المعجمة ، وهو وَهْمٌ ؛ لأنَّ الوشم إنما هو غرز الشفاه والأذرع بالإبرة ، وتسويدها بالنؤور ، وهو : الكحل ، أو ما شابهه . والوسم : كي . فكيف يجعل أحدهما مكان الآخر ؟ !
( 2119 ) ( 109 و 110 ) - [2030] وعن أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي : يَا أَنَسُ ، انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ ، فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَنِّكُهُ . قَالَ : فَغَدَوْتُ ، فَإِذَا هُوَ فِي الْحَائِطِ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُوَيْتِيَّةٌ ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ من الْفَتْحِ . وفي رواية : قَالَ : فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَمًا . قَالَ شُعْبَةُ : وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ : فِي آذَانِهَا . ( 2119 ) ( 112 ) - [2031] وعنه قَالَ : رَأَيْتُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِيسَمَ ، وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ . وفيه ما يدل على استحسان استخراج المولود الذكر عند ولادته لمن يرتجى بركة دعوته من العلماء ، والفضلاء . وينبغي لذلك المرجو بركته أن يحنك الصَّبي بتمر إن كان ، أو بما يتنزل منزلته ، كالزبيب ، والتين ، كما كانت العادة الجارية عندنا بالأندلس ، لكنَّهم كانوا يخرجونه يوم السابع ، وذلك عدولٌ عن مقتضى هذا الحديث ، فإنَّه أُخرج إثر ولادته ، قبل أن يصيب لبنًا ، أو غيره . والكل واسعٌ ، والأول أحسن اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه - رضي الله عنهم وقول أنس - رضي الله عنه - : ( وعليه خميصة حُويتيَّة ) الخميصة : كساء أسود مربع . وقال الأصمعي : الخمائص : ثياب خز ، أو صوف معلمة ، كانت من لباس الناس . واختلف الرواة في ( حويتية ) فرواها العذري بالحاء المهملة ، وبعد الواو الساكنة تاء باثنتين من فوقها مفتوحة ، بعدها نون . ورواية الهروي : ( حُونِية ) بضم الحاء وكسر النون بعد الواو . وعند الفارسي : ( خُوَيْتِية ) بضم الخاء المعجمة ، وفتح الواو ، وسكون الياء باثنتين من تحتها ، بعدها تاء . ورواه البخاري : ( خريثية ) منسوبة إلى خُريث - رجل من قضاعة وضبطها ابن مُفَوَّز : ( حَوْنَبِية ) بفتح الحاء المهملة ، وفتح النون بعدها ، وكسر الباء بواحدة من تحتها . قلت : ومع هذا الاضطراب لم نحصل من هذه اللفظة على تحقيق ، وأشبه ما فيها : ما رواه البخاري . و ( المربد ) : أصله للإبل ، فيحتمل أن كان مربدًا للإبل ، وأدخلت فيه الغنم . ويحتمل أن يكون استعاره لحظيرة الغنم . وكونه - صلى الله عليه وسلم - يسم الإبل والغنم بيده ؛ يدلُّ على تواضعه - صلى الله عليه وسلم وعلى أن الفضل في امتهان الرجل نفسه في الأعمال التي لا تزري بالإنسان شرعًا ، وخصوصًا : إذا كان ذلك في مصلحة عامة ، كما وسم صلى الله عليه وسلم إبل الصدقة بيده . ويحتمل أن تكون مباشرته للكي بيده ليرفق بالبهائم في الوسم ، ولا يبالغ في ألمها . والله تعالى أعلم .
( 18 ) باب في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب ( 2113 ) - [2025] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ . ( 2114 ) - [2026] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ . ( 18 ) ومن باب الأجراس والقلائد في أعناق الدَّواب قوله : ( لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس ) يفهم من هذا الحديث ، ومما تقدَّم : أن مقصود الشرع مباعدة الكلاب ، وألا تتخذ في حضر ، ولا سفر ، وذلك للعلل التي تقدَّم ذكرها . وهو حجَّة لمن منع اتخاذ الكلب لحراسة الدواب والأمتعة من السُّرَّاق في الأسفار . وهو قول أصحاب مالك ، وأجاز هشام بن عروة اتخاذها لحراسة البقر من السليلة . قلت : والظاهر أن المراد بالكلب هنا غير المأذون في اتخاذه كما تقدَّم ؛ لأن المسافر قد يحتاج إلى حفظ ماشية دوابه ، وإبله ، وغير ذلك ، فيضطر إلى اتخاذها كما يضطر إليها في الحضر لزرعه وضرعه . و ( الجرس ) : ما يعلَّق في أعناق الإبل مما له صلصلة ، والذي يضرب به ، وهو بفتح الراء ، وجمعه : أجراس . فأمَّا : الجرس ، فهو : الصوت الخفي . يقال بفتح الجيم وكسرها . وفيه ما يدلّ على كراهة اتخاذ الأجراس في الأسفار ، وهو قول مالك وغيره . قلت : وينبغي ألا تقصر الكراهة على الأسفار ، بل هي مكروهة في الحضر أيضًا ، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الجرس مزامير الشيطان ) ومزامير الشيطان مكروهة سفرًا وحضرًا ، ثمَّ : هذا يعم الكبير والصغير منها . وقد فرَّق بعض الشاميين ، فأجازوا الصغير ، ومنعوا الكبير . ووجه الفرق : أن الكبير به يقع التشويش على الناس ، وبه تحصل المشابهة بالنصارى ، فإنَّهم يستعملون النواقيس في سفرهم وحضرهم . [و ( قوله : تماثيل أو صور )] يحتمل أن يكون هذا شكًّا من بعض الرواة ، ويحتمل أن يريد بالتماثيل : ما كان قائم الشخص ، وبالصور : ما كان رقمًا ، ويكون ( أو ) بمعنى : الواو ، أو تكون للتوسيع . والله تعالى أعلم . هذه الفقرة قد أتى تعليقا عليها بالمطبوع [ما بين حاصرتين لا علاقة له بأحاديث هذا الباب ، وإنما هو من أحاديث الباب السابق في صحيح مسلم برقم ( 2112 ) ( 102 ) ولم يورده المؤلف - رحمه الله - في التلخيص] .
( 2115 ) - [2027] وعن أبي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ : أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، قَالَ : فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ - أَوْ قِلَادَةٌ - إِلَّا قُطِعَتْ . قَالَ مَالِكٌ : أُرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْنِ . و ( قوله : لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ، أو قلادة إلا قطعت ) يعني بالوتر : وتر القوس . ولا معنى لقول من قال : إنَّه يعني بذلك : الوتر الذي هو الذحل ، وهو طلب الثَّأر ، لبعده لفظًا ومعنى . وقول مالك : أرى ذلك من العين ؛ يعني : أنهم كانوا يتعوذون بتعليق أوتار قسيهم في أعناق إبلهم من العين ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطعها لأجل توقع ذلك . وظاهر قول مالك : خصوصية ذلك بالوتر ، ولذلك أجازه ابن القاسم بغير الوتر . وقال بعض أصحابنا فيمن قلَّد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز ، إن كان للجمال ؛ فلا بأس به . واختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين . فمنهم من نهى عنه ، ومنعه قبل الحاجة ، وأجازه عند الحاجة إليه ، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها ، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض . وقال غير مالك : إن الأمر بقطع الأوتار إنما كان مخافة أن يختنق به البعير عند الرَّعي ، أو يحتبس بغصن من أغصان الشجرة ، كما اتفق لناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدها ثم وجدها قد حبستها شجرة . والله تعالى أعلم . و ( قوله : من وتر ، أو قلادة ) هو شكٌّ من بعض الرواة ، فكأنَّه لم يتحقق قوله : من وتر . هذا ظاهر كلامه . ويحتمل أن تكون ( أو ) تنويعًا ، فيكون المنهي عنه قلادة الأوتار وغيرها . والأولى : ما صار إليه مالك ، والله تعالى أعلم .
( 2110 ) ( 99 و 100 ) - [2023] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا . فَقَالَ لَهُ : ادْنُ مِنِّي ، فَدَنَا ، ثُمَّ قَالَ له : ادْنُ مِنِّي ، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ، وقَالَ : أُنَبِّئُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَيعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ : إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا ، فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ . وفي رواية : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا ، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ . ( 2111 ) ( 101 ) - [2024] وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي ، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ، ولِيَخْلُقُوا حَبَّةً ، ولِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً . وقول ابن عباس لمستفتيه عن الصور : ( ادن مني ) ثلاثًا ، ووضعه يده على رأسه ؛ مبالغة في استحضار ذهنه ، وفهمه ، وفي تسميعه ، وتعظيمه لأمر ما يلقيه إليه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مصوِّر في النار ) محمله على مصوري ذوات الأرواح ، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يقال لهم : أحيوا ما خلقتم ) . و ( قوله : كلف أن ينفخ فيها الرُّوح ) من هنا رأى ابن عباس : أن تصوير ما ليس له روح يجوز هو والاكتساب به . وهو مذهب جمهور السَّلف والخلف . وخالفهم في ذلك مجاهد فقال : لا يجوز تصوير شيء من ذلك كله ، سواء كان له روح ، أو لم يكن ؛ متمسِّكًا في ذلك بقول الله تعالى : ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي ، فليخلقوا ذرَّة ، وليخلقوا حبَّة ، وليخلقوا شعيرة ) فعمَّ بالذمِّ والتهديد ، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله تعالى . وقد دلَّ هذا الحديث : على أن الذمَّ والوعيد إنما علِّق بالمصورين من حيث تشبَّهوا بالله تعالى في خلقه ، وتعاطوا مشاركة فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع . وهذا يوضح حجَّة مجاهد . وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات كما تقدَّم . وشذَّ بعض الناس فمنعها ، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي . وهو ممنوع من ذلك ، مطالب بتحقيق التعارض والتاريخ ، واستثنى بعض أصحابنا من ذلك النهي ما لا يبقى كصور الفخار ، والشمع ، وما شاكل ذلك ، وهو مطالب بدليل التخصيص ، وليس له عليه نصٌّ ، بل ولا ظاهر ، وإنَّما هو نظر قاصر يرده المعنى الذي قررناه ، والظواهر . و ( قوله : كُلِّف أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ ) أي : ألزم ذلك وطوقه ، ولا يقدر على الامتثال ، فيعذب على كل حال . ويستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا ، كما جاز ذلك في الآخرة . لكن : ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال ، وإنَّما مقصوده تعذيب المكلف ، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه ، وإظهار قبيح فعله . والله تعالى أعلم .
( 17 ) باب أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون ( 2109 ) ( 98 ) - [2022] عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ . ( 17 ) ومن باب أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون قوله : ( أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون ) مقتضى هذا : ألا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على المصوِّرين . وهذا يعارضه مواضع أخر . منها : قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) و ( قوله : أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام ضلالة ) ومثله كثير . ووجه التلفيق : أن الناس الذين أضيف إليهم : ( أشد ) لا يراد بهم كل نوع الناس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد الناس المدَّعين للإلهية عذابًا . ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة . ومن صور صُور ذات الأرواح أشد عذابًا ممن يصوِّر ما ليس بذي روح ، إن تنزلنا على قول من رأى تحريم تصوير ما ليس بذي روح ، وهو مجاهد ، وإن لم نتنزل عليه ، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصوِّرون الأصنام للعبادة ، كما كانت الجاهلية تفعل ، وكما تفعل النصارى ، فإنَّ عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة ، وهكذا يعتبر هذا الباب . والله تعالى أعلم .
( 2107 ) ( 88 و 90 ) - [2019] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَت : كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ - وفي رواية : دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ - وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوِّلِي هَذَا ، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا . قَالَتْ : وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ كُنَّا نَقُولُ عَلَمُهَا حَرِيرٌ ، فَكُنَّا نَلْبَسُهَا . ( 2107 ) ( 93 ) - [2020] وعنها : أَنَّها كَانَ لَهَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ مَمْدُودٌ إِلَى سَهْوَةٍ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَيْها ؛ فَقَالَ : أَخِّرِيهِ عَنِّي . قَالَتْ : فَأَخَّرْتُهُ ، فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ . ( 2106 ) ( 96 ) - [2021] وعنها : أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ ، فَعَرَفْتُ أَوْ فَعُرِفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ ؟ قَالَتْ : اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ ، وَيُقَالَ لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ . و ( قوله : وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير ، فكنا نلبسها ) القطيفة : كساء له زئبر . وفيه دليل على جواز لباس الثوب فيه العلم من الحرير ، وقد تقدم القول فيه . ولم يرد في شيء من الأحاديث أن هذا الثوب الذي كنَّي عنه بالدرنوك ، والقرام ، والنمط : أنه كان حريرًا ، وكذلك النمرقة ، فلا حجَّة في شيء من ذلك لعبد الملك على قوله : إنَّه يجوز ثياب الحرير ، ورأى أن ذلك ليس لباسًا لها ، وهذا قولٌ شذَّ به عن جميع العلماء ، فإنَّهم رأوا ذلك لباسًا منهيًّا عنه ، ولباس كل شيء بحسب ما جرت العادة باستعماله . والله تعالى أعلم .
( 16 ) باب كراهية الستر فيه تماثيل وهتكه وجعله وسائد وكراهية كسوة الجدر ( 2106 ) ( 87 ) و ( 2107 ) - [2018] عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صورة تَمَاثِيلَ . قَالَ : فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : فَهَلْ سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : لَا ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ ، رَأَيْتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ ، فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَوْ قَطَعَهُ ، وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ . قَالَتْ : فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ . وفي رواية : قالت عائشة : فكان يرتفق عليهما . ( 16 ) ومن باب كراهة الستر الذي فيه التماثيل وهتكه حديث عائشة كثرت رواياته ، واختلفت ألفاظه حتى يتوهم : أنه مضطرب ، وليس كذلك ؛ لأنَّه ليس فيه تناقض ، وإنَّما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات ، والأحوال المختلفة ، لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم ، وعبَّر كل منهم بما تيسَّر له من العبارة عن تلك القضية . ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة ، ولا يُعد تناقضًا ، فإنَّه إذا جمعت تلك الروايات كلها ؛ انتظمت وكملت الحكاية عن تلك القضية . وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن ، فإنَّه تعالى يذكرها في مواضع وجيزة ، وفي آخر مطوَّلة ، ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى ، فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث . وقولها : ( فأخذت نمطًا فسترته على الباب ) هذا النمط هو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بـ ( الدَّرنوك ) ويقال بضم الدَّال ، وفتحها ، وهو : الستر الذي كان فيه تماثيل الخيل ذوات الأجنحة . و ( الباب ) يراد به هنا : باب السهوة المذكورة في الرِّواية الأخرى ، وهي : بيت صغير يشبه المخدع . وقال الأصمعي : هي شبه الطاق ، يجعل فيه الشيء . وقيل : شبه الخزانة الصغيرة . وهذه الأقوال متقاربة . وقولها : ( سترته على الباب ) أي : سترت به الباب . أو جعلته سترا على الباب . وقولها : ( فلما رأى النمط عرفت الكراهية في وجهه ) إنما عرفت الكراهية في وجهه ؛ لأنَّه تلوَّن وجهه ، ووقف ولم يدخل ، كما جاء في الطريق الآخر . ولما رأت تلك الحال خافت ، فقدَّمت في اعتذارها التوبة ، ثمَّ سألت عن الذنب ، فإنَّها لم تعرفه ، فعند ذلك جبذ النمط ، فهتكه ، فحصل من مجموع هذه القرائن : أن اتخاذ الثياب التي فيها التماثيل محرَّم ، رقمًا كان فيها ، أو صبغا . وهو مذهب ابن شهاب ، فإنَّه منع الصور على العموم واستعمال ما هي فيه ، ودخول البيت الذي هي فيه ، رقمًا كانت أو غيره ، في ثوب ، أو حائط ، يمتهن ، أو لا يمتهن ؛ تمسُّكًا بعمومات هذا الباب ، وبما ظهر من هذا الحديث . وذهب آخرون : إلى جواز كل ما كان رقمًا في ثوب ، يمتهن أو لا . معلقًا كان أو لا . وهو مذهب القاسم بن محمد تمسُّكًا بحديث زيد بن خالد حين قال : ( إلا ما كان رقما في ثوب ) وذهب آخرون : إلى كراهة ما كان منها معلَّقًا ، وغير ممتهن ؛ لأنَّ ذلك مضاهاة لمن يعظم الصور ، ويعبدها كالنصارى ، وكما كانت الجاهلية تفعل . والحاصل من مذاهب العلماء في الصور : أن كل ما كان منها ذا ظل ، فصنعته ، واتخاذه حرام ، ومنكر يجب تغييره . ولا يختلف في ذلك إلا ما ورد في لعب البنات لصغار البنات ، وفيما لا يبقى من الصور ، كصور الفخار ، ففي كل واحد منهما قولان ، غير أن المشهور في لعب البنات ، جواز اتخاذها للرخصة في ذلك ، لكن كره مالك شراء الرجل لها لأولاده ؛ لأنَّه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل ، غير أن المشهور فيما لا يبقى : المنع . وأما ما كان رقمًا ، أو صبغًا مما ليس له ظل : فالمشهور فيه الكراهة . وقولها : ( فجذبه حتى هتكه ) يدل على أن ما صنع على غير الوجه المشروع لا مالية له ، ولا حرمة ، وأن من كسر شيئًا منها ، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه ضمان . و ( قوله : إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين ) يفهم منه : كراهة ستر الحيطان بالستر ؛ لأنَّ ذلك من السَّرف ، وفضول زهرة الدنيا ؛ التي نهى الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمد عينيه إليها بقوله تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ولذلك قال في الرواية الأخرى : ( فإني كلما دخلت ذكرت الدنيا ) وهذا الستر هو الذي كان يصلِّي إليه ، وكانت صوره تعرض في صلاته ، كما قال البخاري : ( فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) . ويفيد مجموع هذه الروايات : أن هتك هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - ورؤيته له ، وصلاته إليه ، فلما بين له حكمه امتنع مرَّة من دخول البيت حتى هتكه . وقد فعل سلمان الفارسي - رضي الله عنه - نحو هذا لما تزوَّج الكندية ، وجاء ليدخل بها ، فوجد حيطان البيت قد سترت ، فلم يدخل ، وقال منكرًا لذلك : ( أمحموم بيتكم ! أم تحوَّلت الكعبة في كندة ) فأزيل كل ذلك . ودعا ابن عمر أبا أيوب ، فرأى سترًا على الجدار . فقال : ما هذا ؟ فقال : غلبنا عليه النساء ، فقال : من كنت أخشى عليه ، فلم أكن أخشى عليك ، والله لا أطعم لك طعامًا ! فرجع . ذكره البخاري . وقد أفاد حديث عائشة رضي الله عنها المنع من ستر حيطان البيوت ، ومما يجر إلى الميل إلى زينة الدنيا ، ومن اتخاذ الصور المرقومة ، ومن الصلاة إلى ما يشغل عنها . وقول عائشة : ( فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفًا ) يحتمل أن يكون هذا التقطيع أزال شكل تلك الصور ، وأبطلها ، فيزول الموجب للمنع ، ويحتمل أن تكون تلك الصور ، أو بعضها باقيًا ، لكنها لما امتهنت بالقعود عليها سامح فيها . وقد ذهب إلى كل احتمال منهما طائفة من العلماء . والحق : أن كل ذلك محتمل ، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر ، ولا معيِّن لأحدهما ، فلا حجَّة في الحديث على واحد منهما ، وإنما الذي يفيده هذا الحديث : جواز اتخاذ النَّمارق ، والوسائد في البيوت . وقول عائشة : ( أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ) يجوز أن تكون أرادت بالنمرقة هنا : الستر الذي تقدَّم ذكره ، وسمته : نمرقة ؛ لأنَّه آل أمره إلى النمرقة ، كما يُسمى العنب خمرًا بمآله . والنَّمارق في أصل الوضع : الوسائد ، والمرافق ، ومنه قوله تعالى : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وقال الشاعر : كهول وشبان حسان وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق غير أن هذا التأويل يبعده قولها في بقية الخبر ، لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بال هذه النَّمرقة ؟ ) فقالت مجيبة : اشتريتها لك ، تقعد عليها ، وتوسدها . فهذا يصرح بأن هذه النَّمرقة غير الستر ، وأن هذا حديث آخر غير ذلك ، وحينئذ يستفاد منه : أن الصور لا يجوز اتخاذها في الثياب ، وإن كانت ممتهنة . وهو أحد القولين كما قدمناه .
( 9 ) باب إرخاء طرفي العمامة بين الكتفين ( 1359 ) ( 452 و453 ) - [1995] عن جَعْفَرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ . وفي رواية : يخطب الناس . وفي لباسه - صلى الله عليه وسلم - العمامة السوداء في حال الخطبة دليل للمسوِّدة ، غير أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ذلك منه دائمًا ، ولا في كل لباسه ، بل في العمامة خاصة ، لكن إذا أمر الإمام بلباس ذلك وجب امتثاله . وإرخاؤه طرفي العمامة بين كتفيه دليل على استحسان ذلك ، مع أنها عادة العرب ، ويعني بالطرفين : الأعلى والأسفل . وفيه دليل على تحسين الهيئة في حال الخطب ، ومجتمعات الناس .
( 15 ) باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إلا أن تكون الصورة رقما ( 2104 ) - [2015] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ ، وَفِي يَدِهِ عَصًا ، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ وَقَالَ : مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ . ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَاهُنَا ؟ فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاعَدْتَنِي فَجَلَسْتُ لَكَ فَلَمْ تَأْتِ ؟ فَقَالَ : مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي فِي بَيْتِكَ ، إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ . ( 15 ) ومن باب قوله : ( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ) . الملائكة هنا - وإن كان عمومًا - فالمراد به الخصوص ، فإنَّ الحفظة ملازمة للإنسان . هكذا قاله بعض علمائنا . والظاهر العموم ، والمخصص ليس نصًّا . وكذلك قوله : كلب ، وصورة ؛ كلاهما للعموم ؛ لأنَّهما نكرتان في سياق النفي . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به : الكلاب التي لم يؤذن في اتخاذها ، فيستثنى من ذلك : كلب الصيد ، والماشية والزرع . وأما الصورة : فيراد بها التماثيل من ذوات الأرواح . ويستثنى من ذلك الصورة المرقومة ، كما نصَّ عليه في الحديث ، على ما يأتي . وإنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه التمثال ؛ لأن متخذها في بيته قد تشبَّه بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم ، ويُعظمونها ، فكرهت الملائكة ذلك منه ، فلم تدخل بيته هجرانًا له ، وغضبًا عليه . واختلف في المعنى الذي في الكلب المانع للملائكة من الدخول . فذهبت طائفة : إلى أنَّه النجاسة . وهو من حجج من قال بنجاسة الكلب . وتأيد في ذلك بنضحه - صلى الله عليه وسلم - موضع الكلب . قلت : وهذا ليس بواضح ، وإنما هو تقدير احتمال يعارضه احتمالات أخر : أحدها : أنها من الشياطين ، كما جاء في بعض الحديث . وثانيها : استخباث روائحها ، واستقذارها . وثالثها : النجاسة التي تتعلق بها ؛ فإنَّها تأكلها وتتلطخ بها ، فتكون نجسة بما يتعلق بها ، لا لأعيانها . والمخالف يقول : هي نجسة الأعيان . وعلى ما قلناه : يصح أن يقال : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - شك في طهارة موضعه ؛ لإمكان أن يكون أصابه من النجاسة اللازمة لها غالبًا شيء ، فنضحه ؛ لأنَّ النضح طهارة للمشكوك فيه ، فلو تحقق إصابة النجاسة الموضع لغسله ؛ كما فعل ببول الأعرابي ، ولو كان الكلب نجسًا لعينه ، لا لما يتعلق به : لما احتاج إلى غسله ، كما لا يحتاج إلى غسل الموضع أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة ، أو نجاسة لا رطوبة فيها . وعلى هذا : فهذا الاحتمال أولى أن يعتبر ، فإن لم يكن أولى فالاحتمالات متعارضة ، والدَّسْت قائم ، ولا نصّ حاكم .
( 2105 ) - [2016] ومن حديث ميمونة نحوه ، وفيه : فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ . وفيه : فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ . و ( قوله : فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ فأمر بقتل الكلاب ) كذا رواه جميع الرواة : فأصبح ، فأمر ، مرتبًا بفاء التَّسبيب ، فيدل ذلك : على أن أمره بقتل الكلاب في ذلك اليوم كان لأجل امتناع جبريل من دخول بيته . ويحتمل أن يكون ذلك لمعنى آخر غير ما ذكرناه ؛ وهو : أن ذلك إنما كان لينقطعوا عما كانوا ألفوه من الأنس بالكلاب ، والاعتناء بها ، واتخاذها في البيوت ، والمبالغة في إكرامها . وإذا كان كذلك كثرت ، وكثر ضررها بالناس من الترويع والجرح ، وكثر تنجيسها للديار ، والأزقة ، فامتنع جبريل من الدخول لأجل ذلك ، ثم أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم وأمر بقتل الكلاب ، فانزجر الناس عن اتخاذها ، وعما كانوا اعتادوه منها . والله تعالى أعلم . وفيه من الفقه : أن الكلاب يجوز قتلها لأنها من السِّباع ، لكن لما كان في بعضها منفعة ، وكانت من النوع المتأنس سومح فيما لا يضر منها . و ( قوله : حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ، ويترك كلب الحائط الكبير ) هذا يدلّ على جواز اتخاذ ما ينتفع به من الكلاب في حفظ الحوائط ، وغيرها . ألا ترى : أن الحائط الكبير لما كان يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه ، ولم يقتله ، بخلاف الحائط الصغير منها ، فإنَّه أمر بقتل كلبه ؛ لأنَّه لا يحتاج الحائط الصغير إلى كلب ، فإنَّه ينحفظ من غير كلب لقرب جوانبه .
( 2106 ) ( 86 ) - [2017] وعن بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ ، وَمَعَ بُسْرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ . قَالَ بُسْرٌ : فَمَرِضَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ، فَعُدْنَاهُ ؛ فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ : أَلَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ قَالَ : إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ ، أَلَمْ تَسْمَعْهُ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : بَلَى ، قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ . وقول بسر لعبيد الله الخولاني : ( ألم يحدثنا في التصاوير ؟ ) يعني : زيد بن خالد ، وذلك : أنَّه لما دخل منزل زيد فرأى الستر فيه صور ذكر بسر عبيد الله الخولاني بالحديث الذي حدثهم به زيد عن أبي طلحة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله : ( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ) وكان أبو طلحة قد ذكر مع ذلك - متصلًا به - قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إلا ما كان رقمًا في ثوب ) فاستثنى المرقوم من الصور . فحصل منه : أن الملائكة لا تمتنع من دخول بيت فيه صورة مرقومة . ومن هنا : فهم القاسم بن محمد جواز اتخاذها في البيوت مطلقًا ، كما حكيناه عنه ترجيحًا لهذا الحديث على حديث عائشة ، أو نسخًا له ، وفيه بُعْدٌ . والجمهور على المنع . فمنهم من منعه تحريمًا ، وهو مذهب ابن شهاب ترجيحًا لحديث عائشة على حديث زيد ، والجمهور حملوه على الكراهة ، وهو الأولى إن شاء الله ؛ إذ ليس نصًّا في التحريم ، فأقل ما يحمل ما ظهر منه على الكراهة . وحديث زيد لا يقتضي الجواز ، وإنَّما مقتضاه : أن الملائكة تدخل البيت الذي فيه الصور المرقومة بخلاف الصور ذوات الظل ؛ فإنَّها لا تدخل بيتا هي فيه . وهذا وجه حسن ؛ غير أنَّه تكدَّر بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أتاني جبريل عليه السلام فقال لي : أتيتك البارحة ، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل ، وكان في البيت قرام فيه صور ، وكان في البيت كلب ) وذكر الحديث . وهذا يدلّ دلالة واضحة أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة مرقومة ، وعند هذا يتحقق التعارض . والمخلِّص منه الترجيح ، ولا شك في ترجيح حديث مسلم ، فالتمسك به على ما قررناه أولا ، والله تعالى أعلم .
( 10 ) باب النهي عن تختم الرجال بالذهب وطرحه إن لبس ( 2089 ) ( 51 ) - [1996] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ . ( 10 و 11 ) ومن باب النهي عن تختم الرجال بالذهب اصطناع النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم الذهب ولبسه إياه كان ذلك قبل التحريم ، فهو من باب النسخ ، كما يدل عليه مساق الحديث . وهو مجمع على تحريمه للرجال ، إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، وخبَّاب ، وهو خلاف شاذٌّ مردودٌ بالنصوص ، وكل منهما لم يبلغه التحريم ، والله تعالى أعلم .
( 2091 ) ( 53 ) - [1998] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ، وكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ ، فَصَنَعَ النَّاسُ ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ . فَرَمَى بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا . فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ . زاد في رواية : وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى . و ( قوله : وأجعل فصه من داخل ) إنما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك تنبيهًا على جعل الفصّ من داخل ، لأنه أبعد عن الزهو ، وأصون للفص ، ولنقشه من التغيّر ، ويجوز أن يجعل فصَّه من ظاهر الكفِّ ، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله . وجعله للخاتم في اليد اليمنى يدلّ : على جوازه . وقد روي من حديث أنس أنَّه تختم في الخنصر من اليد اليسرى . وكلٌّ جائز ، إلا أن مالكًا رأى : أن التختم في الأيسر أولى ؛ لأنَّ لباس الخاتم من الأفعال التي تتناول باليمين ، فيجعله في الشمال باليمين ؛ إذ ليس من الأفعال الخسيسة ، بل يتناوله قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا لبستم وتوضأتم فابدؤوا بأيامنكم ) .
( 2090 ) - [1997] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ ، وَقَالَ : يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ! . فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي طرح الخاتم من يده : ( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ) يدلُّ على تغليظ التحريم ، وأن لباس خاتم الذهب من المنكر الذي يجب تغييره . وقول الرجل لصاحبه : ( خذ خاتمك انتفع به ) يدل : على أنهم علموا أن المحرَّم إنما هو لباسه ، لا اتخاذه ، ولا الانتفاع به . وهذا لا يختلف فيه في الخاتم ، فإنَّ لباسه للنساء جائز . وهذا بخلاف أواني الذهب والفضة ، فإنَّ اتخاذها غير جائز ؛ لأنَّه لا يجوز استعمالها لأحد . وقد تقدم الخلاف في ذلك . وقول الرجل : ( لا والله ! لا آخذه أبدًا ) مبالغة في طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيكون الرجل قد نوى أن يدفع لمن يستحقه من المساكين ؛ لا أنه أضاعه ، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن إضاعة المال .
( 14 ) باب ما جاء في صبغ الشعر والنهي عن تسويده والتزعفر ( 2102 ) ( 79 ) - [2012] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرُوا هَذَا الشيب ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ . ( 2103 ) - [2013] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ . ( 2101 ) - [2014] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ . ( 14 ) ومن باب صبغ الشعر والنهي عن تسويده قوله : ( أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ) أبو قحافة : هو والد أبي بكر الصديق ، واسمه : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم ، أسلم يوم فتح مكة ، وله صحبة ، ومات في المحرَّم سنة أربع عشرة من الهجرة ، وهو ابن سبع وتسعين سنة بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر . و ( الثغامة ) : نبت أبيض الزهر والثمر ، شبَّه بياض الشيب به . قاله أبو عبيد . وقال ابن الأعرابي : هو شجرة تبيض كأنَّها الثلجة . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( غيِّروا هذا الشيب ) أمر بتغيير الشيب . قال به جماعة من الخلفاء ، والصحابة ، لكن لم يصر أحدٌ إلى أنه على الوجوب ، وإنما هو مستحب . وقد رأى بعضهم : أن ترك الخضاب أفضل ، وبقاء الشيب أولى من تغييره ؛ متمسكين في ذلك بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تغيير الشيب على ما ذكروه ، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يغير شيبه ، ولا اختضب . قلت : وهذا القول ليس بشيء . أما الحديث الذي ذكروه : فليس بمعروف ، ولو كان معروفًا فلا يبلغ في الصحَّة إلى هذا الحديث . وأما قولهم : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخضب فليس بصحيح ، بل قد صحَّ عنه أنه خضب بالحناء وبالصفرة على ما مضى . ويأتي إن شاء الله تعالى . و ( قوله : واجتنبوا السواد ) أمر باجتناب السواد ، وكرهه جماعة منهم علي بن أبي طالب ، ومالك . قلت : وهو الظاهر من هذا الحديث . وقد عُلِّل ذلك : بأنه من باب التدليس على النساء ، وبأنه سوادٌ في الوجه فيكره ؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار . وقد روى أبو داود : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد ، لا يدخلون الجنة ، ولا يجدون ريحها ) غير أنه لم يسمع أن أحدًا من العلماء قال بتحريم ذلك ، بل قد روي عن جماعة كثيرة من السلف : أنهم كانوا يصبغون بالسواد ، منهم : عمر ، وعثمان ، والحسن ، والحسين ، وعقبة بن عامر ، ومحمد بن علي ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وعروة بن الزبير ، وابن سيرين ، وأبو بُردة في آخرين . وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : هو أشكر للزوجة ، وأرهب للعدو . قلت : ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو ؟ فأقل درجاته : الكراهة . كما ذهب إليه مالك . قلت : وأما الصباغ بالحنَّاء بحتًا ، وبالحناء والكتم : فلا ينبغي أن يختلف فيه لصحة الأحاديث بذلك ، غير أنه قد قال بعض العلماء : إن الأمر في ذلك محمول على حالين : أحدهما : عادة البلد ؛ فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تقبَّحُ وتُكره . وثانيهما : اختلاف حال الناس في شيبهم ، فَرُبَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة ، وبالعكس ، فمن قبحه الخضاب اجتنبه . ومن حسَّنه استعمله . وللخضاب فائدتان : إحداهما : تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار ، والدخان . والأخرى : مخالفة أهل الكتاب ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خالفوا اليهود والنصارى ، فإنهم لا يصبغون ) . قلت : ولكن هذا الصباغ بغير السواد ، تمسُّكًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اجتنبوا السواد ) والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم الكلام على النهي عن التزعفر ، وسيأتي القول في مخالفة أهل الكتاب .
( 13 ) باب النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد وفي وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقيا ( 2099 ) ( 70 - 74 ) - [2010] عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ . وفي رواية : وَلَا يَمْشي فِي خُفٍّ وَاحِدٍ ، بدل نعل واحدة . ونهى : أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ . وفي أخرى : لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى . ( 2100 ) ( 75 ) - [2011] وعن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ : أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى . ( 13 ) ومن باب النَّهي عن اشتمال الصَّماء قول جابر : ( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اشتمال الصَّمَّاء ) الاشتمال : الالتفاف . وقد يُسمى التحافًا ، كما قد جاء في الرواية الأخرى : ( لا يلتحف ) واختلف اللغويون والفقهاء في تفسير اشتمال الصَّمَّاء . فقال الأصمعي : هو أن يشتمل بالثوب ؛ حتى يُجلِّل جميع جسده ، ولا يرفع منه جانبًا . قال القتبي : إنما قيل لها : الصماء ؛ لأنَّه إذا اشتمل بها انسدَّت على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ، ولا صدع . وقاله أبو عبيد . وأما تفسير الفقهاء : فهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه ، فيضعه على أحد منكبيه ، وعلى هذا : فيكون إنما نهى عنه ؛ لأنَّه يؤدي إلى كشف العورة . وعلى تفسير أهل اللغة : إنما هي مخافة أن يعرض له شيء يحتاج إلى رده بيديه ، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا . و ( قوله : وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه ) كانت عادة العرب أن يحتبي الرجل بردائه فيشدَّه على ظهره ، وعلى ركبتيه ، كان عليه إزار ، أو لم يكن ، فإن لم يكن انكشف فرجه مما يلي السماء لمن كان متطلعًا عليه ؛ متتبعًا ، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة . و ( قوله : ونهى أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى مستلقيًا ) قد قال بكراهة هذه الحالة مطلقًا فقهاء أهل الشام ، وكأنَّهم لم يبلغهم فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الحالة ، أو تأولوها . والأولى : الجمع بين الحديثين ؛ فيحمل النهي على ما إذا لم يكن على عورته شيء يسترها . ويحمل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها على أنه كان مستور العورة ، ولا شك أنها استلقاء استراحة إذا كان مستور العورة ، وقد أجازها مالك وغيره لذلك .
( 2097 ) ( 67 و 68 ) - [2008] وعن أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا ، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا . وفي رواية : قال عليه الصلاة والسلام : لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ، فليُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا . ( 2098 ) - [2009] وعن أَبِي رَزِينٍ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ وقَالَ : أَلَا إِنَّكُمْ تَحَدَّثُونَ أَنِّي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَهْتَدُوا وَأَضِلَّ ، أَلَا وَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ ، فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا . و ( قوله : إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى ، وإذا خلع فليبدأ بالشمال ) هذا على ما تقدَّم من احترام اليمنى ، فإنَّه إذا انتعل فيها أولًا فقد قدمها في الصيانة على اليسرى ، وكذلك إذا خلعها أخيرا فقد بقى عليها كرامتها وصيانتها . وقد تقدَّم هذا مستوفًى . و ( قوله : لينعلهما جميعًا ، أو ليخلعهما جميعًا ) هذا خطاب لمن انقطع شسع أحد نعليه ، فنهاه عن أن يمشي في نعل واحدة ؛ لأنَّ ذلك من باب التشويه ، والمثلة ، ولأنه مخالف لزي أهل الوقار ، وقد يخل بالمشي . وهذا كما جاء في الحديث المفسر بعد هذا . ويجيء حديث أبي هريرة الذي قال فيه : ( إذا انقطع شسع أحدكم ، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها ) وقد اختلف علماؤنا في ذلك . فقال مالك بظاهر هذا الحديث : إن من انقطع نعله لم يمش في الأخرى ، ولا يقف فيها ، وإن كان في أرضٍ حارَّة ليُحفها ، ولا بدَّ حتى يصلح الأخرى إلا في الوقوف الخفيف والمشي اليسير . وقد رخص بعض السلف في المشي في نعل واحدة . وهو قولٌ مردودٌ بالنُّصوص المذكورة ، ولا خلاف : في أن أوامر هذا الباب ونواهيه : إنما هي من الآداب المكملة ، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر عند معتبر بقوله من العلماء ، والله تعالى أعلم .
( 12 ) باب في الانتعال وآدابه ( 2096 ) - [2007] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ غَزَوْنَاهَا يَقُولُ : اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ . ( 12 ) ومن باب الانتعال قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( استكثروا من النعال ، فإنَّ الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل ) هذا كلام بليغ ، ولفظ فصيح ، بحيث لا ينسج على منواله ، ولا يؤتى بمثاله . وهو إرشاد إلى المصلحة ، وتنبيه على ما يخفف المشقة ، فإنَّ الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام ، والمشقات ، بالعثار ، والوجى ، ما يقطعه عن المشي ، ويمنعه من الوصول إلى مقصوده بخلاف المنتعل ؛ فإنَّه لا يحصل له ذلك فيدوم مشيه ، فيصل إلى مقصوده كالرَّاكب ، فلذلك شبهه بالرَّاكب حيث قال : ( لا يزال راكبًا ما انتعل ) .
( 2095 ) ( 63 ) - [2005] وعنه قَالَ : كَانَ خَاتِمُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ . وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى . ( 2078 ) ( 65 ) - [2006] وعن عَلِيّ قال : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ . قَالَ : فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا . و ( قوله : كان خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه ) وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى ؛ لا خلاف بين العلماء ، ولا في الآثار : أن اتخاذ خاتم الرجال في االخنصر أولى ؛ لأنَّه أحفظ له من المهنة ، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها ، بخلاف غيرها من الأصابع . و ( البنصر ) : هي الأصبع التي بين الوسطى والخنصر ، ويقال : خنصر - بفتح الصاد وكسرها وكذلك البنصر : وهي أصغر الأصابع . قلت : ولو تختم في البنصر لم يكن ممنوعًا ، وإنما الذي نهي عنه في حديث علي - رضي الله عنه - الوسطى والتي تليها من جهة الإبهام ، وهي التي تُسمَّى : المسبِّحة ، والسَّبابة .
( 2092 ) ( 56 و57 ) - [2002] وعَنْ أَنَسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كسرى وقيصر والنجاشي فقيل : إِنَّهُمْ لاَ يَقْبلون كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا ؛ فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا حَلْقَة فِضَّةً ، وَنَقَشَ فِيهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . زاد في أخرى : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . و ( قوله : ونقش فيه : محمد رسول الله ) دليل : على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه ، إلا أن يكون اسمه محمدًا ؛ فلا يجوز النقش عليه للنهي عن ذلك ، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه ، أو كلمة حكمة ، أو كلمات من القرآن ، ثم إذا نقش عليه اسم الله تعالى ، وجعله في شماله ؛ فهل يدخل به الخلاء ، ويستنجي بشماله ؟ خففه سعيد بن المسيب ، ومالك ، وبعض أصحابه ، وروي عنه الكراهة ، وهي الأولى . وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما كان ذلك تبركًا بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء به ، واستصحابًا لحاله ؛ حتى كأنَّه حي معهم ، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدَّة التي كان ذلك الخاتم فيهم ، فلما فقد اختلف الناس على عثمان - رضي الله عنه - وطرأ من الفتن ما هو معروف ، ولا يزال الْهَرْج إلى يوم القيامة . و ( بئر أريس ) : بئر معروفة .
( 2093 ) ( 59 ) - [2003] وعنه أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اضْطَرَبُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ فَلَبِسُوهَا ، فَطَرَحَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم خَاتَمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ . وقول أنس : ( أنه رأى في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتَمًا من ورق يومًا واحدًا ، ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق فلبسوها ، فطرح النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتمه ، فطرح الناس خواتمهم ) هذا الحديث من رواية ابن شهاب عن أنس ، وهو وَهْمٌ من ابن شهاب عند جميع أهل الحديث ، وإنما اتفق ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - في خاتم الذهب ، كما تقدَّم من حديث ابن عمر ، قاله القاضي عياض .
( 11 ) باب لبس الخاتم الورق وأين يجعل ؟ ( 2091 ) ( 54 ) - [1999] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ، فَكَانَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ، حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ ، نَقْشُهُ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . ( 2091 ) ( 55 ) - [2000] وعنه : اتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ، وَنَقَشَ فِيهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . وَقَالَ : لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا . وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ . ( 2092 ) - [2001] وعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشْتُ فِيهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، فَلَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ . و ( قوله : اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتَمًا من ذهب ، ثم ألقاه ، ثم اتخذ خاتَمًا من ورق ) الحامل له صلى الله عليه وسلم على اتِّخاذ الخاتم السبب الذي ذكره أنس : من أنه لما أراد أن يكتب إلى كسرى ، وقيصر ، والنجاشي ، وقيل له : إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا ؛ اتَّخذ الخاتم ليختم به . هذا هو المقصود الأوَّل فيه ، ثمَّ إنه جعله في يده مستصحبًا له حفظًا وصيانة من أن يتوصل إليه غيره . ولذلك منع من أن ينقش أحد على نقشه ، فإنَّه إذا نقش غيره مثله اختلطت الخواتم ، وارتفعت الخصوصية ، وحصلت المفسدة العامَّة . وقد بالغ أهل الشام ، فمنعوا الخواتم لغير ذي سلطان . وقد أجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال . قال الخطابي : وكره للنساء التختم بالفضة ؛ لأنَّه من زي الرجال ، فإن لم يجدن ذهبًا فليصفرنه بزعفران ، أو شبهه .
( 2094 ) ( 62 ) - [2004] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِي ، كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ . و ( قوله : فيه فصُّ حبشي ) يعني حجرًا حبشيًّا . وقد روي : أنَّه كان فصُّه منه . وخرَّجه البخاري . قال أبو عمر : وهو أصح . قال غيره : ليس بخلاف كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خواتم ، فصُّ أحدها حبشي ، والآخر فصَّه منه . وقد روي : أنه تختم بفصِّ عقيق . وكل ذلك صحيح .
( 2149 ) - [2056] وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وُلِدَ ، فَوَضَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِهِ ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ ، فَلَهى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ فَاحْتُمِلَ مِنْ عَلَى فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْلَبُوهُ ، فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيْنَ الصَّبِيُّ ؟ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ : أَقْلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : مَا اسْمُهُ ؟ قَالَ : فُلَانٌ . قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ . فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ . و ( أبو أُسَيد ) بضم الهمزة ، وفتح السين ، وياء التصغير كذا قاله عبد الرزاق ، ووكيع . قال ابن حنبل : وهو الصواب . وحكى ابن مهدي عن سفيان : أنَّه بفتح الهمزة ، وكسر السين ، واسمه : مالك بن ربيعة . و ( قوله : ولها عنه ) الرواية فيه بفتح الهاء ؛ أي : اشتغل عنه وهي لغة طيء ، وفصيحها : ( لَهِي ) بكسر الهاء يَلْهَى بفتحها ، لَهْيًا ، ولَهَيانًا . وهو في اللغتين ثلاثي . فأمَّا : أَلْهَاني كذا : فمعناه شغلني . ومنه قوله تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ و ( قوله : فأقلبُوه ) كذا جاءت الرواية في هذا الحرف رباعيًّا ، وصوابه : ثلاثي . يقال : قلبت الشيء : رددته ، والصَّبي : صرفته . قال الأصمعي : ولا يُقال : أقلبته . وإنما سَمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أبي أُسيد : المنذر ، باسم ابن عم أبيه : المنذر بن عمرو ، والمسمَّى : بالمعنِق ليموتَ . وكان أمير أصحاب بئر معونة ، واستشهد يوم بئر معونة فسمَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنذر ليكون خلفًا منه .
( 2146 ) ( 25 و 26 ) - [2055] وعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَا : خَرَجَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ حِينَ هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَدِمَتْ قُبَاءً فَنُفِسَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بِقُبَاءٍ ، ثُمَّ خَرَجَتْ حِينَ نُفِسَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُحَنِّكَهُ ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ قَالَ : فقَالَتْ عَائِشَةُ : فَمَكَثْنَا سَاعَةً نَلْتَمِسُهَا قَبْلَ أَنْ نَجِدَهَا ، فَمَضَغَهَا ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ في بَطْنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَتْ أَسْمَاءُ : ثُمَّ مَسَحَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ مُقْبِلًا إِلَيْهِ ، ثُمَّ بَايَعَهُ . وفي رواية : ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ . وقوله في حديث عبد الله بن الزبير : ( ثمَّ مسحه وصلَّى عليه ) يعني : مسحه بيده عند الدعاء له ، كما كان - صلى الله عليه وسلم - يمسحُ بيده عند الرُّقى ، وفيه دليل على استحباب ذلك ، وفعله على جهة التبرَّك رجاء الاستشفاء ، وقبول الدعاء . ومعنى : ( صلَّى عليه ) : دعا له بالخير والبركة كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرا ، وقد ظهرت بركة ذلك كلُّه على عبد الله بن الزبير ، فإنه كان من أفضل الناس ، وأشجعهم ، وأعدلهم في خلافته - رضي الله عنه وقَتَلَ قَاتِلَهُ . وتبسُّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله ومبايعته له فرحٌ به ، وإنهاض له ؛ حيث ألحقه بنمط الكبار الحاصلين على تلك البيعة الشريفة ، والمنزلة المنيفة ، ففيه جواز مبايعة من يعقل من الصِّغار ، وتمرينهم على ما يخاطب به الكبار . و ( قوله : وكان أوَّل مولود ولد في الإسلام ) يعني : من المهاجرين بالمدينة ، وذلك أن أمه أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - هاجرت من مكة إلى المدينة وهي حامل به ، فولدته في سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهرًا من التاريخ . وقيل : في السنة الأولى من الهجرة . هكذا حكاه أبو عمر . وروي عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال : سُمِّيت باسم جدِّي أبي بكر وكنيت بكنيته . قال أبو عمر : كان شهمًا ، ذكرًا ، شريفًا ، ذا أَنَفَة ، وكانت له لَسَانة ، وفصاحة ، وكان أطلسَ لا لحية له ، ولا شعر في وجهه . وحكى أبو عمر عن مالك أنه قال : ابن الزبير أفضل من مروان ، وأولى بالأمر من مروان وابنه .
( 5 ) باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له ( 2144 ) ( 23 ) - [2053] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي ، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : مَا فَعَلَ ابْنِي ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ : وَارُوا الصَّبِيَّ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ قَالَ : أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا . فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَعَهُ شَيْءٌ ؟ قَالَوا : نَعَمْ ، تَمَرَاتٌ . فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَضَغَهَا ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِيِّ الصَّبِيِّ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ . ( 2145 ) ( 24 ) - [2054] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : وُلِدَ لِي غُلَامٌ ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ . ( 5 ) ومن باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له قوله : ( كان لأبي طلحة ابن يشتكي ) أي : أصابه ما يشتكي منه ، وهو المرض ، لا أنه صدرت عنه شكوى . هذا أصله ، لكنَّه قد كثر تسمية المرض بذلك . وهذا الحديث يدل على فضل أم سُليم ، وتثبُّتها ، وصبرها عند الصدمة الأولى ، وكمال عقلها ، وحسن تبعلها لزوجها . وقولها : ( هو أسكن مما كان ) هذا من المعاريض المغنية عن الكذب ؛ فإنَّها أوهمته : أن الصبي سكن ما كان به بلفظ يصلح إطلاقه لما عندها من موته ، ولما فهمه أبو طلحة من سكون مرضه . وهذا كله لئلا تفاجئه بالإعلام بالمصيبة فيتنغَّص عليه عيشه ، ويتكدَّر عليه وقته . فلما حصلت راحته من تعبه ، وطاب عيشه بإصابة لذَّته التي ارتجت بسببها أن يكون لهما عوض ، وخلف مما فاته عرَّفته بذلك ، فبلَّغها الله أمنيَّتها ، وأصلح ذريَّتها . وقولها : ( واروا الصبي ) أي : ادفنوه ، من : مواراة الشيء ، وهي تغطيته . و ( قوله : أعْرستم الليلة ؟ ) هو كناية عن الجماع . يقال : أعرس الرجل بأهله : إذا بنى بها ، وكذلك إذا غشيها ، ولا يقال : عرَّس ، والعامة تقولها . وقد تقدَّم أن العِرْس الزوجة ، والعروس : يقال على كل واحد من الزوجين . وفي هذا الحديث ما يدلُّ على إجابة دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى عظم مكانته ، وكرامته عند الله . وكم له منها وكم ! حتى قد حصل بذلك العلم القطعي ، واليقين الضروري ، وذلك : أنه لما دعا لأم سليم وزوجها ولدت له من ذلك الغشيان عبد الله . وكان من أفاضل الصحابة ، ثمَّ ولد له عدَّة من الفضلاء ، الفقهاء ، العلماء : إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ، وإخوته العشرة ، كما هو مذكور في الاستيعاب . وأحاديث هذا الباب كلها متواردة على أن إخراج الصغار عند ولادتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتحنيكهم بالتمر كان سُنَّة معروفة معمولًا بها ، فلا ينبغي أن يعدل عن ذلك اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واغتنامًا لبركة الصالحين ، ودعائهم . والتحنيك هنا : جعل مضيغ التمر في حَنَكِ الصَّبي .
( 30 ) كتاب الأدب ( 1 ) باب في أحب الأسماء إلى الله وأبغضها إليه ( 2132 ) - [2041] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ ، عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ . ( 30 ) كتاب الأدب ( 1 ) ومن باب : أحب الأسماء إلى الله تعالى وأبغضها إليه قوله : ( أحب أسمائكم إلى الله : عبد الله ، وعبد الرحمن ) إنما كانت هذه الأسماء أحبُّ إلى الله تعالى ؛ لأنها تضمَّنت ما هو وصف واجب للحق تعالى ، وهو : الإلهية ، والرحمانية ، وما هو وصف الإنسان وواجب له ، وهو : العبودية والافتقار ، ثمَّ قد أضيف العبد الفقير للإله الغني إضافة حقيقيَّة . فصدقت أفراد هذه الأسماء الأصلية ، وشرفت بهذه الإضافة التركيبية ، فحصلت لهما هذه الأفضلية الأحبيَّة . ويلحق بهذين الاسمين كل ما كان مثلهما ، مثل : عبد الملك ، وعبد الصمد ، وعبد الغني .
( 2143 ) ( 20 و 21 ) - [2042] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ ، رَجُلٌ يسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ ، لا مالك إلا الله . قَالَ سُفْيَانُ : مِثْلُ : شَاهَانْ شَاهْ . وفي رواية : أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ ، رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَالِكَ الْأَمْلَاكِ ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ . و ( قوله : إن أخنع اسم عند الله ) أي : أذلَّ . والخنوع : الخضوع والذلُّ . يقال : أخنعتني إليك الحاجة . ومنه في دعاء القنوت : ( ونخنع لك ) أي : نذل لك ونخضع . وقد يقال على الفجور والرِّيبة . يقال : رجل خانع ؛ أي : مريب فاجر . ومنه قول الأعشى : ولا يرون إلى جاراتهم خُنُعًا قلت : وهذا راجعٌ للمعنى الأول ؛ لأنَّ الفاجر المريب خانع ذليل . ولذلك فسَّر أبو عمرو : أخنع بأوضع ؛ أي : أذل وأخس . وأراد بالاسم هنا : المسمى ، بدليل ما قال في الرواية الأخرى : أغيظ رجل ، وأخبثه . والغيظ المضاف إلى الله تعالى هو : عبارة عن غضبه . وقد تقدَّم : أن غضب الله تعالى عبارة عن عقوبته المنزلة بمن يستحقها . والأخبث : من الخبث ، وهو : الاسترذال ، والخِسَّة ، والرَّداءة . وقد وقع في هذه الرواية : وأغيظه . معطوفًا على أخبثه ، من الغيظ ، فجاء مكررًا . فذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وهم ، والصواب : وأغنط - بالنون والطاء المهملة - ؛ أي : أشدُّ . والغَنَط : شدة الكرب . قلت : والصواب التمسك بالرِّواية . وتطريق الوهم إلى الأئمة الحفاظ وهم لا تنبغي المبادرة إليه ما وجد للكلام وجه ، ويمكن أن يحمل على إفادة تكرار العقوبة على المسمى بذلك الاسم وتعظيمها ، كما قال تعالى في حق اليهود : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ أي : بما يوجب العقوبة بعد العقوبة . وكذلك فعل الله تعالى بهم ؛ عاقبهم في الدنيا بأنواعٍ من العقوبات ، ولعذاب الآخرة أشقُّ . وحاصل هذا الحديث : أن المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق ، وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق ؛ إذ لا يَصْدُق هذا الاسم بالحقيقة إلا على الله تعالى ، فعوقب على ذلك من الإذلال ، والإخساس ، والاسترذال بما لم يعاقب به أحدٌ من المخلوقين . و ( الملك ) : من له الْمُلْكُ . و ( المالك ) : من له الْمِلْكُ . والملِكُ أمدحُ ، والمالك أخصُّ . وكلاهما واجب لله تعالى . و ( الأملاك ) : جمع مَلِك . قال في " الصحاح " : الملِك - مقصور - من : مالك أو : مليك . والجمع : الملوك والأملاك ، والاسم : الملك . وقول سفيان : مثل : شاهًا شاه ، هي بالفارسية : ملك الأملاك .
( 2173 ) ( 22 ) - [2084] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ ، فَرَآهُمْ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا ، عَلَى مُغِيبَةٍ ، إِلَّا مَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ . و ( قوله : إن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس ) كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر - رضي الله عنه لكنه كان في الحضر لا في السفر ، وكان على وجه ما يعرف من أهل الصلاح والخير ، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التهمة والريب ، كما قدمناه . ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب ، وقبل أن يُتقدَّم لهم في ذلك بأمر ولا نهي ؛ غير أن أبا بكر - رضي الله عنه - أنكر ذلك بمقتضى الغيرة الجبليَّة ، والدِّينيَّة ، كما وقع لعمر رضي الله عنه في الحجاب . ولما ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما يعلمه من حال الدَّاخلين ، والمدخول لها ، قال : ( لم أر إلا خيرًا ؛ يعني : على الفريقين ، فإنَّه علم أعيان الجميع ؛ لأنَّهم كانوا من مسلمي بني هاشم ، ثم خصَّ أسماء بالشهادة لها فقال : ( إن الله قد برأها من ذلك ) أي : مما وقع في نفس أبي بكر ، فكان ذلك فضيلة عظيمة من أعظم فضائلها ، ومنقبة من أشرف مناقبها ، ومع ذلك فلم يكتف بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جمع الناس ، وصعد المنبر ، فنهاهم عن ذلك ، وعلمهم ما يجوز منه فقال : ( لا يدخلن رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان ) سدًّا لذريعة الخلوة ، ودفعًا لما يؤدِّي إلى التهمة . وإنَّما اقتصر على ذكر الرَّجل والرَّجلين لصلاحية أولئك القوم ؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر . فأما اليوم : فلا يكتفى بذلك القدر ، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد ، وخبث المقاصد ، ورحم الله مالكًا ، لقد بالغ في هذا الباب حتى منع فيه ما يجرّ إلى بعيد التهم والارتياب ؛ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها ، والسفر معه ، وإن كانت محرَّمة عليه ؛ لأنَّه ليس كل أحد يمتنع بالمانع الشرعي ؛ إذا لم يقارنه مانع عادي ، فإنَّه من المعلوم الذي لا شك فيه : أن موقع امتناع الرجل من النظر بالشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعه منه لأمه وأخته . هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية ، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية ، فلا بدَّ مع المانع الشرعي في هذا من مراعاة الذرائع الحاليَّة .
( 13 ) باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم وعن الدخول على المغيبات ( 2171 ) - [2082] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبِيتَنَّ أحد عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ . ( 13 ) ومن باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم ( قوله : لا يبيتن رجل عند امرأة ثيِّب إلا أن يكون ناكحًا ، أو ذا محرم ) هذا الحديث لا دليلَ خطابٍ له بوجه ؛ لأنَّ الخلوة بالأجنبية - بكرًا كانت ، أو ثيبًا ، ليلًا أو نهارًا - محرمة بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ) ، وبقوله : ( لا يدخلن رجلٌ على مغيِّبة إلا ومعه رجل ، أو رجلان ) وبقوله : ( إياكم والدخول على المغيبات ) وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات ، وعلى كل الحالات . وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيب بالنهي ؛ لأنَّ الخلوة بالثيب بالليل هي التي تمكن غالبًا ، فإنَّ الأبكار يتعذر الوصول إليهن غالبًا للمبالغة في التحرز بهن ، ولنفرتهن عن الرجال ، ولأن الخلوة بالنهار تندر ، فخرج النهي على المتيسَّر غالبًا .
( 2172 ) ( 20 و 21 ) - [2083] وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْء ؟ قَالَ : الْحَمْء الْمَوْتُ . قَالَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ : الْحَمْوُ أَخو الزَّوْجِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ ؛ ابْنُ الْعَمِّ وَنَحْوُهُ . و ( قوله : إياكم والدخول على المغيبات ) هذا تحذير شديد ، ونهي وكيد ، كما يقال : إياك والأسد ، وإياك والشرَّ ؛ أي : اتق ذلك واحذره ، والمنصوبان : مفعولان بفعلين مقدرين يدلّ عليهما المعنى . و ( المغيبات ) : جمع مغيبة ، وهي التي غاب عنها زوجها ؛ يقال : غاب الزوج ، فهو غائب ، وأغابت زوجته في حال غيبته ، فهي مغيبة . و ( الحمء ) : أحد الأحماء ، وهم قرابة الزوج ، مثل أخيه ، وعمه ، وابنيهما . ويقال لهؤلاء من جهة الزوجة : أختان . والصهر يجمع ذلك كله . وقد جاء الحمء في هذا الحديث مهموزًا ، والهمز أحد لغاته . ويقال فيه : حمو - بواو مضمومة - كدلو ، و ( حمى ) مقصور ، كـ ( عصا ) والأشهر فيه : أنه من الأسماء الستَّة المعتلَّة المضافة التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعًا ، وبالألف نصبًا ، وبالياء خفضًا ؛ فتقول : جاءني حموك ، ورأيت حماك ، ومررت بحميك . و ( قوله : الحمء الموت ) أي : دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة ؛ أي : فهو مُحرَّم معلوم التحريم ، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك ، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة ، لإلفهم لذلك ، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة ، وخرج هذا مخرج قول العرب : الأسد الموت ، والحرب الموت . أي : لقاءه يفضي إلى الموت . وكذلك دخول الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين ، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج ، أو برجمها إن زنت معه .
( 2138 ) - [2049] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال : أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِمقبل وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفْلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَرَكَهُ . و ( قوله : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل ) هكذا صحيح الرواية . وهو في بعض النسخ : بيعلى ، وكأنه تصحيف ، والأوَّل أولى رواية ومعنى .
( 3 ) باب ما يكره أن يسمى به الرقيق ( 2136 ) ( 11 ) - [2048] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ ، وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا ، وَلَا رَبَاحًا ، وَلَا نَجِيحًا ، وَلَا أَفْلَحَ ، فَإِنَّكَ تَقُولُ : أَثَمَّ هُوَ ؟ فَلَا يَكُونُ ، فَيَقُولُ : لَا . إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ . وفي رواية : نافعا بدل نجيحا . ( 3 ) ومن باب : ما يكره أن يُسمَّى به الرقيق قوله : ( أحبُّ الكلام إلى الله أربع ) أي : أحقه قبولًا ، وأكثره ثوابًا ، ويعني بالكلام : المتضمن للأذكار ، والدعاء ، والقرب من الكلام ، وإنَّما كانت هذه الكلمات كذلك ؛ لأنَّها تضمَّنت تنزيهه عن كل ما يستحيل عليه ، ووصفه بكل ما يجب له من أوصاف كماله ، وانفراده بوحدانيته ، واختصاصه بعظمته وقدمه المفهومين من أكبريته . ولتفصيل هذه الجمل علمٌ آخر . و ( قوله : لا يضرُّك بأيهنَّ بدأت ) يعني : أن تقديم بعض هذه الكلمات على بعض لا ينقص ثوابها ، ولا يوقف قبولها ؛ لأنَّها كلَّها كلمات جامعات طيِّبات مباركات . و ( قوله : لا تسمَّيَنَّ غلامك يسارًا ، ولا رباحًا ، ولا نجيحًا ، ولا أفلح ) هذا نهي صحيح عن تسمية العبد بهذه الأسماء ، لكنه على جهة التنزيه بدليل قول جابر في الحديث الآتي : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل ، وببركة ، وبأفلح ، وبيسار ، وبنافع ، ونحو ذلك ، ثم سكت ؛ يعني : أراد أن ينهى عن ذلك نهي تحريم ، وإلا فقد صدر النهي عنه على ما تقدَّم ، لكنه على وجه الكراهة التي معناها : أن ترك المنهي عنه أولى من فعله ؛ لأنَّ التَّسمية بتلك الأسماء تؤدي إلى أن يسمع ما يكرهه ، كما نصَّ عليه بقوله : ( فإنك تقول : أثمَّ هو فلان ، فلا يكون ؛ فتقول : لا ) وبالنظر إلى هذا المعنى ، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد ، بل : تتعدى إلى الأحرار . ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء ، بل : تتعدى إلى ما في معناها . ولهذا أشار جابر في حديثه بقوله ، وبنحو ذلك . وحينئذ يقال : فما فائدة تخصيص الغلام بالذكر ؟ وكيف يعدَّى إلى زيادة على الأربع ، وقد قال في بقيَّة الحديث : إنما هي أربع ، فلا تزيدن علي ؟ فالجواب عن الأوَّل من وجهين : أحدهما : أنَّا لا نسلِّم أن المراد بالغلام العبد ، بل الصغير ؛ فإنه يقال عليه : غلام إلى أن يبلغ ، وللأنثى : جارية ، كما تقدَّم . والثاني : أنَّا وإن سلَّمنا ذلك لكن إنما خُصص العبد بالذكر ، لأن هذه الأسماء إنما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم ، فخرج النهي على الغالب . والجواب عن الثاني : أن قوله : فلا تزيدن علي ، إنما هو من قول سمرة بن جندب ، وإنما قال ذلك ليحقق : أن الذي سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هي الأربع ، لا زيادة عليها ؛ تحقيقا لما سمع ، ونفيًا لأن يقول ما لم يقل . ولئن سُلِّم أن ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فليس معناه المنع من القياس . بل عن أن يقول اسمًا لم يقله ، فإنَّ الفرع ملحق بأصله في الحكم ، لا في القول . وبيانه : إنَّا وإن ألحقنا الزبيب بالتمر في تحريم الربا فلا نقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الربا في الزبيب حرام . فإنَّه قول كاذب ، ولو كان ذلك صادقًا لكان الزبيب منطوقًا به ، فحينئذ لا يكون فرعًا . بل : أصلًا . وقد اجترأت طائفة عراقية على إطلاق ذلك . ونعوذ بالله مما أُطلق هنالك . وعلى ما قررناه فلا يكون بين حديث سمرة بن جندب ، ولا بين حديث جابر - رضي الله عنهم - معارضة ، فلا يكون بينهما نسخ خلافًا لمن زعمه ، وقال : إن حديث جابر ناسخ لحديث سمرة ، وما ذكرناه أولى . والله تعالى أعلم . فإن قيل : بل المصير إلى النسخ أولى ؛ لأنَّ حديث سمرة - وإن حمل على الكراهة - فحديث جابر يقتضي الإباحة المطلقة ؛ لأنَّه لما سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النهي عن ذلك إلى حين موته ، وكذلك عمر - رضي الله عنه - مع حصول ذلك في الوجود كثيرًا ، فقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - غلام اسمه : رباح ، ومولى اسمه : يسار ، وقد سَمَّى ابن عمر مولاه : نافعًا . ومثله كثير . فقد استمر العمل على حديث جابر ، فإذًا هو متأخر ، فيكون ناسخًا . والجواب : إن هذا التقدير يلزم منه : أن لا يصدق قول جابر : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن ينهى عن ذلك ، فإنَّه قد وجد النهي ولا بدَّ ، وهو صادق ، فلا بدَّ من تأويل لفظه . وما ذكرناه أولى . وما ذكر من تسمية موالي النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره بتلك الأسماء فصحيح ؛ لأنَّ ذلك جائز ، وغاية ما ترك فيه الأولى ، فكم من أولى قد سوغت الشريعة تركه ، وإن فات بفوته أجر كثير ، وخير جزيل ؛ عملًا بالمسامحة والتيسير ، وتركًا للتشديد والتعسير .
( 2151 ) - [2058] وعنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بني . وفيه ما يدل على جواز المزاح مع الصغير ، لكن إذا قال حقًّا . وفيه ما يدل على حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - ولطافة معاشرته ، وألفاظه ، ومنها : قوله لابن عمر : ( يا بني ) وكذلك قوله للمغيرة : ( أي بني ) فإنَّه نزله منزلة ابنه الصغير في الرحمة ، والرفق ، والشفقة .
( 2152 ) - [2059] وعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : مَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ عَنْ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، فَقَالَ لِي : أَيْ بُنَيَّ ، وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ ؟ إِنَّهُ لَنْ يَضُرَّكَ . قَالَ : قُلْتُ : إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ وَجِبَالَ الْخُبْزِ! قَالَ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . وسؤال المغيرة عن الدجال إنما كان لما سمع من عظيم فتنته ، وشدَّة محنته ، فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( وما ينصبك منه ؟ إنه لن يضرَّك ؛ أي : ما يصيبك منه من النَّصَب والمشقَّة . وهكذا رواية الكافة . وعند الهوزني : ( ما ينضيك ) : بالضاد المعجمة ، والياء باثنتين من تحتها ، وكأنه من جهة قولهم : جمل نضوٌ ؛ أي : هزيل ، وأنضاه السَّير ؛ أي : أهزله . والأول أصح رواية ومعنًى . و ( قوله : إنه لن يضرك ) يحتمل أن يريد : لأنك لا تدرك زمان خروجه . ويحتمل أن يكون إخبارًا منه بأنه يُعصم من فتنته ، ولو أدرك زمانه ، والله ورسوله أعلم . وقول المغيرة : ( إنهم يزعمون : أن معه أنهار الماء ، وجبال الخبز ) هذا يدلّ على أن المغيرة كان قد سمع هذا الأمر عن الدَّجال من غير النبي - صلى الله عليه وسلم ولم يحققه ، فعرض ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابه بقوله : ( هو أهون على الله من ذلك ) وظاهر هذا الكلام : أن الدَّجال لا يمكن من ذلك لهوانه على الله ، وخسة قدره ، غير أن هذا المعنى قد جاء ما يناقضه في أحاديث الدجال الآتية . فيحتمل : أن يكون هذا القول صدر عنه قبل أن يوحى إليه بما في تلك الأحاديث . ويحتمل : أن يعود الضمير إلى تمكين الدجال من أنهار الماء ، وجبال الخبز ؛ أي : فعل ذلك على الله هين . والأوَّل أسبق ، والثاني لا يمتنع ، والله تعالى أعلم .
( 6 ) باب تكنية الصغير وندائه بيا بني ( 2150 ) - [2057] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالَ لَهُ : أَبُو عُمَيْرٍ . قَالَ : أَحْسِبُهُ قَالَ : كَانَ فَطِيمًا . قَالَ : فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ قَالَ : أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ . قَالَ : وكَانَ يَلْعَبُ بِهِ . ( 6 ) ومن باب تكنية الصغير قد تقدَّم القول في الكناية في الباب قبل هذا . قوله : ( يا أبا عمير ! ما فعل النُّغير ؟ ) فيه دليلٌ على جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلَّفًا ، فأما مع التكلُّف فهو من باب التنطع والتشدُّق المكروهين في الكلام . وعمير : تصغير عمر أو عمرو . والنغير : تصغير نُغر ، والنُّغَرُ : طير كالعصافير حُمر المناقير ، وتجمع : نِغْران . مثل : صُرَد وصِرْدان ، ومؤنَّثه : نُغَرة ، كهُمَزة . وقد يستدلُّ الحنفي بهذا الحديث على جواز المدينة . وهو قول خالف فيه الجمهور ونص نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد المدينة ، كما نهى عن صيد مكة ، كما قدَّمناه . ولا حجَّة فيه ؛ إذ ليس فيه ما يدلُّ على أن ذلك الطير صيد في حرم المدينة ، بل نقول : إنه صيد في الحل ، وأدخل في الحرم . ويجوز للحلال أن يصيد في الحل ، ويدخله في الحرم ، ولا يجوز له أن يصيد في الحرم ، فيُفَرَّق بين ابتداء صيده ، وبين استصحاب إمساكه ، كما ذكرناه في الحج . وفيه جواز لعب الصَّبي بالطير الصغير ، لكن الذي أجاز العلماء من ذلك : أن يمسك له ، وأن يلهو بحسنه . وأما تعذيبه ، والعبث به : فلا يجوز ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة .
( 2135 ) - [2047] وعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالَوا : إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ : يَا أُخْتَ هَارُونَ ، وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا . فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ . وحديث المغيرة يدلُّ : على أن مريم صلوات الله عليها ؛ إنما سُميت أخت هارون ، بأخ لها كان اسمه ذلك ، ويبطل قول من قال من المفسرين : إنها إنما قيل لها ذلك لأنها شُبِّهت بهارون أخي موسى في عبادته ونسكه . وفيه : ما يدلّ على جواز بأسماء الأنبياء . والله تعالى أعلم .
( 2133 ) ( 3 و 4 و 5 ) - [2044] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا ، فَقُلْنَا : لَا نَكْنيكَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَسْتَأْمِرَهُ . قَالَ : فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّهُ وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ، وَإِنَّ قَوْمِي أَبَوْا أَنْ يَكْنُونِي بِهِ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّه . ِفَقَالَ : تسَمَّوْا بِاسْمِي ، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ . وفي رواية : فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم . ( 2133 ) ( 6 ) - [2045] وعنه : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَحْسَنَتْ الْأَنْصَارُ ، سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي . ( 2133 ) ( 7 ) - [2046] وعنه : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ ؛ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ ، فَقُلْنَا : لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ ، وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا . فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ . وأما حديث جابر فيقتضي : أن النهي عن ذلك إنما كان لأن ذلك الاسم لا يصدق على غيره صدقه عليه ، ولذلك قال متصلًا بقوله : ( تسمَّوا باسمي ، ولا تكتنوا بكنيتي ، فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم ) وفي الرواية الأخرى : ( فإنما بعثت إليكم قاسِمًا ) يعني : أنه هو الذي يبين قسم الأموال في المواريث ، والغنائم ، والزكوات ، والفيء ، وغير ذلك من المقادير ، فيُبلِّغ عن الله حكمه ، ويبيِّن قسمه . وليس ذلك لأحدٍ ، إلا له ، فلا يطلق هذا الاسم في الحقيقة إلا عليه . وعلى هذا التأويل الثاني : فلا يكتني أحدٌ بأبي القاسم ، لا في حياته ، ولا بعد موته . وإلى هذا ذهب بعض السَّلف ، وأهل الظاهر ، وزادت طائفة أخرى من السَّلف منع التسمية بالقاسم ؛ لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم . وذهبت طائفة ثالثة من السلف أيضًا : إلى أن الممنوع إنما هو الجمع بين اسمه وكنيته . واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته ، ويسمِّي محمدًا أبا القاسم ) قال : حديث حسن صحيح . وعلى هذا فيجوز أن يكتني بأبي القاسم من لم يكن اسمه محمدًا . وذهب الجمهور من السلف والخلف ، وفقهاء الأمصار : إلى جواز كل ذلك ، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته ، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية بناء على أن كل ما تقدَّم إما منسوخ ، وإما مخصوص به - صلى الله عليه وسلم - واحتجوا على ذلك بما رواه الترمذي وصححه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وبما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ! إني ولدتُ غلامًا فسميته : محمدًا ، وكنيته بأبي القاسم ، فذكر لي أنك تكره ذلك . فقال : ( ما الذي أحل اسمي وحرَّم كُنيتي ؟ ! ) أو : ( ما الذي حرم كُنيتي وأحل اسمي ؟ ! ) ويتأيَّد النَّسخ بما ثبت : أن جماعة كثيرة من السَّلف وغيرهم سمُّوا أولادهم باسمه ، وكنّوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا . وكأن هذا كان أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة وغيرها . فقد صارت أحاديث الإباحة أولى ؛ لأنَّها : إما ناسخة لأحاديث المنع ، وإما مرجحة بالعمل المذكور ، والله تعالى أعلم . وقد شذَّت طائفة فمنعوا التسمية بمحمد جملة متمسكين بذلك بما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( تسمُّون أولادكم محمدًا ، ثم تلعنونهم ) وبما كتب عمر - رضي الله عنه - إلى الكوفة من قوله : ( لا تسمُّوا أحدًا باسم نبي ) وبأمره جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمدًا ، ولا حجَّة في شيء من ذلك . أما الحديث : فغير معروف عند أهل النقل ، وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن من اسمه محمد ، لا عن التسمية به . وقد قدَّمنا النصوص الدالة على إباحة التسمية بذلك ، بل : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة تدلُّ على الترغيب ، في التسمية بمحمد ؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ضرَّ أحدكم أن يكون في بيته محمد ، ومحمدان ) وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما اجتمع قوم في مشورة فيهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يبارك لهم فيها ) ومثله كثير . وأما أمر عمر - رضي الله عنه - : فكان بسبب : أنه سمع رجلًا يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب : فعل الله بك يا محمد ، وصنع بك . فدعا عمر به ، وقال : ألا أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسبُّ بك ! والله ! لا تدعى محمدًا أبدًا ، وعند ذلك - والله تعالى أعلم - كتب لأهل الكوفة ، وأمر أهل المدينة بما سبق ، ثم إنه ذكر له جماعة سمَّاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك . فترك الناس من ذلك . تنبيه : الأصل في الكناية أن يكون للرجل ابن فيُكنى باسم ابنه ذلك ، ولذلك كني النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي القاسم ، فإنَّه كان له ولدٌ يسمى : القاسم من خديجة رضي الله عنها ، وكأنه كان أوَّل ذكور أولاده . وعلى هذا : فلا ينبغي أن لا يكنى أحدٌ حتى يكون له ولدٌ يُكنى باسمه ، لكن : قد أجاز العلماء خلاف هذا الأصل ، فكنَّوا من ليس له ولدٌ ، لحديث عائشة رضي الله عنها ؛ أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : كلُّ صواحباتي لهن كنى ، وليس لي كنية ، فقال : ( اكتني بابن أختك عبد الله ) فكانت تكتني بأمِّ عبد الله . وقد كنَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصغير ، فقال : ( يا أبا عمير ! ما فعل النُّغير ) وقد قال عمر - رضي الله عنه - : عجلوا بكنى أبنائكم وأولادكم ؛ لا تسرع إليهم ألقاب السَّوء .
( 2 ) باب قوله عليه الصلاة والسلام : تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ، وفي التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين ( 2134 ) - [2043] عَنْ أَنَسٍ قَالَ : نَادَى رَجُلٌ رَجُلًا بِالْبَقِيعِ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ ، إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَسَمَّوْا بِاسْمِي ، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي . ( 2 ) ومن باب تسمَّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تسمَّوا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي ) صدر هذا القول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرات ؛ فعلى حديث أنس إنما قاله حين نادى رجل : يا أبا القاسم ! فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم فقال الرجل : لم أعنك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك القول . وهذه حالة تنافي الاحترام ، والتعزير المأمور به ، فلمَّا كانت الكناية بأبي القاسم تؤدي إلى ذلك نهى عنها . ويتأيد هذا المعنى بما نقل : أنَّ اليهود كانت تناديه بهذه الكناية إزراءً ، ثم تقول : لم أعنك . فحسم الذريعة بالنَّهي . فإن قيل : فيلزم على هذا : أن تُمنع التَّسمية بمحمد ، وقد فرَّق بينهما ، فأجازه في الاسم ، ومنعه في الكناية . فالجواب : أنَّه لم يكن أحدٌ من الصحابة يجترئ أن يناديه باسمه ؛ إذ الاسم لا توقير بالنداء به ، بخلاف الكناية فإنَّ في النداء بها احترامًا وتوقيرًا ، وإنما كان يناديه باسمه أجلاف العرب ، ممن لم يؤمن ، أو آمن ولم يرسخ الإيمان في قلبه ، كالذين نادوه من وراء الحجرات : يا محمد ! اخرج لنا . فأنزل الله تعالى فيهم : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فمنعت الذريعة فيما كانوا ينادونه به ، وأبيح ما لم يكونوا ينادونه به . وعلى هذا المعنى فيكون النهي عن ذلك مخصوصًا بحياته . وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم . وقد رُوي : أن عليًّا - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله ! إن وُلد بعدك غلامٌ أَأُسَمِّيه باسمك ، وأكنِّيه بكنيتك ؟ . قال : ( نعم ) .
( 4 ) باب في تغيير الاسم بما هو أولى والنهي عن الاسم المقتضي للتزكية ( 2139 ) ( 14 ) - [2050] عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ فقال : أَنْتِ جَمِيلَةُ . ( 2140 ) - [2051] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ ؛ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ : خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ . ( 4 ) ومن باب تغيير الاسم بما هو أولى منه تبديل النبي - صلى الله عليه وسلم - اسم عاصية بجميلة ، والعاصي بن الأسود بمطيع ، ونحو ذلك سُنَّة ينبغي أن يُقتدى به فيها ؛ فإنَّه كان يكره قبيح الأسماء ، ولا يتطيَّر به ، ويحبُّ حسن الأسماء ، ويتفاءل به ، وفي كتاب أبي داود عن بريدة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتطيَّر من شيء ، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه ، فإن أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه ، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه . وفي الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع : يا راشد ! يا نجيح ! وأما تغييره برَّة فلوجهين : أحدهما : أنه كان يكره أن يقال : خرج من عند برَّة ؛ إذ كانت المسمَّاة بهذا الاسم زوجته ، وهي التي سمَّاها جويرية . والثاني : لما فيه من تزكية الإنسان نفسه ، فهو مخالف لقوله تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الدِّيار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية ، كزكي الدِّين ، ومحيي الدِّين ، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان ؛ التي يقصد بها المدح ، والتزكية ، لكن لما كثرت قبائح المسمِّين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها ، فصارت لا تفيد شيئًا من أصل موضوعاتها ، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع ، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها ، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب : المهلكة بالمفازة ، والحقير بالجليل ، تجمُّلًا بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمَّى . ومن الأسماء ما غيَّره الشرع مع حسن معناه وصدقه على مسمَّاه . لكن منعه الشرع حماية واحترامًا لأسماء الله تعالى وصفاته - جل وعز - عن أن يتسمَّى أحد بها . ففي كتاب أبي داود عن هانئ بن يزيد : أنه لما وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة مع قومه سمعهم يكنُّونه بأبي الحكم ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( إن الله - عز وجل - هو الحكم ، وإليه الحكم ، فلمَ تكنَّى أبا الحكم ؟ ) قال : إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم ، فرضي كلا الفريقين . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أحسن هذا ! ) قال : ( ما لك من الولد ؟ قال : لي شريح ، ومسلم ، وعبد الله . قال : ( فمن أكبرهم ؟ ) قلت : شريح . قال : ( فأنت أبو شريح ) وقد غيَّر اسم : حكيم ، وعزيز ؛ لما فيهما من التشبه بأسماء الله تعالى .
( 2142 ) ( 19 ) - [2052] وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ . فَقَالَوا : بِمَ نُسَمِّيهَا ؟ قَالَ : سَمُّوهَا زَيْنَبَ . وقولها : ( سميت برَّة ) إنما كان هذا الاسم يدلّ : على التزكية ؛ لأنَّه في أصله اسم علم لجميع خصال البرِّ ، كما أن : ( فجار ) اسم علم للفجور . ولذلك قال النابغة الذبياني : إنَّا اقتَسَمنا خُطَّتَيْنا بيننا فحَمَلْت برَّةَ واحتَمَلْت فَجَارِ
( 33 ) باب مناولة السواك الأكبر ( 2271 ) - [2125] عن ابْنَ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا ، فَقِيلَ لِي كَبِّرْ : فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ . ( 33 ) ومن باب : مناولة السِّواك الأكبر قوله : ( أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان ) قد تقدَّم أن رؤيا الأنبياء وحي ، وأنها تقتبس منها الأحكام ، كما قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم - عليه السلام - : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ وجذب ، وجبذ بمعنى واحد ، وإنما جذباه طالبين منه السواك . وإنما ناوله الأصغر لأنهما كانا بين يديه ، ولو كان أحدهما عن يمينه لكان هو الأولى به ، كما جاء في سُنَّة الشراب . و ( قوله : كبِّر ) أي : ابدأ بالكبير توقيرًا له ، ومراعاة لحق السِّنِّ في الإسلام ، وهذا كما قال في حديث حُويِّصَة : ( كبِّر ، كبِّر ) وقد استوفينا الكلام على هذا المعنى هناك . وحاصل ذلك : الحث على إكرام الشيخ المسلم ، واحترامه ، كما قد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ) .
( 32 ) باب تحريم اللعب بالنرد ( 2260 ) - [2124] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ . ( 32 ) ومن باب : اللعب بالنَّرد قوله : ( من لعب بالنردَشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) قيَّدنا النردشير بفتح الدال وكسر الراء ، وكأنهما كلمة واحدة مبنيَّة الوسط . قال الخليل : النرد : فارسي . قلت : وكأن النردشير نوع من النَّرد . وهو لعبة مقصودها القمار ، وأكل المال بالباطل ، مع ما فيها من الصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وعمَّا يفيد الإنسان في دينه ودنياه ، ومع ما يطرأ فيها من الشحناء ، والبغضاء ، ولذلك شدَّد النبي - صلى الله عليه وسلم - في لعبها فقال : فيما رواه مالك عن أبي موسى : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) وهذا نصٌّ في تحريم النَّرد ، وهو المراد بقوله : ( فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) فإنَّ هذا الفعل في الخنزير حرام ؛ لأنَّه إنما عنى بذلك تذكية الخنزير ، وهي حرام بالاتفاق ، ولذلك لم يختلف فيه ، ويلحق به كل ما يقامر به ، كالشطرنج ، والأربعة عشر ، وغير ذلك مما في معناه . واختلف في الشطرنج إذا لم يقامر به . فقيل : إنه على التحريم . وهو ظاهر قول مالك ، والليث ؛ حيث قالا : إنَّها شرٌّ من النَّرد ، وألهى . ويؤيد هذا أحاديث رواها عبد الملك بن حبيب تقتضي ذمَّ لاعب الشطرنج ، ولعنه . ولا شك في أن من ظن التحريم فيها إنَّه يردُّ شهادة اللاعب بها . وذهبت طائفة إلى أن ذلك مكروه ، وهو نصُّ المذهب ، غير أن من أصحابنا من تأوَّله على التحريم ، والكراهة مذهب الشافعي وأبي حنيفة ، ولا يردان شهادة من لعب بها من غير قمار . وقال مالك : تسقط شهادة المدمن عليها . وقال بعض أصحابنا : إن المحرَّم إنَّما هو الإدمان عليها ، فأما لو لم يدمن عليها ، وتستَّر باللعب بها مع الأكفاء والنُّظراء ، وسلم من المفاسد التي ذكرناها فهي مباحة ، وقد فسَّر بعض أصحابنا هذا : بأن يلعبها مرَّة في السَّنة . وهذا شذوذ .
( 2154 ) - [2062] عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أنه جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ . فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، هَذَا أَبُو مُوسَى . السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، هَذَا الْأَشْعَرِيُّ . ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ ، رُدُّوا عَلَيَّ ، فَجَاءَ فَقَالَ : يَا أَبَا مُوسَى ، مَا رَدَّكَ ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ . قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ ، قَالَ : لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ . فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى ، قَالَ عُمَرُ : إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً لَمْ تَجِدُوهُ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ قَالَ : يَا أَبَا مُوسَى ، مَا تَقُولُ ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ . قَالَ : عَدْلٌ . قَالَ : يَا أَبَا الطُّفَيْلِ ، مَا يَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ . وقول أُبي لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - : ( لا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يدلُّ على ما كانوا عليه من القوَّة في دين الله ، وعلى قول الحق ، ومن قبوله ، والعمل به ، فإنَّ أُبيًّا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى ، فقام بما عليه من الحق . ولما تحقق عمر الحقَّ قَبِلَه ، واعتذر عما صدر عنه رضي الله عنهم أجمعين .
( 7 ) باب الاستئذان وكيفيته وعدده ( 2153 ) ( 33 ) - [2060] عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال : كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا - أَوْ مَذْعُورًا قُلْنَا : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا ؟ فَقُلْتُ : إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ ترد عَلَيَّ فَرَجَعْتُ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ . فَقَالَ عُمَرُ : أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ . فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قُلْتُ : أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ ، قَالَ : فَاذْهَبْ بِهِ . ( 7 ) ومن باب : الاستئذان وكيفيته وعدده قوله في هذه الرواية : ( فسلمت ثلاثًا ) ليس مناقضًا لقوله في الأخرى : إنه استأذن ثلاثًا ؛ لأنَّ أبا موسى - رضي الله عنه - كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثًا ، كما قد جاء منصوصًا عليه في الرواية الثالثة . وحاصل هذه الأحاديث : أن دخول منزل الغير ممنوع ؛ كان ذلك الغير فيها أو لم يكن ، إلا بعد الإذن . وهذا الذي نصَّ الله تعالى عليه بقوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ثم قال بعد ذلك : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا وهذا لا بدَّ منه ؛ لأنَّ دخول منزل الغير تصرُّف في ملكه ، ولا يجوز بغير إذنه ؛ لأنَّه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت ، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجيَّة . ولما تقرَّر هذا شرعًا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر - رضي الله عنهما ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده : عمل على ما كان عنده من ذلك . فلما لم يؤذن له : رجع . وأما عمر - رضي الله عنه - فكان عنده علم بالاستئذان ، ولم يكن عنده علم من العدد ، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ملازمته النبي - صلى الله عليه وسلم - حضرًا وسفرًا ملازمة لم تكن لأبي موسى ولا لغيره ، وإنكار من يسد باب الذريعة في التقوُّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله : أقم عليه البينة ، وإلا أوجعتك ، ولأجعلنك عظة . فلما أتاه بالبينة قال : إنما أحببت أن أتثبت . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه ؛ فمنها : أن لا بد أن يكون ثلاثًا ، فإذا لم يؤذن له بعد الثلاث ؛ فهل يزيد عليها أو لا ؟ قولان لأصحابنا . الأولى أن لا يزيد ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لك ، وإلا فارجع ) وهذا نصٌّ . وإنَّما خصَّ الثلاث بالذكر ؛ لأنَّ الغالب أن الكلام إذا كُرر ثلاثًا سمع وفهم . ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه ، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا . وإذا كان الغالبُ هذا ، فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن ربَّ المنزل لا يريد الإذن ، أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه . فينبغي للمستأذن أن ينصرف ، لأن الزيادة على ذلك قد تقلق ربَّ المنزل ، وربما يضرُّه الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلًا به ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي أيوب - رضي الله عنه - حين استأذن عليه ، فخرج مستعجلًا فقال : ( لعلنا أعجلناك ) . ومنها : قبول أخبار الآحاد ، ووجوب التثبُّت فيها ، والبحث عن عدالة ناقليها ؛ لأنَّ أبا موسى لما أخبر عمر - رضي الله عنهما - بأن أُبي بن كعب يشهد له قال : عَدْلٌ . ومنها : حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم والإنكار على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهليَّة وتحققها . ومنها : أن المستأذن حقَّه أن يبدأ بالسلام ، ثم يذكر اسمه ، وإن كانت له كنى يُعرف بها ذكرها ، كما فعل أبو موسى ، وكل ذلك ينبغي في تحصيل التعريف التام للمستأذن عليه ؛ فإنَّه إن أُشكل عليه اسم عرف آخر . وقال بعض أصحابنا : هو بالخيار بين أن يُسمي نفسه أو لا ، والأولى ما فعله أبو موسى ، فإنَّ فعله ذلك إن كان توقيفًا ؛ فهو المطلوب . وإن لم يكن توقيفًا ؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شرع الاستئذان ، ثم رأي الصحابي راوي الحديث أولى من هذا القول الحديث . و ( قوله : فقال أُبي بن كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم ، فقام أبو سعيد ، فأعلمه بذلك ) وفي الرواية الأخرى : ( إن أُبي بن كعب أخبره بذلك ) لا تباعد فيهما ، فإنَّه أخبره بذلك كلاهما : أبو سعيد أولًا أتاه إلى منزله ، وأُبي ثانيًا لما اجتمع به عمر في المسجد . وهذا كله يدلُّ على شهرة الحديث عندهم ، ومع ذلك فلم يعرفه عمر ، ولا يُستنكر هذا ، فإنَّه من ضرورة أخبار الآحاد .
( 2153 ) ( 35 و 36 ) - [2061] وعنه أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ فَاسْتَأْذَنَ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : ثِنْتَانِ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانية فَقَالَ عُمَرُ : ثَلَاثٌ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتْبَعَهُ فَرَدَّهُ فَقَالَ : إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَا ، وَإِلَّا فَلَأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَتَانَا فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ ؟ . قَالَ : فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ . قَالَ : فَقُلْتُ : أَتَاكُمْ أَخُوكُمْ الْمُسْلِمُ قَدْ أُفْزِعَ ، تَضْحَكُونَ؟! انْطَلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : هَذَا أَبُو سَعِيدٍ . وزاد في أخرى : فَقَال أَبُو سَعِيدٍ : كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا . فَقَالَ عُمَرُ : خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ . و ( قوله : جعلوا يضحكون ) إنما ضحكوا من جزع أبي موسى من تهديد عمر ، مع علمهم : بأن ذلك لا يتمُّ منه ؛ لأنَّ ما طلبه من البينة ، ولأن عمر لم يكذبه ، ولا مقصوده جلده ، ولا إهانته ، بل : التغليظ والحماية . وقول عمر - رضي الله عنه - : ( خفي علي هذا من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إنما قاله عاتبًا على نفسه ، وناسبًا لها إلى التقصير ، ثم بيَّن عذره بقوله : ( ألهاني الصَّفق بالأسواق ) وفي البخاري : يعني : الخروج إلى التجارة . وألهاني : شغلني . والصَّفق : البيع ، وسمي بذلك لأنهم كانوا يتواجبون البيع بالأيدي ، فيصفق كل واحد منهم بيد صاحبه . ومنه قيل للبيعة : صفقة .
( 31 ) باب من عرض عليه طيب أو ريحان فلا يرده ، وبماذا يستجمر ؟ ( 2253 ) - [2122] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ ، طَيِّبُ الرِّيحِ . ( 31 ) ومن باب : من عُرِض عليه ريحان فلا يردَّه الرَّيحان : كلُّ بقلةٍ طيِّبة الرِّيح . قاله الخليل . والمراد به في هذا الحديث : كلُّ الطيب ؛ لأنَّه كله خفيف المحمل ، طيب الرِّيح ؛ ولأنه قد جاء في بعض طرق هذا الحديث : ( من عرض عليه طيبٌ ) بدل : ( ريحان ) . و ( قوله : خفيف المحمَل ، طيب الرِّيح ) المحمَل - بفتح الميمين - ويعني به : الحمل ، وهو مصدر : ( حمل ) وبفتح الأولى ، وكسر الثانية : هو الزمان ، والمكان . وقد يقال في الزمان بالفتح في الثانية . والمحمل-أيضًا- : واحد محامل الحاجِّ . والْمِحمَل - بكسر الأولى ، وفتح الثانية : واحد محامل السيف . وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا القول إلى العلة التي ترغب في قبول الطيب من الْمُعْطِية . وهي : أنه لا مؤونة ، ولا مِنَّة تلحق في قبوله ؛ لجريان عادتهم بذلك ، ولسهولته عليهم ، ولنزارة ما يتناول منه عند العرض ، ولأنَّه مِمَّا يستطيبه الإنسان من نفسه ، ويستطيبه من غيره . وفيه من الفقه : الترغيب في استعمال الطيب ، وفي عرضه على من يستعمله .
( 2254 ) - [2123] وعَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ عبد الله بْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ ، وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . و ( قوله : كان ابن عمر يستجمر بأَلُوَّةٍ غير مُطَرَّاةٍ ) يستجمر : يتبخر . وأصله : من المجمر ، والمجمرة ، فاستعير له ذلك ؛ لأنَّه وضعُ البَخُور على الجمر في المجمرة . والأَلُوَّة : العود الذي يتبخر به . قال الأصمعي : وأراها كلمة فارسيَّة . قال أبو عبيد : وفيها لغتان : فتح الهمزة وضمها . وحكي عن الكسائي : إِلِيَّةٌ - بكسر الهمزة واللام وقال بعضهم : لوَّة وليَّة . وتجمع : الأَلُوَّة : ألاويةٌ . و ( غير مطرَّاةٍ ؛ أي : غير ملطخة بخلوق ، أو طيب . قال القاضي عياض : وأصله : غير مطرَّرةٍ ؛ من : طرَّرت الحائط إذا غشَّيته بجصٍّ ، أو حسَّنته ، وجدَّدته . قال : ويحتمل أن تكون ( مطرَّاة ) : مُحسَّنة ، مبالغة ، وذلك من الإطراء ، وهو المبالغة في المدح . وهذه الأحاديث كلها تدلُّ على أن استعمال الطيب والبخور مرغب فيه ، مندوبٌ إليه ، لكن : إذا قصد به الأمور الشرعية مثل الجماعات والْجُمعات ، والمواضع المعظَّمات ، وفعل العبادات على أشرف الحالات . فلو قصد بذلك المباهاة والفخر والاختيال لكان ذلك من أسوأ الذنوب ، وأقبح الأفعال .
( 30 ) باب لا يقل أحد : خبثت نفسي وما جاء أن المسك أطيب الطيب ( 2250 ) - [2120] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : خَبُثَتْ نَفْسِي ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِي . ( 2252 ) - [2121] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَصِيرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ فَلَمْ يَعْرِفُوهَا ، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا ، وَنَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ . ( 30 ) ومن باب ما جاء أن أطيب الطيب المسك قوله : ( كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين ، فاتخذت رِجْلَين من خشب ) يحتمل : أن تكون هذه المرأة فعلت هذا لتستر قصرها عن الناس ، فلا ينظرون إليها . ولعل قصرها كان خارجًا عن غالب أحوال القصار . فإنَّ كان هذا ، فلا إثم عليها لصحة قصدها ، وحسن تسترها . وإن كانت فعلت ذلك لتتزيَّن بإلحاقها نفسها بالطوال ؛ فذلك ممنوع منه ، فإنَّه من باب تغيير خلق الله كما تقدَّم . وأما اتخاذها خاتم الذهب : فجائز للنساء على ما ذكرناه . وأما اتخاذها المسك : فمباح لها في بيتها ، ويلحق بالمندوب إذا قصدت به حسن التبعل للزوج . وأما إذا خرجت : فإن قصدت أن يجد الرِّجال ريحها ؛ فهي زانية ؛ كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم ومعناه : أنها بمنزلة الزانية في الإثم . وأما إذا لم تقصد ذلك : فلا تسلم من الإثم ؛ كيف لا وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا شهدت إحداكُنَّ المسجد فلا تمس طيبًا ) وقال : ( ليخرجن وهنَّ تفلات ) أي : غير متطيِّبات . وكل ذلك هو شرعنا . وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل ، أو لا ؟ كل ذلك محتمل . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أطيب الطيب المسك ) دليلٌ واضحٌ على طهارة المسك ، وإن كان أصله دمًا ، لكنه قد استحال إلى صلاح في مقرِّه العادي ، فصار كاللَّبن . قال القاضي عياض : قد وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله . وما حكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر بن عبد العزيز من الخلاف في ذلك لا يصحُّ ، فإن المعروف من السَّلف إجماعهم على جواز استعماله ، واقتداؤهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك .
( 29 ) باب النهي عن أن يقول سيد : عبدي وأمتي ، أو غلام : ربي أو ربك ( 2249 ) - [2118] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : غُلَامِي وَجَارِيَتِي ، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي . ( 2249 ) ( 14 و 15 ) - [2119] وعنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقُولن أَحَدُكُمْ : اسْقِ رَبَّكَ ، أَطْعِمْ رَبَّكَ ، وَضِّئْ رَبَّكَ ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ : رَبِّي ، وَلْيَقُلْ : سَيِّدِي ومَوْلَايَ ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ : عَبْدِي ، أَمَتِي ، وَلْيَقُلْ : فَتَايَ ، فَتَاتِي ، غُلَامِي . وفي رواية : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي ، فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : فَتَايَ ، وَلَا يَقُلْ الْعَبْدُ : رَبِّي ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : سَيِّدِي . و ( قوله : ولا يقل أحدُكم : ربِّي ، وليقل : سيِّدي ومولاي ) هذا اللفظُ متفقٌ عليه عند أكثر الرواة . وفي الأمِّ من رواية أبي سعيدٍ الأشجِّ ، وأبي معاوية عن الأعمش مرفوعًا : ( ولا يقل العبدُ لسيِّده : مولاي ) وانفرد أبو معاوية ؛ فزاد : ( وإن الله مولاكم ) وقد رواه عن الأعمش جرير ، ولم يذكر ذلك . وقد روي من طرق متعددة مشهورة ، وليس ذلك مذكورًا فيها ، بل : اللفظ الأول ؛ فظهر بهذا : أن اللفظ الأول أرجح . وإنما صرنا للترجيح للتعارض بين الحديثين ، فإنَّ الأول يقتضي إباحة قول العبد : مولاي . والثاني يقتضي منعه من ذلك ، والجمع متعذر ، والعلم بالتاريخ مفقود ، فلم يَبْقَ إلا الترجيح ؛ كما ذكرناه ، والله تعالى أعلم . وأمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول : غلامي ، وفتاي ، وفتاتي ، وجاريتي : إنَّما كان لأن هذه الألفاظ تنطلق على الحر والعبد ، وليس فيها من معنى الملك ، ولا من التعاظم شيء مما في : عبدي ، وأمتي . وأصل الفتوة : الشباب ، وهو من الفتاء - بالمد - ثم قد استعمل الفتى فيمن كملت فضائله ، ومكارمه ، كما قالوا : لا فتًى إلا علي . ومن هذا أخذ الصُّوفيَّة الفتوة المتعارفة بينهم . وأصل الغلوميَّة في بني آدم ، وهي للصغير ، فينطلق على الصغير اسم غلام من حين يولد إلى أن يبلغ ، فينقطع عنه ذلك الاسم ، وكذلك : الجارية في النِّساء . تنبيه : إذا أطلق ( ربّ ) على غير الله تعالى فإنما يطلق مضافًا ، فيقال : ربُّ الدَّار ، وربُّ الفرس . ولا يطلق وفيه الألف واللام إلا إذا أريد به الله تعالى ، قاله الجوهري ، وغيره . و ( قوله : ولا يقل العبد : ربِّي ، وليقل : سيِّدي ) إنما فرَّق بينهما : لأن الربَّ من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق . واختلف في السَّيِّد ؛ هل هو من أسماء الله تعالى أم لا ؟ فإذا قلنا : ليس من أسمائه فالفرق واضح ؛ إذ لا التباس ، ولا إشكال يلزم من إطلاقه ، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ . وإذا قلنا : إنه من أسمائه ؛ فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ : الربِّ ؛ فيحصل الفرق بذلك . وأما من حيث اللغة : فالربُّ مأخوذٌ مما ذكرناه ، والسَّيِّد من السؤدد ، وهو التقدُّم . يقال : ساد قومه : إذا تقدَّمهم ، ولا شكَّ في تقدُّم السَّيِّد على غلامه ، فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق ، ويجري مجرى ما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقل أحدكم : خبثت نفسي ، وليقل : لقِسَتْ ) قال أبو عبيد : معنى لقست وخبثت واحد ، لكن كره لفظ الخبث ، وشناعة اللفظ ، وعلَّمهم الأدب في المنطق . وقال الأصمعي : لقست نفسي ؛ أي : غثت . وقال ابن الأعرابي : ضاقت . ولا يعترض هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فأصبح خبيث النفس كسلان ) لأنَّ محل النهي أن يضيف المتكلم الخبث إلى نفسه ، لا أن يتكلم بالخبث مطلقًا ، فإذا أخبر به عن غير معيَّن جاز ، ولا سيما في معرض التحذير والذم للكسل والتثاقل عن الطاعات ، كما قد جاء في هذا الحديث . ومن أوضح ما في هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سُئل عن العقيقة فقال : ( لا أحبُّ العقوق ، ولكن : إذا أحبَّ أحدكم أن ينسك عن ولده بشاةٍ فليفعل ) فكره اسم العقوق . قلت : ومقصود الشرع الإرشاد إلى تعرُّف مواقع الألفاظ ، واستعمال الأولى منها والأحسن ما أمكن من غير إيجاب ذلك ، واجتناب المشترك من الألفاظ ، وما يستكره منها ، وما لا تواضع فيه ، كعبدي وأمتي ، من غير تحريم ذلك ، ولا تحريجه . والله تعالى أعلم .
( 8 ) باب كراهية أن يقول : أنا ، عند الاستئذان ، والنهي عن الاطلاع في البيت وحكم المطلع إن فقئت عينه ( 2155 ) ( 39 ) - [2063] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا ، أَنَا . كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ . ( 8 ) ومن باب كراهية أن يقول : أنا . عند الاستئذان قول جابر - رضي الله عنه - : استأذنت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( من ؟ ) دليلٌ على جواز الاستئذان من غير ذكر اسم المستأذن ، إلا أن الأحسن أن يذكر اسمه كما تقدَّم في حديث أبي موسى ، ولأن في ذكر اسمه إسقاط كلفة السؤال والجواب . وكراهة النبي - صلى الله عليه وسلم - قول جابر في جوابه : أنا ، أنا . يحتمل أن يكون لذلك المعنى . ويحتمل : أن يكون ، لأن ( أنا ) لا يحصل بها تعريف ، وهو الأولى . وقيل : إنما كره ذلك لأنَّه دق عليه الباب على ما روي في غير كتاب مسلم ، وفي هذا التأويل بُعد ؛ لأنَّه إنما فهمت الكراهة عنه من قوله : ( أنا ، أنا ) ولم يذكر الدَّق ، ولا نبَّهه عليه ، فكيف يعدل عما نطق به وكرَّره مُنكِرًا له ، ويصار إلى ما لم يجر له ذكر ؟ !
( 2158 ) ( 44 ) - [2067] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ . و ( قوله : لو أن رجلا اطَّلع عليك بغير إذنٍ ، وفقأت عينه ما كان عليك من حرج ) ظاهر قوي في الذي قرَّرناه ، ويفيد أيضًا أن هذا الحكم جارٍ فيمن اطَّلع على عورة الإنسان ، وإن لم يكن من باب . فإنَّ قوله : اطَّلع عليك ، يتناول كل مطلع كيفما كان ، ومن أي جهة كان . بل : يتعيَّن أن يقال : إن الشرع إذا علَّق هذا الحكم على الاطلاع في البيت ؛ لأنه مظنة الاطلاع على العورة ، فلأن يعلق على نفس الاطلاع على العورة أحرى ، وأولى ، وهذا نظر راجح ، غير أن أصحابنا حكوا الإجماع على أن من اطلع على عورة رجل بغير إذنه ، ففقأ عينه : أنه لا يسقط عنه الضمان ، كما ذكرناه . فإن صح هذا الإجماع ، فهو واجب الاتباع . وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف .
( 2158 ) ( 43 ) - [2066] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤوا عَيْنَهُ . و ( قوله : فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه ) نصٌّ في الإباحة والتحليل ، وعلى هذا : فلا يلزم ضمان ، ولا دية إذا وقع ذلك . ولا يستبعد هذا من الشرع ، فإنه عقوبة على جناية سابقة ، غير أن هذا خرج مخرج التعزيرات ، لا مخرج الحدود ، ألا ترى قوله : ( فقد حل ) ولم يقل : فقد وجب . وإنما مقصود هذا الحديث إسقاط القود ، والمؤاخذة بذلك إن وقع ذلك .
( 2156 ) ( 40 و 41 ) - [2064] وعن سَهْل بْنَ سَعْدٍ الساعدِيَّ : أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ ، إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ . ( 2157 ) - [2065] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ . و ( قوله : إن رجلًا اطَّلع من جحرٍ في باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) هذا الفعل يحرم قطعًا ، وخصوصًا في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعظيم حرمته ، وحرمة أزواجه ، لا جرم علق على هذا الفعل من العقوبة جواز الطعن في عين الناظر ، كما ظهر من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن فعله ، وقد تقدَّم الكلام على هذا وذكر الخلاف فيه في كتاب القصاص . غريب : ( الجحر ) : واحد الجحرة . وهي : مكامنُ الوحش ، ولما كانت نقبًا في الأرض سُمي بذلك النقب في الباب ، وفي الحائط ، وغير ذلك . و ( الْمِدرى ) : بالدال المهملة : واحد المداري . قال ثابت : هي الأمشاط ، وفي هذا التفسير تسامح ، وأوضح منه وأصح ، قول النضر بن شميل ، وابن كيسان : أنَّه عود ، أو عاج تنشر به المرأة شعرها وتجعده . قال امرؤ القيس : غَدائِرُه مُسْتَشْزِرات إلى العُلا تظل الْمَدَاري في مُثَنًّى ومرسل ومؤنثه : مدراة ، وقد عبر عنه في الرواية الأخرى : بمشقص ، وبمشاقص ، وقد قلنا : إن المشقص نصلٌ عريض . وقيل : هو السِّكين . فيحتمل أن يكون هذا المدرى من حديد ، وكما يعمل من عاج ، وعود ، يجوز أن يعمل من حديد ، أو يكون شبَّهه بالسِّكين . و ( يختله ) : يراوغه ، ويخادعه . و ( فخذفته ) بالخاء المعجمة : هي الرواية الصحيحة ، ومن رواها بالحاء المهملة فقد أخطأ ؛ فإنَّ الخذف بالخاء : بالحجر ، والحذف بالمهملة بالعصا . و ( الجناح ) : الإثم ، والمؤاخدة ، ونحوه : الحرج ، وأصله من الضيق ، ومنه قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا بكسر الراء ، وقُرِئت بالفتح : ( كالغرِد والغرَد ) والدَّنِف والدَّنَف . و ( قوله : إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) دليل على صحة التعليل القياسي . فهو حجَّة الجمهور على نُفاة القياس . و ( قوله : يرجل به رأسه ) دليل على استحباب إصلاح الشعر ، وإكرامه ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من كانت له جُمَّةٌ فليكرمها ) ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرج إلى الترفه والسرف المنهي عنه بقوله - صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - حيث قال : ( نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كثير من الإرفاه ، وأمرنا أن نحتفي أحيانًا ) . و ( التَّرجُّل ) : مشط الشعر وتكسيره . قلت : يمكن أن يُحمل حديث سهل وأنس على أن الذي همَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من طعن المطلع على الخصوص ببيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لعظيم حرمته ، وحرمة أهل بيته ، غير أن حديث أبي هريرة يقتضي إباحة ذلك الطعن عامة في بيته ، وبيت غيره ، فإنَّه قال فيه : ( من اطَّلع في بيتٍ قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه ) فإذًا هذا الحكم ليس مخصوصًا به .
( 28 ) باب النهي عن تسمية العنب كرما ( 2247 ) ( 8 و 10 ) - [2115] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ ، فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ . وفي رواية : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ ، إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ . ( 2247 ) ( 7 و 9 ) - [2116] وعنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ الْكَرْمُ ، فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ . وفي رواية : لا تقولوا : كرم . ( 2248 ) ( 11 و 12 ) - [2117] وعن عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقُولُوا الْكَرْمُ ، وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبُ وَالْحَبْلَةُ . ( 28 و 29 ) ومن باب النهي عن تسمية العنب بالكرم قوله : ( لا تسمُّوا العنب بالكرم ، فإن الكرم الرجل المسلم ) إنما سَمَّت العرب العنب بالكرم ، لكثرة حمله ، وسهولة قطافه ، وكثرة منافعه . وأصل الكرم : الكثرة . والكريم من الرجال هو : الكثير العطاء والنفع . يقال : رجل كريم ، وكرام لمن كان كذلك . وكرام ؛ لمن كثر منه ذلك ، وهي للمبالغة . ويقال أيضًا : رجل كرم - بفتح الرَّاء وامرأة كرم ، ورجال كرم ، ونساء كرم ، وصفٌ بالمصدر على حدِّ : عدل ، وزور ، وفطر . وإنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تسمية العنب بالكرم ؛ لأنَّه لما حُرِّم الخمر عليهم ، وكانت طباعهم تحثهم على الكرم كره صلى الله عليه وسلم أن يُسمَّى هذا المحرَّم باسم يهيج طباعهم إليه عند ذكره ، فيكون ذلك كالمحرِّك على الوقوع في المحرَّمات ، قاله أبو عبد الله المازري . قلت : وفيه نظر ؛ لأن محل النَّهي إنَّما هو تسمية العنب بالكرم ، وليست العنبة محرَّمة ، وإنما المحرَّمة الخمر ، ولم يُسمَّ الخمر عنبًا حتى ينهى عنه ، وإنَّما العنب هو الذي سُمي خمرًا باسم ما يؤول إليه من الخمرية ، كما قال تعالى : إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وقول أبي عبد الله : كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُسمَّى هذا المحرَّم باسم يهيج الطباع إليه ؛ ليس بصحيح ؛ لأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عن تسمية المحرَّم الذي هو الخمر بالعنب في هذا الحديث ، بل عن تسمية العنب بالكرم ، فتأمله . وإنما محمل الحديث عندي محمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس المسكين بالطَّواف عليكم ) و ( ليس الشديد بالصُّرعة ، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) أي : الأحق باسم الكرم المسلم ، أو قلب المسلم ، وذلك لما حواه من العلوم ، والفضائل ، والأعمال الصالحات ، والمنافع العامة . فهو أحق باسم الكريم والكرم من العنب . و ( قوله : لا تسمُّوا ) على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء ، فإنها في كتاب الله العشاء ، وإنَّها تُعتِم بحلاب الإبل ) قال : ( وتقول الأعراب : هي العتمة ) فمعنى هذا - والله أعلم - : أن تسمية هذه الصلاة بالعشاء أولى من تسميتها بالعتمة ، لا أن إطلاق اسم العتمة عليها ممنوع ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أطلق عليها اسم العتمة لما قال : ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا ) . قلت : ويجري هذا المجرى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقولن أحدكم : عبدي وأمتي ، فكلكم عبيد الله ، وكلُّ نسائكم إماء الله ، ولكن ليقل : غلامي وجاريتي ، وفتاي وفتاتي . ولا يقولنَّ أحدكم : اسق ربَّك ، أطعم ربَّك ، وضئ ربّك ، ولا يقل أحدكم : ربِّي ، وليقل سيدي ومولاي ) فإنَّ هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى ؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرَّم . ألا ترى قول يوسف - عليه السلام - : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ و ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ و إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أن تلد الأمة ربَّها وربَّتها ) ؟ ! فكان محل النهي في هذا الباب ألا تُتَّخذ هذه الأسماء عادة ، فيترك الأولى والأحسن . قال ابن شعبان في " الزاهي " : لا يقل السَّيد : عبدي ، ولا : أمتي ، ولا يقل المملوك : ربِّي ، ولا ربَّتي . قال القاضي عياض : ولم ينه عنه نهي وجوبٍ وحظرٍ ، بل : نهي أدبٍ وحضٍّ . ثم خاطبهم أحيانًا بما فهم عنهم من صحة استعمالهم له في لغتهم ، وعلى غير الوجه المذموم . وقد تقدَّم : أنه يقال على المالك والسَّيد : ربٌّ . وأن أصله من : ربَّ الشيءَ والولد ، يربُّه ، وربَّاه ، يُرَبِّيه : إذا قام عليه بما يُصلحه ، وُيكمِّله . فهو : ربٌّ ، ورابٌّ . ولما كان ابتداءُ التربية ، وكمالها من الله تعالى بالحقيقة ، لا من غيره : كان الأولى بالإنسان ألا ينسب تربية نفسه إلا إلى مَن إليه الربوبية الحقيقية ، وهو الله تعالى ، فإنْ فَعَل ذلك ؛ كان متجوِّزًا في اللفظ ، مخالفًا للأولى ، كما تقدَّم .
( 27 ) باب النهي عن سب الدهر ( 2246 ) ( 3 ) - [2113] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا . ( 2246 ) ( 2 و 5 ) - [2114] وعنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . وفي رواية مرفوعا : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . ( 27 ) ومن باب النَّهي عن سبِّ الدَّهر قول أبي هريرة - رضي الله عنه - : ( قال الله تبارك وتعالى : يؤذيني ابن آدم ) الحديث ؛ جاء هذا الحديث في هذه الرواية موقوفًا على أبي هريرة لم يذكر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم غير أنه مِمَّا يعلم : أنه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطعًا ؛ لأنَّ مضمونه حكاية عن الله تعالى ، ولا يعرفها أبو هريرة إلا من جهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقد روي معناه مسندًا مرفوعًا من طريق آخر ، غير أن مساق هذا الحديث أكمل ، فلذلك اخترناه . وقوله تعالى : ( يؤذيني ابن آدم ) أي : يخاطبني من القول بما يتأذى به من يصحُّ في حقه التأذي ، لا أن الله تعالى يتأذى ؛ لأنَّ التأذي ضرر وألم ، والله تعالى منزه عن ذلك ، وهذا يجري مجرى ما جاء من محاربة الله ومخادعته . وهذه كلها توسعات يفهم منها : أن من يعامل الله تعالى بتلك المعاملات تعرَّض لعقاب الله تعالى ، ولمؤاخذته الشديدة . فليحذر ذلك . ويراد بابن آدم هنا : أهل الجاهلية ، ومن جرى مجراهم ؛ ممن يُطْلِقُ هذا اللفظ ، ولا يتحرز منه ، فإنَّ الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدَّهر ، فيذمُّونه ، ويُسفِّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم ، ويمدحونه إذا حصلت لهم . وأكثر ما يُوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء . ولا شكَّ في كفر من نسبَ تلك الأفعال أو شيئًا منها للدَّهر حقيقة ، واعتقد ذلك . وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك : فليس بكافر ، ولكنه قد تشبَّه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق ، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه . فَلْيتُب ، وليستغفر الله تعالى . والدَّهر ، والزمان ، والأبد : كلها بمعنى واحد ، وهو راجع إلى حركات الفلك ، وهي الليل والنهار . و ( قوله : لا يقولن أحدكم : يا خيبة الدَّهر ) ليس هذا النَّهي مقصورًا على هذا اللفظ ، بل يلحق به كل ما في معناه من قولهم : خَرُفَ الفلكُ ، وانعكس الدَّهر ، وتَعِسَ ، وما في معنى ذلك . و ( قوله : فإني أنا الدَّهر ) الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع الدَّهر ؛ على أنه خبر ( إن ) إن جعلنا ( أنا ) فصلًا . وإن جعلناها مبتدأ ؛ فهو خبره . وقد قيدها بعض الناس ( الدَّهر ) بالنصب ؛ على أن تكون ظرفًا يعمل فيه ( أُقَلِّبُ ) فكأنه قال : أنا طولَ الدَّهر أُقلِّب الليل والنهار ، ويكون ( أُقلِّب ) هو الخبر ، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال : إن الدَّهر من أسماء الله تعالى ، وهذا عدول عمَّا صحَّ إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح ، فإنَّ الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم ، ولم يرو الفتح من يُعتمد عليه ، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدَّهر من أسماء الله تعالى ؛ لأن أسماء الله تعالى لا بدَّ فيها من التوقيف عليها ، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار ، فيخبر به ، وينادى به ، كما اتَّفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور ، والشكور ، والعليم ، والحليم ، وغير ذلك من أسمائه ، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها ، تارة يخبر بها ، وأخرى يخبر عنها ، وأخرى يُدعى ويُنادى بها ، ولم يوجد للدَّهر شيء من ذلك ، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى . ثمَّ لو سُلِّم أن النصب يصح في ذلك اللفظ على ذلك الوجه ، فلا يصح شيء من ذلك في الرِّواية التي قال فيها : ( لا تسبُّوا الدَّهر ، فإنَّ الله هو الدَّهر ) ولم يذكر : ( أقلِّب الليل والنهار ) ؟ ولا يصح أن يقال : إن هذه الرواية مطلقة ، والأولى مقيدة ؛ لأنَّا إن صرنا إلى ذلك لزم نصب ( الدَّهر ) بعامل محذوف ليس في الكلام ما يدلّ عليه ، ولزم حذف الخبر ، ولا دليل عليه . وكل ذلك باطل من اللسان قطعًا ، وإذا ثبت ذلك ، فاعلم : أنه لما كان اعتقاد الجاهلية : أن الدَّهر هو الذي يفعل الأفعال ، ويذمُّونه إذا لم تحصل أغراضهم : أعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن الله يفعل كل شيء ، فإذا سبُّوا الدَّهر من حيث : إنه الفاعل ، ولا فاعل إلا الله ، فكأنَّهم سبُّوا الله تعالى ، فلذلك قال الله تعالى : ( يسبُّ ابن آدم الدَّهر وأنا الدَّهر ) أي : أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدَّهر ، لا الدَّهر ، فإنَّه ليل ونهار ، وأنا أقلبهما ؛ أي : أتصرف فيهما بالإطالة ، والإقصار ، والإضاءة ، والإظلام . وفيه تنبيه : على أن ما يُفعل ويُتصرَّف فيه لا يصلح لأن يفعل . وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه الحكماء بقولهم : ما له طبيعة عدميَّة يستحيل أن يفعل فعلًا حقيقيًّا . والله تعالى أعلم .
( 26 ) باب في كل ذي كبد أجر ( 2244 ) - [2111] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَغَفَرَ لَهُ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا ؟ فَقَالَ : فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ . ( 2245 ) ( 154 و 155 ) - [2112] وعَنه ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا - وفي رواية : من بني إسرائيل - رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا . وفي رواية : فَاسْتَقَتْ لَهُ ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ . ( 26 ) ومن باب في كل ذي كبد رطبة أجر قوله : ( يلهث ) أي : يخرج لسانه من شدَّة العطش والتَّعب ، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بإخراج لسانه . ويقال : لهث - بفتح الهاء وكسرها - فأما المستقبل : فبالفتح لا غير ، والاسم : اللَّهث ، واللُّهاث - بضم اللام - ذكره الخليل . وقال الجوهري : اللَّهَثَان - بالتحريك - : العطش ، وبالتسكين العطشان ، والمرأة : لهثى ، وقد لهثت لهثًا ، ولهاثًا ، مثل : سمع ، سماعًا . واللُّهاث - بالضم - : حرُّ العطش . قال : ولهث الكلب - بالفتح - يلهث ، لهثًا ، ولُهاثًا - بالضم - إذا أخرج لسانه من التَّعب والعطش . فأما : أدلع لسانه : فاللغة الفصيحة فيه : دلع - ثلاثيًّا يقال : دلع الرُّجل لسانه فاندلع ؛ أي : أخرجه فخرج . ودلع لسانه ؛ أي : خرج ؛ يتعدَّى ، ولا يتعدَّى . والأول حكاه ابن الأعرابي . و ( البغي ) : الزانية . و ( قوله : فشكر الله له فغفر له ) أي : أظهر ما جازاه به عند ملائكته ، وأثنى عليه عندهم . وقد قدَّمنا : أن أصل الشكر : الظهور ؛ كما قالوا : دابة شكور : إذا ظهر عليها من السِّمن أكثر مما تأكله من العلف . و ( قوله : فنزعت له بموقها ) أي : سقت له بيدها . يقال : نزعت بالدَّلو ، ونزعت الدَّلو . والنزوع - بفتح النون - هي : البئر التي يستقى منها باليد . وقد روي هذا الحرف : ( فنزعت موقها ، فاستقت به ) أي : خلعته من رجلها . و ( قوله : في كل كبد رطبة أجر ) أي : حيَّة ؛ يعني بها : رطوبة الحياة . وفي رواية أخرى : ( في كل كبدٍ حرَّى ) يعني بها : حرارة الحياة ، أو حرارة العطش . وفي هذه الأحاديث ما يدلّ : على أن الإحسان إلى الحيوان ، والرفق به تُغْفَرُ به الذنوب ، وتُعظم به الأجور . ولا يناقض هذا : أنَّا قد أمرنا بقتل بعضها ، أو أبيح لنا ، فإنَّ ذلك إنَّما شرع لمصلحة راجحة على قتله ، ومع ذلك : فقد أمرنا بإحسان القتلة ، والرفق بالذبيحة .
( 25 ) باب فيمن حبس الهر ( 2242 ) - [2110] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هو ابن عمر - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا ، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ . و ( قوله : عُذِّبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النَّار ) هذا نصٌّ في أن هذه المرأة إنما عُذِّبت في النار بسبب قتل هذه الهرة بالحبس ، وترك الطعام . وهذه المرأة التي تقدَّم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآها في النَّار ، وهي امرأة طويلة من بني إسرائيل ، وهل كانت كافرة ، أو لا ؟ كلُّ ذلك محتمل ، فإنَّ كانت كافرة ؛ ففيه دليل : على أن الكفار مخاطبون بالفروع ، ومعاقبون على تركها . وإن لم تكن كافرة فقد تمحض : أن سبب تعذيبها في النار حبس الهرة إلى أن ماتت جوعًا . ففيه من الفقه : أن الهرَّ لا يُتَمَلَّك ، وأنه لا يجب إطعامه إلا على من حبسه . و ( الْخَشاش ) : الهوام ، وصغار الطير . وقرأناه بفتح الخاء . وقال عياض : هو بالفتح . وقال الجوهري : الخِشاش - بالكسر- : الحشرات . وقد تفتح . قال أبو عمر : ورجل خَشاش - بالفتح - وهو : الماضي من الرِّجال ، وقد يضم ، فأمَّا : الخِشاش الذي يدخل في أنف البعير فبالكسر لا غير ، وهو من خشب ، والبُرَة : من صُفر ، والخرامة : من شعر . قاله الجوهري .
( 2160 ) - [2069] وعن أَبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يُسلِّم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ) قد تقدَّم الأمر بالسلام ، وبإفشائه في كتاب الإيمان ، ولا خلاف بين العلماء في أن الابتداء بالسلام سُنَّة ، وأن الرد واجب ، قاله أبو محمد عبد الوهاب . وقال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء : على أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ فريضة . غير أن أبا عبد الله المازري قال : الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ واجب في المشهور ؛ فإذا ردَّ واحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم ، ثمَّ إن الناس في الابتداء بالسَّلام إما أن تتساوى أحوالهم ، أو تتفاوت . فإن تساوت فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام : كالماشي على الماشي ، والراكب على الراكب ، غير أن الأولى مبادرة ذوي المراتب الدينية ، كأهل العلم ، والفضل احترامًا لهم ، وتوقيرًا ، وأما ذوي المراتب الدنيوية المحضة فإنَّ سلَّموا يردَّ عليهم ، وإن ظهر عليهم إعجاب ، أو كبر فلا يُسلَّم عليهم ؛ لأنَّ ذلك معونة لهم على المعصية ، وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يُبدؤوا بالسَّلام ، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم ؛ لأنَّ ذلك يدلّ على تواضعهم ، وإن تفاوتت فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث ، فيبدأ الراكب بالسَّلام على الماشي لعلوِّ مرتبته ؛ لأنَّ ذلك أبعد له من الزهو . وأمَّا الماشي : فقد قيل فيه مثل ذلك ، وفيه بُعد ؛ إذ الماشي لا يزهى بمشيه غالبًا . وقيل : هو معلل : بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي ؛ فإذا بدأه بالسَّلام أمن من ذلك ، وهذا أيضًا بعيد ؛ إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد ، فقد يخاف الماشي من القاعد ، وأشبه من هذا أن يقال : إن القاعد على حال وقار وثبوت وسكون ، فله مزيَّة على الماشي بذلك ؛ لأنَّ حاله على العكس من ذلك . وأما ابتداء القليل بالسَّلام على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم . وقد زاد البخاري في هذا الحديث : ( ويسلم الصغير على الكبير ) وهذه المعاني التي تكلَّف العلماء إبرازها هي حكم تناسب المصالح المحسِّنة والمكمِّلة ، ولا نقول : إنها نصبت نصب العلل الواجبة الاعتبار ، حتى لا يجوز أن يعدل عنها ، فنقول : إن ابتداء القاعد للماشي غير جائز ، وكذلك ابتداء الماشي الراكب ، بل يجوز ذلك ؛ لأنَّه مُظهر للسَّلام ، ومفشٍ له كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( أفشوا السَّلام بينكم ) ، وبقوله : ( إذا لقيت أخاك فسلم عليه ) وإذا تقرر هذا فكل واحد من الماشي والقاعد مأمور بأن يسلِّم على أخيه إذا لقيه ، غير أن مراعاة تلك المراتب أولى ، والله أعلم . ثم هذا السَّلام المأمور به ، وهو أن يقول : السَّلام عليكم ، أو : سلامٌ عليكم ؛ إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسنة . والسلام في الأصل بمعنى : السلامة ، كاللذاذ واللذاذة ، كما قال تعالى : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ أي : فسلامةٌ ؛ فعلى هذا يكون معنى قول المسلم ( سلام عليك ) أي : سلامةٌ لك مني وأمان ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( السلام أمان لذمتنا ، وتحيَّة لملتنا ) والسَّلام أيضًا : اسم من أسماء الله تعالى ، كما قال تعالى : السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ ومعناه في حق الله تعالى : أنه المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه . وعلى هذا : فيكون معنى قول المسلم : السلام عليك ؛ أي : الله مطلع عليك ، وناظر إليك ، فكأنَّه يذكره باطلاع الله تعالى ، ويخوفه به ليأمن منه ، ويُسلِّمُه من شرِّه ، فإذا دخلت الألف واللام على المعنى الأول كان معناه : السلامة كلها لك مني ، وإذا أدخلت على اسم الله تعالى : كانت تفخيمًا وتعظيمًا ؛ أي : الله العظيم السليم من النقائص ، والآفات ، المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات . ويقال في السَّلام : سِلْمٌ - بكسر السين - قال الشاعر : وقفنا فقُلنا إيهِ سِلْمًا فسلَّمَت كما انْكَلَّ بالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوائِحُ ولا يقل المبتدئ : عليك السَّلام ، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فيما رواه النِّسائي ، وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : عليك السَّلام ، يا رسول الله ! فقال : ( عليك السلام تحية الميت ، السلام عليك - ثلاثا - ) أي : هكذا فقل . و ( قوله : عليك السَّلام تحيَّة الْمَيِّت ) يعني أنه الأكثر في عادة الشعراء ، كما قال : عليك سلام الله قيسُ بن عاصمٍ ورَحْمَتُه ما شاء أن يَتَرحَّما لا أن ذلك اللفظ هو المشروع في حق الموتى ؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد سلَّم على الموتى ، كما سلَّم على الأحياء ، فقال : ( السَّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ) ويتأكد تقديم لفظ السَّلام إذا تنزلنا على أن اسم السَّلام من أسماء الله تعالى ، فإنَّ أسماءه تعالى أحقُّ بالتقديم . وأما الرادُّ : فالواجب عليه أن يردَّ ما سمعه ، والمندوب أن يزيد إن بقَّى له المبتدئ ما يزيد ، فلو انتهى المبتدئ بالسلام إلى غايته ؛ التي هي : السَّلام عليك ورحمة الله وبركاته ؛ لم يزد الرادُّ على ذلك شيئًا ؛ لأنَّ السلام انتهى إلى البركة ، كما قال عبد الله بن عباس . وقد أنكر عبد الله بن عمر على من زاد على ذلك شيئًا ، وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا أي : يحاسب على الأقوال كما يحاسب على الأفعال .
( 9 ) باب نظرة الفجأة ، وتسليم الراكب على الماشي ، وحق الطريق ( 2159 ) ( 45 ) - [2068] عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرة الْفُجَاءَةِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي . ( 9 و 10 ) ومن باب : نظر الفجأة وتسليم الراكب على الماشي قوله : ( سألته عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري ) الفجاءة : بضم الفاء والمدِّ والهمز : مصدر فجأني الأمر يفجؤني فُجاءَة : إذا صادفك بغتة من غير قصد . ومنه : قَطَرِي بن الفجاءة ؛ اسم رجل . ويقال : فاجأني ، يفاجئني ، مفاجأةً ، وفجاء . وإنما أمره أن يصرف بصره عن استدامة النظر إلى ما وقع عينه عليه أول مرة ؛ وإنما لم يتعرض لذكر الأولى ؛ لأنَّها لا تدخل تحت خطاب تكليف ؛ إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودًا ، فلا تكون مكتسبة ، فلا يكون مكلفًا بها ، فأعرض عما ليس مكلَّفًا به ، ونهاه عما يُكلَّف به ؛ لأنَّ استدامة النظر مكتسبة للإنسان ؛ إذ قد يستحسن ما وافقه بصره ، فيتابع النظر ، فيحصل المحذور - وهو النظر إلى ما لا يحل ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : ( لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى ، وليست لك الثانية ) .
( 2161 ) - [2070] وعن أبي طَلْحَةَ قال : كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ . فَقُلْنَا : إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ ، فقَالَ : إِمَّا لَا ، فَأَدُّوا حَقَّهَا : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ . ( 2121 ) ( 3 ) - [2071] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا . فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ . قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ . و ( قوله : ما لكم ولمجالس الصُّعدات ، اجتنبوا مجالس الصُّعدات ) الصُّعدات : جمع صعيد ، وهو الطريق مطلقًا . وقيل : الطريق الذي لا نبات فيه ؛ مأخوذ من الصعيد ، وهو : التراب على قول الفرَّاء ، أو وجه الأرض على قول ثعلب . ويجمع : صُعُدا ، وصعدات ، كطرق وطرقات . وقد جاء الصعيد في الرواية الأخرى مفسَّرًا بالطريق . وهذا الحديث إنكارٌ للجلوس على الطرقات ، وزجرٌ عنه ، لكن محمله على ما إذا لم ترهق إلى ذلك حاجة ، كما قالوا : ما لنا من ذلك بُدٌّ ؛ نتحدَّث فيها . لكن العلماء فهموا : أن ذلك المنع ليس على جهة التحريم ، وإنَّما هو من باب سدِّ الذرائع ، والإرشاد إلى الأصلح ، ولذلك قالوا : إنما قعدنا لغير ما بأس ، قعدنا نتذاكر ونتحدَّث ؛ أي : نتذاكر العلم والدين ، ونتحدَّث بالمصالح والخير ، ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم ذلك ، وتحقَّق حاجتهم إليه ؛ أباح لهم ذلك ، ثم نبَّههم على ما يتعين عليهم في مجالسهم تلك من الأحكام . و ( قوله : إمَّا لا ) هي : ( إن ) الشرطية المكسورة زيدت عليها ( ما ) تأكيدًا للشرط ، و ( لا ) عبارة عن الامتناع والإباية ، فكأنَّه قال : إن كان ولا بُدَّ من إبايتكم ، ولا غنى لكم عن قعودكم فيها ؛ فأعطوا الطريق حقَّها . فلمَّا سمعوا لفظ الحق - وهو مجمل - سألوا عن تفصيله ، ففصَّله لهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( غضُّ البصر ، وكفُّ الأذى ، وردُّ السَّلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على طريق . ولما كان القعود على الطريق يُفضي إلى أن تتعلق به هذه الحقوق ، ولعلَّه لا يقوم ببعضها فيتعرَّض لذمِّ الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها ، وغلَّظ بالزجر المتقدِّم ، والإنكار ، فإن دعت إلى ذلك حاجة ، كالاجتماع في مصالح الجيران ، وقضاء حوائجهم ، وتفقد أمورهم ، إلى غير ذلك ، قعد على قدر حاجتهم ، فإن عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه . و ( كف الأذى ) يعني به : لا يؤذي بجلوسه أحدًا من جلسائه بإقامته من مجلسه ولا بالقعود فوقه ، ولا بالتضييق عليه ، ولا يجلس قبالة دار جاره ، فيتأذى بذلك . وقد يكون كفُّ الأذى : بأن يكف بعضهم عن بعض ، إلا أن هذا يدخل في قسم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فحمله على المعنى الأول أولى . و ( قوله : وحسن الكلام ) يريد أن من جلس على الطريق فقد تعرض لكلام الناس ، فليحسِّن لهم كلامه ، ويصلح شأنه .
( 24 ) باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها ( 2241 ) ( 148 - 150 ) - [2109] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ؟ وفي رواية : فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ؟ ( 24 و 25 ) ومن باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها قوله : ( إن نملة قَرَصَت نبيًّا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ) هذا النبي - عليه السلام - كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه ، ولذلك إنَّما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النَّمل ، لا في أصل الإحراق . ألا ترى قوله : ( فهلا نملة واحدة ؟ ! ) أي : هلا حرقت نملة واحدة ! وهذا بخلاف شرعنا ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن التعذيب بالنار ، وقال : ( لا يعذب بالنار إلا الله ) وكذلك أيضًا كان قتل النمل مباحًا في شريعة ذلك النبي ، فإنَّ الله لم يعتُبه على أصل قتل النمل . وأما شرعنا : فقد خرَّج أبو داود من حديث ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن قتل أربع من الدواب : النَّملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصُّرد . وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر ، ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل . وظاهر هذا الحديث : أن هذا النبي إنَّما عاتبه الله تعالى حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه ، وكان الأولى به الصبر ، والصفح ، لكن وقع للنبي أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم ، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق ، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التَّشفي الطبيعي لم يعاتب ، والله تعالى أعلم ، لكن : لما انضاف إليه التَّشفي الذي دلَّ عليه سياق الحديث عُوتب عليه . والذي يؤيد ما ذكرنا : التمسك بأصل عصمة الأنبياء ، وأنَّهم أعلمُ النَّاس بالله وبأحكامه ، وأشدُّهم له خشيةً . و ( قوله : أفي أنْ قرصتك نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تسبح ؟ ) مقتضى هذا : أنه تسبيحُ مقالٍ ونطق ، كما قد أخبر الله تعالى عن النَّمل : أنَّ لها منطقًا ، وفَهْمُه سليمان - عليه السلام - معجزة له . وقد أخبر الله تعالى عن النملة التي سمعها سليمان : أنها قالت : يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا فهذا كلُّه يدلُّ دَلالةً واضحة : أن للنَّمل نُطقًا وقولًا ، لكن لا يسمعه كل أحدٍ ، بل من شاء اللّه تعالى مِمَّن خرق له العادة من نبي ، أو ولي ، ولا ينكر هذا من حيث أنَّا لا نسمع ذلك ، فإنَّه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه . ثم : إن الإنسان يجدُ في نفسه قولًا وكلامًا ، ولا يُسمعُ منه إلا إذا نطق بلسانه . وقد خرق الله العادةَ لنَبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - فأسمعه كلام النفس من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم ، وأخبرهم بما في نفوسهم ، كما نقل منه أئمتنا الكثير في كتب معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم وكذلك : قد وقع لكثير مِمَّن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثلُ ذلك في غير ما قضيةٍ ، وإيَّاه عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( إن في أمَّتي محدَّثين ، وإنَّ عُمَرَ منهم ) .
( 2239 ) - [2107] وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِلْوَزَغِ الْفُوَيْسِقُ . قَالَتْ : وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ . وقول عائشة : ( إنَّه قال للوَزَغ : الفويسق ) إنما سمي بذلك لخروجه عن مواضعه ، أو عن جنس الحيوانات للضرر . وقيل : لأنَّها خرجت عن حكم الحيوانات المحترمة شرعًا . وقد تقدَّم : أن أصل الفسق في اللغة : الخروج مطلقًا ، وأنَّه اسم مذمومٌ في الشرع . وقولها : ( إنها لم تسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بقتله ) لا حجَّة فيه على نفي القتل ؛ إذ قد نقل الأمر بقتله أمُّ شريك وغيرها ، ومن نقل حجَّة على من لم ينقل .
( 2240 ) ( 146 و 147 ) - [2108] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً ، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الْأُولَى ، وَإِنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ . وفي رواية : مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ . وفي أخرى : أَنَّهُ قَالَ : فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً . و ( قوله : من قتل وزغة في أول ضربة ، فله كذا وكذا حسنة ) هذا عدد مبهمٌ فسَّرته الرواية الأخرى ؛ التي قال فيها : ( مائة حسنة ) أو ( سبعون ) ولم يقع تفسيرٌ للعدد الذي في الضربة الثانية ، ولا الثالثة ، غير أن الحاصل : أن قتلها في أوَّل ضربة فيه من الأجر أكثر مِمَّا في الثانية ، وما في الثانية أكثر مما في الثالثة . وقد قيل : إنما كان ذلك للحض على المبادرة لقتلها ، والجد فيه ، وترك التواني لئلا تفوت سليمة . قلت : ويظهر لي وجه آخر ، وهو : أن قتلها وإن كان مأمورًا به لا تعذب بكثرة الضرب عليها ، بل ينبغي أن يجهز عليها في أوَّل ضربة . ويشهد لهذا نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان ، و ( قوله : إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ) والله تعالى أعلم .
( 23 ) باب قتل الأوزاغ وكثرة ثوابه في أول ضربة ( 2237 ) ( 143 ) - [2105] عن أُمَّ شَرِيكٍ - إحدى نساء بني عامر بن لؤي - أَنَّهَا اسْتَأْمَرَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلِ الْوِزْغَانِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا . ( 2238 ) ( 144 ) - [2106] وعن سعد بن أبي وقاص : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ ، وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا . ( 23 ) ومن باب قتل الأوزاغ الوَزَغة : دُويبة مستخبثة مستكرهة ، وتُجمع : وزغ ، وأوزاغ ، ووزغان . وأَمْرُه - صلى الله عليه وسلم - بقتله لما يحصلَ منه من الضرر والأذى الذي هي عليه من الاستقذار المعتاد ، والنَّفرة المألوفة ؛ التي قد لازمت الطباع ، ولما يُتَّقى أن يكون فيها سُمٌّ ، أو شيء يضر متناولَه ، ولما روي : من أنها أعانت على وقود نار إبراهيم عليه السلام ؛ فإنَّها كانت تنفخ فيه ليشتعل ، وهذا من نوع ما روي في الحيَّة : أنَّها أدخلت إبليس إلى الجنَّة فعوقبت بأن أُهبطت مع من أُهبط ، وجُعلت العداوة بينها وبين بني آدم ، ويشهد لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما سالمناهنَّ مُذ عاديناهنَّ ) وهذا كله مذكور في كتب المفسِّرين .
( 15 ) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم ( 2176 ) - [2086] عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ ، إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ ، قَالَ : فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ ، فَآوَاهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا ، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ . ( 15 ) ومن باب : من رأى فُرْجَة في الحلقة جلس فيها قوله : ( إذ أقبل نفر ثلاثة ) يدلّ : على أن أقل ما يقال عليه نفر : ثلاثة ؛ إذ لا يقال : نفر اثنان ، ولا : نفر واحد . و ( قوله : أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ) الرواية الصحيحة بقصر الأول ، وهو ثلاثي غير مُتعد . ومد الثاني وهو متعد رباعي . وهو قول الأصمعي . وهي لغة القرآن . قال الله تعالى : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي : انضمُّوا ، ونزلوا . وقال في الثاني : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى أي : فضمَّك إليه . وقال أبو زيد : آويته أنا إيواءً ، وأويته : إذا أنزلته بك ، فَعَلْت وأفْعَلت بمعنًى . قلت : فأما أويت لِمَفَاقِره : فبالقصر لا غير . ومعنى ذلك : أن هذا الرجل لما انضم إلى الحلقة ونزل فيها ، جازاه الله تعالى على ذلك بأن ضمه إلى رحمته ، وأنزله في جنته وكرامته . ففيه : الحضُّ على مجالسة العلماء ، ومداخلتهم ، والكون معهم ؛ فإنَّهم القومُ الذين لا يشقى بهم جليسهم . وفيه : التحلق لسماع العلم في المسجد حول العالم ، والحضُّ على سدِّ خلل الحلقة ؛ لأنَّ القرب من العالم أولى ، لما يحصل من ذلك من حسن الاستماع ، والحفظ ، والحال في حلق الذكر كالحال في صفوف الصلاة . يُتَمُّ الصَّف الأول ، فإنَّ كان نقص ففي المؤخر . و ( الْحَلْقة ) بفتح الحاء وسكون اللام ، وكذلك حلقة الباب . والحلقة : الدروع ، والجمع : الحلق على غير قياس . وقال الأصمعي : الجمع حِلَق ، مثل : بَدْرَة وبِدَر ، وقَصْعة وقِصَع ، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء : حَلَقة - في الواحد بتحريك اللام - والجمع : حَلَق ، وحَلَقات . وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في الكلام حَلَقة - بتحريك اللام - إلا قولهم : هؤلاء قوم حَلَقة : جمع حالق للشعر . و ( قوله : وأما الآخر فاستحيا ، فاستحيا الله منه ) كأن هذا الثالث كان متمكِّنًا من المزاحمة ؛ إذ لو شرع فيها لفسح له ؛ لأنَّ التَّفسُّح في المجلس مأمورٌ به ، مندوبٌ إليه ، لكن منعه من ذلك الحياء فجلس خلف الصف الأول ، ففاتته فضيلة التقدُّم ، لكنه جازاه الله على إصغائه ، واستحيائه بأن لا يعذبه ، وبأن يكرمه . وقد تقدَّم الكلام في الحياء ، واستحياء الله تعالى ، وأن معناه في حقه تعالى : أنه يعامل عبيده بما يعامل به من يستحيي منه ؛ من المغفرة والكرامة ؛ كما قد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه ) . و ( قوله : وأما الآخر فأعرض ، فأعرض الله عنه ) إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم ، وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها . وإن كان مسلمًا ، وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره ، فإعراض الله تعالى عنه : منع ثوابه عنه ، وحرمانه مجالسة النبي - صلى الله عليه وسلم والاستفادة منه ، والخير الذي حصل لصاحبيه .
( 10 ) باب حق المسلم على المسلم ، والسلام على الغلمان ( 2162 ) ( 4 و 5 ) - [2072] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ . قِيلَ : مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ . وفي رواية: ( خمس ) ولم يذكر ( استنصحك ) . و ( قوله : حق المسلم على المسلم ست ) أي : الحقوق المشتركة بين المسلمين عند ملابسة بعضهم بعضا . والحق لغة ؛ هو : الثابت . ونقيضه هو : الباطل . والحق في الشريعة : يقال على الواجب وعلى المندوب المؤكد ، كما قال : ( الوتر حق ) لأن كل واحدٍ منهما ثابت في الشرع ، فإنَّه مطلوب مقصود قصدًا مؤكدًا ، غير أن إطلاقه على الواجب أوَّلُ ، وأولى . وقد أطلق في هذا الحديث الحق على القدر المشترك بين الواجب والندب ، فإنَّه جمع فيه بين واجبات ومندوبات ، وقد تقدَّم أن الابتداء بالسَّلام سنة . وأما إجابة الدعوة : فواجبة في الوليمة كما تقدَّم ، وفي غيرها مندوب إليها . وأما النَّصيحة : فواجبة عند الاستنصاح ، وفي غيره تفصيل على ما تقدَّم في كتاب الإيمان . وأما تشميت العاطس : فاختلف فيه على ما يأتي . وأما عيادة المريض : فمندوب إليها ، إلا أن يخاف ضياعه فيكون تفقده ، وتمريضه واجبًا على الكفاية . وقد تقدَّم الكلام على اتباع الجنائز .
( 2168 ) ( 14 ) - [2073] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ . وكونه - صلى الله عليه وسلم - يسلِّم على الصبيان ؛ إنما كان ليبيِّن مشروعية ذلك ، وليفشي السَّلام ، ولينالوا بركة تسليمه عليهم ، وليعلمهم كيفية التسليم وسنته ، فيألفوه ، ويتمرَّنوا عليه .
( 2236 ) ( 139 ) - [2103] وعن أبي السَّائِبِ - مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ - : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ قَالَ : فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي ، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ ، فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ : أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فقَالَ : كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ ، قَالَ : فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ لَهُ : اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ ، وَادْخُلْ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي ، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمْ الْفَتَى ، قَالَ : فَجِئْنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، وَقُلْنَا : ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ . وقول أبي سعيد : فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنصاف النهار ) إنَّما كان الفتى يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثالًا لقوله تعالى : وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ وكانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفر الخندق . وأنصاف : جمع نصف ، كحِمْل وأحمال ، وعِدل وأعدال . وكأن هذا الفتى كانت عادته أن يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل يوم من تلك الأيام في نصف النهار ، فيأذن له في الانصراف إلى أهله . والباء في : بأنصاف بمعنى : في ، كما تقول : جاء زيد بثيابه ؛ أي : فيها . و ( قوله : فأهوى إليها بالرُّمح ليطعنها ) أي : أماله إليها إرهابًا ومبالغة في الزَّجر . وحمله على ذلك فرط الغيرة ، وما كان بالذي يطعنها . وقولهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين مات الفتى : ( ادع الله أن يحييه لنا ) قول أخرجه منهم كثرة ما كانوا يشاهدون من إجابة دعواته وعموم بركاته ، ولما روى أئمتنا في كتبهم : أن رجلًا وأد ابنته ثم أسلم ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله : أن يدعو الله في أن يحييها له ، فانطلق معه إلى قبرها ، فدعا ، فناداها ، فأحياها الله ، فتكلمت معهما ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أتريدين أن تنطلقي مع أبيك ؟ أو ترجعي إلى ما كنت فيه ؟ ) فاختارت الرُّجوع إلى قبرها . و ( قوله : إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا ) قد بيَّنَّا : أن بغير المدينة أيضًا جنًّا قد أسلموا ، فتلزم التسوية بينها وبين غيرها في المنع من قتل الحيَّات إلا بعد الإذن . ولا يفهم من هذا الحديث : أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلمًا ، وأن الجنَّ قتلته قصاصًا ؛ لأنَّه لو سلم : أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن ، لكن : إنما يكون في العمد المحض ، وهذا الفتى لم يقصد ، ولم يتعمد قتل نفس مسلمة ؛ إذ لم يكن عنده علم من ذلك ، وإنما قصد إلى قتل ما سوَّغ له قتل نوعه شرعًا ، فهذا قتل خطأ ، ولا قصاص فيه . فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوانًا وانتقامًا ، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا ) إلى آخر الحديث ؛ ليبين طريقًا يحصل به التحرُّز من قتل المسلم منهم ، ويتسلط به على قتل الكافر منهم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنما هو شيطان ) ولذلك قال مالك : أحبُّ إلي أن ينذروا ثلاثة أيام . قال عيسى بن دينار : ينذر ثلاثة أيام ، وإن ظهر في اليوم مرارًا ، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام . قلت : وهذا تنبيه : على أن من الناس من يقول : إن الإذن ثلاث مرَّات ، وهو الذي يفهم من قوله : ( فليؤذنه ثلاثًا ) ومن قوله : ( فحرجوا عليه ثلاثًا ) لأنَّ ثلاثًا للعدد المؤنث ، فيظهر : أن المراد ثلاث مرَّات ، والأولى : ما صار إليه مالك ؛ لأنَّ قوله : ( ثلاثة أيام ) نصٌّ صحيح ، مقيَّد لتلك المطلقات ، فلا يُعدل عنه ، ويمكن أن يحمل تأنيث العدد على إرادة ليالي الأيام الثلاثة ، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ ، فإنَّها تغلب فيها التأنيث .
( 2236 ) ( 140 ) - [2104] وفي طريق أخرى : فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ . وَقَالَ لَهُمْ : اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ . و ( قوله : فحرِّجوا عليها ثلاثًا ) قال مالك : يكفي في الإنذار أن يقول : أحرِّج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا ، ولا تؤذينا . وحكى ابن حبيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يقول : ( أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان ألا تؤذوننا ، وألا تظهرن علينا )
( 22 ) باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من ذوات البيوت ؛ فلا تقتل حتى تستأذن ثلاثا ( 2234 ) - [2102] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ " وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا " فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً ؛ إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ : اقْتُلُوهَا ، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا . وقول ابن مسعود - رضي الله عنه - : ( أنزلت وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا فنحن نأخذها من فيه رطبة ) أي : مُستطابة ، سهلة كالثمرة الرَّطبة ، السهلة الجنَى . وقيل : معناه : أي : نتلقاها لنسمعها منه لأول نزولها ، كالشيء الرَّطب في أول أحواله . والأول أوقع تشبيهًا ، ويدلّ عليه : قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج : ( يقرءون القرآن رطبًا لا يجاوز حناجرهم ) أي : يستطيبون تلاوته ، ولا يفهمون معانيه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وقاها الله شرَّكم ) أي : قتلكم لها ؛ فإنَّه شرٌّ بالنسبة لها ؛ وإن كان خيرًا بالنسبة إلينا . و ( قوله : كما وقاكم شرَّها ) أي : لسْعَها . وفيه : دلالة على صحة ما ذكرناه من استصحاب أصل الضرر في نوع الحيَّات .
( 2233 ) ( 136 ) - [2101] وعن نافع قال : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَوْمًا عِنْدَ هَدْمٍ لَهُ ، فَرَأَى وَبِيصَ جَانٍّ فَقَالَ : اتَّبِعُوا هَذَا الْجَانَّ فَاقْتُلُوهُ : فقَالَ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إِلَّا الْأَبْتَرَ ، وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ ، وَيَتَتَبَّعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ . و ( الجنَّان ) بتشديد النون : جمع : الجانِّ ، وهو أبو الجنِّ . هذا أصله . والجنان في الحديث : هو حيَّة بيضاء صغيرة دقيقة . هكذا ذكر النقلة ، والظاهر من الجنان المذكور في الحديث : أن المراد به : الجانُّ ، فإن قيل : فقد وصف الله تعالى الحيَّة المنقلبة عن عصا موسى بأنها جانٌّ ، وأنَّها ثعبان عظيم ؛ فالجواب : إنه إنما كانت ثعبانًا عظيمًا في الخِلْقة ، ومثل الحيَّة الصغيرة الدقيقة في الخفة والسرعة ، ألا ترى قوله تعالى : تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ هكذا قال أهل اللغة ، وأرباب المعاني . وعلى الجملة : فأصل هذه البنية من : ج - ن ؛ للسترة والتستر أينما وقعت ، فتتبعها تجدها كذلك . ووبيص الجان وغيره : لمعانه وبريقه . قال عياض : وقيل : الجنَّان : ما لا يتعرض للناس ، والجِنَّل : ما يتعرَّض لهم ويؤذيهم ، وأنشدوا : تَنَازَع جِنَّان وَجِنٌّ وَجِنَّلُ وعن ابن عبَّاس وابن عمر - رضي الله عنهم - : الجنَّان : مسخ الجنِّ كما مسخت القردة من بني إسرائيل . وعوامر البيوت : هي ما يعمره من الجن ، فيتمثل في صور الحيَّات وفي غيرها .
( 21 ) باب في قتل الحيات وذي الطفيتين والأبتر ( 2233 ) ( 128 و 129 و 130 ) - [2100] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ يَقُولُ : اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابَ ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ ، فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ ، وَيَسْقِطَانِ الْحَبَل . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَنُرَى ذَلِكَ مِنْ سُمَّيْهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَلَبِثْتُ لَا أَتْرُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلْتُهَا ، فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً يَوْمًا مِنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة وأنا أطاردها فقال : مهلا يا عبد الله ، فقلت : إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقتلهن ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ . وفي رواية قَالَ : حَتَّى رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَا : إِنَّهُ قَدْ نَهَي عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ . ( 21 و 22 ) ومن باب قتل الحيات قوله : ( اقتلوا الحيَّات ) هذا الأمر وما في معناه من باب الإرشاد إلى دفع المضرَّة المخوفة من الحيَّات ، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله ، كما قد أرشد إليه قوله : ( اقتلوا الحيَّات ، واقتلوا ذا الطُّفيتين ، والأبتر ؛ فإنَّهما يخطفان البصر ، ويُسقطان الحبل ) فخصَّهما بالذكر مع أنَّهما قد دخلا في العموم ، ونبَّه على أن ذلك بسبب عظم ضررها ، وما لم يتحقَّق ضررُه : فما كان منها في غير البيوت قُتل أيضًا ؛ لظاهر الأمر العام في هذا الحديث ، وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - ؛ ولأن نوع الحيَّات غالبه الضرر فيُستصحب ذلك فيه ، ولأنه كلُّه مُرَوِّع بصورته ، وبما في النفوس من النُّفرة منه ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حيَّة ) فشجَّع على قتلها . وقال فيما خرَّجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعًا : ( اقتلوا الحيَّات ؛ فمن خاف ثأرهنَّ فليس منِّي ) وأما ما كان منها في البيوت ؛ فما كان بالمدينة ، فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا ، فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام ) وهل يختصُّ ذلك الحكم بالمدينة ؛ لأنَّا لا نعلم هل أسلم من جنِّ غير أهل المدينة أحد أم لا ؟ وبه قال ابن نافع . أو لا يختص ؟ وينهى عن قتل جنان جميع البلاد حتى يُؤذَن ثلاثة أيام ؟ وهو قول مالك ، وهو الأولى ، لعموم نهيه عن قتل الجنان التي تكون في البيوت ؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خمس فواسق يقتلن في الحلِّ والحرم ) وذكر فيهن الحيَّة ، ولأنا قد علمنا قطعًا : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ الرِّسالة للنَّوعين ، وأنَّه قد آمن به خلق كثير من النوعين ؛ بحيث لا يحصرهم بلد ، ولا يحيط بهم عدد . والعجب من ابن نافع ؛ كأنه لم تكن له أذن سامع ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ولا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن وفد جنِّ نصيبين أتوني ونعم الجنُّ هم فسألوني الزاد ) الحديث . فهذه نصوص في أن من جن غير المدينة من أسلم فلا يُقتل شيء منها حتى يُحَرَّج عليه ، كما تقدَّم . فتفهَّم هذا العقد ، وتمسَّك به . فهو الذي يجمع بين أحاديث هذا الباب المختلفة . تفسير ما جاء في أحاديث الحيَّات من الغريب الحيَّات : جمع حيَّة ، ويقال على الذَّكر والأنثى ، كما قال : خَشَاشٌ كَرَأسِ الحيَّةِ الْمُتَوَقِّدِ وإنما دخلته الهاء لأنه واحدٌ من جنس ، كبطة ، ودجاجة ؛ على أنَّه قد روي عن العرب : رأيت حيًّا على حيَّةٍ ؛ أي : ذكرًا على أنثى . والحيُّوت : ذكر الحيات ، وأنشد الأصمعي : ويأكل الحيَّة والحيُّوتا و ( ذو الطفيتين ) : ضرب من الحيَّات في ظهره خطَّان أبيضان ، وعنهما عبَّر بالطُّفيتين . وأصل الطُّفية - بضم الطاء - : خوص المقل ، فشبَّه الخط الذي على ظهر هذه الحيَّة به ، وربَّما قيل لهذه الحيَّة : طُفْيَةٌ ؛ على معنى : ذات طفية . قال الشاعر : كما تَذِلُّ الطُّفَى مِن رُقْيَة الرَّاقي أي : ذوات الطُّفَى . وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره . وقال الخليل في ذي الطفيتين : هي حيَّة ، لينة خبيثة . و ( الأبتر ) : الأفعى ؛ سميت بذلك لقصر ذنبها . وذَكَر الأفعى : أفعوان . قال النضر بن شميل في الأبتر : إنه صنف من الحيَّات أزرق مقطوع الذنب . و ( يلتمسان ) : يطلبان . هذا أصله ، ومعناه هنا : يخطفان البصر ، كما جاء في الرواية الأخرى . وقد روي : ( يلتمعان ) و ( يطمسان ) وكلها بمعنى واحد . و ( يتبعان ما في بطون النِّساء ) أي : يسقطان الحبل ، كما جاء في الرواية الأخرى ، وظاهر هذا : أن هذين النوعين من الحيَّات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك ، ولا يستبعد هذا ، فقد حكى أبو الفرج الجوزي في كتابه المسمى بـ " كشف المشكل لما في الصحيحين " : أن بعراق العجم أنواعًا من الحيَّات يهلك الرائي لها بنفس رؤيتها ، ومنها من يهلك المرور على طريقها ، وذكر غير ذلك . ولا يلتفت إلى قول من قال : إن ذلك بالترويع ؛ لأنَّ ذلك الترويعَ ليس خاصًّا بهذين النوعين ، بل يعمُّ جميع الحيَّات ، فتذهب خصوصيَّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم ، والتحذير الشديد ، ثمَّ : إن صحَّ هذا في طرح الحبل ، فلا يصحُّ في ذهاب البصر ، فإنَّ الترويع لا يذهبه .
( 2163 ) ( 7 ) - [2075] وعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا ، فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : قُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . ( 2164 ) ( 8 و 9 ) - [2076] وعن ابْنَ عُمَرَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ : السَّامُ عَلَيْك ، فَقُلْ : عَلَيْكَ . وفي رواية : فقولوا : وعليك . ( 2166 ) ( 12 ) - [2077] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قال : سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ؟ فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - وَغَضِبَتْ - : أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَال : بَلَى ، قَدْ سَمِعْتُ ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا . و ( السَّام ) : الموت . كما قال : ( في الحبَّة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا السَّام ) والسَّام : الموت . وقيل : السَّام : من السآمة ، وهو الملال ، يقال : سَئم يَسْأمُ سَآمة وسَآمًا ، وهو تأويل قتادة . قلت : وعلى هذا القول : فتُسَهَّلُ همزة سأما وسآمة ، فيكون كاللَّذاذ واللَّذَاذة ، وعلى الأوَّل الجمهور . و ( عليك ) بغير واو : هي الرواية الواضحة المعنى ، وأما مع إثبات الواو : ففيها إشكال ؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التشريك ، فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت ، أو من سآمة ديننا . واختلف المتأولون في ذلك فقال بعضهم : الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر : فلمَّا أجَزْنا ساحة الحي وانتحى أى : لما أجزنا انتحى ، فزاد ( الواو ) وقيل : إن ( الواو ) في الحديث للاستئناف فكأنه قال : والسَّام عليكم . وهذا كله فيه بُعد ، وأولى من هذا كُلّه أن يقال : إن ( الواو ) على بابها من العطف غير أنا نجاب عليهم ، ولا يجابون علينا . كما قاله - صلى الله عليه وسلم ورواية حذف ( الواو ) أحسن معنى ، وإثباتها أصح رواية وأشهر . وقد اختلف في السَّلام على أهل الذِّمَّة ؛ هل هو واجبٌ كالرد على المسلمين ؟ وإليه ذهب ابن عبَّاس ، والشعبي ، وقتادة تمسُّكًا بعموم الآية ، وبالأمر بالردِّ عليهم بالذي في هذه الأحاديث . وذهب مالك فيما روى عنه أشهب ، وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإنَّ رددت ؛ فقل : عليك . والاعتذار عن ذلك : بأن ذلك بيان أحكام المسلمين ؛ لأن سلام أهل الذمة علينا ليس تحية لنا ؛ وإنما هو دعاء علينا ، كما قد بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( إنما يقولون : السَّام ) فلا هم يحيوننا ، ولا نحن نرد عليهم تحيَّة ، بل دعاء عليهم ولعنة ، كما فعلته عائشة رضي الله عنها ، وأمره صلى الله عليه وسلم لنا بالرد ، إنما هو لبيان الرد لما قالوه خاصة ، فإن تحققنا من أحدهم أنه تلفظ بالسَّلام رددنا عليه بعليك فقط ؛ لإمكان أن يريد بقلبه غير ما نطق بلسانه ، وقد اختار ابن طاوس أن يقول في الرد عليهم : علاكَ السَّلام ؛ أي : ارتفع عنك . واختار بعض أصحابنا : السِّلام - بكسر السين - ؛ يعني به الحجارة ، وهذا كلّه تكلُّف . بل : ما قاله مالك كاف شاف .
( 11 ) باب لا يبدأ أهل الذمة بالسلام وكيفية الرد عليهم إذا سلموا ( 2167 ) - [2074] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ . ( 11 ) ومن باب : لا يُبدأ أهل الذمَّة بالسلام قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام ) إنما نهى عن ذلك لأن الابتداء بالسلام إكرام ، والكافر ليس أهلًا لذلك ، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم ، وترك الالتفات إليهم ، تصغيرًا لهم ، وتحقيرًا لشأنهم ، حتى كأنهم غير موجودين . و ( قوله : وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ) أي : لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا . وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى والعطف . وليس معنى ذلك : أنا إذا لقيناهم في طريق واسع أننا نلجئهم إلى حَرْفِه حتى نضيِّق عليهم ؛ لأنَّ ذلك أذى منا لهم من غير سبب ، وقد نهينا عن أذاهم .
( 2165 ) ( 10 و 11 ) - [2078] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ . وفي رواية : السام والذام . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ . وفي رواية : لا تكوني فاحشة . بدل : إن الله يحب . قَالَتْ : أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ : قَدْ قُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ . وفي رواية : " عليكم " من غير واو . وقول عائشة رضي الله عنها : ( بل عليكم السَّام والذَّام ) الذَّام بتخفيف الميم ؛ الرواية المشهورة فيه بالذال المعجمة : وهو العيب ، ومنه : المثل : لا تعدم الحسناء ذامًا ؛ أي : عيبًا ، ويهمز ، ولا يهمز . يقال : ذأمه يذأمه . مثل : دأب عليه يدأب ، والمفعول : مذؤوم - مهموزا - ومنه : " مَذْؤومًا مَدْحُورًا " ، ويقال : ذامه يذومه - مخففًا - كرامه يرومه . قال الأخفش : الذَّام أشدُّ العيب . وقد وقع للعذري هذا الحرف ( الهام ) بالهاء . يعني : هامة القتيل وصداه التي كانت العرب تتحدَّث بها ، وهي من أكاذيبها كما تقدَّم . وتعني بذلك عائشة على هذا : القتل ؛ دعت عليه بالموت والقتل ، وقاله ابن الأعرابي بالدال المهملة ، وفسَّره بالدائم ، والصواب الأول إن شاء الله تعالى . و ( قوله : ففطنت بهم عائشة ) صحيح الرواية بفاء وطاء مهملة ونون من الفطنة ، والفهم . أي : فهمت عنهم ما قالوه . ولابن الحذَّاء : فقطبت . بقاف وباء بواحدة من التقطيب في الوجه ، وهو العَبْسَة والغضب . وقد جاء مفسَّرا في الرواية الأخرى . وقوله لعائشة : ( مه ) معناه : اكففي . كما تقدَّم . و ( قوله : لا تكوني فاحشة ) أي : لا يصدر عنك كلام فيه جفاء . والفحش : ما يستفحش من الأقوال ، والأفعال . غير أنَّه قد كثر إطلاقه على الزنى ، وهو غير مراد هنا قطعًا . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها أمر بالتثبت ، والرفق ، وترك الاستعجال ، وتأديبٌ لها لما نطقت به من اللَّعنة وغيرها ، والله تعالى أعلم .
( 2256 ) ( 2 - 4 ) - [2097] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ . ( 2257 ) - [2098] وعنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا . و ( قوله : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) الباطل هنا : أراد به : المضمحل ، المتغير ؛ الذي هو بصدد أن يهلك ، ويتلف . وهذا نحو من قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ولا شك في أن هذه الكلمات أصدق ما يتكلَّم به ناظمٌ أو ناثر ؛ لأن مقدمتها الكليَّة مقطوعٌ بصحتها وشمولها عقلًا ونقلًا ، ولم يخرج من كليتها شيء قطعًا إلا ما استثني فيها ، وهو : الله تعالى ، فإنَّه لم يدخل فيها قطعًا ، فإنَّ العقل الصريح قد دلَّ على أن كل ما نشاهده من هذه الموجودات ممكن في نفسه ، متغيِّر في ذاته ، وكل ما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره ، وذلك الغير إن كان ممكنًا متغيرًا كان مثل الأول ؛ فلا بدَّ أن يستند إلى موجود لا يفتقر إلى غيره ، يستحيل عليه التغيُّر ، وهو المعبَّر عنه في لسان النظَّار : بواجب الوجود . وفي لسان الشرع : بالصمد المذكور في قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ وبقوله : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وعند الانتهاء إلى هذا المقام يفهم معنى قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وللكلام في تفاصيل ما أجمل مواضع أخر .
( 2259 ) - [2099] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا الشَّيْطَانَ ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ ؛ لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - للشاعر الذي عرض له بالعَرْج : ( خذوا الشيطان ) أو : ( أمسكوا الشيطان ) إنما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الفعل مع الشاعر لما علم من حاله ، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله : أنه قد اتَّخذ الشعر طريقًا للتكسب ، فيفرط في المدح إذا أعطي ، وفي الهجو والذمِّ إذا مُنع ، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم . ولا خلاف : في أن كل من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام ، وكل ما يقوله حرام عليه من ذلك ، ولا يحل الإصغاء إليه ، بل يجب الإنكار عليه ، فإن لم يمكن ذلك ؛ فمن خاف من لسانه تعيَّن عليه أن يداريه ما استطاع ، ويدافعه بما أمكن ، ولا يحل أن يعطى شيئًا ابتداء ؛ لأنَّ ذلك عون على المعصية ، فإن لم يجد من ذلك بدًّا أعطاه بنية وقاية العرض ، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة . و ( قوله : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا ) القيح : الْمِدَّة يخالطها دمٌ . يقال منه : قاح الجرح ، يقيح . وتقيَّح ، وقيَّح . وصديد الجرح : ماؤه المختلط بالدَّم الرقيق قبل أن تغلظ الْمِدَّة . و ( يريه ) قال الأصمعي : هو من الوَرْي ، على مثال : الرّمي . وهو : أن يَدْوى جوفه . يقال منه : رجل مَودي - مشدد غير مهموز - قال أبو عبيد : هو أن يأكل القيح جوفه . قال صاحب الأفعال : ورِي الإنسان والبعير ، ورى : دوي جوفه . وَوَرَاه الدَّواء ورْيًا : أفسده . ووري الكلب : سَعرَ أشدَّ السُّعار . وفي الصحاح : وَرِي القيحُ جوفَه ، يَرِيه ، وَرْيًا : إذا أكله ، وأنشد : وراهُنَّ رَبِّي مِثل ما قد وَرَيْننِي وأنشد اليزيدي : قالت له وَرْيًا إذا تَنَحْنَحْ تقول منه للواحد : رِ يا رجل . وللاثنين : رِيَا . وللجماعة : رُوا . وللمؤنثة : رِي . وللاثنتين : رِيَا . ولجماعتهن : رَيْنَ . والاسم : الوَرَي - بالتحريك واختلف في تأويل هذا الحديث . فقيل : يعني بذلك : الشعر الذي هجي به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنَّ القليل من هجو النبي - صلى الله عليه وسلم - وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم . وكذلك : هجو غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين محرم ؛ قليله وكثيره . وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى . وقيل : إن معناه : أن من كان الغالب عليه الشعر لزمه بحكم العادة الأدبيَّة الأوصاف المذمومة التي ذكرناها آنفًا . وهذا هو الذي أشار البخاري إليه لما بوَّب على هذا الحديث : باب ما يكره من أن يكون الغالب على الإنسان الشعر .
( 20 ) باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه ( 2255 ) ( 1 ) - [2096] عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : هِيهْ . فأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا . فَقَالَ : هِيهْ . ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا ، فَقَالَ : هِيهْ ، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ . ( 20 ) ومن باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه قوله : ( عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : رَدِفْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) هكذا صواب هذا السَّند وصحيح روايته ، وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم : عن عمرو بن الشريد ، عن الشريد ، عن أبيه ، وهو وَهْمٌ ؛ لأنَّ الشريد هو الذي أردفه النبي - صلى الله عليه وسلم - خلفه ، واستنشده شعر أميَّة بن أبي الصلت ، لا أبو الشريد . واسم أبي الشريد : سويد . و ( قوله : هل معك من شعر أميَّة بن أبي الصلت شيء ؟ ) دليلٌ على جواز حفظ الأشعار ، والاعتناء بها ، وإنَّما المكروه أن يغلب الاشتغال بها على الإنسان ، ويكثر منها كثرة تصده عن أهم منها ، أو تفضي به إلى تعاطي أحوال مجان الشعراء وسخفائهم ، فإنَّ الغالب من أحوال من انصرف إلى الشعر بكليته ، وأكثر منه ؛ أن يكون كذلك ، واستقراء الوجود يحققه . وأما حفظ فصيح الشعر وجيده المتضمن للحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا : فجائز ، بل ربما يلحق ما كان منه حُكْمًا بالمندوب إليه . وعلى الجملة : فلا أحسن مِمَّا قاله الإمام القرشي الصريح : الشعر كلامٌ حسنه حسن ، وقبيحه قبيح . و ( قوله : هيه ) بكسر الهاء الأولى ، وسكون الثانية للوقف . وهي : إيه ؛ التي للاستزادة ، وأبدل من الهمزة ( هاء ) كما قد فعلوا ذلك في غير موضع . وهي اسم لفعل الأمر الذي هو : زِد . وهي مبنية على الكسر لوقوعها موقع المبني ؛ الذي هو الأمر . وفي الصحاح : إذا قلت : إيهِ يا رجل ؛ فإنما تأمره بأن يزيدك من حديثه المعهود . وإن قلت : إيهٍ - بالتنوين - كأنك قلت : هات حديثًا ؛ لأنَّ التنوين تنكير . وفيه دليلٌ على جواز إنشاد الشعر ، واستنشاده ؛ لكن ما لم ينته إلى الإطراب المخل بالعقل ، المزيل للوقار ، فإنَّ ذلك يحرم ، أو يكره بحسب ما يفضي إليه . وإنَّما استكثر النبي - صلى الله عليه وسلم - من شعر أميَّة ؛ لأنه كان حكمًا . ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وكاد أميَّة بن أبي الصلت أن يسلم ) .
( 19 ) باب النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث ( 2183 ) ( 36 ) - [2094] عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ ، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ . ( 2184 ) ( 38 ) - [2095] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ ، مِنْ أَجْلِ أَنْ ذلك يُحْزِنَهُ . ( 19 ) ومن باب النهي عن مناجاة اثنين دون الثالث قوله : ( إذا كان ثلاثةٌ فلا يتناجى اثنان دون واحد ) ( كان ) هنا : تامَّة بمعنى : وجد ، ووقع . و ( ثلاثة ) : فاعل بها ، بخلاف الرواية الأخرى ؛ التي قال فيها : ( إذا كنتم ثلاثة ) فإنَّها فيها ناقصة . بمعنى : صرتم ثلاثة . و ( قوله : فلا يتناجى اثنان ) الرواية المشهورة فيه : ( يتناجى ) بالألف مقصورة ثابتة في الخط ، غير أنَّها تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين ، فإذا : هو خبر عن نفي المشروعية ، ويتضمن النهي عن ذلك . وقد وقع في بعض النسخ : ( فلا يتناج ) بغير ألف ، على النهي . وهي واضحة . والتناجي : التحادث سرًّا . وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنة ، فقال : ( حتى يختلطوا بالناس ) فبيَّن غاية المنع ، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه ، كما فعل ابن عمر ، وذلك : أنه كان يتحدث مع رجل ، فجاء آخر يريد أن يناجيه ، فلم يناجه حتى دعا رابعًا ، فقال له وللأول : تأخرا ، وناجى الرجل الطالب للمناجاة . وقد نبَّه في هذه الزيادة على التعليل بقوله : ( فإنَّ ذلك يحزنه ) أي : يقع في نفسه ما يحزن لأجله ، وذلك : بأن يقدر في نفسه : أن الحديث عنه بما يكره ، أو أنَّهم لم يروه أهلًا ليشركوه في حديثهم ، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان ، وأحاديث النفس . وحصل ذلك كله من بقائه وحده ، فإذا كان معه غيره أمن ذلك ، وعلى هذا : يستوي في ذلك كل الأعداد ، فلا يتناجى أربعة دون واحد ، ولا عشرة ، ولا ألفٌ مثلًا ؛ لوجود ذلك المعنى في حقه ، بل وجوده في العدد الكثير أمكن ، وأوقع ، فيكون بالمنع أولى . وإنما خصَّ الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى . وظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال . وإليه ذهب ابن عمر ، ومالك ، والجمهور . وقد ذهب بعض الناس : إلى أن ذلك كان في أول الإسلام ؛ لأنَّ ذلك كان حال المنافقين ، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين ، فلما فشا الإسلام ؛ سقط ذلك . وقال بعضهم : ذلك خاصٌّ بالسفر ، وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه . فأمَّا في الحضر ، وبين العمارة : فلا . قلت : وكل ذلك تحكُّم ، وتخصيصٌ لا دليل عليه . والصحيح : ما صار إليه الجمهور . والله تعالى أعلم .
( 18 ) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه ؛ لا يغض من قدرها ( 2182 ) ( 34 ) - [2092] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ ، قَالَتْ : فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ ، وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ ، وَأَسُوسُهُ ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ ، وَأَعْلِفُهُ ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ ، وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ ، وَأَعْجِنُ ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ ، فكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ ، قَالَتْ : وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى ، مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ - الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِي ، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ ، قَالَتْ : فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ : إِخْ! إِخْ ، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ ، قَالَتْ : فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ ، قَالَتْ : حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ، بَعْدَ ذَلِكَ ، بِخَادِمٍ ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي . ( 18 ) ومن باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها ( قولها : تزوجني الزبير ، وما له في الأرض من مال ، ولا مملوك ، ولا شيء غير فرسه ) هذا يدلُّ على ما كانوا عليه من شدَّة الحال في أول الأمر ، وعلى أن المعتبر عندهم في الكفاءة إنَّما كان : الدين ، والفضل . لا المال ، والغنى ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فعليك بذات الدين تربت يداك ) وإنما كان ذلك ؛ لأنَّ القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدِّين ، وتكثير أمة محمد خاتم النبيين ، ولأنهم علموا : أن المال ظِلٌ زائل ، وسحابٌ حائل ، وأن الفضل باقٍ إلى يوم التلاق . فأمَّا اليوم : فقد انعكست الحال ، وعدل الناس عن الواجب إلى المحال . وقولها : ( فكنت أعلف فرسه ، وأكفيه مؤونته ) إلخ الكلام ؛ فيه ما يدلّ : على ما كانوا عليه من تبذُّل المرأة في خدمة زوجها وييته وفرسه ، وإن كانت شريفة . لكن هذا كله فعلته متبرعة بذلك مختارة له ، راغبة لما علمت فيه من الأجر ، والثواب ، وعونًا لزوجها على البرِّ والتقوى . ولا خلاف في حسن ذلك ، ولا في أن كل ذلك ليس بواجب عليها ؛ إذ لا يجب عليها أن تخرز الغِرب ، ولا أن تخدم الفرس ، ولا أن تنقل النوى ، وإنما اختلف في خدمة بيتها من عَجْنٍ ، وطبخ ، وكنس ، وفرش ؛ فالشريفة ذات القدر ؛ التي رفع في صداقها ، لا يجب عليها أن تفعل شيئًا من ذلك ، ولا يحكم عليها به ، ولا يجب عليها عند مالك أن تأمر الخدم بذلك ، ولا تنهاهم ، وليس عليها إلا أن تمكن من نفسها . وقال بعض شيوخنا عليها أن تأمرهم ، وتنهاهم بما يصلح حال زوجها ؛ إذ لا كلفة عليها في ذلك ، ولجريان العادة بمثله في الأشراف . وفي كتاب ابن حبيب : عليها في العسر الخدمة الباطنة ، كما هي على الدنية ، وأما من ليست كذلك فيجب عليها من خدمة بيتها : ما جرت العادة بأن مثلها تفعله . ومأخذ هذا الباب عندنا النظر إلى العوائد ؛ فإنَّ الإنسان إذا تزوَّج عند قومٍ ، فالغالب أنه يبحث عن عاداتهم ، ومناشئهم ، فيعلمها ، ولا يكاد يخفى عليه حالهم . فإذا تزوَّج ممن عادتهم أن لا تخدم نساؤهم أنفسهن ، وإنَّما يخدمن ، فقد دخل على أنه يبقيها على عادتها ، ويسير بها سيرة نسائها ، فلا يحكم له عليها بشيء من ذلك . بخلاف من جرت عادتها بأن مثلها لا تخدم ، وإنما تخدم نفسها ، فإنَّه يحكم له عليها بما ذكر من خدمة بيتها ، وكذلك في رضاع الولد . فأما من يجهل حالها ، ولا يعلم عادة نسائها : فالأصل : أنها تخدم نفسها ، فيحكم عليها بذلك ، وبرضاعة الولد إلى أن يتبين أنها شريفة لها الحال ، والقدر . هذا أصل مالك ، وتفريعه ، وقد خولف في ذلك ؛ فمن الناس من لا يرى على المرأة خدمة مطلقًا . ومنهم من يرى عليها الخدمة مطلقًا ، وهو أحوط . والأحسن التفصيل الذي صار إليه مالك ، والله تعالى أعلم . و ( الغرب ) : الدلو العظيمة . وقولها : ( كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأسي ) قيل : إن هذه الأرض المقطعة من موات البقيع ، أقطعه من ذلك حُضْرَ فرسه ، فأجراه ، ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فأعطاه ذلك كله . وفي البخاري عن عروة أنه - صلى الله عليه وسلم - أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير ، وليست هذه الأرض التي كانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها ، لقولها : وهي على ثلثي فرسخ ، فالأشبه أنها الأرض التي بالبقيع كما تقدَّم في القول الأول . ففيه من الفقه ما يدل على جواز إقطاع الإمام الأرض لمن يراه من أهل الفضل ، والحاجة ، والمنفعة العامة ، كالعلماء ، والمجاهدين ، وغيرهم ، لكن تكون تلك الأرض المقطعة من موات الأرض أو من الأرض الموقوفة لمصالح المسلمين كما قدمناه في الجهاد . وفيه ما يدلُّ على جواز الاستزادة من الحلال ، وإظهار الرَّغبة فيه ، كما فعل الزبير - رضي الله عنه - ؛ حيث أجرى فرسه ، فلما وقف رمى بسوطه رغبة في الزيادة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبصر ذلك كله ، ولم ينكره عليه . وليس إقطاع الإمام تمليكًا للرقبة ، وإنما هو اختصاص بالمنفعة ، لكن لو أحيا الموات المقطع لكان للمحيي ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحيا أرضًا ميتة فهي له ) . وقولها : ( فلقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه ، فدعاني ، ثم قال : إخ ، إخ ) تعني به : أنه نوَّخ ناقته ليُرْكبها عليها . و ( إخ ) - بكسر الهمزة ، وسكون الخاء - وهو صوت تُنَوَّخ به الإبل . وظاهر هذا المساق يدلّ على أنه - صلى الله عليه وسلم - عرض عليها الركوب ، فلم تركب ؛ لأنَّها استحيت ، كما قالت . وعلى هذا فلا يحتاج إلى اعتذار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ركوبها معه ، فإنَّه يحتمل أنها لو اختارت الركوب تركها راكبة وحدها ، ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب اثنين على بعير ، فتأمله . وقولها : ( وعرفت غيرتك ) تعني : ما جبل عليه من الغيرة ، وإلا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغار لأجله ، كما قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وعليك أغار يا رسول الله ! ) حين أخبره أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى قصرًا من قصور الجنَّة فيه امرأة من نساء الجنة فقال : ( لمن أنت ؟ ) فقالت : لعمر بن الخطاب . قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فذكرت غيرتك ) فتوقع النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريك الغيرة بحكم الجبلَّة ، وإن لم يغر لأجله . وقول الزبير : ( والله ! لحملك النوى على رأسك أشدُّ علي من ركوبك معه ) هذا يدلّ على أن الزبير لم يكلفها شيئًا من ذلك ، وإنما فعلت هي ذلك لحاجتها إلى ذلك ، وتخفيفًا عن زوجها ؛ على عادة أهل الدين والفضل الذين لا التفات عندهم لشيء من زينة الدنيا ، ولا من أحوال أهلها ، فإنَّهم كانوا لا يعيبون على أنفسهم إلا ما عابه الشرع ، فكانوا أبعد الناس منه ، وأخرج هذا القول من الزبير فرط الاستحياء المجبول عليه أهل الفضل . ويعني بذلك : أن الحياء الذي لحقه من تبذلها بحمل النوى على رأسها أشدُّ عليه من الغيرة التي كانت تلحقه عليها لو ركبت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - ليس ممن يغار على الحريم لأجله . والله تعالى أعلم . وقولها : ( حتى أرسل إلي أبو بكر - رضي الله عنه - بعد ذلك بخادم ، فكفتني سياسة الفرس ، فكأنما أعتقتني ) دليلٌ على مكارم أخلاق القوم ، فإنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - علم ما كانت عليه ابنته من الضرر والمشقة ، ولم يطالب صهره بشيء من ذلك ، وكان مترقبًا لإزالة ذلك ، فلما تمكَّن منه أزاله مِن عنده . و ( الخادم ) يقال على الذكر والأنثى . و ( أعتقتني ) روي بتاء بعد القاف ، ويكون فيه ضمير يعود على الخادمة . وبغير تاء ، وضميره يعود إلى أبي بكر - رضي الله عنه وصحَّ ذلك لأنها لما استراحت من خدمة الفرس ، والقيام عليه بسبب الجارية التي بعث بها إليها أبو بكر صحَّ أن ينسب العتق لكل واحد منهما .
( 2182 ) ( 35 ) - [2093] وعنها قَالَتْ : كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ ، كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ ، قَالَت : ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا ، جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا ، قَالَتْ : كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ ، فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ . فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ ، قَالَتْ : إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ ، فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ ، وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ ، فَجَاءَ فَقَالَ : يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ ، فَقَالَتْ : مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي ؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ : مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ ، فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي ، فَقَالَ : هَبِيهَا لِي ، قَالَتْ : إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا . و ( قولها : جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي فأعطاها خادمًا ) هذه الرواية مخالفة لقولها في الرواية المتقدِّمة : إن أبا بكر - رضي الله عنه - أرسلها إليها . وهذا لا بُعد فيه ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دفعها لأبي بكر ليدفعها لها ، فأرسل بها أبو بكر لها . واستئذان الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء ابنة أبي بكر - في أن يبيع في ظلِّ دارها يدلُّ على أن المتقرَّر المعلوم من الشرع أن فناء الدار ليس لغير ربِّها القعود فيه للبيع إلا بإذنه ، فإذا أذن جاز ما لم يضر بغيره ؛ من تضييق طريق ، أو اطلاع على عورة منزل غيره . ولربِّ الدار أن يمنعه ؛ لأنَّ الأفنية حق لأرباب المنازل ؛ لأنَّ عمر - رضي الله عنه - قضى في الأفنية لأرباب الدور . قال ابن حبيب : وتفسير هذا يعني : بالانتفاع للمجالس ، والمرابط ، والمصاطب ، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة ، وليس بأن ينحاز بالبنيان والتحظير . قلت : وعلى هذا فليس لربِّ الدار التصرف في فنائها ببناء دكان ، أو غيره مما يثبت ويدوم ؛ لأنَّه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس ؛ إذ للناس فيه حق العبور ، والوقوف ، والاستراحة ، والاستظلال ، وما أشبه هذه الأمور . لكنه أخصُّ به فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة لجلوسه ، ومربط فرسه ، وحطّ أحماله ، وكنس مرحاضه ، وتراب بيته ، وغير ذلك مما يكون من ضروراته . وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته كبناء دكان للباعة ، أو تحظيره عن الناس ، أو إجارته لمن يبيع فيه ؛ لأنَّ ذلك كله منع الناس من منافعهم التي لهم فيه ، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير أجرة ؛ لأنَّ ذلك من باب الرفق بالمحتاج ، والفقير . وأصل الطرق ، والأفنية للمرافق ، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه ؛ للزم أن يكون لذلك البناء فناء ، ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق ، وترتفع المرافق . وتوقف أسماء رضي الله عنها في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان مخافة غيرة الزبير ، أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير ، وحسن أدب ، وكرم خلق حتى لا تتصرَّف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها . وأمرها للفقير بأن يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق ، والرغبة في فعل الخير ، وليشاركها في الأجر ، وذلك كله منها حسن سياسة ، وجميل ملاطفة تدلُّ على انشراح الصدور ، وصدق الرغبة في الخير . وبيعها للجارية بغير إذن الزبير يدلّ على أن للمرأة التصرُّف في مالها بالبيع والابتياع من غير إذنه ، وليس له منعها من ذلك إذا لم يضرُّه ذلك في خروجها ، ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع ، فله منعها مما يؤدي إلى ذلك . وسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليل على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها في مالها بأخذ ، ولا غيره ؛ إذ لا ملك له في ذلك ، وإنَّما له فيه حق التجمُّل ، وكفاية بعض المؤن ، ولذلك منعناها من إخراج كل مالها ، أو جلَّه كما تقدَّم في النكاح . وصدقتها بثمن الجارية من غير إذنه دليلٌ على جواز هبة المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج ، لكن إن أجازه الزوج جاز ، وإن منعه ؛ فإن كان الثلث فدون لم يكن له المنع ، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث على ما تقدَّم ؛ هذا إذا وهبته لأجنبي ؛ فإن وهبته لزوجها ، فلا يفرَّق بين ثلث ولا غيره ؛ لأنَّها إذا طابت نفسها بذلك جاز . ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما كان لحق الزوج ؛ لئلا يفوت عليه ما له فيه من حق التجمُّل ، ولئلا يمنعها أيضًا من إعطاء ما طابت به نفسها ، فينفذ عطاؤها في الثلث ، ويرد فيما زاد عليه . وقيل : يردُّ في الجميع ، وهو المشهور .
( 2169 ) - [2081] عن ابْنَ مَسْعُودٍ قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ ، وَأَنْ تَسْمِعَ سِوَادِي ، حَتَّى أَنْهَاكَ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود - رضي الله عنه - : ( إذنك علي أن يرفع الحجاب وأن تسمع سوادي ) الرواية في : ( أن يرفع ) أن يبنى لما لم يسم فاعله . ولا يجوز غيرها . وسببه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لعبد الله إذنًا خاصًّا به ، وهو أنه إذا جاء بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد الستر قد رفع دخل من غير إذن بالقول ، ولم يجعل ذلك لغيره إلا بالقول . كما قال تعالى : لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وبقوله تعالى : لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ . ولذلك كانت الصحابة - رضي الله عنهم - تذكر ذلك في فضائل ابن مسعود ، فتقول : كان ابن مسعود يُؤذن له إذا حجبنا ، وكأن ابن مسعود كان له من التبسُّط في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - والانبساط ما لم يكن لغيره : لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من حاله ، ومن خلقه ، ومن إلفه لبيته . ويستفاد من هذا الحديث أن ربَّ المنزل لو جعل رفع ستر بيته علامة على الإذن في الدخول إليه لاكتفي بذلك عن الاستئذان بالقول . و ( السَّواد ) بكسر السين : الرواية ، وهو السِّرار . تقول : ساودته مساودة وسوادًا ؛ أي : ساررته . وأصله : إدناء سوادك من سواده - بفتح السين - وهو : الشخص .
( 12 ) باب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك ( 2170 ) ( 18 ) - [2079] عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ ، إِذَا تَبَرَّزْنَ ، إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْجُبْ نِسَاءَكَ ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ، زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي ، عِشَاءً ، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً ، فَنَادَاهَا عُمَرُ : أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ ، يَا سَوْدَةُ! حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأُنِزَلَ الْحِجَابُ . ( 12 ) ومن باب احتجاب النساء وما يُخفَّف عنهن من ذلك قوله : ( كن يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع ) يتبرَّزن : يخرجن إلى البَرَاز- بفتح الباء - وهو الموضع الذي يُتبرَّز فيه ؛ أي : يظهر . والبروز : الظهور ، ومنه : وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً أي : ظاهرة . مستوية لا يحجبها شيء ، كما قال تعالى : لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا و ( المناصع ) : موضع خارج المدينة . و ( قوله : وهو صعيد أفيح ) أي : أرض مستوية متسعة ، وذلك كناية عن خروجهن إلى الحدث ؛ إذ لم يكن لهم كنف في البيوت ؛ كانوا لا يتخذونها استقذارًا ، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى خارج البيوت ، ويبعدن عنها إلى هذا الموضع . وقد نصَّت على هذا عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك . وقول عمر - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( احجب نساءك ) مصلحة ظهرت لعمر فأشار بها ، ولا يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن تلك المصلحة خفيت عليه ، لكنَّه كان ينتظر الوحي في ذلك ، ولذلك لم يوافق عمر على ذلك حين أشار عليه به ، لا سيما وقد كانت عادة نساء العرب ألا يحتجبن لكرم أخلاق رجالهم ، وعفاف نسائهم غالبًا ، ولذلك قال عنترة : وأغُضُّ طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها فلما لم يكن هنالك ريبة ؛ تركهم ، ولم ينههم استصحابًا للعادة ، وكراهة لابتداء أمرٍ أو نهي ؛ فإنَّه كان يحبُّ التخفيف عن أمته . ففيه من الفقه : الإشارة على الإمام بالرأي ، وإعادة ذلك إن احتاج إليها ، وجواز إشارة المفضول على الفاضل ، وجواز إعراض المشار عليه ، وتأخير الجواب إلى أن يتبيَّن له وجه يرتضيه . وقول عمر - رضي الله عنه - في هذا الحديث : ( ألا قد عرفناك يا سودة ) يقتضي : أن ذلك كان من عمر - رضي الله عنه - قبل نزول الحجاب ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت فيه : حرصًا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الحجاب . والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب ، فالأولى أن يحمل ذلك على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل نزول الحجاب وبعده ، ولا بُعد فيه . ويحتمل أن يحمل ذلك على أن بعض الرواة ضمَّ قصة إلى أخرى ، والأول أولى ؛ فإنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقع في قلبه نفرة عظيمة ، وأنفة شديدة من أن يطلع أحدٌ على حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى صرح له بقوله : احجب نساءك ؛ فإنَّهن يراهن البر والفاجر . ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب وبعده . فإنه كان قصده : ألا يخرجن أصلًا ، فأفرط في ذلك فإنَّه مفض إلى الحرج والمشقة ، والإضرار بهن ، فإنَّهن محتاجات إلى الخروج ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تأذَّت بذلك سودة : ( قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ ) . و ( قوله : فأنزل الحجاب ) أي : آية الحجاب ؛ وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كذلك روي عن أنس وابن مسعود - رضي الله عنهما - ؛ غير أن هذا يتوجَّه عليه إشكال ، وهو : أن حديث أنس وابن مسعود يقتضي : أن سبب نزولها هو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أعرس بزينب اجتمع عنده رجال فجلسوا في بيته ، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ، فأطالوا المجلس حتى ثقلوا عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وحديث عائشة يقتضي أن الحجاب إنَّما نزل بسبب قول عمر : احجب نساءك . ويزول ذلك الإشكال بأن يقال : إن الآية نزلت عند مجموع السَّببين . فيكون عمر قد تقدَّم قوله : احجب نساءك ، وكرر ذلك عليه إلى أن اتفقت قصة بناء زينب ، فصدقت نسبة نزول الآية لكل واحد من ذينك السَّببين . قلت : وهذا الحجاب الذي أمر به أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وخُصِّصن به هو في الوجه والكفين . قال القاضي عياض : لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره ، قالوا : ولا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها ، ولا ظهور أشخاصهن ، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج إلى البراز ، وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب ، وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن .
( 2170 ) ( 17 ) - [2080] وعنها قَالَتْ : خَرَجَتْ سَوْدَةُ ، بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ ، لِبعض حَاجَتَهَا ، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا ، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا ، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : يَا سَوْدَةُ! وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا ، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ ، قَالَتْ : فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي خَرَجْتُ ، فَقَالَ لِي عُمَرُ : كَذَا وَكَذَا ، قَالَتْ : فَأُوحِيَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ . و ( قوله : تفرع النساء جسمًا ) أي : طولًا . يقال : فرعت القوم : إذا طلتهم . و ( انكفأت ) صوابه بالهمزة ، بمعنى : انقلبت وانصرفت . يقال : كفأت القوم كفئًا : إذا أرادوا وجها فصرفتهم إلى غيره ، فانكفؤوا . ووقع لبعض الرواة : انكفت - بحذف الهمزة والألف وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة ، فلقيها ساكن فحذفت . و ( العرق ) - بفتح العين وسكون الراء - : العظم الذي عليه اللحم . واعترقت العظم ، وتعرَّقته : إذا تتبعت ما عليه من اللحم . والعراق : العظم الذي لا لحم عليه . و ( قوله : قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ) لا خلاف في أن المرأة إن تخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذة ، وتستُّر ، وخشونة ملبس ؛ بحيث يستر حجم أعضائها ، غير متطيِّبة ، ولا متبرِّجة بزينة ، ولا رافعة صوتها . وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها : أن تكون بحيث لا تمتد لها عين ، ولا تميل إليها نفس ، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان ؛ لما يظهرن من الزينة والطيب ، والتبختر في الملابس الحسان ، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان . فإن قيل : فما الزينة التي اسثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا فالجواب : إن ذلك اختلف فيه . فقال ابن مسعود : إنها الثياب . يعني بذلك : ثيابها التي تستتر بها ، ولا تُسْتَر هي ، كالملحفة ، والخمار . وعلى هذا فلا يجوز أن تبدي مما تحت ذلك شيئًا ؛ لا كحلًا ، ولا خاتمًا ، ولا غير ذلك مما يستر بالملحفة والخمار . وقال ابن عباس والمسور : هي الكحل ، والخاتم ؛ يعني : أن العين لا يمكن سترها ، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه . وقال الحسن ومالك : هو الوجه ، والكفان ؛ لأنَّهما ليسا بعورة ؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادة ، ويظهر ذلك منها في الصلاة ، وهما اللذان يبدوان منها عادة . والكلُّ محومون على أن المستثنى : هو ما يتعذر ستره إما عادة ، وإما عبادة ، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره ؛ قول الله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وقال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ فالخمار ما يلف على الرأس ، والحلق ، والجلباب اختلف فيه . فقال الحسن : هو الرداء . وقال ابن جبير : المقنعة . وقال قطرب : هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها . وقال أبو عبيدة : أدنى الجلباب أن تغطي وجها إلا قدر ما تبصر منه . فرع : إذا قلنا : إن الوجه والكفين ليسا بعورة ، وإنه يجوز لها كشفهما ؛ فإذا كانت بارعة الجمال ، وجب عليها أن تستر وجهها لئلا تفتن الناس ، فتكون من المميلات اللاتي قد توعدن بالنار ، وللكلام في هذا متسع ، وفيما ذكرناه مَقْنَعٌ .
( 2181 ) - [2091] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ، قَالَ : فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً ، قَالَ : إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَاهُنَا ، لَا يَدْخُل عَلَيْكُم . قَالَتْ : فَحَجَبُوهُ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا ) يدلّ : على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئًا من أحوال النساء ، ولا يخطرن له بالبال . وسببه : أن التخنيث كان فيه خِلْقة وطبعًا ، ولم يكن يعرف منه إلا ذلك ، ولذلك كانوا يعدُّونه من غير أولي الإربة ؛ أي : ممن لا حاجة له في النساء . وقد قدَّمنا : أن الأرب والإربة : الحاجة . فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفه لتلك المرأة : علم أنه عنده تشوُّف للنساء ؛ فحجب لذلك ، ثم بولغ في تنكيله ، وعقوبته ، ونفيه لما اطلع عليه من محاسن تلك المرأة ، وكشف من سترها ، ولم تكن عقوبته لنفس التخنيث ؛ فإنَّ ذلك كان فيه خِلْقة ، ولم يكن مكتسبًا له ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها . وأمَّا من تخانث وتشبه بالنساء ، فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر ؛ لعنه الله عليها ورسوله ، ولا يقرُّ عليها . بل : يؤدَّب بالضرب الوجيع والسجن الطويل ، والنفي حتى ينزع عن ذلك ، ويكفي دليلًا على ذلك ما خرَّجه البخاري عن ابن عباس قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال ، وقال : ( أخرجوهم من بيوتكم ) وأخرج فلانًا ، وفلانًا ؛ غير أنه لا يقتل لما رواه أبو هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد خضب يديه ورجليه ، فقال : ( ما بال هذا ؟ ! ) فقيل : يتشبَّه بالنساء ، فأمر به ، فنفي إلى النقيع - بالنون فقيل : يا رسول الله ألا نقتله ؟ فقال : ( إني نهيت عن قتل المصلين ) .
( 17 ) باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء ( 2180 ) - [2090] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الطَّائِفَ غَدًا ، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، قَالَ : فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ . ( 17 ) ومن باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء التخنُّث : هو اللين والتكسُّر . والمخنث : هو الذي يلين في قوله ، ويتكسَّر في مشيته ، ويتثنى فيها كالنساء . وقد يكون خِلْقة ، وقد يكون تصنعًا من الفسقة . ومن كان ذلك فيه خلقة ؛ فالغالب من حاله : أنَّه لا أرب له في النساء ، ولذلك كان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يعددن هذا المخنث من غير أولي الإربة ، فكانوا لا يحجبونه إلى أن ظهر منه ما ظهر فحجبوه . وقوله : ( إن مخنثًا كان عندها ) اختلف في اسم هذا المخنث ، والأشهر : أن اسمه هيت بياء ساكنة بعد الهاء باثنتين من تحتها ، وآخرها تاء باثنتين من فوقها . وقيل : صوابه هنب - بنون وباء بواحدة أخيرًا - والهنب : الرجل الأحمق ، قاله ابن درستويه . وقيل : إن هذا المخنث هو ماتع- باثنتين من فوقها - مولى أبي فاختة المخزومي . قيل : وكان هو وهيت يدخلان في بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم فلما وقعت هذه القصَّة غربهما النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحمى . وقيل : إن مخنَّثا كان بالمدينة نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حمراء الأسد . وقول المخنث : ( أدلك على ابنة غيلان ، فإنَّها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان ) قال أبو عبيد : يعني به : العكن ، وهي أربع تقبل بهن ، ولها أطراف أربعة من كل جانب فتصير ثمانية . قلت : وإنَّما أنث فقال : بأربع وبثمان ؛ وهو يريد الأطراف ، وواحدها طرف ، مذكر ؛ لأنَّ هذا على حدِّ قولهم : هذا الثوب سبع في ثمان ، والثمان يراد بها الأشبار ، ووجه ذلك أنه يعني به العكن ، وهي جمع عكنة ، وهي الطي الذي يكون في جانبي البطن من السِّمن ، وتجمع : عكن ، وأعكان . وتعكَّن البطن : إذا صار ذلك فيه . يريد المخنَّث : أنَّ هذه المرأة إذا أقبلت كان لها من كل جانب من جوانب بطنها عكنتان ، وإذا أدبرت كان لها من خلفها ثمان ، وأنث العدد لتانيث المعدود ، وهو : العكن : جمع عكنة . وقد روى هذا الحديث الواقدي ، والكلبي ، وقالا : إن ( هيتًا ) المخنَّث ، وكان مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخي أم سلمة لأبيها ، وأم عبد الله عاتكة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له في بيت أم سلمة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع : إن افتتحتم الطائف فعليك ببادية ابنة غيلان بن غيلان الثقفي ؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان مع ثغرٍ كالأقحوان ، إن جلست تثنَّت ، وإن تكلَّمت تغنَّت ، بين رجليها كالإناء المكفوء ، وهي كما قال قيس بن الخطيم : تَغْتَرِقُ الطَّرْفَ وهِي لاهِيَةٌ كأنَّما شَفَّ وَجْهَها نَزَفُ بَيْنَ شُكُولِ النساء خِلْقَتُها قصدًا فلا غَيْلَةٌ ولا نصف تَنَامُ عن كِبْرِ شأنِها فإذا قامت رُوَيْدًا تكاد تنقصف فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد غلغلت النظر إليها يا عدوَّ الله ) ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى . قال : فلما فتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف ، فولدت له في قول الكلبي . قال : ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم فلما ولي أبو بكر - رضي الله عنه - كُلِّم فيه ، فأبى أن يردَّه ، فلما ولي عمر - رضي الله عنه - كُلِّم فيه ، فأبى أن يردَّه ، ثم كُلِّم فيه بعد ، وقيل : إنه قد كبر وضعف وضاع ، فأذن له أن يدخل كل جمعة ، فيسأل ، ويرجع إلى مكانه . قال أبو عمر بن عبد البر : يقال : بادية - بالياء - وبادنة - بالنون - والصواب بالياء ، وهو قول أكثرهم . و ( قوله : تغنت ) هو من الغنة ، لا من الغناء ؛ أي : أنها تتغنَّن في كلامها للينها ، ورخامة صوتها . يقال : تغنَّن الرجل ، وتغنى ، مثل : تضنَّن وتضنَّى . وفيه : ما يدلّ على جواز العقوبة بالنفي عن الوطن لمن يخاف منه الفساد والفسق . وعلى تحريم ذكر محاسن المرأة المعينة ؛ لأنَّ ذلك إطلاع الأسماع على عورتها ، وتحريك النفوس إلى ما لا يحل منها . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ) فأما ذكر محاسن من لا تعرف من النساء : فمباحٌ إن لم يدع إلى مفسدةٍ ؛ من تهييج النفوس إلى الوقوع في الحرام ، أو في المكروه .
( 2179 ) - [2089] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ ، وفي رواية : مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . و ( قوله : إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ) هذا يدلّ على صحَّة القول بوجوب ما ذكرناه من اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه ، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه ؛ فقَبْلَه أحرى وأولى . وذهب آخرون : إلى أن ذلك على الندب ؛ لأنَّه موضع غير متملَّك لأحد ، لا قبل الجلوس ، ولا بعده . وهذا فيه نظر ، وهو أن يقال : سلَّمنا أنه غير متملَّك له ، لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه ، فصار كأنه يملك منفعته ؛ إذ قد منع غيره من أن يزاحمه عليه . وحمله مالك على النَّدب إذا كانت رجعته قريبة . قال : وإن بَعُدَ ذلك حتى يذهب ، ويَبْعُد فلا أرى ذلك ، وأنه من محاسن الأخلاق . وعلى هذا فيكون هذا عامًّا في كل المجالس . وقال محمد بن مسلمة : الحديث محمول على مجلس العلم ، هو أولى به إذا قام لحاجة ، فإذا قام تاركًا له ، فليس هو بأولى . وقد اختلف العلماء فيمن ترتَّب من العلماء ، والقُرَّاء بموضع من المسجد للفتيا ، وللتدريس . فحكي عن مالك : أنه أحق به إذا عرف به . والذي عليه الجمهور : أن هذا استحسان ، وليس بواجب ، ولعلَّه مراد مالك . وكذلك قالوا فيمن قعد من الباعة في موضع من أفنية الطُّرق ، وأفضية البلاد غير المتملَّكة فهو أحق به ما دام جالسًا فيه ، فإن قام منه ، ونيَّته الرجوع إليه من غده ؛ فقيل : هو أحق به حتى يتمَّ غرضه . حكاه الماوردي عن مالك ؛ قطعًا للتنازع . وقيل : هو وغيره سواء ، والسَّابق إليه بعد ذلك أحق به .
( 16 ) باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه ، ومن قام من مجلسه ثم رجع إليه عن قرب فهو أحق به ( 2177 ) ( 28 ) - [2087] عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا . ( 2178 ) - [2088] وعَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : افْسَحُوا . ( 16 ) ومن باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل : أن السَّابق لمجلس قد اختصَّ به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه ؛ فكأنه قد ملك منفعة ما اختصَّ به من ذلك ، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه ، وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التَّحريم ، وقيل : هو على الكراهة . والأول أولى . ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد إقامته ، أو لا يجلس ، غير أن هذا الحديث خرج على أغلب ما يفعل من ذلك ، فإنَّ الإنسان في الغالب إنما يقيم الآخر من مجلسه ليجلس فيه . وكذلك يستوي فيه يوم الجمعة ، وغيره من الأيام التي يجتمع الناس فيها ، لكن جرى ذكر يوم الجمعة في هذا الحديث ؛ لأنَّه اليوم الذي يجتمع الناس فيه ، ويتنافسون في المواضع القريبة من الإمام ، وعلى هذا : فيلحق بذلك ما في معناه ، ولذلك قال ابن جريج : في يوم الجمعة وغيرها . و ( قوله : ولكن تفسَّحوا ، وتوسَّعوا ) هذا أمر للجلوس بما يفعلون مع الداخل ، وذلك : أنه لما نهي عن أن يقيم أحدًا من موضعه تعيَّن على الجلوس أن يوسِّعوا له ، ولا يتركوه قائمًا ، فإنَّ ذلك يؤذيه ، وربما يخجله . وعلى هذا : فمن وجد من الجلوس سعة تعيَّن عليه أن يوسع له . وظاهر ذلك أنه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر ، وكأن القائم يتأذى بذلك ، وهو مسلم ، وأذى المسلم حرام . ويحتمل أن يقال : إن هذه آداب حسنة ، ومن مكارم الأخلاق ، فتحمل على الندب . وقد اختلف العلماء في قوله تعالى : إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ فقيل : هو مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يزدحمون فيه تنافسًا في القرب من النبي - صلى الله عليه وسلم وقيل : هو مجلس الصَّف في القتال . وقيل : هو عامٌّ في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير ، والأجر ، وهذا هو الأولى ؛ إذ المجلس للجنس على ما أصَّلْناه في الأصول .
( 14 ) باب اجتناب ما يوقع في التهم ويجر إليه ( 2174 ) ( 23 ) ( 2175 ) ( 24 و 25 ) - [2085] عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا - وفي رواية : في المسجد في العشر الأواخر من رمضان - فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا ، فَحَدَّثْتُهُ ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي ، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا . أَوْ قَالَ : شَيْئًا . وفي رواية : أنه كان رجلا واحدا ، وأنه قال : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ ، فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِك . ( 14 ) ومن باب : اجتناب التهم وما يجر إليها قد تقدَّم الكلام على الاعتكاف لغة وشرعًا في كتابه . قول صفية رضي الله عنها : ( فأتيته أزوره ليلًا ، فحدَّثته ) دليل على جواز زيارة المعتكف ، والتحدُّث معه ، غير أنه يكره الإكثار من ذلك ؛ لئلا يشتغل عما دخل إليه من التفرُّغ لعبادة الله تعالى ، وعلى أنه : لا تكره له الخلوة مع أهله في معتكفه ، ولا الحديث معها ، وإنما الممنوع المباشرة ، لكن هذا للأقوياء ، وأما من يخاف على نفسه غلبة شهوة ، فلا يجوز لئلا يفسد اعتكافه . وقد كان كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما يفسد الصوم ، أو ينقص ثوابه . وقولها : ( ثم قمت لأنقلب ، فقام ليقلبني ) أي : لأنصرف . و ( ليقلبني ) : يصرفني ، وهو مفتوح الياء ثلاثيًّا ، وهذا يدلّ على أن للمعتكف أن ينصرف في المسجد ، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجة ؛ غير أنه لا يخرج من بابه إلا للأمور الضرورية التي تقدَّم ذكرها ، وقد روي في هذا الحديث : أنه إنما خرج معها إلى باب المسجد . وعلى هذا تأوَّل البخاري ، ولم يختلف العلماء : أنه لا يفسده خروجه إلى باب المسجد ، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه فيه لغير ضرورة ، كزيارة مريض ، أو صلاة على جنازة ، أو صعود إلى المنارة للأذان ، أو الجلوس إلى قومٍ ليصلح بينهم ، فكره مالك كل ذلك في المشهور عنه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( على رسلكما ؛ إنما هي صفيَّة ) الرِّسل - بكسر الراء - : الرفق واللين ، وليس فتح الراء فيه معروفًا . و ( الرِّسل ) بالكسر أيضًا : اللبن . وقد جاء : أرسل القوم : صار لهم اللبن في مواشيهم . و ( الرَّسَل ) بفتح الراء والسين : القطيع من الخيل ، والإبل ، والغنم ، وجمعه : أرسال . يقال : جاءت الخيل أرسالًا ؛ أي : قطيعًا قطيعًا ، و ( إنما ) هنا لتحقيق المتصل بها ، وتمحيق المنفصل عنها ، كقوله تعالى : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ أي : الإلهية متحققة له منفيَّة عن غيره . فكأنه قال : هذه صفيَّة لا غيرها حَسْمًا لذريعة التُّهم ، وردًا لتسويل الشيطان ووسوسته ، كما قد نصَّ عليه ، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتَّقي مواقع التُّهم عند قيام الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أولى . وقول الرجلين : ( سبحان الله ) معنى هذه الكلمة في أصلها : البراءة لله من السُّوء . لكنها قد كثر إطلاقها عند التعجب والتفخيم ، أو الإنكار ، كما قال تعالى : سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ) ومثله كثير ، وهذا الموضع منها ، فكأنهما قالا : البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سوَّء بنبيِّه - صلى الله عليه وسلم ولذلك قال في الرواية الأخرى : ( ومن كنت أظن به فلم أكن أظن بك ! ) . وقوله : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) حمله بعض العلماء على ظاهره . فقال : إن الله تعالى جعل للشيطان قوَّة وتمكُّنًا من أن يسري في باطن الإنسان ، ومجاري دمه . والأكثر على أن معنى هذا الحديث : الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته ، وإغوائه ، وحرصه على إضلاله ، وإفساد أحواله . فيجب الحذر منه ، والتحرُّز من حيله ، وسدُّ طرق وسوسته ، وإغوائه وإن بعدت . وقد بين ذلك في آخر الحديث بقوله : ( إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا ، فتهلكا ) وخصوصًا في مثل هذا الذي يفضي بالإنسان إلى الكفر ، فإنَّ ظنَّ السَّوء والشر بالأنبياء كفرٌ . قال القاضي عياض رحمه الله : في هذا الحديث من الفقه : إن من قال في النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا ، أو جوَّزه عليه فهو كافر مستباح الدم . و ( قوله : يقذف في قلوبكما شرًّا ) أي : يرمي . ومنه : القذف أي الرَّمي ، والقذَّافة : الآلة التي تُرْمَى بها الحجارة . والشرُّ هنا : هو الكفر الذي ذكرناه . وفي غير مسلم : ( فتهلكا ) أي : بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السَّوء بالنبي - صلى الله عليه وسلم وذكر في الرواية الأخرى : أنه كان رجلًا واحدًا ؛ فيحتمل أن يكون هذا في مرتين . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر ، فتصح نسبة القصَّة إليهما جمعًا وإفرادًا ، والله تعالى أعلم .
( 2 ) باب العين حق ، والسحر حق ، واغتسال العائن ( 2188 ) ( 42 ) - [2128] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا . ( 2 ) ومن باب العين حق ، والسِّحر حق ، واغتسال العائن ( قوله : العين حقٌّ ) أي : ثابت موجود ، لا شكَّ فيه . وهذا قول علماء الأمَّة ، ومذهب أهل السُّنَّة . وقد أنكرته طوائف من المبتدعة ، وهم محجوجون بالأحاديث النُّصوص الصَّريحة ، الكثيرة الصحيحة ، وبما يشاهد من ذلك في الوجود . فكم من رجل أدخلته العين القبر ، وكم من جمل ظهير أحلَّتْهُ القِدْر ، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ولا يلتفت إلى مُعرِضٍ عن الشرع والعقل ، يتمسك في إنكار ذلك ؛ باستبعاد ليس له أصل ، فإنا نشاهد من خواصِّ الأحجار ، وتأثير السِّحر ، وسموم الحيوانات ما يُقْضَى منها العجب ، ويُتحقَّق أنَّ كل ذلك فعل مسبِّب كلَّ سبب . ولا يلتفت أيضًا إلى قول من قال من المثبتين للعين : إنَّ العائن تنبعث من عينه قوةٍ سُمِّيَّة تتصل بالمعين فيهلك ، أو يفسد ، كما تنبعث قوة سُمِّيَّة من الأفعى والعقرب تتصل باللَّديغ فتهلكه ؛ لأنَّا نقول لهؤلاء : إن كنتم تريدون بالقوَّة أن هناك معنى يقتضي ذلك الضرر بذاته ، وأن ذلك ليس فعلًا لله تعالى فذلك كفر ؛ لأنَّه جحد لما علم من الشرع والعقل ؛ من : أنه لا خالق إلا الله عز وجل ، ولا فاعل على الحقيقة إلا هو . وإن كان يريد بذلك : أن الله تعالى هو الفاعل للسبب والمسبب ؛ فهو الحق الصَّريح ، غير أن إطلاق لفظ القوَّة في هذا المعنى ليس بحسن عند المتشرِّعين ولا صحيح . و ( قوله : ولو كان شيء سابق القَدَر لسبقته العين ) هذا إغياءٌ في تحقيق إصابة العين ، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل ، لا أنَّه يمكن أن يردَّ القدر شيء ، فإنَّ القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته ، ولا رادَّ لأمره ، ولا معقب لحكمه ، وإنَّما هذا خرج مخرج قولهم : لأطلبنَّك ولو تحت الثَّرى . أو : لو صعدت إلى السَّماء ، ونحوه مما يجري هذا المجرى ، وهو كثير . و ( قوله : وإذا استغسلتم فاغسلوا ) هذا خطابٌ لمن يُتَّهم بأنَّه عائن ، فيجب عليه ذلك ، ويُقضى عليه به إذا طُلِب منه ذلك ، لا سيما إذا خيف على المعين الهلاك . وهذا الغسل هو الذي سمَّاه في بعض طرق حديث سهل بن حنيف : بالوضوء ، وذلك : أن عامر بن ربيعة نظر إلى سهل متجرِّدًا فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء ، فوُعِك سهل مكانه ، فأُخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم فقال لعامر : ( علام يقتل أحدكم أخاه ! ألا برَّكت ! إن العين حقٌّ ، توضأ له ) فتوضأ عامر . وفي الطريق الأخرى زيادة الغَسل ؛ قال : فغسل وجهه ، ويديه ، ومرفقيه ، وركبتيه ، وأطراف رجليه ، وداخلة إزاره في قدح ، فَصُبَّ عليه . وصفته عند العلماء : أن يؤتى بقدح من ماء ، ولا يوضع القدح بالأرض ، فيأخذ منه غرفة ، فيتمضمض بها ، ثم يمجها في القدح ، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه ، ثمَّ يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى ، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى ، وبشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن ، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر ، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين ، ثمَّ قدمه اليمنى ، ثمَّ اليسرى ، ثمَّ ركبته اليمنى ، ثم اليسرى على الصَّفة والرتبة المتقدمة ، وكل ذلك في القدح ، ثم داخلة الإزار ، وهو الطرف الذي يلي حِقْوَهُ الأيمن . وقد ذكر بعضهم : أن داخلة الإزار يكنى به عن الفَرْج . وجمهور العلماء على ما قلناه . فإذا استكمل هذا صبَّه خلفه من على رأسه . هكذا نقل أبو عبد الله المازري ، وقال : هذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه . قال القاضي عياض : وبه قال الزهري ، وأخبر : أنه أدرك العلماء يصفونه ، ويستحسنه علماؤنا ، ومضى به العمل ، وزاد : أن غسل وجهه إنَّما هو صبَّة واحدة بيده اليمنى ، وكذلك سائر أعضائه ، وليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء ، وغسل داخلة الإزار هو إدخاله وغسله في القدح ، ثم يقوم الذي يأخذ القدح ، فيصبَّه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده ، يستغفله به . وقيل : يغسله بذلك ، ثم يكفأ الإناء على ظهر الأرض . وقد روي عن ابن شهاب : أنه بدأ بغسل الوجه قبل المضمضة ، وأنه لا يغسل القدمين جميعهما ، بل أطرافهما من عند أصول أصابعه . وقيل في داخلة الإزار : الموضع الذي تمسُّه داخلة الإزار . وقيل : أراد وركه ؛ إذ هو معقد الإزار . وقد روي في حديث سهل : أن العائن غسل صدره مع ما ذكره ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أمره فحسا من الماء حسوات . والمعتمد على ما رواه مالك . والله تعالى أعلم . وفي حديث سهل من الفقه أبواب . فمنها : العائن على الوضوء المذكور ؛ على الوجه المذكور . وقيل : لا يُجبر ، وأن من اتُّهم بأمرٍ أُحضر للحاكم ، وكُشف عن أمره . وأن العين قد تقتل ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( علام يقتل أحدكم أخاه ؟ ) وأن الدُّعاء بالبركة يذهب أثر العين بإذن الله تعالى . وأن أثر العين إنما هو عن حسد كامن في القلب . وأن من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعًا لضرره . قال بعض العلماء : يأمره الإمام بلزوم بيته ، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به ، وكف أذاه عن الناس . وفيه جواز النشر والتطبب بها . فرع : لو انتهت إصابة العائن إلى أن يُعرف بذلك ويُعلَم من حاله أنه كلَّما تكلم بشيء معظَّمًا له ، أو متعجبًا منه أصيب ذلك الشيء ، وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة ، فما أتلفه بعينه غَرِمَه . وإن قتل أحدًا بعينه عامدًا لقتله قتل به ، كالسَّاحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا . وأما عندنا فيقتل على كل حال . قتل بسحره أو لا ؛ لأنَّه كالزنديق . وسيأتي .
( 2189 ) ( 43 ) - [2129] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ ، يُقَالُ لَهُ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَتْ : حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ ، وَمَا يَفْعَلُهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، أما َشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ - أَوْ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي - : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : مَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَ : فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، قَالَ وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ . قَالَتْ : فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، وَاللَّهِ ، لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ؟ قَالَ : لَا ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ . وقول عائشة رضي الله عنها : ( سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهودي ) هذا الحديث يدل على أن السحر موجود ، وأن له أثرًا في المسحور . وقد دلَّ على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسُّنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السِّحر حق ، وأنه موجودٌ ، وأن الشرع قد أخبر بذلك ، كقصة سحرة فرعون ، وبقوله تعالى فيها : وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ و يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السِّحر ، والسَّحرة ، وكقوله تعالى : وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ إلى آخرها . وبالجملة : فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن وجوده ، ووقوعه . فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ ، مكذِّب لله ورسوله ، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا . ومنكر ذلك إن كان مُستسرًّا به فهو الزنديق ، وإن كان مظهرًا فهو المرتد . والسحر عند علمائنا : حيل صناعية يُتوصل إليها بالتعلم ، والاكتساب ، غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس ، فيندر وقوعها ، وتستغرب آثارها لندورها . ومادَّته الوقوف على خواص الأشياء ، والعلم بوجوه تركيبها ، وأزمان ذلك . وأكثره تخييلات لا حقيقة لها ، وإيهامات لا ثبوت لها ، فتعظم عند من لا يعرفها وتشتبه على من لا يقف عليها . ولذلك قال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا . وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله : وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها ، وذلك بخلاف عصا موسى ، فإنَّها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة ، وإظهارًا للمعجزة . ولا ينكر أن السِحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض ، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ، ويحول بين المرء وقلبه ، وبإدخال الآلام ، وعظيم الأسقام ؛ إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة ، وإنكاره معاندة . وعلى ما قررناه فالسحر ليس بخرق عادة بل هو أمر عادي يتوصَّل إليه من يطلبه غالبًا ؛ غير أنه يقل ويندر . فلا نقول : إن السَّاحر تنخرق له العادة ؛ خلافًا لمن قال من أئمتنا وغيرهم : إن العادة تنخرق له . فإن أراد بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلّم ، ما لم يدّع النبوة . فإنَّ حاصل ذلك أنه أمر ممكن . والله تعالى قادر على كل ممكن . وإن أراد بذلك : أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو باطل بما قدَّمناه . واستيفاء مباحثه في علم الكلام . وقولها : ( حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله ) قد جعل هذا بعض أهل الزَّيغ مطعنًا في النبوة . وقال : إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك . والجواب : إن هذا صَدَر عن سوء فهم وعدم علم . أما سوء الفهم ؛ فلأنها إنما أرادت أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ عن النساء ، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك ، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه . وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير كتاب مسلم . فقالت : حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ، فلا يأتيهن . ولو لم يُنقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره ، كما صحَّ فيه . فيتخيل إليه أنه يُقْدِم على الأكل ، أو المشي مثلًا ؛ لأنَّه لا يُحسُّ بمانع يمنعه منه . فإذا رام ذلك ، وأخذ فيه لم يتأت له ذلك ، لغلبة المرض الناشئ عن السحر . لا أنه - صلى الله عليه وسلم - أوجب له خللًا في عقله ، ولا تخليطًا في قوله ؛ إذ قد قام برهان المعجزة على صدقه ، وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله . وأما عدم علم الطاعن : فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات ، وما تدل عليه المعجزات . فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر ، وأنه يجوز عليهم من الأمراض ، والآلام ، والغضب ، والضجر ، والعجز ، والسحر ، والعين ، وغير ذلك ، ما يجوز على البشر ، لكنهم معصومون عمَّا يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى ، والصِّدق ، والعصمة عن الغلط في التبليغ . وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ . من حيث البشرية : يجوز عليه ما يجوز عليهم . ومن حيث الخاصة النبويَّة : امتاز عنهم ، وهو الذي شهد له العلي الأعلى ؛ بأن بصره ما زاغ وما طغى ، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى ، وبأن قوله وحي يوحى ، وأنه ما ينطق عن الهوى . و ( قوله : ثم دعا ، ثم دعا ) أي : إظهارًا للعجز والافتقار ، وعلمًا منه : بأن الله هو الكاشف للكرب ، والأضرار ، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار . و ( قوله : أما شعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ) أي : أجابني فيما دعوته . فسمَّى الدعاء : استفتاء . والجواب : فتيا ؛ لأنَّ الداعي طالب ، والمجيب مسعفٌ ، فاستعير أحدهما للآخر . و ( قوله : جاءني رجلان ) أي : ملكان في صورة رجلين . وظاهره : أن ذلك كان في اليقظة . ويُحتمل أن يكون منامًا ، ورؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي . و ( قوله : ما وجع الرَّجل ؟ ) أي : ما مرضه ؟ و ( المطبوب ) : المسحور . يقال : طُبَّ الرَّجل : إذا سحر . قال ابن الأنباري : الطِّبُّ من الأضداد . يقال لعلاج المرض وللسِّحر . قلت : وإنما قيل ذلك ؛ لأنَّ أصل الطِّبَّ الحِذق بالشيء ، والتفطن له ، ولما كان علاج المريض والسِّحر ؛ إنما يكونان عن فطنة وحِذق : قيل على كل واحد منهما : طبٌّ ، ولمعاينهما : طبيب ، وفي الطب ثلاث لغات : كسر الطاء ، وفتحها ، وضمها . و ( الْمُشط ) بضم الميم : واحد الأمشاط التي يمشط بها . والمشط أيضًا : نبت صغير يقال له : مشط الذيب . والمشط - أيضًا - : سلاميات ظهر القدم . ومشط الكتف : العظم العريض . قلت : ويحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدًا من هؤلاء الأربعة . و ( الْمُشاطة ) بالطاء : هو ما يسقط من الشعر عند الْمَشْطِ . ووقع في البخاري : مشاقة - بالقاف - وهي الواحدة من مشاق الكتان . وقيل : هي المشاطة من الشعر . و ( جف طلعة ذكر ) روايتنا فيه بالفاء ، وهي المشهورة . وقال أبو عمر : قد روي بالباء بواحدة تحتها . فبالفاء : هي وعاء الطلع ، وهو الغشاء الذي يكون عليه . وبالباء ؛ قال شمر : أراد بالجب داخل الطلعة إذا أخرج عنها الكُفُرَّى ، كما يقال لداخل الرُّكية ، من أسفلها إلى أعلاها : جبٌّ . وقيل فيه : إنه من القطع ؛ يعني به : ما قطع من قشورها . و ( قوله : في بئر ذي أروان ) كذا هو في الأصل ، وخارج الحاشية : في بئر ذروان . ووقع في البخاري في كتاب الدَّعوات : في ذروان بئر في بني زريق . وقال القتبي : الصواب : ذي أروان ، كما في الأصل . و ( قوله : والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين ) فيه دليل : على جواز اليمين وإن لم يستحلف . ونقاعة الحنَّاء : الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نقعت فيه . وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين يعني : أنَّها مستكرهة ، مستقبحة المنظر ، والمخبر . وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئًا شبهوه بأنياب أغوال ، أو رؤوس الشياطين . وقد تقدَّم نحو هذا . ويعني - والله أعلم - : أن هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خراب لا تعمر لرداءتها ، فبئرها معطلة ، ونخلها مشذَّبةٌ ، مهملة ، وتغيُّر ماء البئر : إما لطول إقامته ، وإما لما خالطه مما أُلقي فيه . وقولها : ( أفلا أحرقته ) كذا صحَّت الرواية . وتعني به : السِّحر . ووقع في بعض النُّسخ : ( أخرجته ) كذا بدل ( أحرقته ) وهي أصوب ؛ لأنَّها هي التي تناسب قوله : ( لا ، أما أنا فقد عافاني الله ، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا ) أي : بإخراج السِّحر من البئر ، فلعلَّه يعمل به ، أو يضر أحدًا . و ( قوله : فأمرت بها فدفنت ) أي : بالبئر ؛ يعني : أنها ردمت على السحر الذي فيها ؛ لما يخاف من ضرر السِّحر ، ومن ضرر ماء ذلك البئر . هذا معنى ما ذكره بعض الشارحين لهذا الحديث . ووقع في رواية في " الأم " : قالت عائشة رضي الله عنها : قلت : يا رسول الله ! فأخرجته ؟ تستفهمه : هل كان منه إخراج له ؟ والرواية المتقدِّمة على العرض ، وهما متقاربتان في المعنى . وفي كل الروايات فجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لها واحدٌ ، وهو : أنه لم يفعل ذلك ، ولا وجد منه . قلت : ويظهر لي : أن رواية : ( أفلا أحرقته ؟ ) أولى من غيرها ؛ لأنَّه يمكن أن تكون استفهمته عن إحراق لبيد بن الأعصم ؛ الذي صنع السِّحر فأجابها بالامتناع من ذلك ؛ لئلا يقع بين الناس شرٌّ بسبب ذلك ، فحينئذ يكون فيه حجَّة لمالك على قتل السَّاحر إذا عمل بسحره . وإنَّما امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شرٌّ بين المسلمين واليهود ؛ لما كان بينهم من العهد والذمَّة . فلو قتله : لثارت فتنة ، ولتحدَّث الناس : أن محمَّدًا يقتل من عاهده وأمَّنه . وهذا نحو مِمَّا راعاه في الامتناع من قتل المنافقين ، حيث قال : ( لئلا يتحدَّث الناس : أن محمَّدًا يقتل أصحابه ) فيكون ذلك منفرًا عن الدُّخول في دينه ، وفي عهده . والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم : أن السَّاحر عند مالك كالزنديق ؛ لأنَّ العمل عنده بالسِّحر كفر مُستَسرٌّ به ، فلا تُقبل توبة السَّاحر ، كما لا تقبل توبة الزنديق ؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته . وقال الشافعي : إن عمل السَّحر ، وقتل به ؛ فإن قال : تعمدت القتل ؛ قتل . وإن قال : لم أتعمده لم يقتل ، وكانت فيه الدِّية . وإنما صار مالك : إلى أن السحر كفرٌ ؛ لقوله تعالى : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ أي : بالسحر . ويتأيَّد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثرٌ بذاته وحقيقته ، وذلك كفر . وبقول مالك قال أحمد ، وجماعة من الصحابة والتابعين ، والشافعي في قولٍ له آخر . وروي عنه أيضًا : أنه يسأل عن سحره ، فإنَّ كان كفرًا ؛ استتيب منه . وقال مالك في المرأة تعقد زوجها : أنَّها تُنكَّل ولا تقتل . وقال ابن المسيب في رجل طُبَّ ، أو أخذ عن امرأته أيُحِلُّ ويُنْشَر ؟ قال : لا بأس به . وقال : أما ما ينفع فلم ينه عنه . وأجاز أيضًا أن يسأل من الساحر حل السِّحر . وإليه مال المزني ، وكرهه الحسن البصري .
( 31 ) كتاب : الرقى والطب ( 1 ) باب في رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ( 2185 ) ( 39 ) - [2126] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَاهُ جِبْرِيلُ ، قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي شر . ( 31 ) كتاب الرُّقى والطِّبِّ ( 1 ) باب في رقية جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - قولها : ( كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى رقاه جبريلُ - عليه السلام - ) دليلٌ على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى وبالعُوَذ الصحيحةِ المعنى ، وأن ذلك لا يناقض التوكل على الله تعالى ولا ينقصه ؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق الناس بأن يجتنبَ ذلك ، فإن الله تعالى لم يزل يُرَقِّي نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في المقامات الشريفة ، والدَّرجات الرَّفيعة إلى أن قبضه الله على أرفع مقام ، وأعلى حال ، وقد رُقي في أمراضه ، حتى في مرض موته - صلى الله عليه وسلم فقد رقته عائشة رضي الله عنها في مرض موته ، ومسحته بيدها وبيده ، وهو مُقرٌّ لذلك ، غير منكر لشيء مما هنالك . وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب الإيمان . و ( قوله : باسم الله يبريك ) الاسم هنا يراد به المسمَّى ؛ فكأنه قال : الله يبريك ، كما قال تعالى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى أي : سبح ربَّك . ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدَّالة على المسمَّى ، والمسمَّى هو مدلولها ، غير أنه قد يتوسَّع ، فيوضع الاسم موضع المسمَّى مسامحة ، فتدبَّر هذا ، فإنَّه موضع قد كثر فيه الغلط ، وتاه فيه كثير من الجهَّال وسقط . وموضع استيفائه علم الكلام . و ( قوله : ومن كل داء يشفيك ) دليلٌ على جواز الرُّقى لما وقع من الأمراض ، ولما يتوقع وقوعه . وقوله : وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ دليلٌ على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا يقع به ، إمَّا في جسمه بمرض ، أو في ماله وما يختص به بضرر ، وذلك بإذن الله تعالى ، ومشيئته ، كما قد أجرى عادته ، وحقق إرادته ، فربط الأسباب بالمسببات ، وأجرى بذلك العادات ، ثمَّ أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه ، والدعاء ، وأحالنا على الاستعانة بالعُوَذ والرُّقى .
( 2186 ) ( 40 ) - [2127] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، اشْتَكَيْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ . و ( قوله : من شرِّ كلِّ نفسٍ - أو : عين - ) هذا شك من الرَّاوي في أي اللفظين قال ، مع أن معناهما واحد ، فإن النَّفس يقال على الإصابة بالعين ، يقال : أصابت فلانًا نفس ؛ أي : عين . والنافس : العائن . قاله القتبي . وتطلق النفس على أمور أخر ليس شيء منها يراد بهذا الحديث . والله تعالى أعلم .
( 2196 ) ( 97 ) - [2135] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ . و " النملة " قال ابن قتيبة : هي قروح تكون في الجنب وغير الجنب ، تزعم المجوس أن ولد الرَّجل إذا كان من أخته فخطَّ على النملة شفي صاحبها ، وأنشد : ولا عَيْبَ فِينَا غير عِرْقٍ لِمًعْشَرٍ كِرَامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمل أي : لسنا بمجوس ننكح الأخوات . قال غيره : تكون في الجنب وغير الجنب - والمشهور فيها فتح النون ، وحكى الهروي فيها الضم ، فأمَّا النَّملة بكسر النون : فهي المشية المتقاربة - حكاها الفرَّاء .
( 2158 ) ( 60 ) - [2137] وعن جابر بن عبد الله قال : رَخَّصَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآلِ حَزْمٍ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ ، وَقَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ : مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمْ الْحَاجَةُ ؟ قَالَتْ : لَا ، وَلَكِنْ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ ! قَالَ : ارْقِيهِمْ . قَالَتْ : فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : ارْقِيهِمْ . وقوله " ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة ؟ " أي : ضعيفة نحيلة ، وأصل الضراعة الخضوع والتذلل ، ويعني بهم بني جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم .
( 2197 ) ( 59 ) - [2136] وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ رَأَى بِوَجْهِهَا سَفْعَةً ، فَقَالَ : بِهَا نَظْرَةٌ ، فَاسْتَرْقُوا لَهَا - يَعْنِي : بِوَجْهِهَا صُفْرَةً . و " السَّفعة " تُروى بفتح السين وضمها ، والفتح أكثر . وقد فسَّرها الراوي بقوله : يعني بوجهها صفرة . وفيه تسامح ، فإنَّ السفعة هي فيما قاله الأصمعي : حمرة يعلوها سواد . وقال الحربي : هي سوادٌ في الوجه . و " النَّظرة " العين - قاله الهروي ، وقال أبو عبيد : يقال رجل به نظرة ؛ أي : عين . قلت : وجميع أحاديث الرُّقية الواقعة في كتاب مسلم إنَّما تدلُّ على جواز الرُّقي بعد وقوع الأسباب الموجبة للرُّقية من الأمراض والآفات ، وأما قبل وقوع ذلك ففي البخاري عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين ، ثمَّ يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده ، فكان هذا دليلًا على جواز استرقاء ما يتوقع من الطوارق والهوام وغير ذلك من الشرور ، وقد تقدم في الإيمان الخلاف فيه .
( 5 ) باب مماذا يرقى ؟ ( 2193 ) ( 52 ) - [2133] عن عَائِشَةَ قَالَتْ : رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ . ( 2195 ) ( 56 ) - [2134] وعنها قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَرْقِيَ مِنْ الْعَيْنِ . ( 5 ) ومن باب مِمَّاذا يرقى قول عائشة رضي الله عنها " رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرُّقية من الحمة " ، وقول أنس " رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرُّقية من العين والحمة والنملة " - دليلٌ على أن الأصل في الرّقي كان ممنوعًا كما قد صرَّح به ، حيث قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرُّقى . وإنَّما نهى عنه مطلقًا لأنَّهم كانوا يرقون في الجاهلية بِرُقًى هو شركٌ وبما لا يفهم ، وكانوا يعتقدون أن ذلك الرُّقى يؤثر ، ثم إنهم لما أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك عمومًا ليكون أبلغ في المنع وأسدّ للذريعة ، ثم إنهم لما سألوه وأخبروه أنهم ينتفعون بذلك رخص لهم في بعض ذلك وقال : " اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك " ، فجازت الرُّقية من كل الآفات من الأمراض والجراح والقروح والحمة والعين وغير ذلك إذا كان الرُّقى بما يفهم ولم يكن فيه شرك ولا شيء ممنوع ، وأفضل ذلك وأنفعه ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم . وقوله " من كل ذي حمة " ؛ أي : من لَسْع كل دابَّة ذات سُمٍّ . والحمة : السُّم - والمشهور فيه ضم الحاء ، قال بعضهم : وقد تفتح . وهي مخففة الميم على كل حال .
( 20 ) باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع ( 2229 ) ( 124 ) - [2172] عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، كُنَّا نَقُولُ : وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنْ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ ، فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا ، فَيخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ ، فَمَا جَاؤوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ . وفي رواية : وَقَالَ اللَّهُ : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ( 20 ) ومن باب رمي الشياطين بالنجوم قوله " لكن ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش " ؛ أي : أظهر قضاءه وما حكم به لملائكته ، لأنَّ قضاءه إنما هو راجع إلى سابق علمه ونفوذ مشيئته وحُكمه ، وهما أزليان ، فإذا اطّلع حملة العرش على ما سبق في علمه خضعت الملائكة لعظمته وضجَّت بتسبيحه وتقديسه ، فيسمع ذلك أهل السماء التي تليهم ، وهكذا ينتهي التسبيح لملائكة سماء الدنيا ، ثم يتساءلون فيما بينهم : ماذا قال ربكم ؟ على الترتيب المذكور في الحديث . ففيه ما يدل على أن حملة العرش أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة ، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السماوات ، وأن الكل منهم لا يعلمون شيئًا من الأمور إلا بأن يعلمهم الله تعالى به ، كما قال تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ وفيه ما يدل على أن علوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلا حملة العرش ؛ فإنهم يستفيدون علومهم من الحق سبحانه وتعالى ، فإنَّهم هم المبدوؤون بالإعلام أولًا ، ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها ، وفي هذا دليل على أن النجوم لا يعرف بها علم الغيب ولا القضاء ، ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به ، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا ، وإنَّما هو رجم بظن وتخمين بوهم ، الإصابة فيه نادرة ، والخطأ والكذب فيه غالب ، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين ، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات وتعرف به الأوقات ، وما سوى ذلك فمخارق وتُرَّهات ، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم ، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرَّم مذموم . وقوله " ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون " ، هكذا عند ابن ماهان ، وهو من القرف وهو الخلط - قاله صاحب الأفعال ؛ أي : يخلطون فيها من الكذب . ورواه يونس " يُرَقَّون " بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف ، وفي بعض النسخ " يَرْقُون " بفتح الياء وتسكين الراء وتخفيف القاف ؛ أي يتقوَّلون ، يقال : رقي فلان على الباطل ؛ أي : تقوَّله - بكسر القاف ، وهو من الْرقي وهو الصعود ؛ أي : إنهم يقولون فوق ما سمعوا - قاله القاضي عياض . وقوله : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ، قرأه ابن عامر ويعقوب " فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ " مبنيًا للفاعل ، ويكون فيه ضمير يعود على الله تعالى ؛ أي : أزال عن قلوبهم الفزع ، وهذا على نحو قولهم : مرَّضتُ المريض - إذا عالجته فأزلتُ مرضه . وقرأه الجماعة " فُزِّعَ " بضم الفاء مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله ؛ أي : أزيل عن قلوبهم الفزع ، وهو الذعر على كلتا القراءتين . قال كعب : إذا تكلَّم الله بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرَّت فزعًا ، ثم قالوا فيما بينهم : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ وقوله : قَالُوا الْحَقَّ بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف ؛ أي : قال القول الحق ، وهو مفعول مطلق لا مفعول به ؛ لأنَّ القول لا يتعدَّى إلا إلى الجمل في أكثر قول النحويين . وقوله : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ؛ أي : العلي شأنه ، الكبير سلطانه . قلت : وهذا التفسير هو الموافق لهذا الحديث ، فتعيَّن أن يكون هو المراد من الآية ، وللمفسرين أقوال أخر بعيدة عن معنى الحديث أضربت عنها لذلك ، فمن أرادها وجدها في كتبهم .
( 3 ) باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها ( 2190 ) - [2130] عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ ، قَالَ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلكِ قَالَ - أَوْ قَالَ : عَلَيَّ قَالَ - : قَالُوا : أَلَا تَقْتُلُهَا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 3 ) ومن باب ما جاء أن السُّموم لا تؤثر بذاتها قوله : ( إن يهوديَّة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاةٍ مسمومة ) ظاهره : أنها أتته بها على وجه الهدية ، فإنَّه كان يقبل الهديَّة ، ويُثيب عليها . ويحتمل أن تكون ضيافة ، وأبعد ذلك أن تكون بيعًا . وفي غير كتاب مسلم : أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ من الشاة الذراع ، فأكل منها هو وبشر بن البراء ، وأنه قال عند ذلك : ( إن هذه الذراع تخبرني : أنها مسمومةٌ ) فأحضرت اليهوديَّة ، فسُئلت عن ذلك ، فاعترفت ، وقالت : إنما فعلت ذلك ؛ لأنَّك إن كنت نبيًّا لم يضرك ، وإن كنت كاذبًا أَرَحْتَ منك . وفي كتاب مسلم قالت : أردت لأقتلك . فأجابها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن قال : ( ما كان الله ليسلطك على ذلك ) فلم يضرَّ ذلك السُّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طول حياته غير ما أثَّر بلهواته وغير ما كان يعاوده منه في أوقات ، فلما حضر وقت وفاته أحدث الله تعالى ضرر ذلك السُّم في النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوفي بسببه ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه : ( لم تزل أكلة خيبر تعاودني ، فالآن أوان قطعت أبهري ) فجمع الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بين النبوَّة والشهادة مبالغة في الترفيع والكرامة . وأمَّا بشر بن البراء : فروي : أنه مات من حينه . وقيل : بل لزمه وجعه ذلك ، ثم توفي منه بعد سنة . ففي هذا الحديث فوائد كثيرة ؛ أهمها : ما أظهر الله تعالى من كرامات النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كلمه الجماد ، ولم يؤثر فيه السُّم ، وعلم ما غيب عنه من السُّم . وفيه ما نبه عليه في الترجمة : من أن السُّموم لا تؤثر بذواتها ، بل بإذن الله تعالى ومشيئته . ألا ترى : أن السُّم أثر في بشر ولم يؤثر في النبي - صلى الله عليه وسلم فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال ؟ ! . و ( قوله : ألا تقتلها ! قال : لا ) هذه رواية أنس : أنَّه لم يقتلها . وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابن وهب . وقد روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن : أنَّه قتلها . وفي رواية ابن عباس : أنَّه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها . ويصح الجمع ، بأن يقال : إنه لم يقتلها أولًا بما فعلت من تقديم السُّم إليهم ، بل حتى مات بشر ، فدفعها إليهم فقتلوها . ففيه من الفقه : أن القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص . وهو قول مالك إذا استكرهه على شربه فيقتل بمثل ذلك . وقال الكوفيون : لا قصاص في ذلك ، وفيه الدِّية على عاقلته . قالوا : ولو دسَّه له في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا على عاقلته . وقال الشافعي : إذا فعل ذلك به وهو مكره ففيه قولان : أحدهما : عليه القود ، وهو أشبهها . والثاني : لا قود عليه . وإن وضعه له ، فأخبره ، فأخذه الرَّجل ، فأكله ، فلا عقل ، ولا قود ، ولا كفارة . و ( قوله : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي : أعرف أثرها ، فإمَّا بتغيّر لون اللَّهوات ، وإمَّا بنتوءٍ ، أو تحفير فيها . واللهوات : جمع لهاة ، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك . قاله الأصمعي . وقيل : ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه .
( 2194 ) - [2132] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ، ثُمَّ رَفَعَهَا : بِاسْمِ اللَّهِ ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا ، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا ، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا . وفي رواية : لِيُشْفَى . وفي أخرى : لِيُشْفَى سَقِيمُنَا . وقوله " كان إذا اشتكى الإنسان مِنَّا أو كانت به قرحة أو جرح " يدل على جواز الرُّقي من كل الأمراض والجراح والقروح ، وأن ذلك كان أمرًا فاشيًا بينهم معمولًا به عندهم . ووضع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبابته بالأرض ورقاه بها يدل على استحباب ذلك عند الرُّقي ، وزعم بعض علمائنا أن ذلك معلل بأن تراب الأرض لبرودته ويبسه يقوي الموضع الذي به الألم ويمنع انصباب المواد إليه بيبسه وتجفيفه مع منفعته في تجفيف الجراح وإدمالها . وقال في الرِّيق : إنه يختصُّ بالتحليل والإنضاج والإدمال وإبراء الجراحات والأورام والثآليل ، لا سيَّما من الصائم والجائع . قلت : وهذا إنَّما يكون عند المعالجة والشروع فيها على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والرِّيق وملازمة ذلك في أوقاته . وأمَّا ووضع السَّبابة على الأرض فلا يتعلَّق منها بالمرقِي شيء له بالٌ ولا أثر ، وإنَّما هذا من باب التَّبرُّك بأسماء الله تعالى وبآثار رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأما الرِّيق ووضع الإصبع وما أشبه ذلك فإمَّا أن يكون ذلك لخاصية فيه وإمَّا أن يكون ذلك لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة ، والله تعالى أعلم .
( 4 ) باب ما كان يرقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم المرضى ، وكيفية ذلك ( 2191 و 2192 ) - [2131] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي ، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا . فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى . قَالَتْ : فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى ! وفي رواية : كَانَ إِذَا دعا مَرِيضًا يَقُولُ : أَذْهِبْ الْبَاسَ - وذكره . وفي أخرى قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي . وفي أخرى : كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ ، وَيَنْفُثُ - وفي رواية : ومسح عنه بيده - فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا . ( 4 ) ومن باب : ما كان يرقي به النبي - صلى الله عليه وسلم - المريض قوله " أذهب الباس ربَّ الناس ! " ، البأس : الضرر . وفيه دليلٌ على جواز السَّجع في الدعاء والرقى إذا لم يكن مقصودًا ولا متكلَّفًا . وقوله " شفاء لا يغادر سقمًا " ، " شفاء " منصوبٌ على المصدر ، وصدره : واشف . والشافي : اسم فاعل من ذلك ، والألف واللام فيه بمعنى الذي ، وليس باسم علم لله تعالى إذ لم يكثر ذلك ولم يتكرر على ما قدَّمناه . و " لا يغادر " أي : لا يترك . و " السَّقم " : المرض . و " مسحه - صلى الله عليه وسلم - بيمينه عند الرَّقي " دليل على جواز ذلك ، وحكمته التبرُّك باليمين وأن ذلك غاية تمكُّن الرَّاقي ، فكأنَّه مد يده لأخذ المرض وإزالته . ومن حكمته : إظهار عجز الرَّاقي عن الشفاء ، وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى ، ولذلك قال عند ذلك : " لا شفاء إلا شفاؤك " . و " الرفيق الأعلى " يعني به - والله أعلم - الملأ الكريم من الملائكة والنبيين ، وقيل : يعني به الله تعالى - وفيه بُعدٌ من جهة اللسان ، وسيأتي له مزيد بيان . و " النفث " : نفخ يسير مع ريق يسير ، وهو أقل من التَّفل . و " المعوِّذات " يعني بها : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ونحو قوله تعالى : رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
( 19 ) باب النهي عن الكهانة ، وعن إتيان الكهان ، وما جاء في الخط ( 537 ) ( 121 ) - [2168] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ ! قَالَ : فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ . قَالَ : قُلْتُ : كُنَّا نَتَطَيَّرُ ! قَالَ : ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ ، فَلَا يَصُدَّهم . قَالَ : قُلْتُ : وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ ! قَالَ : كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ . ( 19 ) ومن باب النهي عن الكهانة وإتيان الكهان الكهان : جمع كاهن ، ككتاب جمع كاتب ، والكهانة : ادِّعاء علم الغيب ، وقد تكلَّمنا على حديث معاوية بن الحكم في باب نسخ الكلام في الصلاة . قال القاضي أبو الفضل : الكهانة كانت في العرب على أربعة أضرب ؛ أحدها : أن يكون للإنسان رَئِي من الجن يخبره بما يسترق من السمع ، وهذا القسم قد بطل منذ بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كما نصَّ الله تعالى عليه في الكتاب . والثاني : أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض ، وما يخفى مما قرب أو بعد ، وهذا لا يبُعد وجوده . ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين وأحالوه ، ولا استحالة ولا بُعد في وجود مثل هذا ، لكنهم بعد يكذبون ، والنهي عام في تصديقهم والسماع منهم . الثالث : التخمين والحزر ، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدة قوة ، لكن الكذب في هذا الباب أغلب . قال : ومن هذا الباب العرافة ، وصاحبها عرَّاف ، وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب ومقدمات يدِّعي معرفتها . وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك ، وهذا الفن هي العيافة - بالياء ، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة . قلت : وإذا كان كذلك فسؤالهم عن غيب ليخبروا عنه حرام ، وما يأخذون على ذلك حرام ، ولا خلاف فيه ؛ لأنَّه حلوان الكاهن المنهي عنه . قال أبو عمر : ويجب على من ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق وينكر عليهم أشدَّ النكير ، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك ، وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة ، فإنَّ تلك الكلمة إما خطفة جني أو موافقة قدر ليغترَّ به بعض الجهال ، ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل ، ومن أديانهم على الفساد والضلال .
( 2228 ) ( 122 ) - [2169] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا ! قَالَ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ . ( 2228 ) ( 123 ) - [2170] وعنها قالت : سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكُهَّانِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسُوا بِشَيْءٍ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّيْءَ يَكُونُ حَقًّا ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْجِنِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُذفهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ . وقوله " تلك الكلمة يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه " ؛ أي يرميها في أذنه ويُسمعه إياها ، وفي الرواية الأخرى " فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة " ؛ أي يضعها في أذنه ، يقال : قررت الخبر في أذنه أقره قرًّا . ويصحُّ أن يقال : ألقاها في أذنه بصوت . يقال : قرَّ الطائر صوت . و " قرُّ الدجاجة " بكسر القاف حكاية صوتها ، قال الخطابي : قرَّت الدجاجة تقرُّ قرًّا وقريرًا - إذا رجَّعت فيه ، قيل : قرقرت قرقرةً وقرقريرًا . قال الشاعر : وإن قرقرت هاجَ الهوَى قرقرِيرُها قال : والمعنى أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع بها الشياطين كما تؤذن الدجاج بصوت صواحباتها فتتجاوب . قلت : والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه أن الجنِّي يلقي إلى وليه تلك الكلمات بصوت خفي متراجع يُزَمْزِمُهُ ويُرَجِّعه له كما يلقيه الكهان للناس ، فإنَّهم تسمع لهم زمزمة وإسجاع وترجيع على ما علم من حالهم بالمشاهدة والنقل . ولم يختلف أحدٌ من رواة مسلم أن الرواية في هذا اللفظ " قرَّ الدجاجة " يعني به الطائر المعروف ، واختلف فيه عن البخاري ؛ فقال بعض رواته " كقرِّ الزجاجة " بالزاي ، قال الدارقطني : هو مما صحَّفوا فيه ، والصواب : الدجاجة - بالدال . وقيل : الصواب الزجاجة ؛ بدليل ما قد رواه البخاري " فيقرها في أذنه كما تقرّ القارورة " ، وهي بمعنى الزجاجة ؛ أي : كما يسمع صوت الزجاجة إذا حكَّت على شيء أو إذا أُلقي فيها ماء أو شيء .
( 2230 ) - [2171] وعَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . وقوله " من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا " ، العراف هو الحازي والمنجِّم الذي يدَّعي الغيب ، وهذا يدلّ على أن إتيان العرافين كبيرة ، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل ، وهو خارج على أصول الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب ، وقد بيَّنا فساد هذا الأصل فيما تقدم ، وأنه لا يحبط الأعمال إلا الردة . وأما غيرها فالحسنات تبطل السيئات كما قال تعالى : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وهذا مذهب أهل السنَّة والجماعة ، فليس معنى قوله " لا تقبل له صلاة " أن تحبط ، بل إنما معناه - والله أعلم - أنَّها لا تقبل قبول الرضا وتضعيف الأجر . لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها فقد برئت ذمّته من المطالبة بالصلاة وتُقصَى عن عهدة الخطاب بها ، ويفوته قبول المرضي عنه وإكرامه وثوابه ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض ، ولله المثل الأعلى ، وذلك أن الْمُهدِي إما مردودٌ عليه أو مقبول منه ، والمقبول إما مقرَّب مُكرَّم مثاب وإما ليس كذلك ، فالأول هو المبعدُ المطرود ، والثاني هو المقبول القبول التام الكامل ، والثالث لا يصدق عليه أنه مثل الأول فإنه لم تردَّ هديته ، بل قد التفت إليه وقُبلت منه ، لكنه لما لم يُثب ولم يُقرَّب صار كأنه غير مقبول منه ، فيصدق عليه أنَّه لم يُقبل منه إذ لم يحصل له ثواب ولا إكرام . وتخصيصه - صلى الله عليه وسلم - الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع ؛ منها : قوله في شارب الخمر " لا تقبل له صلاة أربعين يومًا " ، وقوله " والذي نفسي بيده ، إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا ، ثم يكون علقةً مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك " ، وقوله " من أخلص لله أربعين ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . ومنه قوله تعالى : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ومنه توقيته - صلى الله عليه وسلم - في قص الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة ، فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص هو سرٌّ من أسرار الشريعة لم يطلع عليه نصًّا ، غير أنه قد تنسم منه بعضُ علمائنا أمرًا تسكن النفسُ إليه ، وذلك أنه قال : إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خصَّ بالذكر لأنَّه مدَّة يكمل فيها ما ضربت له ، فينتقل إلى غيره ويحصل فيها تبدُّله وبيانه بانتقال أطوار الخلقة في كل أربعين منها يكمل فيها طور ، فينتقل عند انتهائه إلى غيره ، كما قد نصَّ عليه في الحديث ، وكذلك في الأربعين الميعادية : أمر بنو إسرائيل أن يكملوا تهيَّؤهم لسماع كلام الله ، فكمل لهم ذلك عند انتهائها ، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية ، وأما أربعون شارب الخمر فليَتَبدَّل لحم شارب الخمر بغيره ، ويؤيده أن أهل التجارب قالوا : إن السمن يظهر في الحيوان في أربعين يومًا ، وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة ؛ لأنَّها عند انتهائها يكمل فحشها واستقذارها ، فينبغي أن تغير عن حالها . وأما أربعون إتيان العراف فلأنها - والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها وفي جوارحه ، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير ، والله تعالى أعلم .
( 7 ) باب أم القرآن رقية من كل شيء ( 2201 ) ( 65 ) - [2140] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا فِي سَفَرٍ ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ ، فَقَالُوا لَهُمْ : هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ - أَوْ مُصَابٌ ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : نَعَمْ . فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وقَالَ : حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ! فَتَبَسَّمَ وَقَال : وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ ثُمَّ قَالَ : خُذُوا مِنْهُمْ ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ . وفي رواية : فَجَعَلَ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ . ( 7 ) ومن باب : أمِّ القرآن رقيةٌ من كل شيء " الحي " القبيل ، و " استضافوهم " سألوهم الضيافة ، و " اللَّديغ " الذي لدغته الحيَّة أو العقرب ، وقد يُسمَّى بالسليم تفاؤلًا كما قد جاء في الرواية الأخرى . و " القطيع من الغنم " هو الجزء المقتطع منها ، فعيل بمعنى مفعول . وقوله " وما أدراك أنها رقية ؟ ! " ؛ أي : أي شيء أعلمك أنَّها رقية ؟ ! تعجبًا من وقوعه على الرُّقى بها ، ولذلك تبسَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قوله " وما أدراك أنها رقية ؟ ! " ، وكأن هذا الرجل علم أن هذه السورة قد خصَّت بأمور ؛ منها : أنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ، وأنها متضمنة لجميع علوم القرآن من حيث إنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى ، وعلى الابتهال إلى الله تعالى في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين ، وعلى بيان عاقبة الجاحدين . وقد روى الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا ، وفيه " فقال : وما يدريك أنها رقية ؟ ! فقلت : يا رسول الله ، شيء ألقي في روعي . قال : فكلوا وأطعمونا من الغنم " ، وقيل : إن موضع الرُّقية منها إنما هو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ويظهر لي أن السُّورة كلها موضع الرُّقية لما ذكرناه ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " وما أدراك أنَّها رقية ؟ " ، ولم يقل : إن فيها رقية . وقوله " اقسموا ، واضربوا لي بسهم معكم " ، هذه القسمة إنَّما هي قسمة برضا الرَّاقي ؛ لأنَّ الغنم ملكه ، إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحقها ، لكن طابت نفسه بالتشريك فأحاله النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يقع به رضا المشتركين عند القسمة وهي القرعة ، فكان فيه دليل على صحة العمل بالقرعة في الأموال المشتركة ، وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيها في النكاح . وقوله في الأم " ما كنا نأبُنُه برقية " ؛ أي نتهمه بها ، يقال : أَبَنْتُ الرَّجل ، آبُنُهُ ، وآبِنُهُ - إذا رميته بخلَّة سوء . ومنه : رجل مأبون ؛ أي : معيبٌ . والأبْنَة : العيب . ومنه : عودٌ مأبون - إذا كان فيه أُبْنَة تعيبه ؛ أي : عقدة - قاله القتبي وغيره . وقد روي هذا الحرف " ما كنَّا نظنه " بدل " نأبنه " ؛ أي : نتهمه . وقد ذكر أبو داود حديث أبي سعيد هذا على مساق فيه زوائد ، فلنذكره على سياقه ، فقال : عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رهطًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انطلقوا في سفرة سافروها ، فنزلوا بحي من أحياء العرب ، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم . قال : فلُدِغ سيِّدُ ذلك الحي ، فَشَفَوا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا بكم لعل يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم ! فقال بعضهم : إن سيِّدنا لُدغ ، فشفينا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فهل عند أحد منكم شيء يشفي صاحبنا رُقية ؟ فقال رجل من القوم : إني لأرقي ، ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا ! ما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جعلًا ! فجعلوا له قطيعًا من الشاء ، فأتاه فقرأ عليه أمَّ الكتاب ، ويَتْفِل حتَّى برأ كأنما أُنشط من عقال . قال : فأوفاهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه . فقال : اقتسموا . فقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونستأمره ! فغدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أين علمتم أنها رقية ؟ ! أحسنتم ، فاضربوا لي معكم بسهم " . وذُكِرَ عن الشعبي عن خارجة بن الصلت عن عمِّه أنه مرَّ بقومٍ ، فأتوه فقال : إنك جئت من عند هذا الرجل بخير ، فارق لنا هذا الرَّجل ! فأتوه برجل معتوهٌ في القيود فرقاه بأمِّ القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشيَّة ، كلَّما ختمها جمع بزاقه ثم تفل ، فكأنَّما أنشط من عقال ، فأعطوه شيئًا ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كُلْ ، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق " ، ولا يخفى ما في هذا المساق من الفقه والزوائد ، فتأمله ! وإيقاف الصحابي قبول الغنم على سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل بما يجب من التوقف عند الإشكال إلى البيان ، وهو أمرٌ لا يختلف فيه . وقوله صلى الله عليه وسلم " خذوا منهم ، واضربوا لي معكم بسهم " بيان للحكم بالقول وتمكين له بالعمل ؛ إذ لم تكن له حاجة لذلك السَّهم إلا ليبالغ في بيان أن ذلك من الحلال المحض الذي لا شبهة فيه ، فكان ذلك أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى والطب ، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وجماعة من السَّلف والخلف . وأمَّا الأجرة على تعليم القرآن فأجازها الجمهور من السلف والخلف متمسكين بهذا الحديث ، وما زاد فيه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله " ، وهذا يلحق بالنُّصوص ، وقد حرم أبو حنيفة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وكذلك أصحابه - تمسُّكًا بأمرين : أحدهما : أن تعلم القرآن وتعليمه واجبٌ من الواجبات التي تحتاج إلى نيَّة التقرُّب والإخلاص ، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام . وثانيهما : ما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال : علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن ، وأهدى إلي رجل منهم قوسًا ، فقلت : ليست بمال ، وأرمي عليها في سبيل الله ، فلآتينَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأسألنَّه ! فأتيته فسألته ، فقال : " إن كنت تحب أن تطوَّق قوسًا من نار فاقبلها " . وللجمهور أن يقولوا : لا نسلِّم صحة ذلك القياس ؛ لأنَّه فاسد الوضع ، لأنَّه في مقابلة قوله صلى الله عليه وسلم : " إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله " ، وهو عمومٌ قوي وظاهرٌ جلي . والجواب عن القياس بعد تسليمه : إنه لا يصح للفرق بين الفرع والأصل ، وهو أن الصلاة والصوم عبادات خاصَّة بالفاعل ، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم ، فتجوز الأجرة على محاولة النقل كتعليم كتابة القرآن . وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته فالقول بموجبه ؛ لأنَّ تعليم عبادة لم يكن بإجارةٍ ولا جُعل ، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا لا لغيره ، ومن كان كذلك حرم عليه أخذ العوض على ما فعله لله تعالى لأنَّه ربما يفسد عمله ويأكل مالًا بالباطل .
( 18 ) باب في الفأل الصالح وفي الشؤم ( 2223 ) ( 110 ) - [2163] عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا طِيَرَةَ ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ . ( 2204 ) ( 11 و 12 ) - [2164] ونحوه عن أنس . ( 18 ) ومن باب : الفأل الصالح قوله صلى الله عليه وسلم " لا طيرة ، وخيرها الفأل " ، حاصل الطيرة أن يسمع الإنسان قولًا أو يرى أمرًا يخاف منه ألا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله ، والفأل نقيض ذلك ، وهو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه أن يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله ، وهذا معنى ما فسَّر به النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأل ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره الطيرة ويعجبه الفأل . وروى الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع : يا راشد ! يا نجيح ! وهو حديث حسن صحيح غريب . وروى أبو داود عن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتطير من شيء ، وكان إذا بعث غلامًا سأل عن اسمه ، فإذا أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه ، وإن كره اسمه رُئي كراهية ذلك في وجهه ، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإذا أعجبه اسمها فرح بها ورُئي بشر ذلك في وجهه ، وإن كره اسمها رُئي كراهية ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم . وروى قاسم بن أصبغ عن بريدة بن حصيب قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتطير ، ولكن يتفاءل ، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم يتلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلًا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أنت ؟ " ، فقال : بريدة . فالتفت إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال : " برد أمرنا وصلح " ، ثم قال : " ممن ؟ " ، قال : من أسلم . قال لأبي بكر : " سلمنا " ، ثم قال : " ممن ؟ " ، قال : من بني سهم . قال : " خرج سهمنا " - وذكر الحديث . وإنما كان يعجبه الفأل لأنَّه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل ، فيحسُن الظَّن بالله عز وجل ، وقد قال الله تعالى : " أنا عند ظن عبدي بي " ، وإنما كان يكره الطيرة لأنَّها من أعمال أهل الشرك ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى ، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا ، ولكن الله يذهبه بالتوكل " ؛ أي : من اعتقد في الطيرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر ، ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبَّه بأهل الشرك ، ولذلك قال " وما منا " أي : ليس على سنتنا . وقوله " إلا " هي إلا الاستثنائية ، ومعنى ذلك أن المتطيِّر ليس على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يمضي لوجهه ويعرض عنها ، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك عنها بحيث لا تخطر له مرة واحدة ، فإنَّ إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاوية بن الحكم - لما قال له : ومنا رجال يتطيَّرون - فقال : " ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدَّهم " ، وفي بعض النسخ " فلا يضرَّهم " ، لكنه إذا صحَّ تفويضه إلى الله تعالى وتوكله عليه وداوم على ذلك أذهب الله تعالى ذلك عنه ، ولذلك قال : " ولكن الله يذهبه بالتوكل " ، وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إذا تطيرتم فامضوا ، وعلى الله فتوكلوا " .
( 2225 ) ( 116 ) - [2165] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : الْمَرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ ، وَالدَّارِ . و " الشؤم " نقيض اليمن ، وهو من باب الطيرة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " لا طيرة ، إنما الشؤم في ثلاثة : المرأة ، والفرس ، والدار " ، وقد تخيل بعض أهل العلم أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله " لا طيرة " وأنه مخصوص بها ، فكأنه قال : لا طيرة إلا في هذه الثلاثة ، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك . وممن صار إلى هذا القول ابن قتيبة ، وعضد هذا بما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال : " الطيرة على من تطيَّر " ، وقال أبو عبد الله : إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس وحمله على ظاهره ولم يتأوَّله ، فذكر في كتاب الجامع من العتبية أنه قال : ربَّ دار سكنها قوم فهلكوا ، وآخرون بعدهم فهلكوا - وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره . ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد قال : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، دار سكنَّاها والعدد كثير والمال وافر ، فذهب العدد وقلَّ المال ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوها ذميمة " . قلت : ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها ، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا ، فإنَّ هذا ظن خطأ ، وإنما يعني بذلك أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها ، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره ، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو مع امرأة يكرهها ، بل قد فسح له في ترك ذلك كله ، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود ، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم . فإن قيل : فهذا يجري في كل متطير به ، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر ؟ فالجواب ما نبَّهنا عليه من أن هذه ضروريَّة في الوجود ولا بدَّ للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا ، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصَّها بالذكر لذلك ، فإن قيل : فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء ؟ فإنَّ الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها ، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه ! فالجواب ما قاله بعض أهل العلم : إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام ؛ أحدها : ما لم يقع التأذي به ولا اطَّردت عادة به خاصة ولا عامَّة ، لا نادرة ولا متكررة ، فهذا لا يصغى إليه ، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه ، كلقي غراب في بعض الأسفار ، أو صراخ بومة في دار ، ففي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم : " لا طيرة " و " لا تطيَّروا " ، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنَّه ليس في لقاء الغراب ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه ، لا على جهة الندور ولا التكرار . وثانيها : ما يقع به الضرر ولكنه يعمُّ ، ولا يخص ويندر ، ولا يتكرر ، كالوباء ، فهذا لا يقدِّم عليه عملًا بالحزم والاحتياط ، ولا يُفَرُّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضَّرر إلى الفارِّ فيكون سفره سببا في محنته وتعجيلًا لهلكته كما قدمناه . وثالثها : سببٌ يخص ولا يعم ، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة ، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى ، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال ، وقد وضح الجواب ، والله الموفق للصواب . وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أخر ؛ منها : أن بعضهم قال : إنما هذا منه صلى الله عليه وسلم خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به لا أنه خبر عن الشرع ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنَّه تعطيل لكلام الشارع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله سبحانه وتعالى ، ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في هذه الثلاثة فقال : الشؤم في المسكن ضيقه وسوء جيرانه ، وفي المرأة سوء خلقها وألا تلد ، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه . وهذا المعنى لا يليق بالحديث ، ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث ، وما ذكرناه أولى ، والله تعالى أعلم .
( 2225 ) ( 117 ) - [2166] وعنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ يَكُنْ مِنْ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقّا فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ . ( 2227 ) ( 120 ) - [2167] وعن جابر بن عبد الله ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ وَالْفَرَسِ وقوله " إن يكن من الشؤم شيء حقًّا ففي الفرس والمرأة والدار " ، وفي اللفظ الآخر " إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس " ، مقتضى هذا المساق أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن محقّقًا لأمر الشؤم بهذه الثلاثة في الوقت الذي نطق بهذا ، لكنه تحققه بعد ذلك لما قال : " إنما الشؤم في ثلاثة " ، وقد بيَّنَّا مراده بالشؤم فيما تقدَّم والحمد لله . والمراد بالربع الدار كما قال في الرواية الأخرى ، وقد يصح حمله على أعم من ذلك ، فيدخل فيه الدكان والفندق وغيرهما مما يصلح الربع له ، والمرأة تتناول الزوجة والمملوكة ، والخادم يتناول الذكر والأنثى لأنَّه اسم جنس .
( 8 ) باب الرقية بأسماء الله والتعويذ ( 2202 ) - [2141] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يألمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ : بِاسْمِ اللَّهِ - ثَلَاثًا ، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ : أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ . ( 8 ) ومن باب : الرُّقية بأسماء الله عزَّ وجلَّ قوله " ضع يدك على الذي يألم من جسدك " ، هذا الأمر على جهة التعليم والإرشاد إلى ما ينفع من وضع يد الرَّاقي على المريض ومسحه به ، وأن ذلك لم يكن مخصوصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، بل ينبغي أن يفعل ذلك كل راقٍ ، وقد تأكد أمر ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ذلك بأنفسهم وبغيرهم ، كما قد ذكر في الأحاديث المتقدِّمة ، فلا ينبغي للرَّاقي أن يعدل عنه للمسح بحديد ولا بغيره ، فإنَّ ذلك لم يفعله أحدٌ ممن سبق ذكره ، ففعلُه تمويهٌ لا أصل له . ومما ينبغي للرَّاقي أن يفعله النفث والتفل ، وقد قلنا أنَّهما نفخ مع ريق ، وإن ريق التفل أكثر ، وقد قيل : إن ريق النفث أكثر . وقيل : هما متساويان . والأول أصح عند أهل اللغة . وقد كثر ذلك في الأحاديث المتقدِّمة وغيرها فلا يعدل عنه ، وكذلك تكرار التسمية ثلاثًا وتكرار العوذ سبعًا كما جاء في هذا الحديث ، فينبغي للرَّاقي أن يحافظ عليه إذ قد علَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر به ، فكل ذلك فيه أسرار يدفع الله تعالى بها الأضرار ، فأما ما يفعله المعزمون من الآلات والصَّلاصل فذلك كله من باب التمويه والتطرُّق لأكل المال بالباطل . واختلف العلماء في النُّشرة ، وهي أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثمَّ يمسح به المريض أو يسقيه إياه ؛ فأجازها سعيد بن المسيب ، قيل له : الرَّجل يؤخذ عن امرأته ، أيحل عنه وينشر ؟ قال : لا بأس به ، وما ينفع لم يُنه عنه . وقال المازري : النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم ، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها - أي : تحل . ومنعها الحسن وقال : هي من السحر . وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النَّشرة فقال : " هي من عمل الشيطان " ، قال بعض علمائنا : هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن المداواة المعروفة ، والنُّشرة من جنس الطب . قلت : ويتأيد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك ، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " . قال القاضي عياض رحمه الله في النفث : وفائدة ذلك - والله أعلم - التبرُّك ببلل الرُّطوبة أو الهواء والنفس المباشر للرُّقية الحسنة ، كما يُتبرَّك بغسالة ما يكتب من أسماء الله الحسنى في النُّشُر . قال : وقد يكون ذلك على وجه التفاؤل من زوال ذلك الألم وانفصاله عن المريض كانفصال ذلك النفث ، وقد كان مالك ينفث إذا رقى نفسه ، وكان يكره الحديدة والملح الذي يعقد والذي يكتب خاتم سليمان ، وكان العقد عنده أشدّ كراهة لما في ذلك من مشابهة السِّحر .
( 2203 ) - [2142] وعنه أنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ ! فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا . قَالَ : فَفَعَلْتُ ذَلِكَ ، فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي . وقوله " جاء يَلبِسْها علي " هو بكسر الباء ؛ لأنَّ ماضيه لبس بفتحها ، كما قال الله تعالى : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وهو الخلط ، فأمَّا لبست الثوب فهو على العكس من ذلك . وقوله " ذلك شيطان يقال له خِنْزَب " هو بالحاء المهملة وبفتحها عند الجياني ، وبكسرها عند الصدفي . وفي الصحاح : الخنزاب هو الغليظ القصير ، وأنشد : تاحَ لها بَعدك خِنْزابٌ وزَى والوزى : الشديد . فيمكن أن يُسمَّى الشيطان خنزبًا لأنَّه يتراءى غليظًا قصيرًا ، وحذفت الألف لما صار علمًا ، فكثيرًا ما تغيَّر الأعلام عن أصولها .
( 17 ) باب لا يورد ممرض على مصح ( 2221 ) ( 104 ) - [2162] عن أبي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى . وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ " لَا عَدْوَى " ، وَأَقَامَ عَلَى أَنْ " لَا يُورِد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ " ، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ ؟ ( 17 ) ومن باب : لا يُورِدُ ممرضٌ على مصح الورود هو الوصول إلى الماء ، و " أورد إبله " إذا أوصلها إليه ، فصاحب الإبل مورد ، والإبل موردة ، وممرض : اسم فاعل من أمرض الرجل إذا أصاب ماشيته مرض - قاله يعقوب . ومصح : اسم فاعل من أصح ؛ إذا أصابت ماشيته عاهة ثم صحت - قاله الجوهري . وقد جمع أبو هريرة - رضي الله عنه - في هذه الرواية بين قوله صلى الله عليه وسلم " لا عدوى " وبين قوله " لا يورد ممرض على مصح " ، وهو جمعٌ صحيح لا بُعد فيه ؛ إذ كلاهما خبر عن المشروعية لا خبر عن الوجود ، فقوله " لا عدوى " أي : لا يجوز اعتقادها . وقوله " لا يورد ممرض على مصحٍّ " ؛ أي لا يفعل ذلك ، فهما خبران يتضمنان النهي عن ذلك ، وإنَّما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام ، وهذا كنحو أمره صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم ، فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك ، حتى إذا أكره الإنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته تألَّمت نفسه ، وربما تأذت بذلك ومرضت ، ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة . ومع ذلك فالطبع أغلب ، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة ولا يتعرض فيه إلى هذا الخطر ، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضًا إرادة علاجه حتى يزيله . ولا شك في نقص عقل من كان على هذا ، وإنما الذي يليق بالعقلاء ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام ، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكن مع علمه بأنه لا ينجي حذر عن قدر ، وبمجموع الأمرين وردت الشرائع وتوافقت على ذلك العقول والطبائع . وأما سكوت أبي هريرة عن قوله " لا عدوى " وإيراد الحديث من غير " لا يورد ممرض على مصح " بعد أن حدَّث بمجموعهما فلا يصح أن يكون من باب النسخ كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن ؛ لأنهما لا تعارض بينهما ، إذ الجمع صحيحٌ كما قدَّمناه ، بل الواجب أن يقال : إنهما خبران شرعيان عن أمرين مختلفين لا متعارضين ؛ كخبر يتضمَّن حكما من أحكام الصلاة وآخر يتضمن حكمًا من أحكام الطهارة مثلًا . وقد بيَّنَّا وجه تباين الخبرين ، وعلى هذا فسكوت أبي هريرة يحتمل أوجهًا ؛ أحدها : النسيان المتقدّم ، كما قال أبو سلمة . وثانيها : أنهما لما كانا خبرين متغايرين لا ملازمة بينهما جاز للمحدِّث أن يحدِّث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية . وثالثها : أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين ، فسكت عن أحدهما ، حتى إذا أمن من ذلك حدَّث بهما جميعًا . ورابعها : أن يكون حمله على ذلك وجه غير ما ذكرناه لم يطَّلع عليه أحدًا . وعلى الجملة : فكل ذلك محتمل ، غير أن الذي يقطع بنفيه النسخ على ما قرَّرناه ، والله أعلم .
( 2222 ) ( 107 و 109 ) - [2161] وعن أبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا عَدْوَى ، وَلَا صَفَرَ ، وَلَا غُولَ . وفي رواية : " ولا طيرة " بدل " ولا صفر " . وذْكُرُ أبو الزبير أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُمْ فقال : الصَّفَرُ الْبَطْنُ . فَقِيلَ لِجَابِرٍ : كَيْفَ ؟ قَالَ : كَانَ يُقَالُ دَوَابُّ الْبَطْنِ . وَلَمْ يُفَسِّرْ الْغُولَ ، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ . و " الغول " : كانت العرب تتحدَّث أن الغيلان تتراءى للناس في الفلوات فتتغول لهم تغوَّلًا ؛ أي : تتلوَّن تلوَّنًا ، فتضلّهم عن الطريق فتهلكهم . قال الجوهري : الغول - بالضم - من السَّعالى ، والجمع : أغوال وغيلان . وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غُولٌ ، يقال غالته غول إذا وقع في مهلكة . ومقصود هذا الحديث إبطال ما كانت العرب تقوله وتعتقده في هذه الأمور ، وألا يُلتفت لشيء من ذلك لا بالقلب ولا باللسان ، والله أعلم .
( 16 ) باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا نوء ولا غول ( 2220 ) - [2160] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لَا عَدْوَى ، ولا طيرة ، وَلَا صَفَرَ ، وَلَا هَامَةَ . فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا ! قَالَ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ زاد في رواية : ولا نوء . ( 16 ) ومن باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا غول " لا " في هذا الحديث وإن كانت نفيًا لما ذكر بعدها فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور والاعتناء بها ؛ لأنَّها في أنفسها ليست بصحيحة ، وإنما هي من أوهام جهَّال العرب ، وبيان ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم ، وكذلك في الإبل ، فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وأبطله ، ثم إنهم لما أوردوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبهة الحاملة لهم على ذلك حين قالوا : فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها - قطع حجتهم وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة ، وهي قوله : " فمن أعدى الأول ؟ " ، ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح - على زعمهم - من أين جاءه الجرب ؟ أمن بعير آخر فيلزم التسلسل ؟ أو من سبب غير البعير فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني وهو الله تعالى الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء ؟ وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أولًا وللمعتزلة ثانيًا ؛ فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض وإيجادها إياها وسموا المؤثر طبيعة ، وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولدات ، وقالوا : إن قدرهم مؤثرة فيها بالإيجاد ، وإنهم خالقون لأفعالهم مستقلون باختراعها . واستند الكل ممن ذكر للمشاهدة الحسية ، وربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة ، وهذا غلط فاحش ، وسببه أنهم التبس عليهم إدراك الحس بإدراك العقل ، فإنَّ الذي شاهدوه إنَّما هو تأثير شيء عند شيء آخر ، وهذا حظ الحس ، أما تأثيره فيه فلا يدرك حسًّا بل عقلًا ، فإنَّ الحس إنما أدرك وجود شيء عند شيء وارتفاعه عند ارتفاعه ، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل ، فأما المتقاربات في الوجود على حالة واحدةٍ فالعقل هو الذي يفرق ، فيحكم بتلازم بعضها بعضًا عقلًا ويحكم بتلازم بعضها بعضا عادة مع جواز التبدُّل عقلًا ، ولقد أحسن من قال من العقلاء النظار الفضلاء : إياك والانخداع بالوجود والارتفاع ! واستيفاء الكلام على هذا في علم الكلام . وفيه دليل على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل أهلًا لفهمه ، فأمَّا أهل القصور فيخاطبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات . و " الطيرة " قد تقدم الكلام فيها في الصلاة ، ويأتي إن شاء الله . و " الصفر " تأخير المحرَّم إلى صفر ، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه ، وإلى هذا ذهب مالك وأبو عبيدة ، وقيل : هو دودٌ في البطن يهيج عند الجوع ، كانت العرب تراها أعدى من الجرب ، وأنشدوا : لا يتأرَّى لِمَا في القِدْرِ يَرْقُبُه ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ وإلى هذا ذهب مطرِّف وابن وهب وابن حبيب ، وهو اختيار أبي عبيدة . و " الهامَّة " مشدد الميم طائر تتشاءم به العرب ، فإذا سقطت في دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو أحدًا من أهله ، وإلى هذا التفسير ذهب مالك ، وقيل : كانت العرب تعتقد أن عظام الميت أو رأسه ينقلب هامَّة يطير ، ويسمى ذلك الطائر : الصَّدى - قال لبيد : فلَيْسَ النَّاسُ بَعْدَكَ في نَعِيمٍ ولا هُمْ غَيْرَ أَصْدَاءٍ وهامِ قال الإمام أبو عبد الله : أما البُوم فالأنثى منه الهامَّة ، والذكر منه يسمى الصَّدى . قلت : وهذا يُشعر أن أبا عبد الله وقع له في هذا الحديث " ولا بوم " ففسَّره بما قال ، ولم يقع في كتاب مسلم إلا قوله " ولا نوء " ؛ أي : لا تصح نسبة الأمطار والرياح للنوء ، وقد تقدَّم تفسيره في الإيمان .
( 9 ) باب لكل داء دواء ، والتداوي بالحجامة ( 2204 ) - [2143] عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ . ( 9 ) ومن باب : لكل داء دواء ، وفي التداوي بالحجامة قوله " لكل داء دواء " ، الدَّاء بفتح الدَّال لا غير ، والدَّواء تفتح داله وتكسر ، والفتح أفصح . وهذه الكلمة صادقة العموم لأنها خبر من الصادق البشير عن الخالق القدير : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فالدَّاء والدَّواء خَلْقه ، والشِّفاء والهلاك فعله ، وربط الأسباب بالمسببات حِكمته وحُكمه على ما سبق به علمه ، فكل ذلك بقدر لا مَعْدِل عنه ولا وزر ، وما أحسن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما خرَّجه الترمذي عن أبي خزامة بن يعمر قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، أرأيت رقًى نسترقيها ودواء نتداوى به ؛ هل تردُّ من قدر الله شيئًا ؟ قال : هي من قدر الله . قال : هذا حديث حسن صحيح . وكفى بهذا بيان ، لكن للبصراء لا للعميان . وقوله " فإذا أصيب دواء الدَّاء برأ بإذن الله " ، ومعناه أن الله تعالى إذا شاء الشِّفاء يسَّر دواء ذلك الدَّاء ونبَّه عليه مستعمله فيستعمله على وجهه وفي وقته فيشفى ذلك المرض ، وإذا أراد إهلاك صاحب المرض أذهل عن دوائه أو حجبه بمانع يمنعه فهلك صاحبه ، وكلُّ ذلك بمشيئته وحكمه كما سبق في علمه ، ولقد أحسن من الشعراء من قال في شرح الحال : والنَّاس يلحَوْن الطَّبيب وإنَّما غَلَطُ الطَّبيبِ إصابةُ الْمَقْدُور وقد خرَّج أبو داود هذا الحديث وحديث أسامة بن شريك ، وقال فيه : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال " يا عباد الله ، تداووا ! فإنَّ الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، غير داءٍ واحد : الهرم " ، فاستثنى الهرم من جملة الأدواء وإن لم يكن داء بنفسه ، لكن تلازمه الأدواء ، وهو مُفضٍ بصاحبه إلى الهلاك . وهذا نحو من قوله في الحديث الآخر : " كفى بالسَّلامة داء " ؛ أي : مصير السلامة إلى الدَّاء ، وكما قال حميد بن ثور : أَرَى بَصَرِي قد رابَني بَعْد صِحَّةٍ وَحَسْبُك داءً أن تصحَّ وتَسْلما
( 2206 ) - [2145] وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحِجَامَةِ ، فَأَمَرَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا . قَالَ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ ، أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ . واستئذان أم سلمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة دليل على أن المرأة لا ينبغي لها أن تفعل في نفسها شيئًا من التداوي أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها لإمكان أن يكون ذلك الشيء مانعًا له من حقه أو منقصًا لغرضه منها ، وإن كانت لا تشرع في شيء من التطوَّعات التي يتقرَّب بها إلى الله تعالى إلا بإذنٍ منه كان أحرى وأولى ألا تتعرَّض لغير القرب إلا بإذنه ، اللهم إلا أن تدعو لذلك ضرورة من خوف موت أو مرض شديد فهذا لا يحتاج فيه إلى إذن ؛ لأنَّه قد التحق بقسم الواجبات المتعينة . وأيضًا : فإنَّ الحجامة وما يتنزل منزلتها مما يحتاج فيها إلى محاولة الغير ، فلا بدَّ فيها من استئذان الزوج لنظره فيمن يصلح وفيما يحلُّ من ذلك ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا طيبة أن يحجمها لما علم أن بينهما من السبب المبيح ، كما قال الرَّاوي : حسبت أنه كان أخاها من الرَّضاعة ، أو غلامًا لم يحتلم . ولا شكَّ في أن مراعاة هذا هي الواجبة متى وجد ذلك ، فإنَّ لم يوجد من يكون كذلك ودعت الضرورة إلى معالجة الكبير الأجنبي جاز دفعًا لأعظم الضررين وترجيحًا لأخف الممنوعين . وفيه من الفقه ما يدلّ على أن ذا المحرم يجوز أن يطَّلع من ذات محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي ، وكذلك الصبي ، فإن الحجامة غالبًا إنما تكون من بدن المرأة فيما لا يجوز لأجنبي الاطلاع عليه كالقفا والرَّأس والساقين .
( 2205 ) ( 70 و 71 ) - [2144] وعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَهْلِنَا وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجًا بِهِ أَوْ جِرَاحًا ، فَقَالَ : مَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ : خُرَاجٌ بِي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ ! فَقَالَ : يَا غُلَامُ ، ائْتِنِي بِحَجَّامٍ ! فَقَالَ لَهُ : مَا تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : إني أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَمًا . قَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي ، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ فَيُؤْذِينِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ ! فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ! قَالَ : فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ ، فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ . وفي رواية قَالَ : لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ فِيهِ شِفَاءً . وقوله صلى الله عليه وسلم " إن كان في أدويتكم خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعةٍ بنار " ؛ يعني بالخير الشِّفاء ، والمحجم : هو الوعاء الذي يجمع به موضع الحجامة ويجتمع فيه الدَّم ، وهو جمع واحده محجمة ، وهي بكسر الميم ، وقد يقال على الحديدة التي يشرط بها وهي المعنية هنا . وجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار ، وقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا " الشِّفاء في ثلاث " وذكرها ، فحقَّق الخبر . قال بعض علمائنا : أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع ضروب المعاناة القياسيِّة ، وذلك أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب ومنها ما لا يكون كذلك ، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي الدم والبلغم والصفراء والسَّوداء ، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث ، فمنها ما يستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط وفي معناه الفصد والبطُّ والعلق ، ومنها ما يستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهِّلة ، ومنها ما يستفرغ بالكي فإنه يجفف رطوبات موضع المرض وهو آخر الطبِّ . وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة ، ومن أنفعها في ذلك العسل إذا استعمل على وجهه ، وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب فكالسِّحر والعين ونظرة الجن فعلاجه بالرُّقى والكلام الحسن وأنواع من الخواص مغيبة السِّرِّ ، ولهذا القسم أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث " أو آية من كتاب الله " زيادة على ما ذكر فيما تقدَّم منه . قلت : هذا معنى ما قاله علماؤنا ، ويمكن أن يقال : إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خصَّت بالذكر لأنَّها كانت أغلب أدويتهم وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها ومناسبتها لغالب أمراضهم ، ولا يلزم أن تكون كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم ، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات وإن اتحدت أسباب الأمراض ، والله تعالى أعلم . وقوله " وما أحبُّ أن أكتوي " ، وفي لفظ البخاري " وأنا أنهى أمتي عن الكي " - إنما كان ذلك لشدَّة ألم الكي فإنَّه يُربي على ألم المرض ، ولذلك لا يرجع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية . وأيضًا : فلأنَّه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نُهي عنه ، وقد تقدَّم القول في هذا في الإيمان .
( 6 ) باب لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم ( 2199 ) ( 62 و 63 ) - [2138] عَنْ جَابِرٍ قال : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّقَى ، فَجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب ، وإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنْ الرُّقَى ! قال : فعرضوها عليه ، فقال : لا أرى به بأسا ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ . ( 2200 ) - [2139] وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ . ( 6 ) ومن باب : لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم قوله - صلى الله عليه وسلم - لما عرضوا عليه الرُّقى والتطبب " لا أرى به بأسًا ، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " دليل على جواز الرُّقى والتطبُّب بما لا ضرر فيه ولا منع شرعيًّا مطلقًا وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه ، لكن إذا كان مفهومًا . وفيه الحضُّ على السعي في إزالة الأمراض والأضرار عن المسلمين بكل ممكن جائز .
( 15 ) باب ما جاء أن الطاعون إذا وقع بأرض فلا يخرج منها فرارا ، ولا يقدم عليها ( 2218 ) - [2157] عن أُسَامَة بن زيد قَالَ : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَوْ : عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ - فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ : لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارا مِنْهُ . ( 2218 ) ( 96 ) - [2158] وعنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ - أَوْ السَّقَمَ - رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالْأَرْضِ ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الْأُخْرَى ، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخْرِجَنَّهُ الْفِرَارُ مِنْهُ . ( 15 ) ومن باب ما جاء في الطاعون قوله " الطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم " ، قد جاء هذا اللفظ مفسَّرا في الرواية الأخرى ، حيث قال : " إن هذا الوجع - أو السُّقْمُ - رجز عذب به بعض الأمم " ، فقد فسَّر الطاعون بالمرض والرجز بالعذاب ، والطاعون زنة فاعول من الطعن ، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالًا على الموت العام بالوباء على ما قاله الجوهري . وقال غيره : أصل الطَّاعون القروح الخارجة في الجسد . والوباء : عموم الأمراض . قال : وطاعون عَمْواس إنما كان طاعونًا وقروحًا . قلت : ويشهد لصحَّة هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سُئل عن الطاعون ، فقال : " غُدَّة كغدَّة البعير تخرج في المراق والآباط " ، وقال غير واحد من العلماء : تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله من البدن . قلت : وحاصله أن الطاعون مرض عام يكون عنه موت عام ، وقد يسمَّى بالوباء ، ويُرسله الله نقمة وعقوبة لمن يشاء من عصاة عبيده وكفرتهم ، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين من عباده ، كما قال معاذ في طاعون الشام : إنه شهادة ورحمة لكم ، ودعوة نبيكم . قال أبو قلابة : يعني بدعوة نبيكم أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا أن يجعل فناء أمته بالطَّعن والطَّاعون . كذا جاءت الرواية عن أبي قلابة بالواو ، قال بعض علمائنا : والصحيح " بالطَّعن أو الطاعون " بأو التي هي لأحد الشيئين ؛ أي : لا يجتمع ذلك عليهم . قلت : ويظهر لي أن الروايتين صحيحتا المعنى ، وبيانه أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمته المذكورة في الحديث إنما هم أصحابه ؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لجميع أمته ألا يهلكهم بسنة عامة ولا بتسليط أعدائهم عليهم فأجيب إلى ذلك ، فلا تذهب بيضتهم ولا معظمهم بموت عام ولا بعدوٍّ على مقتضى هذا الدعاء . والدعاء المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يفنى جميعهم بالقتل والموت العام ، فتعيَّن أن يصرف الأول إلى أصحابه لأنَّهم هم الذين اختار الله لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله وبالطاعون الذي وقع في زمانهم فهلك به بقيتهم ، فعلى هذا قد جمع الله لهم كلا الأمرين ، فتبقى الواو على أصلها من الجمع ، أو تحمل " أو " على التنويعية والتقسيمية ، والله تعالى أعلم . وقوله " فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه " ، على ظاهر هذا الحديث عمل عمر والصحابة معه - رضي الله عنهم أجمعين - لما رجعوا من سَرْغ حين أخبرهم بهذا الحديث عبد الرحمن بن عوف ، وإليه صاروا . وقالت عائشة رضي الله عنها : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف ، وإنما نهي عن القدوم عليه أخذًا بالحزم والحذر والتحرُّز من مواضع الضرر ، ودفعًا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان . وإما نهي عن الفرار منه لأنَّ الكائن في الموضع الذي الوباء فيه لعلَّه قد أخذ بحظ منه ، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام ، فلا فائدة لفراره ، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادي الوباء مشقات السفر فيتضاعف الألم ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ، ولذلك يقال : قلَّما فرَّ أحد من الوباء فسلم . ويكفي من ذلك موعظة قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا قال الحسن : خرجوا حذرًا من الطاعون فأماتهم الله تعالى في ساعة واحدة ، وهم أربعون ألفًا ، وقيل غير هذا . وقالت طائفة أخرى : إنه يجوز القدوم على الوباء والفرار منه ، وحكي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - فإنَّه ندم على رجوعه من سرغ ، وقال : اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ . وكتب إلى عامله بالشام بأنه إذا وقع عندكم الوباء فاكتب حتى أخرج إليه . وكتب إلى أبي عبيدة في الطاعون ، فعزم عليه أن يقدم عليه مخافة أن يصيبه الطاعون . وروي عن مسروق والأسود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أنهم فرُّوا من الطاعون ، وروي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال : تفرَّقوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤوس الجبال . واعتمد أصحاب هذا القول على أن الآجال محدودة والأرزاق مقدَّرة معدودة ، فلا يتقدَّم شيء على وقته ، ولا يتأخر شيء عن أجله ، فالواجب صحة الاعتماد على الله والتسليم لأمر الله ، فإنَّ الله تعالى لا رادَّ لأمره ولا معقب لحكمه ، فالقدوم على الوباء والفرار سيان بالنسبة إلى سابق الأقدار . وتأوَّل بعضهم الحديث بأن مقصوده التحذير من فتنة الحي فيعتقد أن هلاك من هلك من أجل قدومه على الوباء ونجاة من نجا من أجل فراره ، قالوا : وهذا نحو نهيه عن الطيرة والقرب من المجذوم مع قوله " لا عدوى " ، فمن خرج من بلاد الطاعون أو قدم عليها جاز له ذلك إذا أيقن أن قدومه لا يعجل له أجلًا أخره الله تعالى وأن فراره لا يؤخر عنه أجلًا عجَّله الله تعالى ، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : الطاعون فتنة على المقيم والفار ؛ أما الفارُّ فيقول : بفراري نجوت ! وأما المقيم فيقول : أقمت فمت ! وإلى نحو هذا أشار مالك حين سُئل عن كراهية النظر إلى المجذوم ، فقال : ما سمعت فيه بكراهة ، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوباء : " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه " ، وسُئل أيضًا مالك عن البلد يقع فيه الموت وأمراض ، فهل يكره الخروج إليه ؟ فقال : ما أرى بأسًا ، خرج أو أقام . قيل : فهذا يشبه ما جاء في الحديث من الطاعون ! قال : نعم . قلت : وهذا فيه نظر سيأتي إن شاء الله في حديث ابن عباس . وقوله في حديث أبي النضر " لا يخرجكم إلا فرارًا منه " رويناه بالنصب والرفع ، وعلى الروايتين فهو مشكل ؛ لأنَّه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار ، وهذا محال ، وهو نقيض مقصود الحديث من أوله إلى آخره قطعًا ، ولما ظهر هذا الفساد قيَّده بعض رواة الموطأ " الإفرار " بهمزة مكسورة وسكون الفاء ، توهَّم فيه أنه مصدر ، وهذا ليس بصحيح ؛ لأنَّه لا يقال أفرُّ - رباعيًّا ، وإنما يقال فرَّ ، ومصدره فرار ومفرّ ، كما قال تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وقال : أَيْنَ الْمَفَرُّ وقد أشكل هذا الكلام على كثير من العلماء الأعلام حتى قالت جماعة : إن إدخال " إلا " فيه غلط . وقال بعضهم : إنها زائدة . كما قد تزاد " لا " في مثل قوله تعالى : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ؛ أي : ما منعك أن تسجد . وقال بعض النحويين : إن " إلا " هنا للإيجاب ؛ لأنها توجب بعض ما نفاه من الجملة ونهى عنه من الخروج ، فكأنه قال : لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا - وأباح الخروج لغرض آخر . والأقرب أن تكون زائدة ، والصحيح إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر .
( 2219 ) ( 98 و 99 و 100 ) - [2159] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ! فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ! ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ ! فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ ، فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ! ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ! فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ! فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ - نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ! أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . زاد في رواية : وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : لَوْ أنه رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَسِرْ إِذن ! قَالَ : فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ ، فَقَالَ : هَذَا الْمَحِلُّ - أَوْ هَذَا الْمَنْزِلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وفي أخرى : فرجع عمر من سرغ . وقوله " أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج إلى الشام " ، كان هذا الخروج منه بعدما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن خيَّاط ، وكان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه ، وكان قد خرج قبل ذلك إلى الشام لما حاصر أبو عبيدة إيلياء وهي البيت المقدَّس عندما سأل أهلها أن يكون صلحهم على يدي عمر ، فقدم وصالحهم ثم رجع ، وذلك سنة ست عشرة من الهجرة . وقوله " حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد " ، " سرغ " رويناه بفتح الراء وسكونها ، وهي قرية بتبوك - قاله ابن حبيب . قال ابن وضاح : بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة ، وقيل : هي آخر عمل الحجاز . ففيه بيانُ ما يجب على الإمام من تفقُّد أحوال رعيته ومباشرة ذلك بنفسه ، والسفر إلى ذلك وإن طال . و " الأمراء " جمع أمير ، وكان قد قسَّم الشام على أربعة أمراء ، تحت كل واحدٍ منهم جند وناحية : أبو عبيدة بن الجراح ، وشرحبيل بن حَسَنة ، ويزيد بن أبي سفيان ، ومعاذ بن جبل - ثم لم يمت عمر حتى جمع الشام لمعاوية . وفيه دليل على إباحة العمل والولاية لمن كانت له أهلية ذلك من العلم والصلاح إذا اعتقدوا أنهم متمكنون من العمل بالحق والقيام به ، فإذا عملوا بذلك حصل لهم أجر أئمة العدل . وقوله " ادعُ لي المهاجرين الأولين ! فاستشارهم " دليلٌ على استشارة أولي العلم والفضائل وتقديم أهل السوابق ، وهذا من عمر - رضي الله عنه - عمل بقوله تعالى : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ وقد استشار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه غير مرّة ، وإن كان أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا ، ولكن كان ذلك ليسنَّ ويطيب قلوب أصحابه . و " المهاجرون الأولون " من صلَّى إلى القبلتين ، وأما من لم يُسْلِم إلا بعد تحويل القبلة فلا يعدُّ في الأولين . و " المشيخة " الشيوخ ، وفيها لغات بكسر الشين وفتحها ، والكسر أشهر . ويقال أيضًا : شيوخًا ومشايخ . وهذه كلها جمع شيخ ، مع زيادة الميم . فأمَّا من غير ميم فهو جمع شيوخ وأشياخ وشِيخان وشِيَخَة - بكسر الشين ، فأمَّا بالفتح فهي مؤنثة شِيخ ، فأمَّا الشَّيَخ فهو مصدر شاخ يشيخ ، ويقال فيه شيخوخة . و " مهاجرة الفتح " هم الذين هاجروا قبل الفتح بيسير ، وقيل : هم مسلمة الفتح - وفيه بُعد ؛ لأنَّ الهجرة قد ارتفعت بعد الفتح ، وإنما أخرهم عمر عن غيرهم لتأخرهم في الإسلام والهجرة ، ولكن استشارهم لشيخهم ولكمال خبرتهم للأمور ، ولما استشارهم لم يختلف عليه منهم أحد ، فترجَّح عنده رأيهم ونادى في الناس " إنِّي مصبح على ظهر " ؛ أي : على ظهر طريق ، أو ظهر بعير - مرتحلًا ، " فأصبحوا عليه " ؛ أي : مرتحلين . وهذا يدلّ على أنه إنما عزم على الرجوع لرأي أولئك المشيخة لما ظهر أنه أرجح من رأي غيرهم ممن خالفهم ، ووجه أرجحية هذا الرأي أنه جمع فيه بين الحزم والأخذ بالحذر وبين التوكل والإيمان بالقدر ، وبيان ذلك بحجَّة عمر على أبي عبيدة - رضي الله عنهما - حين قال له " أفرارا من قدر الله ؟ ! " ، وذلك أن أبا عبيدة ظهر له ألا يرجع ويتوكل على الله ويُسلم للقدر ؛ لأنَّ ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع ولا فرار ، فأجابه عمر - رضي الله عنه - بأن قال له " لو غيرك قالها ! " ؛ أي : ليت غيرك يقول ذلك القول . فكأنه قال : لا يليق هذا القول بك لعلمك وفهمك ، وإنما يليق ذلك بغيرك ممن قل علمه وقصر فهمه . ثم احتج عليه بأن قال " نعم ، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله " ؛ إذ لا محيص للإنسان عما قدَّره الله عليه ، لكن أمرنا الله بالتحرُّز من المخاوف والهلكات وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات والحذر وجلب المنافع ودفع الضرر ، ثم المقصِّر في ذلك ملوم عادة وشرعًا ومنسوبٌ إلى التفريط عقلًا وسمعًا ، وإن زعم أنه المتوكل على الله المسلِّم لأمر الله . ولما بيَّن عمر ذلك المعنى بالمثال لاح الحق وارتفع الجدال ، ثم لم يبرح عمر من مكانه حتى جاءه الحق ببرهانه ، فحدَّثهم عبد الرحمن بما قاله في ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فسُرَّ بذلك عمر - رضي الله عنه - سرورًا ظهر لديه فحمد الله وأثنى عليه حيث توافق الرأي والسمع وارتفع الخلاف وحصل الجمع ، فرجع من موضعه ذلك إلى المدينة سالِمًا موفورًا ، وكان في سعيه ذلك مصيبًا مشكورًا . وعند هذا يعلم الفطن العاقل أن تلك الأقوال التي حكيت عنه في ندمه على الرجوع من سرغ ومن فتياه بإباحة القدوم على الوباء والفرار منه لم يصح عنه شيء من ذلك ، وكيف يندم على هذا النظر القويم ويرجع عن هذا المنهج المستقيم الذي قد تطابق عليه العقل والسمع واصطحب عليه الرأي والشرع ! هذا ما لا يكون ، فالحاكون عنه هم المتقوِّلون ، والله تعالى أعلم . ومن أعظم فوائد هذا الحديث إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على العمل بالرأي والاجتهاد وقبول أخبار الآحاد كما بيَّنا ذلك في الأصول . وقوله " هذا المحل " ؛ أي المدينة ، يعني أنها المحل الذي لا يرغب عنه ولا يفضل غيره عليه وإن كثر خصب البلاد واتسع حال أهلها ، يقال بكسر الحاء وفتحها ، والفتح هو الأصل المطَّرد ؛ لأنَّ ما كان على فعل يَفْعُل الأصل فيه أن يأتي المكان منه بالفتح إلا أحرفًا سمع فيها الكسر والفتح . تكميل : قال أبو عمر رحمه الله : لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فرَّ من الطاعون إلا ما ذكره ابن المديني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السَّيالة ، فكان يجمع كل جمعة ويرجع ، فكان إذا جمع صاحوا به : فرَّ من الطَّاعون ! فطعن ، فمات بالسَّيالة . وذكر أبو حاتم عن الأصمعي : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارًا له ، ومضى بأهله نحو سَفَوان ، فسمع حاديًّا يحدو خلفه : لن يُسْبَقَ اللهُ على حمارٍ ولا على ذِي منعةٍ طيَّار إذ يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساري وذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربًا منه ، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سُكَر ، فقدم عليه رسول لعبد الملك فقال له : ما اسمك ؟ فقال : طالب بن مدرك . فقال : أوَّه ! ما أراني راجعًا إلى الفسطاط - فمات في تلك القرية . وروى أبو عمر عن الأصمعي قال : لما وقع طاعون الجارف بالبصرة فني أهلها على ريح ، وامتنع الناس من دفن موتاهم ، فدخلت السباع البصرة على ريح الموتى ، وخلت سكَّة بني جرير فلم يُبقِ الله فيها سوى جارية ، فسمعت صوت الذئب في سِكَّتهم ليلًا ، فأنشأت تقول : ألا أيها الذئب المنادي بسحرةٍ إلي أنبئك الذي قد بدا لِيَا بدا لي أني قد نُعِيتُ وإنني بَقيَّة قومٍ ورَّثوني البواكيا وإنِّي بلا شكٍّ سأتبَعُ مَن مضى ويتبعني مِن بَعْدُ مَن كان تالِيَا
( 14 ) باب التداوي بالعسل ( 2217 ) ( 91 ) - [2156] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي قد اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِهِ عَسَلًا ! فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَال : إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ! فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ! فَقَالَ : لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ - فَسَقَاهُ فَبَرَأَ . وفي رواية : فَقَالَ إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ ! فَقَالَ لَهُ : اسْقِهِ عَسَلًا - نحو ما تقدم . ( 14 ) ومن باب التداوي بالعسل قول الرجل " إن أخي استطلق بطنه " قيَّدناه بضم التاء وكسر اللام مبنيًا للمفعول ، بطنه - مرفوعًا - مفعول لما لم يسم فاعله ، ومعناه أصيب بالإسهال ، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى " تعرَّب بطنه " ؛ أي : تغيَّر عن حال الصحة إلى هذا المرض ، كما يقال : عربت معدته - بكسر الراء - إذا تغيَّرت وفسدت ، تَعرَبُ عُرَبًا - بالفتح فيهما . وقوله صلى الله عليه وسلم " اسقه عسلًا " ، قد اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا فقال : قد أجمعت الأطباء على أن العسل يسهل ، فكيف يوصف لمن به الإسهال ؟ ! فجوابه أن يقال : إن هذا الطعن صدر عن جهل بأدلة صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وبصناعة الطب ؛ أما الأول : فلو نظر في معجزاته - صلى الله عليه وسلم - نظرًا صحيحًا لعلم على القطع أنه يستحيل عليه الكذب والخلف ، ومن حصل له هذا العلم فحقه شرعًا وعقلًا إذا وجد من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن ذلك القول حق في نفسه وأن يضيف القصور إلى نفسه ، فإن أرشده هذا الصادق إلى فعل ذلك الشيء على وجه فيستعمله على الوجه الذي عيَّنه وفي المحل الذي أمره بعقد نيَّة وحسن طويَّة ؛ فإنَّه يرى منفعته ويدرك بركته ، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل ، وإن لم يعيَّن له كيفية ولا وجهًا فسبيل العاقل ألا يقدم على استعمال شيء حتى يعرف كيفية العمل به ، فليبحث عن وجه العمل اللائق بذلك الدواء ، فإذا انكشف له ذلك فهو الذي أراده الصادق ، وهذا البحث إنما يكون مع العلماء بالطب من المسلمين الموثوق بعلمهم وصحَّة تجربتهم . وأما جهل هذا الطاعن بصناعة الطب فقد جازف في النقل حيث أطلق في موضع التقييد وحكى إجماعًا لا يصح له ، وبيان ذلك بما قاله الإمام أبو عبد الله ؛ قال : ينبغي أن يعلم أن الإسهال يَعْرِض من ضروب كثيرة ، فمنها : الإسهال الحادث عن التُّخم والهيضات ، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها ، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية ، فأما حبسها فضرر . فإذا وضح هذا قلنا : فيمكن أن يكون هذا الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرب العسل فزاده فزاده ، إلى أن فنيت تلك المادة فوقف الإسهال ، فوافقه شرب العسل ، فإذا خرج هذا على صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة . قال : ولسنا نستظهر على قول نبيِّنا بأن يصدقه الأطبَّاء ، بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم ، وصدَّقناه صلى الله عليه وسلم ، فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخريجه على ما يصح ؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب . وقوله " صدق الله ، وكذب بطن أخيك " تنبيه على أنه - صلى الله عليه وسلم - انتزع هذا العلاج بالعسل من قول الله تعالى : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ والصحيح من قوله " فِيهِ " أنه عائدٌ على العسل بدليل هذا الحديث ، ولأنه ليس في الآية ذكرٌ لغيره - وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة ، وقال مجاهد : هو عائد إلى القرآن . والأوَّل أولى لما ذكرناه . قلت : ومقتضى الآية أن العسل فيه شفاء ما ، لا كلُّ شفاء ؛ لأنَّ " شِفَاءٌ " نكرة في سياق الإثبات ، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللِّسان ومحققي أهل الأصول ، لكن قد حملتها طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض ، وكانوا يستشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان ، وقد كان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يشكو قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه عسلًا ، حتى الدُّمَّلَ إذا خرج عليه طلاه عسلًا ، فقيل له في ذلك ، فقال : أليس الله سبحانه يقول : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ؟ وروي أن عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه - مرض ، فقيل له : ألا نعالجك ؟ فقال : ائتوني بماء ، فإنَّ الله تعالى يقول : وَنَـزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ثم قال : ائتوني بعسل ، فإنّ الله يقول : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ثم قال : ائتوني بزيت ، فإنَّ الله تعالى يقول : مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ فجاؤوه بذلك كله ، فخلطه جميعًا ثم شربه فبرأ . وحكى النقَّاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ، ويستمشي بالعسل ، ويتداوى بالعسل - فهذا كله عمل بمطلق القرآن الكريم ، وأصله صدق النية وصحة الإيمان .
( 1202 ) ( 76 ) - [2148] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ . و " السَّعوط " دواء يُصبُّ في الأنف ، وقد أسعطتُّ الرَّجل فاستعط هو بنفسه ، والْمُسْعُطُ - بضم الميم - هو الإناء الذي يجعل فيه السَّعوط .
( 10 ) باب التداوي بقطع العرق والكي والسعوط ( 2207 ) ( 73 و 74 ) - [2146] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ . وفي رواية قَالَ : رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ . قال : فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 2208 ) ( 75 ) - [2147] وعنه قَالَ : رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ . قَالَ : فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ . ( 10 ) ومن باب : التداوي بقطع العروق والكي والسعوط قول جابر " رُمي أُبِي يوم الأحزاب على أكحله " ، صحيح رواية هذه اللفظة بضم الهمزة وفتح الباء وياء التصغير ، ورواها العذري والسَّمرقندي " أَبِي " بفتح الهمزة وكسر الباء على إضافته لياء المتكلم ، والأول هو الصحيح بدليل الرواية التي نصَّ فيها على أنه أُبِي بن كعب ، ولأن أبا جابر لم يدرك يوم الأحزاب وإنَّما استشهد يوم أحد . و " الأكحل " عرق معروف ، قال الخليل : هو عرق الحياة ، يقال : في كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة ، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم . وقيل : إنه يقال له في اليد أكحل ، وفي الفخذ النسا ، وفي الظهر الأبهر . وكونه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أُبِي طبيبًا فكواه دليلٌ على أن الواجب في عمل العلاج ألا يباشره إلا من كان معروفًا به خبيرًا بمباشرته ، ولذلك أحال النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحارث بن كلدة ووصف له النبي - صلى الله عليه وسلم - الدَّواء وكيفية العمل على ما يأتي . وكي النبي - صلى الله عليه وسلم - لأُبي وسعد دليلٌ على جواز الكي والعمل به إذا ظن الإنسان منفعته ودعت الحاجة إليه ، فيحمل نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الكي على ما إذا أمكن أن يُستغنى عنه بغيره من الأدوية ، فمن فعله في محله وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقه ولا مُنقصًا له من فضله ، ويجوز أن يكون من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، كيف لا وقد كوى النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرَّحمن وأُبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمَّة للقرآن ؟ ! وقد اكتوى عمران بن حصين ، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا ففساد كلامه لا يخفى . وعلى هذا البحث فيكون قوله صلى الله عليه وسلم في السبعين ألفًا أنهم هم الذين لا يكتوون إنما يعني به الذي يكتوي وهو يجد عنه غنى ، والله أعلم .
( 13 ) باب التداوي بالشونيز والتلبينة ( 2215 ) ( 88 ) - [2154] عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، إِلَّا السَّامَ . وَالسَّامُ الْمَوْتُ ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ . ( 13 ) ومن باب : المداواة بالشُّونِيز والتَّلبينة قوله في الحبَّة السوداء " شفاء من كل داء " ، اختلف في الحبَّة السَّوداء ؛ فقال الحربي : إنَّه الخردل . وحكى الهروي عن غيره أنها الحبَّة الخضراء ، قال : والعرب تسمِّي الأخضر أسود والأسود أخضر ، وهي ثمرة البُطم وهو المسمَّى بالضَّرو ، وأولى ما قيل فيها إنَّها الشونيز لوجهين ؛ أحدهما : أنه المذكور في الحديث . وثانيهما : أنه أكثر منافع من الخردل وحب الضَّرو ، فتعيَّن لأن يكون هو المراد بالحديث ؛ إذ مقصوده الإخبار بأكثرية فوائده ومنافعه على ما نذكره . والشُّونيز قيده بعض مشايخنا بفتح الشين ، وقال ابن الأعرابي : هو الشُّينيز ، كذا تقوله العرب . وقال غيره : الشَّونيز - بالضم ، وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة وخواص عجيبة . قال القاضي أبو الفضل عياض : ذكر جالينوس من منافعه أنه يُحلِّل النَّفخ ، ويقتل ديدان البطن إذا أُكِل أو وضع على البطن ، ويشفي من الزكام إذا قُلِي وصُرَّ في خرقة واشتُمَّ ، وينفع من العلَّة التي يتقشَّر منها الجلد ، ويقلع الثآليل والخِيلان ، ويدر الطمث الكائن عن الأخلاط الغليظة اللَّزجة ، وينفع من الصُّداع إذا طلي به الجبين ، ويقلع البثور والجرب ، ويحلل الأورام البلغمية إذا شمَّه مع الخل ، وينفع من الماء العارض في العين إذا استُعِط مسحوقًا مع دهن الأرِيسَا ، وينفع من انصباب النفس ، ويتمضمض به من وجع الأسنان ، ويدر البول واللبن ، وينفع من نهشة الدُّبيلى ، وإذا بخر به طرد الهوامَّ . وقال غيرُ جالينوس : من خاصته إذهابُ حمَّى البلغم والسَّوداء ، ويقتل حبَّ القرع ، وإذا عُلِّق من عنق المزكوم نفعه ، وينفع من حمى الرِّبع . قال بعضهم : ولا يبعد منفعة الحار من أدواء حارَّةٍ لخواصَّ فيها كوجود ذلك في أدوية كثيرة فيكون الشونيز منها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ، ويكون أحيانًا مفردًا وأحيانًا مركَّبًا . قلت : وعلى هذا القول الآخر تحمل كليَّة الحديث على عمومها وإحاطتها ، ولا يستثنى من الأدواء شيء إلا الدَّاء الذي يكون عنه الموت في علم الله تعالى ، وعلى القول الأول يكون ذلك العموم محمولًا على الأكثر والأغلب ، والله تعالى أعلم .
( 2216 ) ( 90 ) - [2155] وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : كُلْنَ مِنْهَا ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ ، يذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ . وقوله " التلبينة مُجمَّةٌ لفؤاد المريض ، تذهب بعض الحزن " ، التلبينة حساء من دقيق ، و " مُجمَّةٌ " يروى بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم ، فعلى الأول هو مصدر ؛ أي : جمامٌ . وعلى الثاني يكون اسم فاعل من أجمَّ ، ومعناه أنَّها تقوِّيه وتُنشطه ، وذلك أنها غذاء فيه لطافةٌ سهل التناول على المريض ، فإذا استعمله المريض اندفع عنه الحرارة الجوعيَّة وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقَّة تلحقه فيسرى عنه بعض ما كان فيه ، ونشط ، وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض ، وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنعها لأهل الميت وتثرد فيها لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء فاشتدَّت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن ، فلما أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع فخف عنهم بعض ما كانوا فيه . ولا يلزم من فعلها ذلك لهؤلاء أن يفعل بالمريض كذلك فيثرد له فيها ، وإنَّما ذلك بحسب الحال ، فإنَّ احتاج المريض إلى تقوية غذاء التلبينة بلبابٍ يضاف إليها فحسن . وعلى الجملة : فالتلبينة غذاء لطيف لا ضرر فيه غالبًا ، فلذلك نبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم .
( 12 ) باب التداوي باللدود والعود الهندي ( 2213 ) ( 85 ) - [2152] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، فَأَشَارَ أَلَّا تَلُدُّونِي ! فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ ! فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ ، غَيْرُ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ . ( 12 ) ومن باب : التداوي باللَّدود والعود الهندي قولها " لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ؛ أي : وضعنا في فمه اللَّدود ، وهو ما يجعل في أحد جانبي الفم ، والوَجور : هو ما يصبُّ في وسط الفم . وقوله " لا تلدوني " نهي ظاهر في المنع ، فكان ينبغي لهم أن ينتهوا عن ذلك ، غير أنَّهم تأوَّلوا أن ذلك من باب ما علم من أحوال المرضى من كراهتهم الدَّواء ، فخالفوه ، فعاقبهم بأن اقتص منهم ، ففعل بهم ما فعلوا به ، فكان فيه دليل على مشروعية القصاص في كل شيء يتأتى فيه القصاص ، كما قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وقال بعض أصحابنا : فيه ما يدلّ على قتل الجماعة بالواحد ؛ لأنَّهم لما تمالؤوا وتعاونوا على لده اقتصَّ من جميعهم - وفيه بُعدٌ لإمكان مراعاة الفرق ، فإنَّه يمكن أن يقال : جاز ذلك فيما لا إراقة دم فيه لخفته في مقصود الشرع ، ولا يجوز ذلك في الدِّماء لحرمتها وعظم أمرها في مقصود الشرع ، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر ، وإنَّما الذي يستنبط منه أن الحاضر في الجناية المعين عليها كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر له ، فيقتص من الكل ، لكن فيما لا دم فيه على ما قررناه ، وقد نبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا المعنى بقوله " إلا العباس فإنَّه لم يشهدكم " . وفيه من الفقه منع إكراه المريض على الطعام والشراب والدواء ، كما قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب ، فإنَّ الله تعالى يغذيهم " .
( 287 ) ( 86 ) و ( 2214 ) و ( 2214 ) ( 87 ) - [2153] وعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أُخْتِ عُكَّاشَةَ قَالَتْ : دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ . قَالَتْ : وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بِابْنٍ لِي قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ : عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ ؟ ! عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ ؛ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُسْعَطُ مِنْ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ . وفي رواية : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْإِعْلَاقِ ؟ عَلَيْكُمْ بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ - يَعْنِي بِهِ الْكُسْتَ . قَالَ يُونُسُ : أَعْلَقَتْ غَمَزَتْ ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ تكُونَ بِهِ عُذْرَةٌ . وقول أم قيس " دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن لي قد أعلقت عليه من العذرة " ، كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم " أعلقت عليه " بلا خلاف فيه ، ووقع في البخاري باختلاف ؛ ففي رواية معمر وغيره كما في كتاب مسلم ، وفي رواية سفيان بن عيينة " أعلقت عنه " ، قال الخطابي : وهو الصواب - وإلى ذلك أشار ابن الأعرابي . و " العذرة " وجع الحلق ، فخافت أن يكون به ذلك ، فرفعت لهاته بأصبعها . وقال الأصمعي : العذرة قريبٌ من اللهاة . وفي البارع : العذرة اللهاة . وقد تقدَّم أن اللَّهاة اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق ، والنِّساء ترفعها بأصابعهن ، فنهاهنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي ، ولعل ذلك يزيد في وجع اللهاة . وقوله " علام تدغرن أولادكنَّ بهذا العِلاق ؟ ! " ، تدغرن : الرواية الصحيحة فيه بالدال المهملة والغين المعجمة - لا يجوز غيره ، ومعناه هنا رفع اللهاة ، وأصله الرفع ، ومنه قول العرب : دغرى لا صفَّى ، ودغرًا لا صفًا - منونًا وغير منوَّن ، يقولون هذا في الحرب ؛ أي : ادفعوا عليهم ولا تصطفُّوا لهم . و " العلاق " الرواية فيه بكسر العين ، ووقع في بعض النسخ " الأعلاق " وهو الصواب قياسًا ؛ لأنَّه مصدر أعلقت ، وهو المعروف لغة . ومقصود هذا الاستفهام الإنكار على النساء في فعل ذلك بأولادهن . وقوله " عليكن بهذا العود الهندي " ، هذه إحالة منه لهن على استعمال العود الهندي الطيب الرائحة في مرض الحلق المسمَّى بالعذرة ، ثم بيَّن لهم كيفية العلاج به بقوله " يسعط من العذرة " ؛ أي يُدَقُّ ناعمًا ويُسعط في الأنف . وهذا يفيد أنَّه يستعمل وحده ولا يضاف إلى غيره ، ثمَّ زاد فقال " ويلدُّ من ذات الجنب " ، ويعني به الوجع الذي يكون في الجنب المسمَّى بالشَّوصة ، وقال الترمذي : يعني به السِّلَّ - وفيه بُعد ، والأول أعرف . وهل يلد به منفردًا مدقوقًا أو مع غيره ؟ يُسأل عن الأنفع من ذلك أهل الخبرة من المسلمين ممن جرَّب ذلك أو تباشر تجربته ؛ إذ لا بدَّ من نفعه في ذلك المرض ، لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلا حقًّا . وقوله " فإنَّ فيه سبعة أشفية " ، بيَّن منها في الحديث اثنين وسكت عن الخمسة ، وقد ذكر الأطبَّاء في كتبهم أن فيه من الأشفية أكثر مما في هذا الحديث . قال أبو عبد الله المازري : رأيت في كتبهم - يعني الأطباء - أنه يدر البول والطمث وينفع من السُّموم ويحرك شهوة الجماع ويقتل الدود وحبَّ القرع إذا شُرِب بالعسل ، ويذهب بالكلف إذا طلي عليه ، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما ، ومن حمَّى الوِرْد والرِّبع ، وينفع من النَّافض لُطُوخًا بالزيت قبل نفض الحمَّى ، ولمن به فالج واسترخاء . قال : وهو صنفان ؛ بحري ، وهندي - فالبحري : هو القسط الأبيض يؤتى به من بلاد المغرب . ونص بعضهم على أن البحري أفضل من الهندي ، وهو أقل حرارة منه . قال إسحاق بن عمران : هما حارَّان يابسان في الدرجة الثالثة ، والهندي أشد حرًّا في الجزء الثالث . وقال ابن سينا : القُسط حارٌّ في الثالثة يابس في الثانية . قلت : ويُسمى الكُسْت كما قال الراوي ، وحينئذ يشكل هذا بما ذكر من قول الأطبَّاء إن البحري من العود يُسمى القسط يؤتى به من بلاد المغرب ، فكيف يكون هنديًّا ويؤتى به من المغرب ؟ ! إلا أن يريدوا مغرب الهند ، فإن قيل : فإذا كان في العود الهندي هذه الأدوية الكثيرة ، فما وجه تخصيص منافعه بسبع مع أنها أكثر من ذلك ؟ ولأي شيء لم يُفصلها ؟ فالجواب عن الأول بعد تسليم أن لأسماء الأعداد مفهوم مخالفةٍ : إن هذه السَّبع المنافع هي التي علمها بالوحي وتحققها ، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة ، فتعرَّض لما علمه بالوحي دون غيره . وعن الثاني : إنَّه إنما فضَّل منها ما دعت الحاجة إليه وسكت عن غيره لأنَّه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطبِّ ولا لتعليم صنعته ، وإنما تكلم بما تكلم به منه ليُرشد إلى الأخذ فيه والعمل به ، وأن في الوجود عقاقير وأدوية ينتفع بها ، وعيَّن منها ما دعت حاجتهم إليها في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص ، والله تعالى أعلم .
( 11 ) باب الحمى من فيح جهنم ، فابردوها بالماء ( 2209 ) ( 78 و 79 و 80 ) - [2149] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ؛ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ . وفي رواية : فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ . ( 2211 ) ( 82 ) - [2150] وعَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ فَتَدْعُو بِالْمَاءِ فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا ، وَتَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ . وَقَالَ : إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . ( 2212 ) ( 83 و 84 ) - [2151] وعن رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ ، فَابْرُدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ . ( 11 ) ومن باب : الحمى من فيح جهنم " فيح جهنَّم " شدَّة حرارتها ، وأصله من فاحت القدر إذا غلت ، وقد يعبَّر عنه بالفور كما جاء في الرواية الأخرى : ولفحُ النَّار إصابة شدَّة حرها . وجهنم : اسم علم من أسماء نار الآخرة - مؤنث ، ولذلك لم ينصرف ، وقد تقدم اشتقاقه . وقوله " فابردوها بالماء " صوابه بوصل الألف ؛ لأنَّه من قولهم برَّد الماءُ حرارةَ جوفي ، وهو ثلاثي معدَّى ، كما قال : وعطِّلْ قَلُوصِي في الرِّكابِ فإنَّها ستَبْرُدُ أكبادًا وتُبْكِي بَوَاكِيَا وقد أخطأ من قال أبردوها بقطع الألف ، وفي الرواية الأخرى " فأطفئوها ، بالهمزة رباعيًّا ، من أطفأ ، وقد اعترض بعض سخفاء الأطبَّاء على هذا الحديث فقال : استعمال المحموم الاغتسال بالماء خطر مُقرِّبٌ من الهلاك ؛ لأنَّه يجمع المسامِّ ويحقن البخار ويعكس الحرارة لداخل الجسم ، فيكون ذلك سببًا للتلف ! وجوابه أن هذا إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فجوابه بالمعجزات الدَّالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - التي تدل قطعًا على صحة قوله وصواب فعله ، فإنَّ حصل له التصديق والإيمان وإلا فقد يفعل الله بالسيف والسِّنان ما لا يُفعل بالبرهان ، وإن صدر عن مصدِّقٍ له ومؤمن برسالته - وما أقله فيمن يتعاطى صنعة الأطباء - قيل له : تفهَّم مراده من هذا الكلام ؛ فإنَّه لم ينصَّ على كيفية تبريد الحمى بالماء ، وإنَّما أرشد إلى تبريدها بالماء مطلقًا ، فإنَّ أظهر الوجود أو صناعة الطب أن غمس المحموم في الماء أو صبَّه على جميع بدنه يضرَّه فليس هو الذي قصد النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع ، فيُبْحث عن ذلك الوجه وتجرَّب الوجوه التي لا ضرر فيها ، فإنَّه سيظهر نفعه قطعًا ، وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغسل ، فإنَّه وإن كان قد أمره بأن يغتسل مطلقًا فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده ، بل بعض ذلك كما تقدَّم . وإذا تقرَّر هذا فلا يبعُد أن يكون مقصوده أن يُرشَّ بعض جسد المحموم أو يفعل كما كانت أسماء تفعل ، فإنَّها كانت تأخذ ماءً يسيرًا ترش به في جيب المحموم أو يُنضح به وجهه ويداه ورجلاه ، ويذكر اسم الله تعالى ، فيكون ذلك من باب النُّشُرة الجائزة كما تقدَّم . وقد يجوز أن يكون ذلك من باب الطب ، فقد ينفع ذلك في بعض الحميات ، فإنَّ الأطباء قد سلموا أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة حتى يسقوه الثلج ، وتغسل أطرافه بالماء البارد . وعلى هذا فلا بُعد في أن يكون هذا المقصود بالحديث ، والله أعلم . ولئن سلَّمنا أنه أراد جميع جسد المحموم فجوابه أنه يحتمل أن يريد بذلك استعماله بعد أن تقلع الحمَّى وتسكن حرارتها ، ويكون ذلك في وقت مخصوص وبعدد مخصوص ، فيكون ذلك من باب الخواص التي قد اطلع عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قد روى قاسم بن ثابت أن رجلًا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحمى فقال له : " اغتسل ثلاثًا قبل طلوع الشمس ، وقل : باسم الله ، اذهبي يا أم ملدم ! فإن لم تذهب فاغتسل سبعًا " .
( 2273 و 2274 ) ( 21 ) [ 2187] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ : إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ أَصْحَابه ، قَالَ : لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رأيتُ ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَما أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا : الْعَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ . ( 2274 ) ( 22 ) [ 2188 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَما أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ . و ( قول ابن عباس رضي الله عنهما : " قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة ، فجعل يقول : إن جعل لي محمدٌ الأمر من بعده تبعته " ) . مسيلمة هذا هو : ابن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذُهل بن الدول بن حنيفة . قال ابن إسحاق : وكان من شأنه : أنه تنبأ على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة عشر ، وكان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ، ويزعم أنَّه شريك معه في نبوَّته . وقال سعيد بن المسيب : إنه كان قد تسمَّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبي- صلى الله عليه وسلم - وأنَّه قتل وهو ابن خمسين ومائة سنة . قال سعيد بن جبير : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قال : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قالت قريش : إنما يعني : مسيلمة . قال ابن إسحاق : وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة ، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك ، أما بعد : فإني أُشركت معك في الأمر ، فلي نصف الأرض ، ولك نصفها ، ولكن قريش قومٌ لا يعدلون . فلمَّا قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكتاب ، قال للرَّسولين : " ما تقولان أنتما ؟ " قالا : نقول ما قال صاحبنا . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لولا أن الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما " ، ثم كتب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، سلام على من اتَّبع الهدى ، أما بعد فـ : إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " ، فلما انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار ، وقالت بنو حنيفة : لا نرى محمدًا أقرَّ بشركة صاحبنا في الأمر . قال ابن إسحاق : تنبأ على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسيلمة ، وصاحب صنعاء : الأسود بن عزة العنسي ، وطليحة ، وسجاح التميمية جاءت إلى مسيلمة فقالت له : ما أوحي إليك ؟ قال : أوحي إلي : ألم تر إلى ربِّك كيف خلق الْحُبلى ، أخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشًا . قالت : وماذا ؟ فقال : ألم تر أن الله خلق [ للنساء أفراجًا ] وخلق الرجال لهن أزواجًا ، فيولج فيهنَّ قَعْسًا إيلاجًا ، ثمَّ يخرجه إذا استمنى إخراجًا . فقالت : أشهد أنَّك نبي ! قال : هل لك أن أتزوَّجك ، فآكل بقومي وقومك العرب ؟ فتزوَّجته ، فنادى مناديها : ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني حنيفة . ونادى منادي بني حنيفة : ألا إن نبيَّنا تزوج نبيتكم . وقالت له : يا أبا ثمامة ! ضع عن قومي هاتين الطويلتين ، صلاة الفجر ، وصلاة العشاء الآخرة . فخرج مناديه فنادى بذلك . فقال شيخ من بني تميم : جزى الله أبا ثمامة عنا خيرًا ، فوالله : لقد كاد ثقلهما علينا يوتغنا عن ديننا . قال غير ابن إسحاق : ولما استفحل أمر مسيلمة قدم المدينة في بشر كثير ، ونزل على عبد الله بن أُبي ، فجاءه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ذكر ابن عباس ، وفي غير حديث ابن عباس : أن مسيلمة جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي حديث آخر : أن مسيلمة كان في ظهر القوم ، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سأل عنه . قلت : فيحتمل أن يكون هذا اختلاف أحوال في قَدْمةٍ واحدة قِدِمها مسيلمة المدينة ، وعند بلوغ قدومه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سأل عنه ، ثمَّ بعد ذلك جاء كل واحد منهما إلى الآخر ، فاجتمعا بموضع غير موضعيهما . وهذا الاحتمال أقرب من احتمال أن يكون مسيلمة قدم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث مرات . ثم إن مسيلمة رجع إلى اليمامة على حالته تلك ، إلى أن توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعظم أمر مسيلمة ، وأطبق أهل اليمامة عليه ، وارتدُّوا عن الإسلام ، وانضاف إليهم بشرٌ كثير من أهل الردَّة ، وقويت شوكتهم ، فكاتبهم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ كُتبًا كثيرة يعظهم ، ويذكرهم ، ويحذرهم ، وينذرهم إلى أن بعث لهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري ، فقتله مسيلمة ، فعند ذلك عزم أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ على قتالهم والمسلمون ، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد رضي الله عنهما ، وتجهز الناس ، وعقد الراية لخالد ، وصاروا إلى اليمامة ، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم ، وخرج إلى المسلمين ، فالتقوا ، وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها ، واستشهد فيها من قرَّاء القرآن خلق كثير ، حتى خاف أبو بكر ، وعمر رضي الله عنهما أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قتل هناك من القراء ، ثم إن الله تعالى ثبَّت المسلمين ، وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشي قاتل حمزة ، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة ، ثم دفَّف عليه رجل من الأنصار ، فاحتزَّ رأسه ، وهزم اللهُ جيشَه ، وأهلكهم ، وفتح اللهُ اليمامة ، فدخلها خالد ـ رضي الله عنه ـ واستولى على جميع ما حوته من النساء ، والولدان ، والأموال ، وأظهر الله الدين ، وجعل العاقبة للمتقين ، فالحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيءَ بعده ، وإنما جاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مسيلمة ليبلغه الدعوة ، وليسمع قولَه بالمشافهة . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ولن أتعدَّى أمر الله فيك " ) كذا في جميع نسخ كتاب مسلم ، وفي البخاري : " ولن تعدوَ أمر الله فيك " ، وكلاهما صحيح . ومعنى الأول : أن الله تعالى أمر نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يغلِّظ القولَ لمسيلمة ، وأن يُصرِّح بتكذيبه ، وأن يخبره بأنه لا يبلغ أمله فيما يريده من التشريك في الرسالة ، ولا في الأرض ، فلم يتعدَّ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ، إذ قد فعل كل ذلك . ويحتمل أنه يريدُ بالأمر : ما كتب الله [ عليه من الشِّقوة ، وما وسمه عليه من الكذب والتكذيب ، والأفعال القبيحة ، أي : لا أقدر أن أردَّ ما كتب الله ] عليك من ذلك ، غير أن هذا المعنى أظهر من لفظ البخاري منه من لفظ كتاب مسلم . و ( قوله : " ولئن أدبرتَ ليعقرنك الله " ) أي : لَيُهلِكَنَّك الله بالعقر - وهو القتل - إن لم تتَّبعني . وكذلك كان كما ذكرناه . فكان هذا من دلائل نبوة محمد نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحة رسالته . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " وهذا ثابث يجيبك عني " ) يعني : ثابت بن قيس بن شماس ، خطيب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فكأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجد على مسيلمة في نفسه ، فأعرض عنه إعراض المحتقر له ، المصغر لشأنه ، وأحال على ثابت لعلمه بأنه يقوم عنه بجواب كل ما يسألونه عنه ، إذ كان من أفضل الناس ، وأكملهم عقلاً ، وأفصحهم لسانًا ، وكان مع ذلك جهوري الصوت ، حسن النغمة ، فكان يقوم بالحجة ، ويبالغ في إيراد الخطبة . و ( قوله : " إني لأراك الذي أريت فيه ما أريت " ) الرواية " أراك " بضم الهمزة ، بمعنى أظنك ، على ما قد حصل لهذه الصيغة من غلبة عرف الاستعمال ، وقد قررنا : أن أصل " أُرى " من " رأى " بمعنى : علم ، أو أبصر ، أدخلت عليه همزة التعدية ، وبنيت لما لم يسم فاعله ، وعلى هذا فيصح أن تكون هنا بمعنى العلم . فيكون معناه : إني لأعلم أنك الذي أريت فيه ما أريت ، وهذا أولى بحال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنَّ رؤياه حق ، وتأويله لا يجوز عليه الغلط ، بخلاف غيره ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب ، فأهمني شأنهما " ) السوار : ما تجعله المرأة في ذراعها مما تتحلَّى به من الذهب والفضة ، وفيه ثلاث لغات : كسر السين ، وضمها ، وبهمزة مضمومة ، فيقال : أُسوار ويجمع أساورة ، فأمَّا أساورة الفُرْسِ فقُوَّادهم . وإنَّما أهمَّه شأنهما ، أعني : السوارين ، لأنهما من حلية النساء ، ومما يحرم على الرجال . و ( قوله : " فأوحي إلي : أن انفخهما . فنفختُهما ، فطارا " ) ظاهره : أن هذا وحي من جهة الملك على غالب عادته . ويحتمل أن يكون ذلك إلهامًا . و ( قوله : " فأوَّلتهما : كذَّابَيْن يخرجان بعدي " ) أي : يظهران ويغلبان بعد موتي ، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ متبعين ، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى : " فأوَّلتهما الكذَّابَيْن اللذين أنا بينهما " . ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا : أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما ، وكانا كالسَّاعدين للإسلام ، فلما ظهر فيهما هذان الكذَّابان ، وتبهرجا لهما بترَّهاتهما ، وزخرفا أقوالهما ، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة ، فكان البلدان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمنزلة يديه ، لأنَّه كان يعتضد بهما . والسِّواران فيهما هما : مسيلمة ، وصاحب صنعاء بما زخرفا من أقوالهما . ونفخ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه ، كما ذكرناه في شأن مسيلمة . وأما صاحب صنعاء فهو الأسود بن كعب ، ويلقب بذي حمار ، وسبب هذا اللقب -على ما قاله ابن إسحاق - : أنه لقيه حمار ، فعثر ، فسقط لوجهه ، فقال : سجد لي الحمار . فارتد عن الإسلام ، وادَّعى النبوة ، ومخرق على الجهُّال فاتبعوه ، وغلب على صنعاء ، وأخرج منها المهاجر بن أسد المخزومي ، وكان عاملاً لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليها ، وانتشر أمره ، وغلب على امرأة مُسلمة من الأساورة ، فتزوجها فدسَّت إلى قوم من الأساورة : أني قد صنعت سربًا يوصل منه إلى مرقد الأسود فدلتهم على ذلك ، فدخل منه قوم ، منهم فيروز الديلمي ، وقيس بن مكشوح ، فقتلوه ، وجاءوا برأسه إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، على ما قاله ابن إسحاق وقال وثيمة : ومنهم من يقول : كان ذلك في خلافة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ . قلت : وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لقوله صلى الله عليه وسلم : يخرجان بعدي ، أي : بعد وفاتي ، والله أعلم .
( 2272 ) ( 20 ) [ 2186 ] وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا فيها بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمْ النَّفَرُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أريت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل " ) هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت له وهو بمكة قبل الهجرة ، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله وحال أصحابه يوم أحد ، وبأنهم يصاب من صدورهم معه ، وأن الله تعالى يثبتهم بعد ذلك ، ويجمع كلمتهم ، ويقيم أمرهم ، ويعزُّ دينهم ، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية . وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله . و ( قوله : " فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة ، أو هجر ، فإذا هي المدينة " ) أي : ذهب وهمي وظني . والوهل - بفتح الهاء - : ما يقع في خاطر الإنسان ، ويهم به . وقد يكون في موضع آخر : الغلط ، وليس مرادًا هنا بوجه ، لأنَّه لم يجزم بأنها واحدة منهما ، وإنما جوَّز ذلك ، إذ ليس في المنام ما يدلّ على التعيين ، وإنما أري أرضًا ذات نخل ، فخطر له ذانك الموضعان ، لكونهما من أكثر البلاد نخلاً ، ثم إنه لما هاجر إلى المدينة تعيَّنت له تلك الأرض ، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله : " فإذا هي المدينة " . ففيه ما يدلّ : على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل . وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها ، وإنما هي : ظن وحدس ، إلا فيما كان منها وحيًا للأنبياء ، كما وقع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله لابنه : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فإنَّ ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعًا ، خلافًا لمن قال من أهل البدع : إن ذلك كان منه ظنًّا وحسبانًا . وهو قول باطل ، لأنَّه لم يكن ليقدم على معصوم الدم - قطعًا - محبوب شرعًا وطبعًا بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه . و ( قوله : " ورأيت في رؤياي هذه : أني هززت سيفًا فانقطع صدره " ) ، هذا نصٌّ في أن رؤيته لدار هجرته ، ولهذه الحالة الدالة على قضية يوم أحد كانت منامًا واحدًا ، وقد تأوَّل ـ صلى الله عليه وسلم ـ السيف هنا بالقوم الذين كانوا معه ، الناصرين له أخذًا من معنى السيف لأنه به ينتصر ، ويعتضد في اللقاء ، كما يعتضد بالأنصار والأولياء . وقد يُتأوَّل على وجوه متعددة في غير هذا الموضع ، فقد يدلّ على الولد ، والوالد ، والعم ، والعصبة ، والزوجة ، والسلطان ، والحجَّة القاطعة ، وذلك بحسب ما يظهر من أحوال الرائي والمرئي ، ووقت الرؤيا . وإنما تأوَّل انقطاع صدر السيف [ بقتل من قتل يوم أحد ، لأنَّهم كانوا معظم صدر عسكره ، إذ كان فيهم : عمه حمزة ، وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار ، فاقتبس صدر القوم من صدر السيف ] والقطع الذي رئي فيه قطع أعمار المقتولين . وهزِّه للسيف : هو حمله إياهم على الجهاد ، وحثهم عليه . والرواية الصحيحة الفصيحة هي : " هززته " بزايين ، وتاء مثناة من فوق . وقد قاله بعض الرواة بزاي واحدة مشدَّدة ، وتاء مخففة ، فيقول : " هزَّتُه " ، وقيل : هي لغة بكر بن وائل . و ( قوله : " ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان ، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح ، واجتماع المؤمنين " ) يعني به - والله أعلم - ما صنع الله لهم بعد أحد ، وذلك : أنهم لم ينكلوا عن الجهاد ، ولا ضعفوا ، ولا استكانوا لما أصابهم يوم أحد ، لكن جدَّدوا نياتهم ، وقوَّوْا إيمانهم وعزماتهم ، واجتمعت على ذلك جماعاتهم ، وصحَّت في ذلك رغباتهم ، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح فغزوا غزوة حمراء الأسد مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد ، ثم فتح الله تعالى عليهم ، ونصرهم في غزوة بني النضير ، ثم في غزوة ذات الرِّقاع ، ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين ، ويكثرهم ، ويفتح عليهم إلى بدر الثانية ، وكانت في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة ، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أحد ، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا كما يأتي . و ( قوله : " ورأيت فيها أيضًا بقرًا ، والله خيرٌ " ) الضمير في " فيها " عائد على الرؤيا المذكورة . والرواية المشهورة برفع " الله - و- خير " على الابتداء والخبر ، أي : ثواب الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة ، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : ورأيت والله بقرًا تنحر . على إعمال " رأيت " في " بقرًا " ) وعلى خفض اسم الله تعالى على القسم . وهكذا روى الخبر ابن هشام . وسمِّي ذلك خيرًا على جهة التفاؤل . قلت : والأول أوضح ، وأبعد من الاعتراض . و ( قوله : " فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد " ) يحتمل أن يكون أخذ النفر من لفظ : بقر- مصحفًا - إذ لفظهما واحد ، وليس بينهما إلا اختلاف النقط ، فيكون هذا تنبيهًا على طريق خامس في طريق العبارة المتقدِّمة . ويحتمل أن يكون أخذ ذلك من أن الرجال المقاتلة في الحرب يشبهون لما معها من أسلحتها التي هي قرونها ، ولمدافعتها بها ، ومناطحتها بعضها لبعضٍ بها ، وقد كانت العرب تستعمل القرون في الرماح عند عدم الأسنة . والله تعالى أعلم ، وكأن هؤلاء المؤمنين الذين عبر عنهم بالنفر غير المؤمنين بصدر السيف . فكأن أولئك صدر الكتيبة ، وهؤلاء مقاتلتها ، والكل من خير الشهداء ، وأفضل الفضلاء . و ( قوله : " فإذا هو ما جاء الله به من الخير بعد " ) هكذا صحَّت الرواية بضم " بعد " على قطعه عن الإضافة . ويعني به ما أصيبوا به يوم أحد . والعامل فيه " جاء " و" الخير " : هو الذي ذكرناه آنفًا . و ( قوله : " وثواب الصِّدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر " ) كذا صحت الرواية : " بعد " منصوبًا على الظرف المعرب المضاف إلى " يوم بدر " ، [ والعامل فيه : " آتانا " . فهذان أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين . أحدهما : بعد أحد ، والثاني : بعد بدر ] ، مع أنهما مرتبان على ما جرى في أحد ، فيستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى ، لتقدُّم بدر الكبرى على أحد بزمان طويل ، لأنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إلى بدر الأولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة . وكانت أحد في السنة الثالثة في النصف من شوَّالها ، ولذلك قال علماؤنا : إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني ، وكان من أمرها : أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أصابت ، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسمِعُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : موعدكم يوم بدر في العام المقبل . فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم ، فلمَّا كان العام المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة خرج في شعبانها إلى بدر الثانية ، فوصل إلى بدر ، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان ، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان . ثمَّ : إنهم غلبهم الخوف ، فرجعوا ، واعتذروا بأن العام عام جدب . وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر ، فأخزى الله المشركين ، ونصر المؤمنين . ثمَّ إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزل منصورًا ، وبما يفتح الله عليه مسرورًا ، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان ، وأخمد كلمة الكفر والطغيان .
( 7 ) باب فيما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه ( 2270 ) ( 18 ) [ 2184 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ . ( 2271 ) ( 19 ) [ 2185] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ : فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ . ( 7 ) ومن باب : ما رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نومه حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ هذا وتأويله دليل : على أن تعبير الرؤيا قد تؤخذ من اشتقاق كلماتها ، فإنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ من عقبة : حسن العاقبة ، ومن رافع : الرفعة . ومن رطب بن طاب : لذاذة الدين وكماله . وقد قال علماء أهل العبارة أن لها أربعة طرق : أحدها : ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفًا . وثانيها : ما يعتبر مثاله ، ويميز شكله كدلالة معلم الكتاب على القاضي ، والسلطان ، وصاحب السجن ، ورأس السفينة ، وعلى الوصي والوالد . وثالثها : ما يعبره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي ، كدلالة فعل السَّفر على السَّفر ، وفعل السوق على المعيشة ، وفعل الدار على الزوجة والجارية . ورابعها : التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسُّنة أو الشعر ، أو كلام العرب وأمثالها . وكلام الناس وأمثالهم ، أو خبر معروف ، أو كلمة حكمة ، وذلك كنحو تعبير الخشب بالمنافق ، لقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ وكتعبير الفأر بفاسق ، لأنَّه صلى الله عليه وسلم سماه : فويسقًا . وكتعبير القارورة بالمرأة ، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : رفقًا بالقوارير ، يعني : ضعفة النساء ، وتتبع أمثلة ما ذكر يطول .
( 4 ) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ( 2266 ) ( 10 و 11 ) ( 2267 ) [ 2179 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي . وفي رواية : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فسيراني في اليقظة ، أو : لكأنما رآني في اليقظة ؛ لا يتمثل الشيطان بي . وفي أخرى : من رآني فقد رأى الحق . ( 2268 ) ( 12 و 13 ) [ 2180 ] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَآنِي فِي المنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي . وفي رواية : أن يتمثل في صورتي . ( 4 ) ومن باب : رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من رآني في المنام فقد رآني فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي " ، وفي أخرى : " فإنَّ الشيطان لا ينبغي أن يتشبه بي " ، وفي أخرى : " لا ينبغي أن يتمثل في صورتي " ) ، وفي غير كتاب مسلم : " لا يتكوَّنُني " . اختلف في معنى هذا الحديث ، فقالت طائفة من القاصرين : هو على ظاهره ، فمن رآه في النوم رأى حقيقته ، كما يرى في اليقظة . وهو قول يُدرَك فساده بأوائل العقول ، فإنَّه يلزم عليه ألا يراه أحدٌ إلا على صورته التي توفي عليها ، ويلزم عليه ألا يراه رائيان في وقت واحد في مكانين ، ويلزم عليه أن يحيا الآن ، ويخرج من قبره ، ويمشي في الناس ، ويخاطبهم ، ويخاطبونه كحالته الأولى التي كان عليها ، ويخلو قبره عنه ، وعن جسده ، فلا يبقى منه فيه شيء فيزار غير جدث ، ويُسلَّم على غائب ، لأنَّه يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته ، في غير قبره . وهذه جهالات لا يبوء بالتزام شيء منها من له أدنى مسكة من المعقول ، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول . وقالت طائفة أخرى : إنما معناه : أن من رآه على صفته التي كان عليها في الدنيا فمنامه ذلك هو الصحيح ، ورؤيته له حق ، فإنَّ الشيطان لا يتصوَّر بصورته التي كان عليها . قلت : وهذا يلزم منه : أن من رآه على غير صفته التي كان عليها في الدنيا لا تكون رؤيته حقًّا ، ويكون من باب أضغاث الأحلام . ومن المعلوم : أنه يجوز أن يرى في النوم على حالة تخالف ما كان عليها في الوجود من الأحوال اللائقة به ، ومع ذلك : فتقع تلك الرؤيا حقًّا كما إذا رؤي قد ملأ بلدة ، أو دارًا بجسمه ، فإنَّه يدلّ على امتلاء تلك البلدة بالحق والشرع ، وتلك الدار بالبركة . وكثيرًا ما وقع نحو هذا ، وأيضًا : فلو تمكَّن الشيطان من التمثُّل في شيء مما كان عليه ، أو نسب إليه لما صدق مطلقًا قوله : " فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي " ، فإنَّه إذا تمثل ببعض صفاته وأحواله فقد تمثل به ، فالأولى أن تنزه رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو رؤية شيء من أحواله ، أو مما ينسب إليه عن تمكُّن الشيطان من شيء منه . ونفي جميع ذلك مطلقًا أبلغ في الحرمة ، وأليق بالعصمة ، وكما عصم من الشيطان في يقظته في كل أوقاته ، كذلك عصم منه [ في منامه ] مع اختلاف حالاته . فالصحيح في معنى هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - أن يقال : إن مقصوده الشهادة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن رؤيته في النوم على أي حال كان ليست باطلة ، ولا من أضغاث الأحلام ، بل هي حق في نفسها ، وإن تصوير تلك الصورة ، وتمثيل ذلك المثال ليس من قبل الشيطان ، إذ لا سبيل له إلى ذلك ، وإنما ذلك من قبل الله تعالى . وهذا مذهب القاضي أبي بكر وغيره من المحققين . وقد شهد لذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من رآني فقد رآني الحق " ، أي : الحق الذي قصد إعلام الرائي به ، وإذا كانت تلك حقًّا فينبغي أن يبحث عن تأويلها ، ولا يُهمل أمرها ، فإنَّ الله تعالى إنما مثَّل ذلك للرائي بشرى ، فينبسط للخير ، أو إنذارًا لينزجر عن الشر . أو تنبيهًا على خير يحصل له في دين ، أو دنيا . والله تعالى أعلم . تنبيه : قد قررنا أن المدرك في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفس المرئيات ، غير أن تلك الأمثلة تارة تكون مطابقة لحقيقة المرئي ، وقد لا تكون مطابقة . ثم المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أدركت في النوم ، كما قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : " أريتك في سَرَقَةٍ من حرير ، فإذا هي أنت " ، ومعناه : أنه رآها في نومه على نحو ما رآها في يقظته . قلت : وقد وقع لي هذا مرات . منها : أني لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيِّئةٍ عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط ، فعزمت على المقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو ، فأُريت في النوم كأني في مسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا جالس قريبًا من منبره ، وأُناس يسلمون على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فجاءني بعض من سلَّم عليه ، فانتهرني وقال : قم فسلِّم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقمت فشرعت في السلام على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستيقظت ، وأنا أسلِّم عليه ، فجدَّد الله لي عزمًا ، ويَسَّر عليَّ فيما كان قد صعب من أسبابي ، وأزال عني ما كنت أتخوَّفه من أمر العدو ، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يومًا في كتف السلامة ، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف ، وأعظم كرب ، والعدو قد استفحل أمره ، وعظمت شوكته ، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو ، ومكن منه من غير صُنع أحد من المخلوقين ، بل : بلطف أكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين . ثم : إن الله تعالى كمَّل عليَّ إحسانه ، وإنعامه ، وأوصلني بعد حجِّ بيته إلى قبر نبيه ومسجده ، فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان . ومنها : أني تزوجت امرأة ، وقبل الدخول بها حدثت عن صفتها ما أوقع في قلبي نُفرة ، فأريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها ، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم . ونحو هذا كثير . وأما إذا لم يظهر في اليقظة كذلك ، فيعلم أن المقصود بتلك الصورة معناها لا عينها ، وكذلك الحكم إذا خالف ذلك المثال صورة المرئي نفسه إما بزيادة ، أو نقصان ، أو تغيُّر لون ، أو حدوث عيب ، أو زيادة عضو ، أو عين ، أو غير ذلك . والمقصود بذلك أيضًا : التنبيه على معاني تلك الأمور ، وإذا تقرر هذا فيجوز أن يرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم على صفته التي كان عليها في الوجود ، ويكون من فوائد ذلك : تسكين شوق الرائي ، لكونه مُستهتِرًا بمحبته ، وليعمل على مشاهدته وهذا هو الذي أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لَمَّا قال : " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " ، أي : من رآني رؤية معظِّمٍ لحرمتي ، ومُشتاقٍ لمشاهدتي ، وصل إلى رؤية محبوبه ، وظفر بكل مطلوبه . ويجوز أن يكون مقصود ذلك المنام معنى صورته ، وهو دينه وشريعته ، فيعبَّر بحسب ما رآه الرائي من زيادة ، أو نقصان ، أو إساءة ، أو إحسان ، وكذلك الحكم إذا رأى على خلاف الصورة التي كان عليها مما يجوز عليه . فأمَّا رؤية الله تعالى في النوم : فقد قال القاضي عياض : لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله تعالى في المنام . وإن رئي على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام ، يتحقق أن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى ، إذ لا يجوز عليه التجسيم ، ولا اختلاف الحالات ، بخلاف رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانت رؤيته تبارك وتعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل . وقال القاضي أبو بكر - رحمه الله - : رؤية الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة ، ويتعالى سبحانه وتعالى عنها ، وهي دلالات للرائي على أمر مما كان أو يكون ، كسائر المرئيات . وقال غيره : رؤية الله في المنام حقٌّ وصدقٌ لا كذب فيها ، لا في قول ولا في فعل . و ( قوله : " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " ، أو : " لكأنما رآني في اليقظة " ) ، هذا شكٌّ من الراوي ، فإنَّ كان اللفظ الأول هو الصحيح ، فتأويله ما ذكرناه . وإن كان الثاني هو الصحيح ، فمعناه : أن رؤيته حق وصدق كما قدمناه . والله تعالى أعلم .
( 2 ) باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ( 2263 ) [ 2175] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ : بُشْرَى مِنْ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ به نَفْسَهُ، فَإِذا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ ، قَالَ : وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. قال أيوب : فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ . ( 3 ) باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة ( 2264 ) [ 2176 ] عن عبادة بن الصامت قال : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . ( 2263 ) [ 2177] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . وفي رواية : رؤيا الرجل الصالح . ( 2265 ) [ 2178 ] وعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . ( 2 ، 3 ) ومن باب : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا ( قوله : " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب " ) قيل في اقتراب الزمان قولان : أحدهما : تقارب الليل والنهار في الاعتدال ، وهو الزمان الذي تتفتق فيه الأزهار ، وتينع فيه الثمار ، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال الأمزجة فيه ، فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام ، فإنَّ من موجبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها . وثانيهما : أن المراد بذلك : آخر الزمان المقارب للقيامة . وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : " في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن " . قلت : ويعني - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث : زمان الطائفة الباقية مع عيسى ـ عليه السلام ـ بعد قتله الدجال المذكور في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه : " فيبعث الله عيسى ابن مريم ، ثم يمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحدًا في قلبه مثقال ذرٍّة من خير أو إيمان إلا قبضته " ، فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمَّة بعد الصدر المتقدِّم حالاً ، وأصدقهم أقوالاً ، وكانت رؤياهم لا تكذب ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا " ، وكما قال : " رؤيا الرجل الصالح جزء من النبوة " . وقوله : " لم تكد تكذب " ، أي : لم تقارب الكذب ، وقد تكلَّمنا على كاد وأخواتها من أفعال المقاربة فيما تقدَّم . وقوله : " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا " ، إنما كان ذلك لأن : من كثر صدقه تنوِّر قلبه ، وقوي إدراكه ، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة والاستقامة ، وأيضًا فإن من كان غالبُ حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه ، فلا يرى إلا صدقًا . وعكس ذلك : الكاذب والْمُخلِّط يَفسد قلبه ، ويُظلم ، فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا ، هذا غالب حال كل واحد من الفريقين ، وقد يندرُ فيرى الصادقُ ما لا يصح ، ويرى الكاذب ما يصح ، لكن ذلك قليل ، والأصل ما ذكرناه . و ( قوله : " رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة " ، وفي حديث عبادة : " رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا " ، وفي رواية عن أبي هريرة : " رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا " ، [ وفي أخرى عنه : " الرؤيا الصالحة " ، وفي رواية : " رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءًا من النبوة " ] . وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " الرؤيا الصالحة جزء من سبعين " . وفي غير كتاب مسلم عن ابن عباس : " جزء من أربعين " . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : " جزء من سبعة وأربعين " . وفي حديث العباس ـ رضي الله عنه ـ : " من خمسين " ، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ : " من ستة وعشرين " ، وعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ : " من أربعة وأربعين " . قال أبو عبد الله المازري : والأكثر والأصح عند أهل الحديث : " من ستة وأربعين " . وحكي عن بعض الناس : أنه نزل هذا الحديث بهذه الرواية على مدة الوحي للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وذلك أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقام يوحى إليه ثلاثًا وعشرين سنة ، منها ستة أشهر يوحى إليه في نومه ، وذلك في أول أمره . وقد اعترض عليه بأن هذه المدة لم يصحَّ نقل تحديدها ، ولا هو معروف ، فتقديره تحكُّم . قلت : القدر الذي اختلف الرواة فيه من هذا الحديث أمران : أحدهما : من أضيفت الرؤيا إليه ، فتارة سكت عنه ، وأخرى قيل فيه : المسلم ، وفي أخرى : المؤمن ، وفي أخرى : الصالح . وهذا الأمر : الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني ، وذلك : أنه حيث سكت عنه لم يضر السكوت عنه ، مع العلم بأن الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما ، فإذا صرح به في موضع آخر فهو المعني ، وأما حيث نطق به فالمراد به واحد وإن اختلفت الألفاظ . وذلك أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح ، وهو الذي يناسب حاله حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء ، وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب ، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم . يراها الرجل الصالح ، أو ترى له " ، فإنَّ الكافر ، والكاذب ، والمخلِّط - وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات - لا تكون من الوحي ، ولا من النبوة ، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة . وقد قدَّمنا : أن الكاهن يخبر بكلمة الحق ، وكذلك المنجم قد يحدِس فيصدق ، لكن على الندور والقلَّة . وكذلك الكافر ، والفاسق ، والكاذب . وقد يرى المنام الحق ، ويكون ذلك المنام سببًا في شرٍّ يلحقه ، أو أمرٍ يناله . إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة المقصودة به . وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة ، كمنام الملك الذي رأى سبع بقرات ، ومنام الفتيين في السجن ، ومنام عاتكة عمَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحوه كثير ، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة ، فهذا هو الأمر الأول . وأما الأمر الثاني : وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جعلت رؤيا الرجل الصالح واحدا منها : فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين ، كما قد ذكرناه ، وأكثرها في الصحيحين ، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها ، وطرح الباقي ، كما قد فعل أبو عبد الله المازري ، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك أولى مما قبل إذا بحثنا عن رجال أسانيدها ، وربما ترجَّح عند غيره غير ما اختاره هو ، فإذًا : الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال : إن هذه الأحاديث - وإن اختلفت ألفاظها - متفقة على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة . فهذه شهادة صحيحة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها بأنها وحي من الله تعالى ، وأنها صادقة لا كذب فيها . ولذلك قال مالك وقد قيل له : أيفسر الرؤيا كل أحد ؟ فقال : أيلعب بالوحي ؟ ! وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتني بها ، ويسعى في تفهُّمها ، ومعرفة تأويلها ، فإنَّها إما مبشرة له بخير ، أو محذرة له من شر ، فإنَّ أدرك تأويلها بنفسه ، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك ، وهو اللبيب الحبيب . ولذلك كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول إذا أصبح : " هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا فليقصها ، أعبرها له ؟ " ، فكانوا يقصُّون عليه ، ويَعْبُرُ . وقد سلك أصحابه [ ذلك المسلك في حياته ، وبعد وفاته ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقتبس ] الأحكام من منامات أصحابه ، كما فعل في رؤيا الأذان ، وفي رؤيا ليلة القدر . وكل ذلك بناءً على أنها وحي صحيح . وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب [ الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير ، غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب ] ، وتأوَّلوه تأويلات ، فلنذكرها ، وننبه على الأقرب منها ، وهي أربع : الأول : ما صار إليه أبو عبد الله . وقد ذكرناه ، وما ورد عليه . الثاني : أن المراد بهذا الحديث : أن المنام الصادق خصَّلة من خصال النبوة . كما جاء في الحديث الآخر : " التؤدة ، والاقتصاد ، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة " ، أي : النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ستة وعشرون ، هذه الثلاثة الأشياء جزء واحدٌ منها ، وعلى مقتضى هذه التجزئة : كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه ، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون . ويصحُّ أن يسمَّى كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا وخصلة ، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءًا ، ويصحُّ أن يسمَّى كل أربعة منها جزءًا ، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصف جزء ، فتختلف أسماء العدد المجزَّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء ، وعلى هذا : فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوَّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطرابًا ، وإنَّما هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة . والله تعالى أعلم . الثالث : ما أشار إليه الطبري ، وهو : أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى اختلاف حال الرائي . فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين ، وغيرُ الصالح من سبعين ، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصفه في رواية : " ستة وأربعين " ، فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في الرائي ، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين . قلت : وهذا فيه بُعدٌ ، لما قدَّمناه من صحَّة احتمال حمل مطلق الرِّوايات على مقيدها ، وبما قد روي عن ابن عباس : " الرؤيا الصالحة جزء من أربعين " . وسكت فيه عن ذكر وصف الرائي . وكذلك حديث عبد الله بن عمرو حين ذكر سبعة وأربعين . وحديث العبَّاس حين ذكر خمسين . الرابع : قيل : يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي ، إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطة ، كما قال : مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ومنه بواسطة الملك ، كما قال : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ومنه ما يُلقى في القلب ، كما قال : إِلا وَحْيًا أي : إلهامًا ، ثمَّ منه ما يأتيه الملك على صورته ، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه ، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه ، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس ، ومنه ما يسمعه من الملك قولاً مُفصَّلاً ، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الوحي وحالاته المختلفة ، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها انتهت إلى سبعين . قلت : ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل ، فإنَّ تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوَّة ، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء لكونه يعرف الملك ، أو لا يعرفه ، أو يأتيه على صورته ، أو على غير صورته ، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لم يقدر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين . قلت : وأشبه ما ذكر في ذلك : الوجه الثاني ، مع أنَّه لم تَثْلَجُ النفسُ به ، ولا طاب لها . وقد ظهر لي وجه خامس - وأنا أستخير الله في ذكره - وهو : أن النبوَّة معناها : أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه : إما بالمشافهة ، وإما بواسطة ملك ، أو بإلقاء في القلب ، لكن هذا المعنى المسمَّى بالنبوَّة لا يخص الله به إلا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف ، والعلوم ، والفضائل ، والآداب ، ونزهه عن نقائص ذلك . ولذلك قال سبحانه : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ وقال : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وقال : كُلا هَدَيْنَا وقال لنبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ فقد حصل من هذا : أن النبوَّة لم يخص الله بها إلا أكمل خلقه ، وأبعدهم عن النقائص . ثم : إنه لما شرفهم بالنبوَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية ، فلما كانت النبوَّة لا يخص الله بها إلا من حصلت له خصال الكمال أطلق على تلك الخصال : نبوة ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " التؤدة والاقتصاد ، والسَّمت الحسن جزء من النبوة " ، أي : من خصال الأنبياء ، لكن الأنبياء في هذه الخصال متفاضلون ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وقال : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فتفاضلهم بحسب ما وهب لكل واحد منهم من تلك الصفات ، وشرَّف به من تلك الحالات ، وكل منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته ، وكانوا تنام أعينهم ، ولا تنام قلوبهم ، فنائمهم يقظان ، ووحيهم في النوم واليقظة سيَّان ، فمن ناسبَهُم في الصِّدق حصل من رؤياه على الحق ، غير أنه لما كان الأنبياء في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين ، وكان كذلك أتباعهم من الصَّادقين ، وكان أقل خصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستًّا وعشرين جزءًا ، وأكثر ما يكون من ذلك سبعين ، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ تلك الأحاديث . وعلى هذا : فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب كمال نبيٍّ من الأنبياء ، كانت رؤياه جزءًا من نبوة ذلك النبي ، وكمالاتهم متفاضلة كما قرَّرناه ، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتة على ما فصلناه . وبهذا الذي أظهر الله لنا يرتفع الاضطراب . والله الموفق للصَّواب . و ( قوله : " والرؤيا ثلاثة : بشرى من الله " ) أي : مُبشرة بخير ، ومحذرة عن شرٍّ ، فإن التحذير عن الشرِّ خيرٌ ، فتتضمَّنه البشرى . وإنَّما قلنا ذلك هنا لأنَّه قد قال في حديث الترمذي المتقدِّم : " الرؤيا ثلاثة : رؤيا من الله " مكان : " بشرى من الله " ، فأراد بذلك - والله أعلم - الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة . وقوله : " ورؤيا تحزين " ، ويلحق بالرؤيا المحزنة المفزعات ، والمهوِّلات ، وأضغاث الأحلام ، إذ كل ذلك مذموم ، لأنها من آثار الشيطان ، وكل ما ينسب إليه مذموم . و ( قوله : " ورؤيا مِمَّا يحدِّث المرء به نفسه " ) يدخل فيه ما يلازمه المرء في يقظته من الأعمال ، والعلوم ، والأقوال ، وما يقوله الأطباء : من أن الرؤيا تكون عن خلطٍ غالب على الرائي ، فيرى في نومه ما يناسب ذلك الخلط ، فمن يغلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء وما أشبهه ، لمناسبة الماء طبيعة البلغم . ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الارتفاع ، لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء . وهكذا يقولون في بقية الأخلاط ، ونحن ننازعهم في موضعين : أحدهما : في أصل تأثير الطبيعة ، فإنَّ قالوا : إن الطبيعة سببٌ عادي ، والله تعالى هو الفاعل بالحقيقة . وهو مذهب المسلمين ، فهو الحق . وإن قالوا : إن الطبيعة تفعل ذلك بذاتها ، حكمنا بتكفيرهم ، وانتقل الكلام إلى علم الكلام . والثاني : أن من أراد منهم أن الرؤيا لا تكون إلا عن الأخلاط ، فهو باطل بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث : أن الرؤيا منها ما يكون من الله ، وهي المبشرة ، والمحذرة . وهذا من باب الخير ، وليس في قوة الطبيعة أن تطلع على الغيب بالإخبار عن أمور مستقبلة تقع في المستقبل على نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء . ومن أراد منهم : أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات ، فقد يسلم ذلك على ما قرَّرناه ، ثمَّ يبقى نظر آخر ، وهو أنه لو كان ما رتبوه صحيحًا للزم عليه ألا يرى من غلب عليه خلط من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه ، ونحن نشاهد خلافه ، فيرى البلغمي النيران ، والصعود في الارتفاعات ، وعكس ذلك في الصفراوي ، فبطل ما قالوه بالمشاهدة ، والله وليُّ المعاضدة . و ( قوله : " فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل " ) ليس هذا مخالفًا لقوله في الرواية الأخرى : " فلينفث عن يساره ثلاثًا ، وليتعوَّذ بالله من شرِّها ، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه " ، وإنما الأمر بالصلاة زيادة ، فينبغي أن تزاد على ما في هذه الرواية ، فيفعل الجميع . ويحتمل أن يقال : إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها ، لأنَّه إذا صلَّى تضمَّن فعله للصلاة جميع تلك الأمور ، لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه ، وإذا تمضمض نفث وبصق ، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ ودعا ، وتفرغ لله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقرب الأحوال إجابة ، كما قدَّمناه ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " ولا يخبر بها أحدًا " ) أي : لا يعلق نفسه بتأويلها ، إذ لا تأويل لها ، فإنها من ألقيات الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن ، إما بتحزين ، وإما بترويع ، أو ما أشبه ذلك . وفعل ما ذكر كاف في دفع ذلك ، ومانع من أن يعود الشيطان لمثل ذلك ، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث ، والله تعالى أعلم ، فقال : إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل ، فما أباليها . وفي أصل كتاب مسلم قال : كنت أرى الرؤيا أعرى لها ، غير أني لا أزَّمَّل ، أي : تصيبني العرواء ، وهي الرعدة . وقال في رواية أخرى : إن كنت لأرى الرؤيا فتمرضني غير أنِّي لا أزَّمَّل لها . والتزميل : اللف ، والتَّدثير ، يعني : أنها ما كانت تدوم عليه فيحتاج إلى أن يدَّثَّر ، لكنه بنفس ما كان يفعل ما أمر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من النفث والتعوُّذ وغيره يزول عنه ذلك ، ببركة الصدق ، والتصديق ، والامتثال . وفائدة هذا : ألا يشغل الرائي نفسه بما يكره في نومه ، وأن يعرض عنه ، ولا يلتفت إليه ، فإنَّه لا أصل له . هذا هو الظاهر من الأحاديث ، والله أعلم . و ( قوله : " وأحبُّ القيد ، وأكره الغُلَّ إلى آخره " ) ظاهره : أنه من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير أن أيوب السختياني هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، وقد أخبر عن نفسه : أنه شكَّ هل هو من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو من قول ابن سيرين ، فلا يعوَّل على ذلك الظاهر ، غير أن هذا المعنى صحيح في العبارة لأن القيد في الرجلين ، وهو يُثبِّت الإنسان في مكانه ، فإذا رآه من هو على حال ما على رجليه كان ذلك دليلاً على ثبوته على تلك الحالة ، فإذا رآه من هو من أهل الدين والعلم كان ثباتًا على تلك الحال . ولو رأى المريض قيدًا في رجليه لكان ذلك دليلاً على دوام مرضه . وإنما كره الغل لأنَّه لا يُجعل إلا في الأعناق نكاية ، وعقوبة ، وقهرًا ، وإذلالاً . فيسحب على وجهه ، ويجر على قفاه ، كما قال تعالى : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ومنه قوله تعالى : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا و جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وعلى الجملة : فهو مذموم شرعًا وعادة . فرؤيته في النوم دليلٌ على وقوع حالة سيئة بالرائي تلازمه ، ولا ينفك عنها ، وقد يكون ذلك في دينه ، كواجبات فرَّط فيها ، أو معاصٍ ارتكبها ، أو ديونٍ ، وحقوقٍ لازمة له . وقد يكون ذلك في دنياه من شدائد تصيبه ، أو أنكاد تلازمه . وبالجملة : فالمعتبر في أعظم أصول العبارة النظر إلى أحوال الرائي واختلافها ، فقد يرى الرائيان شيئًا واحدًا ، ويدل في حق أحدهما على خلاف ما يدل عليه في حق الآخر .
( 6 ) باب استدعاء العابر ما يعبر ، وتعبير من لم يسأل ( 2275 ) [ 2182 ] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟ . ( 6 ) ومن باب : استدعاء العابر ما يعبر ( قوله : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا صلَّى الصبح أقبل علينا بوجهه ) فيه دليل على أن الإمام لا يمكث في موضع صلاته إذا فرغ منها ، وقد تقدَّم ذلك . و ( قوله : هل رأى منكم أحدٌ البارحة رؤيا ؟ ) إنما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألهم عن ذلك لما كانوا عليه من الصلاح ، والصدق ، فكان قد علم أن رؤياهم صحيحة ، وأنها يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب ، وليبين لهم بالفعل الاعتناء بالرؤيا ، والتشوُّف لفوائدها ، وليعلمهم كيفية التعبير ، وليستكثر من الاطلاع على علم الغيب . و ( قوله : البارحة ) يعني به : الليلة البارحة ، أي : الذاهبة ، اسم فاعل من برح الشيء : إذا ذهب . ومنه قولهم : برح الخفاء ، أي : ذهب . وإذا دخل حرف النفي على برح صار من أخوات كان التي ترفع الاسم ، وتنصب الخبر . ووقع هذا اللفظ في غير كتاب مسلم : هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا بدل : البارحة . واستدل بعض الناس على أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل ، وليس بصحيح ، لأنَّه : إنما أشار لليَّلة البارحة ، لا للساعة الحاضرة بدليل هذه الرواية الصحيحة التي قال فيها : البارحة . ومعناها : الماضية بالاتفاق ، فكأنه قال : الليلة الماضية ، أو المنصرمة . ولما كانت قريبة الانصرام أشار إليها ، ولما كان هذا معلومًا اكتفي بذكر الليلة عن صفتها ، ولما كانت البارحة صفة معلومة لليلة استعملها غير تابعة استعمال الأسماء ، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع ، فيقال : الليلة البارحة . لكن ذلك جاز لما ذكرناه .
( 2269 ) [ 2183 ] وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه : " من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها ؟ قال فجاء رجل فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رأيت ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَإذا النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وأمي وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اعْبُرْهَا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَخْطَأْتُ أم أَصَبْتُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا ، قَالَ : فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بالَّذِي أَخْطَأْتُ ، قَالَ : لَا تُقْسِمْ . و ( قوله : كان مما يقول لأصحابه ) قال القاضي أبو الفضل : معنى ( مما ) هاهنا عندهم : كثيرًا ما كان يفعل كذا . قال ثابت في مثل هذا : كأنه يقول : هذا من شأنه ، ودأبه ، فجعل ( ما ) كناية عن ذلك . يريد : ثم أدغم ( من ) فقال : مما يقول . وقال غيره : معنى ( ما ) هاهنا : ربما ، لأنَّ ربما تأتي للتكثير . قلت : وهذا كلام جملي لم يحصل به بيان تفصيلي ، فإنَّ هذا الكلام من السهل جملة الممتنع تفصيلاً . وبيانه بالإعراب ، وذلك : أن اسم كان مستتر فيها يعود على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخبرها في الجملة التي بعدها ، وذلك : أن ( ما ) من ( مما ) بمعنى : الذي ، وهي مجرورة بـ ( من ) وصلتها : يقول ، والعائد محذوف . وهذا المجرور : خبر المبتدأ الذي هو : من رأى منكم رؤيا ، فإنَّه كلام محكي معمول للقول ، تقديره : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة القول الذي يقوله هذا القول . ويجوز أن تكون مصدرية ، ويكون تقديرها : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة قوله : " من رأى منكم رؤيا " و" مَنْ " في كلا الوجهين : استفهام محكي . والله تعالى أعلم . وأبعد ما قيل فيها : قول من قال : إن " من " بمعنى : ربما ، إذ لا يساعده اللسان ، ولا يلتئم مع تكلُّفه الكلام . و ( قوله : " فليقصَّها أَعْبُرها " ) أي : ليذكر قصتها وليتتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئًا ، مأخوذ من : قصصت الأثر : إذا تتبعته . و" أعبرها " ، أي : أعتبرها وأفسرها . ومنه قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ وأصله من عبرت النهر : إذا جُزْتُ من إحدى عُدوتيه إلى الأخرى . و" الظُّلة " : السَّحابة التي تظلل من تحتها . و" تنطف " : تقطر . والنطفة : القطرة من المائع . و" يتكففون " : يأخذون بأكفهم ، ويحتمل أن يكون معناه : يأخذون من ذلك كفايتهم . وهذا أليق بقوله : فالمستكثر من ذلك والمستقل . و" السبب " : الحبل . و ( قوله : " بأبي أنت وأمي " ) أي : مَفْدِيٌّ من المكاره والمساوئ . و ( قوله : " والله لتدعني فلأعبرها " ) هذه الفاء : زائدة . و" أعبرها " منصوب بلام كي ، ويصح أن تكون لام الأمر فتجزم ، ولا تكون لام القسم لما يلزم من فتحها ، ومن دخول النون في فعلها . وفيه من الفقه : جواز الحلف على الغير ، وإبرار الحالف ، فإنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجاب طَلِبَتَه ، وأبرَّ قسمه ، فقال له : " اعبُر " . ويدل على تمكُّن أبي بكر من علم عبارة الرؤيا . ووجه عبارة أبي بكر لهذه الرؤيا واضحة ، ومناسباتها واقعة ، غير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال له : " أصبت بعضًا ، وأخطأت بعضًا " ، ولم يبيِّن له ما الذي أخطأ فيه . اختلف الناس فيه ، فقيل : معناه : أنه قصَّر في ترك بعض أجزاء الرؤيا غير مفسَّرة ، وذلك أنه ردَّ شيئين لشيءٍ واحد ، فإنَّه ردَّ السَّمن والعسل للقرآن ، ولو ردَّ الحلاوة للقرآن والسَّمن للسُّنَّة ، لكان أليق ، وأنسب . وإلى هذا أشار الطحاوي . قلت : وفي هذا بُعد ، ويرد عليه مؤاخذات يطول تتبعها . وقال بعضهم : إن المنام يدلّ على خلع عثمان ، لأنه الثالث الذي أخذ بالسبب فانقطع به ، غير أنه لم يُوصل له بِعَودِ الخلافة ، فإنَّه قتل ، وإنما وصل لغيره ، وهو علي رضي الله عنهما . قلت : وهذا إنما يصحُّ إذا لم يرو في الحديث : " له " من " وصل له " على ما نبَّه عليه القاضي فإنَّه قال : ليس فيها " له " . وإنما هو : " وصل " فقط . وعلى هذا يمكن أن ينسب الخطأ إلى هذا المعنى ، لأنَّه تأوَّل الوصل له وهو لغيره ، لكن الرواية الصحيحة والموجود في الأصول التي وقفت عليها ثبوت " له " ، وعلى هذا فإنما وصل له بالشهادة والكرامة التي أعدَّها الله تعالى له في الدار الآخرة ، وتأوَّلها أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ على الخلافة . والله تعالى أعلم . وبعد هذا فأقول : إن تكلُّف إبداء ذلك الخطأ الذي سكت عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يعلمه أبو بكر ، ولا من كان هناك من أكابر الصحابة وعلمائهم ـ رضي الله عنهم ـ جرأة نستغفر الله تعالى منها ، وإنما لم يعيِّن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها ، ولا أرهقت إليه حاجة ، ولعلَّه لو عيَّن ما أخطأ فيه لأفضى ذلك إلى الكلام في الخلافة ، ومن تتم له ، ومن لا تتم له ، فتنفر لذلك نفوس ، وتتألم قلوبٌ ، وتطرأ منه مفاسد ، فسدَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك الباب . والله تعالى أعلم بالصواب . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : " لا تُقسم " ) مع أنه قد أقسم . معناه : لا تعد للقسم . ففيه : ما يدلّ على أن أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإبرار المقسم ليس بواجب ، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه .
( 5 ) باب لا يخبر بتلعب الشيطان به ( 2268 ) ( 15 و 16 ) [ 2181 ] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ فَتَدَحْرَجَ فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ : لَا تُحَدِّثْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ ، وَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ يَخْطُبُ فَقَالَ : لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ . وفي رواية : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ ، قَالَ : فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذكر نحوه . ( 5 ) [ ومن باب : لا يخبر بتلعب الشيطان به ] ( قوله للأعرابي الذي أخبره : أنه رأى أن رأسه قد قطع : لا تخبر بتلعب الشيطان بك في منامك ، دليلٌ على منع أن يخبر الإنسان بما يراه في منامه مما يكرهه ، مما يظن أنه من الشيطان . وقد تقدَّم بيان ذلك . وهذه المنام على مساق هذا الحديث ليس في ظاهرها ما يدلّ على أنها من الشيطان ، غير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علم أنها من الشيطان بطريق آخر غير ظاهرها ، [ فإمَّا أن يكون ذكر الرائي ما يدلّ على ذلك ، ولم ينقله الراوي ، وإمَّا أن يكون ذلك من باب الوحي وهو الظاهر . وقد ذكر أهل العلم بالعبارة قطع الرأس في النوم ، وذكروا : أنه يدل على زوال نعم الرائي ، أو سلطانه ، أو تغيُّر حاله ، أو مفارقة من هو فوقه ، فإنَّ كان عبدًا دلَّ على عتقه ، أو مريضًا فعلى شفائه ، أو مِدْيانًا فعلى قضاء دينه ، أو صرورة فعلى حَجِّه ، أو مغمومًا فعلى فرجه ، أو خائفًا فعلى أمنه ، إلى غير ذلك مما وسَّعوا القول فيه . وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب أصول العبارة أن رجلاً قال : يا رسول الله ! رأيت فيما يرى النائم كأن رأسي قطع فجعلت أنظر إليه بإحدى عيني ! فضحك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : بأيتهما كنت تنظر إليه ؟ فلبث ما شاء الله ، ثم قُبِض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعبَّر الناس : أن الرأس كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن النظر إليه كان اتباع السُّنَّة .
( 32 ) كتاب الرؤيا ( 1 ) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره ( 2261 ) ( 2 و 3 ) [ 2173 ] عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال : سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِن رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ الجَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَا الْحَدِيث فَمَا أُبَالِيهَا. زاد في رواية : وليتحول عن جنبه الذي كان عليه . وفي أخرى : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ، ورؤْيَا السَّوْءُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ، لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا ، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ بها إِلَّا مَنْ يُحِبُّ . ( 2262 ) ( 5 ) [ 2174 ] وعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ . ( 32 ) كتاب الرؤيا [ ( 1 ) باب : الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره ] ( قوله : الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان ) ، الرؤيا : مصدر رأى في المنام رؤيا ، على وزن فعلى ، وألفه للتأنيث ؛ ولذلك لم ينصرف . والرؤية : مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية . هذا المعروف من لسان العرب ، وقال بعض العلماء : إن الرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية ، وحمل عليه قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وقال : إنما يعني بها رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإسراء لما أراه من عجائب السماوات والملكوت ، وكان الإسراء من أوله إلى آخره في اليقظة . وقد ذكرنا هذا في باب الإسراء من كتاب : الإيمان . والْحُلْم - بضم الحاء ، وسكون اللام - مصدر حَلَمت - بفتح الحاء واللام - إذا رأى في منامه رؤيا ، وتُجمع على أحلام في القلَّة ، وفي الكثرة حلوم ، وإنَّما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه ، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروها . وأراد به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا ما يكره ، أو ما لا ينتظم ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى . فأمَّا الحِلم - بكسر الحاء فهو مصدر حَلُمَ - بضم اللام- يَحْلِمُ : إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة . وتحلَّم : تكلف الحلم . والْحَلم - بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ ، وتثقيبه فيه ، يقال منه : حَلِم الأديم- بكسر اللام - يحلم - بفتحها - : إذا صار كذلك . وقد اختلف الناس في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا ، فقال غير المتشرعين أقوالاً كثيرة مختلفة ، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عَرِيت عن البرهان فأشبهت الهذيان . وسبب ذلك التخليط العظيم : الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم . وبيان ذلك : أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس ، وقد غُيِّب عنا علم حقيقتها . وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه ؛ كان أحرى ، وأولى ألا نعلم ما غيب عنا من إدراكاتها ، بل نقول : إنا لا نعلم حقيقة كثير مما قد انكشفت لنا جملته من إدراكاتها ، كحس السمع ، والعين ، والأذن ، وغير ذلك ، فإنا إنما نعلم منها أمورًا جملية ، لا تفصيلية ، وأوصافًا لازمة ، أو عرضية ، لا حقيقية ، وسبيل العاقل ألا يطمع في معرفة ما لم يُنْصَب له عليه دليل عقلي ، ولا حسي ، ولا مركب منهما ، إلا أن يخبر بذلك صادق ، وهو الذي دلَّ الدليل القطعي على صدقه ، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، فإنَّهم دلت على صدقهم دلائل المعجزات . وإذا كان كذلك : فسبيلنا أن نعرض عن أحوال المعرضين ، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشارع والمتشرعين . قال الإمام أبو عبد الله : المذهب الصحيح ما عليه أهل السُّنَّة ، وهو : أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات ، كما يخلقها في قلب اليقظان . وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ، وما يمنعه من فعله نوم ، ولا يقظة ، وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال ، أو كان قد خلقها . وقال غيره : إن لله تعالى ملكًا موكلاً يعرض المرئيَّات على المحل المدرك من النائم ، فيمثل له صورًا محسوسة ، فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود ، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة غير محسوسة . وفي الحالتين تكون مبشرة ومنذرة . قلت : وهذا مثل الأول في المعنى ، غير أنه زاد فيه قضية الْمَلَك ، ويحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع ، إذ يجوز أن يخلق الله تعالى تلك التمثيلات من غير مَلَك . وقيل : إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله إعلامًا على ما كان ، أو يكون ، [ وهو أشبهها ] . فإنَّ قيل : كيف يقال : إن الرؤيا إدراك مع أن النوم ضد الإدراك ، فإنه من الأضداد العامة ، كالموت ، فلا يجتمع معه إدراك ؟ فالجواب : أن الجزء المدرك من النائم لم يحلَّه النوم ، فلم يجتمع معه ، فقد تكون العين نائمة ، والقلب يقظان ، كما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي . وإنما قال : منضبطة في التخيل ، لأنَّ الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه ، غير أنه قد تركب المتخيَّلات في النوم تركيبًا يحصل من مجموعها صورة لم يوجد لها مثال في الخارج ، تكون علمًا على أمر نادر ، كمن يرى في نومه موجودًا رأسه رأس الإنسان وجسده جسد الفرس مثلاً ، وله جناحان ، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد مثلها في الوجود ، وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجي . وإنَّما قال : جعلها الله إعلامًا على ما كان ، أو يكون ، لأنَّه يعني به : الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى . ثم : إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ذكر أنواع الرؤيا هنا . وفيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : الرؤيا ثلاث : فرؤيا حق ، ورؤيا يحدِّث المرء بها نفسه ، ورؤيا تحزين من الشيطان . وذكر الحديث . فرؤيا الحق : هي المنتظمة التي لا تخليط فيها ، وقد سَمَّاها في رواية أخرى : الصادقة . وفي أخرى : الصالحة ، وهي التي يحصل بها التنبيه على أمر في اليقظة صحيح ، وهي - التي إذا صدرت من الإنسان الصالح - جزء من أجزاء النبوة ، أي : خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى . وأما الثانية : فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية ، وشهواتٍ غالبة ، وهموم لازمة ، ينام عليها ، فيرى ذلك في نومه ، فلا التفات إلى هذا ، وكذلك الثالثة . فإنها تحزين ، وتهويل ، وتخويف ، يدخل كل ذلك الشيطان على الإنسان في نومه ليشوش يقظته . وقد يجتمع هذان السببان ، أعني : هموم النفس ، وألقيات الشيطان في منام واحد ، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها . والضغث : هي القبضة من الحشيش المختلط . و ( قوله : الرؤيا من الله ) ، أي : بشرى من الله ، أو تحذير وإنذار . و ( قوله : والحلم من الشيطان ) ، يعني به : ما يلقيه مما يهوِّل ، أو يخوف ، أو يحزن به . وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه ، لأنَّه من تخييلات الشيطان وتشويشاته ، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله تعالى ، ونفث عن يساره ثلاثًا ، وتحوَّل عن جنبه كما أمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث ، وصلى ، أذهب الله عنه ما أصابه ، وما يخافه من مكروه ذلك ، ولم يصبه منه شيء ببركة صدق الالتجاء إلى الله تعالى ، وامتثال أوامر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وعلى هذا فيكون قوله : فإذا رأى أحدكم ما يكره ، إنَّما يعني به : ما يكون سببه الشيطان . وقيل : بل الخبر بحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان ، وما لا يسببه مما يكرهه الرائي . ويكون فعل هذه الأمور كلها مانعًا من وقوع ذلك المكروه . كما يقال : إن الدعاء يدفع البلاء ، والصَّدقة تدفع ميتة السوء . وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره ، ولكن الوسائط والأسباب عاديات لا موجودات . وفائدة أمره بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه ، وينقطع عن ذلك المنام المكروه . وفائدة الأمر بالصلاة أن تكمل الرغبة ، وتصح الطلبة ، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد . و ( قول أبي سلمة : فما أباليها ) ، أي : ما ألتفت إليها ، ولا ألقي لها بالاً ، أي : لا أخطرها على فكري ثقة بالله تعالى ، وبما أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم
( 2278 ) ( 3 ) [ 2190 ] وعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ . و ( قوله : " أنا أوَّل من ينشق عنه القبر " ) يعني : أنه أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه ، وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه . ويعارض هذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر : " أنه أول من يبعث ، فيجد موسى متعلِّقًا بساق العرش " . وسيأتي هذا مبيَّنًا في باب : ذكر موسى ـ عليه السلام ـ إن شاء الله تعالى . و ( قوله : " وأول شافع ، وأول مشفع " ) قد تقدَّم القول في الشفاعة وأقسامها في الإيمان . ومقصود هذا الحديث أن يُبيَّن أنه لا يتقدَّمه شافع ، لا من الملائكة ، ولا من النبيين ، ولا من المؤمنين ، في جميع أقسام الشفاعات ، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره . وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب ، وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن نفسه ، إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أمر بتبليغه ، لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك ، وأنه حق في نفسه ، وليرغب في الدخول في دينه ، وليتمسك به من دخل فيه ، وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمَّة من هذا حاله ، ولتعظم محبَّته في قلوب مُتَّبعيه ، فتكثر أعمالهم ، وتطيب أحوالهم ، فيحشرون في زمرته ، وينالون الحظَّ الأكبر من كرامته . وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا ، وشرف الآخرة ، لأنَّ شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال . فإن قيل : كل هذا راجع للاعتقاد ، وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد ؟ فالجواب : أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشافهة حصل له العلم بذلك ، كما حصل للصحابة السامعين منه ، ومن لم يشافهه ، فقد يحصل له العلم بذلك من جهة التواتر المعنوي ، إذ قد كثرت بذلك الظواهر ، وأخبار الآحاد حتى حصل لسامعها العلم القطعي بذلك المراد .
[ 2191 ] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُه وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . و ( قوله : " ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنَّما كان الذي أوتيته وحيًا " ) يعني : أن كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته ، فيظهر صدقه ، وتثبت حجَّته ، كما قد علم من أحوالهم ، بما أخبرنا الله به وبينه عنهم ، غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم ، فلا يبقى منها بعدهم إلا الإخبار بها ، وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار . ونبيُّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله ، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمَّى بـ " الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام " ، لكنه فضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا ، وهي : الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أيَّ تعجيز ، فإعجازه مشاهد بالعيان ، متجدد ما تعَاقَب الجديدان ، فمن ارتاب الآن في صدق قوله ، قيل له : فائت بسورة من مثله ، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور ، مستمرة مدى الدهور ، اشترك في معرفتها المتقدِّمون والمتأخرون ، واستوى في معرفة صدق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ : السَّابقون واللاحقون ، فدخل العقلاء في دينه دخولاً متتابعًا ، وحقق الله تعالى له رجاءه ، فكان أكثر الأنبياء تابعًا .
( 33 ) كتاب النبوات وفضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( 1 ) باب كونه مختارا من خيار الناس في الدنيا وسيدهم يوم القيامة ( 2276 ) ( 1 ) [ 2189 ] عن وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ . ( 33 ) كتاب النِّبُوَّات [ ( 1 ) ومن باب كونه مختارًا من خيار الناس ] قد تقدَّم الكلام في النبوة غير ما مرَّة . و ( قوله : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل " ) اصطفى : اختار . وصفوة الشيء : خياره . ووزنه : افتعل . والطاء فيه بدل من التاء لقرب مخرجيهما . ومعنى اختيار الله تعالى لمن شاء من خلقه : تخصيصه إياه بصفات كمال نوعه ، وجعله إياه أصلاً لذلك النوع ، وإكرامه له على ما سبق في علمه ، ونافذ حكمه من غير وجوب عليه ، ولا إجبار ، بل على ما قال : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ وقد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ويكفيك من ذلك كله : أن الله تعالى خلق العالم كلَّه لأجله ، كما قد صرح بذلك عنه لما قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته ، ومحل رسالته ، فأولهم : آدم عليه الصلاة والسلام ، ثم إن الله تعالى اختار من نطفته نطفة كريمة ، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة ، فكان منها الأنبياء والرسل ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث . ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم ، وأمَّهم بإمامهم ، وشرَّفهم بصدر كتيبتهم ، وبيت قصيدتهم ، شمس ضحاها ، هلال ليلتها ، درِّ تقاصيِرها ، زبرجدها ، وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أخره عن الأنبياء زمانًا ، وقدمه عليهم رتبة ومكانًا . جعله الله واسطة النظام ، وكمَّل بكماله أولئك الملأ الكرام ، وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود ، في اليوم المشهود ، فهو شفيعهم إذا استشفعوا ، وقائدهم إذا وفدوا ، وخطيبهم إذا جُمِعُوا ، وسيِّدهم إذا ذُكِروا ، فاقتبس من الخبر عيونه ، فبيده لواء الحمد ، تحته آدمُ فمن دون ، ويكفيك أُثْرَةً وكرامة : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " . والسيد : اسم فاعل ، من ساد قومه ، إذا تقدَّمهم بما فيه من خصال الكمال ، وبما يوليهم من الإحسان والإفضال ، وأصله : سَيْوِد ، لأنَّ : ألف ساد منقلبة عن واو ، بدليل : أن مضارعه يسود ، فقلبوا الواو ياء ، وأدغموها في الياء ، فقالوا : سيِّد . وهذا كما فعلوا في : ميِّت . وقد تبين للعقل والعيان ما به كان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيد نوع الإنسان . وقد ثبت بصحيح الأخبار ما له من السؤدد في تلك الدار ، فمنها أنه قال : " أنا سيد ولد آدم " . قال : " وتدرون بم ذاك ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد " ، وذكر حديث الشفاعة المتقدم . ومضمونه : أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة ، وطال عليهم ، وعظم كربهم طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم ، فيبدءون بآدم عليه السلام ، فيسألونه الشفاعة ، فيقول : نفسي ، نفسي ، لست لها ، وهكذا يقول من سُئِلها من الأنبياء ، حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول : " أنا لها " ، فيقوم في أرفع مقام ، ويخصُّ بما لا يُحصى من المعارف والإلهام ، وينادى بألطف خطاب وأعظم إكرام : يا محمد ! قل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع . وهذا مقام لم ينله أحدٌ من الأنام ، ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام ، فنسأل الله تعالى باسمه العظيم ، وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته ، ويميتنا على ملته ، ويحشرنا في زمرته ، ولا يجعلنا ممن ذيد عنه ، وبُعِّدَ منه .
( 706 ) [ 2197] وعن مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْم آخر أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ : إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ، فَجِئْنَاهَا ، وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ ، قَالَ : فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ قَالَا : نَعَمْ ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، قَالَ ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ ، قَالَ : وَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَ ، فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - أَوْ قَالَ غَزِيرٍ - حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ : يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا . و ( قوله : " خرجنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام تبوك " ) هي موضع معروف بطريق الشام فيه ماء ، وهذه الغزوة : هي آخر غزاة غزاها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يريد غزو الروم ، فخرج فيها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حرٍّ شديد لسفرٍ بعيد ، وخرج معه أهل الصدق من المسلمين ، وتخلَّف عنه جميع المنافقين ، وكانت غزوة أظهر الله فيها من معجزات نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكراماته ، ما زاد الله المؤمنين به إيمانًا ، وأقام بذلك على الكافرين حجَّة وبرهانًا . و ( قوله : " فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعًا ، والمغرب والعشاء جميعًا " ) ظاهر هذا المساق أنه أوقع الظهر والعصر في أول الوقت مجموعتين ، وكذلك المغرب والعشاء ، لأنَّه قال بعد ذلك : ( حتى إذا كان يوم آخر أخر الصلاة ، ثم خرج ، فصلى الظهر والعصر جميعًا ، ثم دخل ، ثم خرج بعد ذلك ، فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا ) . وظاهره أنه أخر الصلاتين إلى آخر وقتهما المشترك . وهو حجَّة لمالك ، فإنَّه يقول بجواز كل ذلك ، على تفصيل له في الأفضل من ذلك ، كما قدَّمناه ، وهو أيضًا حجة للشافعي عليه في اشتراطه في جواز الجمع بين الصلاتين استعجال السير ، والشافعي لا يشترطه ، وقد تقدَّم كل ذلك في كتاب الصلاة . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنكم ستأتون غدًا - إن شاء الله - عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار " ) ظاهره : أن هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إخبار عن غيب بوحي ، ويحتمل غير ذلك . و ( قوله : " فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئًا " ) إنما نهاهم عن ذلك ، ليظهر انفراده بالمعجزة ، وتتحقق نسبتها إليه ، واختصاصه بها ، فإنَّه إذا شاركه غيره في مسِّ مائها ، لم يتمحض اختصاصه بها ، ولذلك لما وجد الرجلين عليها ، أمر أن يغرف له من مائها ، وكأنه كان أراد أن يباشر الماء وهو في موضعه ، لكن لما سبقه غيره إليها ، جمعوا له من مائها ، فغسل فيه يديه ووجهه ، ثم أمر أن يعاد ذلك الماء فيها ، فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر ، وسمع له حس كحس الصواعق . و ( قوله : " والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء " ) الرواية المشهورة : " تبضُّ " بالضاد المعجمة ، أي : تسيل بماء قليل رقيق مثل شراك النعل ، وقد روي بالصاد المهملة ، وكذلك وقع في البخاري ، أي : تبرق . يقال : بصَّ يبصُّ بصيصًا ، ووبص يبص وبيصًا بمعناه . وسبُّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ السابقين للماء يحتمل أن يكون : لأنهما كانا منافقين قصدا المخالفة ، فصادف السبُّ محلَّه . ويحتمل أن كانا غير منافقين ، ولم يعلما بنهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكون سبَّه لهما لم يصادف محلاً ، فيكون ذلك لهما رحمة وزكاة ، كما قاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " اللهم من لعنته ، أو سببته وليس لذلك بأهل ، فاجعل ذلك له زكاة ، ورحمة ، وقربة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة " . و " المنهمر " : الكثير الانصباب ، و" يوشك " : يجيء ويسرع . وقد تقدم الكلام عليها ، و" الجنان " : البستان من النخل وغيره ، سمي بذلك لأنه يجن أرضه وما تحته ، أي : يستر ذلك . وقد اشتمل هذا الحديث على معجزتين عظيمتين ، إحداهما : نبع الماء المذكور . والثانية : تعريفه بكثير من علم الغيب ، فإنَّ تبوك من ذلك الوقت سكنت لأجل ذلك الماء ، وغرست بساتين ، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
( 2 ) باب من شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم وبركته ( 2277 ) [ 2192 ] عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ . ( 2 ) ومن باب : شواهد نبوة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله : إني لأعرف حجرًا كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث ) يعني : أنه كان يسلِّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه الملك بالرسالة . ذكر العلماء بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحواله : أنه كان من لطف الله بنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن قدَّم له مقدِّمات ، وخصَّه ببشائر وكرامات ، درَّجَهُ بذلك إلى أطوارٍ ، لينقطع بذلك عن مألوفات الأغمار ، ويتأهل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه ، ولتسهُيل مشافهة الملك عليه ، فكان صلى الله عليه وسلم يرى ضياءً وأنوارًا ، ويسمع تسليمًا وكلامًا ، ولا يرى أشخاصًا ، فيسمع الحجارة والشجر تناديه ، ولا يرى أحدًا يناجيه ، إلى أن استوحش من الخلق ، ففرَّ إلى الحق ، فحُبِّبت إليه الخلوة ، فكان سبب هذه الحبوة ، مشافهة الملك فقبل فملك ، وقد قدَّمنا : أن الصحيح من مذاهب أئمتنا : أن كلام الجمادات راجع إلى أن الله تعالى يخلق فيها أصواتًا مقطعة من غير مخارج، يفهم منها ما يفهم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم ، وذلك ممكن في نفسه . والقدرة القديمة لا قصور فيها ، فقد أخبر بها الصادق ، فيجب له التصديق . كيف لا ؟ وقد سمع من حضر تسبيح الحصى في كفه ، وحنين الجذع والمسجد قد غصَّ بأهله . و ( قوله : إني لأعرفه الآن ) يعني : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان وقت حدَّثهم بهذا الحديث يعرف الحجر معرفة من كان يشاهده . وقيل : إن ذلك الحجر : هو الحجر الأسود ، والله أعلم .
( 2280 ) [ 2195] وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا، فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَجِدُ فِيها سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَصَرْتِيهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا . ( 2281 ) [ 2196 ] وعنه : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطْعِمُهُ فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ . وقد وقع منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل هذا في غزوة الحديبية على ما رواه جابر ، وفي غزوة بواط من حديث غيره . و " العكة " للسمن ، وهي أصغر من القربة . و" الوَسْق " : ستون صاعا كما تقدم في الزكاة ، ونماء سمن العكة ، وشطر وسق الشعير كل ذلك ببركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما لمسه ، أو تناوله ، أو تهمَّم به ، أو برَّك عليه ، وكم له منها ، وكم ! ورفع النماء من ذلك عند العصر والكيل سببه - والله أعلم - الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى ، ومواهب كراماته ، وكثرة بركاته ، والغفلة عن الشكر عليها ، والثقة بالذي وهبها ، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة ، وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه ، لما أنزل عليهم المن والسلوى . وقيل لهم : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ فأطاعوا حرص النفس ، فادخروا للأيام ، فخنز اللحم ، وفسد الطعام . و ( قوله لصاحبة العكة : " لو تركتيها ما زال قائمًا " ، ولصاحب الشطر : " لو لم تكله لقام بكم " ) يستفاد منه : أن من أُدِرَّ عليه رزق ، أو أُكرم بكرامة ، أو لُطِف به في أمر ما ، فالمتعيَّن عليه : موالاة الشكر ، ورؤية المنة لله تعالى ، ولا يحدث مغيِّرًا في تلك الحالة ، ويتركها على حالها . ومعنى رؤية المنة : أن يعلم أن ذلك بمحض فضل الله ، وكرمه ، لا بحولنا ، ولا بقوتنا ، ولا استحقاقنا .
( 2279 ) ( 4 و 5 ) [ 2193 ] وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ قَالَ : فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ . وفي رواية : دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ ، قَالَ : فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ . و ( قوله : " أُتي بقدح رحراح " ) أي : واسع . ويقال : رحرح - بغير ألف وإناءٌ أرح ، وآنية رحَّاء ، كل ذلك بمعنى الواسع . قال ابن الأنباري : ويكون ذلك قصير الجدار . و ( قوله : " فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه " ) هذه المعجزة تكررت من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرَّات عديدة في مشاهد عظيمة ، وجموع كثيرة ، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر ، وعمران بن حصين ، وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي . وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته ، كما قد ذكرنا جملة ذلك في كتاب " الإعلام " . وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ـ عليه السلام ـ في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا ، إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة ، فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يُسمع بمثله ، ولا تحدَّث به عن غيره .
( 1392 ) [ 2198 ] وعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُصُوهَا ، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ : أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَتَهُبُّ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ، فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رواية : ببحرهم - وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا : كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ فَقَالَتْ : عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ ، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ خَيْرَ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ ، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا ، فَقَالَ : أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ الْخِيَارِ ؟! . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه حين مرَّ على حديقة المرأة : " اخرصوها " ) دليلٌ على جواز الخرص إذا احتيج إليه ، وأنه طريق معتبر شرعًا . وخروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خرصه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دليل على صحة حدسه ، وقوة إدراكه ، وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله ، ولا يعارض هذا بحديث إبار النخل ، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في إبار النخل لم يعلمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " ما أرى هذا يغني شيئًا " ) يعني الإبار ، وصدق ، فإنَّ الله تعالى هو الذي يمسك الثمرة ويطيبها إذا شاء ، لا الإبار ، ولا غيره ، بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص ، فإنَّ الغالب فيه من الممارسين له التقريب لا التحقيق . وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمقدار ذلك على التحقيق ، فوجد كما أخبر ، فإنَّ كان هذا منه عن حدس وتخمين ، كان دليلاً على أنه قد خصَّ من ذلك بشيء لم يصل إليه غيره ، وإن كان ذلك بالوحي ، كان ذلك من شواهد نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ . و ( قوله : " ستهبُّ عليكم ريحٌ شديدةٌ " ) من المعجزات الغيبية ، وهي من الكثرة بحيث لا تحصى ، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعلم كثيرًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، أو من ارتضاه من الرسل فأطلعه الله عليه ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أطلعه الله عليه ، فهو رسول من أفضل الرسل . و ( قوله : " فلا يقم فيها أحدٌ ، ومن كان له بعير فليشد عقاله " ) دليل على الأخذ بالحزم ، والحذر في النفوس ، والأموال ، ومن أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة ، زاعمًا أنه متوكل ، فقد غلط ، فإنَّ التوكل لا يناقض التحرز ، بل حقيقته لا تتم إلا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله ، وبين التفويض إلى الله تعالى ، كما فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وابن العَلماء : هو بفتح العين المهملة وسكون اللام ، والمد ، وهو تأنيث الأعلم ، وهو المشقوق الشفة العليا ، والأفلح : هو المشقوق الشفة السفلى . وصاحب أيلة ، يعني به : ملكها . وأيلة : بلد معروف بالشام ، وإليه تنسب عقبة أيلة . و ( قوله : " وأهدى له بغلة بيضاء " ) هذه البغلة قبلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبقيت عنده زمانًا طويلاً ، ولم تكن له بغلة غيرها ، وكانت تسمَّى : الدُّلْدُل ، وفيه دليل على قبول هدية الكتابي ، وقد تقدَّم القول فيه ، وفي قوله : " هذا جبل يحبنا ونحبه " ، وفي " طابة " . و ( قوله : " فكتب له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببحرهم ، وأهدى له بردًا " ) البحر هنا ، يراد به البلد ، والبحار : القرى ، وقد تقدم . وكأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقطعه بعض تلك البلاد ، كما قد أقطع تميمًا الداري ـ رضي الله عنه ـ بلد الخليل ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل فتحه . ويظهر من حال ابن العَلماء أنه استشعر ، أو علم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيظهر ، ويغلب على ما تحت يده هو من البلاد ، فسأله أن يقطعه بعضها . والله أعلم . وأما إهداؤه البرد ، فمكافأة ، ومواصلة ، واستئلاف ليدخل في دين الإسلام ، وكأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يحضره في ذلك الوقت إلا ذلك البرد ، والله أعلم . و ( قوله : " إن خير دور الأنصار : دار بني النجار ، ثم دار بني عبد الأشهل " الحديث إلى آخره ) يدلُّ على جواز تفضيل بعض المعينين على بعض من غير الأنبياء ، وإن سمع ذلك المفضول ، وقد تقدَّم القول في تفضيل الأنبياء . و " الدُّور " : جمع دار ، وهو في الأصل : المحلة والمنزل ، وعبر به هنا عن القبائل ، وهذا نحو قوله : أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببناء المساجد في الدور ، أي : في القبائل والمحلات . وفيه ما يدلّ على جواز المدح إذا قصد به الإخبار بالحق ، ودعت إلى ذلك حاجة ، وأمنت الفتنة على الممدوح . وفيه دليل على جواز المنافسة في الخير ، والدين ، والثواب ، كما قال سعد : " يا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرًا " . طلب أن يلحقهم بالطبقة الأولى . فأجابه بأن قال : " أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار ؟ " وإنما يعني بذلك : أن تفضيلهم إنما هو بحسب سبقهم إلى الإسلام ، وظهور آثارهم فيه ، وتلك الأمور وقعت في الوجود مرتبة على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل ، وإذا كان كذلك لم يتقدَّم متأخر منهم على منزلته ، كما لا يتأخر متقدِّم منهم عن مرتبته ، إذ تلك مراتب معلومة على قسم مقسومة ، وقد سبق لسعادتهم القضاء : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ و ( قوله : " ثم دار بني عبد الحارث " ) كذا وقع للعذري ، والفارسي ، وهو وَهْمٌ . والصواب : بني الحارث ، بإسقاط عبد ، والله أعلم . و ( قوله : " وجعلنا آخرًا " ) وقع في بعض النسخ آخر بغير تنوين ولا ألف . جعله غير منصرف ، وليس بصحيح الرواية ، ولا المعنى ، إذ لا مانع من صرفه ، لأنَّ آخرًا هنا : هو الذي يقابل : أولاً ، وكلاهما مصروف ، وهو منصوبٌ على أنه المفعول الثاني لجعل ، لأنَّه بمعنى : صيَّر . ويحتمل أن يتأوَّل في معنى جعل : معنى أنزل ، فيكون ظرفًا ، أي : أنزلتنا منزلاً متأخرًا . وعلى الوجهين فلا بدَّ من صرفه ، وكذا وجدناه من تقييد المحققين . و ( قوله : " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار " ) ويروى : " من الأخيار " ، وكلاهما صحيح .
( 2279 ) ( 6 و 7 ) [ 2194 ] وعنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ قَالَ : ( وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ ) دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ . وفي رواية : لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ ، قَالَ قُلْتُ : كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ قَالَ : كَانُوا زُهَاءَ ثَلَاث مِائَةِ . و ( قوله : " كانوا زهاء ثلاثمائة " ) أي : قدرها . يقال : هم زهاء كذا ، ولهاء كذا - باللام أي : قدره . وفي الحديث الأول : فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين . هذا يدلّ على أن ذلك كان في موضعين : أحدهما : بالزوراء ، وهي سوق بالمدينة . والآخر : روي في بعض طرقه ما يدلّ على أنه كان بغير الزوراء .
( 3 ) باب في عصمة الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ممن أراد قتله ( 843 ) [ 2199 ] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا ، قَالَ : وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي ، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتً فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي : مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ : مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ ، قَالَ : فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ . ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 3 ) ومن باب عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مِمَّن يريد قتله ( قوله : " غزونا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غزوة قبل نجد " ) ، النجد : المرتفع من الأرض ، والغور : المنخفض منها ، هذا أصلها ، ثم قد صارا بحكم العرف اسمين لجهتين مخصوصتين معروفتين . وصحيح الرواية ومشهورها : " نجد " ، ووقع للعذري : " أحد " . و ( قوله : " فأدركنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وادي كثير العضاه " ) هذا اللفظ ذكري فيه : " أدركَنَا " - بفتح الكاف - " رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ " بالرفع على الفاعل ، وعليه فيكونون قد تقدموه للوادي لمصلحة من مصالحهم ككونهم طليعة ، أو صيانة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما يخشى عليه ، وغير ذلك . ويحتمل أن يقيد : فأدركْنَا رسولَ اللهِ - بسكون الكاف ، ونصب " رسول " على المفعول ، فيكون فيه ما يدلُّ على شجاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويكون كنحو ما اتفق له لما وقع الفزع بالمدينة ، فركب فرسًا ، فسبقهم ، فاستبرأ الخبر ، ثم رجع ، فلقي أصحابه خروجًا ، فقال لهم : " لم تراعوا " . والعضاه : كل شجر من شجر البادية له شوك . و ( قوله : " فتفرَّق الناس في الوادي يستظلُّون " ) فيه جواز افتراق العسكر في النزول إذا أمنوا على أنفسهم ، وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر ، فقالوا مستظلين بالشجر . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السَّيف " ) هذا يدلّ : على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في هذا الوقت لا يحرسه أحدٌ من الناس ، بخلاف ما كان عليه في أول أمره ، فإنَّه كان يُحرس حتى أنزل الله تعالى عليه : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فقال لمن كان يحرسه [ من الناس ] : " اذهبوا فإنَّ الله قد عصمني من الناس " . فمن ذلك الوقت لم يحرسه أحدٌ منهم ، ثقة منه بوعد الله ، وتوكلاً عليه . وفيه : جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه ، وأما مع الخوف ، فالواجب : التحرز والحذر . و ( قوله : " فاستيقظت وهو قائمٌ على رأسي والسيف صَلْتٌ في يده " ) روي برفع " صلت " ونصبه . فمن رفعه جعله خبر المبتدأ ، الذي هو السيف ، و " في يده " متعلّق به . ومن نصبه ، جعل الخبر في المجرور ، ونصبت صَلْتًا على الحال ، أي : مُصلتًا . وهو المجرَّد من غمده . والمشهور بفتح الصاد من : " صَلَتَ " . وذكر القتبي : أنها تكسر في لغة . و ( قول الرجل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من يمنعك مني ؟ " ) استفهام مشرب بالنفي ، كأنه قال : لا مانع لك مني ! فلم يبال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله ، ولا عرَّج عليه ، ثقة منه بوعد الله وتوكلاً عليه ، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلا لله تعالى ، فإنَّه أعلم الناس بالله تعالى وأشدُّهم له خشية . فأجابه بقوله : " الله ! " ثانية ، وثالثة ، فلما سمع الرَّجُل ذلك ، وشاهد تلك القوة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال ، تحقق صدقه ، وعلم : أنه لا يصل إليه بضرر . وهذا من أعظم الخوارق للعادة ، فإنَّه عدوٌّ ، متمكِّن ، بيده سيفٌ شاهرٌ ، وموتٌ حاضرٌ ، ولا حال تغيّرت ، ولا روعة حصلت . هذا محال في العادات ، فوقوعه من أبلغ الكرامات ، ومع اقتران التحدِّي به يكون من أوضح المعجزات . و ( قوله : " فشام السَّيف " ) أي : أغمده [ هنا ، وهو من الأضداد . يقال : شام السيف : جرَّده ، وشامه : أغمده ] . و ( قوله : " فها هو ذا جالس " ) هكذا وجدته [ بخط شيخنا أبي الصَّبر أيوب في نسخته ، ووجدته ] في نسخة أخرى : " فشام السيف ، ها هو ذا هو جالس " بإسقاط الفاء ، وزيادة هو ، والأول أحسن ، لأنَّ الفاء رابطة ، و" هو " لا يحتاج إليها ، فهي زائدة . ومعنى هذا الكلام أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبَّه على ذلك الرجل ، وأخبر عنه ، وأشار إليه ، فكأنه قال : تنبَّهوا لهذا الرجل إذ مُنِع مِمَّا همَّ به ، واستسلم لما يُفعَلُ فيه ، ثم تلافاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعفوه وحلمه ، وعاد عليه بعوائده الكريمة وصفحه ، فلم يعرض له على ما كان منه .
( 86 ) باب ( 2832 ) [ 2452 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ . ( 2547 ) [ 2453 ] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً . ( 86 ) باب و ( قوله : تجدون الناس كإبل مائة ، لا تجد فيها راحلة ) قال الأزهري : الراحلة : الناقة النجيبة والجمل النجيب ، والهاء فيها للمبالغة . كرجل داعية ونسابة . وسميت بذلك لأنها ترتحل ، فهي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية أي : مرضية . قال : ومعنى الحديث عندي : أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليل . قلت : ويقع لي أن الذي يناسب التمثيل بالرَّاحلة إنما هو الرجل الكريم ، الجواد ، الذي يتحمَّل كل الناس وأثقالهم بما يتكلَّفه من القيام بحقوقهم ، والغرامات عنهم ، وكشف كربهم ، فهذا هو القليل الوجود ، بل : قد يصدق عليه اسم المفقود ، وهذا أشبه القولين ، والله تعالى أعلم . كمل كتاب المناقب ، والحمد لله ربِّ العالمين .
( 3006 - 3014 ) [ 2201 ] وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ، قَالَ : أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ فَقُلْتُ : ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا : لَا. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ : أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ : سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلْتُ : اخْرُجْ إِلَيَّ ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ. فَخَرَجَ ، فَقُلْتُ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ : أَنَا ! وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ قُلْتُ : آللَّهِ؟ قَالَ : اللَّهِ. قُلْتُ : آللَّهِ؟ قَالَ : اللَّهِ. قُلْتُ : آللَّهِ؟ قَالَ : اللَّهِ. قَالَ : فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ ، فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي، وَإِلَّا فأَنْتَ فِي حِلٍّ. فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ - وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : مَنْ أَنْظَرَ مسلمًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ. قَالَ فَقُلْتُ لَهُ أَنَا : يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، يَا ابْنَ أَخِي، بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَقُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ قَالَ : فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي : هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا : أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟. قَالَ : فَخَشَعْنَا، قَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قَالَ : فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟. قُلْنَا : لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا ، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. فَقَالَ : أَرُونِي عَبِيرًا. ثار الفَتى مِنْ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ. فَقَالَ جَابِرٌ : فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمْ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ. وسِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ ، فَقَالَ لَهُ : شَأْ، لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟. قَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا يَصْحَبْنَا مَلْعُون، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ. وسِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيْشِيَةٌ، وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ، فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا؟. قَالَ جَابِرٌ : فَقُمْتُ فَقُلْتُ : هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟. فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِئْرِ فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا أَوْ سَجْلَيْنِ، ثُمَّ مَدَرْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَتَأْذَنَانِ؟. قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ ، شَنَقَ لَهَا، فَشَجَتْ فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّأ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ فذَهَبْتُ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي ، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ : هَكَذَا بِيَدِهِ، يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا جَابِرُ. قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ. سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَأُقْسِمُ خطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا، فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا له أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا ، فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ فَأَخَذَهَا. سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ : انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ : انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لَأَمَ بَيْنَهُمَا، يَعْنِي جَمَعَهُمَا، فَقَالَ : الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَالْتَأَمَتَا. قَالَ جَابِرٌ : فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ. فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدْ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ ابن إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا - ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ : يَا جَابِرُ، هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟. قُلْتُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي، فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ. قَالَ جَابِرٌ : فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَشَرْتُهُ فَانْذَلَقَ لِي، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ بهما أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ : إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ. قَالَ : فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا جَابِرُ، نَادِ بِوَضُوءٍ. فَقُلْتُ : أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ، قَالَ فَقَالَ لِيَ : انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَ : فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ : اذْهَبْ فَائْتِنِي بِهِ. فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ فَقَالَ : يَا جَابِرُ، نَادِ بِجَفْنَةٍ. فَقُلْتُ : يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ : هَكَذَا، فَبَسَطَهَا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ ، وَقَالَ : خُذْ يَا جَابِرُ فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ. فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ : بِاسْمِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ فَارَتْ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ، فَقَالَ : يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ. قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا. قَالَ فَقُلْتُ : هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنْ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى. وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ ، فَقَالَ : عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ ، فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً ، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا. قَالَ جَابِرٌ : فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا، مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ . و ( قول عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت : " خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ في هذا الحي من الأنصار ، قبل أن يهلكوا " ) دليل على ما كان عليه أهلُ ذلك الصدر من حرصهم على طلب علم الحديث ، والرحلة إلى أهله ، والاجتهاد في تحصيله ، كل ذلك منهم سعي في تحقيق الدِّين ، وإظهاره ، ونقله ، وإبلاغه ، جدد الله عليهم الرحمة ، فلقد سلكوا طريقًا أفضت بهم إلى الجنة . غريب هذا الحديث : الحي : القبيل . وضِمامة من صحف : هو بكسر الضاد بغير ألف ، كذا وقع في كتاب مسلم ، وصوابه : إضمامةٌ ، وهي الإضبارة أيضًا . وجمعها أضاميم ، وكل شيء ضممت بعضه إلى بعض فهو إضمامةٌ . والصحف : جمع صحيفة ، وهي الورقة من الكتب ، وكل ما انبسط فهو صحيفة . ومنه : صحفة الطعام . والبرد : الشملة المخططة ، وجمعها : برد وبرود . ومَعافِري : بفتح الميم ، ثوب منسوب إلى معافر ، وهي محلة بالفسطاط ، [ قاله أبو الفرج . وقيل : هو رجل كان يعملها ] . والسُّفعة : تغيُّر اللون بسواد مشرب بحمرة ، قاله الخليل . والجفر من الغلمان : الذي قوي منهم في نفسه ، وقوي في أكله . يقال منه : استجفر الصبي : إذا صار كذلك ، وأصله في أولاد الغنم ، فإذا أتى عليه أربعة أشهر ، وفصل عن أمه ، وأخذ في الرعي ، قيل عليه جفر ، والأنثى جفرة . والأريكة : واحدة الأرائك ، وهي : السرير الذي عليه كِلَّة ، وهي : الْحَجَلَة . و ( قول المدين : " خشيت والله أن أحدثك فأكذبك ، وأعدك فأخلفك ، وكنت صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) كان هذا الغريم صادقًا في حاله ، متقيًّا على دينه ، محترمًا لأصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما علم منه ربُّ الدَّين ذلك كلَّه محا عنه صحيفته ، وأنظره إلى الميسرة ، كما قال تعالى . وفيه ما يدلّ على أن ربَّ الدَّين إذا علم بعُسْرة غريمه ، أو ظنَّها حرمت عليه مطالبته ، وإن لم تثبت عسرته عند الحاكم . و ( قوله : " آلله ؟ قال : الله " هو ممدود لأنها همزة الاستفهام دخلت على الهمزة المعوضة من باء القسم . و ( قوله : " فأشهد بصر عيني هاتين ، وسمع أذني هاتين " ) هكذا رواية العذري بفتح الصاد ، ورفع الراء على المصدر المضاف إلى ما بعده ، وكذلك " سمع أذني " بتسكين الميم ، ورواهما الطبري " بصُرَ "- بضم الصاد ، وفتح الراء - على الفعل الماضي ، وعيناي مرفوع على الفاعل ، وكذلك : " سَمِع أذناي " غير أنه كسر الميم ، وكذا عند أبي علي الغساني ، ورواية الطبري أوضح ، وأقل كلفة ، فإنَّ رواية العذري يحتاج فيها إلى إضمار خبر للمبتدأ الذي هو : بصر . تقديره : بصر عيني حاصل ، أو متعلق ، ثم إنه بعد هذا يعطف على هذه الجملة الاسمية جملة فعليَّة التي هي قوله : " ووعاه قلبي " ، والأحسن في عطف الجمل مراعاة المجانسة في المعطوف ، والمعطوف عليه ، فرواية الطبري أولى . و ( قوله : " ووعاه قلبي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) الضمير في وعاه قلبي : عائد على [ غير ] مذكور قبله ، فهو مما يفسره الحال والمشاهدة . وأبدل منه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للبيان ، فهو بدل الظاهر من المضمر . ونياط القلب : هو معلَّقه ، ويروى : مناط ، وهو موضع تعلُّقه . وإنظار المعسر : تأخيره إلى أن يوسر ، والوضع عنه : إسقاط الدَّين عن ذمته ، وقد جمع هو بينهما لهذا المعسر حيث محا عنه الصحيفة ، وقال له : إن وجدت قضاء فاقض ، وإلا فأنت في حل . وقد مضى تفسير الْحُلَّة ، وأنها ثوبان من جنس واحد ، ليسا بلِفْقَيْن . و ( قوله : " أطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون " ) ظاهر هذا : وجوب تشريك السيِّد عبده في نوع ما يأكله ، ويلبسه ، وهو ليس بواجب اتفاقًا ، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم . لكن خاف أبو اليَسَر أن يكون ترك ذلك منقصًا من حسناته ، فسوَّى بينه وبين عبده في اللباس ، وكذلك فعل أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ ، كما تقدم . والاشتمال : الالتفاف بالشملة . وهذا الاشتمال الذي اشتمله جابر هو الذي أذن له فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدَّم في كتاب : الصلاة ، وهو أن يضع وسط الشملة على ظهره ، ويخرجها من تحت ضِبْعَيه ، ويخالف بين طرفيها ، ويعقدها على قفاه . ووضعه يده على صدره ، إنما كان ليوقظه من غفلته ، ويستحضر فهمه . و ( قوله : " إنما فعلته ليراني أحمق مثلك " ) إنما شافهه بهذا اللفظ الجافي مقابلة له على ما صدر منه من الحركة الجافية ، والسؤال الذي أورده مورد الإنكار ، فلو تلطف في السؤال لما سمع هذا المقال . و " العرجون " واحد العراجين : وهي الشماريخ ، وتسمى أيضًا : الكباسة . و" رطب ابن طاب " : نوع من الرطب . وقد تقدم القول على البزاق في المسجد . و ( قوله : " أيكم يحبُّ أن يُعرض الله عنه " ) أي : يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه إن قلنا : إن البزاق في المسجد مكروه ، وإن تنزلنا : على أن البزاق في المسجد محرَّم - كما تقدم - كان الإعراض كناية عن تعذيبه على ذلك ، وترك رحمته إياه في وقت العذاب ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " فخشعنا " ) الرواية الصحيحة فيه بالخاء المعجمة . من الخشوع ، وهو الخضوع والتذلل ، يعني : أنه ظهرت عليهم أحوال المنكسرين الخائفين ، ومن قيده بالجيم فقد أبعد ، إذ ليس هذا موضع الجشع ، لأنَّه عبارة عن أشد الحرص . يقال منه : جشع الرجل - بكسر الشين - وتجشَّع : إذا اشتدَّ حرصه . و " الخلوق والعبير " : ضروب من الطيب يجمع بالزعفران . و" ثار الفتى " أي : وثب يجري ، و" النخامة والنخاعة " : ما يخرج من أقصى الفم . و" بواط " : موضع من ناحية رضوى . وكانت هذه الغزوة على رأس سنة من مقدمه المدينة ، خرج فيها يطلب المجديَّ بن عمرو ، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق حربا . و" تلدَّن " : تثبط وتلكأ ، ولم ينبعث . و" شَأ " : صوت تزجر به الإبل . و" اللعن " : الطرد والبعد . ولما دعا هذا الرجل على بعيره باللعنة أجيب ، فأُبعد البعير عنه ، وحيل بينه وبينه ، وهذا من باب العقوبة في المال لربه ، لا من باب عقوبة ما لا يعقل ، وفيه ما يدل على أن الدعاء في حالة الضجر والغضب قد يستجاب . و " عشيشية " : تصغير عشية على غير قياس ، و" يمدر الحوض " : يُطيِّنه ويسدُّ خلله ليمسك الماء . و" نزعنا " : استقينا . و" السَّجْل " : الدلو . و" أفهقناه " : ملأناه . و ( قوله : " أتأذنان " ) [ دليل على أن من حاز شيئًا من المباح ملكه ، وأن الماء المحوز يملك . وفيه ] دليلٌ على أنه لا يكتفى في إباحة ملك الغير بالسكوت . بل لا بدَّ من إذن المالك . و " شنق لها الزمام " أي : قبضه إليه لتنقطع عن الشرب . و " شجت " - مخففة الجيم - : قطعت الشرب . يقال : شججت المفازة ، أي : قطعتها بالسير . و" الذباذب " : الأطراف ، سُمِّيت بذلك لتذبذبها ، أي : تحركها ، وكل شيء معلَّق فحركته : ذبذبته . و ( قوله : " وتواقَصْتُ " ) أي : أمسكت عليها بعنقي لئلا تسقط ، أي : حنى عليها بعنقه . وقد تقدَّم القول على مواقف المأموم مع الإمام ، وهذا الحديث يدلُّ على أن المشروع في حق الإمام : إذا قام رجل عن يمينه ، ثم جاء آخر أنه يدفعهما خلفه ، لا يتقدم ويتركهما ، فإنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعل ذلك بجابر وجبَّار رضي الله عنهما . و " الْحَقْو " : معقد الإزار من الوسط ، وقد سُمِّي الإزار حَقْوًا ، كما تقدم في قول أم عطية : فأعطانا حقوه ، أي : إزاره . و " نختبط " : نفتعل ، من الخبط ، وهو ضرب الورق بالعصا ليسقط . و " القرح " : الجراح . و" تقرحت " : انجرحت . و" الشدق " : جانب الفم . وهذا الحديث يدلُّ على قوة صبرهم ، وعظيم جلدهم ، وعلى أن الله تعالى خرق لهم العادة إكرامًا لهم ، لأنَّ إمساك القوة على السفر ، والسير مع الاغتذاء بتمرة في كل يومٍ أمرٌ خارق للعادة ، وقد وضح ذلك في الرجل الذي أخطأته التمرة فسقط ، ثم إنه لما أعطيها قوي في الحال . والعادة قاضية بأن من سقطت قواه لا ترجع إليه إلا بعد معالجة وترتيب ، واستدامة ذلك على تدريج . " ونَنْعَشُه " : نرفعه وندعمه ليقوم ، وكأنه سقط من الضعف . وقد فسَّر بعض الشارحين ننعشه بـ : نسعى في رفعه بالشهادة له في أنه ما أُعطي التمرة ، وما ذكرناه أولى ، لأنه قال بعد ذلك : فأعطيها فقام ، فيعني : أنه سقط من الضعف ، فحاولوا رفعه فلم يقدروا حتى أكل التمرة ، فقوي وقام . فتأمله . و " الأفيح " : الواسع المنبطح ، و" شاطئ الوادي " : جانبه . و" المخشوش " : هو الذي جعل في أنفه الخشاش - بكسر الخاء - : وهو عود ، أو وتد ليذل . و " المنصف " : ملتقى النصفين . وحديث الشجرتين هذا يدلّ على أن الله تعالى مكَّن نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من انخراق ما شاء من العادات ، وأن الجمادات كانت سخرت له ، فيتصرف فيها كيف شاء ، وهذا من أكمل الكرامات ، وأعظم الدلالات . و " حشرته "- بالحاء المهملة- : رققته ، وحدَّدته ، وحكى الأخفش : سهم حشر ، وسهام حشر ، أي : محدَّدة . و ( قوله : " فعمَّ ذاك ؟ " [ وروي : " فلم ذاك ؟ ] " هو استفهام ، وذاك إشارة إلى ما أمره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ به من غرس الغصنين . وفيه دليلٌ على جواز السؤال عن العلل والحكم ، وقد تقدَّم القول على القبرين المعذبين في كتاب : الطهارة . و " الأشجاب " : جمع شجب ، وهو ما خلق من الأسقية ، وقدم ، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الْجُدَد . و ( قوله : " على حِمَارة من جريد " ) [ صحيح الرواية فيه بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم ، وهي جرائد ] النخل أو عيدان يجمع أعلاها بالربط ، ويفتح أسفلها ، تُعلَّق فيها الأسقية ، وقد رواها بعض الرواة : " جمارة " بجيم مضمومة ، وميم مشددة ، وفيه بُعد . و" العَزْلاء " : مخرج الماء من الراوية أو القربة . و ( قوله : " لو أني أفرغه لشربه يابسه " ) أي : لقلَّته ، وأعاد الضمير مذكَّرًا على معنى العزلاء ، لا على لفظها ، أراد به المخرج ، أو الجلد . يعني : أن الماء كان قليلاً ، فلو صبَّه لذهب ، ويغمزه : يعضه . والغمز : العض والطعن . و " جفنة الركب " : هي قصعة كبيرة يستصحبها أصحاب الإبل يأكلون فيها مجتمعين . و ( قوله : " فرأيت الماء يفور من بين أصابعه " ) أي : فجَّر الله تعالى من أصول الأصابع الماء ، كما يفجِّره من الحجر ، وقد بيَّنَّا أن هذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ـ عليه السلام ـ في نبع الماء من الحجر . و " سِيفُ البحر " : ساحله . و" زخر البحر " : هاج وارتجَّ . و" أَوْرَينا " : أوقدنا . و" الشق " : الجانب . و" حجاج العين " بكسر الحاء وفتحها : هو العظم الذي فيه المقلة ، وعلى طرفه الأعلى ، هو الحاجب . و" يطأطئ رأسه " : يخفضه .
( 4 ) باب ذكر بعض كرامات رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال هجرته وفي غيرها ( 2009 ) [ 2200 ] عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قال : جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا ، فَقَالَ لِعَازِبٍ : ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي. فَقَالَ لِي أَبِي : احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُم لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ ، حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ، لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نم وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ : لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ : لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ : أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ : نَعَمْ. قُلْتُ : أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ : نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَقُلْتُ لَهُ : انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى. قَالَ : فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ. قَالَ : وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. قَالَ : فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟. قُلْتُ : بَلَى. قَالَ : فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ : وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ. فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا. فَقَالَ : لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا. أُرَى فَقَالَ : إِنِّي عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللَّهَ فَنَجَا ، فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ : قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَ : وَوَفَى لَنَا . وفي رواية : فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ : يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ( 4 ) ومن باب ذكر بعض كرامات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرَّحل للبعير : كالسرج للفرس ، والإكاف للحمار . و" سرى " و" أسرى " لغتان ، وقد جمع بينهما في هذا الحديث ، وهو : سير الليل . و ( قوله : " أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة " ) أي : اتصل سيرهم من الليل إلى أن قاربوا نصف النهار . و " قائم الظهيرة " : هو وهج حرِّها وشِدَّتُه . و ( قوله : " رفعت لنا صخرة طويلة " ) أي : رفعها السراب فرأوها . و ( قوله : " وأنا أنفض لك ما حولك " ) أي : أنظر وأبحث فيما حولنا هل فيه ما يكره ؟ يقال : إذا تكلَّمت بالليل فاخفض ، وإذا تكلمت بالنهار فانفض ، أي : التفت إلى ما حولك . و ( قوله للراعي : " لمن أنت ؟ " فقال : " لرجل من أهل المدينة " ) يعني بالمدينة هنا : مكة ، لوجهين : أحدهما : أنه إنما كانت هذه القصة في سفر هجرتهم ، وإن هذا إنما كان في مبدأ سفرهم . ألا ترى قوله : " أسرينا ليلتنا إلى أن قام قائم الظهيرة ؟! فكأنهم إنما لقوا هذا الراعي بعد ليلة ونصف يوم من خروجهم من الغار . وذكر حديث سراقة في نفس هذا الحديث . يدل على أنه كان قريبًا من مكة . وثانيهما : أنه قد روي من طريق أخرى عن البراء أنه قال للراعي : لمن أنت ؟ قال : لرجل من أهل مكة ، وسماها مدينة ، لأنَّ كل بلد يسمى مدينة ، ومنه قوله تعالى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ولم يرد به دار الهجرة بالاتفاق ، وإنَّما سُمِّي البلد مدينة ، لأن أهله يدينون لمتوليه ، أي يطيعون . وقيل : من الدين ، وهو الملك . و " الكثبة " من اللبن وغيره : القليل المجتمع منه . و " ارتوى " : افتعل من " الري " أي : أعدَّ فيها من الشراب ما يروي . و" القعب " : وعاء من خشب . و" الإداوة " من جلد . و ( قوله : " وكرهت أن أوقظه " ) إنما كره ذلك ، لأنَّ نومه ذلك كان راحة من تعب ، ولأنهم كانوا يتوقعون أنه يوحى إليه في نومه ، فإيقاظه يخاف أن يكون قطعًا للوحي . و ( قوله : " فصببت على اللَّبن من الماء حتى برد أسفله " ) يعني : أنه صبَّ على إناء اللبن من الماء ليبرد اللبن ، فإنَّه يخرج من الضرع حارًّا ، وكان الوقت شديد الحرِّ . وعلى هذا فالمراد بأسفله : أسفل الإناء . ويحتمل أن يكون المراد به : أنه صبَّ الماء في اللبن ومزجه به . وخصَّ أسفل اللَّبن لأنه إذا برد أسفله برد أعلاه . وشُرْب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذلك اللَّبن مع علمه بأن الرَّاعي ليس بمالك - إذ قد صرَّح الراعي بذلك - مشكل ، إذ الورع يقتضي التوقف ، وقد اختلف فيه على أوجه : أحدها : أنَّه علم عين المالك ، وأنَّه كان ممن تطيب نفسه بذلك ، وقد دل على ذلك : أن أحمد بن حنبل روى هذا الحديث في " مسنده " ، فقال فيه : فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من قريش ، فسمَّاه ، فعرفتُه . وثانيها : أن ذلك محمول على ما جرت به عوائد العرب في إباحة ذلك القدر في مثل تلك الحال . وثالثها : أن من احتاج في سفره ، ومرَّ على غنم أو ثمر - وقد جاع أو عطش - فله أن يسدَّ جوعته ، ويروي عطشه منها ، وإن لم يأذن المالك ، وإن لم ينته الحال إلى الضرورة . وإليه ذهب الحسن ، والزهري . والجمهور : على أن ذلك إنَّما يجوز لمن اضطر إلى ذلك . ورابعها : أن ذلك مال كافر ليس له عهد ، فيحل لمن ظفر به . قلت : وفي هذا بُعد ؛ [ لأن تحليل الغنائم لم يكن شرع بعد ] وأشبهها القول الأول والثاني . و ( قوله : " ألم يأن للرحيل " ) أي : قد حان وقته . و " الجلد من الأرض " : الموضع الصَّلب الغليظ منها . و ( قول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : [ أُتينا ) أي : وُصل إلينا ، وأحيط بنا . ومنه قوله تعالى : أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا وهذا من أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ] التفاتٌ إلى الأسباب العادية ، ومقتضى الجبلَّة البشرية . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " ) أي : بالحفظ والنصرة . وهذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثقة بالوعد الصادق ، وتفويضٌ إلى الواحد الخالق . و ( قوله : " ارتطمت فرسه إلى بطنها " ) أي : غاصت قوائمها حتى وصل بطنها إلى الأرض . يقال : ارتطم الرَّجل في الوحل : إذا ثبت فيه . و ( قوله : " أرى " بضم الهمزة ، أي : أظن أنها وصل بطنها إلى الأرض . و ( قول سراقة : " قد علمت أنكما دعوتما عليّ ، فادعوا لي " ) يدل على ما كان في نفوسهم من تعظيمهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأصحابه ، وإن كانوا مخالفين لهم . و ( قوله : " فالله لكما أن أردَّ عنكما الطلب " ) الرواية الصحيحة : نصب " الله " ولا يجوز غير ذلك ، لأنَّه قسم حذف حرف جره ، فتعدَّى الفعل الْمَنْوِيُّ فنَصَب ، فكأنه قال : فأقسم بالله لكما عليَّ أن أُعمِّي خبركما ، وأردّ عنكما من يطلبكما . و ( قوله : " فدعا الله فنجا " ) هذه من بعض دعوات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المعجلة الإجابة ، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر ، ويحصل بمجموعها القطع بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإجابة دعواته ، وأسعفه في كثير من طلباته ، وكل ذلك يدل على مكانته ، وصدق رسالته . و ( قوله : " فقدمنا المدينة ليلاً " ) يعني : أنهم وصلوا إليها ليلاً ، إلا أنهم أقاموا خارجًا منها ، ثم دخلوها نهارًا ، وهذا مبيَّن في حديث عائشة رضي الله عنها . وقد أطبق أهل السِّير على : أنه دخل المدينة يوم الإثنين ، [ وأكثرهم يقول ] : لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ضحى ذلك اليوم ، وقيل : عند استواء الشمس منه . و ( قوله : " أُنْزِل على أخوال عبد المطلب " ) إنما كانت الأنصار أخوال عبد المطلب ، لأنَّ أباه هاشِمًا تزوَّج سلمى ابنة زيد بن خداش من بني النجار ، فولدت له عبد المطلب ، فبنو النجار أخوال جدِّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلذلك أكرمهم الله تعالى بنزول نبيَّه عليهم . وقد صحَّ في كتب السِّير وغيرها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزل في قباء ، فأقام فيهم أيامًا ، وأسَّس مسجدها ، ثم خرج منها راكبًا ناقته متوجهًا حيث أمره الله تعالى ، فأدركته الجمعة في بني سالم ، فصلاَّها في بطن الوادي ، ثم إنه توجه إلى دخول المدينة ، فتعرضت له سادات قبائلها ، كلهم يعرض عليه النزول ، ويأخذ بخطام ناقته وهو يقول : " دعوها ، فإنَّها مأمورة " فلم تزل ناقته كذلك حتى وصلت إلى دار أبي أيوب فبركت عنده ، فنزل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أبي أيوب ـ رضي الله عنه ـ وهذا هو الذي عبَّر عنه في هذا الحديث بقوله : فتنازعوا أيهم ينزل عليه ، أي : تجاذبوا ذلك ، وحرصوا عليه . و ( قوله : " فصعد الرجال والنساء فوق البيوت ، والغلمان والخدم في الطرق " ) هذا عطفٌ على المعنى نحو قوله : يا لَيتَ زَوجَكِ قَد غَدا مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحًا و : عَلَفتُها تبنًا وماءً باردًا لأن الطرق لا يصعد فيها ، فكأنه قال : وتفرَّق الغلمان والخدم في الطرق ، والكل ينادون : يا محمد ! يا رسول الله ! كلُّ ذلك فرحٌ وسرور بقدوم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . حديث أبي اليَسَر ، واسمه : كعب بن عمرو بن عزيبٍ من بني سلمة . شهد العقبة وبدرًا ، فهو عَقَبِيٌّ ، بدريٌّ ، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدرٍ ، وكان رجلاً قصيرًا ، والعباس طويل ضخم ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لقد أعانك عليه مَلَكٌ " ، وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز يوم بدرٍ . شهد صفين مع عليّ رضي الله عنهما ، يُعَدُّ في أهل المدينة ، وبها توفي سنة خمس وخمسين .
( 85 ) باب ما ذكر في فارس ( 2546 ) ( 230 و 231 ) [ 2451 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ رَجُلٌ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - قَالَ : وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - قَالَ : فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ . وفي رواية : لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ . ( 85 ) ومن باب : ما ذكر في فارس ( قوله تعالى : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ هو مخفوض معطوف على الأمِّيين ، ويجوز أن يكون منصوبًا معطوفًا على الضمير في يعلمهم . ولما يلحقوا بهم : أي لم يدخلوا في الإسلام ، ولم يوجدوا وسيوجدون . وأحسن ما قيل فيهم أنهم أبناء فارس بدليل نص هذا الحديث . وقد كثرت أقوال المفسرين في ذلك . وقد ظهر ذلك للعيان، فإنهم ظهر فيهم الدِّين ، وكثر فيهم العلماء، فكان وجودهم كذلك دليلاً من أدلة صدق النبي - صلى الله عليه وسلم
( 84 ) باب في ثقيف كذاب ومبير ( 2545 ) [ 2450 ] عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ قال : رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ قَالَ : فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ. ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ ، قَالَ : فَأَبَتْ وَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي . قَالَ : فَقَالَ : أَرُونِي سِبْتَيَّ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، قَالَ : كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ : رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ : يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا ، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ، قَالَ : فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا . ( 84 ) ومن باب : في ثقيف كذاب ومبير ( قول أبي نوفل : رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة ) يعني : أنه رآه مصلوبًا على خشبة على عقبة المدينة ، صلبه الحجاج - بعد أن قتل في المعركة - منكسًا ، وكان من حديثه ما قد تقدَّم بعضه ، وذلك أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، ولم يولِّ أحدًا ، بقي الناس لا خليفة لهم ، ولا إمام مدة قد تقدَّم ذكرها ، فعند ذلك بايع الناس لعبد الله بن الزبير بمكة ، واجتمع على طاعته أهل الحجاز ، وأهل اليمن ، والعراق وخراسان ، وحج بالناس ثماني حجج ، ثم بايع أهل الشام لمروان بن الحكم ، واجتمع عليه أهل الشام ، ومصر ، والمغرب ، وكان ابن الزبير أولى بالأمر من مروان وابنه على ما قاله مالك - وهو الحق - لعلم ابن الزبير ، وفضله ، وبيته ، فجرت بينهم حروب وخطوب عظيمة ، إلى أن توفي مروان وولي عبد الملك ، واستفحل أمره بالحجاج ، فوجه الحجاج إلى مكة في جيش عظيم ، فحاصر فيها عبد الله بن الزبير مدة ستة أشهر وسبعة عشر يومًا ، ثم دخل عليه ، فقتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى . وقيل : جمادى الآخرة ، سنة ثلاث وسبعين ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة . قال المدائني : بويع له بالخلافة سنة [ خمس وستين ، وكان قبل ذلك لا يدعى باسم الخلافة ، وقال غيره : بويع له بالخلافة سنة ] أربع وستين ، ثم بقي مصلوبًا على خشبة إلى أن رحل عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان ، فرغب إليه أن ينزل من الخشبة فأشفعه ، فأنزل . قال ابن أبي مليكة : كنت الآذن لمن بشر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة ، فدعت بمركن وشبَّ يمان ، وأمرتني بغسله ، فكنَّا لا نتناول عضوًا إلا جاء معنا ، وكنا نغسل العضو ، ونضعه في أكفانه حتى فرغنا منه ، وكانت أمه أسماء تقول قبل ذلك : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته ، فما أتت عليها جمعة حتى ماتت . وفي مدة صلبه مرَّ به ابن عمر فقال : السلام عليك أبا خبيب ، كناه بابن له يسمَّى خبيبًا ، وكنيته الشهيرة أبو بكر . و ( قول ابن عمر : أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ) أي : عن التعرض لهذا ، وكأنه كان أشار عليه بالصلح ، ونهاه عن قتالهم لما رأى من كثرة عدوه ، وشدَّة شوكتهم ، ثم إنه شهد بما علم من حاله فقال : أما والله إن كنت ما علمت صوَّاما ، قواما ، وصولاً للرحم . وكان يصوم الدهر ، ويواصل الأيام ، ويحيي الليل ، وربما قرأ القرآن كله في ركعة الوتر ، و ( إن ) التي مع كنت مخففة من الثقيلة ، واسمها محذوف ، تقديره : إنك كنت ، وما مع الفعل بتأويل المصدر . و ( قوله : أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير ) يعني بذلك : أنهم إنما قتلوه وصلبوه ، لأنَّه شر الأمة في زعمهم ، مع ما كان عليه من الفضل والدين والخير ، فإذا لم يكن في تلك الأمة شر منه ، فالأمة كلها أمة خير ، وهذا الكلام يتضمَّن الإنكار عليهم فيما فعلوه به . و ( قوله : فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله ، فأرسل إليه ، فأنزل عن جذعه ) ظاهر هذا : أنه إنما أنزله عن الخشبة لقول عبد الله وموقفه ، وقد نقلنا : أن إنزاله كان عن سؤال عروة لعبد الملك في ذلك ، فيجوز أن يكون اجتمع إذن ( عبد الملك ) ، وموقف عبد الله ، فكان إنزاله عنهما . و ( نسحبك ) : نجرك . و ( قرونها ) : الثوب الذي تنتطق به المرأة ، أي : تحتزم . و ( يتوذَّف ) : يمشي متبخترًا ، وقيل : مسرعًا . و ( المبير ) : المهلك ، وكذلك كان الحجاج ، فإنه روي أنه أحصي من قتله الحجاج صبرًا ، فوجدوهم ثلاثين ألفًا ، وأما من قتل في الحروب فلم يحصوا . وأما الكذاب فهو : المختار بن أبي عبيد الثقفي ، فإنَّه ادعى النبوة ، وتبعه على ذلك خلق كثير حتى قتله الله تعالى كما تقدم . و ( قوله : فقام عنها ، فلم يراجعها ) قد حكي عنه أنه قال : اللهم ! مبير لا كذاب . و ( إخالك ) : أظنك ، وكسر همزة إخالك لغة فصيحة ، والفتح الأصل والقياس .
( 5 ) باب مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم ( 2282 ) ( 15 ) [ 2202 ] عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ . ( 5 ) ومن باب مثل ما بعث به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " الغيث " : المطر . و" الطائفة من الأرض " : القطعة منها ، ومن الناس : الجماعة . و" الطيبة " : المنبتة . و" قبلت " : لم يختلف رواة مسلم في هذا الحرف أنه بالباء بواحدة من القبول ، أي : شربت الماء فانتفعت به ، وقيَّده بعض رواة البخاري : قيَّلت - بياء مثناة من تحت وقال الأصيلي : إنه تصحيف ، وقال غيره : ليس كذلك ، ومعناه : جمعت ، تقول العرب : تقيَّل الماء في الموضع المنخفض : إذا اجتمع فيه . قلت : وهذا ليس بشيء ، لأنَّه قد ذكر بعد هذا الطائفة الممسكة الماء ، الجامعة له ، فعلى ما قاله تكون الطائفتان واحدة ، ويفسد معنى الخبر والتشبيه ، وقيل : يكون معنى : قيلت : شربت . قال : والقيل : شرب نصف النهار ، وقيلت الإبل : إذا شربت قائلة . قلت : وهذا أيضًا ليس بشيء ، لأنَّ مقصود الحديث لا يخص شرب القائلة من غيرها . والأظهر : ما قاله الأصيلي . و" الكلأ " : المرعى ، وهو العشب . والرَّطب : يسمى : الخلى . واليابس يسمى : الحشيش . و ( قوله : " وكانت منها أجادب " ) لم أرو هذا إلا بالجيم ، والدال المهملة ، وهو الصحيح . قال الأصمعي : الأجادب من الأرض : ما لا ينبت الكلأ . ومعناه : أنها جردة بارزة لا يسترها شيء ، وقد رواها بعضهم أجاذب - بالذال المعجمة وقال بعضهم : إنما هي أخاذات بالخاء والذال المعجمتين ، جمع أخاذة ، وهي الماسكة للماء ، وقد قال بعضهم : أحازه - بالحاء المهملة والزاي - وليس بشيء . وبعضهم قالها : أجارد بالجيم والراء ، جمع أجرد ، وهو الذي لا نبات فيه . قلت : والصحيح الواضح : الأول رواية ومعنى - إن شاء الله ومقصود هذا الحديث : ضرب مثل لما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من العلم والدِّين ، ولمن جاءهم بذلك ، فشبَّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك يحييهم ، ويغيثهم . ثم شبَّه السامعين له : بالأرض المختلفة ، فمنهم : العالم العامل المعلِّم ، فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت ، فانتفعت في نفسها ، وأنبتت ، فنفعت غيرها . ومنهم الجامع للعلم ، الحافظ له ، المستغرق لزمانه في جمعه ووعيه ، غير أنه لم يتفرغ للعمل بنوافله ، ولا ليتفقه فيما جمع ، لكنه أدَّاه لغيره كما سمعه ، فهذا بمنزلة الأرض الصَّلبة التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء ، فيشربون ويسقون ، وهذا القسم : هو الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " نضَّر الله امرأً سمع مني حديثًا ، فبلَّغه غيره ، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه ، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه " . لا يقال : فتشبيه هذا القسم بهذه الأرض التي أمسكت على غيرها ، ولم تشرب في نفسها يقتضي ألا تكون عملت بما لزمها من العلم ولا من الدِّين ، ومن لم يقم بما وجب عليه من أمور الدِّين ، فلا ينسب للعلماء ، ولا للمسلمين ، لأنَّا نقول : القيام بالواجبات ليس خاصًّا بالعلماء . بل : يستوي فيها العلماء وغيرهم . ومن لم يقم بواجبات علمه كان من الطائفة الثالثة التي لم تشرب ، ولم تمسك ، لأنَّه لما لم يعمل بما وجب عليه لم ينتفع بعلمه ، ولأنه عاص فلا يصلح للأخذ عنه . و ( قوله : " وأصاب طائفة أخرى " ) هذا مثل للطائفة الثالثة التي بلغها الشرع فلم تؤمن ، ولم تقبل ، وشبهها بالقيعان ، السَّبخة التي لا تقبل الماء في نفسها وتفسده على غيرها ، فلا يكون منها إنبات ، ولا يحصل بما حصل فيها نفع . و " القيعان " جمع قاع ، وهو ما انخفض من الأرض ، وهو المستنقع أيضًا . وهذا يعم ما يفسد فيه الماء ، وما لا يفسد ، لكن مقصود الحديث : ما يفسد فيه الماء . و ( قوله : " سقوا ورعوا " ) يقال : سقى وأسقى بمعنى واحد . وقيل : سقيته : ناولته ما يشرب ، وأسقيته : جعلت له سقيا . ورعوا : من الرعي ، وقد رويته عن بعض المقيَّدين : زرعوا ، من الزرع وكلاهما صحيح . و ( قوله : " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلَّم " ) هذا مثال الطائفة الأولى . و ( قوله : " ومثل من لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " ) مثال الطائفة الثالثة ، وسكت عن الثانية إما لأنها قد دخلت في الأولى بوجه ، لأنَّها قد حصل منها نفع في الدين ، وإمَّا لأنه أخبر بالأهم فالأهم ، وهما الطائفتان المتقابلتان : العليا ، والسفلى . والله تعالى أعلم .
( 2284 ) ( 17 ) [ 2204 ] وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتْ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ . ( 2285 ) ( 19 ) [ 2205] وعن جابر مثله ، وقال : وأنتم تفلتون من يدي . و ( قوله : " استوقد نارًا " ) أي : أوقدها ، والسِّين والتاء زائدتان . و " الْجَنَادِب " : جمع جُنْدَب - بفتح الدَّال وضمها - وهي : الجرادة . هذا هو المعروف من اللغة . وقال أبو حاتم : الجندب على خلقة الجرادة ، له أربعة أجنحة يصرر بالليل صرًّا شديدًا . و " الفراش " قال الفراء : هو غوغاء الجراد التي تنفرش وتتراكب . وقال غيره : هو الطير الذي يتساقط في النار وفي السراج . قلت : وهذا أشبه بما في الحديث . و " الحجز " جمع حجزة ، وهي معقد الإزار والسراويل . ويقال : تحاجز القوم ، إذا أخذ بعضهم بحجزة بعض ، وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه . والتقحُّم : هو التهجُّم على الشيء من غير تروٍّ ، ولا تبصُّر ، وهذا مثل لاجتهاد نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نجاتنا ، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا ، ولجهلنا بقدر ذلك ، وغلبة شهواتنا علينا ، وظفر عدوِّنا اللعين بنا ، حتى صرنا أحقر من الفراش والجنادب ، وأذل من الطين اللاَّزب .
( 2283 ) ( 16 ) [ 2203 ] وعنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ : يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنْ الْحَقِّ . وقوله في الحديث الآخر : " إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه ، فقال : يا قوم ! إني رأيت الجيش بعيني " ) هذا ضرب مثل لحاله في الإنذار ، ولأحوال السَّامعين لإنذاره ، فإنَّه أنذرهم بما علمه من عقاب الله ، وبما يتخوف عليهم من فجأته ، فمن صدَّقه نجا ، ومن أعرض عنه هلك . وهذا بخلاف التمثيل في الحديث الأوَّل ، فإنَّ ذلك بالنسبة إلى تحصيل العلم والانتفاع به ، وإلى الإعراض عنه ، فهما مثلان مختلفان . و ( قوله : " وإنِّي أنا النذير العُرْيان " ) هذا مثل ، قيل كان أصله : أن رجلاً مُعيَّنًا سلبه العدو ، فانفلت منهم ، فأنذر قومه عريانًا . وقيل : كان الرَّجُل من العرب إذا رأى ما يوجب إنذار قومه تجرَّد من ثيابه ، وأشار إليهم ليعلمهم بما دهمهم ، وهذا أشبه ، وأليق بمقصود الحديث . و " النجاء " : السرعة ، وهو منصوب على المصدر ، وهو بالمد ، وقيل : بالقصر . حكاه أبو زيد ، ولو تكرر لفظه لوجب نصبه . و " أدلجوا " : ساروا من أول الليل إدلاجًا ، والاسم : الدَّلج ، والدَّلجة - بفتح الدال - والادلاج : الخروج من آخر الليل ، والمصدر : الادلاج ، والاسم : الدُّلجة - بضم الدال - قال ابن قتيبة : ومن الناس من يجيز الوجهين في كل واحد منهما ، كما يقال : بَرْهةً من الدَّهر ، وبُرْهة . و " اجتاحهم " : أهلكهم ، واستأصلهم . يقال : جاحَتْهُم السَّنَةُ ، تجوحهم جَوْحًا ، وجياحة . واجتاحتهم ، تجتاحهم ، اجتياحة .
( 83 ) باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان ( 2543 ) ( 226 و 227 ) [ 2448 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا - أَوْ قَالَ : ذِمَّةً وَصِهْرًا - فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا، قَالَ : فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا . وفي أخرى : فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما. ( 83 ) ومن باب : ما ذكر في مصر وأهلها وأهل عمان ( قوله : إنكم ستفتحون مصر ، وهي أرض يسمََّّى فيها القيراط ) هذا إخبار بأمر غيب ، وقع على نحو ما أخبر ، فكان دليلاً من أدلة نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ومعنى يسمى فيها القيراط : يعني به : أنه يدور على ألسنتهم كثيرًا ، وكذلك هو ، إذ لا ينفك متعاملات من أهل مصر عن ذكره غالبًا ، لأنَّ أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يسمونها : قراريط ، وقطع الدراهم يسمونها : قراريط ، بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم ، فإنَّهم يسمُّون ذلك بأسماء أخر ، فأهل العراق يسمُّون ذلك : طسُّوجًا ورزة ، وأهل الشام : قرطيس ، ونحو ذلك . و ( قوله : فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها ، فإنَّ لهم ذمة ورحمًا ، أو قال : صهرًا ) الذمة : الحرمة . والذمام : الاحترام ، وقد يكون ذلك لعهد سابق كعهد أهل الذمَّة ، وقد يكون ذلك ابتداء إكرام ، وهذا هو المراد بالذمة هنا ، والله تعالى أعلم ، إذ لم يكن لأهل مصر من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد سابق ، وإنما أراد : أن لهم حقًّا لرحمهم ، أو صهرهم ، ويحتمل أن يكون معناه : أنهم يكون لهم عهد بما يعقد لهم من ذلك حين الفتح . وهذا التأويل على بُعده يعضده ما رواه ابن هشام من حديث عمر مولى غفرة : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : الله ! الله في أهل المدرة السوداء السُّحم الجعاد ، فإنَّ لهم نسبًا وصهرًا . قال عمر : فنسبهم : أن أم إسماعيل منهم ، وصهرهم : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسرى منهم . قال ابن لهيعة : أم إسماعيل هاجر من أم العرب : قرية كانت أمام الفرما ، وأم إبراهيم مارية سرية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي أهداها له المقوقس من حَفْن من كورة أنصنا . والمدرة : واحدة المدر ، والعرب تسمي القرية : المدرة ، وأهل المدر : أهل القرى . والسحم : السود ، جمع أسحم ، وهو الشديد الأدمة ، وفوقه : الصحمة - بالصاد والجعاد : المتكسرو الشعور ، وهذه أوصاف أهل صعيد مصر غالبًا ، وقد تقدَّم ذكر هاجر . والفرما : قرية من عمل صعيد مصر ، سميت باسم بانيها ، وهو الفرما بن قليقس ، ويقال : ابن قليس ، ومعناه : محب الغرس ، وهو أخو الإسكندر [ بن قليس اليوناني ، ذكره الطبري ، وذكر أن الإسكندر ] حين بنى الإسكندرية ، قال : أبني مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس ، وقال الفرما : أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس ، فسلَّط الله تعالى عليها الخراب سريعًا ، فذهب رسمها وبقيت الإسكندرية . وسميت مصر بمصر بن النبيط ولد كوش بن كنعان ، وقال أبو العباس : اشتقاق مصر من المصر ، وهو القطع ، كأنها قُطعت من الخراب ، ومنه : المصر : الحاجز ، ومصور الدار : حدودها . وحفن : قرية مارية سُرِّية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصعيد معروفة ، وهي التي كلم الحسن بن علي معاوية أن يضع الخراج عن أهلها لوصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم ، ففعل معاوية ذلك ، ذكره أبو عبيد في الأموال . وأنصنا : مدينة السحرة ، وحفن من عملها ، والمقوقس : هو ملك مصر بعث له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاطب بن أبي بلتعة ، وجبرًا مولى أبي رُهم بكتاب ، فلم يبعد عن الإسلام ، وأهدى له مارية ، ويقال : وأختها سيرين ، وبغلة تسمَّى : الدَّلدل . والدلدل : القنفذ العظيم . والمقوقس : المطوِّل للبناء . يقال في المثل : أنا في القوس ، وأنت بالقوقوس فمتى نجتمع ؟! و ( قوله : فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها ) يعني بذلك : كثرة أهلها ، ومشاحتهم في أرضها ، واشتغالهم بالزراعة والغرس عن الجهاد ، وإظهار الدين ، ولذلك أمره بالخروج منها إلى مواضع الجهاد ، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّ الناس إذا ازدحموا على الأرض ، وتنافسوا في ذلك كثرت خصومتهم وشرورهم ، وفشا فيهم البخل والشر ، فيتعين الفرار من محل يكون كذلك ، إن وجد محلَّا آخر خليًا عن ذلك ، وهيهات كان هذا في الصدر الأول ، وأما اليوم ، فوجود ذلك في غاية البعد ، إذ في كل واد بنو سعد . واللبنة : الطوبة ، وتجمع لبن . وفيه من الفقه : الأمر بالرفق بأهل أرياف مصر ، وصعيدها ، والإحسان إليهم ، وخصوصًا أهل تينك القريتين ، لما ذكر من تينك الخصوصيتين .
( 2544 ) [ 2449 ] وعن أبي برزة قال : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَسَبُّوهُ، وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لو أن أهل عمان أتيت ما سبُّوك ولا ضربوك " ) يروى عُمان بضم العين ، وتخفيف الميم - وهو موضع بالشام ، ويعني : أن أهل عمان قوم فيهم علم وعفاف وتثبُُّت ، والأشبه : أنهم أهل عمان التي قِبل اليمن ، لأنَّهم ألين قلوبًا ، وأرق أفئدة ، وأما أهل عمان الشام فسلامة لك منهم وسلام ، وأهل هذين الاسمين من عمن بالمكان : أقام به ، ويقال : أعمن الرجل : إذا صار إلى عمان .
( 2542 ) ( 225 ) [ 2447] وعَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ ، سَأَلَهُمْ : أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ : أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : مِنْ مُرَادٍ ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ : الْكُوفَةَ . قَالَ : أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ : أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ : فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَوَافَقَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ . قَالَ : تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَأَتَى أُوَيْسًا . فَقَالَ : اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ : أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ ، فَاسْتَغْفِرْ لِي ، قال : اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ : أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ : . فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ : وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ : مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟ و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن استعطت أن يستغفر لك فافعل " ) لا يُفهم منه أنه أفضل من عمر ، ولا أن عمر غير مغفور له ، للإجماع على أن عمر - رضي الله عنه - أفضل منه ، ولأنَّه تابعي ، والصحابي أفضل من التابعي ، على ما بيناه غير مرَّة ، وإنَّما مضمون ذلك : الإخبار بأن أويسًا ممن يستجاب دعاؤه . وإرشاد عمر إلى الازدياد من الخير ، واغتنام دعوة من ترتجى إجابته ، وهذا نحو مما أمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به من الدعاء له ، والصلاة عليه ، وسؤال الوسيلة له ، وإن كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل ولد آدم . ويروى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لرجل خرج ليعتمر : " أشركنا في دعائك يا أُخي " . و ( قوله : " في أمداد أهل اليمن " ) أي : في جماعاتهم ، جمع مدد ، وذلك أنهم يمد بهم القوم الذين يقدمون عليهم . و ( قوله : أحدث عهدًا ) أي : أقرب ، وعهدًا : منصوب على التمييز ، كقوله تعالى : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا و ( قوله : أكون في غبراء الناس ) الرواية الجيدة فيه : بفتح الغين المعجمة ، وسكون الباء الموحدة ، وهمزة ممدودة ، ويعني به : فقراء الناس وضعفاءهم . والغبراء : الأرض ، ويقال للفقراء : بنو غبراء ، كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها ، كما قال تعالى : أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أي : ذا حاجة ألصقته بالتراب ، ومن هذا سموا الفقر : أبا متربة . وقد روي ذلك اللفظ في غبر الناس - بضم الغين وتشديد الباء - جمع غابر ، نحو : شاهد وشُهَّد ، ويعني به : بقايا الناس ومتأخريهم ، وهم ضعفاء الناس ، لأنَّ وجوه الناس ورؤساءهم يتقدمون للأمور ، وينهضون بها ، ويتفاوضون فيها ، ويبقى الضعفاء لا يلتفت إليهم ، ولا يؤبه بهم ، فأراد أويس أن يكون خاملاً بحيث يبقى لا يلتفت إليه ، طالبًا السلامة ، وظافرًا بالغنيمة . وحديث أويس هذا دليل من أدلة صحَّة صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإنَّه أخبر عنه باسمه ، ونسبه ، وصفته ، وعلامته ، وأنه يجتمع بعمر رضي الله عنه ، وذلك كله من باب الإخبار بالغيب الواقع على نحو ما أخبر به من غير ريب .
( 82 ) باب ما ذكر في فضل أويس القرني - رضي الله عنه - ( 2542 ) ( 224 ) [ 2446 ] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ. ( 82 ) ومن باب ما ذكر في أويس القرني - رضي الله عنه - اختلف في نسبه ، فقيل : أويس بن عامر بن جزء بن مالك ، وهو الصحيح . وقيل : أويس بن أنيس ، وقيل : أويس بن الخليص المرادي ، ثم القرني - بفتح الراء - منسوب إلى قرن ، قبيلة معروفة . كان رحمه الله من أولياء الله المختفين الذين لا يؤبه لهم ، ولولا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر عنه ، ووصفه بوصفه ، ونعته ، وعلامته لما عرفه أحد ، وكان موجودًا في حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآمن به ، وصدَّقه ، ولم يلقه ، ولا كاتبه ، فلم يعد في الصحابة . وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه من التابعين حيث قال : إنَّه خير التابعين . وقد اختلف في زمن موته ، فروي عن عبد الله بن مسلم قال : غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا ، فحملناه فلم يستمسك فمات، فنزلنا ، فإذا قبر محفور ، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه، وكفَّناه، وصلينا عليه، فقال بعضنا لبعض : لو رجعنا فعلمنا قبره ، فإذا لا قبر ولا أثر . وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : نادى رجل من أهل الشام يوم صفين : أفيكم أويس القرني ؟ فقلنا : نعم ، قال : إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : أويس القرني خير التابعين بإحسان . وعطف دابته فدخل مع أصحاب علي . قال عبد الرحمن : توجد في قتلى أصحاب علي رضي الله عنهما . وله أخبار كثيرة ، وكرامات ظاهرة ، ذكرها أبو نعيم ، وأبو الفرج الجوزي في كتبهما . وأويس تصغير أوس ، وأوس : الذئب ، وبه سمِّي الرجل، وقيل : إنه سمِّي بأوس الذي هو مصدر أُست ، الرجل أوسًا : إذا أعطيته ، فالأوس : العطية .
( 81 ) باب وجوب احترام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن سبهم ( 2540 ) ( 221 ) [ 2444 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ . ( 2541 ) [ 2445] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ . ( 81 ) ومن باب : وجوب احترام أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المعلوم الذي لا يشك فيه : أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولإقامة دينه ، فجميع ما نحن فيه من العلوم ، والأعمال ، والفضائل ، والأحوال ، والمتملكات ، والأموال ، والعز ، والسلطان ، والدين ، والإيمان ، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان ، ولا يتسع لتقديرها زمان إنما كان بسببهم . ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم والشكر لهم على عظيم أياديهم ، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر المنعم ، واجتنابًا لما حرمه من كفران حقه ، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم ، وتشريفه لهم ، ورضاه عنهم ، كقوله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إلى قوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وقوله : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وقوله : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إلى غير ذلك ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمنة للثناء عليهم - رضي الله عنهم أجمعين . وعلى هذا فمن تعرض لسبهم ، وجحد عظيم حقهم ، فقد انسلخ من الإيمان ، وقابل الشكر بالكفران ، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " الله ! الله ! في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضًا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه " . فقال : هذا حديث غريب . وهذا الحديث ، وإن كان غريب السند فهو صحيح المتن ، لأنَّه معضود بما قدمناه من الكتاب وصحيح السنة وبالمعلوم من دين الأمة ، إذ لا خلاف في وجوب احترامهم ، وتحريم سبهم ، ولا يختلف في أن من قال : إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل ، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع ، فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم . وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة ، أو ضللهم . وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حُكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال ؟ هذا مِمَّا يختلف فيه ، فأمَّا من سبهم بغير ذلك ، فإنَّ كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدَّه ، ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس ، والتخليد فيه ، والإهانة ما خلا عائشة - رضي الله عنها ، فإنَّ قاذفها يقتل ، لأنَّه مكذِّبٌ لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها . قاله مالك وغيره . واختلف في غيرها من أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقيل : يقتل قاذفها ، لأنَّ ذلك أذى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقيل : يُحد ويُنكل ، كما ذكرناه على قولين . وأما من سبَّهم بغير القذف ، فإنه يجلد الجلد الموجع ، ويُنكل التنكيل الشديد ، قال ابن حبيب : ويخلد سجنه إلى أن يموت . وقد روي عن مالك : من سبَّ عائشة قتل مطلقًا ، ويمكن حمله على السَّب بالقذف ، والله تعالى أعلم . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تسبُّوا أصحابي " إلخ . رواه أبو هريرة مجردًا عن سببه ، وقد رواه أبو سعيد الخدري ، وذكر أن سبب ذلك القول هو أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء ، أي : منازعة ، فسبَّه خالد ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك القول ، فأظهر ذلك السبب أن مقصود هذا الخبر زجر خالد ، ومن كان على مثل حاله ممن سبق بالإسلام ، وإظهار خصوصية السابق بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأن السابقين لا يلحقهم أحد في درجتهم ، وإن كان أكثر نفقة وعملا منهم ، وهذا نحو قوله تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ويدل على صحة هذا المقصود : أن خالدًا وإن كان من الصحابة - رضي الله عنهم ، لكنَّه متأخر الإسلام . قيل : أسلم سنة خمس ، وقيل : سنة ثمان . لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما عدل عن غير خالد وعبد الرحمن إلى التعميم دلَّ ذلك على أنه قصد [ مع ذلك ] تقعيد قاعدة تغليظ تحريم سب الصحابة مطلقًا ، فيحرم ذلك من صحابي وغيره ، لأنَّه إذا حرم على صحابي فتحريمه على غيره أولى . وأيضًا : فإنَّ خطابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للواحد خطاب للجميع ، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة . والنصيف لغة : في النصف ، وكذلك الثمين لغة : في الثمن . وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يلحقهم أحد ممن بعدهم في فضلهم كما تقدم .
( 6 ) باب مثل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنبياء ( 2287 ) ( 23 ) [ 2206 ] عَنْ جَابِرٍ قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا، وَأَكْمَلَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ : لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ . ( 2286 ) ( 20 - 22 ) [ 2207] ونحوه عن أبي هريرة ، غير أنه قال : فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين . [ ( 6 ) ومن باب : مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأنبياء ] ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا ، فأتَمَّها وأكملها ، إلا موضع لبنة " ) اللَّبنة الطوبة التي يبنى بها ، وفيها لغتان : إحداهما : فتح اللام وكسر الباء ، وتجمع : لبن ، غير أنك تسقط الهاء من الجمع . كنبقة ونبق . والثانية : كسر اللام وسكون الباء ، وتجمع : لبن - بكسر اللام وفتح الباء ، كسدرة وسدر . ومقصود هذا المثل : أن يبيِّن به ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين ، وتَمَّم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق ، وشرائع الرسل ، فيه كمل النظام ، وهو ختم الأنبياء ، والرسل الكرام ، صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة ، وسلَّم عليه أبلغ سلام .
( 2535 ) ( 214 ) [ 2439 ] وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ : فَلَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثا - ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ . ( 2534 ) وفي أخرى : [ عن أبي هريرة ] : يحبون السمانة. و ( قول عمران : فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين ، أو ثلاثا ) هذا الذي شك فيه عمران قد حققه عبد الله بن مسعود بعد قرنه ثلاثًا ، وكذلك في حديث أبي سعيد في البعوث ، فإنَّه ذكر أنهم أربعة . و ( قوله : " تبدر شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته " ) يعني بذلك : أنه يقل ورع الناس بعد القرن الرابع ، فيقدمون على الأيمان والشهادات من غير توقف ولا تحقيق ، وقال في حديث عمران : " يشهدون ولا يستشهدون " أي : يسبقون بأداء الشهادة قبل أن يسألوها ، وذلك لهوىً لهم فيها ، ومن كان كذلك ردَّت شهادته ، وقد بينا فيما تقدَّم مواضع يتعين فيها على الشاهد الأداء وإن لم يسأل ، وذلك بحسب ما تدعو إليه الضرورة الشرعية ، وعليه يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " . ويحتمل أن يراد بقوله : " ولا يستشهدون " أنهم : يشهدون بالزور فيكون معناه : يشهدون بما لم يستشهدوا به ، ولا شاهدوه ، والأول أولى ، لأنَّه أصل الكلمة . و ( قوله : " ويظهر فيهم السِّمن " ) أي : يغلب عليهم النَّهم والشهوات ، ويُكثرون الأكل ، فيظهر عليهم السمن ، وقد يأكلون ليسمنوا ، فإنَّه محبوبٌ لهم ، ومن كان هذا حاله خرج عن الأكل الشرعي ، ودخل في الأكل الشَّرِّي الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإنَّ كان ولا بد ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه " . و ( قوله : " ويخونون ولا يؤتمنون " ) يعني : أنهم تشتهر خيانتهم ، فلا يأتمنهم أحد ، وهذا نحو مِمَّا تقدَّم في حديث حذيفة في الأمانة .
( 2532 ) ( 208 و 209 ) [ 2440 ] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ : فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ : فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ : ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ : فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ . وفي أخرى : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمْ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ : انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ . هكذا إلى أن ذكر أربعة بعوث . و ( قوله : " تغزو فئام من الناس إلى آخره " ) دليل واضح على صحة نبوَّة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ مضمونه : خبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر .
( 2538 ) ( 218 ) ( 220 ) و ( 2538 ) [ 2441 ] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ، فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ . ( 2538 ) ( 218 ) و ( 2538 ) ( 220 ) [ 2442 ] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ : تَسْأَلُونِي عَنْ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ . وفي أخرى : قال سالم : تذاكرنا : إنما هي مخلوقة يومئذ . وفي أخرى : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ . وَفسرها عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ، قَالَ : نَقْصُ الْعُمُرِ. ( 2539 ) [ 2443 ] وعن أبي سعيد نحو الحديث . و ( قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " أرأيتكم ليلتكم هذه فإنَّ رأس مائة سنة من هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد " ) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين ، ذكر الأول منهما متصلاً ، ثم أردف عليه سندًا آخر فيه انقطاع ، ولا يعتب عليه في ذلك ، إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول ، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع . وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر إذ لم يفهم معناه ، فردَّه بأن قال : حديث منقطع ، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه ، ثم لو سلم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب صحيحان ، فما قوله فيه ؟! وقد رفع الصحابي - أعني : ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله : أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن ، بل : قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه ، فقال : " ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة ، وهي حية يومئذ " وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر ، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السقاية - حيث فسَّره : بنقص العمر ، وحاصل ما تضمنه هذا الحديث : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر قبل موته بشهر : أن كل من كان من بني آدم موجودًا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مائة سنة ، وإنَّما قلنا : إنه أراد بني آدم ، لأنَّه قال : " من نفس منفوسة " ، ولا يتناول هذا الملائكة ، ولا الجن ، إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك ، ولا الحيوان غير العاقل ، إذ قال فيه : " ممن هو على ظهر الأرض أحد " . وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل ، فتعين : أن المراد بنو آدم ، وقد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول : إن الخضر حي بعموم : " ما من نفس منفوسة " فإنَّه من أنص صيغ العموم على الاستغراق ، وهذا لا حجَّة فيه يقينية ، لأنَّ العموم - وإن كان مؤكدًا للاستغراق - فليس نصًّا فيه ، بل : هو قابل للتخصيص ، لا سيما والخضر وإن كان حيًّا - كما يقال - فليس مشاهدًا للناس ، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا ، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى عليه السلام ، فلأنه لم يمت ، ولم يقتل ، فهو حي بنص القرآن ، ومعناه . وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي ، فإنَّ قيل : إنما لم يتناول هذا العموم عيسى ، لأنَّ الله قد رفعه إليه ، فليس هو على ظهر الأرض ؛ لأنَّ المراد بذلك العموم : من كان من النفوس على ظهر الأرض ، كما نص عليه في حديث ابن عمر . فالجواب : يمنع عموم الأرض المذكورة فيه ، فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام ، وهي محتملة للعهد والجنس ، وهي هاهنا للعهد ، لأنَّ الأرض التي يخاطبون بها ، ويخبرون عن الكون فيها : هي أرض العرب ، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبًا ، دون أرض يأجوج ومأجوج ، وأقاصي جزائر الهند والسند ، مما لا يقرع السمع اسمه ، ولا يعلم علمه ، ولا جواب عن حديث الدجال . وعلى الجملة : فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم . وسيأتي القول على قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " في آخر كتاب الفتن . و ( قول ابن عمر : فوهل الناس في مقالة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) الرواية الصحيحة : وهل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد : يريد : غلط ، يقال : وهل إلى الشيء يهل ، ووهم إلى الشيء يهم ، وهلا ووهمًا . قال أبو زيد : وهل في الشيء ، وعن الشيء يوهل وهلاً : إذا غلط فيه وسها ، ووهلت إليه بالفتح - وهلاً : إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره . قلت : وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في وهل الذي في هذا الحديث : كسر الهاء ، لأنَّه هو الذي يتعدى بـ ( في ) ، ويشهد له المعنى ، وأما وهل بالفتح فيتعدى بـ ( إلى ) ، والمعنيان متقاربان ، ويمكن أن يقال : إن وهل في الشيء فيه لغتان : الفتح والكسر . والله أعلم .
( 80 ) باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( 2533 ) ( 211 و 212 ) [ 2438 ] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ : قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَتَبْدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانُوا يَنْهَوْنَنَا - وَنَحْنُ غِلْمَانٌ - عَنْ الْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ. وفي أخرى : ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ . و ( قوله : خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) القرن - بسكون الراء - من الناس : أهل زمان واحد . قال الشاعر : إذا ذَهَبَ القَرن الذي أنتَ فِيهِمُ وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأَنتَ غَرِيبُ وقيل : مقدار زمانه : ثمانون سنة ، وقيل : ستون ، ويعني : أن هذه القرون الثلاثة : أفضل مِمَّا بعدها إلى يوم القيامة ، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة ، فأفضلها : الأول ، ثم الذي بعده ، ثم الذي بعده . هذا ظاهر الحديث . فأما أفضلية الصحابة ، وهم القرن الأول على من بعدهم ، فلا تخفى ، وقد بينا إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضل منهم ، أو مساو لهم في كتاب الطهارة . وأما أفضلية من بعدهم ، بعضهم على بعض ، فبحسب قربهم من القرن الأول ، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين ، ونشر العلم ، وفتح الأمصار ، وإخماد كلمة الكفر . ولا خفاء : أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين كان أكثر وأغلب مما كان في أتباعهم ، وكذلك الأمر في الذين بعدهم ، ثم بعد هذا غلبت الشرور ، وارتُكبت الأمور ، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث أبي سعيد : يغزو فئام من الناس ، فيقال : هل فيكم من صحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ فيقال : نعم ، فيفتح لهم الحديث . والفئام : الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه ، وهو مهموز ، والعامة تترك همزه . و ( قول إبراهيم النَّخعي : كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات ) يعني : من أدرك ، وقد أدرك التابعين ، فكانوا يزجرون الصبيان عن اعتياد إلزام أنفسهم العهود والمواثيق ، لما يلزم الملتزم من الوفاء ، فيحرج أو يأثم بالترك ، وكذلك عن تحمل الشهادات لما يلزم عليه من مشقة الأداء ، وصعوبة التخلص من آفاتها في الدنيا والآخرة ، وكل ذلك من السلف رضي الله عنهم تعليم للصغار ، وتدريب لهم على ما يجتنبونه في حال كبرهم .
( 7 ) باب إذا رحم الله أمة قبض نبيها قبلها ( 2288 ) ( 24 ) [ 2208 ] عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تعالى - إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ . ( 2290 ) ( 26 ) [ 2209 ] وعن سَهْل قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ . ( 2291 ) [ 2210 ] ومن حديث أبي سعيد ، فيقول : إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ( 7 ) ومن باب : إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها إنما كان موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أمته رحمة لأمته ، لأنَّ الموجب لبقائهم بعده إيمانهم به ، واتباعهم لشريعته ، ثم إنهم يصابون بموته ، فتعظم أجورهم بذلك ، إذ لا مصيبة أعظم من فقد الأنبياء ، فلا أجر أعظم من أجر من أصيب بذلك ، ثم يحصل لهم أجر التمسك بشريعته بعده ، فتتضاعف الأجور ، فتعظم الرحمة ، ولهذا قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " حياتي لكم رحمة ، ومماتي لكم رحمة " ، وأما إذا أهلكها قبله فذلك لا يكون إلا لأنهم لم يؤمنوا به ، وخالفوه ، وعصوا أمره ، فإذا استمروا على ذلك من عصيانهم ، وتمرُّدهم أبغضهم نبيهم ، فربما دعا عليهم فأجاب الله دعوته فأهلكهم ، فأقرَّ عينه فيهم ، كما فعل بقوم نوح وغيره من الأنبياء ، وقد تقدَّم القول في الفرط ، وأنه المتقدِّم . قلت : وحديث أبي موسى : هو من الأربعة عشر حديثًا المنقطعة . الواقعة في كتاب مسلم ، لأنَّه قال في أول سنده : حُدِّثت عن أبي أسامة ، وممن روى عنه : إبراهيم بن سعيد الجوهري . قال : حدثنا أبو أسامة ، ثم ذكر السند متصلاً إلى أبي موسى - رضي الله عنه
( 79 ) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي ( 2531 ) [ 2437] عن أبي موسى قَالَ : صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُلْنَا : لَوْ جَلَسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ : فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ : مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا : نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ - أَوْ أَصَبْتُمْ - قَالَ : فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ - وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ - فَقَالَ : النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ . ( 79 و 80 ) ومن باب : قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنا أمنة لأصحابي وخير القرون الأمنة : الأمن ، ومنه قوله تعالى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ أي : أمنًا . ويعني بذلك : أن الله تعالى رفع عن أصحابه الفتن ، والمحن ، والعذاب مدة كونه فيهم ، كما قال تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فلما توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاءت الفتن ، وعظمت المحن ، وظهر الكفر والنفاق ، وكثر الخلاف والشقاق ، فلولا تدارك الله هذا الدين بثاني اثنين لصار أثرًا بعد عين ، وهذا الذي وعدوا به . و ( قوله : النجوم أمنة للسماء ) أي : ما دامت النجوم فيها لم تتغير بالانشقاق ، ولا بالانفطار ، فإذا انتثرث نجومها ، وكورت شمسها ، جاءها ذلك ، وهو الذي وعدت به . و ( قوله : وأصحابي أمنة لأمتي ) يعني : أن أصحابه ما داموا موجودين كان الدِّين قائمًا ، والحق ظاهرًا ، والنصر على الأعداء حاصلاً ، ولما ذهب أصحابه غلبت الأهواء ، وأديلت الأعداء ، ولا يزال أمر الدِّين متناقصًا ، وجده ناكصًا إلى أن لا يبقى على ظهر الأرض أحد يقول : الله ، الله . وهو الذي وعدت به أمته ، والله تعالى أعلم .
( 2296 ) ( 30 و 31 ) [ 2212 ] وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ - وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا . وفي رواية : ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، فَقَالَ : إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ، إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تتَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ . قَالَ عُقْبَةُ : فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ. و ( قول عقبة : " إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج فصلى على أهل أحد صلاته على الميت " ) أي : دعا لهم بدعاء الموتى ، وكأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان قد استقبل القبلة ، ودعا لهم ، واستغفر ، وهذا كما فعل حيث أمره الله تعالى أن يستغفر لأهل البقيع ، فقام عليهم ليلاً ، واستغفر لهم ، ثم انصرف ، كما تقدم في الجنائز . و ( قوله : " أعطيت مفاتيح خزائن الأرض " ) أي : بُشر بفتح البلاد ، وإظهار الدين ، وإعلاء كلمة المسلمين ، وتمليكه جميع ما كان في أيدي ملوكها من الصفراء ، والبيضاء ، والنفائس ، والذخائر ، فقد ملَّكه الله ديارهم ، ورقابهم ، وأرضيهم ، وأموالهم . كل ذلك وفاءً بمضمون : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و ( قوله : " إني والله لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي " ) يعني : أنه قد أمن على جملة أصحابه أن يُبدِّلوا دين الإسلام بدين الشرك . ولا يلزم من ذلك ألا يقع ذلك من آحادٍ منهم ، فإنَّ الخبر عن الجملة لا يلزم صدقه على كل واحد من آحادها دائمًا ، كيف لا ؟! وهو الذي أخبر بأن منهم من يرتد بعد موته ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما جاء نصًّا في غير ما موضع من أحاديث الحوض وغيرها ، وقد ظهر في الوجود ردَّة كثيرٍ ممن صحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصلَّى معه ، وجاهد ، ثم كفر بعد موته . وقد تقدم قول ابن إسحاق وحكايته : أنه لم يبق بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسجد من مساجد المسلمين إلا كان في أهله ردَّة ، إلا ما كان من ثلاثة مساجد . وقتال أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ لأهل الردة معلوم متواتر ، وإذا كان كذلك فيتعيَّن حمل هذا الحديث على ما ذكرناه . ويحتمل أن يكون هذا خبرًا عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله تعالى بمآل حالهم ، وأنهم لا يزالون على هدي الإسلام وشرعه إلى أن يلقوا الله ورسوله على هديه ، إذ قد شهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكثير منهم بذلك ، وشوهدت استقامة أحوالهم حتى توفاهم الله تعالى عليه ، ويحتمل أن يحمل هذا الخبر على جميع الأمة ، فيكون معناه : الإخبار عن دوام الدين ، واتصال ظهوره إلى قيام الساعة ، وأنه لا ينقطع بغلبة الشرك على جميع أهله ، ولا بارتدادهم ، كما قد شهد بذلك الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة . والأول أظهر من الحديث ، والله أعلم . و ( قوله : " ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها ، وتقتتلوا فتهلكوا " ) هذا الذي توقعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي وقع بعده ، فعمَّت الفتن ، وعظمت المحن ، ولم ينج منها إلا من عصم ، ولا يزال الهرج إلى يوم القيامة ، فنسأل الله تعالى عاقبة خير وسلامة .
( 8 ) باب ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوض المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض ( 2292 و 2293 ) [ 2211 ] عن عَبْد اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ، كِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا قَالَ : وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ : أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ؟ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ . قَالَ : فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ أَنْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا . ( 8 و 9 ) ومن باب حوض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأوانيه قد تقدَّم القول على كثير من معاني أحاديث هذا الباب في كتاب الطهارة . ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه ، ويصدِّق به : أن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالكوثر الذي هو الحوض المصرَّح باسمه ، وصفته ، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة ، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي ، واليقين التواتري ، إذ قد روى ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصحابة نيف على الثلاثين . في الصحيحين منهم نيف على العشرين ، وباقيهم في غيرهما ، مما صح نقله ، واشتهرت روايته ، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم ، ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار ، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار ، تتوفر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات ، وتدوينها ، إلى أن انتهى ذلك إلينا ، وقامت به حجة الله علينا ، فلزمنا الإيمان بذلك ، والتصديق به ، كما أجمع عليه السلف ، وأهل السنة من الخلف ، وقد أنكرته طائفة من المبتدعة ، وأحالوه عن ظاهره ، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقلية ، ولا عادية ، تلزم من إقراره على ظاهره ، ولا منازعة سمعية ، ولا نقلية تدعو إلى تأويله ، فتأويله تحريف صدر عن عقل سخيف خرق به إجماع السلف ، وفارق به مذهب أئمة الخلف . والحوض : مجتمع الماء . يقال : استحوض الماء ، إذا اجتمع . ويجمع : أحواضًا وحياضًا . و ( قوله : " من شرب منه لم يظمأ أبدًا " ) أي : لم يعطش آخر ما عليه . وظاهر هذا وغيره من الأحاديث : أن الورود على هذا الحوض ، والشرب منه ، إنما يكون بعد النجاة من النار ، وأهوال القيامة ، لأنَّ الوصول إلى ذلك المحل الشريف ، والشرب منه ، والوصول إلى موضع يكون فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يمنع عنه ، من أعظم الإكرام ، وأجل الإنعام ، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب ، أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب ؟! فالقول بذلك أوهى من السراب . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " حوضي مسيرة شهر ، زواياه سواء " ) أي : أركانه معتدلة ، يعني : أن ما بين الأركان متساوٍ ، فهو معتدل التربيع ، وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض ، كما هو مبيَّن في الروايات المذكورة في الأصل . وقد ظن بعض القاصرين : أن ذلك اضطراب ، وليس كذلك ، وإنما تحدَّث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحديث الحوض مرات عديدة ، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير ، لا تحقيق ، وكلها تفيد أنه كبير متسع ، متباعد الجوانب والزوايا ، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض : أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات ، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها ، والله أعلم . و ( قوله : " ماؤه أبيض من الورق " ) جاء أبيض - هاهنا - في هذا الحديث على الأصل المرفوض ، كما قد جاء في قولهم : فأنت أبْيَضُهم سِرْبال طَبَّاخ وكما قد جاء قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " توافون سبعين أمَّة أنتم أخيرهم " ، أي : خيرهم ، وكما قد جاء عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات " ، وكل ذلك جاء منبهة على الأصل المرفوض ، والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى : " أشد بياضًا من الثلج " ، ولا معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة : لا يجوز التلفظ بهذه الأصول المرفوضة ، مع صحَّة هذه الروايات ، وشهرة تلك الكلمات .
( 2529 ) ( 204 و 205 ) [ 2435] وعن عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ : قِيلَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ أَنَسٌ : قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِهِ . وفي رواية : في داره التي بالمدينة. و ( قوله : " لا حلف في الإسلام " ) أي : لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية يتحالفون ، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء ، فيمنع الرجل حليفه ، وإن كان ظالمًا ، ويقوم دونه ، ويدفع عنه بكل ممكن ، فيمنع الحقوق ، وينتصر به على الظلم ، والبغي ، والفساد ، ولما جاء الشرع بالانتصاف من الظالم ، وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحق ، ولا يمنعه أحد من ذلك ، وحد الحدود ، وبين الأحكام ، أبطل ما كانت الجاهلية عليه ممن ذلك ، وبقي التعاقد والتحالف على نصرة الحق ، والقيام به ، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عامًا على من قدر عليه من المكلَّفين . ثم إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خصَّ أصحابه من ذلك بأن عقد بينهم حلفًا على ذلك مرتين - كما تقدَّم - تأكيدًا للقيام بالحق والمواساة ، وسمَّى ذلك أخوة مبالغة في التأكيد والتزام الحرمة ، ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكن الإسلام ، واطمأنت القلوب ، فنسخ الله تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام .
( 2530 ) [ 2436 ] وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً . و ( قوله : " وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدَّة " ) يعني من نصرة الحق ، والقيام به ، والمواساة ، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق . قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها ، أو غيرهم ، إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمَّت قريش ذلك الحلف : حلف الفضول ، أي : حلف الفضائل ، والفضول هنا جمع فضل للكثرة ، كفلس وفلوس . وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبُّ أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت " . وقال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له لسلطان الوليد ، فإنَّه كان أميرًا على المدينة . فقال له حسين : احلف بالله لتنصفني من حقي ، أو لآخذن سيفي ، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ثم لأدعون بحلف الفضول ، قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعانا لآخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه ، أو نموت جميعًا ، وبلغت المسور بن مخرمة ، فقال مثل ذلك ، وبلغت عبد الله بن عثمان بن عبيد الله التيمي ، فقال مثل ذلك ، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .
( 78 ) باب في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار. ( 2528 ) [ 2434 ] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ . ( 78 ) ومن باب : المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار ( قوله : آخى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أبي عبيدة بن الجراح ، وبين أبي طلحة رضي الله عنهما ) المؤاخاة : مفاعلة من الأخوة ، ومعناها : أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمواساة ، والتوارث حتى يصيرًا كالأخوين نسبًا ، وقد يسمى ذلك : حلفًا ، كما قال أنس رضي الله عنه : قد حالف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين قريش والأنصار في داره بالمدينة ، وكان ذلك أمرًا معروفًا في الجاهلية ، معمولاً به عندهم ، ولم يكونوا يسمُّونه إلا حلفًا ، ولما جاء الإسلام عمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به ، وورث به على ما حكاه أهل السير ، وذلك أنهم قالوا : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخى بين أصحابه مرتين : بمكة قبل الهجرة ، وبعد الهجرة . قال أبو عمر : والصحيح عند أهل السير والعلم بالآثار والخبر في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والحق ، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات ، حتى نزلت : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فآخى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين علي بن أبي طالب ونفسه ، فقال له : " أنت أخي وصاحبي " ، وفي رواية " أنت أخي في الدنيا والآخرة " . وكان علي رضي الله عنه يقول : أنا عبد الله ، وأخو رسوله ، لم يقلها أحدٌ قبلي ، ولا يقولها أحدٌ بعدي إلا كذاب مفتر . وآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد ، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك ، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، وبين الزبير وسلمة بن سلامة بن وِقْش ، وبين طلحة وكعب بن مالك ، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ ، وبين سعد ومحمد بن مسلمة ، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب ، وبين عمار وحذيفة حليف بني عبد الأشهل ، وقيل : بين عمار وثابت بن قيس ، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر ، وبين أبي ذر والمنذر بن عمرو ، وبين ابن مسعود وسهل بن حنيف ، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء ، وبين بلال وأبي رويحة الخثعمي ، وبين حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة ، وبين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت ، وبين عبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام ، وبين الطفيل بن الحارث - أخيه - وسفيان بن بشر ، وبين الحصين بن الحارث - أخيهما - وعبد الله بن جبير ، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة ، وبين عتبة بن غزوان ومعاذ بن ماعص ، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى ، وبين المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة ، وبين ذي الشمالين ويزيد بن الحارث من بني خارجة ، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة ، وبين عمير بن أبي وقاص وخبيب بن عدي ، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر ، وبين شماس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر ، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن زيد الأنصاري ، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عدي ، وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل ، وبين عاقل بن البكير ومبشر بن عبد المنذر ، وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو البياضي ، وبين خنيس بن حذيفة والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح ، وبين أبي سبرة بن أبي رهم وعبادة بن الحسحاس ، وبين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين ، وبين أبي مرثد الغنوي وعبادة بن الصامت ، وبين عُكاشة بن محصن والمجذر بن زياد حليف الأنصار ، وبين عامر بن فهيرة والحارث بن الصمة ، وبين مهجع مولى عمر وسراقة بن عمرو النجاري . قال : وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخى بين المهاجرين قبل الهجرة [ على الحق والمواساة ] فآخى بين أبي بكر وعمر ، وبين حمزة وزيد بن حارثة ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين الزبير وابن مسعود ، وبين عبيدة بن الحارث وبلال ، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص ، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله ، [ رضي الله عن جملة المهاجرين والأنصار ] . قلت : وقد جاء في كتاب مسلم من حديث أنس : أنه آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة ، وقال أبو عمر : إنه آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ . والأولى ما في كتاب مسلم .
( 77 ) باب ما ورد في نساء قريش ( 2527 ) ( 200 و 201 ) [ 2433 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ . وَفي رواية : نِسَاءُ قُرَيْشٍ بغير صالح، أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ - وفِي رواية : على ولد في صغره - وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ . وفي أخرى : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبل ثُمَّ ذَكَرَ نحوه . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : خير نساء ركبن الإبل : صالح نساء قريش ) هذا تفضيل لنساء قريش على نساء العرب خاصة ، لأنَّهم أصحاب الإبل غالبًا ، وقد جاء في الرواية الأخرى : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ولم يذكر : ( صالح ) . وهو مراد حيث سكت عنه ، ويحمل مطلق إحدى الروايتين على مقيد الأخرى ، وهو مما اتفق عليه من أقسام حمل المطلق على المقيد كما حققناه في الأصول . ويعني بالصلاح هنا : صلاح الدين ، وصلاح المخالطة للزوج وغيره ، كما دل عليه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أحناه على يتيم وولد ، وأرعاه على زوج ، والحنو : الشفقة . والرعي : الحفظ والصيانة . والله أعلم .
( 9 ) باب في عظم حوض النبي صلى الله عليه وسلم ومقداره وكبره وآنيته ( 2298 ) [ 2213 ] عَنْ حَارِثَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ : أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ : الْأَوَانِي؟ قَالَ : لَا ، قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ : تُرَى فِيهِ الْآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ. ( 2299 ) ( 34 و 35 ) [ 2214 ] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ ، فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : قَرْيَتَيْنِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ . ( 2300 ) [ 2215] وعن أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ آنِيَةُ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ . وجرباء : صحيح روايته بفتح الجيم وسكون الراء والمد ، وقد وقع عند بعض رواة البخاري بالقصر وهو خطأ ، وأذرح : بفتح الهمزة ، وذال معجمة ساكنة ، وراء مضمومة ، وحاء مهملة ، وهو الصواب . ووقع في رواية العذري بالجيم ، وهو خطأ ، وقد فسَّرهما في الأصل : بأنهما قريتان من قرى الشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام ، وقال ابن وضاح في أَذْرُح : أنها فلسطين ، وهذا يدل على صحة ما قلناه : إنه كان يقدر الحوض لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها ، فيقول هذا لأهل الشام ، ويقول لأهل اليمن : من صنعاء إلى عدن . وتارة أخرى يقدره بالزمان ، فيقول مسيرة شهر . وعَمَّان : بفتح العين ، وتشديد الميم ، وهي قرية من عمل دمشق ، وهي من البلقاء ، وقد جاء في الترمذي : من عدن إلى عمَّان البلقاء ، وقيل فيها : عمان : بضم العين ، وتخفيف الميم وليس بصحيح ، وإنما التي هي كذلك : عمان التي باليمن ، بلا خلاف فيها وهي مدينة كبيرة .
( 2301 ) [ 2216 ] وعن ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ ، فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ فَقَالَ : مِنْ مَقَامِي إِلَى عَمَّانَ، وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ ، فَقَالَ : أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ يَشخب فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ . ( 2303 ) ( 39 و 43 ) [ 2217] وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَدْرُ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنْ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ . وفي رواية : تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ . ( 2305 ) [ 2218 ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ . و ( قوله : " إني لَبِعُقْرِ حوضي " ) هو بضم العين ، وسكون القاف ، وهو مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردته ، وتُسكَّن قافه وتضم ، فيقال : عُقْر وعُقُر ، كعُسْر وعُسُر ، قاله في الصحاح . قال غيره : عُقْر الدار : أصلها - بفتح العين وقد تضم و ( قوله : " أذود الناس لأهل اليمن " ) يعني : السابقين من أهل اليمن الذين نصره الله بهم في حياته ، وأظهر الدِّين بهم بعد وفاته ، وقد تقدَّم أن المدينة من اليمن ، وأنهم أحق بهذا الإكرام من غيرهم ، لما ثبت لهم من سابق النُّصرة ، والأثرة ، ولذلك قال للأنصار : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " . وأذود : أدفع ، فكأنه يطرِّق لهم مبالغة في إكرامهم حتى يكونوا أوَّل شارب ، كما يفعل بفقراء المهاجرين ، إذ ينطلق بهم إلى الجنة ، فيدخلهم الجنة قبل الناس كلهم ، كما قد ثبت في الأحاديث ، ولا يظن : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلازم المقام عند الحوض دائمًا ، بل يكون عند الحوض تارة ، وعند الميزان أخرى ، وعند الصراط أخرى ، كما قد صحَّ عنه : أن رجلاً قال : أين أجدك يا رسول الله يوم القيامة ؟ قال : " عند الحوض ، فإنْ لم تجدني ، فعند الميزان ، فإن لم تجدني ، فعند الصراط ، فإني لا أخطئ هذه المواطن الثلاث " . وكأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يفارق أصحابه ، ولا أمته في تلك الشدائد سعيًا في تخليصهم منها ، وشفقة عليهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولا حالَ بيننا وبينه في تلك المواطن ! و ( قوله : " أضرب بعصاي حتى يرفضَّ " ) بالمثناة من تحت ، أي : يضرب من أراد من الناس الشرب من الحوض قبل أهل اليمن ، ويدفعهم عنه حتى يصل أهل اليمن ، فيرفضُّ الحوض عليهم ، أي : يسيل ، يقال : ارفضَّ الدمع : إذا سال . و ( قوله : " يشخب فيه ميزابان من الجنة " ) أي : يسيل ، وهو بالشين والخاء المعجمتين ، والشخب - بالفتح في الشين - المصدر ، وهو السيلان ، وبالضم : الاسم . يقال في المثل : شُخب في الأرض وشُخب في الإناء . وأصل ذلك في الحالب المفرط . وفي الرواية الأخرى : " يَغُتُ " بالغين المعجمة ، وبالمثناة فوق ، هي الرواية المشهورة ، ومعناه : الصبُّ المتوالي ، المتتابع . وأصله : إتباع الشيء الشيء ، يعني : أنه يصب دائمًا متتابعًا صبًا شديدًا سريعًا ، وقد رواه العذري : " يَعُبُّ " بالعين المهملة ، وبالموحدة ، وكذا ذكره الحربي ، وفسَّره بالعَبِّ ، وهو شرب الماء جرعة بعد جرعة ، ورواه ابن ماهان : [ يثعب - بثاء مثلثة قبل العين المهملة - ومعناه : تتفجَّر وتسيل ، ومنه : وجرحه ] يثعب دمًا . و ( قوله : " يَمُدَّانه من الجنة " ) فصيحه : يمدانه بفتح الياء ، وضم الميم ثلاثيًّا من مدَّ النهر ، ومدَّه نهرٌ آخر . فأمَّا الرباعي فقولهم : أمددت الجيش بمدد ، وقد جاء الرباعي في الأول . ومعناه : الزيادة على الأول فيهما . واختُلِجُوا : أخرجوا من بين الواردين . وأصيحابي : تصغير أصحاب على غير قياس . ولابتا الحوض : جانباه اللذان من خارجه حيث يكون شدَّة الحر والعطش ، وأصل اللابة : الْحَرَّة ، وهي أرض ألبست حجارة سودًا ، ومنه : لابتا المدينة ، كما تقدَّم . وسُحقًا سُحقًا : بُعدًا بُعدًا . والسحيق : المكان البعيد .
( 76 ) باب خيار الناس ( 2526 ) [ 2432 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ . ( 76 و 77 ) ومن باب : خيار الناس ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : تجدون الناس معادن ) أي : كالمعادن ، وهو مثل ، وقد جاء في حديث آخر : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة . ووجه التمثيل : أن المعادن مشتملة على جواهر مختلفة ، منها النفيس ، والخسيس ، وكل من المعادن يخرج ما في أصله ، وكذلك الناس كل منهم يظهر عليه ما في أصله ، فمن كان ذا شرف وفضل في الجاهلية فأسلم لم يزده الإسلام إلا شرفًا ، فإنَّ تفقه في دين الله ، فقد وصل إلى غاية الشرف ، إذ قد اجتمعت له أسباب الشرف كلها ، فيصدق عليه قوله : فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا . والمعادن : واحدها معدن - بكسر الدال - ؛ لأنَّه موضع العدن ، أي : الإقامة اللازمة ، ومنه : جنات عدن ، وسمي المعدن بذلك ، لأنَّ الناس يقيمون فيه صيفًا وشتاءً . قاله الجوهري . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له ) هكذا الرواية : من خير الناس وهي لبيان جنس الخيرية ، كأنه قال : تجدون أكره الناس في هذا الأمر من خيارهم ، ويصح أن يقال على مذهب الكوفيين : إنها زائدة ، فإنَّهم يجيزون زيادة من في الموجب ، كما تقدَّم . ويعني بالأمر : الولايات ، وإنَّما يكون من يكرهها من خير الناس ، إذا كانت كراهته لها لعلة تعظيم حقوقها ، وصعوبة العدل فيها ، ولخوفه من مطالبة الله تعالى بالقيام بذلك كله ، ولذلك قال فيها : نعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة ، وكفى بذلك ما تقدَّم من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما من أمير عشيرة إلا يؤتى يوم القيامة مغلولاً ، حتى يفكه العدل ، أو يوبقه الجور . وذكر ذي الوجهين مفسَّر في الحديث ، وإنَّما كان ذو الوجهين شر الناس ، لأنَّ حاله حال المنافقين ، إذ هو متملق بالباطل والكذب ، يدخل الفساد بين الناس ، والشرور ، والتقاطع ، والعداوة ، والبغضاء .
( 75 ) باب ما ذكر في بني تميم ( 2525 ) [ 2431 ] عن أبي هُرَيْرَةَ أنه قال : لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ ثَلَاثٍ . وفي رواية : بعد ثلاث سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُه يَقُولُ : هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، قَالَ : وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا، قَالَ : وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ . وفي رواية : هم أشد الناس قتالا في الملاحم، ولم يذكر الدجال. و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - في بني تميم : هم أشد أمتي على الدجال ) تصريح بأن بني تميم لا ينقطع نسلهم إلى يوم القيامة ، وبأنهم يتمسكون في ذلك الوقت بالحق ، ويقاتلون عليه ، وفي الرواية الأخرى : هم أشد الناس قتالاً في الملاحم يعني : الملاحم التي تكون بين يدي الدجال ، أو مع الدجال ، والله تعالى أعلم .
( 10 ) باب شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وإمداده بالملائكة ( 2307 ) ( 48 و 49 ) [ 2219 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ : لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ، قَالَ : وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ ، وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ . قال في رواية : فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ : مَنْدُوبٌ فَرَكِبَهُ فَقَالَ : مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا . ( 10 و 11 و 12 ) ومن باب : شجاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجوده وحُسن خلقه ( قوله : " فزع أهل المدينة " ) أي : ذعروا من عدوٍّ دهمهم ، وقد قدمنا أن الفزع يقال على أوجه متعددة ، و" لم تراعوا " أي : لم يصبكم روعٌ ، أو لا روع عليكم . و ( قوله : " وجدناه بحرًا " ) يعني : الفرس ، أي : وجدناه يجري كثيرًا جريًا متتابعًا كالبحر . وقد تقدَّم : أن أصل البحر : السَّعة ، والكثرة . ويقال : فرس سحبٌ ، وبحرٌ ، وسكب ، وفيض ، وغمر : إذا كان سريعًا ، كثير الجري ، شديد العدو . و ( قوله : " وكان فرسًا يُبَطَّأ " ) أي : يُنسب البطء إليه ، ويعرف به ، فلما ركبه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أدركته بركته ، فسابق الجياد ، وصار نعم العتاد . والرواية المشهورة : يبطأ بالمثناة تحت والموحدة ، من البطء : ضد السرعة ، وعند الطبري : " ثبطا " أي : ثقيلاً . وهو بمعنى الأول . والفرس العري الذي لا سرج عليه ، يقال : فرس عري وخيل أعراء . ويقال : رجل عريان ، ورجال عرايًا . وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل ، والشجاعة ، والشهامة ، والانتهاض الغائي في الحروب ، والفروسية وأهوالها ، ما لم يكن عند أحد من الناس ، ولذلك قال أصحابه عنه : إنه كان أشجع الناس ، وأجرأ الناس في حال البأس ، ولذلك قالوا : إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب ، وناهيك به ، فإنَّه ما ولَّى قطٌّ منهزمًا ، ولا تحدَّث أحد عنه قط بفرار . ومندوب : اسم علم لذلك الفرس . وقيل : إنه سُمِّي بذلك لأنه كان يسبق ، فيجوز النَّدب ، وهو : الخطر الذي يجعل للسابق ، وكأنه إنما حدث له هذا الاسم بعد أن ركبه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وقد ذكر أنه كان لرسول الله فرس يسمى مندوبًا ، ويحتمل أن يكون هذا الفرس انتقل من ملك أبي طلحة إلى ملك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إما بالهبة ، وإما بالابتياع ، ويحتمل أن يكون فرسًا آخر وافقه في ذلك الاسم ، والله أعلم .
( 2306 ) ( 46 و 47 ) [ 2220 ] وعن سَعْد بن أبي وقاص قَالَ : رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ، يَعْنِي : جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . وفي رواية : يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ . و ( قول سعد : " رأيت عن يمين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن شماله رجلين يوم أحد عليهما ثياب بياض ، يقاتلان عليه كأشدِّ القتال " ) . قال ، يعني : جبريل وميكائيل - صلَّى الله عليهما وسلم رؤية سعد ـ رضي الله عنه ـ لهذين الملكين في ذلك اليوم : كرامة من الله تعالى خصَّه بها ، كما قد خصَّ عمران بن حصين بتسليم الملائكة عليه ، وأسيد بن حضير برؤية الملائكة الذين تنزلوا لقراءة القرآن ، وقتال الملائكة للكفار يوم بدر ، ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس ، ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة ، أو لخسف بهم موضعهم ، أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم ، لكن لو كان ذلك : لصار الخبر عيانًا ، والإيمان بالغيب مشاهدة ، فيبطل سر التكليف ، فلا يتوجَّه لوم ، ولا تعنيف ، كما قد صرَّح الله تعالى بذلك قولاً وذكرًا ، إذ قال : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا
( 74 ) باب ما ذكر في طيئ ودوس ( 2523 ) [ 2429 ] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لِي : إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 2524 ) [ 2430 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَدِمَ الطُّفَيْلُ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا ، فَقِيلَ : هَلَكَتْ دَوْسٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ .
( 2522 ) ( 193 ) [ 2428 ] وعن أبي بكرة : أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ ، وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ أَخَابُوا وَخَسِرُوا؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فقَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُمْ لَأَخْيَرُ مِنْهُمْ . وفي رواية : ومد بها صوته. و ( قوله : أرأيت إن كان أسلم ، ومن ذكر معها خير من بني تميم، ومن ذكر معها ، أخابوا وخسروا ؟ قال : نعم ) هذا يدل على أنه أراد : كفار هذه القبائل لا مسلميها ، لأن الخيبة والخسران المطلق لا يكون إلا لأهل الكفر ، ويدل عليه : مدح المسلمين من بني تميم في الحديث الآتي بعد هذا ، والله تعالى أعلم .
( 73 ) باب فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبد الله ( 2519 ) [ 2425] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَنْصَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَاهُمْ . ( 2520 ) [ 2426 ] ومن حديث أبي هريرة : قريش والأنصار. وذكر نحوه، غير أنه لم يذكر بني عبد الله . ( 2521 ) ( 191 و 192 ) [ 2427] وعن أبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَغِفَارُ وَأَسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ - أَوْ قَالَ جُهَيْنَةُ - وَمَنْ كَانَ مِنْ مُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَطَيِّئٍ وَغَطَفَانَ . وفي رواية : من أسد وغطفان وهوازن وتميم ( 73 و 74 و 75 ) ومن باب : فضائل مزينة ، وجهينة ، وأشجع وبني عبد الله هؤلاء القبائل ، وأسلم ، وغفار ، ومَن كان نحوهم ، كانوا بالجاهلية خاملين ، لم يكونوا من ساداتِ العرب ، ولا مِن رؤسائها كما كانت بنو تميم ، وبنو عامر ، [ وبنو أسدٍ ، وغطفان ، ألا ترى قول الأقرع بن حابس للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إنما بايعك سُرَّاق الحجيج من أسلم ، وغفار ، ومزينة ] وجهينة ، لكن هؤلاء القبائل سبقوا للإسلام ، وحَسُن بلاؤهم فيه ، فشرَّفهم اللهُ تعالى به ، وفضَّلهم على مَن ليس بمؤمن من سادات العرب بالإسلام ، وعلى من تأخر إسلامُه بالسَّبق ، كما شرَّف بلالاً ، وعمارًا ، وصُهيبًا ، وسلمان على صناديد قريش ، وعلى أبي سفيان ومعاوية وغيرهم من المؤلفة قلوبُهم كما تقدَّم ، فأعز اللهُ بالإسلام الأذلاء ، وأذلَّ به الأعزاءَ بحكمته الإلهية ، وقسمته الأزلية قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وعلى هذا فقولُه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : مزينة ، وجهينة ، وغفار ، وأشجع ، ومن كان من بني عبد الله مواليَّ دون الناس جَبْرٌ لهم من كَسرهم ، وتنويه بهم من خمولهم ، وتفخيم لأمر الإسلام وأهلِه ، وتحقير لأهل الشرك ، ولمن دخل في الإسلام ولم يُخلِص فيه ، كالأقرع بن حابس ، وغيره ممن كان على مثل حاله ، وهذا التَفضيلُ ، والتنويه إنما ورد جوابًا لمن احتقر هذه القبائل بعد إسلامها ، وتمسك بفخر الجاهلية وطغيانها ، فحيث ورد تفضيل هذه القبائل مطلقًا فإنَّه محمول على أنهم أفضل من هذه القبائل المذكورين معهم ، في محاورة الأقرع ، وهو آخر حديث ذكرناه ، فإنَّه مفسَّر لما تقدَّم ، ومقيَّد له . و ( قوله : موالي دون الناس ) يعني : أنا الذي أنصرهم ، وأتولى أمورهم كلها ، فلا ينبغي لهم أن يلجؤوا بشيء من أمورهم إلى أحد غيري من الناس ، وهذا كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الآخر : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، من ترك مالاً فلورثته ، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي وإليَّ . و ( قوله : والله ورسوله مولاهم ) كذا الرواية بتوحيد مولاهم ، وهذا نحو قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ فوحَّد الضمير ، لأنه عائد على الله ، ورفع رسوله بالابتداء، وخبره مضمر تقديره : والله أحق أن يرضوه ، ورسوله كذلك وعلى هذا : فتقدير الحديث : والله مولاهم، ورسوله كذلك .
( 11 ) باب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأحسن الناس خلقا ( 2308 ) ( 50 ) [ 2221 ] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ . و ( قوله : " إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أجود الناس " ) أي : أكثرهم جودًا وسخاءً . هذا هو المعلوم من خُلُقِه ؟ فإنَّه ما سئل شيئًا فمنعه إذا كان مما يصح بذله وإعطاؤه . و ( قوله : " وكان أجود ما يكون في رمضان " ) إنما كان ذلك لأوجه : أحدها : رغبة في ثواب شهر رمضان ، فإنَّ أعمال الخير فيه مضاعفة الأجر ، وليعين الصائمين على صومهم ، وليفطرهم ، فيحصل له مثل أجورهم كما قال ، ولأنه كان يلقى فيه جبريل لمدارسة القرآن ، فكان يتجدد إيمانه ، ويقينه ، وتعلو مقاماته ، وتظهر عليه بركاته ، فيا له من لقاء ما أكرمه ، ومن مشهد ما أعظمه ! وقيل : إنما كانت عطاياه تكثر في رمضان ، لأنَّه كان يقدَّم الصدقات بين يدي مناجاة الرسول لقوله تعالى : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً وفيه بُعد ، لأنه قد كان نسخ ذلك ، ولاستبعاد دخول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولبُعد دخول جبريل في قوله تعالى : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ و " أجود " : قيل بالنصب على أنه خبر كان ، وفيه بُعد ، لأنَّه يلزم منه : أن يكون خبرها هو اسمها ، وذلك : لا يصح إلا بتأويل بعيد ، والرفع أولى ، لأنَّه يكون مبتدأ مضافًا إلى المصدر ، وخبره : في رمضان ، وتقديره : أجود أكوانه في رمضان ، ويعني بالأكوان : الأحوال ، والله أعلم . و ( قوله : " إن جبريل ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يلقاه في كل سنة في رمضان " ) يصلح الكسر في " إن " على الابتداء ، والفتح فيه أولى ، فيكون تعليلاً لجود النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رمضان ، وكان هذا الوجه أولى . والله أعلم . ولا أذكر الآن كيف قيَّدتها على من قرأتُه عليه .
( 2309 ) ( 51 - 53 ) [ 2222 ] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ : فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ : لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ : لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟. وفي رواية : وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ ، ولا عاب علي شيئا قط . و ( قوله : " كان أجود من الريح المرسلة " ) أي : بالمطر ، وفيه جواز المبالغة ، والإغياء في الكلام . و" أف " كلمة ذم وتحقير واستقذار ، وأصل الأفِّ والتفِّ : وسخ الأظفار ، وفيها عشر لغات : أفّ بغير تنوين بالفتح والضم والكسر ، وبالتنوين للتنكير مع الأوجه الثلاثة ، وبكسر الهمزة وفتحها ، ويقال : أُفِّي وأُفِّه . وفي الصحاح ، يقال : كان ذلك على إفّ ذلك ، وإفَّانِه - بكسرها - أي : في حينه وأوانه .
( 2309 و 2310 ) ( 54 ) [ 2223 ] وعنه، قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ : فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ : يَا أُنَيْسُ ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ قُلْتُ : نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَنَسٌ : وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ : هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا. وفي رواية : قال أنس : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين . و ( قول أنس : " والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب " ) هذا القول : صدر عن أنس في حال صغره ، وعدم كمال تمييزه ، إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه . وذلك : أنه حلف بالله على الامتناع من فعل ما أمره به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشافهة ، وهو عازمٌ على فعله ، فجمع بين مخالفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين الإخبار بامتناعه ، والحلف بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله ، وفيه ما فيه ، ومع ذلك فلم يلتفت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لشيء من ذلك ، ولا عرَّج عليه ، ولا أدبه . بل داعبه ، وأخذ بقفاه ، وهو يضحك رفقًا به ، واستلطافًا له ، ثم قال : " يا أنيس ! اذهب حيث أمرتك " ، فقال له : أنا أذهب . وهذا كله مقتضى خلقه الكريم ، وحلمه العظيم . وقد اختلفت الروايات في خدمة أنس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقيل : عشر . وقيل : تسع ، وذلك بحسب اختلافهم في سَنَةِ مقدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة . فقال الزهري : عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة وأنا ابن عشر ، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة . قلت : فعلى هذا خدمه عشر سنين ، إن قلنا : أنه خدمه من أول مقدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة ، ويحتمل أن تكون تأخرت خدمته عن ذلك سنة فتكون مدة خدمته له : تسع سنين . وقيل : قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنس ابن ثماني سنين .
( 72 ) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لغفار وأسلم ( 2514 ) ( 183 ) [ 2421 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتِ قَوْمَكَ فَقُلْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا . ( 2516 ) [ 2422 ] زاد من حديث أبي هريرة : أما إني لم أقلها ، ولكن قالها الله . ( 2517 ) [ 2423 ] وعَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ . ( 2518 ) [ 2424 ] ونحوه، عن ابن عمر. وقد تقدم القولُ في : أسْلَم ، وغِفَار ، وبني لِحيَان ، ورِعل ، وذَكْوان ، وعُصًية - قبائل من هُذَيل - وهم الذين قتلوا أصحابَ الرَّجيع عاصمًا وأصحابه ، وقد تقدم حديثُهم .
( 71 ) باب خير دور الأنصار - رضي الله عنهم - ( 2511 ) ( 177 و 178 ) [ 2419 ] عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ. فَقَالَ سَعْدٌ : مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا . فَقِيلَ : قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ . قال أبو أسيد : لو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها عشيرتي . ( 2512 ) [ 2420 ] وعن أبي هريرة قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ عَظِيمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : أُحَدِّثُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالُوا : ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ . قَالُوا : ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَالُوا : ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ . قَالُوا : ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مُغْضَبًا، فَقَالَ : أَنَحْنُ آخِرُ الْأَرْبَعِ؟ حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَهُمْ. فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ : اجْلِسْ . أَلَا تَرْضَى أَنْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَكُمْ فِي الْأَرْبَعِ الدُّورِ الَّتِي سَمَّى؟ فَمَنْ تَرَكَ فَلَمْ يُسَمِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّى، فَانْتَهَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 71 و 72 ) ومن باب : خير دور الأنصار - رضي اللّه عنهم - ( قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خير دُور الأنصار : دور بني النجار ) أصلُ الدار : المنزل الذي يُقام فيه ، ويُجمع في القلة : أدور ، بواو مضمومة ، وقد أبدلوا من الضمة همزة استثقالًا للضمَّة على الواو ، ويُجمع في الكثرة على ديار ودور ، والدار مؤنثة ، ثم قد يُعبَّر بالدار عن ساكنها كما جاء في هذا الحديث ، فإنه أراد بالدِّيار : القبائل . وخير : يعني أخير ، أي : أكثر خيرًا ، وتفضيل بعض هذه القبائل على بعض إنما هو بحسب سبقهم للإسلام ، وأفعالهم فيه . وتفضيلُهم خبر من الشارع عما لهم عند الله تعالى من المنازل والمراتب ، فلا يُقدَّمُ من أخر ، ولا يؤخر من قدَّم . وقد اختلفت الرواياتُ في بني النَّجار ، وبني عبد الأشهل ، ففي رواية أبي أسيد : تقديم بني النجار على بني عبد الأشهل ، ومَن بعدهم ، وفي رواية أبي هريرة : تقديم بني عبد الأشهل على بني النجار ومَن بَعدَهم ، وهذا تعارضٌ مُشكِل ، غير أن الأولى رواية أبي أسَيد لقرابة بني النجار من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون غيرهم ، فإنهم أخوالُه ، كما قدَّمنا ، ولاختصاص نزول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم ، وكونه عندهم ، وهذه مزيَّة لا يلحقهم أحدٌ فيها . وغَضَبَ سعدِ بن عبادة لما ذُكرتْ دارُه آخر الديار بادرةٌ أصدرها عنه منافستُه في الخير ، وحرصُه على تحصيل الثواب والأجر ، فلما نُبه على ما ينبغي له سلَّم السَّبق لأهله ، وشكر الله تعالى على ما آتاه مِن فضله .
( 2508 ) [ 2415] وعنه أنه قال : إن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتمْثِلًا ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ - يَعْنِي الْأَنْصَارَ و ( قوله : فقام متمثلاً ) يروى هكذا هنا ، ويروى أيضًا مُمثلاً ، وفيهما بُعد ، لأن مثل : معناه : صور مثاله ، وتمثل هو في نفسه ، أي : تصوَّر ، وكلاهما ليس له معنى هنا ، وإنما الذي يُناسب هذا أن يكون ماثلاً . يقال : مثل بين يديه قائمًا ، أي : انتصب قائمًا ، فيعني به أنه قام منتصبَ القامة فعل المتبشبش بمن لقيه . وقد رواه البخاري فقال : فكان متمثلاً ، ممتنا من الامتنان ، وهو وإن كان فيه بُعْدٌ أنسب مما رواه مسلم ، والله تعالى أعلم .
( 2506 ) [ 2413 ] وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ. ( 2507 ) [ 2414 ] وعن أنس : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَغْفَرَ لِلْأَنْصَارِ قَالَ : - وَأَحْسِبُهُ قَالَ - : وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ لَا أَشُكُّ فِيهِ . و ( قوله : " اللهم اغفر للأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار " ) ظاهره الانتهاءُ بالاستغفار إلى البطن الثالث ، فيمكن أن يكون ذلك ، لأنهم من القرون التي قال فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " خيرُ أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " ، ويمكن أن تشملَ بركةُ هذا الاستغفار المؤمنين من نسل الأنصار إلى يوم القيامة مبالغة في إكرام الأنصار ، لا سيما إذا كانت نية الأولاد فعل مثال ما سبق إليه الأجداد ، ويُؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى : " ولذراري الأنصار " .
( 70 ) باب فضائل الأنصار - رضي الله عنهم - ( 2505 ) [ 2412 ] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : فِينَا نَزَلَتْ : إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ اللَّهِ : وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ( 70 ) ومن باب : فضائل الأنصار - رضي اللّه عنهم - ( قوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا يعني بذلك : يوم أحُدٍ ، وذلك : أنه لمَّا خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للقاء المشركين رجع عنه عبد الله بن أبي بجمع كثيرٍ فشلاً عن الحرب ونكولاً ، وإسلامًا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه للعدو ، وهمَّت بنو سلمة ، وبنو حارثة بالرُّجوع ، فحماهم اللهُ تعالى من ذلك ، مما يضرُّهم من قبل ذلك ، وعظيم إثمه ، فلحقوا بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالمسلمين إلى أن شاهدوا الحرب ، وكان من أمر أحُد ما قد ذكر . و ( قول جابر : ما نحب ألا تنزل ) إنما قال ذلك لما في آخرها من تولي الله تعالى لتينك الطَّائفتين مِن لُطْفه بهما ، وعصمته إياهما ، مما حل بعبد الله بن أبي من الإثم ، والعار ، والذَم ، وذلك قوله تعالى : وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا أي : متولي حِفظهما وناصرهما .
( 2509 ) [ 2416 ] وعنه قال : جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ - ثَلَاثَ مرات . ( 2510 ) [ 2417] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ . ( 2513 ) [ 2418 ] وعنه قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي فَقُلْتُ لَهُ : لَا تَفْعَلْ . فَقَالَ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ - وَكَانَ جَرِيرٌ أَسن مِنْ أَنَسٍ و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : " الأنصار كَرِشي وعيبتي " ) أي : جماعتي التي أنضمُّ إليها ، وخاصتي التي أفضي بأسراري إليها . والكَرِش : لما يجترُ كالمعدة للإنسان ، والحوصلة للطائر ، والكرش مؤنثة ، وفيها لغتان : كَرِش - بفتح الكاف ، وكسر الراء وكِرْش - بكسر الكاف وسكون الراء - : مثل : كَبِد وكِبْد ، وكرشُ الرجل : عيالُه وصغارُ ولده ، والكرش : الجماعة ، وهي المعنيةُ بالحديث . وأصلُ العيبة : ما تُجعل فيه الثياب الرفيعة ، والجمع عِيَب ، كَبَدرَةِ وبِدَر ، وتُجمع أيضاً : عِيابًا وعَيبات .
( 12 ) باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال : لا . وفي كثرة عطائه ( 2311 ) ( 56 ) [ 2224 ] عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ : لَا . ( 2312 ) ( 57 و 58 ) [ 2225] وعن أنس، قَالَ : مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ : فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ : يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ . قَالَ أَنَسٌ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا ، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا . ( 2313 ) ( 59 ) [ 2226 ] عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ ، فَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِنْ النَّعَمِ ، ثُمَّ مِائَةً ، ثُمَّ مِائَةً . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. و ( قوله : " فأعطاه غنمًا بين جبلين " ) يعني : ملء ما بين جبلين كانا هنالك ، وكان هذا - والله أعلم - يوم حنين لكثرة ما كان هنالك من غنائم الإبل ، والبقر ، والغنم ، والذراري ، ولأن هذا الذي أعطي هذا القدر كان من المؤلفة قلوبهم ، ألا ترى أنه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام لأجل العطاء . و ( قوله : " إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا " ) يعني : أنهم كان منهم من ينقادُ فيدخلُ في الإسلام لكثرة ما كان يعطي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يتألفه على الدخول فيه ، فيكون قصده بالدخول فيه الدنيا ، وهذا كان حال الطلقاء يوم حنين على ما مرَّ . و ( قوله : " فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها " ) ظاهر مساق هذا الكلام أن إسلامه الأول لم يكن إسلامًا صحيحًا ، لأنَّه كان يبتغي به الدنيا ، وإنما يصحُّ له الإسلام إذا استقر الإسلام بقلبه ، فكان آثر عنده ، وأحبّ إليه من الدنيا وما عليها ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا وهذا معنى صحيح ، ولكنه ليس بمقصود الحديث ، وإنما مقصود أنس من الحديث : أن الرجل كان يدخل في دين الإسلام رغبة في كثرة العطاء ، فلا يزال يُعطى حتى ينشرح صدره للإسلام ، ويستقر فيه ، ويتنور بأنواره ، حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها ، كما صرَّح بذلك صفوان حيث قال : والله لقد أعطاني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أعطاني ، وإنه لأبغض الناس إليَّ ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ . وهكذا اتفق لمعظم المؤلفة قلوبهم .
( 2314 ) ( 60 ) [ 2227] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ، فَقُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى : مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ : إِنَّ نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِي : عُدَّهَا ، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ ، فَقَالَ : خُذْ مِثْلَيْهَا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لجابر : " لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا ، وهكذا ، وهكذا " وقال بيديه جميعًا ، هذا يدلّ على سخاوة نفس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمال ، وأنه ما كان لنفسه به تعلق ، فإنَّه كان لا يعدُّه بعدد ، ولا يقدره بمقدار ، لا عند أخذه ، ولا عند بذله . وهذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان وعدًا لجابر ـ رضي الله عنه ـ ، وكان المعلوم من خلقه الوفاء بالوعد ، ولذلك نفذه له أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وهكذا كان خلق أبي بكر ، وخلق الخلفاء الأربعة ـ رضي الله عنهم ـ ، ألا ترى أبا بكر كيف نفذ عدة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لجابر بقول جابر ، ثم إنه دفعها له على نحو ما قال من غير تقدير ؟ ! وأخبارهم في ذلك معروفة ، وأحوالهم موصوفة ، وكفى بذلك ما سار مسير المثل الذي لم يزل يجري على قول علي ـ رضي الله عنه ـ : يا صفراء ويا بيضاء غري غيري .
( 69 ) باب فضائل سلمان وصهيب - رضي الله عنهما - ( 2504 ) [ 2411 ] عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ ، فَقَالُوا : مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا . قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ . فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ. فَأَتَاهُمْ فَقَالَ : يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ ؟ قَالُوا : لَا ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي . ( 69 ) ومن باب : فضائل سلمان وصهيب - رضي الله عنهما - أما سلمان ، فيكنى : أبا عبد الله ، وكان ينتسب إلى الإسلام ، فيقول : أنا سلمان ابن الإسلام ، ويُعَدُّ من موالي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لأنَّه أعانه بما كوتب عليه ، فكان سبب عتقه ، وكان يُعرف بسلمان الخير ، وقد نسبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أهل بيته ، فقال : سلمان منا أهل البيت . وأصله فارسي من رام هرمز ، من قرية يقال لها : جَي . ويقال : بل من أصبهان ، وكان أبوه مجوسيًّا من قوم مجوس ، فنبهه الله لقبح ما كان عليه أبوه وقومه ، وجعل في قلبه التشوُّف إلى طلب الحق ، فهرب بنفسه ، وفرَّ من أرضه إلى أن وصل إلى الشام ، فلم يزل يجول في البلدان ، ويختبر الأديان ، ويستكشف الأحبار والرُّهبان ، إلى أن دُلَّ على راهب الوجود ، فوصل إلى المقصود ، وذلك بعد مكابدة عظيم المشقات ، والصبر على مكاره الحالات ، من : الرق ، والإذلال ، والأسر ، والأغلال ، كما هو منقول في إسلامه في كتب السِّير وغيرها . وروى أبو عثمان النَّهدي عن سلمان أنه قال : تداوله في ذلك بضة عشر ربًّا ، من ربٍّ إلى ربٍّ حتى أفضى إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . قال غيره : فاشتراه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للعتق من قوم من اليهود بكذا وكذا درهمًا ، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل ، يعمل فيها سلمان حتى تدرك ، فغرس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ النخل كلها بيده ، فأطعمت النخل من عامها . وأوَّل مشاهده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخندق ، ولم يَفُته بعد ذلك مشهد معه . وقد قيل : إنه شهد بدرًا وأحدًا ، والأوَّل أعرف . وكان خيِّرًا فاضلاً حَبرًا عالِمًا زاهدًا متقشفًا . روي عن الحسن أنه قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ، ويأكل من عمل يده ، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها . وذكر ابن وهب ، وابن نافع عن مالك قال : كان سلمان يعمل الخوص بيده فيعيش منه ، ولا يقبل من أحد شيئًا ، قال : ولم يكن له بيت ، إنما كان يستظل بالجدر والشجر ، وإن رجلاً قال له : ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه ؟ فقال : ما لي به حاجة ، فما زال به الرجل حتى قال له : إني أعرف البيت الذي يوافقك ، قال : فصفه لي . فقال : أبني لك بيتًا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه ، وإذا أنت مددت رجليك أصابك الجدار . قال : نعم ، فبني له . وروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : لو كان الدين في الثريا لناله سلمان . وفي رواية : رجال من الفرس . وقالت عائشة رضي الله عنها : كان لسلمان مجلسٌ من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينفردُ به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن الله أمرني أن أحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم : علي ، وأبو ذر ، والمقداد ، وسلمان . وقال أبو هريرة : سلمانُ صاحب الكتابين ، وقال عليٌّ : سلمان عَلِمَ العلمَ الأول والآخر ، بحر لا ينزف ، هو منَّا أهل البيت . وقال عليٌّ رضي الله عنه أيضًا : سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم . وله أخبار حِسان ، وفضائلُ جَمَّة . توفي سلمان رضي الله عنه في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه سنة خمس وثلاثين ، وقيل : مات بل سَنةَ ستٍّ في أولها ، وقد قيل : توفي في خلافة عمر ، والأوَّلُ أكثر . قال الشعبيُّ : توفي بالمدائن ، وكان من المعمرين ، أدرك وصيَّ عيسى ابن مريم ، وعاش مائتين وخمسين سنة ، وقيل : ثلاثمائة وخمسين سنة . قال أبو الفرج : والأول أصح ، وجملةُ ما حُفِظ له عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ستون حديثاً ، أخرج له منها في الصحيحين سبعة . وأما صُهيب ، فهو ابنُ سنان بن خالد بن عبد عمرو - من العرب - بن النمر بن ساقط ، كان أبوه عاملاً لكسرى على الأُبُلَّة ، وكانت منازلُهم بأرض الموصل في قرية على شطِّ الفرات ، مما يلي الجزيرة والموصل ، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبتْ صُهيباً ، وهو غلام صغير ، فنشأ صهيب بالروم ، فصار ألكن ، فابتاعته منه كلب ، ثم قدمتْ به مكة ، فاشتراه عبد الله بن جُدعان ، فأعتقه ، فأقام بمكة حتى هلك ابن جُدعان ، وبُعِث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحدٍ بعد بضعة وثلاثين رجلاً ، فلما هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة لحقه صُهيب ، فقالت له قريش حين خرج يريدُ الهجرة : أتفجعنا بنفسك ومالك ؟ فدلَّهم على ماله ، فتركوه ، فلما رآه النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له : ربح البيعُ أبا يحيى . فأنزل الله عز وجل في أمره : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ الآية . وروي عنه أنه قال : صحبتُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يُوحى إليه . ورُوي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآَخر فليحبَّ صهيبًا حُبَّ الوالدة ولدَها . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : صهيب سابقُ الروم ، وسلمان سابقُ فارس ، وبلال سابقُ الحبشة . وإنما نسبه النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ للروم لما ذكر أنه نشأ فيهم صغيرًا ، وتلقَّف لسانهم . وقد تقدَّم ذِكرُ نسبه . وقال له عمر : ما لك يا صهيب تُكنى أبا يحيى ، وليس لك ولد ، وتزعم أنك من العرب ، وتطعم الطعام الكثير ، وذلك سرف ؟ فقال : إن رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كنَّاني بأبي يحيى ، وإني من النمر بن قاسط من أنفسهم ، ولكني سُبيت صغيرًا أعقل أهلي وقومي ، ولو انفلقت عني روثة لانتميتُ إليها ، وأما إطعام الطعام ؟ فإن رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : خيارُكم مَن أطعم الطعام ، وردَّ السلام . توفي صهيب بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في شوّالها ، وقيل : سنة تسع ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ، ودُفِن بالبقيع . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر رضي الله عنه : لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبتَ ربَّك ، يدلُّ على رفعة منازل هؤلاء المذكورين عند الله تعالى ، ويُستفاد منه احترامُ الصالحين ، واتِّقاءُ ما يغضبهم ، أو يُؤذيهم .
( 68 ) باب فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة ( 2502 ) [ 2410 ] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ ، أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا ، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ - إِمَّا قَالَ : بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ : ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي - قَالَ : فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ . فَقَالَ جَعْفَرٌ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، قال : فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، قَالَ : فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ ، فَأَسْهَمَ لَنَا - أَوْ قَالَ أَعْطَانَا مِنْهَا - وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ ، إِلَّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ. قَال : فَكَانَ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا - يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ - : سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ! قَالَ : فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ - وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا - عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَائِرَةً - وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ - فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ : قَالَ عُمَرُ : الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ : نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ : سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ، وَقَالَتْ : كَلِمَةً كَذَبْتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ - أَوْ فِي أَرْضِ - الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ فِي الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللَّهِ ! لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ : كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ ، قَالَتْ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا ، يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 68 ) ومن باب : فضائل جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - يكنى : أبا عبد الله ، كان أكبر من عليٍّ أخيه - رضي الله عنهما - بعشر سنين ، وكان من المهاجرين الأوَّلين ، هاجر إلى أرض الحبشة ، وقدم منها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين فتح خيبر ، فتلقاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعانقه ، وقال : " ما أدري بأيُّهما أنا أشد فرحًا ، بقدوم جعفر ، أم بفتح خيبر ؟ " . وكان قدومه من الحبشة في السنة السَّابعة من الهجرة ، واختطَّ له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى جنب المسجد ، وقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أشبهت خَلْقِي وخُلُقي " . ثم غزا غزوة مؤتة ، وذلك في سنة ثمان من الهجرة ، فقتل فيها بعد أن قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعًا ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء " . فمن هنالك قيل له : ذو الجناحين . ولما أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس ، فعزَّاها في زوجها ، فدخلت فاطمة تبكي وهي تقول : واعماه ! فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " على مثل جعفر فلتبك البواكي " . وأما أسماء فهي : ابنة عميس بن معدِّ بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك الخثعمية ، من خثعم أنمار ، وهي أخت ميمونة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخت لبابة - أم الفضل - زوجة العباس ، وأخت أخواتها ، وهن : تسع ، وقيل : عشر . هاجرت أسماء مع زوجها جعفر إلى أرض الحبشة ، فولدت له هنالك محمدًا ، وعبد الله ، وعوفًا ، ثم هاجرت إلى المدينة . فلما قتل جعفر ، تزوجها أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما، وولدت له محمد بن أبي بكر ، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب ، فولدت يحيى بن عليٍّ ، لا خلاف في ذلك ، وقيل : كانت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب ، فولدت له ابنة تسمى : أمة الله . وقيل : أمامة ، ثم خلف عليها بعده شداد بن الهادي الليثي ، فولدت له : عبد الله وعبد الرحمن ، ثم خلف عليها بعده جعفر، ثم كان الأمر كما ذكر . و ( قول أبي موسى : إما قال : بضعة ، وإما قال : ثلاثة وخمسين ، أو اثنين وخمسين رجلاً ؟ ) كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في بضعة ، لأنَّه عدد مذكر ، وبالنصب على الحال من : خرجنا المذكور ، وإما : موطئة للشك ، وما بعدها معطوف عليها مشكوك فيه ، وقد وقع في بعض النسخ ، إما قال : بضع - بإسقاط الهاء - وبالرفع مع نصب : وخمسين ، وذلك لحن واضح ، والأول الصواب . و ( قول عمر : الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ ) نسبها إلى الحبشة لمقامها فيهم، وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قصد به المطايبة والمباسطة، فإنه كان قد علم من هي حين رآها . و ( قول عمر : سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منكم ) ، صدر هذا القول من عمر - رضي الله عنه - على جهة الفرح بنعمة الله ، والتحدُّث بها ، لما علم من عظيم أجر السَّابق للهجرة . ورفعه درجته على اللاحق ، لا على جهة الفخر والترفع ، فإنَّ عمر - رضي الله عنه - منزه عن ذلك ، ولما سمعت أسماء ذلك ، غضبت غضب منافسة في الأجر وغيره على جهة السَّبق ، فقالت : كذبت يا عمر ! أي : أخطأت في ظنك ، لا أنها نسبته إلى الكذب الذي يأثم قائله ، وكثيرًا ما يطلق الكذب بمعنى الخطأ ، كما قال عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - : كذب أبو محمد ، لما زعم أن الوتر واجب . و ( قولها : كلا والله ) أي : لا يكون ذلك ، فهي نفيٌ لما قال ، وزجر عنه ، وهذا أصل كلا ، وقد تأتي للاستفتاح بمعنى ألا . والبُعداء : جمع بعيد . والبغضاء : جمع بغيض ، كظريف وظرفاء ، وشريف وشرفاء . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ليس أحق بي منكم " ) يعني في الهجرة لا مطلقًا . وإلا فمرتبة عمر رضي الله عنه وخصوصية صحبته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معروفة بدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " له ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أهل السفينة هجرتان " . وسبب ذلك أن عمر وأصحابه هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة في طريق واحد ، وهاجر جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة ، وتركوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة ، ثم إنهم لما سمعوا بهجرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ابتدؤوا هجرة أخرى إليه ، فتكرر الأجر بحسب تكرار العمل والمشقة في ذلك . و ( قولها : يأتوني أرسالاً ) ، أي : متتابعين جماعة بعد جماعة ، وواحد الأرسال : رسل ، كأحمال جمع حمل . يقال : جاءت الخيل أرسالاً ، أي : قطعة قطعة ، ففيه قبول أخبار الآحاد ، وإن كان خبر امرأة ، وفيما ليس طريقا للعمل ، والاكتفاء بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع التمكن من الوصول إلى اليقين ، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم اكتفوا بخبرها ، ولم يراجعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شيء من ذلك ، وخبرها يفيد ظن صدقها ، لا العلم بصدقها ، فافهم هذا . و ( قولها : ما من الدنيا شيءٌ هُم أفرح به ، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) تعني : ما من الدنيا شيء يحصل به ثواب عند الله تعالى هو في نفوسهم أعظم قدرًا ، ولا أكثر أجرًا ، مما تضمنَّه هذا القول ، لأنَّ أصل أفعل أن تضاف إلى جنسها ، وأعراض الدنيا ليست من جنس ثواب الآخرة ، فتعين ذلك التأويل ، والله تعالى أعلم .
( 2316 ) [ 2230 ] وعَنْ أَنَس قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو : فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ يكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ . ( 2319 ) [ 2231 ] وعن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ . ( 2324 ) [ 2232 ] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا فَرُبَّمَا جَاؤوهُ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا . و ( قوله : " وكان ظئره قينا " ) الظئر : أصله اسم للمرضعة . ثم قد يقال على زوجها صاحب اللَّبن ذلك . قال الخليل : ويقال للمذكر والمؤنث . وقال أبو حاتم : الظُئْر من الناس والإبل : إذا عَطَفَت على ولد غيرها ، والجمع : ظُؤَار . وقال ابن السكيت : لم يأت فُعال بضم الفاء جمعًا إلا تُؤام جمع تَوْأَم ، وظؤار جمع ظئر ، وعراق جمع عرق ، ورُخال جمع رِخْل ، وفُرارٌ جمع فَرِير : وهو ولد الظبية . وغنمٌ رُبابٌ : جمع شاة رُبَّاء . قال ابن ولاد : وهي حديثة عهد بنتاج . وقال ابن الأنباري : تجمع الظئر : ظُؤَارًا ، أظؤرًا ، ولا يقال : ظؤرة . وحكى أبو زيد في جمعه : ظؤرة . قال الهروي : ولا يجمع على فُعْلةٍ إلا أربعة أحرف : ظِئْرٌ ، وظُؤرة ، وصاحبٌ ، وصحبة ، وفارِهٌ وفُرْهةٌ ، ورائق وروقة . وفي الصحاح : الظئر - مهموز - والجمع ظُؤار على فعال بالضم . وظؤور وأظآر . و " القين " : الحداد . و" القَيْن " : العبد . و" القيْنة " : الأمة ، مغنية كانت أو غير مغنية . وقد غلط من ظنها : المغنية فقط . والجمع : القيان . قال زهير : ردَّ القِيانُ جِمال الحيِّ فاحتَمَلُوا إلى الظَّهِيرة أَمر بينهم لَبِكُ قلت : وأصل هذه اللفظة من : اقتان النبت اقتنانًا ، أي : حَسُنَ ، واقتانت الروضة : أخذت زخرفها ، ومنه قيل للماشطة : قينة ، ومُقيِّنَة ، لأنَّها تزيِّن النساءَ ، شُبهت بالأمة ، لأنَّها تُصلح البيت وتزينه . و ( قوله : " إن إبراهيم ابني قد مات في الثدي " ) أي : في حال رضاعه ، أي : لم يكمل مدَّة رضاعه . قيل : إنه مات وهو ابن ستة عشر شهرًا ، وهذا القول : أخرجه فَرْط الشفقة والرحمة والحزن . و ( قوله : " إن له لظئرين يُكملان رضاعه في الجنة " ) هذا يدلُّ على أن حكمه حكم الشهيد ، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عليه رزقه بعد موته ، كما قد أجرى ذلك على الشهيد ، حيث قال : بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وعلى هذا : فمن مات من صغار المسلمين بوجه من تلك الوجوه السبعة التي ذكرنا أنها أسباب الشهادة كان شهيدًا ، ويلحق بالشهداء الكبار بفضل الله ورحمته إياهم ، وإن لم يبلغوا أسنانهم ، ولم يُكلَّفوا تكليفهم ، قتل من الصغار في الحرب كان حكمه : حكم الكبير فلا يغسَّل ، ولا يصلَّى عليه ، ويدفن بثيابه كما يفعل بالكبير . وموافقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن يطلب منه غمس يده في الماء ، وللجارية التي كلَّمته : دليل على كمال حسن خلقه وتواضعه ، وإسعاف منه لمن طلب منه ما يجوز طلبه ، وإن شق ذلك عليه ، ويحصل لهم أجرٌ على نيَّاتهم ، وبركة في أطعماتهم ، وقضاء حاجاتهم ، وقد كانت الأَمَة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت من المدينة ، وهذا كمالٌ لا يعرفه إلا الذي خصَّه به .
( 2223 ) ( 73 ) [ 2233 ] وعنه قَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُوَيْدك يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرْ الْقَوَارِيرَ، يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ . ( 2326 ) [ 2234 ] وعَنْه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً ، فَقَالَ : يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ حَاجَتَكِ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا . و ( قوله لأنجشة : " رويدك " ) أي : رفقك ، وهو منصوب نصب المصدر ، أي : ارفق رفقَكَ . وقوله في " الأم " : " ويحك يا أنجشة ! رويدًا سوقَكَ بالقوارير " ) ويحَ ، قال سيبويه : ويحك : زجر لمن أشرف على الهلاك . و" ويل " : لمن وقع فيه . وقال الفراء : ويح وويس بمعنى : ويل . وقال غيرهما : ويح : كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيرثى له ويرحم . وويل بضدِّه ، وويس : تصغير . قلت : وهي كلمات منصوبة بأفعال مقدَّرة لا يستعمل إظهارها . ويصح أن تكون رويدًا هنا : اسم فعل الأمر ، أي : ارود ، بمعنى : ارفق . و" سوقك " : مفعول به ، أو بإسقاط حرف الجر ، أي : في سوقك ، وقد قال بعض الناس : إن القوارير يراد بها هنا الإبل ، أمره بالرفق بها لئلا يعنف عليها في السير بطيب صوته فيهلكها ، وتفسير الراوي أولى من تفسير هذا المتأخر ، وقد تقدَّم أن الصحابي قال : يعني به ضعفة النساء ، وشبَّهَهُنَّ بالقوارير لسرعة تأثرهنَّ ، ولعدم تجلدهن ، فخاف عليهن من حث السير وسرعته سقوط بعضهن ، أو تألمهن بكثرة الحركة ، والاضطراب الذي يكون عن السرعة والاستعجال . وقيل : إنه خاف عليهن الفتنة ، وحسن الحدو وطيبه ، كما قد قال سليمان بن عبد الملك : يا بني أمية ! إياكم والغناء ، فإنَّه رُقْية الزنى ، فإنَّ كنتم ولا بدَّ فاعليه فجنبوه النساء .
( 13 ) باب في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان والعيال والرقيق ( 2317 ) [ 2228 ] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ، قَالُوا : لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَمْلِكُ أنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ؟! . وفي رواية : من قلبك. ( 2318 ) [ 2229 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ : إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ . ( 13 ) ومن باب : رحمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصبيان والعيال قوله : " وأملك أن كان الله نزع الرَّحمة من قلبك ؟! " كذا وقع هذا اللفظ محذوف همزة الاستفهام ، وهي مرادة ، تقديره : أو أملك ؟ وكذا جاء هذا اللفظ في البخاري بإثباتها ، وهو الأحسن ، لقلة حذف همزة الاستفهام . و" أن " مفتوحة ، وهي مع الفعل بتأويل المصدر ، تقديرها : أو أملك كون الله نزع الرَّحمة من قلبك ؟! وقد أبعد من كسرها ، ولم تصح رواية الكسر . ومعنى الكلام : نفي قدرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة . والرحمة في حقِّنا : هي رقَّة وحُنُوّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى ، أو ضعيف ، أو صغير ، يحمله على الإحسان إليه ، واللطف به ، والرفق ، والسعي في كشف ما به . وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله - عاقله وغير عاقله - فبها تعطف الحيوانات على نوعها ، وأولادها ، فتحنو عليها ، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها . وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف ، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه ، وتتم مصلحته ، وذلك تدبير اللطيف الخبير . وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في هذه الدار ، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة ، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها ، وشدائدها حتى يخلصَهم منها ، ويدخلهم في جنته ، وكرامته . ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف الحق ُ بها نفسه هي رقَّة وحُنُو ، كما هي في حقِّنا ، لأنَّ ذلك تغيُّر يوجب للمتصف به الحدوث ، والله تعالى منزه ومقدَّس عن ذلك ، وعن نقيضه الذي هو القسوة ، والغلظ ، وإنما ذلك راجعٌ في حقِّنا إلى ثمرة تلك الرأفة ، وفائدتها ، وفي اللطف بالمبتلى ، والضعيف ، والإحسان إليه ، وكشف ما هو فيه من البلاء ، فإذا هي في حقه سبحانه وتعالى من صفات الفعل لا من صفات الذات ، وهذا كما تقدَّم في غضبه تعالى ورضاه في غير موطن . وإذا تقرر هذا ، فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق ، وكشف ضر المبتلى ، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال ، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل ، ومن سلب الله ذلك المعنى منه ، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ ، ولم يلطف بضعيف ، ولا أشفق على مبتلى ، فقد أشقاه في الحال ، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل ، نعوذ بالله من ذلك ، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " الراحمون يرحمهم الرحمن " . وقال : " لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء " . وقال : " لا تنزع الرحمة إلا من شقي " ، وقال : " من لا يَرحم لا يُرحم " . وفي هذه الأحاديث ما يدلّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة ، والشفقة ، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة . وهذه القبلة هي على الفم ، ويكره مثل ذلك في الكبار ، إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول ، ولا يدل على شفقة . فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم . وأما تقبيل اليد فكرهه مالك ، ورآه من باب الكبر ، وإذا كان ذلك مكروهًا في اليد كان أحرى في الرِّجْل ، وقد أجاز تقبيل اليد والرِّجل بعض الناس ، مستدلاً بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورجليه حين سألوه عن مسائل ، فأخبرهم بها ، ولا حجة في ذلك ، لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نزهه الله عن الكبر ، وأمن ذلك عليه ، وليس كذلك غيره ، ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه ، واعتقادهم صدقه ، فأقرَّهم على ذلك ليتبين للحاضرين - بإذلالهم أنفسهم له - ما عندهم من معرفتهم بصدقه ، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد . ولو فهمت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أوَّل سابق إلى ذلك ، فيفعلون ذلك به دائمًا وفي كل وقت ، كما كانوا يتبركون ببزاقه ، ونخامته ، ويدلكون بذلك وجوههم ، ويتطيبون بعرقه ، ويقتتلون على وضوئه ، ولم يرو قطُّ عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدًا ولا رجلاً ، فصحَّ ما قلناه ، والله ولي التوفيق .
( 67 ) باب فضائل أبي سفيان بن حرب - رضي الله عنه - ( 2501 ) [ 2409 ] عن ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قَالَ : نَعَمْ ، عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ، وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ : نَعَمْ، قَالَ : وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ : نَعَمْ، قَالَ : وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ ، كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ : وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا قَالَ : نَعَمْ . ( 67 ) ومن باب : فضائل أبي سفيان بن حرب واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي ، وكان من أشراف قريش ، وساداتها ، وذوي رأيها في الجاهلية ، أسلم يوم فتح مكة ، وقد تقدَّم خبر إسلامه ، وشهد حنينًا ، وأعطاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غنائمها مائة بعير ، وأربعين أوقية وزنها له بلال . قال أبو عمر : واختلف في حسن إسلامه ، فطائفة تروي : أنه لما أسلم حسن إسلامه ، وذكروا عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل . يقول : يا نصر الله اقترب . وروي عنه أنه قال : فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول : يا نصر الله اقترب ، قال المسيب : فذهبت أنظر ، فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه . وقد روي : أن أبا سفيان كان يوم اليرموك يقف على الكراديس فيقول للناس : الله ! الله ! إنكم ذادةُ العرب ، وأنصار الإسلام ، وإنهم ذادة الروم ، وأنصار المشركين ، اللهم هذا يوم من أيامك ، اللهم أنزل نصرك على عبادك . وطائفة تروي : أنه كان كهفًا للمنافقين منذ أسلم ، وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة ، وكان إسلامه يوم الفتح كرهًا كما تقدَّم من حديثه ، ومن قوله في كلمتي الشهادة حين عرضت عليه : أما هذه ففي النفس منها شيء . وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال : فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان : إيه بني الأصفر ! و ( قول ابن عباس : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان بن حرب ولا يقاعدونه ) إنما كان ذلك لما كان من أبي سفيان من صنيعه بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالمسلمين في شركه ، إذ لم يصنع أحدٌ بهم مثل صنيعه ، ثم إنه أسلم يوم الفتح مكرهًا ، وكان من المؤلفة قلوبهم ، وكأنهم ما كانوا يثقون بإسلامه ، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في نفاقه . و ( قوله : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها ؟ قال : نعم ) الضمير في " أجمله " عائد على الجنس الذي دلَّ عليه العرب ، وأم حبيبة هذه اسمها رملة ، وقيل : هند ، والأول هو المعروف والصحيح ، وإنَّما هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان ، وأم معاوية . وظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح ابنته النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد إسلامه ، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ والأخبار ، فإنَّهم متفقون على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح ، وقبل إسلام أبيها ، وإنَّ أبا سفيان قدم قبل الفتح المدينة طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته ، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزعته من تحته ، فكلمها في ذلك ، فقالت : إنَّه بساط رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنت مشرك ! فقال لها : يا بنية لقد أصابك بعدي شر ، ثم طلب من علي ، ومن فاطمة ومن غيرهما أن يكلموا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصلح ، فأبوا عليه ، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل ، وكل ذلك معلوم لا شك فيه ، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تزوج أم حبيبة ، وهي بأرض الحبشة ، وذلك أنها كانت تحت عبد الله بن جحش الأسدي ، أسد خزيمة ، فولدت له حبيبة التي كنيت بها ، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة ، ثم إن زوجها تنصَّر هناك ، ومات نصرانيًّا ، ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطبها وهي بأرض الحبشة فبعث شرحبيل بن حسنة إلى النجاشي في ذلك . روى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن عمرو : أن أم حبيبة قالت : ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال له : أبرهة ، كانت تقوم على ثيابه ودهنه ، فاستأذنت عليَّ فأذنت لها ، فقالت : إن الملك يقول لك : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب أن أزوِّجَكِهِ ، فقلت : بشرك الله بخير ، وقالت : يقول لك الملك : وكلي من يزوجك ، فأرسلتُ إلى خالد بن سعيد فوكلته ، وأعطيتُ أبرهة سوارين من فضة كانتا علي ، وخواتم فضة كانت في أصابعي سرورًا بما بشرتني به ، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ، ومن هناك من المسلمين يحضرون ، وخطب النجاشي فقال : الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ، أما بعد : فإنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب إلي أن أزوَّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد أصدقتها أربعمائة دينار ، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم ، فتكلم خالد بن سعيد ، فقال : الحمد لله أحمده وأستعينه ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ، أما بعد : فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فبارك الله لرسوله . ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد ، فقبضها ، ثم أرادوا أن يقوموا فقال : اجلسوا فإنَّ سنة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج ، فدعا بطعام فأكلوا ، ثم تفرَّقوا . قال الزبير : قدم خالد بن سعيد ، وعمرو بن العاص بأم حبيبة من أرض الحبشة عام الهدنة . وقال بعض الرواة : إنما أصدقها أربعة آلاف درهم ، وأن عثمان بن عفان هو الذي أولم عليها ، وأنه هو الذي زوَّجها إياه ، وقيل : زوَّجها النجاشي . قلت : ويصح الجمع بين هذه الروايات، فتكون الأربعمائة دينار صرفت، أو قوِّمت بأربعة آلاف درهم، وأن النجاشي هو الخاطب، وعثمان هو العاقد، وسعيد الوكيل ، فصحَّت نسبة التزويج لكلهم ، وهذا هو المعروف عند جمهور أهل التواريخ والسِّير ، كابن شهاب ، وابن إسحاق ، وقتادة ، ومصعب ، والزبير وغيرهم . وقد روي عن قتادة قول آخر : أن عثمان بن عفان زوَّجها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة بعدما قدمت من أرض الحبشة . قال أبو عمر : والصحيح الأول ، وروي أن أبا سفيان قيل له وهو يحارب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن محمدًا قد نكح ابنتك ! فقال : ذلك الفحل الذي لا يقدع أنفه . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : تزوَّج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم حبيبة سنة ست من التاريخ ، قال غيره : سنة سبع ، قال أبو عمر : توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين . قلت : فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ متقدِّم على إسلام أبيها أبي سفيان ، وعلى يوم الفتح ، ولما ثبت هذا تعيَّن أن يكون طلب أبي سفيان تزويج أم حبيبة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد إسلامه خطأ ووهمًا ، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار . قال أبو الفرج الجوزي : اتهموا به عكرمة بن عمار ، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد ، وأحمد بن حنبل ، ولذلك لم يُخرَّج عنه البخاريُّ ، وإنَّما أخرج عنه مسلم ، لأنَّه قد قال فيه يحيى بن معين : هو ثقة . وقال أبو محمد علي بن أحمد الحافظ : هذا حديث موضوع ، لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، قال بعضهم : ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أريد أن تؤمرني . فقال له : " نعم " . ولم يسمع قط أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمَّر أبا سفيان على أحد إلى أن توفي ، فكيف يخلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوعد ؟ هذا ما لا يجوز عليه . قلت : قد تأوَّل بعض من صحَّ عنده ذلك الحديث ، بأن قال : إن أبا سفيان إنما طلب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه أن ذلك يصح ، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية ، لحداثة عهده بالإسلام ، واعتذر عن عدم تأميره مع وعده له بذلك ، لأنَّ الوعد لم يكن مؤقتًا ، وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسر له ذلك إلى أن توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لعلَّه ظهر له مانع شرعي منعه من توليته الشرعية ، وإنَّما وعده بإمارة شرعية فتخلَّف لتخلُّف شرطها ، والله تعالى أعلم .
( 2498 ) [ 2406 ] وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ . قَالَ : فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ ؛ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : يَا عَمِّ ، مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ : إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي ، تَرَاهُ ذَاكَ الَّذِي رَمَانِي ؟ قَالَ أَبُو مُوسَى : فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا ، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ : أَلَا تَسْتَحيِ؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثْبُتُ ؟ فَكَفَّ ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ ، فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَقُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ ! قَالَ : فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ ! فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ اسْتَغْفِرْ لِي ! قَالَ : وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ عَلَيْهِ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ : قَالَ : قُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرْ لِي . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ - أَبِي عَامِرٍ - حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ - أَوْ مِنْ النَّاسِ ، فَقُلْتُ : وَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَغْفِرْ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا . قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : إِحَدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ ، وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى . و ( قول أبي عامر " إن ذاك قاتلي ، تراه ذاك الذي رماني ؟ " ) ، كذا الرواية الصحيحة " تراه " بالتاء باثنتين من فوقها ، والكلام كله لأبي عامر ، وكأن الذي رمى أبا عامر كان قريبًا منهما ، فأشار إليه بذلك مرتين تقريبًا له ، وأكد ذلك بقوله " تراه " ، فكأنه قال : الذي تراه ، ووقع في بعض النسخ ذلك بلام البعد ، وفيه بعد ، وقرأه بالفاء ، فكأنه من قول الراوي خبرًا عن أبي موسى أنه رأى القاتل ، والأول أصح . و ( قوله : فنزا منه الماء ) ؛ أي : خرج الماء بسرعة إثر خروج السهم ، وأصل النزو : الارتفاع والوثب . و ( قوله : واستعملني عامر على الناس ) فيه ما يدلّ على أن الوالي إذا عرض له أمر جاز أن يستنيب غيره . و ( قوله : فوجدته على حصير مُرْمل ، قد أثر رمال الحصير في ظهره ) صحيح الرواية فيه " مرمل " بضم الميم الأولى ، فسكَّن الراء ، مفتوح الميم الثانية . وهو من أرملت الحصير إذا شققته ونسجته بشريط أو غيره ، قال الشاعر : إذ لا يَزال عَلَى طَرِيق لاحِبً وكأن صَفحَتَه حَصِيرٌ مُرْمَلُ ويقال : رملت الحصير أيضًا - ثلاثيًّا ، ورمال الحصير : هو ما يؤثر منه في جنب المضطجع عليه . و ( قوله : وعليه فراش ) كذا صحَّت الرواية بإثبات الفراش ، وقال القابسي : الذي أعرف " وما عليه فراش " . قلت : وأستبعَدَ أن يكون عليه فراش ويؤثر في ظهره ، وإنَّما يستبعد ذلك إذا كان الفراش كثيفًا وثيرًا ، ولم يكن فراش النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك ، فلا يستبعد . و ( قوله : فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بماء فتوضَّأ منه ، ثم رفع يديه ) ، ظاهر هذا الوضوء أنه كان للدُّعاء ، إذ لم يذكر أنه صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء ، ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء ولذكر الله كما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة " . و ( قوله " ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه " ) دليل على استحباب الرفع عند الدعاء ، وقد فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك يوم بدر وفي الاستسقاء ، وقد رويت كراهية ذلك عن مالك ، ويمكن أن يقال : إنما كره أن يُتَّخذ ذلك سُنَّة راتبة على أصله في هذا الباب أو مخافة أن يعتقد الجهَّال مكانًا لله تعالى ، والذي يزيل هذا الوهم أن يقال : لا يلزم من مدِّ الأيدي إلى السماء أن يكون مكانًا لله ولا جهة ، كما لا يلزم من استقبال الكعبة أن يكون الله تعالى فيها ، بل السماء قبلة الدُّعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة ، والباري تعالى منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات ، إذ ذاك من لوازم المحدثات ، ولقد أحسن من قال : لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا ، ولو كان على شيء لكان محمولاً ، ولو كان من شيء لكان محدثًا . وقد حصل أبو موسى على مثل ما حصل لعمه أبي عامر من استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزاده " وأدخله مدخلاً كريمًا " ليلحقه بمنزلة أبي عامر في الجنة لأنه قتل قاتله ، والله تعالى أعلم .
( 2499 ) [ 2407] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ، وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ - أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ - قَالَ لَهُمْ : إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم " إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل " ) ، كذا صحَّت الرواية فيه بالدال المهملة والخاء المعجمة ، من الدخول ، وقد رواه بعضهم " يرحلون " بالراء والحاء المهملة ، من الرحيل . قال بعض علمائنا : وهو الصواب - يشير إلى أنهم كانوا يلازمون قراءة القرآن في حال رحيلهم وفي حالة نزولهم ، وكأن الأشعريين كثير فيهم قراءة القرآن بسبب أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، فإنَّه كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن ، فكان يقرأ لهم فتطيب لهم قراءته فيتعلموا منه القرآن ، وأحبُّوه فلازموه ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم " ) ، وحكيم بمعنى محكَّم ، ويعني به هنا أنه محكم لأمور الفروسية والشجاعة ، ولذلك سبق قومه إلى العدو ، كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين ركب فرس أبي طلحة واستبرأ خبر العدو ثم رجع ، فلقي أصحابه خارجين فأخبرهم بأنهم لا روع عليهم . وقد يجوز أن يكون ذلك الحكيم هو أبو موسى أو أبو عامر ، ويكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال هذا قبل قتله ، والله تعالى أعلم .
( 2500 ) [ 2408 ] وعنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم ثم اقتسموه " ) ، هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار والمواساة عند الحاجة ، كما دلَّ الحديث المتقدِّم على أن الغالب عليهم القراءة والعبادة ، فثبت لهم بشهادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّهم علماء عاملون كرماء مؤثرون . ثم إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرَّفهم بإضافتهم إليه ، ثم زاد في التشريف بأن أضاف نفسه إليهم ، ويمكن أن يكون معنى " هم مني " : فعلوا فعلي من القراءة والعبادة والكرامة ، و " أنا منهم " : أفعل من ذلك ما يفعلون ، كما قال بعض الشعراء : وَقُلْتُ أَخِي قالُوا أَخٌ وكرامةٌ فَقُلتُ لَهُم إنَّ الشُّكُول أقارِبُ نَسِيبي في رَأيي وعَزمِي ومَذهَبي وإن خالفَتنا في الأمُورِ المَناسِبُ
( 66 ) باب في فضائل أبي موسى الأشعري والأشعريين ( 2497 ) [ 2405] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْشِرْ ! فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ ! فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى ، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا ! فَقَالَا : قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ : اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا ، وَأَبْشِرَا ! فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ : أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا ! فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً . ( 66 ) ومن باب فضائل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه واسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة المشددة ، ويقال حِضَار بكسر الحاء وتخفيف الضاد ، من ولد الأشعر وهو نبتُ بن أدد ، وقيل : من ولد الأشعر بن سبأ أخي حمير . قال أبو عمر : ذكرت طائفة أن أبا موسى قدم مكة فحالف سعيد بن العاصي ، ثم أسلم بمكة ، ثم هاجر إلى أرض الحبشة ، ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخيبر . وقال أبو بكر بن عبد الله بن الجهم - وكان علامة نسَّابة : ليس كذلك ، ولكنه أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه ، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين - جعفر وأصحابه - من أرض الحبشة ، ووافوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخيبر . قال أبو عمر : وإنما ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة لأنَّه نزل أرضهم في حين إقباله مع سائر قومه ، رمت الريح سفينتهم إلى الحبشة فبقوا فيها ، ثم خرجوا مع جعفر وأصحابه ؛ هؤلاء في سفينة وهؤلاء في سفينة ، فوافوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين افتتح خيبر ، فقيل : إنه قسم لأهل السفينتين ، وقيل : لم يقسم لهم . ثم ولَّى عمر بن الخطاب أبا موسى البصرة إذ عزل عنها المغيرة في وقت الشهادة عليه ، وذلك سنة عشرين ، فافتتح أبو موسى الأهواز ، ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ثم عزله عنها وولاها عبد الله بن عامر بن كرز ، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة وسكنها ، ثم لما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاصي ولَّوا أبا موسى ، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقرَّه ، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان واستخلف عليّ فعزله عنها . قال أبو عمر : فلم يزل واجدًا منها على علي ، ثم كان من أبي موسى بصفين وفي التحكيم ما كان ، وكان متحرفًا على عليٍّ لأنَّه عزله ولم يستعمله ، وغلبه أهل اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجر لهم ، ثم انقبض أبو موسى إلى مكة ومات بها ، وقيل : مات بالكوفة في داره بجانب المسجد . واختلف في وقت وفاته ؛ فقيل : سنة اثنتين وأربعين ، وقيل : سنة أربع وأربعين ، وقيل : سنة خمسين ، وقيل : سنة اثنتين وخمسين . وكان رضي الله عنه من أحسن الناس صوتًا بالقرآن ، ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود " ، وسئل علي رضي الله عنه عن موضع أبي موسى من العلم فقال : صبغ في العلم صبغة . وروى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ستمائة وستين حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وستون حديثًا . و ( قول الأعرابي " أكثرتَ عليَّ من أبشر ! ) قول جلف جاهل بحال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبقدر البشرى التي بشَّره بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو قبلها ، لكنها عرضت عليه فحرمها وقضيت لغيره فقبلها . والبشرى : خبر بما يسر ، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تظهر السرور في بشرة المبشر ، وأصله في الخير ، وقد يقال في الشر توسُعًا كما قال الله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وفيه ثلاث لغات : أبشر - رباعيًّا ، فتقول : أبشرته أبشره إبشارًا ، ومنه : وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وبشَّر - مشددًا - يُبشِّر تبشيرًا ، ومنه قوله تعالى : فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ والثالثة : بَشَرْتُ الرجل - ثلاثيًّا مفتوح العين - أبشره بالضم بُشرًا بالسكون وبُشُورًا ، والاسم البشارة بكسر الباء وضمها . والبشرى تقتضي مُبَشَّرًا به ، فإذا ذكر تعيَّن ، وإذا سكت عنه صلح أن يراد به العموم . و ( قول النبي صلى الله عليه وسلم " أبشر " ) ولم يذكر له عين ما بشره به ؛ لأنَّه - والله أعلم - قصد تبشيره بالخير على العموم الذي يصلح لخير الدنيا والآخرة ، ولما جهل ذلك ردَّه لحرمانه وشقوته ، ولما عرض ذلك على من عرف قدره بادر إليه وقبله ، فنال من البشارة الخير الأكبر والحظَّ الأوفر ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ غسل وجهه في الماء وبصق فيه وأمره بشرب ذلك والتمسح به مبالغة في إيصال الخير والبركة لهما ، إذ قد ظهرت بركته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما لمسه أو باشره أو اتصل به منه شيء ، ولما تحققت أم سلمة ذلك سألتهما أن يتركا لها فضلة من ذلك ليصيبها من تلك البشرى ومن تلك البركة حظٌّ . وفيه ما يدل على جواز الاستشفاء بآثار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبكلماته ودعواته ، وعلى جواز النشرة بالماء الذي يرقى بأسماء الله تعالى وبكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم ذكر الخلاف في النشرة في كتاب الطب . وأوطاس : موضع قريب من حنين . وبعث أبي عامر إنما كان لتتبع منهزمة هوازن بحنين ، ويُسمَّى خيله خيل الطلب ، وأبو عامر هذا اسمه عبيد بن سليم بن حضَّار الأشعري ، وكان أبو عامر هذا من كبار الصحابة ، عقد له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لواءً يوم ولاه على هذا الجيش ، وختم الله تعالى له بالشهادة وبدعاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمغفرة .
( 65 ) باب قصة حاطب بن أبي بلتعة وفضل أهل بدر وأصحاب الشجرة ( 2494 ) [ 2402 ] عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ : ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ؛ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ ، فَخُذُوهُ مِنْهَا. فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ ! فَقَالَتْ : مَا مَعِي كِتَابٌ ! فَقُلْنَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ ! فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا حَاطِبُ ، مَا هَذَا ؟ قَالَ : لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ ! فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ! فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قد اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ وفي رواية : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ . ( 2495 ) [ 2403 ] وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبْتَ ، لَا يَدْخُلُهَا ؛ فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ! ( 65 ) ومن باب : فضائل أهل بدر والحديبية وحاطب بن أبي بلتعة واسمه عمرو بن راشد ، من ولد لخم بن عدي ، يكنى أبا عبد الله ، وقيل : أبا محمد ، وهو حليف للزبير بن العوَّام ، وقيل : لبني أسد ، وقيل : كان عبدًا لعبيد الله بن حميد ، كاتبه فأدى كتابته يوم الفتح ، شهد بدرًا والحديبية ، مات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة ، وصلَّى عليه عثمان ، وقد شهد له بالإيمان في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ وقد شهد له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإيمان والصدق وبأنه لا يدخل النار على ما تضمَّنه الحديثان المذكوران في الأم . وروضة خاخ : موضع معروف قريب من المدينة . والظعينة : الهودج كان فيه امرأة أو لم يكن ، وتسمَّى المرأة ظعينة إذا كانت في الهودج ، وتجمع الظعينة : ظُعْنٌ وظُعُنٌ وظعائن وأظعان . والعِقَاص : الشعر المعقوص ، أي المضفور . والملصق في القوم : هو الذي لا نسب له فيهم ، وهو الحليف والنزيل والدَّخيل . و ( قوله " وكان ممن معك " ) ، كذا وقع هذا اللفظ " ممن " بزيادة " من " ، وفي بعض النسخ " من معك " بإسقاط " من " وهو الصواب ؛ لأنَّ " من " لا تزاد في الواجب عند البصريين وأكثر أهل اللسان ، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين . و ( قول عمر رضي الله عنه " دعني أضرب عنق هذا المنافق " ) ، إنما أطلق عليه اسم النفاق لأنَّ ما صدر منه يشبه فعل المنافقين ، لأنَّه والى كفار قريش وباطنهم وهمَّ بأن يطلعهم على ما عزم عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غزوهم ، مع أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد كان دعا فقال : " اللهم أخف أخبارنا عن قريش "، لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه ولا ارتد عن دينه ، وإنما تأوَّل فيما فعل من ذلك أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يضر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويخوِّف قريشًا . ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنهم لا طاقة لهم به ، يخوِّفهم بذلك ليخرجوا عن مكة ويفرُّوا منها ، وحسَّن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله وولده ، إذ هم قطعة من كبده ، ولقد أبلغ من قال : قلَّما يفلح من كان له عيال . لكن لطف الله به ونجَّاه لما علم من صحَّة إيمانه وصدقه ، وغفر له بسابقة بدر وسَبقه . و ( قوله صلى الله عليه وسلم " وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ) ، معنى " يدريك " : يعلمك ، ولعل : للترجي ، لكن هذا الرجاء محقق للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدليل ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدر في آل عمران والأنفال من ثنائه عليهم وعفوه عنهم ، وبدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للذي قال في حاطب إنه يدخل النار وأقسم عليه : " كذبت ، لا يدخلها ؛ فإنَّه شهد بدرًا ! " ، فهذا إخبار محقق لا احتمال فيه ولا تجوُّز ، وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم " اعملوا ما شئتم " إباحة كل الأعمال والتخيير فيما شاؤوا من الأفعال ، وذلك في الشريعة محال ؛ إذ المعلوم من قواعدها أن التكليف بالأوامر والنواهي متوجهة على كل من كان موصوفًا بشرطها إلى موته ، ولما لم يصح ذلك الظاهر اضطر إلى تأويله فقال أبو الفرج الجوزي : ليس قوله " اعملوا ما شئتم " للاستقبال ، وإنَّما هي للماضي ، وتقديره : أيُّ عمل كان لكم فقد غفرته . قال : ويدلّ على ذلك شيئان ؛ أحدهما : أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر . والثاني : أنه كان يكون إطلاقًا في الذنوب - ولا وجه لذلك ، ويوضح هذا أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد ، فقال عمر : يا حذيفة ، هل أنا منهم ؟ قلت : وهذا التأويل وإن كان حسنًا غير أن فيه بُعدا ، تبيينه أنَّ " اعملوا " صيغته صيغة الأمر ، وهي موضوعة للاستقبال ، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة ، هكذا نص عليه النحويون ، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنما هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي ، فتدبَّر هذا فإنه حسن ، وقد بينته في الأصول بأشبع من هذا ، واستدلاله على ذلك بقوله " فقد غفرت لكم " ليس بصحيح ؛ لأنَّ " اعملوا ما شئتم " يستحيل أن يحمل على طلب الفعل ، ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي لما ذكرناه ، فتعيَّن حمله على الإباحة والإطلاق ، وحينئذ يكون خطاب إنشاء ، فيكون كقول القائل : أنت وكيلي ، وقد جعلت لك التصرف كيف شئت - فإنَّ ذلك إنما يقتضي إطلاق التصرف في وقت التوكيل لا قبل ذلك ، وقد ظهر لي وجه آخر وأنا أستخير الله فيه وهو : أن الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا بها لأن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم ، لا أنهم نُجِّزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة ، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع ، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك الشيء ، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها ، وكذلك القضاء وغيره ، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب ، وعلى هذا يخرج حال كل من بشَّره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه مغفورٌ له وأنه من أهل الجنة ، فيتضمَّن ذلك مغفرة ما مضى وثبوت الصلاحية للمغفرة والجنة بالنسبة لما يستقبل . ولذلك لم يزل عن أحد ممن بُشِّر بالمغفرة أو بالجنة خوف التبديل والتغيير من المؤاخذة على الذنوب ولا ملازمة التوبة منها والاستغفار دائمًا ، ثم إن الله تعالى أظهر صدق رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك ، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك ، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها ، يعلم ذلك قطعًا من أحواله من طالع سيرهم وأخبارهم . وفي حديث حاطب هذا أبواب من الفقه وأدلَّة على صحة نبوة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى فضائل أهل بدر وحاطب بن أبي بلتعة ، فمن جملة ما فيه من الفقه : أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا ، وأن المتأوِّل أعذر من العامد ، وقبول عذر الصادق ، وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضرورة - ففي بعض رواياته أنهم فتشوا من المرأة كل شيء حتى قبلها . ومنه ما يدلُّ على أن الجاسوس حكمه بحسب ما يجتهد فيه الإمام على ما يقوله مالك ، وقال الأوزاعي : يعاقب ، وينفى إلى غير أرضه . وقال أصحاب الرأي : يعاقب ويسجن . وقال الشافعي : إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عفي عنه ، وإلا عُزِّر . وجميع أهل بدر ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً باتفاق أئمة السير والتواريخ ، واختلف في طائفة نحو الخمسة هل شهدوها أم لا ؟ وتفصيل ذلك في كتب السِّير .
( 2496 ) [ 2404 ] وعن أُمُّ مُبَشِّرٍ قالت : سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ : لَا يَدْخُلُ النَّارَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ - الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ، قَالَتْ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ : ألم يقل الله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وقَدْ قَالَ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا و ( قوله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد - الذين بايعوا تحتها " ) ، هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وكانت بالحديبية التي تقدم ذكرها . والمبايعون تحتها كانوا ألفًا وأربعمائة ، وقيل : وخمسمائة - كانوا بايعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الموت أو على ألا يفرُّوا ، على خلاف بين الرواة . ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صالح أهل مكة ، وكفى الله المؤمنين القتال وأحرز لهم الثواب ، وأثابهم فتحًا قريبًا ورضوانًا عظيمًا . واستثناؤه ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا بقوله " إن شاء الله " استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله بقوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وبغير ذلك ، وصار هذا الاستثناء كقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ و ( قول حفصة " بلى " ) قول أخرجه منها الشهامة النفسية والقوة العمرية ، فإنَّها كانت بنت أبيها ، وهذا من نحو قول عمر رضي الله عنه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنافقين : أتصلي عليهم؟ وتمسكها بعموم قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا دليلٌ على أن " منكم " للعموم عندهم وأن ذلك معروف من لغتهم ، وانتهار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها تأديب لها وزجر عن بادرة المعارضة وترك الحرمة ، ولما حصل الإنكار صرحت بالاعتذار فذكرت الآية ، وحاصل ما فهمت منها أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة " بعموم قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وكأنها رجَّحت عموم القرآن فتمسكت به ، فأجابها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن آخر الآية يبيِّن المقصود ، فقرأ قوله تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول ، لكنه دخول عبور ، فينجو من اتقى ، ويترك فيها من ظلم ، وبيان ذلك أن جهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة ، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم ، فلا بدَّ لكل من ضمَّه المحشر من العبور عليه ؛ فناج مُسَلَّم ، ومخدوش مرسل ، ومكردسٌ في نار جهنم - كما تقدَّم ، وهذا قول الحسن وقتادة ، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة والنظر المستقيم . والورود في أصل اللغة الوصول إلى الماء ، وإنَّما عبَّر به عن العبور لأنَّ جهنم تتراءى للكفار كأنها سراب فيحسبونه ماء، فيقال لهم : ألا تردون ؟ كما صحَّ في الأحاديث المتقدمة . وفي حديث حفصة هذا أبواب من الفقه ؛ منها : جواز مراجعة العالم على جهة المباحثة ، والتمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل بل الاعتقاد ومقابلة عموم بعموم ، والجواب بذكر المخصَّص ، وتأديب الطالب عند مجاوزة حدِّ الأدب في المباحثة . والمتقي : هو الحذر من المكروه الذي يتحرز منه بإعداد ما يتقى به . ونذر : نترك . والظالم هنا : هو الكافر ؛ لأنَّه وضع الإلهية والعبادة في غير موضعهما . وجثيًا : جمع جاث ، وأصله : الجالس على ركبتيه ، والمراد به ها هنا المكبوب على وجهه وهو المكردس المذكور في الحديث ، والله تعالى أعلم .
( 2321 ) [ 2236 ] عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال : لَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا . وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا . ( 2322 ) ( 69 ) [ 2237] وعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : نَعَمْ كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . و " الفاحش " : هو المجبول على الفحش ، وهو : الجفاء في الأقوال والأفعال . و" المتفحش " : هو المتعاطي لذلك ، والمستعمل له . وقد برأ الله تعالى نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن جميع ذلك ونزَّهه ، فإنَّه كان رحيمًا ، رفيقًا ، لطيفًا ، سمحا ، متواضعًا ، طَلِقًا ، برًّا ، وصولاً ، محبوبًا ، لا تقتحمه عين ، ولا تمُّجه نفسٌ ، ولا يصدر عنه شيء يكره - صلى الله عليه وسلم - وشرَّف ، وكرَّم . و ( قوله : " إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا " ) هو جمع أحسن على وزن أفعل التي للتفضيل ، وهي إن قرنت بـ " من " كانت للمذكر ، والمؤنث ، والاثنين ، والجمع ، بلفظ واحد . وإن لم تقترن بـ " من " وعرفتها بالألف واللام ذكرت ، وأنثت وثنيت ، وجمعت . وإذا أضيفت : ساغ فيها الأمران ، كما جاء هنا : " أحاسنكم " وكما قال تعالى : أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا وقد قال تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وقد روي هذا الحديث : " أحسنكم " موحَّدًا . و" الأخلاق " : جمع خُلُق ، وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي بها يعامل غيره ، ويخالطه ، وهي منقسمة : إلى محمود ومذموم . فالمحمود منها : صفات الأنبياء ، والأولياء ، والفضلاء ، كالصبر عند المكاره ، والحلم عند الجفاء ، وتحمل الأذى ، والإحسان للنَّاس ، والتودُّد لهم ، والمسارعة في حوائجهم ، والرحمة ، والشفقة ، واللطف في المجادلة ، والتثبت في الأمور ، ومجانبة المفاسد والشرور . وعلى الجملة : فاعتدالها أن تكون مع غيرك على نفسك ، فتنصف منها ، ولا تنتصف لها ، فتعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك . والمذموم منها : نقيض ذلك كله . وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم بزيادة حسنة ، فقال : " خياركم أحاسنكم أخلاقًا ، الموطَّؤون أكنافًا ، الذين يألفون ويؤلفون " . فهذه الخلق ، وهؤلاء المتخلقون . وقد قدَّمنا في غير موضع : أن أصل الخلق جبلَّة في نوع الإنسان ، غير أن الناس في ذلك متفاوتون ، فمن الناس من يغلب عليه بعضها ويقف عن بعضها ، وهذا هو المأمور بالرِّياضة والمجاهدة حتى يقوى ضعيفها ، ويعتدل شاذُّها ، كما هو مفصل في كتب الرياضات . وقد تقدَّم الكلام على كونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يجلس في مصلاَّه حتى تطلع الشمس .
( 14 ) باب في شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية ضحكه ( 2320 ) ( 67 ) [ 2235] عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ . ( 14 ) ومن باب شدَّة حياء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحُسن خُلُقه " الحياء "- ممدود - : انقباض يجده الإنسان من نفسه يحمله على الامتناع من ملابسة ما يعاب عليه ، ويُستقبح منه ، ونقيضه الصَّلَبُ : وهو التَّصَلُّبُ في الأمور ، وعدم المبالاة بما يستقبح ويعاب عليه منها ، وكلاهما جبلي ومكتسب ، غير أن الناس منقسمون في القدر الحاصل منهما ، فمن الناس من جبل على الكثير من الحياء ، ومنهم من جبل على القليل منه ، ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب ، وكذلك أهل القليل ، فقد يكبر أحد النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم . ثم هذا الجبلِّي سبب في تحصيل المكتسب ، وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جبل من الحياء على الحظ الأوفر ، والنصيب الأكثر ، ولذلك قيل فيه : إنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها ، ثم إنه كان يأخذ نفسه بالحياء ويستعمله ، ويأمر به ، ويحضُّ عليه ، فيقول : " الحياء من الإيمان " . و" الحياء لا يأتي إلا بخير " . و" الحياء خير كله " . ويقول لأصحابه : " استحيوا من الله حق الحياء " . وكان يُعرف الحياء في وجهه لما يظهر عليه من الخفر والخجل . وكان إذا أراد أن يَعتِب رجلاً معينًا أعرض عنه ، ويقول : " ما بال رجال يفعلون كذا " ، ومع هذا كله فكان لا يمنعه الحياء من حقٍّ يقوله ، أو أمر ديني يفعله ، تمسُّكًا بقول الحق : وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وهذا هو نهاية الحياء ، وكماله ، وحسنه ، واعتداله ، فإنَّ من يفرط عليه الحياء حتى يمنعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق ، واستحيا من الخلق ، ومن كان هكذا فقد حرم نافع الحياء ، واتصف بالنفاق والرياء ، والحياء من الله هو الأصل والأساس ، فإنَّ الله تعالى أحق أن يستحيا منه من الناس . و " العذراء " : البكر التي لم تنتزع عذرتها . و" الخدر " : أصله الهودج ، وهو هنا : كناية عن بيتها الذي هي ملازمة له إلى أن تخرج منه إلى بيت زوجها .
( 2493 ) [ 2400 ] وعن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ . و ( قول عائشة رضي الله عنها " ألا يعجبك " ) هو بضم الياء وفتح العين وكسر الجيم مشددة ، ومعناه : ألا يحملك على التعجب النظر في أمره ؟ قالت هذا منكرة عليه إكثاره من الأحاديث في المجلس الواحد ، ولذلك قالت في غير هذه الرواية : " إنما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُحدِّثُ حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه " ، تعني أنه كان يحدِّث حديثًا قليلاً ، ويحتمل أن تريد بذلك أنه كان يحدِّث حديثًا واضحًا مبينًا بحيث لو عُدَّت كلماته أحصيت لقلِّتها وبيانها ، ويدلّ على صحة هذا التأويل قولها " ما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسرد الحديث سردكم هذا " . والصَّفق بالأسواق : التجارة فيها ، وقد تقدَّم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي فيصفق أحدهما في كف الآخر ، فإذا فعلوا ذلك وجب البيع ، فسمِّي البيع صفقًا بذلك ، وقد تقدم هذا . والسُّبحة : النافلة ، وأُسَبِّح : أُصَلِّي - مأخوذ من التسبيح .
( 64 ) باب فضائل أبي هريرة رضي الله عنه ( 2491 ) [ 2399 ] عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي ، فقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ! فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ : مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ . قَالَ : فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتْ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ! قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْشِرْ ! قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا ! قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمْ الْمُؤْمِنِينَ ! فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي . ( 64 ) ومن باب : فضائل أبي هريرة رضي الله عنه اختلف في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافًا كثيرًا ، انتهت أقوال النقلة في ذلك إلى ثمانية عشر قولاً ، وأشبه ما فيها أن يقال إنه كان له في الجاهلية اسمان : عبد شمس ، وعبد عمرو - وفي الإسلام : عبد الله ، وعبد الرحمن بن صخر . وقد اشتهر بكنيته حتى كأنه ما له اسم غيرها ، فهي أولى به ، وكنِّي بأبي هريرة لأنَّه وجد هرَّة صغيرة فحملها في كمِّه ، فكُنِّي بها وغلب ذلك عليه ، وقيل : إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كناه بذلك عندما رآه يحملها . أسلم أبو هريرة عام خيبر ، وشهدها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم لازمه وواظب عليه رغبة في العلم راضيًا بشبع بطنه ، فكانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يدور معه حيثما دار ، فكان يحضر ما لا يحضره غيره ، ثم اتفق له أن حصلت له بركة دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الثوب الذي ضمَّه إلى صدره ، فكان يحفظ ما سمعه ولا ينساه ، فلا جرم حفظ له من الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم يحفظ لأحد من الصحابة رضي الله عنهم ، وذلك خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ستمائة وتسعة أحاديث ، قال البخاري : روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صحابي وتابعي . قال أبو عمر : استعمله عمر على البحرين ثم عزله ، ثم أراده على العمل فأبى عليه ، ولم يزل يسكن المدينة ، وبها كانت وفاته سنة سبع وخمسين ، وقيل : سنة ثمان ، وقيل : سنة تسع ، وقيل : توفي بالعقيق - وصلَّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان أميرًا يومئذ على المدينة ومروان معزول ، وكان رضي الله عنه من علماء الصحابة وفضلائها ناشرًا للعلم شديد التواضع والعبادة ، عارفًا لنعم الله شاكرًا لها ، مجتهدًا في العبادة . كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا ؛ يصلِّي هذا ثم يوقظ هذا ، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا ، وكان يقول : نشأت يتيمًا ، وهاجرت مسكينًا ، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي ، فكنت أخدم إذا نزلوا ، وأحدو إذا ركبوا ، فزوَّجنيها الله ، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا . حديث إسلام أمه ليس فيه شيء يشكل .
( 2492 ) [ 2401 ] وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ ! وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ : مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ ! وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ ؛ إِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا ، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا : أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ ؟ فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي ، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ . وفي رواية : إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . و ( قول أبي هريرة رضي الله عنه : يقولون قد أكثر أبو هريرة والله الموعد " ، أي : الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصَّادق ، فيجازي كُلاًّ على قوله وفعله . و ( قوله " يقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه " ) ، هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة رضي الله عنها ، فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث ، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا ، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب لا إنكار تهمة ولا تكذيب لما يعلم من حفظه وعلمه وفضله ، ولما يعلم أيضًا من فضلهم ومعرفتهم بحاله ، ولذلك بيَّن لهم الموجب لكثرة حديثه ، وبيَّن أنه شيئان ؛ أحدهما : أنه لازم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم يلازموا ، فحضر ما لم يحضروا . والثاني : بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بسط ثوبه وضمِّه إلى صدره ، فكان ذلك سبب حفظه وعدم نسيانه ، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخصائص دعواته ما لم يحصل لغيره ، ثم إن أبا هريرة رضي الله عنه لما حفظ علمًا كثيرًا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحقق أنه وجب عليه أن يبلغه غيره ووجد من يقبل عنه ومن له رغبة في ذلك تفرَّغ لذلك مخافة الفوت ، ومعاجلة القواطع أو الموت ، ثم إنه لما آلمه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار ، لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبَّه عليها في القرآن ، ولذلك قال " لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا " ، ثم تلا قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ الآيتين ، وفيهما بحثٌ وتفصيل يحتاج إلى نظر طويل يذكر في تفسير القرآن وأحكامه .
( 2488 ) [ 2396 ] وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ ، فَقَالَ : حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ ! قَالَ مَسْرُوقٌ : فَقُلْتُ لَهَا : لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ؟ فَقَالَتْ : وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى ! فقالت : إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ - أَوْ يُهَاجِي - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقول حسان : حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصبِحُ غَرثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ حصان : عفيفة ، وقد تقدَّم القول في وجوه الإحصان . ورزان : كاملة الوقار والعقل . يقال : رزن الرجل رزانة فهو رزين إذا كان وقورًا ، وامرأة رزان . وغرثى : من الغرث وهو الجوع ، يقال : رجل غرثان ، وامرأة غرثى ، كعطشان وعطشى . والغوافل جمع تكسير غافلة ، يعني : أنهن غافلات عما رمين به من الفاحشة ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ، ويعني حسان بهذا البيت أن عائشة رضي الله عنها في غاية العفة والنزاهة عن أن تُزنَّ بريبة ، أي : تُتَّهم بها . ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة ، وشبَّهها بالغرثى لأنَّ بعض الغوافل قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها ، وهي حمنة بنت جحش ، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها ، لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها . و ( قول عائشة رضي الله عنها لحسان رضي الله عنه : لكنك لست كذلك ) تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل ، وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك ، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله بن أُبىِّ ابن سلول ، غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة رضي الله عنها قد برَّأت حسَّان من الفرية وقالت : إنه لم يقل شيئًا ! وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا في البيت الثاني الذي ذكره متصلاً بالبيت المذكور آنفًا ، فقال : فَإِنَّ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِليَّ أَنَامِلِي فيحتمل أن يقال : إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحا ، ويكون قد عرَّض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه ، والله أعلم . وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا ؟ وهل جلد الحَّد أم لا ؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان . و ( قول عائشة رضي الله عنها " وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمى ؟ ) ظاهره يدلُّ على أن حسان كان ممن تولَّى كبره ، وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة رضي الله عنها : إن الذي تولَّى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول ، وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه .
( 63 ) باب فضائل حسان بن ثابت ( 2485 ) ( 151 ) [ 2394 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ! ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ . ( 2486 ) ( 153 ) [ 2395] وعن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ : اهْجُهُمْ - أَوْ هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ . ( 63 ) ومن باب : فضائل حسان بن ثابث رضي الله عنه ابن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري ، يكنى أبا الوليد ، وقيل أبا عبد الرحمن ، وقيل أبا الحسام . ويقال له : شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم - روي عن عائشة رضي الله عنها أنها وصفت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت : متى يبْدُ في الدَّاجي البهيم جَبِينُه يَلُح مِثلَ مِصباحِ الدُّجى المُتَوَقِّدِ فمَن كانَ أَوْ مَن قَد يَكُونُ كَأَحْمَدٍ نظامٌ لِحَقٍّ أَوْ نَكالٌ لِمُلْحِدِ قال أبو عبيد : فضل حسان الشعراء بثلاث : كان شاعر الأنصار في الجاهلية ، وشاعر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النبوَّة ، وشاعر اليمن كلها في الإسلام . وقال أيضًا : أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت . وقال أبو عبيد وأبو عمرو بن العلاء : حسان أشعر أهل الحضر . وقال الأصمعي : حسان أحد فحول الشعراء ، فقال له أبو حاتم : تأتي له أشعارٌ ليِّنة ! فقال الأصمعي : نُسبت له وليست له ، ولا تصح عنه . وروي عنه أنه قال : الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل ، فإذا دخل في الخير ضعف ، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية ، فلما جاء الإسلام سقط . وقيل لحسان : لانَ شِعرُك - أو هَرِمَ شعرك - في الإسلام يا أبا الحسام ! فقال : إن الإسلام يحجز عن الكذب ! يعني أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط والتزين في الكذب ، والإسلام قد منع ذلك ، فقل ما يجود شعر من يتقي الكذب . وتوفي حسان قبل الأربعين في خلافة علي رضي الله عنهما ، وقيل : سنة خمسين ، وقيل : سنة أربع وخمسين - ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة ؛ منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام ، وكذلك عاش أبوه وجدُّه ، وأدرك النابغة الذبياني والأعشى وأنشدهما من شعره ، فكلاهما استجاد شعره وقال إنك شاعر . و ( قوله : إن عمر مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد ، فلحظ إليه ) ؛ أي : أومأ إليه بعينيه أن اسكت ، وهذا يدلُّ على أن عمر رضي الله عنه كان يكره إنشاد الشعر في المسجد ، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة . وقد اختلف في ذلك ، فمن مانع مطلقًا ومن مجيز مطلقًا ، والأولى التفصيل ؛ وهو أن ينظر إلى الشعر ، فإنَّ كان مِمَّا يقتضي الثناء على الله تعالى أو على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو الذبَّ عنهما كما كان شعر حسان أو يتضمن الحضَّ على الخير فهو حسن في المساجد وغيرها ، وما لم يكن كذلك لم يجز ، لأنَّ الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزيين بالباطل ، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر ، والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القران " ، وقد تقدَّم هذا المعنى . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - لحسان " أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس " ) ، إنما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك لأنَّ نفرًا من قريش كانوا يهجون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ، منهم : عبد الله بن الزَّبعرى ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعمرو بن العاص ، وضرار بن الخطاب - وقيل لعلي : اهج عنا القوم الذين يهجوننا ! فقال : إن أذن لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعلت ! فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك " ، ثم قال : " ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله أن ينصروه بألسنتهم ؟ " ، فقال حسان : أنا لها ! وأخذ طرف لسانه وقال : والله ما يسرُّني به مِقوَلٌ ما بين بصرى وصنعاء . وكان طويل اللسان يضرب بلسانه أرنبةَ أنفه ، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف تهجوهم وأنا منهم ؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي ؟ " ، فقال : والله لأسلنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين ! فقال : " ائت أبا بكر ؛ فإنَّه أعلم بأنساب القوم منك " . فكان يمضي لأبي بكر ليقفه على أنسابهم ، وكان يقول : كفَّ عن فلان وفلانة ، واذكر فلانًا وفلانة . فجعل حسان يهجوهم ، فلما سمعت قريشٌ شعر حسان قالوا : إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة ! فقال حسان : أَبلِغ أَبا سُفيَانَ أنَّ مُحمْدًا هُوَ الغُصنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ وَمَن وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنهُمُ كِرَامٌ وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ وَلَستَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابنِ أُمِّهِ وَلكِن لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَندُ وإِنِ امْرَأً كَانَت سُمَيَّةُ أُمَّهُ وسَمرَاءُ مَغمُوزٌ إذَا بَلَغَ الجَهدُ وَأنتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ الأفنان : الأغصان ، واحدها فنن . والوغد : الدنيء من الرجال ، والمَحتِد : الأصل . ودونك : ظرف قصد به الإغراء ، والمغرى به محذوف تقديره : فدونك محتدك فالصق به ، والعرب تغري بـ ( عليك ) و ( إليك ) و ( دونك ) . وسنام المجد : أرفعه ، والمجد : الشرف . قال أبو عمر : بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم ، وهي أم أبي طالب وعبد الله والزبير - بني عبد المطلب . و ( قوله : ومن ولدت أبناء زهرة منهم ) ؛ يعني حمزة وصفية ، أمهما هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة ، والعباس هو ابن عبد المطلب ، وابن أمه : شقيقه ضرار بن عبد المطلب ، أمهما نسيبة امرأة من النمر بن قاسط . وسميَّة : أم أبي سفيان ، وسمراء : أم أبيه . واللؤم : اسم للبخل ودناءة الأفعال والآباء . والمغموز : المعيب المطعون فيه ، والهجين : من كانت أمه دنية ، والمقرف : من كان أبوه دنيا . ونيط : ألصق وعلق ، والقدح يعني به قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وقر البعير ، لأنَّه لا يحفل به . ومنه الحديث : " لا تجعلوني كقدح الراكب " . و ( قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم أيده بروح القدس " ) ، أيده : قوِّه ، والأيد : القوة ، ومنه قوله تعالى : وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ أي : بقوة . وروح القدس : هو جبريل عليه السلام ، كما قال في الرواية الأخرى : " اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك " ؛ أي : بالإلهام والتذكير والمعونة .
( 2489 ) [ 2397] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ حَسَّانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ ! قَالَ : كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ قَالَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعجين ! فَقَالَ : وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ قَصِيدَتَهُ هَذِهِ . ( 2490 ) [ 2398 ] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اهْجُ قُرَيْشًا ؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ ! فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ : اهْجُهُمْ ! فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ : قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ ! ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ ، ثم جَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَعْجَلْ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي ! فَأَتَاهُ حَسَّانُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ ! قَالَتْ عَائِشَةُ : فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِحَسَّانَ : إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى. قَالَ حَسَّانُ : هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تقيًا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ عدمنا خيلنا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ يُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ : قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَالَ اللَّهُ : قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ و ( قول عائشة " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهج قريشًا " ) ، هكذا وقع في بعض النسخ " اهج " على أنه أمر لواحد ولم يتقدم له ذكر ، فكأنه أمر لأحد الشعراء الحاضرين ، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب " اهجوا " بضمير الجماعة ، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء . و ( قوله " فإنَّه أشدُّ عليها من رَشْقً بالنبل " ) ، الضمير في " إنه " عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه " اهج قريشًا " ، وفي " عليها " لقريش ، ورشق بفتح الراء وهو الرَّمي ، ففيه دليل على أن الكافر لا حرمة لعرضه كما أنه لا حرمة لماله ولا لدمه ، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل . و ( قوله : قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ) ، هذا من حسان مدح لنفسه ، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي ، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واحتد لذلك ، واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه ، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك . وتنزل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال ، فإنَّهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا ، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصَّبر وإظهار كل ذلك للعدو وإغلاظ عليهم وإرهاب لهم ، وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار ، فلا عتب ولا إنكار . و ( قوله : ثم أدلع لسانه ) ؛ أي أخرجه وحرَّكه ، كأنه كان يعدُّه للإنشاد . و ( قوله : والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فَرْيَ الأديم ) ؛ أي : لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ ، فإنَّه يقطع خفافًا ونعالاً وغير ذلك ، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه رضي الله عنهم وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجبن ، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه فلم يعيره أحد منهم بالجبن ولا نسبه إليه ، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار ، وقيل : إن حسَّان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف ، فكأنه اختل في إدراكه ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " إن روح القدس لا يزال معك ما نافحت عن الله ورسوله " ) ؛ أي مدَّة منافحتك . والمنافحة : المخاصمة والمجادلة ، وأصلها الدَّفع . يقال : نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته . ونفحه بسيفه ، أي : ضربه به من بعيد . و ( قوله صلى الله عليه وسلم " هجاهم حسَّان فشفى واشتفى " ) ؛ أي : شفى الألم الذي أحدثه هجوهم ، واشتفى هو في نفسه ، أي : أصاب منهم بثأره شفاء . وأنشد حسان : هَجَوتَ مُحمَّدًا فأَجَبْتُ عنه لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة ، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق ، وذكر أوَّلها : عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلاءُ فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة . وقوله " عفت " معناه : درست وتغيَّرت ، وذات الأصابع والجِواء : موضعان بالشام ، وعذراء : قرية عند دمشق ، وإنَّما ذكر حسان هذه المواضع لأنَّه كان يردها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم ، وكان ذلك قبل الإسلام . وخلا : خال ليس به أحد . ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ الدِّيار : المنازل . وبنو الحسحاس : قبائل معروفون ، وتعفيها : تغيِّرها . والروامس : الرياح - وسُمِّيت بذلك لأنَّها ترمس الآثار ، أي : تغيرها ، والرمس والرسم : الأثر الخفي . والسماء : المطر . والسماء : كل ما علاك فأظلَّك . خلال : بمعنى بين . ومروج : جمع مرج ، وهو الموضع المنبت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض . والنعم : الإبل خاصة ، والأنعام : يتناول الإبل والبقر والغنم ، والشاء : الغنم . فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيْفً يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ الطَّيف : ما يراه النائم في منامه ، وهو في الأصل مصدر طاف الخيال يطوف طيفًا ، ولم يقولوا في هذا طائف في اسم الفاعل ، قال السُّهيلي : لأنه تخيُّل لا حقيقة له ، فأمَّا قوله : فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ فلا يقال فيه طيف ، لأنَّه اسم فاعل حقيقة ، ويقال : إنه جبريل ، فأمَّا قوله تعالى : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا . فمن قرأه " طائف " اسم فاعل فإنَّه أراد به الشيطان نفسه ، ومن قرأه " طيف " أراد به تخيله ووسواسه ، وهي لا حقيقة لها . ويؤرقني : يسهرني . إذا ذهب العشاء ، أي : بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس ، يعني أنه يسهر لفكرته في الطيف أو للوعته به كلما غمض . لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ قيل : إن شعثاء هذه هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان ، ولدت له ابنته أم فراس . وتيَّمته : ذلَّلته . كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ يكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وماءُ السبية : الخمر . وبيت رأس : موضع فيه خمر عالية ، وقيل : رأس رجل خمار نسبت إليه ، ومزاجها : خلطها . وقد جعل الخبر معرفة والاسم نكرة ، وهو عكس الأصل ، وإنَّما جاز ذلك لأنَّ عسلاً وماءً اسمان من أسماء الأجناس ، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفه ، فكأنهما معرفتان ، وخبر كأن محذوف ، تقديره : كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة ، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله : على أَنيابِها أو طَعمُ غَضًّ مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء وذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق ، فمن صحَّ عنده هذا البيت جعل خبر كأن " على أنيابها " ولم يحتَجْ إلى تقدير ذلك المحذوف . والأنياب : هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات . والغَضُّ : الطري ، وهصَّره : دلاَّه وأدناه . الجناء : أي الاجتناء ، وهو بكسر الجيم والمد ، والجنى - بالفتح والقصر- ما يُجتنى من الشجر ، قال أبو القاسم السُّهيلي : وهذا البيت موضوع . إذا ما الأَشْرِباتُ ذُكِرنَ يومًا فَهُنَّ لِطَيِّب الرَّاح الفِدَاءُ الأشربات : جمع أشربة ، فشراب الواحد ، وجمع قلته المكسر أشربة ، وجمع سلامته أشربات . والراح : من أسماء الخمر ، واللام هنا للعهد ؛ أي : الخمر السيئة المتقدِّمة الذكر . نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمنا إذا ما كان مغث أو لِحَاءُ ونَشرَبُها فَتَترُكُنا مُلُوكًا وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ ألمنا : أي أتينا ما نلام عليه . والمقتُ : مما يمقت عليه ، أي يبغض كالضرب والأذى . واللحاء : الملاحاة باللسان - يريد إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسكر ، وينهنهنا : يضعفنا ويفزعنا . عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها تُثِيرُ النَّقْعَ مَوعِدُها كَدَاءُ يُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ على أَكْتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ الضمير في " تروها " عائد على الخيل وإن لم يجر لها ذكر ، لكنها تفسرها الحال والمشاهدة ، وتثير : تحرك . والنقع : الغبار ، وكداء : التثنية التي بأعلى مكة ، وكُدَى - بضم الكاف والقصر - تثنية بأسفل مكة ، وقد تقدَّم ذكرهما . وينازعن : يجاذبن . والأسل : الرِّماح . والظماء : العطاش . ووصف الرماح بذلك لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيرووها من دمائهم . ومُصعِدات : مرتفعات ، ومصغيات : مائلات . تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ الجياد : الخيل . متمطرات : يعني بالعرق من الجري ، والرواية المشهورة " يلطمهن " من اللطم وهو الضرب في الخد ، ويعني أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر . وكان الخليل يروي هذا اللفظ " يطلمهن " بتقديم الطاء على اللام ويجعله بمعنى ينفض ، وقال ابن دريد : الطلم ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد . ورواية مسلم لهذا الحديث " ثَكِلَتْ بُنَيتي " بدل " عدمنا خيلنا " . والثكل : فقد الولد . وبُنيتي : تصغير بنت . ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين : الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا . ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم " موعدها كداء " ، ولبعضهم " غايتها " بدل " موعدها " ، والمعنى متقارب . ووقع في بعض النسخ مكان " موعدها " : " من كنفي كداء " على الإقواء ، وليس بشيء ، إذ لا ضرورة تحوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة ، وكنفا كداء : جانباها . فإِمَّا تُعرِضُوا عنَّا اعتَمَرنا وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ هذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام ، وظاهره أن ذلك كان في عُمرة الحديبية حين صدوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن البيت ، وقال ابن إسحاق : إن حسان قالها في فتح مكة - وفيه بُعدٌ . وإِلا فَاصبِرُوا لِجلاد يَومٍ يُعِزُ اللهُ فيهِ مَنْ يَشاءُ هذا من باب إلهام العالم ، لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه ، وقد قال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ الآية ، وقال : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إلى غير ذلك ، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا : وجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فِينا ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ أي : لا يقاومه أحد ولا يماثله . وروح القدس : هو جبريل عليه السلام ، والقدس : الطهارة ، وهو معطوف على " رسول الله " ، والكفاء : الكفو وهو المثل . وقالَ الله قد أَرسَلْتُ عَبدًا يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ أي الابتلاء وهو الاختبار ، وقد ضمن صدر هذا البيت معنى الابتلاء ، ولذلك أشار بقوله " البلاء " لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس ، فتدبَّره ! ورواية مسلم في هذا البيت : يقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِه خَفاءُ ثم شهد حسَّان بتصديقه فقال : شَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ أي : لا نقوم لتصديقه ولا نريده - فعاندوا ، ولما كان ذلك قال : وقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ أي قَصدُها وهمُّها لقاؤكم وقتالكم ، يعني أنهم لما ظهر عنادهم نصر الله نبيَّه بجند الأنصار ، ولم يذكر المهاجرين لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار ، والله تعالى أعلم . لَنا فِي كُلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٍّ سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ هكذا رواية ابن إسحاق ، ويروى " سباء " من السَّبي ، ومعناه واضح ، فالهمزة مكان الباء ، والذي في كتاب مسلم " نلاقي كل يوم من معدٍّ سباب " ، ويعني بمعدٍّ قريشًا ، نسبهم لمعدِّ بن عدنان ، و " أو " في البيت للتنويع ، ويعني بالسباب السب نثرًا ، وبالهجاء السب نظمًا ، والله تعالى أعلم . وقد دلَّ عليه قوله : فَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ فنحكم : نمنع ، ويعني أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه وأصعب عليه فيمتنع من العود ، ويعني باختلاط الدماء التحام الحرب ومخالطة الدماء عند الحرب . أَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنِّي مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ أبو سفيان هذا هو ابن الحارث ، وهو كان الهاجي أولاً ، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء . والمغلغلة : الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد . وبرح الخفاء : أي انكشف السر وظهر المضمر - وهو مثل . فإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا وعبد الدَّارِ ساد بها الإماء عبدًا : يعني ذليلاً ذل العبيد . هجَوتَ محمَّدًا وأَجَبتُ عنه وعِندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ الخطاب لأبي سفيان ، وروي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أنشده هذا البيت قال له : " جزاؤك عند الله الجنة " . هَجَوتَ محمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا رَسُولَ اللهِ شِيمَتُه الوفاءُ البرُّ : التَّقي ، والحنيف : المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم . والشِّيمة : السَّجيَّة والسَّليقة والخليقة والجبلَّة - كلها : الطبيعة . وقوله : أَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ هذا يتضمن الدُّعاء لإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّّا وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا ، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة ، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه واختصاص أحدهما بزيادة فيه ، فيلزم منه أن يكون في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرٌّ وهو باطل ، فتعيَّن تأويل ذلك ، فقال السُّهيلي : إن شرًّا هنا بمعنى أنقص . وحكي عن سيبويه أنه قال : تقول مررت برجل شرٌّ منك ، أي : أنقص عن أن تكون مثله . قال السُّهيلي : ونحو منه قوله صلى الله عليه وسلم : " شرُّ صفوف الرجال آخرها " يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول ، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرِّ . قلت : وأوضح من هذا وأبعد من الاعتراض أن يقال إن الأصل في أفعل ما ذكر ، غير أن المعنى الذي يقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا ، كما يقال : بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج ، وقد يكون المعنى توهُّميا بحسب زعم المخاطب ، كما قال تعالى : فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ، وذلك أن الكفار زعموا أن المؤمنين شرٌّ منهم ، فأجيبوا بأن قيل لهم : ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر ، وعلى هذا يخرج معنى البيت ، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرًّا ، فخاطبهم بحسب زعمهم ، ودعا على الأشر من الفريقين منهما له وهو يعنيهم قطعًا ، فإنَّهم هم أهل الشر ، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم ويُرضي المظلوم . وقوله : فإنَّ أَبي ووَالِدَهُ وعِرضِي لِعِرضِ محمًّدٍ مِنكُم وِقَاءُ قال ابن قتيبة : يعني بالعِرض هنا النفس ، فكأنه قال : أبي وجدي ونفسي وقاية لنفس محمد . وقال غيره : بل العِرض هنا هو الحرمة التي تنتهك بالسب والغيبة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " . وقوله : لِسانِي صَارِمٌ لا عَيبَ فِيهِ وبَحرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ الصَّارم : السَّيف القاطع ، ولا تكدره الدِّلاء : أي لا تغيره . وهذا مثل يضرب للرجل العظيم الحليم القوي الذي لا يبالي بما يرد عليه من الأمور ، وبهذا البيت كني حسان أبا الحسام رضي الله عنه وجازاه خيرًا .
( 15 ) باب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الإثم، وقيامه لمحارم الله عز وجل، وصيانته عما كانت عليه الجاهلية من صغره ( 2327 ) ( 77 ) [ 2238 ] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ . ( 2328 ) ( 79 ) [ 2239 ] وعنها قَالَتْ : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا خَادِمًا ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ( 340 ) ( 77 ) [ 2240 ] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ إلى الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ دُونَ الْحِجَارَةِ! فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ : قال : فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا . [ ( 15 ) ومن باب : بُعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الإثم وقيامه لمحارم الله عز وجل ] ( قول عائشة : " ما خُيِّر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين إلا اختار أيسرهما " ) تعني : أنه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خيَّره أحد في شيئين يجوز له فعل كل واحد منهما ، أو عرضت عليه مصلحتان ، مال للأيسر منهما ، وترك الأثقل ، أخذًا بالسُّهولة لنفسه ، وتعليمًا لأمَّته . فإذا كان في أحد الشيئين إثم تركه ، وأخذ الآخر ، وإن كان الأثقل . وكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ سقط إلى الأرض لما جعل إزاره على عنقه ، يدلّ : على أن الله تعالى حفظه من صغره ، وتولى تأديبه بنفسه ، ولم يكله في شيء من ذلك لغيره ، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كره له أحوال الجاهلية ، وحماه عنها ، حتى لم يجر عليه شيء منها . كل ذلك لطفٌ به ، وعطفٌ عليه ، وجمع للمحاسن لديه . و ( قولها : " ما انتقم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى " ) يعني : أنه كان يصبر على جهل من جهل عليه ، ويحتمل جفاه ، ويصفح عمَّن أذاه في خاصة نفسه ، كصفحه عمَّن قال : يا محمد ! اعدل ، فإنَّ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى ، وما عدلت منذ اليوم! وكصفحه عن الذي جبذ رداءه عليه حتى شقَّه ، وأثر في عنقه . فإنَّ قيل : فأذاه انتهاك حرمة من حرم الله ، فكيف يترك الانتقام لله تعالى فيها ؟ وكيف وقد قال الله تعالى : يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فالجواب : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترك الانتقام مِمَّن آذاه استئلافًا وتركًا لما ينفِّر عن الدخول في دينه ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لئلا يتحدث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه " . وقد قال مالك : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعفو عمَّن شتمه ، مشيرًا إلى ما ذكرنا . وإذا تقرر هذا فمراد عائشة رضي الله عنها بقولها : إلا أن تنتهك حرمة الله : الحرمة التي لا ترجع لحق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، كحرمة الله ، وحرمة محارمه ، فإنَّه كان يقيم حدود الله على من انتهك شيئًا منها ، ولا يعفو عنها ، كما قال في حديث السَّارقة : " لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها " ، لكن ينبغي أن يفهم : أن صفحه عمَّن آذاه كان مخصوصًا به وبزمانه لما ذكرناه ، وأما بعد ذلك فلا يُعفى عنه بوجه . قال القاضي عياض رحمه الله : أجمع العلماء على أن من سبَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفر . واختلفوا ، هل حكمه حكم المرتد يُستتاب ؟ أو حكم الزنديق لا يُستتاب ؟ وهل قتله للكفر أو للحدِّ ؟ فجمهورهم : على أن حكمه حكم الزنديق ، لا تقبل توبته . وهو مشهور مذهب مالك ، وقول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . ورأوا : أن قتله للحدِّ ، ولا ترفعه التوبة ، لكن تنفعه عند الله تعالى ، ولا يسقط حد القتل عنه . وقال أبو حنيفة والثوري : هي كفر وردَّة ، وتقبل توبته إذا تاب . وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك . واختلفوا في الذمِّي إذا سبَّه بغير الوجه الذي به كَفَر ، فعامَّة العلماء : على أنه يقتل لحق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وأبو حنيفة ، والثوري ، والكوفيون لا يرون قتله . قالوا : ما هو عليه من الكفر أشد . واختلف أهل المدينة وأصحاب مالك في قتله إذا سبه بالوجه الذي به كَفَرَ ، من تكذيبه ، وجَحْد نبوَّته ، والأصح الأشهر قتله . واختلفوا في الكافر بعد سبِّه ، هل يسقط ذلك القتل عنه أم لا ؟ والأشهر عندنا : سقوطه ، لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله . وحكى أبو محمد بن نصر في درء القتل عنه روايتين . ويستفاد من حديث عائشة رضي الله عنها ترغيب الحكام ، وولاة الأمور في الصفح عمن جهل عليهم ، وجفاهم ، والصبر على أذاهم ، كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل ، وأن الحاكم لا يحكم لنفسه . وقد أجمع العلماء : على أن القاضي لا يحكم لنفسه ، ولا لمن لا تجوز شهادته له ، على ما حكاه عياض رحمه الله .
( 2484 ) ( 148 و 150 ) [ 2393 ] عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّة قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلَقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ . قَالَ : وَفِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ . قَالَ : فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا. قَالَ : فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ! قَالَ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَأَتْبَعَنَّهُ فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ ! قَالَ : فَتَبِعْتُهُ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ . قَالَ : فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَقَالَ : مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمْتَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا - فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ ! قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَلكَ : إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي : قُمْ ! فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ . قَالَ : فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي . قَالَ : فَأَخَذْتُ لِآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي : لَا تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ . قَالَ : فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَن يَمِينِي، فَقَالَ لِي : خُذْ هَا هُنَا ! قال : فَأَتَى جَبَلًا فَقَالَ لِيَ : اصْعَدْ . قَالَ : فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي ! قَالَ : حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا. قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ ، فَقَالَ لِيَ : اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا . قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْعَدُ هَذَا وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي . قَالَ : فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ، فضَرَبَ الْعَمُودَ فَخَرَّ . قَالَ : وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ ، حَتَّى أَصْبَحْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ . قَالَ : وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ وَلَنْ تَنَالَهُ، وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ . وذكر أيضا من حديث قيس بن عبادة نحوه، وهذا أتم إلا أن في حديث قيس قال : رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ - وذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا، وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، وفِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ ، فَقِيلَ لِي : ارْقَهْ ! فَقُلْتُ : لَا أَسْتَطِيعُ ! فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لِيَ : اسْتَمْسِكْ. فَقَدْ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ . و ( قوله : فإذا جواد منهج ) ، الجواد : جمع جادة مشدد الدال ، وهي الطريق ، ومنهج مرفوع على الصفة ، أي : جوادُّ ذوات منهج ، أي استقامة ووضوح ، والمنهج : الطريق الواضح ، وكذلك المنهاج والنهج ، وأنهج الطريق أي استبان ووضح ، ونهجته أنا أوضحته ، ويقال أيضًا : نهجت الطريق - إذا سلكته . و ( قوله : فزجل بي ) تُروى بالجيم وبالحاء المهملة ؛ فبالجيم معناه رمى ، يقال : لعن الله أما زَجَلتْ به ، والزَّجْلُ : إرسال الحمام ، والمِزْجَل : المزراق - لأنَّه يُرمى به ، فأمَّا زحل فمعناه تنحَّى وتباعد . يقال : زحل عن مكانه حولاً ، وتزحَّل : تنحَّى وتباعد ، فهو زحل وزحيل . ورواية الجيم أولى وأوضح . والعروة : الشيء المتعلق به حبلاً كان أو غيره . ومنه عروة القميص والدلو ، وقال بعضهم : أصله من عروته إذا ألممت به متعلقًا ، واعتراه الهمُّ : تعلق به ، وقيل : من العروة وهي شجرة تبقى على الجدب ، سُميت بذلك لأنَّ الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب ، وتجمع العروة : عُرَى . والوثقى : الوثيقة ، أي : القوية التي لا انقطاع فيها ولا ضعف ، وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها فقال : عروة الوثقى ، كما قالوا : مسجدُ الجامع ، وصلاةُ الأولى . وإخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عبد الله أنه لا ينال الشهادة وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت خبران عن غيب وقعا على نحو ما أخبر ، فإنَّ عبد الله مات بالمدينة ملازمًا للأحوال المستقيمة ، فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . والنضرة - بالضاد المعجمة - النعمة ، وقد تقدم ، ووسط : رويناه بفتح السين وسكونها ، وقد تقدم أن الفتح للاسم والسكون للظرف ، وكل موضع صلح فيه " بين " فهو وسْط بالسكون ، وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك . قال الجوهري : وربما سكن - وليس بالوجه . ورقيت بكسر القاف في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى صعدت وارتفعت ، فأمَّا رقيت - بفتح القاف - فهو من الرُّقية . والمنصف - بكسر الميم - : الخادم ، قاله ابن عون ، وقال الأصمعي : والجمع مناصف .
( 62 ) باب فضائل عبد الله بن سلام ( 2483 ) ( 147 ) [ 2392 ] عن سَعْدٍ بن أبي وقاص قَالَ : مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي إِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ . ( 62 ) ومن باب : فضائل عبد الله بن سلام ابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري ، وهو من ولد يوسف بن يعقوب ، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسمَّاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله ، وتوفي في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين ، أسلم إذ قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة . وجملة ما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمسة وعشرون حديثًا ، أخرج له في الصحيحين حديثان ، وقد تقدم اختلاف اللغويين في " حَلَقة " هل يقال بسكون اللام أو بفتحها ؟
( 2330 ) ( 81 و 82 ) [ 2242 ] وعن أَنَس قال : مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي رواية : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ ، إِذَا مَشَى مشى تَكَفّؤا، وذكر نحوه. و( قوله : " ما شممت عنبرًا ، ولا مسكًا ، ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) هذا يدلّ على أنه كان طيِّب الريح وإن لم يتطيب ، ثم إنه كان يستعمل الطيب ، ويعجبه رائحته ، لأنَّه كان يناجي الملائكة ، ولأنه مُستلذٌ لحس الشمِّ كالحلاوة لحسِّ الذوق ، ولأنه مقوٍّ للدماغ ، ومحرِّك لشهوة الجماع ، ولأنه مما يرضي الله تعالى إذا قصد به القربة ، والتهيؤ للصلاة . و ( قوله : " كان أزهر اللون " ) يعني : أبيض اللون في صفاء ، كما قال في الرواية الأخرى : " ليس بالأبيض الأمهق " ، أي : المتألق البياض الذي صفته تشبه بياض الثلج والجصِّ . و ( قوله : " إذا مشى مشى تكفؤًا " ) مهموزًا . قال شمر : أي : مال يمينًا وشمالاً . قال الأزهري : هذا خطأ ، وهذه صفة المختال . ولم تكن صفته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإنما معناه : أن يميل إلى سمته ، ويقصد في مشيته ، كما قال في الرواية الأخرى : " كأنما ينحط من صبب " . قلت : ويبيِّنه ما قد جاء في رواية ثالثةٍ : " يمشي تقلعًا " .
( 2331 ) ( 83 و 84 ) ( 2332 ) ( 5 ) [ 2243 ] وعنه قال : دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عِنْدَنَا فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ : هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ . وفي رواية : أنه عليه الصلاة والسلام كَانَ يَأْتِيهَا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا ، فَتَبْسُطُ لَهُ نِطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالْقَوَارِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا ؟ قَالَتْ : عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي . وفي أخرى : نرجو بركته لصبياننا. قال : أصبت. ( 2333 ) ( 86 ) [ 2244 ] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا . و ( قولها : " دخل عليَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال عندنا " ) أي : نام عندهم في القائلة ، وفيه دليلٌ على الرجل على ذوات محارمه في القائلة ، وتبسُّطه معهنَّ ، ونومه على فراشهنَّ ، وكانت أمُّ سليم ذات محرم له من الرَّضاعة . قاله القاضي عياض . و ( قولها : فجعلت أسلتُ العرق فيها " ) أي : تجمعه في القارورة ، كما قد جاء في الرواية الأخرى . وقولها : " أدوف به طيبي " - بالدال المهملة - ثلاثيًّا أي : أخلطه ، وهكذا صحيح الرواية فيه ، وهو المشهور عند أهل اللغة ، وحكي فيه : الذال المعجمة ، ثلاثيًّا ورباعيًّا ، وقد استوفيناه في كتاب الإيمان .
( 16 ) باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم وعرقه ولين مسه ( 2329 ) ( 80 ) [ 2241 ] عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، قَالَ : وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي قَالَ : فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا - أَوْ رِيحًا - كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ . ( 16 و 17 و 18 و 19 و 20 و 21 ) ومن باب : طيب رائحة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحسن شعره وشيبه ، وحسن خَلْقِه قول جابر ـ رضي الله عنه ـ : " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى " هذا من باب إضافة الاسم إلى صفته ، كما قالوا : مسجد الجامع . وقد تقدم القول فيه ، يعني بالصلاة الأولى : صلاة الظهر ، فإنَّها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ويحتمل أن يريد بها صلاة الصبح ، لأنَّها أول صلاة النهار . و ( قوله : " فوجدت ليده بردًا أو ريحًا " ) هذه " أو " الأَوْلَى أن تكون بمعنى الواو لا للشك ، لأنَّها لو كانت شكًّا ، فإذًا قدرنا إسقاط " أو ريحًا " لم يستقم تشبيه برودة يده بإخراجها من جُؤنة عطار ، فإنَّ ذلك إنما هو تشبيه للرائحة ، فإذا حملت " أو " على معنى الواو الجامعة استقام التشبيه للرائحة ، والإخبار عن وجدان برودة اليد التي تكون عن صحة العضو ، ويحتمل أن يريد بالبرودة برودة الطيب ، فإنَّهم يصفونه بالبرودة ، كما قال الشاعر : وتَبْرُدُ بَرْدَ رِداءِ العَرُو سِ في الصَّيفِ رَقْرَقت فيه العَبِيرا و " الجؤنة " : بضم الجيم ، وفتح النون : هي سفط يُحمل فيه العطار متاعه ، قاله الحربي ، وهو مهموز وقد يسهل ، وقال صاحب العين : هو سُليلةٌ مستديرة مُغشَّاة أُدمًا .
( 2482 ) ( 145 ) [ 2391 ] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ . قَالَ : فَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ : مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ ! قَالَتْ : مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ : إِنَّهَا سِرٌّ ! قَالَتْ : لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ! قَالَ أَنَسٌ : وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ به يَا ثَابِتُ . و ( قول أنس رضي الله عنه : أتى عليَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا ألعب مع الغلمان ) دليل على تخلية الصِّغار ودواعيهم من اللعب والانبساط ، ولا نُضيق عليهم بالمنع مِمَّا لا مفسدة فيه . و ( قوله : فسلَّم علينا ) فيه دليل على مشروعية على الصِّبيان ، وفائدته تعليمهم السلام وتمرينهم على فعله وإفشاؤه في الصغار كما يفشى في الكبار . وكتمان أنس سرَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمه دليل على كمال عقله وفضله وعلمه مع صغر سنه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
( 61 ) باب فضائل أنس بن مالك ( 2480 ) ( 141 ) [ 2389 ] عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خَادِمُكَ أَنَسٌ ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ ! فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ . ( 2481 ) ( 143 ) و ( 144 ) [ 2390 ] وعن أَنَسٌ قَالَ : جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي ، أَتَيْتُ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ ! فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ . قَالَ أَنَسٌ : فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ . وفي رواية : فدعا لي ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ . ( 61 ) ومن باب : فضائل أنس بن مالك بن النضر رضي الله عنه ابن ضمضم بن زيد النَّجاري ، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُكنى أبا حمزة ، يروى عنه أنه قال : كنَّاني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببقلة كنت أجتنيها . وأمه : أم سليم بنت ملحان . كان سِنُّ أنس لما قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة عشر سنين ، وقيل : ثماني سنين ، وتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنس ابن عشرين سنة ، وشهد بدرًا ، وتوفي في قصره بالطفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين ، وقيل : ثلاث وتسعين ، وقيل : سنة اثنتين وتسعين . قال أبو عمر : وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أعلم أحدًا فمن مات بعده ممن رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أبا الطفيل . واختلف في سن أنس يوم توفي ؛ فقيل : مائة سنة إلا سنة واحدة ، وقيل : إنه ولد له ثمانون ولدًا منهم ثمانية وسبعون ذكرًا وابنتان ، وتوفي قبله من ولده لصلبه وولد ولده نحو المائة ، وكلُّ ذلك من تعميره وكثرة نسله ببركة دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يأتي في الأم ، وجملة ما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحديث ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا ، أخرج له في الصحيحين ثلاثمائة حديث وثمانية عشر حديثًا . وفي الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك ، ويُكنى أبا أمية القشيري ، وقيل : الكعبي ، وكعب أخو قشير ، ولم يسند عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سوى قوله : " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " . وقيل : روى ثلاثة أحاديث لم يقع له في الصحيحين شيءٌ . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " اللهم أكثر ماله وولده " ) يدلُّ على إباحة من المال والولد والعيال ، لكن إذا لم يشغل ذلك عن الله تعالى ولا عن القيام بحقوقه ، لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك بادرة والفتن والآفات غالبة تعيَّن التقلُّل من ذلك الفرار مما هنالك ، ولولا دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنس رضي الله عنه بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة ، ألا ترى أن الله تعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال : أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وصدَّر الكلام بإنما الحاصرة المحققة ، فكأنه قال : لا تكون الأموال والأولاد إلا فتنة ، يعني في الغالب . ثم قال بعد ذلك : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ووجه عداوتهما أن محبََّتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما والسعي في تحصيل أغراضهما ، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى ، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان ويعم الخسران ، فأيُّ عداوةٍ أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار ويورثك عقوبة النار؟! ولذلك قال تعالى وهو أصدق القائلين : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وقال أرباب القلوب والفهوم : ما يشغلك من أهل ومال فهو عليك مشؤوم .
( 2478 ) [ 2387] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنْ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ . قَالَ : فَقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا . وابنه عبد الله " . وقال ميمون بن مهران : ما رأينا أورع من ابن عمر ، ولا أعلم من ابن عباس . وروى ابن وهب عن مالك قال : بلغ عبد الله بن عمر ستًّا وثمانين سنة ، وأفتى في الإسلام ستين سنة ، ونشر نافع عنه علمًا جمًّا . وروى ابن الماجشون أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعدما قتل عثمان رضي الله عنه فعزموا عليه أن يبايعوه . قال : كيف لي بالناس ؟ قال : تقاتلهم ! فقال : والله لو اجتمع عليَّ أهل الأرض إلا أهل فدك ما قاتلتهم ! قال : فخرجوا من عنده ومروان يقول : إني أرى فِتنَةً تَغلي مَرَاجِلُها والمُلكُ بَعدَ أَبي لَيْلَى لِمَن غَلَبا مات ابن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين ، وذلك بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها ، وقيل : ستة أشهر - ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين ، وكان سبب موته أن الحجاج أمر رجلاً فسمَّ زُجَّ رُمْحِهِ فزحمه ، فوضع الزجَّ في ظهر قدمه فمرض منها فمات رحمه الله - حكاه أبو عمر . وجملة ما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين مائة حديث وثمانون . و ( قوله : " رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق " ) ، قد تقدَّم الكلام أن الإستبرق ما غلظ من الدِّيباج ، وكأن هذه القطعة مثال لعمل صالح يعمله يتقرَّب به إلى الله تعالى ، ويقدِّمه بين يديه : يرشده ثوابه إلى أي موضع شاء من الجنة ، ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أرى عبد الله رجلاً صالحًا "، وهذه شهادة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بالصَّلاح . ووجدت بخط شيخنا أبي الصبر أيوب مقيدًا " أرى " بفتح الراء والهمزة ، فيكون مبنيًا للفاعل ، ويكون من رؤية القلب فيكون علمًا ، ويجوز أن يكون همزته مضمومة فتكون ظنًّا صادقًا ؛ لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معصوم في ظنه كما هو في علمه .
( 60 ) باب فضائل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ( 2477 ) [ 2386 ] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ قالوا : ابن عباس. قال : اللهم فقهه . ( 60 ) ومن باب : فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ابن عبد المطلب بن هاشم ، يُكنى أبا العباس ، ولد بالشعب وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين . واختلف في سِنِّه يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقيل : عشر سنين ، وقيل : خمس عشرة - رواه سعيد بن جبير عنه ، وقيل : كان ابن ثلاث عشرة سنة ، وقال ابن عباس : إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام ، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير لأنَّه أخرجه من مكة ، وتوفي ابن عباس وهو ابن سبعين سنة ، وقيل : ابن إحدى وسبعين ، وقيل : ابن أربع وسبعين - وصلى عليه محمد ابن الحنفية ، وقال : اليوم مات رباني هذه الأمة ! وضرب على قبره فسطاطا ، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال : رأيت جبريل عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرتين ، ودعا لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحكمة مرتين . وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ فيه : نعم ترجمان القرآن ابن عباس ! وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول : فتى الكهول ، لسان سؤول ، وقلب عقول . وقال مسروق : كنت إذا رأيت ابن عباس قلت : أجمل الناس ! وإذا تكلَّم قلت : أفصح الناس ! وإذا تحدَّث قلت : أعلم الناس ! وكان يُسمى البحر لغزارة علمه ، والحبر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه ، وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقربه ويدنيه لجودة فهمه وحسن تأتِّيه ، وجملة ما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألف حديث وستمائة وستين ، أخرج له في الصحيحين مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا . و ( قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم فقهه " ) ، هنا انتهى حديث مسلم ، وقال البخاري : " اللهم فقهه في الدين " ، وفي رواية قال : ضمني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : " اللهم علمه الكتاب " ، قال أبو عمر : وفي بعض الروايات " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " . قال : وفي حديث آخر " اللهم بارك فيه وانشر منه ، واجعله من عبادك الصالحين " ، وفي حديث آخر : " اللهم زده علمًا وفقهًا " . قال : وكلها حديث صحيح . قلت : وقد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات فاشتهرت علومه وفضائله ، وعمَّت خيراته وفواضله ، فارتحل طلاب العلم إليه ، وازدحموا عليه ، ورجعوا عند اختلافهم لقوله ، وعوَّلوا على نظره ورأيه . قال يزيد بن الأصم : خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس ، فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم . وقال عمرو بن دينار : ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس ؛ الحلال ، والحرام ، والعربية ، والأنساب ، والشعر . وقال عبيد الله بن عبد الله : ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسنة ولا أجل رأيًا ولا أثقب نظرًا من ابن عباس رضي الله عنه . ولقد كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين ، وكان قد عمي في آخر عمره ، فأنشد في ذلك : إن يأخذ الله من عينيَّ نُورَهما ففي لساني وقلبي منهما نورُ قَلْبي ذَكِيٌّ وعقلي غير ذي دَخَلٍ وفي فمي صارمٌ كالسَّيفِ مأْثُورُ وروي أن طائرًا أبيض خرج من قبره ، فتأوَّلوه علمه خرج إلى الناس ، ويقال : بل دخل قبره طائرٌ أبيض ، فقيل : إنه بصره في التأويل . وقال أبو الزبير : مات ابن عباس بالطائف ، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حمل ، فما رؤي خارجًا منه ! وفضائله أكثر من أن تحصى . وأما عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما - ويُكنى أبا عبد الرحمن - فإنَّه أسلم صغيرًا لم يبلغ الحلم مع أبيه ، وهاجر إلى المدينة قبل أبيه ، وأول مشاهده الخندق ، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغره ؛ فإنَّه عرض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ، وأجازه يوم الخندق ، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى . وشهد الحديبية ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه أول من بايع ، وكان من أهل العلم والورع ، وكان كثير الاتباع لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه ، وكان لا يتخلَّف عن السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان بعد موته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُولِعًا بالحج ، وكان من أعلم الناس بمناسكه ، وكان قد أشكلت عليه حروب عليٍّ لورعه فقعد عنه ، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة ، روي عنه من أوجه أنه قال : " ما آسى على شيء فاتني إلا تركي لقتال الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه " . وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : " ما منا أحدٌ إلا مالت له الدنيا ومال إليها ما خلا عمر .
( 2479 ) [ 2388 ] وعنه قال : كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيْ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ ! أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ ! أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ ! قَالَ : فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لِي : لَمْ تُرَعْ ! فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يقوم مِنْ اللَّيْلِ ! فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا. و ( قوله : " وكنت شابًا عزبًا أنام في المسجد " ) دليل على جواز في المسجد لمن احتاج إلى ذلك ، والقرنان : منارتان تبنيان على جانبي البئر يجعل عليها الخشبة التي تعلق عليها البكرة . والبئر : المطوية بالحجارة ، وهي الرس أيضًا ، فإنَّ لم تُطو فهي القليب والركي . ولم ترع : أي لم تفزع ، والروع : الفزع ، وإنَّما فهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رؤية عبد الله للنار أنه ممدوح ؛ لأنَّه عرض على النار ثم عوفي منها وقيل له : لا روع عليك - وهذا إنما هو لصلاحه وما هو عليه من الخير ، غير أنه لم يكن يقوم من الليل ، إذ لو كان ذلك ما عرض على النار ولا رآها ، ثم إنه حصل لعبد الله - رضي الله عنه - من تلك الرؤية يقين مشاهدة النار والاحتراز منها ، والتنبيه على أن قيام الليل مِمَّا يُتَّقى به النار ، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك رضي الله عنه .
( 59 ) باب فضائل جرير بن عبد الله رضي الله عنه ( 2475 ) ( 134 و 135 ) [ 2384 ] عن جرير قال : مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ . وفي رواية : إلا تبسم في وجهي، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا . ( 2476 ) ( 137 ) [ 2385] وعنه قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا جَرِيرُ ، أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ - بَيْتٍ لِخَثْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ ، وفي رواية : الكعبة الشامية . قَالَ : فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي فَقَالَ : اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا . قَالَ : فَانْطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُبَشِّرُهُ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ - مِنَّا - فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ ! فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ . وفي أخرى : قال : فدعا لنا ولأحمس. ( 59 ) ومن باب فضائل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وبجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد بن عدنان ، واختلف في بجيلة هل هو أب أو أُمٌّ نسبت القبيلة إليها ؟ وجرير هذا هو سيد بجيلة ، ويُكنى أبا عمرو ، وقال له عمر رضي الله عنه : " ما زلت سيدًا في الجاهلية والإسلام " ، وقال فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أقبل وافدًا : " يطلع عليكم خير ذي يمن ، كأن على وجهه مسحة مَلك " ، فطلع جرير . وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول فيه : " جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة " ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " . أسلم قبل موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأربعين يومًا ، نزل جرير الكوفة بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتخذ بها دارًا ، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا ومات بها سنة أربع وخمسين ، وقيل : سنة إحدى وخمسين ، وقيل : مات بالسَّراة في ولاية الضحَّاك بن قيس على الكوفة لمعاوية . روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة حديث ، أخرج له في الصحيحين خمسة عشر حديثًا . و ( قوله : " ما حجبني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ أسلمت " ) يعني أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يحتجب منه ، بل بنفس ما يعلم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ باستئذانه ترك كل ما يكون فيه وأذن له مبادرًا لذلك مبالغة في إكرامه ، ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيته من غير إذن ، فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت . و ( قوله : " ولا رآني إلا ضحك في وجهي " ) ، هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرح به وبشاشة للقائه وإعجابٌ برؤيته ، فإنَّه كان من كملة الرجال خَلْقًا وخُلُقًا . و ( قوله : " وكنت لا أثبت على الخيل " ) يعني أنه كان يسقط أو يخاف السُّقوط من على ظهورها حالة إجرائها ، فدعا له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأكثر مما طلب ؛ بالثبوت مطلقًا وبأن يجعله هاديًا لغيره ومهديًّا في نفسه . فكان كل ذلك ، وظهر عليه جميع ما دعا له به ، وأول ذلك أنه نفر في خمسين ومائة فارس لذي الخلصة فحرقها وعمل فيها عملاً لا يعمله خمسة آلاف ، وبعثه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذي الكلاع وذي رُعَيْن ، وله المقامات المشهورة . وذو الخلصة بفتح اللام : بيت بَنَتْهُ خثعم تعظمه وتطوف به وتنحر عنده ، تشبهه ببيت مكة ، وتسمِّيه العرب الكعبة اليمانية والشامية ، وقد كانت العرب فعلت مثل هذا بيوتًا كثيرة قد تقدَّم ذكرها ، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهدمها كلها وتحريقها فكان ذلك ، ومحا الله الباطل ، وأحق الحق بكلماته .
( 2337 ) ( 92 ) [ 2246 ] وعَنْ الْبَرَاءِ بن عازب قَالَ : مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ . ( 2338 ) ( 94 - 96 ) [ 2247] وعن أنس قال : كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعَرًا رَجِلًا، لَيْسَ بِالْجَعْدِ، وَلَا السَّبْطِ ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ . وفي أخرى : كان يَضْرِبُ شَعْرُهُ مَنْكِبَيْهِ . وفي أخرى : كان شعره إلى أنصاف أذنيه . و ( قول البراء ـ رضي الله عنه ـ : ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في حلة حمراء أحسن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . قال شمر : الْجُمَّة أكثر من الوفرة ، والْجُمَّة إذا سقطت على المنكبين ، والوفرة إلى شحمة الأذن ، واللمة التي ألمت بالمنكبين ، وقد تقدم القول في الْحلة . وفيه دليل على جواز لباس الأحمر ، وقد أخطأ من كره لباسه مطلقًا ، غير أنه قد يختص بلباسه في بعض الأوقات أهل الفسق والدعارة والمجون ، فحينئذ يكره لباسه ، لأنَّه إذ ذاك تشبه بهم ، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : من تشبَّه بقومٍ فهو منهم لكن ليس هذا مخصوصًا بالحمرة ، بل هو جار في كل الألوان والأحوال ، حتى لو اختص أهل الظلم والفسق بشيء مما أصله سُنَّة كالخاتم والخضاب والفرق لكان ينبغي لأهل الدين ألا يتشبهوا بهم ، مخافة الوقوع فيما كرهه الشرع من التشبه بأهل الفسق ، ولأنه قد يظن به من لا يعرفه أنه منهم ، فيعتقد ذلك فيه ، وينسبه إليهم ، فيظن به ظن السوء ، فيأثم الظان بذلك والمظنون بسبب المعونة عليه .
( 17 ) باب في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيفيته ( 2336 ) ( 90 ) [ 2245] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ . و ( قوله : " كان أهل الكتاب يَسْدلون أشعارهم ، وكان المشركون يَفْرُقُون رؤوسهم " ) قال القاضي : سدل الشعر : إرساله ، والمراد به هنا عند العلماء : إرساله على الجبين واتخاذه كالقَصَّة . يقال : سدل شعره وثوبه : إذا أرسله ، ولم يضم جوانبه . والفرق : تفريق الشعر بعضه عن بعض . والفرق : تفريقك بين كل شيئين . قال الحربي : والمفرق : موضع الفرق ، والفرق في الشعر سُنَّة ، لأنَّه الذي رجع إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . والظاهر أنه بوحي ، لقول أنس : " أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء " ، فسدل ، ثم فرق بَعْدُ ، فظاهره : أنه لأمر من الله تعالى ، حتى جعله بعضهم نسخًا ، وعلى هذا لا يجوز السَّدل ، ولا اتِّخاذ الناصية والْجُمَّة . وقد روي : أن عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسًا يجزون كل من لم يفرق شعره . قلت : وفيما قاله القاضي - رحمه الله - وحكاه نظر . بل : الظاهر من مساق الحديث أن السَّدل إنما كان يفعله لأجل محبته استئلاف أهل الكتاب بموافقتهم ، لكنه كان يوافقهم فيما لم يشرع له فيه ، فلما استمروا على عنادهم ، ولم ينتفعوا بالموافقة ، أحبَّ مخالفتهم أيضًا فيما لم يشرع له ، فصارت مخالفتهم محبوبة له لا واجبة عليه كما كانت موافقتهم . و ( قوله : " فيما لم يؤمر " ) يعني : فيما لم يطلب منه ، والطلب يشمل الواجب والمندوب كما قررناه في الأصول . وأما توهُّم النسخ في هذا ، فلا يلتفت إليه لإمكان الجمع ، كما قررناه ، وهذا بعد تسليم أن محبة موافقتهم ومخالفتهم حكم شرعي ، فإنَّه يحتمل أن يكون ذلك أمرًا مصلحيًّا ، هذا مع أنه لو كان السَّدل منسوخًا بوجوب الفرق لصار الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إليه ، أو بعضهم ، وغاية ما روي عنهم : أنه كان منهم من فرق ، ومنهم من سدل ، فلم يعب السَّادل على الفارق ، ولا الفارق على السَّادل ، وقد صحَّ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان له لِمَّةٌ ، فإنَّ انفرقت فرقها ، وإلا تركها . وهذا يدلُّ على أن هذا كان غالب حاله ، لأنَّ ذلك ذكره مع جملة أوصافه الدائمة ، وحِليته التي كان موصوفًا معروفًا بها ، فالصحيح : أن الفرق مستحبٌّ لا واجب ، وهذا الذي اختاره مالك . وهو قول جل أهل العلم . والله أعلم . و ( قوله : " كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب " ) قد قلنا : إن ذلك كان في أوَّل أمره عند قدومه على المدينة في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم ، وإن ذلك كله كانت حكمته التأنيس لأهل الكتاب حتى يصغوا إلى ما جاء به ، فيتبين لهم أنه الحق ، والاستئلاف لهم ليدخلوا في الدين ، فلما غلبت عليهم الشقوة ، ولم ينفع معهم ذلك نسخ الله تعالى استقباله قبلتهم بالتوجه نحو الكعبة ، وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمخالفتهم في غير شيء ، كقوله : " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " . وذكر أبو عمر في " التمهيد " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " اخضبوا وفرقوا ، خالفوا اليهود " . قال : إسناده حسن ، ورجاله كلهم ثقات ، وكقوله في الحائض : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " . حتى قالت اليهود : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه . فاستقر آخر أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مخالفتهم فيما لم يحكم عليه فيه بحكم ، فإذا ثبت هذا فلا حجَّة في قول عائشة رضي الله عنها : " كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب موافقة أهل الكتاب على أن شرعهم شرع لنا " ) فتأمَّل ذلك . واختلاف هذه الأحاديث في كيفية شعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو اختلاف أحوال ، إذ قد فعل ذلك كله ، فقد سدل ، وفرق ، وكان شعره لِمَّة ، ووفرة ، وجُمَّة . وقد روى الترمذي من حديث أم هانئ رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة وله أربع غدائر . قال : هذا حديث حسن صحيح . قلت : والغدائر : الضفائر . قال امرؤ القيس : غدائره مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلا تَضِلُّ المدارى في مُثَنًّى ومُرْسَلِ
( 58 ) باب فضائل أبي ذر الغفاري ( 2473 ) [ 2382 ] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا ، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا : إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ : أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا ، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا. قَالَ : وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ ! قُلْتُ : لِمَنْ؟ قَالَ : لِلَّهِ ! قُلْتُ : فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ : أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ. فَقَالَ أُنَيْسٌ : إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي ! فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ ، فَقُلْتُ : مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ! قُلْتُ : فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ : يَقُولُونَ شَاعِرٌ ، سَاحِرٌ ، كَاهِنٌ - وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ ، قَالَ أُنَيْسٌ : لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قَالَ : قُلْتُ : فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ. وفي رواية : قال : نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا . قَالَ : فَأَتَيْتُ مَكَّةَ فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ : أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ : الصَّابِئَ ! فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ ! قَالَ : فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ . قَالَ : فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ : فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَصْمِخَتِهِمْ فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ . قَالَ : فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ : أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَ . قَالَ : فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا . قَالَ : فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ : هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ - غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي ، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ وَتَقُولَانِ : لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا ! قَالَ : فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَتانِ ، قَالَ : مَا لَكُمَا؟ قَالَتَا : الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا ! قَالَ : مَا قَالَ لَكُمَا؟ قَالَتَا : إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ ! وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ ثم طَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ - قَالَ أَبُو ذَرٍّ : فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : فَقُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ : مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ غِفَارٍ . قَالَ : فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : كَرِهَ أَنْ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فقَالَ : مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا ؟ قَالَ : قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ . قَالَ : فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ قَالَ : قُلْتُ : مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ ! قَالَ : إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ ! فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا ، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ ؟ فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا ، فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ : صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ . قَالَ : مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ ! فَأَتَيْنَا أُمَّنَا ، فَقَالَتْ : مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ ! فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ : إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا ! فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِخْوَتُنَا ! نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ - فَأَسْلَمُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ . وفي رواية قال : فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْكُهَّانِ . قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ . قَالَ : فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا . وفيها أَيْضًا قَالَ : فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ . وفيها بعد " بتحية الإسلام " قال : قلت : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، مَنْ أَنْتَ؟ وَفِيها : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ. ( 2474 ) [ 2383 ] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَالَ لِأَخِيهِ : ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي . فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ : رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ : مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ ! فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ ، حَتَّى أَدْرَكَهُ - يَعْنِي اللَّيْلَ - فَاضْطَجَعَ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ ، فَقَالَ : مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ ؟ قَالَ : إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ ! فَفَعَلَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : فَإِنَّهُ حَقٌّ، وإنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي - فَفَعَلَ ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلَ مَعَهُ ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ! فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ! فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ! وَثَارَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : وَيْلَكُمْ ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ ! فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهَا وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ . ( 58 ) ومن باب : فضائل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه واسمه جندب - على الأصح والأكثر - ابن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن حرام بن غفار ، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن قصي بن نزار . هو من كبار الصحابة رضي الله عنه وعنهم ، قديم الإسلام ، يقال : أسلم بعد أربعة فكان خامسًا ، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام الحديبية بعد أن مضت بدر وأحد والخندق ، ويدل على كيفية إسلامه وتفصيل أحواله حديثه المذكور في الأصل ، وكان قد غلب عليه التعبُّد والزهد ، وكان يعتقد أن جميع ما فضل عن الحاجة كنز وإمساكه حرام ، ودخل الشام بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الآية ، فشكاه معاوية إلى عثمان فأقدمه عثمان المدينة فقدمها ، فزهد أبو ذر في كل ما بأيديهم ، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة فأذن له ، وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذن له في البدو ، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين على ما قاله ابن إسحاق ، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في ركب ، ولم يوجد له شيء يُكفن فيه ، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غزل أمه ، وكان قد وصَّى ألا يكفنه أحدٌ ولي شيئًا من الأعمال السلطانية ، وخبره بذلك معروف . روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائتي حديث وواحدًا وثمانين حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثًا . غريب حديث أبي ذر رضي الله عنه : الشنة : السقاء البالي ، والشنان : الأسقية ، واحدها شنٌّ ، وكل جلد بال فهو شنٌّ . ويقال للقربة البالية : شنَّة ، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الجدد . وقوله " ما أنى للرجل " ؛ أي : ما كان ، يقال : أنى وآن - بمعنى واحد ، و " تقفوه " : تتبعه . وقوله " لأصرخن بها " ؛ أي : بكلمة التوحيد . " بين ظهرانيهم " : يعني المشركين بمكة . وقوله " فنثا علينا خالنا الذي قيل له " ؛ أي : أظهر لنا بالقول ، يقال : النثى - بتقديم النون والقصر - في الشِّر والكلام القبيح ، وإذا قَدَّمْتَ الثاء ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل . وقوله " لا جماع لك " ؛ أي : لا اجتماع يبقى بيننا . و " الصِّرْمَةُ " : القطعة من الإبل نحو الثلاثين ، وقد تكون الصِّرْمَة في غير هذا القطعة من النخل ، والصّرم القطع . وقوله " فنافر أُنَيْس عن صرمتنا ، وعن مثلها " ؛ أي : التزم أن من قضي له بالغلبة أخذ ذلك ، قال أبو عبيد : المنافرة أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ثم يحكما رجلاً بينهما ، والنافر : الغالب ، والمنفور : المغلوب . يقال : نفره ، ينفره ، وينفره ، نفرًا - إذا غلب عليه . وقوله " فأتيا الكاهن فخيَّر أُنيسًا " ؛ أي غلبه وقضى له ، وكانت منافرته في الشعر أيهما أشعر . وقوله " وقد صلَّيت قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، هذا إلهام للقلوب الطاهرة ومقتضى العقول السَّليمة ، فإنَّها توفق للصواب وتلهم للرشد . وقوله : " أُلقيت كأني خِفَاءٌ " ، الرواية في " ألقيت " بضم الهمزة وكسر القاف مبنيًا لما لم يسم فاعله . والخفاء بكسر الخاء والمد : هو الغطاء ، وكل شيء غطيته بكساء أو ثوب فذلك الغطاء خفاء ، ويجمع أخفية - قاله أبو عبيد . وقال ابن دريد : الخفاء كساء يطرح على السقاء . و ( قوله : " فراث علي " ) ؛ أي : أبطأ . و ( قوله : " وضعت قوله على أقراء الشعر " ) ، قال ابن قتيبة : يريد أنواعه وطُرقه ، واحدها قَرْء . فيقال : هذا الشعر على قرء هذا . و ( قوله : " فتضعَّفتُ رجلاً " ) ؛ أي : رأيته ضعيفًا فعلمت أنه لا ينالني بمكروه ولا يرتاب بمقصدي . و ( قوله : " كأني نصب أحمر " ) ؛ أي : قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحد الأنصاب ، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها فتحمر بالدماء . فأمَّا زمزم فقال ابن فارس : هو من قولهم زمزمت الناقة إذا جعلت لها زمامًا تحبسها به ، وذلك أن جبريل ـ عليه السلام ـ لما همز الأرض بمقاديم جناحيه ففاض الماء زمتها هاجر ، فسُمِّيت : زمزم . و ( قوله : " ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر " ) ، كذا الرواية الصحيحة " أقراء " بالراء جمع قَرْءٍ على ما تقدم ، وقيَّده العذري " أقواء " بالواو ، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة ، قال القاضي : لا وجه له . و ( قوله : " فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر " ) ، هكذا الرواية عند جميع الشيوخ ، " بعدي " بالباء بواحدة والعين المهملة بمعنى غيري ، يقال : ما فعل هذا أحد بعدك - أي : غيرك . كما يقال ذلك في " دون " ، وهو كثيرٌ فيها . ومعنى الكلام أنه لما اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه ، ثم قطع بأنه لا يصح لأحد أن يقول إنه شعر ، ووقع في بعض النُّسخ " يَقْرِي " بفتح الياء ، قال القاضي : وهو جيد ، وأحسن منه " يُقْرِي " بضمها ، وهو مِمَّا تقدَّم ، يقال : أقرأت في الشعر ، وهذا الشعر على قَرْء هذا ، وقرؤه : أي قافيته ، وجمعها : أقراء . وفي بعض النسخ أيضًا " على لسان أحد يُعزى إلى شعر " ؛ أي : ينسب إليه ويوصف به - وللروايات كلها وجه . و ( قوله : " فما وجدت على كبدي سخفة جوع " ) ، قال الأصمعي : السخفة الخفة ، ولا أحسب قولهم سخيف إلا من هذا . و ( قوله : " في ليلة قمراء إضْحِيان " ) ، القمراء : المقمرة ، وهي التي يكون فيها قمر ، ويُسمَّى الهلال قمرًا من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدرًا ، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر . وإضحيان - بكسر الهمزة والضاد المعجمة : معناه كثير ضوء قمرها . قال ابن قتيبة : ويقال ليلة إضحيان وإضحيانة وضحيانة - إذا كانت مضيئة . و ( قوله : " ضرب على أصمختهم " ) ؛ أي ناموا ، ومنه قوله تعالى : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ؛ أي : أنمناهم . الأصمخة جمع صماخ ، وهو خُرق الأذن ، وهو بالصاد ، وقد أخطأ من قاله بالسين . وإساف ونائلة صنمان ، وقد تقدَّم ذكرهما في كتاب الحج ، وقد روى ابن أبي نجيح أن إسافًا ونائلة كانا رجلاً وامرأة حجَّا من الشام ، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين ، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام فأخرجا منه . و ( قوله : " فما تناهتا عن قولهما " ) ؛ أي : ما رجعتا عنه . و ( قوله : " هن مثل الخشبة " ) يعني به الذَّكَر ، وقد تقدَّم أن " هَنًا " كناية عن النكرات ، وأراد بذكره هنا سبّ إساف ونائلة ، وهو تقبيح ، كقوله أولاً " أنكحا أحدهما الآخر " . و ( قوله : " تولولان " ) ؛ أي : تدعوان بالويل وترفعان بذلك أصواتهما . وقولهما : " لو كان أحدٌ من أنفارنا " ؛ أي : من قومنا ، وهو جمع نفر ، والنَّفر : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وجواب " لو " محذوف ، أي : لنصرنا عليك - ونحوه . و ( قولهما : " الصابئ " ) ؛ أي الخارج عن دين قومه ، ويهمز ولا يهمز ، وقد قرئ بهما . و ( قولهما : " قال كلمة تملأ الفم " ) ؛ أي عظيمة ، حتى كأن الفم يضيق عنها . و ( قوله : " فكنت أول من حياه بتحيَّة الإسلام " ) ؛ يعني به : السلام عليك يا رسول الله ! وظاهره أنه ألهم النُّطق بتلك الكلمة ، إذ لم يكن سمعها قبل ذلك ، وعلمه بكونه أوّل من حياه يحتمل أن يكون إلهامًا ويحتمل أن يكون علمه بغير ذلك بالاستقراء ثم أخبر عنه ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " فَقَدَعَنِي صاحبه " ) ؛ أي : كفَّني ومنعني . يقال : قَدَعْتُ الرَّجَل وأقْدَعتُه - إذا كففته ، ومنه قول الحسن : اقدعوا هذه الأنفس فإنَّها طلعة - وهو بالدال المهملة . و ( قوله : " إنها طعام طعم " ) ؛ أي : يُشبع منه ويُردُّ الجوعَ . الرواية فيه " طعامُ طعم " بالإضافة ، والطعام : اسم لما يتطعَّم ، فكأنه قال : طعام إشباع ، أو طعام يشبع - فأضافه إلى صفته ، هذا على معنى ما قاله ابن شميل ، فإنه قال : يقال إن هذا لطعام طعم ، أي : يطعم من أكله ، أي : يشبع منه الإنسان ، وما يطعم أكلُ هذا الطعام أي ما يشبع منه ، غير أنه قد قال الجوهري : الطُّعْمُ بالضم الطعام ، وبالفتح ما يُشتهَى منه . قال : قال أبو خراش : أُرَدُّ شجاع البَطنِ لَوْ تَعْلَمينه ويُؤثَرُ غيري من عيالك بالطُّعمِ وأَغْتَبِقُ الماء القَرَاحَ فَأَنْتَهِي إذا الزَّادُ أَمْسَى للمُزَلَّج ذَا طَعْمِ قال : فأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يُشتهى . قلت : وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى ، فإنَّه يكون كقولك طعامُ طعامِ ، ولا يصحُّ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه ، وإنَّما يستقيم معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل ، ويحصل من قولهما أن طعمًا تُستعمل بمعنى الاسم كما قاله الجوهري وبمعنى الصفة كما قاله ابن شميل ، والله تعالى أعلم . وقد روى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في زمزم : " إنها مباركةٌ ، وهي طعام طعم وشفاء سقم " ؛ أي : طعام من جوع وشفاء من سقم . و ( قوله في هذا الحديث : " إنها مباركة " ) ؛ أي : إنها تظهر بركتها على من صحَّ صدقه وحسنت فيها نيته ، كما قد روى العقيلي أبو جعفر من حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " ماء زمزم لما شرب له " . فينبغي أن يتبرك بها ويحسن النية في شربها ويحمل من مائها ، فقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم ، وتخبر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحمله . قال : حديث حسن غريب . و ( قوله : " ثم غَبَرْت ما غَبَرْتُ " ) ؛ أي : بقيت ما بقيت ، وقد تقدَّم أن غبر من الأضداد . و ( قوله : " وقد وجهت إلى أرض ذات نخل " ) ؛ أي : ذهب بي إلى تلك الجهة وأُريتها . و ( قوله : " لا أراها إلا يثرب " ) ، هذا كان اسم المدينة قديمًا حتى قدمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكره أن تُسمَّى يثرب ، لأنَّه مأخوذ من التثريب وهو اللوم والتقبيح ، وسَمَّاها " طابة " ، وقد تقدَّم هذا في الحج ، وأيماء بن رحضة يروى بفتح الهمزة وكسرها ، ورحضة بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة . و ( قوله : " غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله " ، إنما دعا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهاتين القبيلتين لأنَّهما أسلمتا طوعًا من غير قتال ولا إكراه ، ويحتمل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين من المغفرة والمسالمة لهما . وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق وأجر اللاحق ، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ . و ( قوله : " إنهم قد شَنِفُوا له وتَجَهَّمُوا " ) ؛ أي : أبغضوه وعبسوا في وجهه ، والشَّنَفُ : البغض ، ويُقال : رجل جهم الوجه إذا كان غليظه منعقده ، كأنه يعبس وجهه لكل أحد . و ( قوله : " فلم يزل أخي أُنَيْس يمدحه حتى غلبه " ) ، كذا في رواية السَّجْزيّ وغيره ، وهي واضحة ، أي : لم يزل ينشد شعرًا يقتضي المدح حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر وأنه أشعر منه ، وكأن هذا الكاهن كان شاعرًا فقضى بينهما بذلك ، وفي رواية العذري : " فلم يزل أخي أنَيْس يمدحه ويثني عليه " مكان : " حتى غلبه " . قال : فأخذنا صِرْمَته فضَمَمْناها إلى صرمتنا ، والرواية الأولى أولى لأنَّها أفادت معنى مناسبًا به التأم الكلام بما بعده ، وهو أنه إنما أخذ صِرْمته لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة ، ولأن قوله " ويثني عليه " مكرر ، لأنَّه قد فُهم ذلك من قوله " يمدحه " ، فحمل الكلام على فائدة جديدة أولى . وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبين أن أخاه أُنَيْسا كان شاعرًا مُفْلِقًا مُجيدًا ، بحيث يحكم له بغلبة الشعراء ، ومن كان هكذا علم أنه عالم بالشعر وأنواعه . فلما كان كذلك وسمع القرآن علم قطعًا أنه ليس بشعر ، ولذلك قال : لقد وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم ، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر ولا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاعر ، فكان ذلك تكذيبًا لمن زعمه من جهَّال الكفار ومن المعاندين الفجَّار . قلت : وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه ، وذلك أن في حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول ما لقيه ليلاً وهو يطوف بالكعبة ، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة ولا زاد له ، وإنَّما اغتذى بماء زمزم . وفي حديث ابن عباس : إنه كان له قربة وزاد ، وأن عليًّا ـ رضي الله عنه ـ أضافه ثلاث ليال ثم أدخله على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيته فأسلم ، ثم خرج يصرخ بكلمتي الإسلام . وكل ذلك من السندين صحيح ، فالله أعلم أي المتنين الواقع ، ويحتمل أن يقال إن أبا ذر لما لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حول الكعبة وأسلم لم يعلم به إذ ذاك علي إذ لم يكن معهم ، ثم إن أبا ذر بقي مستقرًا بحاله إلى أن استتبعه علي ثم أدخله على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجدَّد إسلامه ، فظن الراوي أن ذلك أول إسلامه ، وفي هذا الاحتمال بُد ، والله أعلم بحقيقة ذلك . ولم أر من الشارحين لهذا الحديث من ينبَّه لهذا التعارض ولا لهذا التأويل .
( 2471 ) [ 2380 ] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالُ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى وَقَدْ مُثِلَ بِهِ . قَالَ : فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ - فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا : ابِنْة عَمْرٍو - أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو . فَقَالَ : وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ ! وقوله " وجيء بأبي مُسجًّى ، وقد مُثِّل به " ؛ أي : مُغطى بثوب ومُثِّل به ، أي جُدِع أنفه وأذناه ، فعل ذلك به المشركون . وقوله " ولِمَ تبكي ؟ " ، كذا صحَّت الرواية بـ " لم " التي للاستفهام ، " تبكي " بغير نون ، لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة ، ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة لقال : ولم تبكين ؟ بإثبات النون ، وكذلك جاء في رواية أخرى " أولا تبكيه ؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها " هو إخبار عن غائبة ، ولو كان خطاب الحاضرة لقال : تبكينه ، أو لا تبكينه بنون فعل الواحدة المخاطبة ، ويعني بهذا الكلام أن عبد الله مكرَّم عند الملائكة سواء بُكِي عليه أو لم يُبْكَ ، وكون الملائكة تظله بأجنحتها إنما ذلك لاجتماعهم عليه وتراحمهم على مبادرة لقائه والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة ، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامة والدَّرجة الرفيعة ، والله تعالى أعلم .
( 57 ) باب فضائل جليبيب ( 2472 ) [ 2381 ] عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا : نَعَمْ ؛ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا . ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا : نَعَمْ ؛ فُلَانًا وَفُلَانًا . ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا ، فَاطْلُبُوهُ ! فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ ، فَأَتَاه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ . قَالَ : فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ ، لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ - وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا . ( 57 ) ومن باب : فضائل جليبيب رضي الله عنه وكان رجلا من ثعلبة ، وكان حليفًا في الأنصار ، قال ابن سعد : سمعت من يذكر ذلك . روى أنس بن مالك قال : كان رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقال له جليبيب ، وكان في وجهه دمامة ، فعرض عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التزويج ، فقال : إذن تجدني كاسدًا يا رسول الله ! فقال : " إنك عند الله لست بكاسد " . وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج جليبيب أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لرجل من الأنصار : " يا فلان ، زوجني ابنتك " ، قال : نعم ، ونعمة عين ! قال : " إني لست لنفسي أريدها " ، قال : فلمن ؟ قال : " لجليبيب " ، قال : حتى أستأمرَ أمَّها ! فأتاها وأخبرها بذلك ، فقالت : حلقى ، ألجليبيب ؟ ! لا لَعَمْرُ الله ، لا أُزوِّج جُليبيبًا ! فلما قام أبوها ليأتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت الفتاة من خدرها لأبويها : من خطبني إليكما ؟ قالا : رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : أفتردَّان على رسول الله أمره ؟ ! ادفعاني إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنَّه لن يُضيِّعني ! فذهب أبوها للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره بذلك وقال : شأنك بها . فزوَّجها جُليبيبًا ، ودعا لهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " اللهم صُبَّ عليهما الرزقَ صبًّا صبًّا ، ولا تجعل عيشهما كدًّا كدًّا " - ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم . وقوله " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مغزًى له " ؛ أي في غزوة . وقوله " هل تفقدون أحدًا ؟ " ، هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلام كونهم فقدوا أحدًا ممن يعزّ عليهم فَقْده ، إذ ذاك كان معلومًا له بالمشاهدة ، وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يحفلوا به ولا التفتوا إليه لكونه كان غامضًا في الناس ، ولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه أو حبيبه فكان مشغولاً بمصابه لم يتفرَّغ منه إلى غيره ، ولَمَّا أطَّلع الله نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما كان من حال جليبيب من قتله السَّبعة الذين وجدوا إلى جنبه نوَّه باسمه وعرَّف بقدره ، فقال : " لكني أفقدُ جُليبيبًا " ؛ أي : فقده أعظم من فقد كل من فقد ، والمصاب به أشد - ثم إنه أقبل بإكرامه عليه ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته ، ولتناله بركة ملامسته . وجليبيب : تصغير جِلباب ، سُمِّي به الرجل .
( 56 ) باب فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة، وعبد الله بن عمرو بن حرام ( 2470 ) [ 2379 ] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ : مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟ فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ : أَنَا، أَنَا ! قَالَ : فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ : أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ ! قَالَ : فَأَخَذَهُ ، فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ . ( 56 ) ومن باب : فضائل أبي دجانة رضي الله عنه هو سماك بن خرشة بني لوذان الخزرجي الأنصاري ، وهو مشهور بكنيته ، شهد بدرًا وأُحُدًا ، ودافع عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يومئذ هو ومصعب بن عمير ، وكثرت فيه الجراحة ، وقُتِل مصعب . وكان أبو دُجانة أحد الشجعان ، له المقامات المحمودة مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مغازيه ، استشهد يوم اليمامة ، وقال أنس : رمى أبو دجانة بنفسه في الحديقة فانكسرت رجله ، فقاتل حتى قُتل ، وقيل : إنه شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة . وقد قيل : إنه عاش حتى شهد مع علي صفِّين - والله تعالى أعلم . قال أبو عمر : إسناد حديثه في الحرز المنسوب إليه فيه ضعف . وقوله صلى الله عليه وسلم " من يأخذ مني هذا السَّيف بحقه ؟ " ، يعني بالحق هنا أنه يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله تعالى على المسلمين أو يموت ، فلما سمعوا هذا أحجموا ، أي : تأخروا ، يقال : أحجم وأجحم بتقديم الحاء وتأخيرها . فأخذه أبو دجانة وقام بشرطه ، ووَفَّى بحقه . و " هام المشركين " مخففًا ، يعني رؤوسهم ، قال : نضرب بالسُّيوف رؤوس قومٍ أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المقيل المقيل : أصول الأعناق . وأما جابر فهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن غنم بن كعب بن سَلَمَة الأنصاري السلمي ، وهو أحد النقباء ، شهد العقبة وبدرًا ، وقُتِل يوم أحُد وَمُثِّل به . وروى بقي بن مَخْلَد عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : لقيني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " يا جابر ، ما لي أراك منكسًا مهتمًا ؟ " ، قلت : يا رسول الله ، استشهد أبي وترك عيالاً ، وعليه دين ! قال : أفلا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك ؟ " ، قلت : بلى يا رسول الله ! قال : " إن الله عز وجل أحيا أباك وكلمه كفاحًا ، وما كلَّم أحدًا قط إلا من وراء حجاب ، فقال له : يا عبدي ، تَمَنَّ أعطك! قال : يا رب ، تردّني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية فأبلِّغ من ورائي " ، فأنزل الله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ الآية . قلت : وقد تضمَّن هذا الحديث فضيلة عظيمة لعبد الله لم يُسْمَع بمثلها لغيره ، وهي : أن الله تعالى كلَّمه مشافهة بغير حجاب حجبه به ولا واسطة قبل يوم القيامة ، ولم يفعل الله تعالى ذلك مع غيره في هذه الدَّار ، كما قال تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا وكما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث : " وما كلَّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب " ، وظاهر هذه الآية وهذا الحديث أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدَّار لحيٍّ ولا لميت إلا لعبد الله هذا خاصَّة ، فيلزم على هذا العموم أنه قد خُصَّ من ذلك بما لم يُخَصّ به أحدٌ من الأنبياء ، وهذا مشكل بالمعلوم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء كما تقدم ، فوجه التَّلفيق أن قوله صلى الله عليه وسلم " وما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجاب " إنما يعني به - والله أعلم - أنه ما كلَّم أحدًا من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته - وقيل يوم القيامة - إلا عبد الله ، ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة وإجماع أهل السُّنَّة من أن يرون الله تعالى في الجنة ويُكلِّمهم بغير حجاب ولا واسطة . وأما الآية فإنما مقصودها حَصْر أنواع الوحي الواصل إلى الأنبياء من الله تعالى ، فمنه ما يقذفهُ الله تعالى في قلب النبيِّ وروعه ، ومنه ما يُسمعه الله تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوبًا عن رؤية الله تعالى ، ومنه ما يبلغه له الملك ، وحاصلها الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحدٌ من البشر في هذه الدَّار نبيًا كان أو غير نبي ، ويشهد لهذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصحيح : " اعلموا أنه لا يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت " . وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لربِّه ، والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك ، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه ، والله تعالى أعلم .
( 18 ) باب في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخضابه ( 2341 ) ( 102 ) [ 2248 ] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَخَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَرَ مِنْ الشَّيْبِ إِلَّا قَلِيلًا . ( 2341 ) ( 103 ) [ 2249 ] وعن ثَابِتٌ قَالَ : سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أخضَب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ، وَقَالَ : لَمْ يَخْتَضِبْ، وَقَدْ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا . ( 2341 ) ( 104 ) [ 2250 ] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ قَالَ : وَلَمْ يَخْضِبْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ نَبْذة . ( 2341 ) ( 105 ) [ 2251 ] وعنه : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ . ( 2342 ) ( 106 ) [ 2252 ] وعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاءَ - وَوَضَعَ زُهَيْرٌ بَعْضَ أَصَابِعِهِ عَلَى عَنْفَقَتِهِ - قِيلَ لَهُ : مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ : أَبْرِي النَّبْلَ وَأَرِيشُه .
( 2468 ) ( 126 ) [ 2378 ] وعن البراء قال : أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا، وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ . و ( قوله : " أُهديت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حلَّةُ حرير " ) كذا جاء في حديث البراء : حلَّة بالحاء المهملة واللام ، وفي حديث أنس : أن أُكَيْدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جُبَّة من سندس . وهذه أوجه وأصوب ، لأنَّ الحلة لا تكون عند العرب ثوبًا واحدًا ، وإنما هي لباس ثوبين ، يحل أحدهما على الآخر ، وأن الثوب الفرد لا يُسمَّى حلة . وقد جاء في السِّير أنها : قباء من ديباج مخوَّص بالذهب وقد تقدَّم الكلام على الحرير في اللباس . وأكيدر : بضم الهمزة وفتح الكاف وياء التصغير بعدها : تصغير : أكدر ، والكدرة : لون بين السواد والبياض ، وهو الأغبر ، وهو : أكيدر بن عبد الملك الكندي . ودومة : بفتح الدال وضمها ، وأنكر ابن دريد الفتح ، وقال : أهل اللغة يقولونه بالضم ، والمحدِّثون بالفتح ، وهو خطأ ، وقال : ودومة الجندل : مجتمعه ومستداره ، وهو من بلاد الشام قرب تبوك ، كان أكيدر ملكها ، وكان خالد بن الوليد قد أسره في غزوة تبوك وسلبه قباء من ديباج مخوَّصًا بالذهب . فأمَّنَه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وردَّه إلى موضعه ، وضرب عليه الجزية . و ( قوله : " لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين " ) هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد ، لأنَّ المناديل إنما هي ممتهنة متخذة لمسح الأيدي بها من الدَّنس والوسخ ، وإذا كان هذا حال المنديل ، فما ظنُّك بالعمامة والحلة ؟! ولا يظنُّ أن طعام الجنة وشرابها فيهما ما يدنس يد المتناول حتى يحتاج إلى منديل ، فإنَّ هذا ظن من لا يعرف الجنة ولا طعامها ولا شرابها ، إذ قد نزه الله الجنة عن ذلك كله ، وإنما ذلك إخبارٌ بأن الله أعدَّ في الجنة كل ما كان يحتاج إليه في الدُّنيا ، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف ، فأعدَّ فيها أمشاطًا ، ومجامر ، وأُلُوَّة ، ومناديل ، وأسواقًا وغير ذلك مما تعارفناه في الدُّنيا ، وإن لم نحتج له في الجنة ، إتمامًا للنعمة ، وإكمالاً للمنَّة .
( 55 ) باب فضائل سعد بن معاذ ( 2466 ) ( 123 و 124 ) [ 2377] عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ - : اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ . وفي رواية : اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ . ( 55 ) ومن باب : فضائل سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ هو ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الخزرجي الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير ، وشهد بدرًا وأحدًا ، ورمي يوم الخندق بسهم ، فعاش شهرًا ، ثم انتقض جرحه فمات منه . توفي سنة خمس من الهجرة ، وقد تقدَّم حديثه في حكمه في بني قريظة ، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للحاضرين من أصحابه : " قوموا إلى سيدكم " وقالت عائشة رضي الله عنها : كان في بني عبد الأشهل ثلاثة ، لم يكن بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المسلمين أحدٌ أفضل منهم : سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وعبَّاد بن بشر ، تعني : من الأنصار ، والله أعلم . وقال ابن عباس : قال سعد بن معاذ : ثلاثة أنا فيهن رجل كما ينبغي ، وما سوى ذلك فأنا رجل من المسلمين . ما سمعت من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديثًا إلا علمت أنه حق من الله ، ولا دخلت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى قضيتها ، ولا كنت في جنازة قط فحدَّثت نفسي بغير ما تقول ، وما يُقال لها حتى أنصرفَ عنها . و ( قوله : " اهتز عرش الرحمن لجنازة سعد بن معاذ " ) حمل بعض العلماء هذا الحديث على ظاهره من الاهتزاز والحركة ، وقال : هذا ممكن ، لأنَّ العرش جسم ، وهو قابل للحركة والسُّكون ، والقدرة صالحة ، وكانت حركته علمًا على فضله ، وحمله آخرون على حملة العرش ، وحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه ، ويكون الاهتزاز منهم استبشارًا بقدوم روحه الطيبة ، وفرحًا به ، وحمله آخرون على تعظيم شأن وفاته ، وتفخيمه على عادة العرب في تعظيمها الأشياء ، والإغياء في ذلك ، فيقولون : قامت القيامة لموت فلان ، وأظلمت الأرض ، وما شاكل ذلك مِمَّا المقصود به التعظيم والتفخيم لا التحقيق ، وإليه صار الحربي . وكل هذا مُنزَّل على : أن العرش هو المنسوب لله تعالى في قوله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وهو ظاهر قوله : " اهتز عرش الرحمن لموت سعد " . وقد روي عن ابن عمر : أن العرش هنا سرير الموت . قال القاضي : وكذلك جاء في حديث البراء في الصحيح : " اهتز السَّرير ، وتأوله الهروي : فَرِح بحمله عليه .
( 2340 ) ( 98 و 99 ) [ 2254 ] وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي، قَالَ : فَقُلْتُ : فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ : كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا . قال مسلم : مات أبو الطفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . و ( قوله : " كان أبيض مليحًا مُقَصَّدًا " ) أبيض : يعني في صفاء ، كما جاء أنه كان أزهر ، وكما قال : " ليس بالأبيض الأمهق " . والملاحة : أصلها في العينين كما تقدَّم . والمقصَّد : القصد في جسمه وطوله ، يعني : أنه لم يكن ضئيل الجسم ، ولا ضخمه ، ولا طويلاً ذاهبًا ، ولا قصيرًا مترددًا ، كان وسطًا فيهما . و ( قوله : " كان شعره رَجِلاً " ) أي : ليس بالجعد ، ولا بالسَّبط . الرواية في رَجِلاً ، بفتح الراء وكسر الجيم ، وهي المشهورة . وقال الأصمعي : يقال : شعر رَجِل : بفتح الراء وكسر الجيم ، ورَجَل : بفتح الجيم ، ورَجْل : بسكونها ، ثلاث لغات ، إذ كان بين السُّبوطة ، والجعُودة ، قال غيره : شعر مرجَّل ، أي : مسرح . وكان شعره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأصل خِلْقته مُسَرَّحًا . و ( قول أنس ـ رضي الله عنه ـ وقد سئل عن خضاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لم ير من الشيب إلا قليلاً " . وفي الرواية الأخرى : " لو شئت أن أَعُدَّ شمطاتٍ كن في رأسه فعلت " ظاهره : أنه لم يكن ـ صلى الله عليه وسلم ـ يختضب ، كما قد نصَّ عليه في بقية الحديث . وبهذا الظاهر أخذ مالك فقال : لم يختضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإليه ذهب أبو عمر بن عبد البر ، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أنه خضب ، متمسِّكين في ذلك بما رواه أبو داود عن أبي رمثة ، قال : انطلقت مع أبي نحو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا هو ذو وفرة ، وبها ردعٌ من حنَّاء ، وعليه بُردان أخضران . وروى أبو داود أيضًا عن زيد بن أسلم : أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة . فقال : إني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصبغ بها ، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها ، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته . ويعتضد هذا بأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتغيير الشيب ، كما قال : " غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد " ، وقال : " غيروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود " . وما كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بشيء إلا كان أول آخذ به . ومما يعتضد به لذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن موهب ، قال : دخلت على أم سلمة ، فأخرجت لي شعرات من شعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخضوبًا . زاد ابن أبي شيبة : بالحناء والكتم . والإسناد واحد . ومما يعتضد به هؤلاء خضاب الخليفتين رضي الله عنهما ، فلو علما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يختضب لما اختضبا ، فإنَّهما ما كانا باللذين يعدلان عن سنَّته ، ولا عن اتباعه ، والفصل لهؤلاء من أحاديث أنس ، وما في معناها بأن الخضاب لم يكن منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دائمًا ، ولا في كل حال ، وإنَّما كان في بعض الأوقات ، فلم يلتفت أنس لهذه الأوقات القليلة ، وأطلق القول ، وأولى من هذا أن يقال : إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما لم يكن شيبه كثيرًا ، وإنَّما كان في لحيته وصدغيه نحو العشرين شعرة بيضًا ، لم يكن الخضاب يظهر فيها غالبًا ، والله تعالى أعلم . وقد اعتذر أصحاب القول الأول عن حديث أبي رمثة وابن عمر بأن ذلك لم يكن خضابًا بالحناء ، وإنما كان تغييرًا بالطيب ، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما : كان يصبغ بالصفرة ، ولم يقل : بالحناء ، وهذه الصفرة هي التي قال عنها أبو رمثة : ردع من حناء ، لأنَّه شبهها بها ، وأما حديث أم سلمة فيحتمل أن يكون ذلك فعل بشعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعده بطيب أو غيره احترامًا وإكرامًا . والله أعلم . والشَّمَطات : جمع شمطة ، ويعني بها : الشعرات البيض المخالطة للشعر الأسود . قال الأصمعي : إذا رأى الرجل البياض ، فهو أَشْمَط . وقد شَمِطَ . والكَتَم - بالتحريك - : نبت يخلط بالوسمة ، يختضب به . قاله في الصحاح . والبحت - بالموحدة والحاء المهملة - : هو الخالص من الشيء ، المنفرد عن غيره . وقال أبو حنيفة اللغوي : الوسمة : الحظر ، والعِظْلِم ، والثبلج ، والتَّنومة ، وكله يصبغ به . والحناء ممدودة . قال أبو علي : جمع حناءة . والكتم -مخفف التاء - : هو المعروف . وأبو عبيد يقولها بالتشديد . ونُبَذ : الرواية فيه بفتح النون وسكون الباء ، أي : شيء قليل متبدد . وبعض النَّاس يقوله : نبذ - بضم النون وفتح الباء - : جمع نُبْذة ، كغرفة وغرف ، وظلمة وظلم . وهذا لا يستقيم هنا ، لأنَّه كان يلزم منه أن يكون سببه نبذًا مجتمعة في أنفسها ، متفرقة في مواضع عديدة ، ويلزم عليه أن يكون سببه كثيرًا ، فيكون هذا مخالفا لما قاله أنس في الأحاديث الأخر . وكراهته ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشيب إنَّما كان لأنه وقارٌ ، كما قد روى مالك : " أن أوَّل من رأى الشيب إبراهيم عليه السلام ـ ، فقال : يا رب ! ما هذا ؟ فقال : وقار . قال : يا رب زدني وقارًا " أو لأنه نورٌ يوم القيامة ، كما روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جدِّه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تنتفوا الشيب ! ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة " . وفي أخرى : " إلا كتب الله له حسنة ، وحط عنه خطيئة " . و ( قول أنس ـ رضي الله عنه ـ : " ما شانه الله بِبَيضاء " ) أي : لم يكن شيبه كثيرًا بيِّنًا حتى تزول عنه بهجة الشباب ، ورونقه ، ويلحق بالشيوخ ، الذين يكون الشيبُ لهم عيبًا ، فإنَّه يدلّ على ضعفهم ، ومفارقة قوة الشباب ونشاطه . ويحتمل أن يريد : أن ما ظهر عليه من الشيب اليسير زاده ذلك في عين الناظر إليه أبهة ، وتوقيرًا ، وتعظيمًا . و " الشَّيْن " : العيب . و" أبري النِّبل " : أنحته ، و " أَرِيشُه " : أجعل فيها الريش ، ويعني : أنَّه قد كان كبر ، وقوي ، وعرف . وهذا حال المراهق .
( 2344 ) ( 108 و 109 ) [ 2255] وعن جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قالُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ . فَقَالَ رَجُلٌ : وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ : لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ . و ( قوله : " قد شَمِطَ مُقَدَّمُ رأسه ولحيته " ) أي : خالط الشيب ذينك الموضعين . ومقدم اللحية : يعني به : العنفقة ، كما قال أبو جحيفة : رأيت هذه منه بيضاء . يعني : عنفقته . و" مقدمه " يعني به : الصِّدغين ، كما قال أنس : إنما كان البياض في عنفقته وصدغيه . وهذا يدلّ : على أن قول أنس في الرواية الأخرى : إنه كان في لحية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورأسه عشرون شعرة بيضاء ، إنَّما كان ذلك منه تقديرًا على جهة التقريب والتقليل لا التحقيق . و ( قوله : " وكان إذا ادَّهن لم تتبيَّن ، وإذا شعث تبيَّن " ) يعني : أنه كان إذا تطيَّب بطيب يكون فيه دهن فيه صفرة خفي شيبه ، وهذه هي الصفرة التي رأى عليه ابن عمر ، وأبو رمثة . والله أعلم . وشعث الرأس : انتفاش شعره لعدم تسريحه ، وأراد به هنا : إذا لم يتطيَّب . و ( قوله : " كان وجهه مثل السيف " ) يحتمل هذا التشبيه وجهين : أحدهما : أن السيوف كانت عندهم مستحسنة محبوبة يتجمَّلون بها ، ولا يفارقونها ، فشبه وجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به ، لأنَّه مستحسن محبوب يُتجمل به حين المجالسة ، ولا يُستغنى عنه . وثانيهما : أنه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أزهر ، صافي البياض ، يبرق وجهه ، وقد روي : أنه كان يتلألأ وجهه في الجدر ، فشبَّه وجهه بالسيف في صفاء بياضه وبريقه . والله أعلم . و ( قوله : " لا ! بل : مثل الشمس والقمر " ) هذا نفيٌ لتشبيه وجهه بالسيف ، لما في السيف من الطول ، فقد يحتمل أن وجهه كان طويلاً ، وإنَّما كان مستديرًا في تمام الخَلْق ، ولأنه تقصير في التشبيه ، فأضرب عن ذلك ، وذكر من التشبيه ما هو أوقع ، وأبلغ ، فقال : بل مثل الشمس والقمر ، وهذا التشبيه : هو الغاية في الحسن ، إذ ليس فيما نشاهده من هذه الوجوه أحسن ، ولا أرفع ، ولا أنفع منهما ، وهما اللذان جرت عادة الشعراء والبلغاء بأن يشبهوا بهما ما يستحسنونه . و ( قوله : " وكان كثير شعر اللحية " ) لا يفهم من هذا أنه كان طويلها ، فإنَّه قد صحَّ أنه كان كثَّ اللحية ، أي : كثير شعرها غير طويلة ، وكان يخلل لحيته . و ( قوله : " ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة " ) الألف واللام في الخاتم لتعريف العهد ، أي : خاتم النبوة الذي من علاماته المعروفة له في الكتب السابقة ، وفي صدور علماء الملل السالفة ، ولذلك لما حصل عند سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ العلم بصفاته ، وأحواله ، وعلاماته وموضع مبعثه ، ودار هجرته ، جدَّ في الطلب حتى ظفر بما طلب ، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره ، فعلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة ، فنزع رداءه من على ظهره ، فلما رأى سلمان الخاتم أكبَّ عليه يقبله ، وهو يقول : أشهد أنك رسول الله . وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام ، ونزلوا بصومعة راهب كان هنالك ، وقد سُمِّي في غير هذا الخبر " بحيرًا " فخرج إليهم ذلك الراهب ، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم ، ولا يلتفت إليهم ، فلما خرج جعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، يبعثه الله رحمة للعالمين . فقال له أشياخ من قريش : ما علمك ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ، ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا له ، ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفه مثل التفاحة وذكر الحديث بطوله ، وقال في آخره : حديث حسن غريب . وعلى هذا ، فخاتم النبوة معناه : علامةُ نبوَّةِ نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد اختلفت ألفاظ النقلة في صفة ذلك الخاتم ، فروى جابر بن سمرة ، وأبو موسى ما ذكرناه آنفًا ، وروى السائب بن يزيد : أنه مثل زرِّ الحجلة . وروى عبد الله بن سرجس : أنه رأى جُمْعًا عليه خِيلان مثل الثآليل . وروى الترمذي عن جابر بن سمرة ، قال : كان خاتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ - يعني الذي بين كتفيه - غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة ، وقال : حسن صحيح . قلت : وهذه الكلمات كلها متقاربة المعنى مفيدة أن خاتم النبوة كان نتوءًا قاتمًا أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل : بيضة الحمامة ، وإذا كُثِّر : جمع اليد ، وقد جاء في البخاري : كان بضعة ناشزة ، أي : مرتفعة . و قوله : " زرِّ الحجلة " الرواية المعروفة فيه : " زر " بتقديم الزاي . قال أبو الفرج الجوزي : الحجلة : بيت كالقبة يستر بالثياب ، ويجعل له باب من جنسه ، فيه زرّ وعروة ، تشدُّ إذا أغلق . وقال القاضي أبو الفضل : الزرُّ : الذي يعقد به النساء عرى أحجالهن كأزرار القميص . والحجلة هنا : واحدة الحِجال ، وهي ستور ذات سُجوف . وقال غيره : الحجلة : هي الطائر المعروف ، وزرَّها : بيضتها ، كما قال جابر : بيضة الحمامة . قلت : والأول : أشهر في الزر ، والثاني : أشبه بالمعنى ، وقد أبعد الخطابي فرواه : رز الحجلة بتقديم الراء ، أراد : بيضة الحجلة . يقال : أرزت الجرادة ، أي : أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض . قلت : وهذا لا يلتفت إليه ، لأنَّ العرب لا تسمي البيضة رزة ، ولا تؤخذ اللغة قياسًا . قال القاضي أبو الفضل : وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه . قلت : هذه غفلة من هذا الإمام ، فإنَّ الشق إنما كان في صدر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأثره إنما كان خطًّا واضحًا من صدره إلى مراق بطنه ، كما هو منصوص عليه في الأحاديث السالفة في كتاب الإيمان من كتاب مسلم ، وفي البخاري وغيرهما ، ولم يثبت قط في رواية صحيحة ، ولا حسنة ، ولا غريبة أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره ، ولو قدرنا أن ذلك الشق كان نافذًا إلى ظهره ، وأن تلك أثره ، للزم عليه أن يكون مستطيلاً من بين كتفيه إلى قطنته ، لأنَّه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراق بطنه ، فهذه غفلة منه رحمه الله . ولعل هذا غلط وقع من بعض الناسخين لكتابه ، فإنَّه لم يُسمع عليه فيما علمت . وناغض الكتف : هو ما رق منه ولان ، سُمِّي بذلك لنغوضه ، أي : حركته ، يقال : نغض رأسه ، أي : حركه . ونغضت القناة : هززتها . ومنه قوله تعالى : فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ، أي : يحركونها استهزاء . ويُسمَّى الناغض : الغضروف ، وكذا جاء في رواية أخرى . و ( قوله : " جُمْعًا عليه خيلان " ) هو منصوب على الحال ، أي : نظرت إلى خاتم النبوة مثل الجمع . قال ابن قتيبة : هو جُمع الكف . يقال : ضربه بِجُمع كفه ، إذا جمعها فضربه بها . وهو بالضم ، ويقال بكسرها . والخِيلان : جمع خال ، وهي نقط سودٌ كانت على الخاتم ، شبهها لسعتها بالثآليل ، لا أنها كانت ثآليل ، وهي جمع ثؤلول : وهي حبيبات تعلو الجلد . و ( قوله : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضليع الفم " ) فسَّره سماك في الأصل : بأنه عظيم الفم ، وهو بمعنى واسع الفم كما قاله ثعلب . والعرب تتمدَّح بسعة الفم ، وتكره صغره . قلت : وكأنهم يتخيَّلون أن سعة الفم يكون عنها : سعة الكلام ، والفصاحة ، وأن ضيق الفم يكون عنه قلَّة الكلام واللكنة ، وقد وُصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ، أي لسعة شدقيه ، وعدم تصنعه ، ومن هذا المعنى سُمي الرجل أشدق . و ( قوله : " أشكل العينين " ) قال أبو عبيد : الشُّهلة : حمرة في سواد العين ، والشُّكلة : حمرة في بياضها ، وهو محمودٌ . قال الشاعر : ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَة عَيْنِها كذاك عِتاقُ الْخَيْلِ شُكْلٌ عُيُونها قال صاحب " الأفعال " : شَكِلَت العين - بكسر الكاف شُكْلَة ، وشُكْلاً : إذا خالط بياضها حمرة . قلت : ونحو هذا في الصحاح ، وزاد : عين شَكْلاء : بينة الشَّكَل . ورجل أشكل ، ودمٌ أشكل : إذا كان فيه بياض وحمرة ، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة ، فأمَّا ما فسَّره به سماك من أنه طويل شق العين ، فغير معروف عندهم ، ولم أقف على من قاله غيره . و ( قوله : " منهوس العقبين " ) يروى بالسين المهملة والمعجمة . قال ابن الأعرابي : يقال رجل منهوس القدمين ، ومنهوش القدمين ، أي : قليل لحمهما ، كما قال سماك ، وهو مأخوذ من النهس والنهش . قال أبو العباس : النهس أخذٌ بأطراف الأسنان ، والنهش بالأضراس .
( 2347 ) [ 2256 ] وعَنْ أَنَسِ قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ . وفي رواية : كان أزهر. و ( قوله : " ليس بالطويل البائن " ) أي : الذي يباين الناس بزيادة طوله ، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى : " بالمشذب " وفي الأخرى : " بالممعط " بالعين والغين ، أي : المتناهي في الطول ، وهو عند العرب : العَشَنَّقُ ، والعَشَنَّط . و ( قوله : " ولا بالقصير المتردِّد " ) أي : الذي تداخل بعضه في بعض ، وهو المسمَّى عند العرب : بحنبل ، وأقصر منه : الحنتل . وكلا الطرفين مستقبح عند العرب ، وخير الأمور أوساطها . وكذلك كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جميع أحواله . و ( قوله : " ليس بالأبيض الأمهق " ) أي : الشديد البياض ، الذي لا يخالط بياضه حمرة ، ولا غيرها . والعرب تكرهه ، لأنَّه يشبه البرص . و ( قوله : " ليس بالآدم " ) أي : الذي تغلب سمرته السواد ، فإنَّ السُّمرة بياضٌ يميل إلى سواد ، والسَّحْمُة - بالسين - فوقه ، ثم الصَّحْمة - بالصاد - فوقه ، وهو غالب لون الحبشة ، ثم الأدمة فوقه ، وهو غالب ألوان العرب . والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان بياضه مشربًا بحمرة في صفاء ، فصدق عليه أنه أزهر . وأنه مشرب ، وهذا اللون : هو أعدل الألوان وأحسنها . و ( قوله : " ولا بالجعد القطط " ) يروى بفتح الطاء وكسرها ، وهو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا باليد ، وهو حال شعور السودان . و ( قوله : " ولا بالسَّبط " ) يعني المسترسل الذي لا تكسر فيه ، وهو غالب شعور الروم ، والرَّجِلُ هو الوسط بين ذينك . و ( قول أنس : " بعثه الله على رأس أربعين سنة " ) يعني : من مولده ، أي عند كمالها بعثه الله رسولاً . وهذا هو أكثر الأقوال ، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة ، وهو قول سعيد بن المسيب . و ( قوله : " فأقام بمكة عشرًا " ) يعني : بعد البعث وقبل الهجرة . وهذا مما اختلف فيه . فقيل : عشر ، وقيل : ثلاث عشرة ، وقيل : خمس عشرة ، ولم يُختلف أنه أقام بالمدينة عشرًا . و ( قوله : " وتوفَّاه الله على رأس ستين سنة " ) هذا أحد قولي أنس ، وفي الرواية الأخرى عنه : " ثلاث وستين " . ووافقه على ذلك : عبد الله بن عباس ومعاوية وعائشة ، وهو أصحُّ الأقوال ، وأصحُّ الروايات على ما ذكره البخاري . وقد ذكر عن أنس : خمس وستين سنة ، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس ، ولا خلاف أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولد عام الفيل . و ( قوله : " وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء " ) قد قلنا إن هذا منه تقدير على جهة التقليل ، وذكرنا : أن شيبه كان أكثر من هذا .
( 19 ) باب في حسن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ( 2337 ) ( 91 ) [ 2253 ] عن الْبَرَاءَ قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي رواية : كان أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَلَا بِالْقَصِيرِ . و ( قوله : كان أحسن الناس وجهًا ، وأحسنه خَلْقًا ) الرواية بتوحيد ضمير أحسنه ، وبفتح الخاء وسكون اللام من خَلْقًا ، فأما توحيد الضمير ، فقال أبو حاتم : العرب تقول : فلان أجمل الناس وأحسنه ، يريدون : أحسنهم ، ولا يتكلمون به . قال : والنحويون يذهبون به إلى أنه أحسن مَن ثمَّة . وأما خَلْقًا : فأراد به : حُسْن الجسم ، بدليل قوله بعده : ليس بالطويل الذاهب ، ولا بالقصير . وأما في حديث أنس ، فروايته : بضم الخاء واللام ، لأنَّه يعني به حسن المعاشرة بدليل سياق ما بعده من الحديث .
( 54 ) باب فضائل أبي بن كعب ( 2465 ) ( 119 و 120 ) [ 2375] عن أنس قال : جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ - كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ - : مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ قَتَادَةُ : قُلْتُ لِأَنَسٍ : مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ : أَحَدُ عُمُومَتِي. ( 799 ) ( 122 ) [ 2376 ] وعنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ : وَسَمَّانِي !؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَبَكَى . ( 54 ) ومن باب : فضائل أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ هو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن النجار الخزرجي ـ رضي الله عنه ـ أسلم قديمًا ، وشهد العقبة الثانية ، وبايع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها ، ثم شهد بدرًا ، وجميع المشاهد ، وهو أول من كتب الوحي لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان من فقهاء الصحابة وقرائهم ـ رضي الله عنهم ـ ، وكفى بذلك أن الله تعالى : أمر نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقرأ عليه القرآن ، وقد بيَّنَّا وجه ذلك فيما تقدَّم ، وقد تقدَّم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أقرؤكم أبي " . وقال فيه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : إنه سيد المسلمين ، وتوفي في خلافة عمر على الأكثر . قيل : سنة تسع عشرة ، وقيل : سنة عشرين ، وقيل : سنة اثنتين وعشرين ، وقد قيل : إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين . وجملة ما روي عنه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة عشر . و ( قول أنس ـ رضي الله عنه ـ : جمع القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أربعة من الأنصار : معاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . قد استشكل ظاهر هذا الحديث كثير من الناس حتى ظنوا أنه مما يطرق الطعن والقدح في تواتر القرآن ، وهذا إنما نشأ ممن يظن أن لهذا الحديث دليل خطاب ، فإنَّه لا يتم له ذلك حتى يقول بتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر يدلّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم ، فمن ينفي القول بدليل الخطاب قد سلم من ذلك ، ومن يقول به فأكثرهم يقول : إن أسماء الأعداد لا دليل خطاب لها ، فإنَّها تجري مجرى الألقاب ، والألقاب لا دليل خطاب لها باتفاق أئمة أهل الأصول . ولا يلتفت لقول الدقاق في ذلك فإنَّه واضح الفساد كما بيَّنَّاه في الأصول ، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليل خطاب ، فدليل الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضه منطوق به ، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به ، وهنا أمران هما أولى منه - بالاتفاق - : أحدهما : النقل الصحيح . والثاني : ما يعلم من ضرورة العادة . فأمَّا النقل فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعة من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جمعوا القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم : الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة . وقد سَمَّى أبو عبد الله المازري منهم خمسة عشر . وقد تواترت الأخبار بأنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن ، [ وكان ذلك في سنة وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأول سني خلافة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ، وإذا قتل في جيش واحد سبعون ممن جمع القرآن ] فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم يقتلوا أكثر من أولئك أضعافًا . وإذا كان ذلك في جيش واحد ! فانظر كم بقي في مدن الإسلام - إذ ذاك - وفي عساكر أخر من الصحابة ـ رضي الله عنهم - ممن جمع القرآن . فيظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يُحصيهم أحد ، ولا يضبطهم عدد . وأما الثاني وهو العادة : وذلك أنها تقتضي أن يجتمع العدد الكثير ، والجم الغفير على حِفظه ونقله ، وذلك أن القرآن على نظم عجيب ، وأسلوب غريب ، مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظمهم مع ما تضمَّنه من العلوم والأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام ، والقَصَص والأخبار ، والتبشير والإنذار ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ذلك يُشيعه في الناس ، ويشافه به البلغاء الأكياس ، وما كان هذا سبيله فالعادة تقتضي : أن تتوفر الدواعي على حفظ جميعه ، والوقوف على ما تضمنه من أنواع حكمه وبدائعه ، ومحاسن آدابه وشرائعه ، ويحيل انفراد الآحاد بحفظه كما يحيل انفرادهم بنقله ، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أن ذلك الحديث ليس له دليل خطاب ، فإنَّ قيل : فإذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ؟ فالجواب من أوجه : أحدها : أنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم كالحال في ذكر الألقاب . وثانيها : لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم . وثالثها : أن هؤلاء الأربعة قد اشتهروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم ممن يحفظ جميعه . ورابعها : لأن أنسًا سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم جمعوا القرآن ، ولم يسمع مثل ذلك من غيرهم ، وكلُّ ذلك محتمل ، والله تعالى أعلم . و ( قول قتادة : " قلت لأنسٍ : من أبو زيد ؟ قال : أحد عُمومتي " ) أبو زيد هذا هو سعيد بن عبيد بن النعمان الأوسي من بني عمرو بن عوف ، يعرف بسعد القارئ ، توفي شهيدًا بالقادسية سنة خمس عشرة . قال أبو عمر : هذا قول أهل الكوفة ، وخالفهم غيرهم ، فقال أبو زيد : هذا هو قيس بن السكن الخزرجي من بني عدي بن النجار بدري . قال ابن شهاب : قُتِل أبو زيد قيس بن السَّكن الخزرجي يوم جِسْر أبي عبيد على رأس خمس عشرة . وقد تقدَّم القول على حديث قراءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أبي ـ رضي الله عنه ـ في كتاب الصلاة في باب : ترتيل القراءة وكيفية الأداء .
( 2461 ) ( 113 ) [ 2371 ] وعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ ، فَقَالُ أَبُو مَسْعُودٍ : مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْقَائِمِ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا . و ( قول أبي موسى : " كان يشهد إذا غبنا " ) أي : يحضر مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا غاب الناس عنه . و ( قوله : " ويؤذن له إذا حُجِبْنا " ) يعني : أنه كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأذن له في الوقت الذي يحجب عنه الناس ، وذلك في الوقت الذي كان فيه مشتغلاً بخاصته .
( 2460 ) ( 110 ) [ 2370 ] وعن أبي موسى قال : قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنْ الْيَمَنِ فَكُنَّا حِينًا وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ . و ( قول أبي موسى : " مكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) هذا يدلّ على صحَّة ما ذكرنا : من أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضمَّه إليه ، واختصَّه بخدمته وملازمته ، وذلك لما رأى من صلاحيته لقبول العلم وتحصيله له ، ولذلك قال له أول ما لقيه : " إنك غُلَيْمٌ مُعَلَّم " ، وفي رواية أخرى : " لَقِنٌ مُفْهَم " ، أي : أنت صالح لأن تُعَلَّم فتَعْلم ، وتُلَقن فتفهم ، ولما رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ضمَّه لنفسه ، وجعله في عداد أهل بيته فلازمه حضرًا وسفرًا ، وليلاً ونهارًا ليتعلَّم منه ، وينقل عنه .
( 2462 ) ( 114 ) [ 2372 ] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ : عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ شَقِيقٌ : فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعِيبُهُ . ( 2463 ) ( 115 ) [ 2373 ] وعنه قال : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ . و ( قول عبد الله : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الحديث إلى آخره ) . قال القاضي أبو الفضل : هذا الحديث في الأم مختصر مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث ، وبيانه في سياق آخر ، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل ، وهو شقيق راوي الحديث في " الأم " ، قال : لما أمر في المصاحف بما أمر ، يعني : أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمع عليه ، الذي وجَّه منه النسخ إلى الآفاق ، ورأى هو والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ : أن بقاء تلك المصاحف يدخل اللبس والاختلاف ، ذكر ابن مسعود الغلول ، وتلا الآية ، ثم قال : غلُّوا المصاحف إني غالٌّ مصحفي ، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل ، فإنَّ الله تعالى يقول : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثم قال : على قراءة من تأمرني أن أقرأ ؟ على قراءة زيد بن ثابت ؟ لقد أخذت القرآن من في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضعًا وسبعين سورة ، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان ، وفي أخرى : صبي من الصبيان ، فتمام هذا الحديث يظهر كلام عبد الله . قلت : و ( قوله : " غلوا مصاحفكم " إلى آخره ) ، أي : اكتموها ولا تسلموها ، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها ، كما يفعل من غل شيئًا فإنه يأتي به يوم القيامة ، ويحمله ، وكان هذا رأيًا منه انفرد به عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولم يوافقه أحد منهم عليه ، فإنَّه كتم مصحفه ، ولم يظهره ، ولم يقدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره ، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان ، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق ، وقرأ المسلمون عليها ، وترك مصحف عبد الله ، وخفي إلى أن وجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم ، وابتداء دولة المعز ، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين ، على ما سمعناه من بعض مشايخنا ، فأحرق . و ( قوله : " على قراءة من تأمرني أن أقرأ ؟ " ) إنكار منه على من يأمره بترك قراءته ، ورجوعه إلى قراءة زيد مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن ، وإلى أخذه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فصعب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقرأ بما قرأه زيد أو غيره ، فتمسك بمصحفه وقراءته ، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من المصلحة التي هي من أعظم ما حفظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخل به ، والتغيير بالزيادة والنقصان . وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة ، وفي كيفية الأمر بذلك ، وكان من أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما عزموا على كتب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود ، فكتبوه على لغة قريش ، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لحفظ القرآن ، ومن أعلمهم به ، كما شهدوا له بذلك ، غير أنه ـ رضي الله عنه ـ كان هُذليًا كما تقدم ، وكانت قراءته على لغتهم ، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم ، فلذلك لم يدخلوه معهم ، والله تعالى أعلم . قلت : قد تقدَّم أن أصل البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة ، وذكر اشتقاقه ، والخلاف فيه . و" الحلق " : بفتح الحاء واللام : جمع حلقة بفتح الحاء واللام على ما حكاه يونس عن أبي عمرو بن العلاء ، وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا في قولهم : هؤلاء قوم حلقة ، للذين يحلقون الشعر ، جمع حالق ، وقال الجوهري : الحلقة للدروع - بالسكون - وكذلك حلقة الباب ، وحلقة القوم ، والجمع : الحلق على غير قياس . و ( قوله : " لقد علم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أني أعلمهم بكتاب الله " ) يعني : أنه أعلمهم بأسباب نزوله ، ومواقع أحكامه ، بدليل قوله في الرواية الأخرى : " ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت ، وما من آية إلا وأعلم فيما أُنزلت " ، وسَبَبُ ذلك : ملازمته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا ، كما قدَّمنا . وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه ، بدليل قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أقرؤكم أُبَيّ " ) ، والخطابُ للصحابة كلُّهم .
( 53 ) باب فضائل عبد الله بن مسعود ( 2459 ) ( 109 ) [ 2369 ] عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا إلى آخر الآية، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قِيلَ لِي : أَنْتَ مِنْهُمْ . ( 53 ) ومن باب فضائل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ هو ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن مازن بن مخزوم الهذلي ، يُكنى : أبا عبد الرحمن ، وأمه : أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضًا ، أسلم قديمًا وكان سبب إسلامه : أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط ، فمرَّ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " يا غلام ! هل من لبن ؟ " قال : نعم ! ولكني مؤتمن . قال : " فهل من شاة حائل لم ينز عليها الفحل ؟ " فأتيتهُ بشاة شصوص ، فمسح ضرعها ، فنزل اللبن ، فحلب في إناء وشرب وسقى أبا بكر ، ثم قال للضرع : " اقلص " فقلص ، فقلت : يا رسول الله! علمني من هذا القول . فقال : " رحمك الله ! إنك غُلَيِّمٌ معلَّمٌ " فأسلم ، وضمَّه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه . فكان يلج عليه ، ويلبسه نعله ، ويمشي أمامه ومعه ، ويستره إذا اغتسل ، ويوقظه إذا نام ، وقال له : " إذنك علي أن يرفع الحجاب ، وأن تسمع سِوَادي حتى أنهاك " ، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السِّرار ، والسَّواد ، والسِّواك ، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة ، ثم من مكة إلى المدينة ، قاله الجوزي . وصلَّى القبلتين ، وشهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشاهده كلها ، وكان يشبه في هديه وسمته برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وشهد له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة ، وشهد له كبراء أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه من أعلمهم بكتاب الله قراءة وعلمًا ، وفضائله كثيرة . توفي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين ، ودفن بالبقيع ، وصلَّى عليه عثمان ، وقيل : بل صلَّى عليه عمَّار ، وقيل : بل صلَّى عليه الزبير ليلاً بوصيته ، ولم يعلم عثمان بذلك ، فعاتب عثمان الزبير على ذلك ، والله أعلم . روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثمانمائة حديث ، وثمانية وأربعين حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين : مائة وعشرون حديثًا . و ( قوله : لما نزلت : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ الآية ، قد ذكرنا سبب نزول الآية ، وتكلمنا على معناها في الأشربة . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " قيل لي : أنت منهم " ) الخطاب لابن مسعود ، أي : أوحي إلي أنك يا بن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهذه تزكية عظيمة ، ودرجة رفيعة ، قلَّ من ظفر بمثلها .
( 2464 ) ( 116 و 117 ) [ 2374 ] وعن مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنَّا نَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ، فَذَكَرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ : لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَة نفر : مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ . وفي رواية : ثنى بأبي وأخر معاذا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " خذوا القرآن من أربعة : من ابن أم عبد " ) - فبدأ به - ليس فيه دليل على أنه أقرأ من أُبي ، فإنَّه قد بيَّن ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنص الجلي : أن أبيًّا أقرأ منه ومن غيره ، فيحتمل أن يقال : إن الموجب لابتدائه اختصاصه به ، وملازمته إياه ، وحضوره في ذهنه ، لا أنه أقرأ الأربعة . والله تعالى أعلم . وهذا كله بناء على أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَّة على المتأخر ، وفيه نظر قد تقدَّم في الطهارة وفي الحج . وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ممن حفظ القرآن من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهم عدد كثير كما يأتي ، لأنَّ هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن وتعليمه دون غيرهم ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم ، أو العبادات ، أو الجهاد ، وغير ذلك ، ويحتمل أن يكون ذلك من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه علم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآن بعده ، وليؤخذ عنهم ، فأحال عليهم لما علم من مآل أمرهم ، كما قد أظهر الموجود من حالهم ، إذ هم أئمة القرَّاء ، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيد الفضلاء ، والله أعلم . ومعاذ المذكور في الحديث : هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاري الخزرجي ، يُكنى : أبا عبد الرحمن ، قيل : بولد كان له كبر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك ، ومات بالطاعون قبل أبيه بأيام ، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزدي البصري في " فتوح الشام " وغيره . وقال الواقدي : إنه لم يولد لمعاذ قط ، وقاله المدائني . أسلم معاذ وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وشهد العقبة مع السبعين ، وشهد بدرًا ، وجميع المشاهد ، وولاَّه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على عمل من أعمال اليمن ، وخرج معه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مودِّعًا ماشيًا ، ومعاذ راكبًا ، منعه من أن ينزل ، وقال فيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أعلمكم بالحلال والحرام معاذ " . وقال : " إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة بحجر " ، وقال فيه ابن مسعود : " إنه كان أمة قانتًا لله ، وقال : الأمة : هو الذي يعلم الناس الخير ، والقانت : هو المطيع لله عز وجل ، وكان عابدًا ، مجتهدًا ، وَرِعًا ، محققًا ، كان له امرأتان ، فإذا كان يوم إحداهما : لم يشرب من بيت الأخرى ، وماتتا بالطاعون في وقت واحد ، فحفر لهما حفرة فأسهم بينهما أيتهما يُقدَّم في القبر ، وكان مجاب الدعوة ، ولما كان طاعون عمواس - وعمواس قرية من قرى الشام ، وكأنها إنما نسب الطاعون إليها ، لأنَّه أول ما نزل فيها - فقال بعض الناس : هذا عذابٌ ، فبلغ ذلك معاذًا فأنكر ذلك ، وخطب فقال : أيها الناس ! إن هذا الوجع رحمةُ بكم ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم . اللهم آت آل معاذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى . فما أمسى حتى طُعِن ابنه عبد الرحمن ، وماتت زوجتاه ، ثم طُعِن من الغد من دفن ولده ، فاشتد وجعه فمات منه ، وذلك في سنة سبع عشرة ، وقيل : سنة ثمان عشرة ، وسنُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة ، وقيل : ثلاث وثلاثون سنة ، روي عنه من الحديث : مائة حديث ، وسبعة وخمسون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث . وسالم المذكور في الحديث ، هو سالم بن معقل ، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، يُكنى سالم : أبا عبد الله ، وكان من أهل فارس من إصطخر ، وكان من فضلاء الموالي ، ومن خيار الصحابة وكبرائهم ، وهو معدودٌ في المهاجرين ، لأنَّه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة ، وهي عمرة بنت يعار . وقيل : سلمى ، وقيل : غير ذلك ، تولى أبا حذيفة فتبنَّاه أبو حذيفة ، وهو أيضًا معدودٌ في الأنصار ، لعتق مولاته المذكورة له وهي أنصارية ، وهو معدودٌ في القرَّاء ، قيل : إنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة ـ رضي الله عنهم ـ ، فكان يؤمهم ، لأنَّه كان أكثرهم قرآنًا ، وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب ، شهد سالم بدرًا ، وقتل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة . فوجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر ، وذلك سنة اثنتي عشرة .
( 52 ) باب فضائل بلال بن رباح ( 2458 ) [ 2368 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ صَلَاة الْغَدَاةِ : يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً ، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ بِلَالٌ : مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ . ( 52 ) ومن باب : فضائل بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ وتُسمَّى أمُّه : حمامة ، واختلف في كنيته ، فقيل : أبو عبد الله ، وقيل : أبو عبد الكريم ، وقيل : أبو عبد الرحمن ، وقيل : أبو عمرو ، وكان حبشيًّا . قال ابن إسحاق : كان بلال لبعض بني جُمَح مُوَلَّدًا من مولّديهم ، وقيل من مُولَّدي مكة ، وقيل : من مولدي السّراة ، وقال ابن مسعود : أول من أظهر الإسلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر ، وعمار ، وأمه سُمَيَّة ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد ، فأما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنعه الله بعمه ، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه ، وأما سائرهم فأخذهم المشركون ، وألبسوهم أدراع الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم إنسان إلا وأتاهم على ما أرادوه منه إلا بلالاً ، فإنَّه هانت عليه نفسه في الله تعالى ، وهان على قومه فأعطوه الولدان ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة ، وهو يقول : " أحد ، أحد " ، وفي رواية : وجعلوا الحبل في عنقه ، وقال سعيد بن المسيِّب : كان بلال شحيحًا على دينه ، وكان يعذب على دينه ، فإذا أراد المشركون أن يقاربهم قال : الله ، الله . فاشتراه أبو بكر بخمس أواق ، وقيل : بسبع . وقيل : بتسع ، فأعتقه ، فكان يؤذن لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلما مات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد أن يروح إلى الشام ، فقال له أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : بل تكون عندي ، فقال : إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني ، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إليه ، فقال : اذهب ، فذهب إلى الشام ، فكان بها حتى مات ـ رضي الله عنه ـ . قلت : وظاهر هذا : أنَّه لم يؤذن لأبي بكر ، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن حسين بن علي ، عن شيخ يقال له : الحفصي ، عن أبيه ، عن جده قال : أذن بلال حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ثم أذَّن لأبي بكر حياته ، ولم يؤذِّن في زمان عمر ، فقال له عمر : ما منعك أن تؤذن ؟ قال : إني أذنت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى قبض ، وأذنت لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ حتى قبض ، لأنَّه كان ولي نعمتي ، وقد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله " . فخرج فجاهد . ويقال : إنه أذن لعمر ـ رضي الله عنه ـ إذ دخل الشام ، فبكى عمر ، وبكى المسلمون . وكان بلال خازنًا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقال عمر : أبو بكر سيدنا ، وأعتق بلالاً سيدنا . وتوفي بلال بدمشق ، ودفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين ، وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقيل : سنة إحدى وعشرين ، وهو ابن سبعين . و ( قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبلال : " حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة " ) هذا السُّؤال إنما أخرجه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما اطَّلع عليه من كرامة بلال ـ رضي الله عنه ـ بكونه أمامه في الجنة ، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك . وقد جاء هذا الحديث في كتاب الترمذي بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الحصيب ، قال : أصبح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدعا بلالاً ، فقال : " يا بلال ! بم سبقتني إلى الجنة ؟ فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي ، دخلت البارحة الجنَّة فسمعت خشخشتك أمامي " ، وذكر الحديث . فقال بلال : يا رسول الله ! ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده ، ورأيت أن لله تعالى علي ركعتين ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " بهما " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، فلنبحث في هذا الحديث . و ( قوله : " بم سبقتني إلى الجنة ؟ " لا يفهم من هذا أن بلالاً يدخل الجنة قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإنَّ ذلك ممنوع بما قد علم من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو السابق إلى الجنة ، وبما قد تقدَّم أنَّه أوَّل من يستفتح باب الجنة ، فيقول الخازن : " بك أمرت ، لا أفتح لأحد قبلك " ) ، وإنما هذه رؤيا منام أفادت أن بلالاً من أهل الجنة ، وأنه يكون فيها مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ملازميه ، وهذا كما قال في الغميصاء : " سمعت خشخشتك أمامي " ، وقد لا يبعد أن يقال في أسبقية بلال أنها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه ، والله تعالى أعلم . وفيه ما يدلّ على أن استدامة بعض النوافل ، وملازمتها في أوقات وأحوال فيه فضل عظيم ، وأجر كبير ، وإن كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يدم عليها ، ولا لازمها ، ولا اشتهر العمل بها عند أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ، وأن ذلك لا ينكر على من لازمه ما لم يعتقد أن ذلك سنة راتبة له ولغيره ، وهذا هو الذي منعه مالك حتى كره اختصاص شيء من الأيام ، أو الأوقات بشيء من العبادات ، من الصوم ، والصلاة ، والأذكار ، والدعوات ، إلا أن يعينه الشارع ، ويدوم عليه ، فأمَّا لو دام الإنسان على شيء من ذلك في خاصة نفسه ، ولم يعتقد شيئًا من ذلك ، كما فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كل أذان ، وفي ملازمة الطهارة دائمًا ، لكان ذلك يفضي بفاعله إلى نعيم مقيم ، وثواب عظيم . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " بهما " ) أي : بسبب ثواب فعل ذينك الأمرين وصلت إلى ما رأيت من كونك معي في الجنة . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " حدِّثني بأرجى عمل عملته " ) أي : بعمل يكون رجاؤك بثوابه أكثر ، ونفسك به أوثق . وفيه تنبيه على : أن العامل لشيء من القرب ينبغي له أن يأتي بها على أكمل وجوهها ليعظم رجاؤه في قبولها ، وفي فضل الله عليها ، فيحسن ظنه بالله تعالى ، فإنَّ الله تعالى عند ظن عبده به ، ويتضح لك هذا بمثل - ولله المثل الأعلى - أن الإنسان إذا أراد أن يتقرب إلى بعض ملوك الدنيا بهدية أو تُحفة ، فإنَّ أتى بها على أكمل وجوهها وأحسن حالاتها ، قوي رجاؤه في قبولها ، وحسن ظنه في إيصاله إلى ثوابها ، لا سيما إذا كان المهدى له موصوفًا بالفضل والكرم ، وإن انتقص شيء من ثوابها ضعف رجاؤه للثواب ، وقد يتوقع الرد ، لا سيما إذا علم أن المهدى له غني عنها ، فأمَّا لو أتى بها واضحة النقصان ، لكان ذلك من أوضح الخسران ، إذ قد صار المهدى له كالمستصغر المهان .
( 51 ) باب فضائل أبي طلحة الأنصاري ( 2144 ) ( 107 ) [ 2367] عَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا : لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ : فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ، قَالَ : ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا ، قَالَتْ : يَا أَبَا طَلْحَةَ ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ : لَا، قَالَتْ : فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ : تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا. قَالَ : فَحَمَلَتْ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا، فَدَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ : إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَدْ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى، قَالَ : تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ : يَا أَبَا طَلْحَةَ ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا ، قَالَ : وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ لِي أُمِّي : يَا أَنَسُ ، لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ : لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ ؟ فقُلْتُ : نَعَمْ، فَوَضَعَ الْمِيسَمَ ، قَالَ : وَجِئْتُ بِهِ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، قال : وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلَاكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا. قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ، قَالَ : فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ . ( 51 ) ومن باب : فضائل أبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ هو زيد بن سهل من بني النجار ، شهد المشاهد كلها ، وكان أحد الرُّماة المذكورين من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ، وكان من الأبطال ، قَتَل يوم حنين عشرين ، وأخذ أسلابهم ، وكان أبو طلحة يتطاول بصدره يوم أحد يقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من النبل ، ويقول : صدري دون صدرك ، ونفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " لصوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من مائة رجل " . واختلف في وقت وفاته فقيل : سنة إحدى وثلاثين . وقيل : سنة أربع وثلاثين ، وصلى عليه عثمان بن عفان ، وروى حماد بن سلمة عن ثابت البناني ، وعلي بن زيد ، عن أنس : أن أبا طلحة سرد الصَّوم بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أربعين سنة ، وأنه ركب البحر ، فمات فدفن في جزيرة ، وقال المدائني : مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين ، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك . روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ستَّةً وعشرين حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين أربعة أحاديث . و ( قوله : " بارك الله لكما في غابر ليلتكما " ) أي : في ماضيها ، وقد تقدَّم أن غبر من الأضداد . يقال : غبر الشيء : إذا ذهب ، وغبر : إذا بقي . وصنيع أم سليم ، ووعظها له يدلّ على كمال عقلها وفضلها وعلمها . وملازمة أبي طلحة للكون مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفره وحضره ، ومدخله ومخرجه : دليل على كمال محبته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصدق رغبته في الجهاد ، والخير وتحصيل العلم . ورفع وجع المخاض - وهو الولادة - عن أم سليم عند دعاء أبي طلحة دليل على كرامات الأولياء ، وإجابة دعواتهم ، وأن أبا طلحة وأم سليم منهم . والطَّروق : هو المجيء بالليل . والميسم : المكوى الذي تُوسَم به الإبل ، أي : تُعلَّم . وفي هذا الحديث أحكام واضحة قد تقدَّم التنبيه على أكثرها .
( 20 ) باب في خاتم النبوة ( 2345 ) [ 2257] عن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قال : ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ . ( 2346 ) [ 2258 ] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا - أَوْ قَالَ : ثَرِيدًا - قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : أَسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ قَالَ : ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ .
( 50 ) باب فضائل أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وأم سليم ، أم أنس بن مالك ( 2453 ) [ 2362 ] عَنْ أَنَسٍ قَالَ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ ، قَالَ : فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ . ( 50 ) ومن باب : فضائل أم أيمن - رضي الله عنها - واسمها : بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان ، كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي ، تزوجت بعد عبيدَ ، زيد بن حارثة ، فولدت له أسامة بن زيد ، كانت لأمِّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ثم صارت له بالميراث ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " أم أيمن أمي بعد أمي " ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُكْرِمها ويبرها مَبَرَّة الأم ، ويكثر زيارتها ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندها كالولد ، ولذلك كانت تصخبُ عليه ، أي : ترفع صوتها عليه . وتذمر ، أي : تغضب وتضجر ، فِعْل الوالدة بولدها ، وقال الأصمعي : تذمَّر الرجل : إذا تغضب ، وتكلم أثناء ذلك ، وقال غيره : تذمَّر الرجل : إذا لام نفسه . وزيارة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - لها ، دليل على فضلها ، ومعرفتهم بحقها ، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة .
( 2454 ) [ 2363 ] وعنه قال : قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا : مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ : مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا . و ( قول أم أيمن رضي الله عنها : " أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء " ) " أن " مفتوحة ، لأنَّها معمولة لأبكي بإسقاط حرف الجر ، تقديره : أبكي لأن ، أو : من أجل أن ، تعني : أن الوحي لما انقطع بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمل الناس بآرائهم ، فاختلفت مذاهبهم ، فوقع التنازع والفتن ، وعظمت المصائب والمحن ، ولذلك نجم بعده ـ صلى الله عليه وسلم ـ النفاق ، وفشا الارتداد والشقاق ، ولولا أن الله تعالى تدارك الدِّين بثاني اثنين لما بقي منه أثر ولا عين .
( 2455 ) [ 2364 ] وعنه قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنِّي أَرْحَمُهَا ، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي . و ( قول أنس ـ رضي الله عنه ـ : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يدخل على النساء [ إلا على أزواجه إلا أم سليم " ) إنما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يدخل على النساء ] ، عملاً بما شرع من المنع من الخلوة بهنَّ ، وليُقتدَى به في ذلك ، ومخافة أن يقذف الشيطان في قلب أحد من المسلمين شرًّا فيهلك ، كما قال في حديث صفية المتقدِّم ، ولئلا يجد المنافقون ، وأهل الزيغ مقالاً ، وإنما خصَّ أم سليم بالدُّخول عندها ، لأنها كانت منه ذات محرمٍ بالرَّضاع كما تقدَّم ، وليجبر قلبها من فجعتها بأخيها ، إذ كان قد قُتِل معه في بعض حروبه ، وأظنه يوم أحد ، ولما علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فضلها ، كما دلَّ عليه رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياها في الجنة . وأم سليم هذه هي : ابنةُ ملحان بن زيد بن حرام من بني النجار ، وهي : أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر ، كانت أسلمت مع قومها ، فغضب مالك لذلك ، فخرج إلى الشام فهلك هنالك كافرًا ، وقيل : قتل ، ثم خطبها بعده أبو طلحة ، وهو على شِركه ، فأَبَتْ حتى يُسْلِم ، وقالت : لا أريد منه صداقًا إلا الإسلام ، فأسلم وتزوَّجها ، وحسن إسلامه . فولدت له غلامًا كان قد أعجب به فمات صغيرًا ، ويقال : إنه أبو عمير صاحب النُّغير ، وكان أبو طلحة غائبًا حين مات ، فغطته أم سليم ، فجاء أبو طلحة ، فسأل عنه ، فكتمت موته ، ثم إنها تصنَّعت له فأصاب منها ، ثم أعلمته بموته ، فشق ذلك عليه ، ثم إنه أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره ، فدعا لهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وقال : " بارك الله لكما في غابر ليلتكما " ، كما ذكر في الأصل ، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة ، وولدت له : عبد الله بن أبي طلحة ، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه ، وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم ، وإسحاق هو شيخ مالك ، واختلف في اسم أم سليم . فقيل : سهلة . وقيل : رملة . وقيل : مليكة . وهي الغميصاء المذكورة في الحديث ، ويقال : الرُّميصاء ، وقيل : إن بالراء هي : أم حرام أختها ، وخالة أنس . والغميصاء : مأخوذ من الغمص ، وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض ، يقال بالصاد والسين ، والرمص - بالراء - : ما تجمَّد منه ، قاله يعقوب وغيره . وكانت أم سليم من عقلاء النساء وفضلائهن ، شهدت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحدًا وحنينًا ، روت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحاديث ، خرج لها في الصحيحين أربعة أحاديث .
( 2456 ) [ 2365] وعنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا؟ قَالُوا : هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ ، أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . ( 2457 ) [ 2366 ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي فَإِذَا بِلَالٌ . و ( قوله : " دخلتُ الجنة فسمعت خشفة " ) هي بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين ، وهي صوتُ المشي ، ويقال : خشخشة ، كما جاء في الرواية الأخرى ، وأصل الخشخشة : صوت الشيء اليابس يحك بعضه بعضًا ، ويتراجع ، وكان هذا الدخول في الجنة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم ، كما قاله في حديث بلال المتقدِّم ، ورؤياه حقٌ ، فهي رضي الله عنها من أهل الجنة .
( 21 ) باب كم كان سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم قبض؟ وكم أقام بمكة؟ عَنْ عَمْرٍو قَالَ : قُلْتُ لِعُرْوَةَ : كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : عَشْرًا . قُلْتُ : فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : بِضْعَ عَشْرَةَ . قَالَ : فَغَفَّرَهُ ، وَقَالَ : إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ . وقول عمرو في الأصل لعروة : " كم كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة ؟ قال : عشرًا " كذا وقع لبعض الرواة ، معناه : كم مدَّة كونه وإقامته بها ، أي : بعد المبعث ، وقد روي : لبثَ ، بمعناه . و ( قوله : " فإنَّ ابن عباس يقول : بضع عشرة " ) قد تقدَّم أن الأشهر في البضع أنه من الثلاث إلى التسع ، فيصلح البضع هنا لقول ابن عباس الثلاث عشرة والخمس عشرة ، فأنكر عروة ذلك . و ( قوله : " فغَفَّرَ " من المغفرة ، وهي رواية الجلودي ، أي : قال غفر الله له . وفي رواية ابن ماهان : فصغَّره من الصغر ، أي : أشار إلى أن ابن عباس كان صغيرًا في ذلك الوقت ، فلم يضبطه لصغره ، وقيل : إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهذا هو المناسب لقول عروة . و ( قوله : " إنما أخذه من قول الشاعر " ) يعني به : قول أبي قيس بن صَرْمَة : ثَوَى في قريش بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّة يُذَكِّر لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُواتِيًا
( 2352 ) ( 120 ) [ 2262 ] وعن جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ فَقَالَ : مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. و ( قوله : " وابن ثلاث وستين " ) الواو للحال ، فيحتمل أن يريد أنه كان وقت توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابن ثلاث وستين ، ويحتمل أن يكون كذلك وقت حدث بهذا الحديث ، والحاصل : أنه وصل إلى ثلاث وستين سنة ، وقد قيل في هذا : إن معاوية استشعر أنه يوافقهم في السن فيموت وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وليس بصحيح عند أحد من علماء التاريخ ، فإنَّ أقل ما قيل في عمره يوم توفي : أنه كان ثمانيًا وسبعين سنة ، وأكثر ما قيل فيه : ست وثمانون ، وقيل : اثنان وثمانون سنة ، وكانت وفاته بدمشق ، وبها دفن سنة ستين في النصف من رجبها . قال ابن إسحاق : كان معاوية أميرًا عشرين سنة ، وكان خليفة عشرين سنة ، وقال غيره : كانت خلافته تسع عشرة سنة وستة أشهر وثمانية وعشرين يومًا .
( 2348 ) [ 2259 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. ( 2351 ) ( 118 ) [ 2260 ] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً . ( 2353 ) ( 121 و 122 و 123 ) [ 2261 ] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ . وفي رواية : أَرْبَعِينَ بُعِثَ لَهَا خَمْسَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ يَأْمَنُ وَيَخَافُ وَعَشْرا مُهَاجَره إِلَى الْمَدِينَةِ . وفي أخرى : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيْئًا ، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا . و ( قول ابن عباس رضي الله عنهما : " خمس عشرة سنة ، يأمن ، ويخاف " ) يعني : أنه كان في تلك الحال غير مستقل لإظهار أمره ، فكان إذا أخفى أمره تركوه ، فأمن على نفسه ، وإذا أعلن أمره وأفشاه ، بأن يدعوهم إلى الله ، ويفتح عليهم ، تكالبوا عليه ، وهمُّوا بقتله ، فيخاف على نفسه إلى أن أخبره الله تعالى بعصمته منهم ، فلم يكن يبالي بهم كما قدمناه . و ( قوله : " يسمع الصوت ، ويرى الضوء سبع سنين " ) أي : أصوات الملائكة والجمادات والحجارة ، فيسلمون عليه بالرسالة ، كما خرَّجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة ، فخرجنا في بعض نواحيها ، فما استقبله جبل ، ولا شجر ، إلا وهو يقول : السلام عليك يا رسول الله . قال : هذا حديث حسن غريب . ويعني بالضوء : نور الملائكة ، ويحتمل أن يكون أنوارًا تنوِّر بين يديه في أوقات الظلمة ، يحجب عنها غيره . ولذلك نقل : أنه كان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار ، ويعني : أن هذه الحالة ثبتت عليه سبع سنين ، ثم بعد ذلك أوحى الله إليه ، أي : جاءه الوحي ، وشافهه بالخطاب ثماني سنين ، وعلى هذا : فكمل له بمكة خمس عشرة سنة . وقول معاوية : " مات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما - ) معطوفان على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويحتمل أن يرفعا بالابتداء ، وخبرهما محذوف ، أي : وهما كذلك .
( 49 ) باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي صلى الله عليه وسلم ( 2451 ) [ 2360 ] عن أبي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ، قَالَ : وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَ : فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ : مَنْ هَذَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ . قَالَتْ : هَذَا دِحْيَةُ ، قَالَ : فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ خَبَرَنَا ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ : فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ : مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ : مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . ( 49 ) ومن باب فضائل أم سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، واسم أبيها : حذيفة ، يعرف بزاد الراكب ، وكان أحد أجواد العرب المشهورين بالكرم ، وكانت قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد ، وأسلمت هي وزوجها ، وكان أول من هاجر إلى أرض الحبشة ، ويقال : إن أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة . قال أبو عمر : تزوج بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد سنتين من الهجرة ، بعد وقعة بدر ، وعقد عليها في شوال ، وابتنى بها في شوال . قال أبو محمد عبد الله بن علي الرَّشاطي : [ هذا وَهْمٌ شنيع ] ، وذلك : أن زوجها أبا سلمة شهد أحدًا ، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث ، فجرح فيها جرحًا اندمل ، ثم انتقض به فتوفي منه لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة أربع ، وانقضت عدَّة أم سلمة منه في شوال سنة أربع ، وبنى بها عند انقضائها . قال : وقد ذكر أبو عمر هذا في صدر الكتاب ، وجاء به على الصواب . وتوفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين . وقيل : توفيت في شهر رمضان ، أو شوال سنة تسع وخمسين ، وصلَّى عليها أبو هريرة ، وقيل : سعيد بن زيد ، ودفنت بالبقيع . وأما زينب : فهي ابنة جحش بن رِئاب بن يعمر بن صَبِرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة ، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة ، وكانت تفخر على أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقول لهنَّ : أنكحكن أولياؤكن ، وإن الله أنكحني بنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فوق سبع سماوات ، تعني بذلك قوله تعالى : زَوَّجْنَاكَهَا توفيت سنة عشرين في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ ، وفي هذا العام استفتحت مصر . وقيل : توفيت سنة إحدى وعشرين ، وفيها فتحت الإسكندرية ، وكانت زينب هذه أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقًا به ، وكان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجة أخرى تسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية ، وتدعى أم المساكين لحنوِّها عليهم ، وهي من بني عامر ، تزوجها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة ثلاث ، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا ، شهرين أو ثلاثة ، وتوفيت في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش ، قتل عنها يوم أحد . و ( قول سلمان : " لا تكونن إن استطعت أول من تدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنَّها معركة الشيطان " ) . كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفًا على سلمان من قوله . وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعًا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من طريق صحيح ، وهو الذي يليق بمساق الخبر ، لأنَّ معناه ليس مما يدرك بالرأي والقياس ، وإنما يدرك بالوحي ، وأخرجه الإمام أبو بكر البرقاني في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم بن أبي عثمان النَّهدي عن سلمان . قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تكن أوَّل من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنَّها معركة الشيطان ، فيها باض الشيطان وفرَّخ " . والمعركة : موضع القتال ، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه ، ومصارعة بعضهم بعضا ، فشبه السوقَ ، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بما يحملهم عليه من المكر ، والخديعة ، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب ، والأيمان الكاذبة ، واختلاط الأصوات ، وغير ذلك بمعركة الحرب ، وبمن يصرع فيها . و ( قوله : " وبها ينصب رايته " ) إعلام بإقامته في الأسواق ، وجمع أعوانه إليه فيها . ويفيد هذا الحديث : أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين ومواضع لهلاك الناس ، فينبغي للإنسان ألا يدخلها إلا بحكم الضرورة ، ولذلك قال : " لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها " ، ولأن من كان أول داخل فيها أو آخر خارج منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان ، وصرفه عن أمور دينه ، وجعل همَّه السوق ، وما يُعمل فيها فأهلكه . فحق من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله : أنه قد دخل محل الشيطان ، ومحل جنوده ، وأنه إن أقام هنالك هلك ، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته ، وتحرز من سوء عاقبته ، وبليته . وقد تقدَّم القول في تمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة ، وأن لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها ، وأن الإيمان بذلك كله واجب ، لما دل عليه من السمع الصادق ، وكان دحية بن خليفة رجلاً حسن الصورة ، فلذلك تمثل بصورته جبريل ـ عليه السلام ـ وهو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ، وكان من كبار الصحابة ، لم يشهد بدرًا ، شهد أحدًا وما بعدها ، وبقي إلى خلافة معاوية ، وأرسله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قيصر في سنة ست من الهجرة فآمن قيصر ، وأبت بطارقته أن تؤمن ، فأخبر دحية بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " ثبت ملكه " .
( 2452 ) [ 2361 ] وعن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ، قَالَتْ : فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا. قَالَتْ : فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِيهَا، وَتَصَدَّقُ . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا " ) هذا خطاب منه لزوجاته - خاصة ، ألا ترى أنه قال لفاطمة رضي الله عنها : " أنت أوَّل أهل بيتي لحوقًا بي " ، وكانت زينب أوَّل أزواجه وفاة بعده ، وفاطمة أوَّل أهل بيته وفاة ، ولم يرد باللحاق به الموت فقط ، بل : الموت والكون معه في الجنة والكرامة . و " تطاول أزواجه بأيديهنَّ " مقايسة أيديهن بعضهن ببعض ، لأنَّهن حملن الطول على أصله وحقيقته ، ولم يكن مقصود النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ، وإنَّما كان مقصوده : طول اليد بإعطاء الصدقات ، وفعل المعروف ، وبيَّن ذلك أنه : لما كانت زينب أكثر أزواجه فعلاً للمعروف والصدقات كانت أولهن موتًا ، فظهر صدقه ، وصح قوله - صلى الله عليه وسلم
( 2450 ) ( 98 - 99 ) [ 2359 ] وعن عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِشْيَة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِابْنَتِي ، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ - أَوْ عَنْ شِمَالِهِ - ثُمَّ سَارَّهَا ، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ ، فَقُلْتُ لَهَا : خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهَا : مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ : مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرَّهُ. قَالَتْ : فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ : أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَتْ : فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ : يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ - أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ - ؟ قَالَتْ : فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ . وزاد في رواية : وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي . وقول عائشة : " كن أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنده لم يغادر منهن واحدة " ) أي : لم يترك ، ولم يغفل عن واحدة منهن ، وهذا كان لما اشتدَّ مرضُه ، ومُرِّض في بيت عائشة . والسِّرار : السرُّ . يقال : سارره يسارره سرًّا ، وسرارًا ، ومُسارَّة . وبكاء فاطمة في أول مرَّة كان حزنًا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أعلمها بقرب أجله ، وضحكها ثانية فرحًا بما بشرها به من السلامة من هذه الدار ، ولقرب الاجتماع به ، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة ، وكفى بذلك أن قال لها : إنها سيدة نساء أهل الجنة ، وقد تقدَّم الكلام على هذا في باب : خديجة . وكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان جبريل يعارضه كل سنة مرَّة ، يدل على استحباب عرض القرآن على الشيوخ ولو مرَّة في السَّنة ، ولما عارضه جبريل القرآن في آخر سنة مرتين استدل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك على قرب أجله من حيث مخالفة العادة المتقدِّمة ، والله تعالى أعلم . وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثر عليه الوحي في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله .
( 48 ) باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ( 2449 ) ( 93 - 96 ) [ 2358 ] عن الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا . وفي رواية : أنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وعنده فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما سمعت بذلك فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ ، قَالَ : الْمِسْوَرُ : فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي رواية : يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي . وفي رواية : ووعدني، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا. وفي رواية : في دينها ، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا ، وإنها والله لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عند رجل واحد أبدا . قال : فترك علي الخطبة . ( 48 ) ومن باب فضائل فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيدة نساء العالمين رضي الله عنها ، وقد اختلف في أصغر بنات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . قال أبو عمر : والذي تسكن النفس إليه : أن زينب هي الأولى ، ثم رقية ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ولدت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة إحدى وأربعين من مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتزوجها علي - رضي الله عنهما - بعد وقعة أحد . وقيل : بعد أن ابتنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعائشة - رضي الله عنها - بأربعة أشهر ونصف شهر ، وبنى بها عليٌّ بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف ، وكان سِنُّها يوم تزوجها رضي الله عنهما خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا ، وسِنُّ علي يومئذ : إحدى وعشرون سنة وستة أشهر ، وولدت له الحسن والحسين ، وأم كلثوم ، وزينب ، وتوفيت بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيسير . قيل : بثمانية أشهر . وقيل : بستة أشهر . وقيل : بثلاثة أشهر . وقيل : بسبعين يومًا . وقيل : بمائة يوم . وهي أحبُّ بناتِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه ، وأكرمهن عنده ، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة . وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيصلِّي فيه ، ثم يبدأ ببيت فاطمة فيسأل عنها ، ثم يدور على سائر نسائه ، إكرامًا لها ، واعتناء بها ، وهي أوَّل من سُتِر نعشُها في الإسلام ، وذلك أنها لما احتضرت قالت لأسماء بنت عُميس : إني قد استقبحتُ ما يُفْعَلُ بالنساء ، إنه يُطْرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها ، فقالت أسماء : يا ابنة رسول الله ! ألا أريكِ شيئًا رأيتُه في الحبشة ؟! فدعت بجرائد رطبةٍ ، فَحَنَتْها ، ثم طرحت عليها ثوبًا ، فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله ، تُعرف به المرأة من الرجل ، فإذا أنا مِتُّ ، فاغسليني أنت وعليٌّ ، ولا تُدْخلي أحدًا . فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل ، فقالت أسماء : لا تدخلي . فشكت إلى أبي بكر فقالت : إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس ، فجاء أبو بكر فوقف على الباب ، فقال : يا أسماء ! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخلن على بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وجعلت لها مثل هودج العروس ؟ فقالت : أمرتني ألاَّ يدخل عليها أحد ، وأريتها هذا الذي صنعتُ ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها . قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : اصنعي ما أمرتك ، ثم انصرف . وغسَّلها عليٌّ ، وأشارت أن يدفنها ليلاً ، وصلَّى عليها العباس ، ونزل في قبرها هو وعلي والفضل ، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة ، وقيل : بنت خمس وثلاثين . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن فاطمة بضعة مني ، يريبني ما رابها " ) البضعة - بفتح الباء - : القطعة من اللحم ، وتجمع بضاع ، كقصعة وقصاع ، وهي مأخوذة من البضع ، وهو القطع ، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى : مُضْغَة ، وهي قَدْرُ ما يمضغها الماضغ ، ويعني بذلك : أنَّها كالجزء منه يؤلمه ما آلمها . و" يريبني ما رابها " : أي يشق علي ويؤلمني . يقال : رابني فلان : إذا رأيت منه ما تكرهه - ثلاثيًّا - والاسم منه : الرِّيبة . وهذيل تقول فيه : أرابني - رباعيًّا- والمشهور : أن أراب : إنما هو بمعنى صار ذا ريبة ، فهو مريب ، وارتاب بمعنى : شك ، والرَّيب : الشك . و ( قولها : " هذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل " ) كذا الرواية : ناكحًا بالنصب على الحال ، لأنَّ الكلام قبله مستقل بنفسه ، لأنَّ قولها : " هذا علي " ، كقولك : هذا زيد ، لكن رفعه أحسن لو روي ، لأنَّه هو المقصود بالإفادة ، و" علي " توطئة له . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا آذن ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن " ) تأكيد لمنع الجمع بين فاطمة ، وبين ابنة أبي جهل ، لما خاف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فاطمة من الفتنة من أجل الغَيْرة ، ولما توقع من مناكدة هذه الضَّرَّة ، لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء . و ( قوله : " وإني لست أحرم حلالاً ، ولا أحل حرامًا " ) صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى ، وإنَّما الرسول مُبلغ ، ويُستدلُ به في منع اجتهاد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأحكام ، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا حُجَّة فيه ، لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام ، ولا ينشئها ، وإنَّما هو مُظْهِر لها ، كما أوضحناه في الأصول . ويفيد هذا : أن حكم الله على عليٍّ ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع ، ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما منع عليًّا من ذلك لما خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها ، فتتأذى في نفسها ، فيتأذى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسببها ، وأذى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حرام ، فيحرم ما يؤدي إليه . ففيه القول بسد الذرائع ، وإعمال المصالح ، وأن حرمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعظم من حرمة غيره ، وتظهر فائدة ذلك : بأن من فعل مِنَّا فعلا يجوز له فعله لا يمنع منه ، وإن تأذى بذلك الفعل غيره ، وليس ذلك حالنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل يحرم علينا مطلقًا فعل كل شيء يتأذى به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان في أصله مباحًا ، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ارتفعت الإباحة ، ولزم التحريم . وفيه : ما يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته وولده وحرمه ، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي لضررهم ، إذا كان ذلك بوجه جائز . وفيه ما يدلّ على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم لأمر يحدث . و ( قوله : " والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا " ) دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب ، وولد العدو عدوّ ، إلى أن يتيقن خلاف ذلك ، وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا منع نكاح الأَمَة على الحرَّة ، وليس بصحيح ، لأنَّه يلزم منه منع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة ، ومنع نكاح ابنة المرتد على من ليس أبوها كذلك ، ولا قائل به فيما أعلم . فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة رضي الله عنها . و ( قوله : " فترك عليٌّ الخطبة " ) يعني : لابنة أبي جهل وغيرها ، ولم يتزوَّج عليها ، ولا تسرَّى حتى ماتت رضي الله عنها . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن أبا العاص بن الربيع حدَّثني فصدقني ، ووعدني فوفى لي " ) أبو العاص هذا : هو زوج ابنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زينب رضي الله عنها ، واسمه : لقيط -على الأكثر وقيل : هشيم بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أنكحه زينب ، وهي أكبر بناته وذلك بمكة فأحسن عشرتها ، وكان مُحِبَّا لها ، وأرادت منه قريش أن يطلقها فأبى ، فشكر له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ، ثم إنَّه حضر مع المشركين ببدر فأُسِر ، وحُمل إلى المدينة ، فبعثت فيه زينبُ قلادتها ، فردت عليها ، وأُطلق لها ، وكان وعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرسلها إليه ففعل ، وهاجرت زينب ، وبقي هو بمكة على شِرْكِه إلى أن خرج في عير لقريش تاجرًا ، وذلك قبيل الفتح بيسير ، فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من المسلمين من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخذها ، وأفلت أبو العاص هاربًا إلى أن جاء إلى المدينة ، فاستجار بزينب فأجارته ، وكلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس في رد جميع ما أُخذ من تلك السَّرية ، ففعلوا ، وقال : إنه يردُّ أموال قريش ، ويسلم ، ففعل ذلك ، فلذلك شكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : " حدَّثني فصدقي ، ووعدني فوفى لي " .
( 47 ) باب ذكر حديث أم زرع ( 2448 ) [ 2357] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ، وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا، قَالَتْ الْأُولَى : زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ، قَالَتْ الثَّانِيَةُ : زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ، قَالَتْ الثَّالِثَةُ : زَوْجِي الْعَشَنَّقُ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ، قَالَتْ الرَّابِعَةُ : زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ ، لَا حَرَّ وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ، قَالَتْ الْخَامِسَةُ : زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ، قَالَتْ السَّادِسَةُ : زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنْ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ، قَالَتْ السَّابِعَةُ : زَوْجِي غَيَايَاءُ - أَوْ عَيَايَاءُ - طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ، قَالَتْ الثَّامِنَةُ : زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، قَالَتْ التَّاسِعَةُ : زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنْ النَّادِي، قَالَتْ الْعَاشِرَةُ زَوْجِي مَالِكٌ ، فما مَالِكٌ ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، قَالَتْ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ وَبَجَّحَنِي فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ ، أُمُّ أَبِي زَرْعٍ ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ ، وَتُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وصفر ردائها، وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا ، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا، قَالَتْ : خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا ، قَالَ : فكُلِي أُمَّ زَرْعٍ ، وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ . وفي رواية، قال : عياياء طباقاء - ولم يشك - وقال : قليلات المسارح، وقال : وصفر ردائها، وخير نسائها، وعقر جارتها، وقال : ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ، وقال : وأعطاني من كل ذابحة زوجا . ( 47 ) ومن باب : حديث أم زرع الصَّحيح في هذا الحديث : أنه كله من قول عائشة - رضي الله عنها - إلا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها : " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " . هذا هو المتفق عليه عند أهل التَّصحيح . وقد رواه سعيد بن مسلم المديني ، عن هشام بن عروة ، عن أخيه عبد الله ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " . ثم أنشأ يحدِّث بحديث أم زرع وصواحبها ، قال : اجتمع إحدى عشرة امرأة وذكر الحديث . فتوهم بعض الناس : أن هذا الحديث كلُّه مرفوعٌ إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فنسبه إليه ، وجعله من قوله . وهو وهم محض ، فإنَّ القائل : ثم أنشأ يحدِّث ، هو : هشام يخبر بذلك ، عن أخيه ، عن أبيه : أنه أنشأ بعد ذلك القول المتقدِّم : يحدَّث بالحديث . و ( قولها : " جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن ، وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا " ) هكذا صحيح الرواية ومشهورها ، وعند الطبري : " جلسن إحدى عشرة امرأة " ) بالنون التي هي علامة المؤنث على لغة من قال : أكلوني البراغيث ، وعليها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار " . وقد حُمِل عليها قوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وقوله : ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وعليها قول الشاعر : ولكن دِيَافِيٌّ أَبُوه وأُمُّه بِحَوْرَانَ يِعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَاربُه وقد تكلف بعض النحويين ردَّ هذه اللغة إلى اللغة [ الفصيحة ، وهي ألا تلحق هذه العلامة في الفعل إذا تقدَّم الأسماء ، وردَّ هذه اللغة ] ، ولا معنى لهذا كله ، ولا يحتاج إليه ، إذ قد صحَّت هذه اللغة نقلاً واستعمالاً ، ثم إنها جارية على قياس إلحاق علامة تأنيث الفاعل بالفعل على ما تحقق بعلم النحو . و ( قول الأولى : " زوجي لحم جمل غَثٌّ على رأس جبل وَعْرٍ - في غير كتاب مسلم : وعث - لا سهل فيُرتقى ، ولا سمين فيُنْتَقَل " - وفي غير كتاب مسلم : " فيُنْتَقَى " بدل : " فينتقل " - ) الرواية الصحيحة بخفض غثّ على الصِّفة للجمل ، وقد قيَّده بعضهم بالرفع على الصِّفة لِلَّحم ، والغَثُّ : الشديد الهزال ، الذي يُستغثُّ [ من هزاله ، أي : يُستترك ويُستكره ، مأخوذٌ من غث الجرح غثًّا وغثيثًا ] إذا سال منه الْمِدَّة والقيح ، واستغث صاحبه . والوعث من الجبال : الصَّعب المرتقى لوعوثته ، وهو أن يكون بحيث توحل فيه الأقدام ، فلا يكاد يتخلَّص منه . وقد فسَّرته بقولها : " لا سهل فيرتقى " ، أي : لا يصعدُ فيه لصعوبته . وينتقل : من الانتقال ، أي : هذا الجمل لهزالته لا ينقله أحدٌ زهدًا فيه ، ولكونه بموضع لا يتخلَّص منه ، ويُنتقى ، أي : لا نِقْيَ له ، والنِّقْيُ : المخ . يقال منه : نقوت العظم ، ونقيته ، وانتقيته ، إذا استخرجت مُخَه . قال الخطابي : وصفت زوجها بسوء الخلق ، وقلة الخير ، ومنع الرِّفد ، وبالأذى في المعاشرة . و ( قول الثانية : " زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف ألا أذره ، إن أذكره ، أذكر عجره وبجره " ) بثُّ الخبر : نشره وإظهاره . ومعنى أذره : أدعه ، ولم تستعمل العرب من هذين الفعلين إلا مضارعهما ، فلا يقال منهما : فعل ولا أَفْعَلَ ، ولا فَاعَلَ ، ولا فَعْلَى . استغنوا عن ذلك بـ " ترك " غير أنه قد سمع : وَدَعَ ، وَوَدْعٌ ، وهو قليل . والعُجَر : جمع عُجْرَة . والبُجَر : جمع بُجْرَةٍ ، تعني بذلك : عيوبه . قال الأصمعي في تفسير قول علي ـ رضي الله عنه ـ : " أشكو إلى الله عُجَرِي وبُجَرِي " أي : همومي وأحزاني ، وأصل البُجَر : العروق المنعقدة في البطن خاصَّة ، وقال ابن الأعرابي : العُجَرة : نفخةٌ في الظهر ، فإذا كانت في السُّرَةِ فهي : البُجْرة ، ثم يُنْقَلان إلى الهموم والأحزان ، والضمير في خَبَرْه . وفي أَذَرَهُ : على الزوج ، وكذلك هو ظاهر الضميرين في عجره وبجره . وتعني : أنها إن وصفت حال زوجها ذكرت عيوبه ، وإن فعلت ذلك خافت من فراقه ، وهي تكره فراقه للعِلَق التي بينهما . وعلى هذا فتكون " لا " التي في " أن لا أذره " زائدة ، كما زيدت في قوله تعالى : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ويحتمل أن يقال : " لا " ليست بزائدة ، وإنها تخاف ألا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها . وقيل : إن الضمير في عجره وبجره عائدٌ إلى الخبر ، تعني : أن حديثه حديث طويل ، فيه عقد لو تحدَّث به ، لكنها لم تتحدَّث به لخوفها ، ولم تسكت عن حال زوجها بالجملة للعقد الذي جعلت على نفسها ، لكنها أومأت إلى شيء من ذلك ، وعلى القول الأول : صرحت بأن له أمورًا تعاب . و ( قول الثالثة : " زوجي العشنَّق ، إن أنطق أُطلَّق ، وإن أَسْكُتْ أُعَلَّق " ) العشنَّقُ : الطويل الخارج بطوله إلى الحد المستكره ، ويقال أيضًا عليه : العشنّط - بالطاء - تقول : ليس عنده أكثر من طول بلا نفع ، فهو منظرٌ بلا مخبر ، إن ذكرت عيوبه طلقني ، وإن سكت عن ذلك ، تركني مُعَلَّقة ، لا أيِّمًا ، ولا ذات زوج ، كما قال تعالى : فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ و ( قول الرابعة : " زوجي كلَيْلِ تِهامة ، لا حرٌّ ، ولا قرٌّ " ) هو مدح منها لزوجها ، لأنَّها ضربت له مثلاً بليل تهامة ، لأنَّه معتدل ، إذ ليس فيه حرٌّ يؤذي ، ولا بردٌ يُرْدِي . وكذلك كان زوجها . والقرُّ : البرد . و ( قولها : " ولا مخافة ، ولا سآمة " ) أي : لا أخاف منه أذى ، وليس فيه سآمة ، أي : قلال . والرواية المشهورة : فتح ما بعد " لا " وبناء ما بعدها معها ، وقد رواه أبو عبيد برفع ما بعدها وتنوينه في المواضع كلها على الابتداء وإضمار الخبر ، وهذا نحو قوله تعالى : لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وكنحو قوله : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنَّه يجوز فتحهما ورفعهما ، وفتح الأول ، ورفع الثاني ، وعكس ذلك ، وبسط ذلك في كتب النحو . و ( قول الخامسة : " زوجي إن دخل فهد ، وإن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد " ) الرواية فهد وأسد - بكسر العين وفتح اللام - على أنهما فعلان ماضيان مأخوذان من اسم الفهد والأسد ، تريد أن حاله إذا دخل بيته نام نوم الفهد ، تصفه بكثرة النوم . يقال في المثل : هذا أنوم من فهد ، وأما إذا خرج للحرب ، فيفعل فعل الأسد تصفه بالشجاعة . يقال : أسد الرجل واستأسد إذا تشجَّع ، وقال إسماعيل بن أبي أويس : إن دخل فهد ، أي : وثب عليّ كما يثب الفهد ، فيحتمل أن تريد بذلك ضربها ، أو المبادرة لجماعها . قلت : والأول أظهر . و ( قولها : " ولا يسأل عما عهد " ) أي : لا يبحث عما له من مال ولا طعام في بيته ، فيحتمل أن يكون ذلك عن كرم نفس ، وحسن خلق فيكون مدحًا ، ويحتمل أن يكون ذلك عن غفلة وقلة مبالاة فيكون ذمًّا . و ( قول السادسة : " زوجي إن أكل لف ، وإن شرب اشتف " ) تصفه بكثرة الأكل مع التخليط في المأكول ، فهو يلف كل ما يجده من الأطعمة ، ويشرب كل ما يجده من الأشربة . يقال : اشتف ما في الإناء إذا شرب ما فيه ، من الشفافة وهي : البقية ، وهذا وصف ذم . و ( قولها : " وإذا اضطجع التف " ) تعني : أنه ينام وحده ملتفًا في ثوبه ، فيحتمل أن يكون ذلك منه إعراضًا عنها ، إذ لا أرب له فيها ، فهي لذلك كئيبة حزينة ، ويناسبه قولها بعده : " ولا يولج الكف ليعلم البث " أي : لا يمد يده إلي ليعلم ما أنا عليه من الحزن لإعراضه عنها فيزيله . ويحتمل أنه : إنما يفعل ذلك فشلاً وعجزًا ، فإنَّ هذه نومة العجزان الكسلان ، وعلى هذا فيجتمع فيه : أنه أكول ، شروب ، نؤوم ، لا رغبة له في شيء غير ذلك . واختلف في معنى قولها : " ولا يولج الكفّ ليعلم البث " ، فأشار ابن الأعرابي إلى الأول ، فإنَّه قال : إنما أرادت أنه إذا رقد التفّ في ناحية من البيت ، ولم يضاجعني ليعلم ما عندي من محبتي لقربه . ولا بثَّ لها إلا محبَّتُها الدنوِّ منه ، فسمته ذلك بثًّا ، لأنَّ البث من جهته يكون . قال أبو عبيد : أحسب أنها كان بجسدها عيب ، فكان لا يدخل يده في ثوبها كرمًا . وقال غيره : لا يمس عورتها ، لأن ذلك قد يشق عليها في بعض الأوقات ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث : " حتى تستحدَّ المغيبة " ، وقال أحمد بن عبيد : معناه : لا يتفقد أموري فيعلم ما أكرهه فيزيله ، يقال : ما أدخل يده في هذا الأمر ، أي : لم يتفقَّده . قلت : وقول ابن الأعرابي : أشبهها ، وما ذكرته أنسبها ، وعلى هذه الأقوال كلها فحديثها كله ذمٌّ ، وأما على قول أبي عبيد ، فإنَّها تكون قد مدحته بالإعراض والتغافل عن الاطلاع على ما يحزنها من عيب جسدها ، وقد استبعد ابن قتيبة أن تكون تذمُّه بالوصفين المتقدِّمين وتمدحه بثالث . قلت : وهذا لا بُعد فيه ، فإنَّهن تعاقدن ألا يكتمن من أحوال أزواجهن شيئًا ، فمنهن من كان زوجها مذموم الأحوال كلها ، ومنهن من كان زوجها ممدوح الأوصاف كلها ، ومنهم من جمع الأمرين ، فأخبرت كل واحدة بما علمت . و ( قول السَّابعة : " زوجي غياياء - أو عياياء- طباقاء " ) الرواية التي لا يعرف غيرها بالعين المهملة ، وغياياء : بالغين المعجمة ، و" أو " للشك ، وهو شك وقع من بعض الرواة ، وقد أنكر أبو عبيد وغيره الغين المعجمة ، وقالوا : صوابه : عياياء . وقالوا : هو العنين : وهو الذي تغلبه مباضعة النساء ، وكذلك هو في الإبل التي لا تضرب ولا تلقح . قلت : ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة : أنهم قصروا عياياء على الذي يعجز عن الجماع والضِّراب ، والصحيح من اللسان : أنه يقال على ذلك ، وعلى من لم يقم بأموره . ففي الصحاح : يقال جمل عياياء ، أي : لم يهتد إلى الضراب ، ورجل عياياء : إذا أعَيا بالأمر والمنطق ، وعلى هذا فتكون هذه المرأة قد وصفته بكل ذلك ، وأما إنكار غياياء فليس بصحيح . قال القاضي أبو الفضل : وقد يظهر له وجهٌ حسن ، ولا سيما أكثر الرواة أثبتوه ، ولم يشكُّوا فيه ، وهو أن يكون مأخوذًا من الغياية ، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه ، فكأنه غطي عليه وسترت أموره ، ويكون من الغي : وهو الانهماك في الشر ، أو الغي : وهو الخيبة . قال الله تعالى : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي : خيبة . والمعروف في الطباقاء : أنه بمعنى : العياياء ، وهو الذي تنطبق عليه الأمور ، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعْمَر : طباقاء لم يشهد خُصُوًا ولم يَقُدْ رِكابًا إلى أَكْوارِها حين تُعكف قال : ويُروى عياياء ، وهو بمعنى واحد . قال القاضي : وحكى أبو علي - وأظن البغدادي - عن بعضهم أنه قال : الثقيل الصدر ، الذي ينطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة إليها ، وهو من مذام الرجال . وقال الجاحظ : عياياء ، طباقاء : أخبرت عن جهله بإتيان النساء ، وعيِّه ، وعجزه ، وأنه إذا سقط عليها انطبق عليها ، والنساء يكرهن صدور الرجال على صدورهن . و ( قولها : " كل داء له داء " ) أي : هو موصوف بجميع الأدواء مع عيه وعجزه . و ( قولها : " شجَّك ، أو فلَّك ، أو جمع كلاً لكِ " ) الشجاج : الجراح في الرأس ، وتعني بفلَّك ، أي : أثَّر في جسدك بالضرب ، مأخوذ من فلَّ السيف فلولاً إذا تثلم ، وقيل معناه : كسر أسنانها ، و " أو " هنا للتقسيم ، تعني : أنه في وقت يضربها فيشج رأسها ، وفي وقت يؤثر في جسدها ، وفي آخر يجمع كل ذلك عليها . و ( قول الثامنة : " الريح ريح زرنب ، والمس مس أرنب " ) الأرنب : واحد الأرانب ، تعني به : أنه لين الجسد عند المس ، ناعمه كمسِّ جلد الأرنب ، ويحتمل : أن يُكنى بذلك عن طيب خلقه ، وحسن معاشرته . والزرنب : بتقديم الزاي على الراء : ضرب من النبات طيب الرائحة ، ووزنه : فعلل . وأنشدوا : يا بأبي أنت وفوكِ الأشنبُ كأنَّما ذُرَّ عليه الزَّرنبُ أو زنجبيلٌ عاتقٌ مُطيَّب وظاهره : أنها أرادت : أن تستعمل الطيب كثيرًا تظرُّفًا ونظافة ، ويحتمل أن تكني بذلك عن طيب الثناء له ، أو عن طيب حديثه ، وحسن معاشرته . و ( قول التاسعة : " زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد " ) ، وظاهره : أنها وصفته بطول البيت وعلوه ، فإنَّ بيوت الأشراف والكرماء كذلك ، فإنَّهم يعلونها ، ويضربونها في المواضع المرتفعة ليقصدهم الطارقون والمعتفون ، وبيوت غيرهم : قصار ، وربما هُجي بذلك فقيل : قِصارُ البيوتِ لا تُرى صهواتها من اللُّؤمِ حشَّامُون عندَ الشدائد وقيل : كنت بذلك عن شرفه ورفعة قدره . والنجاد : حمالة السيف ، تُريد : أنه طويل القامة ، كما قال شاعرهم : قَصُرَتْ حَمائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَصَتْ ولَقَد تَمَطَّطَ بَيْنَها فَأَطَالَها وكانت العرب تتمادح بالطول وتذم بالقصر ، وذلك موجود في أشعارهم . و ( قولها : " عظيم الرَّماد " ) تعني : أن نار قِراه للأضياف لا تُطفأ ، فرماد ناره كثير عظيم ، كما قال : مَتَى تَأْتِه تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِه تَجِدْ حَطَبًا جَزْلاً ونارًا تَأَجَّجا وقال آخر : لَهُ نارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ إِذَا النِّيرانُ أُلْبِسَتِ القِنَاعا و ( قولها : " قريب البيت من النادي " ) النادي ، والنديُّ ، والمنتدى : مجلس القوم ، ومنه قوله تعالى : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ أي : أهل مجلسه . تصفه بالشرف والسؤدد في قومه ، فهم إذا تشاوروا أو تفاوضوا في أمر أتوه فجلسوا قريبًا من بيته ، فاعتمدوا على رأيه ، وامتثلوا أمره . ويحتمل أن تريد : أن النادي إذا أتوه لم يصعب عليهم لقاؤه ، أي : لا يحتجب عنهم ، ولا يتباعد منهم ، بل : يقرب منهم ، ويتلقاهم مرحبًا بهم ، ومبادرًا لإكرامهم . ومقتضى حديثها : أنها وصفته بالسيادة والكرم ، وحسن الخلق ، وطيب المعاشرة . و ( قول العاشرة : " زوجي مالك ، وما مالك ؟ " ) هذا تعظيم لزوجها ، وهذا على نحو قوله تعالى : وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ و : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ و ( قولها : " مالك خير من ذلك " ) أي : هو أجل من أن أصفه لشهرة فضله ، وكثرة خيره . و ( قولها : " له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح " ) مبارك الإبل : مواضع بروكها . واحدها : مبرك ، ومسارحها : مواضع رعيها ، واحدها مسرح ، واختلف في معناه على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أكثر بروكها وأقل تسريحها مخافة أن ينزل به ضيف وهي غائبة ، ذكره أبو عبيد . والثاني : أنها إذا بركت كانت كثيرة لتوفر عددها ، وإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما يجزر منها للضيفان . قاله ابن أبي أويس . وثالثها : أنها إذا بركت كانت كثيرة لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس لحمها ولبنها ، وإذا سرحت كانت قليلة لقلة من ينضم إليها منهم . و ( قولها : " إذا سمعن صوت الْمِزهَر أيقن أنهن هوالك " ) المزهر - بكسر الميم - : هو عود الغناء ، وهو معروف عند العرب ومذكور في أشعارها ، وقد أخطأ من قال : إنه مُزهِر بضم الميم وكسر الهاء ، وفسَّره : بموقد النار في الرواية والمعنى . أما الرواية : فلا يصحُّ منها إلا ما ذكرناه ، وهو كسر الميم ، وفتح الهاء ، وأما المعنى ، فقيل فيه قولان : أحدهما : أنه يتلقى ضيفانه بالغناء مبالغة في الترحيب والإكرام ، وإظهار الفرح . والثاني : أنه يأتي ضيفانه بالشراب والغناء ، فإذا سمعت الإبل صوت الِمِزْهر والغناء أيقنَّ بنحرهنَّ للأضياف ، وكلا القولين : أمدح ، ومعناهما أوضح . و ( قول الحادية عشرة : " أناس من حُليِّ أذني " ) تريد : حلاني قِرَطَةً وشنوفًا تنوسُ بأذني ، أي : تتحرك ، والنَّوْسُ : حركة كل شيء متدلٍّ ، يقال فيه : ناسَ ينوسُ نوسًا ، وأناسَه غيرَه إناسةً ، وسُمِّي ملكُ اليمن ذا نُواس ، لضفيرتين كانتا له تنوسان على عاتقه . و ( قولها : " ملأ من شحم عضدي " ) أي : سَمَّنني بالإحسان ، وكثرة المأكل ، وخصَّت العضدين ، لأنهما إذا سمنا سَمِنَ جميع الجسد . و ( قولها : " فبجَحني فبجحت إليَّ نفسي " ) الرواية المعروفة : " فبَجَحَتْ " بفتح الجيم والحاء وسكون تاء الفرق ، وإلي مشدد الياء ، وتكون " نفسي " فاعلة بجحت ، وقد رواه أبو عبيد : " فَبَجُحْتُ " بضم الجيم ، وسكون الحاء وتاء مضمومة ، هي ضمير المتكلم الفاعل ، وإلى ساكنة : حرف جر ، " نفسي " : مجرورة ، ومعنى : " بجحني " : فرحني ورفعني ، ففرحت ، وترفعت . يقال : فلان يتبجَّح بكذا ، أي : يترفع ويفتخر ، قال الشاعر وهو الراعي : وَما الفَقْرُ من أَرْضِ العَشِيرَةِ سَاقَنا إِلَيْك وَلكنَّا بِقُربِكَ نَبْجَحُ أي : نترفع ، ونفتخر . و ( قولها : " وجدني في أهل غنيمة بشِقّ " ) الأكثر الأعرف في الرواية بكسر الشين ، وقد ذكره أبو عبيد بفتح الشين . قال : والمحدِّثون يقولونه بالكسر ، والفتح الصواب ، وهو موضع . وقال ابن الأنباري : هو بالفتح والكسر ، واختلف الذين كسروه ، فمنهم من قال : هو شق جبل ، أي : غنمهم قليلة ، ومنهم من قال : هو الجهد والمشقة . كما قال تعالى : إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ و ( قولها : " فجعلني في أهل صهيل وأطيط " ) الصهيل : حمحمة الخيل ، والأطيط : صوت الرَّحل والإبل من ثقل أحمالها . يقال : لا آتيك ما أطَّت الإبل ، وكذلك صوت الجوف من الجَوَى . و ( قولها : " ودائسٍ ومُنقٍّ " ) دائس : اسم فاعل من داس الطعام يدوسه دياسة فانداس هو ، والموضع : مداسة . والمدوس : ما يداس به ، أي : يدق ويُدْرَس . ويقال : داس الشيء برجله يدوسه دوسًا إذا وطئه . ومُنْق : صحيح الرواية فيه بضم الميم وفتح النون : اسم فاعل من نقى الطعام والشيء ينقيه تنقية ، وهو مُنَق ، يعني : أن لهم زرعًا يداس وينقى ، وقاله ابن أبي أويس بكسر النون ، قال : وهو نقيق أصوات المواشي والأنعام . قلت : وهذا ليس بشيء ، لأنَّه لا يقال لشيء من ذلك : نَقٌّ ، وإنما يقال : نقُّ العقرب والضفدع والدجاجة ، وقد يقال : نق الهر ، وهو قليل ، ولذلك قال النيسابوري : تريد الدجاج ، وهو بعيد ، لأنَّ الدجاج لا تمتدح بها العرب ، ولا تذكرها في الأموال ، ومقصود قولها هذا : أنها كانت في قوم ضعفاء فقراء ، فنقلها إلى قوم أغنياء أقوياء . و ( قولها : " فعنده أقول فلا أُقَبِّح " ) أي : لا يعاب لها قول ، ولا يرد بل يستحسن ويمتثل . و ( قولها : " وأرقد فأتصبح " ) أي : أديم النوم إلى الصباح ، لا يوقظها أحدٌ ، لأنَّها مكرَّمة ، مكفية الخدمة والعمل . و ( قولها : " فأتقَنَّح " ) يروى بالميم والنون مكانها . والروايتان معروفتان ، غير أن أبا عبيد لم يعرف رواية النون ، فأمَّا أتقمح بالميم ، فمعناه : أتروى حتى أمجَّ الشراب من الرِّي . يقال : ناقةٌ قامح ، وإبل قماح : إذا رفعت رءوسها عند الشراب ، ونحو قوله تعالى : فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وأما بالنون فمعناه : الزيادة على الشرب بعد الرِّي . يقال : قنحت من الشراب ، أقنح قنحًا إذا شربت بعد الرِّي ، وقال ابن السكيت : معناه أقطع الشرب وأشرب قليلاً قليلاً . و ( قولها : " عكومها رداح " ) العكوم : جمع عكم ، وهو العدل . ورداح : مملوءة من الأمتعة ، تعني : أنها كثيرة القماش والأثاث . ويقال : امرأة رداح ، إذا كانت عظيمة الكفل . و ( قولها : " وبيتها فساح " ) أي : واسع . يقال : بيت فسيح ، وفساح ، وظاهره : أنه فسيح الفناء ، ويحتمل أن يكون كناية عمَّا يفعل فيه من الخير والمعروف . و ( قولها : " مضجعه كمسل شطبة " ) الشَّطبة : هي بفتح الشين ، وأصلها ما شطب من جريد النخل ، وذلك : أنه يُشَقُّ منه قضبان دقاق تنسج منها الحصر . وقال ابن الأعرابي وغيره : الشَّطبة هنا : السيف يسل من غمده . و ( قولها : " وتشبعه ذراع الجفرة " ) وهي : الأنثى من ولد المعز ، والذكر : جفر ، وإذا أتى على ولد المعز أربعة أشهر ، وفصل عن أمه ، وأخذ في الرعي قيل عليه : جفر . مدحته بقلَّة أكله ، وقلَّة لحمه ، وهما وصفان ممدوحان . قال الشاعر : تَكْفِيه حُزَّةُ فِلْذٍ إن أَلَمَّ بِهَا مِنَ الشِّواءِ ويُروِي شُرْبَهُ الغُمَرُ و ( قولها : " ملء كسائها " ) أي : ممتلئة الجسم . و ( قولها : " صفر ردائها " ) أي : خاليته ، والصفر : الشيء الفارغ . قال الهروي : أي : ضامرة البطن ، والرداء ينتهي إلى البطن . وقال غيره : يريد أنها خفيفة أعلى البدن ، وهو موضع الرداء ممتلئة أسفله ، وهو موضع الكساء والأزرة ، ويؤيده قولها في بعض روايات الحديث : " مِلءُ إزارها " . قال القاضي : والأولى : أنه أراد : أن امتلاء منكبيها ، وقيام نهديها يرفضان الرداء عن أعلى جسدها ، فهو لا يمسه كالفارغ منها بخلاف أسفلها ، كما قال الشاعر : أَبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمْصِها مَسَّ البُطُونِ وأَنْ تَمَسَّ ظُهُورا و ( قولها : " وغيظ جارتها " ) تريد أن ضرتها يغيظها ما تراه من حسنها ، وجمالها ، وعفافها . و ( قولها : " وعقر جارتها " ) الرواية الصحيحة : بعين مهملة مفتوحة ، وقاف من العقر ، وهو الجرح ، أو الهلاك ، تعني : أن ضرتها تموت من أجلها حسدًا وغيظًا ، أو ينعقر قلبها ، وفي قولها : " ملء كسائها ، وصفر ردائها ، وغيظ جارتها " دليل لسيبويه : على صحة ما أجازه من قول : مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وجهه ، وهو ردٌّ على المبرّد والزجَّاج ، فإنَّهما منعا ذلك ، وعلَّل الزجاجي المنع بإضافة الشيء إلى نفسه ، وخطَّأَ سيبويه في إجازة ذلك ، وقال : إنما أجازه سيبويه وحده ، وقد أخطأ الزجَّاجي في هذا النقل في مواضع ، أخطأ في المنع ، وأخطأ في التعليل ، وفي تخطئته سيبويه ، وفي قوله : إنه لم يقل به غير سيبويه . وقد قال أبو الحسن بن خروف : أنَّه قال به طائفة لا يحصون ، وفي قوله : إن جميع الناس خطَّئوا سيبويه ، وليس بصحيح . وكيف يخطأ باللسان من تمسك بالسَّماع بالصحيح ، كما جاء في هذا الحديث المتفق على صحته . وقد جاء عن بعض الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ في وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " شَثَنٌ أصابعه " ، وقد اتفق أهل اللسان على صحة قول الشاعر : أَمِنْ دِمِنتين عرَّج الركبُ فيهما بحقل الرُّخامى قد عفا طللاهُما أقامَتْ عَلَى رَبْعَيهِما جارَتا صَفًا كُميتا الأعالي جونتا مصطلاهما وقد تعسَّف المانع في تأويل هذا السماع بما تمجُّه الأسماع ، ولتفصيل ذلك مبسوطات النحو ، ومن تمسك بالسماع فرد حجَّته لا يستطاع . و ( قولها : " لا تبثُّ حديثنا تبثيثًا " ) يُروى بالباء بواحدة ، من البث : وهو الإظهار والإشاعة ، فتصفها بكتمان ما تسمعه من الحديث ، وهذا يدلّ على عقلها ، وأمانتها ، ويُروى بالنون ، وهو بمعنى الأول . يقال : نثَّ الحديث إذا أنثاه ، وفي الصحاح : بث الخبر ، وأبثه : إذا أفشاه ، ونثَّه بالنون ينثّه بالضم كذلك ، وأنشد : إذا جاوَزَ الاثنين سرٌّ فإنَّهُ بِنَثٍّ وتكْثِيرِ الوُشَاةِ قَمينُ و ( قولها : " ولا تنقَّث ميرتنا تنقيثًا " ) أصل التنقيث : الإسراع . يقال : خرجت أنقث - بالضم أي : أسرع السير ، وكذلك أنتقث . والميرة : ما يمتار من موضع إلى موضع من الأطعمة ، وأرادت : أنها أمينةٌ على حفظ طعامنا وحافظة له . و ( قولها : " ولا تملأ بيتنا تعشيشًا " ) يُروى هذا بالعين المهملة والمعجمة ، فعلى المهملة فسَّره الخطابي بأنها لا تفسد الطعام المخبوز ، بل تتعهده بأن تطعمنا منه أولاً فأولاً ، وتلاه على هذا التفسير المازري ، وهذا إنما يتمشَّى على رواية من رواه : ولا تفسد ميرتنا تعشيشًا . وأما على رواية ما صح هنا من قولها : ولا تملأ ، فلا يستقيم ، وإنَّما معناه : أنها تتعهَّد بيتها بالنظافة والكَنْس ، ولا تترك كناسة في البيت ، حتى يصير كعش الطائر ، وأما رواية الغين المعجمة فهو من الغش والخيانة ، أي : لا تخوننا في شيء من ذلك ، ولا تترك النصيحة في صنعة . والأوطاب : جمع وطب ، وهو من الجموع النادرة ، فإنَّ " فَعْلاً " في الصحيح قياسه أن يأتي في القلة على أفعل ، وفي الكثرة على فُعُول ، وفِعَال ، وهي : أسقية اللبن ، وتُمَخَّض : تحرِّك ليخرج زبدها . و ( قولها : " يلعبان من تحت خصرها برمَّانتين " ) قال ابن أبي أويس : تعني بالرمانتين : ثدييها . قال أبو عبيد : ليس هذا موضعه ، وإنَّما معناه : أنها عظيمة الكفل ، فهي إذا استلقت صار بينها وبين الأرض فجوة يجري فيها الرُّمان ، قال القاضي : وما أنكره أبو عبيد أظهر وأشبه ، لا سيما وقد روي : من تحت صدرها ، ومن تحت درعها ، ولأن العادة لم تجر برمي الصبيان الرمان تحت أصلاب أمهاتهم ، ولا باستلقاء النساء كذلك ، حتى يشاهد ذلك منهن الرجال ، والأشبه : أنهما رمانتا الثديين ، شبههما بذلك لنهودهما ، ودلَّ على ذلك صغر سنها . و ( قولها : " فنكحتُ بعده رجلاً سريًا ، ركب شريًا ، وأخذ خطيًا ، وأراح عليَّ نَعَمًا ثريًا ) السري - بالسين المهملة - : هو السيِّد الشريف ، ومنه قوله تعالى : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا على قول الحسن ، وسراة كل شيء : خياره ، وسروات الناس : كبراؤهم ، وحكى يعقوب فيها الشين المعجمة . وركب شريًّا أي : فرسًا سريعًا . يُقال : استشرى الفرس ، إذا لَجَّ في سيره ومضى فيه ، وقال يعقوب : فرس شري : خيارٌ ، وهو بالمعجمة لا غير . والخطي : الرمح ، منسوب إلى موضع بالبحرين يقال له : الخط . والنعم : الإبل . وثريًّا : كثيرة كالثرى ، وهو التراب . وأراحها : أتى بها إلى مراحها ، وهو موضع مبيتها . و ( قولها : " وأعطاني من كل رائحة زوجًا " ) رائحة - بالراء - : هو اسم فاعل من راح ، تعني : أنه أعطاها من كل صنف من الإبل ، والغنم ، والبقر . والزوج : الصِّنف ، كما قال تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً وقد يراد بالزوج : اثنان . يقال فرد وزوج ، وزوج المرأة : بعلها ، وهي زوجٌ له . وقد جاء زوجه ، ويقال : هما زوجان للاثنين ، وهما زوج ، كما يقال : هما سيّان ، وهما سواء ، قاله الجوهري . وقال غيره : ولا يوضع الزوج على الاثنين أبدًا . قال الله تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى وقد رويت هذه الكلمة : ذابحة بالذال المعجمة من الذبح ، وتكون فاعلة بمعنى مفعولة ، كـ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي : مرضية ، يعني : أنه أعطاها من كل شيء يذبح . و ( قوله : " فكلي أم زرع ، ومِيري أَهْلَكِ " ) أباح لها أن تأكل ما شاءت من طعامه ، وأن تبعث منه بما شاءت لأهلها ، مبالغة في إكرامها ، وفي الاحتفال بها ، ومع ذلك كله ، فكانت أحواله كلها عندها محتقرة بالنسبة إلى أبي زرع ، ولذلك قالت : فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع ، وسبب ذلك : أن أبا زرع كان الحبيب الأول . كما قال الشاعر : نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة : " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " تطييب لقلبها ، ومبالغة في حسن عشرتها ، ومعناه : أنا لك ، وهذا نحو قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أي : أنتم ، ويمكن بقاؤها على ظاهرها ، أي : كنت لك في علم الله السَّابق ، ويمكن أن تكون مِمَّا أريد بها الدوام ، كما قال تعالى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا وحديث أم زرع هذا فيه أحكام : منها : جواز محادثة الأهل ، ومباسطتهن بما لا ممنوع فيه . وفيه : جواز إعلام الزوج زوجته بمحبته إياها بالقول إذا لم يؤد ذلك إلى مفسدة في حاله بحيث تهجره ، وتتجرَّأ عليه . وفيه : ما يدل على أن ذكر عيوب من ليس بمعين لا يكون غيبة ، وفيه جواز الانبساط بذكر طُرَفِ الأخبار ، ومُستطابات الأحاديث ، وتنشيط النفوس بذلك ، وجواز ذكر محاسن الرجال للنساء ، ولكن إذا كانوا مجهولين بخلاف المعيَّن ، فإنَّ ذلك هو المنهي عنه بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها " . وفيه : ما يدل على جواز الكلام بالألفاظ الغريبة والأسجاع ، وأن ذلك لا يكره ، وإنَّما يكره تكلف ذلك في الدُّعاء .
( 2355 ) ( 126 ) [ 2264 ] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ : أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ . و ( قوله : " ونبي التوبة " ) أي : الذي تكثر التوبة في أمته ، وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر ، فيقرب معناه على هذا من " الماحي " إلا أن ذلك يشهد بمحو ما ظهر من الكفر ، وهذا يشهد بصحَّة ما يخفى من توبة أمته منه ، ويحتمل أن يكون معناه : أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم ، ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب ، ولا يؤاخذ لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا ، وإن لم يؤاخذ في الآخرة ، والله أعلم . والذي أحوج إلى هذه الأوجه : اختصاص نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته ، فيصدق أنه نبي التوبة ، فلا بدَّ من إبداء مزيِّة لنبينا يختصُّ بها كما بيَّنا . و ( قوله : " ونبي الرحمة " ) وفي أخرى : " المرحمة " وفي أخرى : " الملحمة " فأمَّا الرحمة ، والمرحمة فكلاهما بمعنى واحد ، وقد تقدَّم أن الرحمة إفاضة النعم على المحتاجين ، والشفقة عليهم ، واللطف بهم ، وقد أعطى الله نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته منها ما لم يُعْطِه أحدًا من العالمين ، ويكفي من ذلك قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فهو أعظم كل رحمة ، وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة ، وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعمُّ كل رحمة ، ولأهل الكبائر أجل كل نعمة ، وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة . وأما رواية من روى : " نبي الملحمة " : فهذا صحيح في نعته ، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه ، فإنَّه قد جاء فيها : أنه نبي الملاحم ، وأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام ، فمنها ما جاء في صحف حبقوق ، قال : جاء الله من التين ، وتقدس من فاران ، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه ، وملأ الأرض من هيبته . وفيها أيضًا : تضيء الأرض بنورك ، وستنزع في قوسك إغراقًا ، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء . ويعني بالتين الجبال التي تنبته ، وهي جبال بيت المقدس ، ومجيء الله تعالى منها عبارة عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيل على لسان عيسى ـ عليه السلام ـ . وفاران : مكة ، كما قال تعالى في التوراة : " إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران " يعني : مكة بلا خلاف بينهم . وفي التوراة قال : " قد جاء الله من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلى من فاران " فمجيئه تعالى من سيناء : كناية عن ظهور موسى ـ عليه السلام ـ بها ، وإشراقه من ساعير : وهي جبال الروم من أدوم : كناية عن ظهور عيسى عليه السلام . واستعلاؤه من فاران : كناية عن القهر الذي يقهر به نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكفر كله بالقتل والقتال . وقال في التوراة : " يا موسى ! إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًا مثلك ، أجعل كلامي على فيه ، فمن عصاه انتقمت منه ، وإخوة بني إسرائيل العرب ، فإنَّهم ولد إسماعيل عليه السلام ، وهم المعنيون هنا . و ( قوله : " أجعل كلامي على فيه " ) يعني به : القرآن ، والانتقام ممن عصاه : هو القتل والقتال الذي جاء به ، ومثل هذا كثير . وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب " الأعلام " . وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يا معشر قريش ! لقد جئتكم بالذبح " . وقال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به " فهو نبي الملحمة التي بسببها عمَّت الرحمة وثبتت المرحمة . وقد تتبَّع القاضي أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى ، وفي سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومما نقل في الكتب القديمة . وإطلاق الأمَّة أسماء كثيرة ، وصفات عديدة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صدقت عليه مسمَّياتها ، ووجدت فيه معانيها ، وعرَّف في كتاب " الشفا في التعريف بحقوق المصطفى " . وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب " الأحكام " من أسماء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سبعة وستين اسمًا ، من أرادها وجدها هنالك . و ( قوله : " وقد سَمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا " ) ليس هذا من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل من قول غيره ، وهو الصحابي ، والله أعلم ، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب الغيبة ، ولو كان من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقال : وقد سماني الله : رؤوفًا رحيمًا . هذا الظاهر ، ويحتمل أن يكون ذلك من قوله . وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ والرؤوف : الكثير الرأفة . والرحيم : الكثير الرحمة ، فإنَّها للمبالغة . وقد جاء في الصحيح : " لي خمسة أسماء " فحصرها بالعدد ، وذكر الأسماء المتقدِّمة . وقد يقال : ما وجه تخصيص هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك ، فيجاب عنه : بأن هذه الخمسة الأسماء هي الموجودة في الكتب المتقدِّمة ، وأعرف عند الأمم السالفة ، ويحتمل أن يقال : إنه في الوقت الذي أخبر بهذه الأسماء الخمسة لم يكن أوحي إليه في غيرها بشيء ، فإنَّ أسماءه إنَّما تلقاها من الوحي ، ولا يسمَّى إلا بما سَمَّاه الله به ، وهذا أسدُّ الجوابين إن شاء الله تعالى .
( 22 ) باب عدد أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ( 2354 ) ( 124 و 125 ) [ 2263 ] عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِيَ الْكُفْرُ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ . وفي رواية : الذي يحشر الناس على قدمي، وقد سماه الله رءوفا رحيما . ( 22 ) ومن باب عدد أسماء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أنا محمد ، وأنا أحمد " ) كلاهما مأخوذ من الحمد ، وقد تكلَّمنا على الحمد في أول الكتاب . فمحمَّد : مفعل من حَمَّدت الرجل مشددًا : إذا نسبت الحمد إليه ، كما يقال : شجَّعت الرجل ، وبخَّلته : إذا نسبت ذلك إليه ، فهو بمعنى المحمود . والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحق الخلق بهذا الاسم ، فإنَّ الله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق ، وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق ، ويلهمه يوم القيامة من محامده ما لم يلهمه أحدًا من الخلق ، وقد حمده أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة ، حمدًا لم يحمد به أحدا من الخلق ، فهو أحمد المحمودِين ، وأحمد الحامدِين . و ( قوله : " وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر " ) أي : من الأرض التي زويت له ، وأري أن ملك أمته سيبلغه ، أو يعني بذلك : أنه محي به معظم الكفر وغالبه بظهور دينه على كل الأديان بالحجج الواضحة ، والغلبة العامة الفادحة ، كما قد صرَّح به الحق بقوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ و ( قوله : " وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي " ) الحاشر : اسم فاعل من حشر ، أي : جمع . فيعني به : أنه الذي يحشر الخلق يوم القيامة على أثره ، أي : ليس بينه وبين القيامة نبي آخر ، ولا أمة أخرى ، وهذا كما قال : " بعثت أنا والساعة كهاتين " وقرن بين أصبعيه : السبابة والوسطى . وقوله في الرواية الأخرى : " على قدمي " قيل فيه : على سابقتي ، كما قال تعالى : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : سابقة خير وإكرام . وقيل : على سُنَّتي . وقيل : بعدي ، أي : يتبعوني إلى يوم القيامة . وهذا أشبهها ، لأنَّه يكون معناه معنى عقبي ، لأنَّه وقع موقعه في تلك الرواية ، ووجه توسعه فيه : كأنه قال : يحشر الناس على أثر قدمي ، أي : بعدي . والله أعلم . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " وأنا العاقب " ) وفي الرواية الأخرى : " المقفي " ومعناهما واحد ، وهو أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخر الأنبياء ، وخاتمهم ، وأكرم أعقابهم ، وأفضل من قبلهم . وقفاهم ، أي : كان بعدهم ، واتبع آثارهم . قال ابن الأنباري : المقفي : المتَّبع للنبيين قبله ، يقال : قَفَوتُه ، أَقْفُوه ، وقَفَيتُه : إذا تبعته ، ومثله : قُفْتُه ، أقُوفُه ، ومنه قوله تعالى : ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وقافية كل شيء : آخره .
( 2447 ) ( 91 ) [ 2356 ] عن عائشة قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ، فقالت : وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَتْ : وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى . و ( قوله : " إن جبريل يقرأ عليك السلام " ) يقال : أقرأته السلام ، وهو يقرئك السلام - رباعيًّا - فبضم ياء المضارعة منه ، فإذا قلت : يقرأ عليك السلام - كان مفتوح عين مضارعه ، لأنَّه ثلاثي ، وهذه فضيلة عظيمة لعائشة ، غير أن ما ذكر من تسليم الله عز وجل على خديجة أعظم ، لأنَّ ذلك سلام من الله ، وهذا سلام من جبريل . و ( قولها : " وعليه السلام ورحمة الله " ) حجَّة لمن اختار أن يكون رد السَّلام هكذا ، وإليه ذهب ابن عمر رضي الله عنهما .
( 2439 ) [ 2347] وعنها قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ : فَقُلْتُ : وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ : أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ : لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ! وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ : لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ : قُلْتُ : أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ . و ( قوله : " إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية ، وإذا كنت علي غضبى " ) غضب عائشة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأسباب التي ذكرناها في حديث خديجة ، أو لبعضها ، والغالب : أنها كانت للغيرة التي لا تتمالك المرأة فيها . قال القاضي عياض : يعفى عن النساء في كثير من الأحكام لأجل الغيرة ، حتى قد ذهب مالك وغيره من علماء المدينة إلى إسقاط الحد عن المرأة إذا رمت زوجها بالزنى . و ( قولها : " أجل والله ! ما أهجر إلا اسمك " ) أجل : يعني : نعم . وتعني بذلك أنها ، وإن أعرضت عن ذكر اسمه في حالة غضبها ، فقلبها مغمور بمحبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتغيَّر منها شيء . وفي هذا ما يدلّ على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحُسن العشرة ، وفيه ما يدلّ على : أن الاسم غير المسمَّى ، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون ، وللكلام فيها مواضع أخر .
( 2431 ) [ 2355] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . و ( قوله : " كَمَل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء غير مريم وآسية " ) الكمال : هو التناهي والتمام ، ويقال في ماضيه " كمل " بفتح الميم وضمها ، ويكمُل في مضارعه بالضم ، وكمال كل شيء بحسبه ، والكمال المطلق : إنما هو لله تعالى خاصة ، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان : الأنبياء ، ثم تليهم الأولياء ، ويعني بهم : الصديقين والشهداء الصالحين . وإذا تقرر هذا ، فقد قيل : إن الكمال المذكور في الحديث ، يعني به : النبوة ، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين ، وقد قيل بذلك ، والصحيح : أن مريم نبيَّة ، لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك ، كما أوحى إلى سائر النبيين ، وأما آسية ، فلم يرد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة . بل على صديقيتها وفضيلتها . فلو صحَّت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال . فإنَّه يكون معناه : أن الأنبياء في الرجال كثير ، وليس في النساء نبي إلا هاتين المرأتين . ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات ، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين . والأولى أن يقال : إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء ، بل يندرج معه كمال الأولياء ، فيكون معنى الحديث : إن نوعي الكمال وجد في الرجال كثيرًا ، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكمل من هاتين المرأتين ، ولم يتعرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه ، إلا لعائشة خاصة ، فإنَّه فضلها على سائر النساء ، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة ، وهنَّ : مريم بنت عمران ، وخديجة ، وفاطمة ، وآسية ، فإنَّهن أفضل من عائشة ، بدليل الأحاديث المتقدِّمة في باب خديجة ، وبهذا يصحُّ الجمع ، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى . وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته ، وسهولة إساغته ، وعظيم بركته ، ولأنه كان جلَّ أطعمتهم ، وألذَّها بالنسبة إليهم ولعوائدهم ، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل ، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة ، والله تعالى أعلم .
( 46 ) باب فضائل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ( 2438 ) [ 2346 ] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ : هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ : إِنْ يَكُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ . ( 46 ) ومن باب فضائل عائشة بنة أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - تكنى : بأم عبد الله - ابن الزبير ، وهو ابن أختها : أسماء - أباح لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تكتنيَ به . تزوجها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة بعد موت خديجة ، وقبل الهجرة بثلاث سنين ، وهو أولى ما قيل في ذلك ، وهي بنت ست سنين . وابتنى بها بالمدينة ، وهي بنت تسع سنين . وقال ابن شهاب : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تزوج بها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين ، وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة ، وقد روي عنها أنها قالت : تزوجني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا بنت ست ، وبنى بي وأنا بنت تسع ، وقُبِض عني ، وأنا بنت ثماني عشرة . وتوفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان ، وأمرت أن تدفن ليلاً ، فدفنت بعد الوتر بالبقيع ، وصلَّى عليها أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ . ونزل في قبرها خمسة : عبد الله وعروة ابنا الزبير ، والقاسم ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكانت فاضلة ، عالمة ، كاملة . قال مسروق : رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأكابر يسألونها عن الفرائض ، وقال عطاء : كانت عائشة أفقه الناس ، وأحسن الناس رأيًا في العامَّة ، وقال عروة : ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ، ولا طبٍّ ، ولا شعرٍ من عائشة ، وقال أبو الزناد : ما رأيت أحدًا أروى لشعرٍ من عروة ، فقيل له : ما أرواك يا أبا عبد الله ! قال : وما روايتي في رواية عائشة ؟! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا . قال الزهري : لو جُمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل . وجملة ما روت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألفا حديث ، ومائتا حديث ، وعشرة أحاديث . أخرج منها في الصحيحين ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث . و ( قوله : " جاءني بك الملك في سرقة من حرير ، فيقول : هذه امرأتك " ) : السَّرَقة - بفتح الراء - : واحدة السَّرق ، وهي شقق الحرير البيض . وقيل : الجيد من الحرير . وقال أبو عبيد : وأحسنها فارسيه ، وأصلها سَرَه ، وهو : الجيد . وأنشد غير أبي عبيد للعجاج : ونَسَجَتْ لَوَامِعُ الْحَرُورِ سَبَائِبًا كَسَرَقِ الْحَرير والسَّبائب - بالهمز والباء- : هي ما رَقَّ من الثياب والْخُمُر ، ونحوها . قال المهلَّب : السَّرَقَةُ : كالكلَّة والبرقع ، والأول : هو المعروف ، وفيه دليل على أن للرؤيا ملكًا يمثل الصور في النوم ، كما قد حكيناه عن بعض العلماء . و ( قوله : " إن يك من عند الله يُمضِه " ) ظاهره : الشَّك في صحة هذه الرؤيا ، فإنَّ كان هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل النبوة ، فلا إشكال فيه ، لأنَّ حكمه حكم البشر ، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكل ، إذ رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم ، والوحي لا يشك فيه ، وقد انفصل عن هذا : بأن قيل : إن شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا ، وإن ذلك من الله ، ولكن في كون هذه الرؤيا على ظاهرها ، فلا تحتاج إلى تعبير ، أو في كونها امرأته في الدنيا ، أو في الآخرة . وقيل : لم يكن عنده شك في ذلك ، بل : محققًا له ، لكنه أتى به على صورة الشك ، وهو غير مراد ، كما قال الشاعر : أيا ظَبْيَة الوَعْساءِ بَيْنَ حَلاحِل وبَيْنَ النَّقا آنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ ؟ وهذا نوع من أنواع البلاغة معروف عند أهلها يسمى : تجاهل العارف ، وقد سُمِّي مزج الشك باليقين ، ونحو منه قوله تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ وقوله تعالى : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشك في شيء من ذلك ، لكن أتى به على التقدير لا التحقيق . و ( قوله : " فإذا هي أنت " ) أي : إنه رآها في النوم كما رآها في اليقظة ، فكان المراد بالرؤيا ظاهرها .
( 2445 ) [ 2354 ] وعنها قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ، فَخَرَجَنَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ قَالَتْ : بَلَى، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ سَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ وَتَقُولُ : يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي! رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا . و ( قولها : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خرج أقرع بين نسائه " ) تعني : إذا خرج إلى سفر ، وإنَّما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل ذلك مبالغة في تطييب قلوبهن إذ لم يكن القسم عليه واجبًا على الخلاف المتقدِّم ، وليست القرعة في هذا واجبة عند مالك ، لأنَّه قد يكون لبعض النساء من الغَنَاء في السفر والمنفعة ، والصلاحية ما لا يكون لغيرها . فتتعين الصالحة لذلك ، ولأن من وقعت القرعة عليها لا تجبر على السفر مع الزوج إلى الغزو والتجارة ، وما أشبه ذلك ، وإنَّما القرعة بينهن من باب تحسين العشرة إذا أردن ذلك ، وكن صالحات له ، وقال أبو حنيفة بإيجاب القرعة في هذا ، وهو أحد قولي الشافعي ومالك أخذًا بظاهر هذا الحديث . و ( قولها : " وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كان بالليل سار مع عائشة رضي الله عنها " ) ظاهره : أنه لم يكن يقسم بين عائشة وحفصة في المسير والحديث ، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة ، ولذلك تحيَّلت حفصة حتى سار وتحدَّث معها ، فيحتمل أن هذا القدر [ لا يجب القسم فيه ، إذ الطريق ليس محلَّ خَلْوة ، ولا يحصل لها به اختصاص ، ويحتمل أن يقال : إن القدر ] الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع إحداهما هو الشيء اليسير ، كما يفعل في الحضر ، فإنَّه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة بيت التي لا يكون في يومها ، ولكن لا يُكثر من ذلك ، ولا يُطيله ، وعلى هذا فيكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أدام ذلك ، لأنَّ أصل القسم لم يكن عليه واجبًا ، والله أعلم . ولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر ، وكذلك لا يختلفون في : أنه يقسم بين الزوجات في السفر كما يقسم بينهن في الحضر . وقد ذكرنا الاحتمال الذي في السير والحديث ، وقول حفصة لعائشة رضي الله عنهما : ألا تركبين بعيري ، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر . حيلة منها تمت لها على عائشة لصغر سنِّ عائشة ، وسلامة صدرها عن المكر والحيل ، إذ لم تجرب الأمور بعد ، ولا دَرْك على حفصة فيما فعلت من جهة أنها أخذت حقًّا هو لعائشة ، لأنَّ السير والحديث ، إن لم يدخل في القسم فهي وعائشة فيه سواء ، فأرادت حفصة أن يكون لها حظ من الحديث والسير معه ، وإن كان ذلك واجبًا فقد توصلت إلى ما كان لها ، وإنَّما يكون عليها الدَرْك من حيث إنها خالفت مراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديثه ، فقد يريد أن يحدِّث عائشة حديثًا يُسِرُّ به إليها ، أو يختص بها فتسمعه حفصة ، وهذا لا يجوز بالاتفاق ، لكن حملها على اقتحام ذلك الغيرة التي تورث صاحبها الدَّهَشَ والْحَيْرة . و ( قول عائشة : " يا رب ! سلِّط عليَّ عقربًا يلدغني " ) دعاءٌ منها على نفسها بعقوبة لما لحقها من النَّدم على ما فعلت ، ولما تم عليها من الحيلة ، ولما حصل لها من الغَيْرة ، وهو دعاء باللسان غير مراد بالقلب . وقولها : " رسولك ، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا " ) ظاهره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعرف القصة ، وإنَّما تمَّت لحفصة حيلتها عليها ، والله أعلم ، مع أنه يحتمل أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علم ذلك بالوحي أو بالقرائن ، وتغافل عمَّا جرى من ذلك ، إذ لم يجر منهما شيء يترتب عليه حكم ، ولا يتعلق به إثم ، والله تعالى أعلم . ورسولك : منصوب بإضمار فعل تقديره : انظر رسولك ، ويجوز الرفع على الابتداء ، وإضمار الخبر .
( 2440 ) [ 2348 ] وعنها قالت : كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ - وَهُنَّ اللُّعَبُ - فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قالت : وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ . ( 2441 ) [ 2349 ] وعن عروة ، عن عائشة : أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . و ( قولها : " كنت ألعب بالبنات - وهن اللعب - في بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) اللُّعَبُ : جمع لُعْبة ، وهو ما يُلْعَبُ به . والبنات : جمع بنت ، وهنَّ الجواري ، وأضيفت اللُّعب للبنات ، لأنهنَّ هنَّ اللواتي يصنعنها ، ويلعبن بها ، وقد تقدَّم القول في جواز ذلك ، وفي فائدته ، وأنه مستثنى من الصور الممنوعة ، لأنَّ ذلك من باب تدريب النساء من صغرهن على النظر لأنفسهن وبيوتهن ، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن غير مالك فإنَّه كره ذلك ، وحمله بعض أصحابه على كراهية الاكتساب بذلك . و ( قولها : " فكن ينقمعن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) تعني : صواحبها كنَّ ينقبضن ويستترن بالبيت حياءً من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهيبة له . و ( قولها : " وكان يُسرِّبهنَّ إلي " ) أي : يرسلهن إليها ، ويسكِّنهنَّ ، ويؤنسهنَّ حتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ منه ، فيرجعنَّ يلعبن معها كما كنَّ . ودخول فاطمة وزينب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مع عائشة في مرطها ، دليل على جواز مثل ذلك ، إذ ليس فيه كشف عورة ، ولا ما يستقبح على من فعل ذلك مع خاصته وأهله . وطلب أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه العدل بينهن وبين عائشة رضي الله عنها ، ليس على معنى أنه جار عليهن ، فمنعهن حقًّا هو لهنَّ ، لأنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منزه عن ذلك ، ولأنه لم يكن العدل بينهن واجبًا عليه كما قدَّمناه في كتاب النكاح . لكن صدر ذلك منهنَّ بمقتضى الغيرة والحرص على أن يكون لهنَّ مثل ما كان لعائشة رضي الله عنها ، من إهداء الناس له إذا كان في بيوتهنَّ ، فكأنهنَّ أردن أن يأمر من أراد أن يهدي له شيئًا ألا يتحرى يوم عائشة - رضي الله عنها - ولذلك قال : وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، ويحتمل أن يقال : إنهنَّ طلبن منه أن يسوي بينهن في الحب ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لفاطمة رضي الله عنها : " ألست تحبين من أحب ؟ " قالت : بلى . قال : " فأحبي هذه " ، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء . أما الهدية فلا تطلب من المهدي ، فلا يتعين لها وقت ، وأما الحب : فغير داخل تحت قدرة الإنسان ولا كسبه .
( 2444 ) ( 87 ) [ 2353 ] وعنها قالت : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ : إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدُهُ من الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الْأَعْلَى . قَالَتْ عَائِشَةُ : قُلْتُ : إِذًا لَا يَخْتَارُنَا. قَالَتْ عَائِشَةُ : وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ : اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الْأَعْلَى . و ( قولها : " فأشخص بصره " ) أي : حدَّد نظره إلى سقف البيت كما تفعل الموتى .
( 2442 ) [ 2350 ] وعنها ، قَالَتْ : أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ وَأَنَا سَاكِتَةٌ - قَالَتْ : فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ : بَلَى ، قَالَ : أَحِبِّي هَذِهِ ، قَالَتْ : فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَ لَهَا : مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولِي لَهُ : إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ - زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ - قَالَتْ : فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا عَلَى الْحَالَ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا - فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ : ثُمَّ وَقَعَتْ بِي فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا، قَالَتْ : فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ : فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حين أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَبَسَّمَ - : إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ . وفي رواية : فلم أنشبها أن أثخنتها غلبة . و ( قولها : " وهي التي تساميني في المنزلة عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ) تعني : زينب . وتساميني ، أي : تطاولني وترافعني ، وهو مأخوذ من السُّموِّ ، وهو العلو والرفعة . تعني : أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الحظوة والمنزلة عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل ما كان لعائشة عنده ، وقيل : إنه مأخوذ من قولهم : سامه حظه خسف ، أي : كلفه ما يشق عليه ويذله ، وفيه بُعد من جهة اللسان والمعنى . و ( قولها : " ولم أر امرأة خيرًا في الدين من زينب " الكلام إلى قولها : " ولا أشد ابتذالاً لنفسها في العمل " ) الابتذال : مصدر ابتذل من البذلة ، وهي الامتهان بالعمل والخدمة ، فكانت تعمل زينب - رضي الله عنها - بيديها عمل النساء من الغزل والنسيج ، وغير ذلك مما جرت عادة النساء بعمله ، والكسب به ، وكانت تتصدق بذلك ، وتصل به ذوي رحمها ، وهي التي كانت أطولهن يدًا بالعمل والصَّدقة ، وهي التي قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا " ، وسيأتي . وفيه ما يدلّ على جواز صدقة المرأة مما تكسبه في بيت زوجها من غير أمره . و ( قولها : " ما عدا سورة من حدَّة كانت فيها ، تسرع منها الفيئة " ) ما عدا وما خلا : من صيغ الاستثناء ، وهما مع " ما " فعلان ينصبان ما بعدهما في المشهور والأفصح . ومع عدم " ما " ) يخفضان ما بعدهما ، لأنَّهما حرفان من حروف الخفض على الأعرف الأشهر ، والسَّوْرة - بفتح السين - : الشِّدَّة ، والثوران ، ومنه : سَوْرَةُ الشراب ، أي : قوته وحِدَّته ، أي : يعتريها ما يعتري الشارب من الشراب ، ويروى هذا الحرف : ما عدا سَوْرَة حَدٍّ - بفتح الحاء من غير تاء تأنيث أي : سرعة غضب . والفيئة : الرجوع ، ولأجل هذه الحدَّة ، وقعت بعائشة ، واستطالت عليها ، أي : أكثرت عليها من القول والعتب ، وعائشة - رضي الله عنها - ساكتة تنتظر الإذن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الانتصار ، فلما علمت أنه لا يكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها فجاوبتها ، وردَّت عليها قولها حتى أفحمتها ، وكانت زينب لما بدأتها بالعتب واللَّوم ، كانت كأنها ظالمةٌ ، فجاز لعائشة أن تنتصر ، لقوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ و ( قولها : " وقعت فيَّ " ) هو مأخوذ من الوقيعة التي هي : معركة الحرب ، وقيل : هو مأخوذ من الوقع ، وهو ألم الرَّجل من المشي ، ومنه قولهم : كل الحِذَا يحتذي الحافي الوَقِع - بكسر القاف و ( قولها : " فلم أنشب أن أنحيت عليها " ) كذا الرواية الثابتة هنا بالنون والحاء المهملة ، والياء باثنتين من تحتها ، ومعناه : إني أصبت منها بالذمِّ ما يُؤلمها ، فكأنها أصابت منها مقتلاً . وفي الصحاح : أنحيت على حلقه بالسكين ، أي : عَرَضْتُ ، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي : " أثخنتها" ، أي : أثقلتها بجراح الكلم . وهو مأخوذ من قوله تعالى : حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ أي : أثقلتموهم بالجراح ، أو أكثرتم فيهم القتل ، ولم أنشبها ، أي : لم أمهلها ، ولم أتلبث حتى أوقعت بها ، وأصله : من نَشِب بالشيء ، أو في الشيء إذا نَشِبَ به ، واحتبس فيه أو بسببه . و ( قوله : " إنها ابنة أبي بكر " ) تنبيه على أصلها الكريم الذي نشأت عنه ، واكتسبت الجزالة والبلاغة ، والفضيلة منه ، وطيب الفروع بطيب عروقها . وغذاؤها من عروقها . كما قال : طِيبُ الفُرُوع من الأصُولِ وَلَمْ يُرَ فرعٌ يَطِيبُ وأصْلُهُ الزَّقُّومُ ففيه مدح عائشة وأبيها - رضي الله عنهما
( 2443 ) ( 84 ) [ 2351 ] وعنها قالت : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَتَفَقَّدُ ، يَقُولُ : أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي . ( 2444 ) ( 85 ) [ 2352 ] وعنها أنها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْتنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ . و ( قولها : " فلما كان يوم توفي ، قبضه الله بين سَحْري ونحري " ) الرواية الصحيحة : سَحْري بسين مفتوحة غير معجمة ، والسَّحر : الرئة ، والنَّحر : أعلى الصدر . وأرادت أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ توفي وهو مستند إلى موضع سحرها ، وهو الصدر ، كما جاء في الرواية الأخرى : وهو مستند إلى صدرها . وحكي عن عمارة بن عقيل بن بلال أنه قال : إنما هو شَجْري - بالشين المعجمة والجيم - وشبَّك بين أصابعه ، وأومأ إلى أنها ضمَّته إلى صدرها مشبِّكة يديها عليه . وقد تقدَّم القول في الرفيق ، وأن الأولى فيه : أنه الذي دلَّ عليه قوله تعالى : فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا وتخيير الله للأنبياء عند الموت مبالغة في إكرامهم ، وفي ترفيع مراتبهم عند الله تعالى ، وليستخرج منهم شدَّة شوقهم ، ومحبتهم له تعالى ، ولما عنده . وقد تقدَّم من هذا شيء في باب ذكر موسى ـ عليه السلام ـ .
( 2437 ) ( 78 ) [ 2344 ] وعنها قالت : اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ! فَغِرْتُ فَقُلْتُ : وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا!. ( 2436 ) ( 77 ) [ 2345] وعنها قالت : لَمْ يَتَزَوَّجْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ . و ( قولها : " فعرف استئذان خديجة " ) أي تذكر - عند استئذان هالة - خديجة ، وكأن نَغْمةَ هالة كانت تشبه نَغْمةَ خديجة ، وأصلُ هذا كله : أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته ، وما يتعلق به وما يشبهه . و ( قوله : " اللهم ! هالة " ) يجوز في هالة الرفع على خبر الابتداء ، أي : هذه هالة فأكرمها وأحسن إليها . والنَّصب على إضمار فعل ، أي : أَكْرِم هالة واحفظها ، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى . و ( قول عائشة - رضي الله عنها - : " وما تذكر من عجوز من عجائز قريش " الحديث ، قولٌ أخرجه من عائشة فرط الغيرة ، وخِفَّة الشباب ، والدَّلال ، ولذلك لم ينكر عليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئًا مما قالت ، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث : أن الغَيْرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها في حال غيرتها ، وليس ذلك أخذًا صحيحًا ، لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب ، لا كل السَّبب ، وذلك أن عائشة - رضي الله عنها - اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة : الغيرة والشباب - ولعل ذلك كان قبل بلوغها - والدَّلال ، وذلك أنها : كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة ، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور تحكُّم ، لا يقال : إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة ، لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت : فغرت ، لأنَّا نقول : لو سلمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لما لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها ، بل يحتمل : أن تكون الغيرة وحدها ، ويحتمل أن تعتبر باقي الأوصاف ، لا سيما ولم ينص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المسقط ما هو ، فبقي الأمر محتملاً للأمرين ، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قولها : " حمراء الشِّدقين " ) قيل معناه : أنها بيضاء الشدقين ، والعرب تسمي الأبيض : أحمر ، كراهة في اسم البياض ، لأنَّه يشبه البرص ، وهذا كما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة : " يا حميراء ! لا تأكلي الطين فإنَّه يذهب بهاء الوجه " يعني : يا بيضاء . قلت : وهذا فيه بُعدٌ في هذا الموضع ، فلو كان الأمر كذلك لقالت عائشة بدل : حمراء الشدقين : بيضاء الشدقين ، فإنه كان يكون أبلغ في التقبيح ، وعائشة إنما ذكرت هذا الكلام تقبيحًا لمحاسن خديجة وتزهيدًا فيها ، وإنَّما معنى هذا عندي - والله أعلم - أنها نسبتها إلى حمراء الشدقين من الكِبَر ، وذلك : أن من جاوز سن الكهولة ، ولحق سن الشيخوخة ، وكان قويًّا في بدنه صحيحًا غلب على لونه الحمرة المائلة إلى السُّمرة ، والله تعالى أعلم . و ( قولها : " قد أبدلك الله خيرًا منها " ) تعني بخير : أجمل وأشب - وتعني نفسها لا أنها خير منها عند الله ، وعند رسوله ؛ لما تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام ، وكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت : يدلّ على عظيم قدرها عنده ، ومحبته لها ، وعلى فضل خديجة أيضًا ، لأنها اختصَّت برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولم يشاركها فيه أحد ، صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيْرة ، ومن مناكدة الضرة .
( 2435 ) ( 74 و 75 ) [ 2343 ] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاة، ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا. زاد في أخرى : قَالَتْ عائشة : فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ : خَدِيجَةَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي رُزِقْتُ حُبَّهَا . و ( قول عائشة - رضي الله عنها - : " ما غِرْتُ على امرأة ما غِرْت على خديجة ، لِمَا كنت أسمعه يذكرها " ) أي : يمدحها ويثني عليها ، ويذكر فضائلها ، وذلك لفرط محبته إياها ، ولِما اتصل له من الخير بسببها ، وفي بيتها ، ومن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره ، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إني رزقت حبها " ، وكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُهدي لخلائل خديجة : دليل على كرم خلقه ، وحسن عهده ، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خويلد إذا رآها ، وينهض إكرامًا لها ، وسرورًا بها .
( 45 ) باب فضائل خديجة بنت خويلد ( 2430 ) [ 2340 ] عن علي قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ . ( 45 ) ومن باب : فضائل خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية - رضي الله عنها - كانت تُدعى في الجاهلية : الطاهرة ، تزوَّجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل النبوة ثيبًا بعد زوجين : أبي هالة ، هند بن النباش التميمي ، فولدت له هندًا ، وعتيق بن عائذ المخزومي ، ثم تزوَّجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي بنت أربعين سنة ، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة ، وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة . وقيل : ابن خمس وعشرين سنة وهو الأكثر . وقيل : ابن ثلاثين . وأجمع أهل النقل : أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام ، وأسلمن ، وهاجرن : زينب ، وفاطمة ، ورقية ، وأم كلثوم . وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى : القاسم ، وبه كان يكنى ، واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم ؟ فقيل : لم تلد له ذكرًا غيره . وقيل : ولدت له ثلاثة ذكور : عبد الله ، والطيب ، والطاهر . وقيل : بل ولدت له : عبد الله ، والطيب والطاهر اسمان له . والخلاف في ذلك كثير ، والله تعالى أعلم . ومات القاسم بمكة صغيرًا . قيل : إنه بلغ إلى أن مشى ، وقيل : لم يعش إلا أيامًا يسيرة ، ولم يكن للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولد من غير خديجة إلا إبراهيم ، ولدته مارية القبطية بالمدينة ، وبها توفي وهو رضيع ، ومات بنات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلهن قبل موته إلا فاطمة ، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر . وكانت خديجة - رضي الله عنها - امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال ، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ نُبِّئ يوم الإثنين فصلت آخر ذلك اليوم . وكانت عونًا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حاله كله ، وردءًا له تثبِّتُه على أمره ، وتصدقه فيما يقوله ، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب ، وسلَّم عليها جبريل ـ عليه السلام ـ وبشرها بالجنة . وروي من طرق صحيحة أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال فيما رواه عنه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ : خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة - رضي الله عنهن ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أفضل نساء أهل الجنة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون . وفي طريق آخر عنه : سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم : فاطمة وخديجة . وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحبها ويقول : رزقت حبها . ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت . قيل : كانت وفاتها قبل مهاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة بسبع سنين . وقيل : بخمس سنين . وقيل : بأربع . وقيل : بثلاث ، وهو أصحها ، وأشهرها - إن شاء الله تعالى - وتوفيت هي وأبو طالب - عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سنة واحدة . قيل : كان بينهما ثلاثة أيام ، وتوفيت في رمضان ، ودفنت بالحجون . و ( قوله : خير نسائها : مريم ابنة عمران ) هذا الضمير عائد على غير مذكور ، لكنه تفسره الحال والمشاهدة ، يعني به : الدنيا ، وفي رواية : وأشار وكيع إلى السماء والأرض - يريد الدُّنيا - كأنه يفسر ذلك الضمير ، فكأنه قال : خير نساء الدنيا : مريم بنت عمران . وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم ، الذي قال فيه : خير نساء العالمين : مريم . ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم : قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي : أن مريم أفضل من جميع نساء العالم ، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة ، ويعتضد هذا الظاهر : بأنها صديقة ونبية بلَّغتها الملائكةُ الوحي عن الله تعالى بالتكليف ، والإخبار ، والبشارة ، وغير ذلك ، كما بلَّغته سائر الأنبياء ، فهي إذًا نبيَّة ، وهذا أولى من قول من قال : إنها غير نبيَّة ، وإذا ثبت ذلك ، ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين ، إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع ، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا ، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ، ثم خديجة ، ثم آسية ، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : سيدة نساء العالمين : مريم ، وفاطمة ، ثم خديجة ، ثم آسية وهذا حديث حسن ، رافع لإشكال هذه الأحاديث ، فأمَّا من يرى : أن مريم صديقة وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان : أحدهما : أن معناها أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم زمانها ، وسيدة وقتها . وثانيهما : أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم ، وإن كنَّ في أنفسهن على مزايا متفاوتة ، ورتب متفاضلة ، وما ذكرناه : أوضح وأسلم . والله أعلم .
( 2432 ) [ 2341 ] وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . ( 2433 ) [ 2342 ] وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنه بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . و ( قوله : " بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ، ولا نصب " ) قال الهروي وغيره : القصب - هنا - : اللؤلؤ المجوَّف المستطيل ، والبيت : هو القصر . قلت : وهذا نحو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الآخر : " إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلاً " ، [ وفي لفظ آخر : " من درَّة بيضاء طولها ستون ميلاً " ] وسيأتي - إن شاء الله تعالى والصخب : اختلاط الأصوات ، ويقال : بالسين والصاد ، والنصب : التعب والمشقة . ويقال : نُصْبٌ ، ونَصَبٌ ، كحُزْن وحَزَن ، أي : لا يصيبها ذلك ، لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك ، كما قال تعالى : لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ وقيل : معناه أن هذا البيت خالص لها ، لا تنازع فيه فيصخب عليها فيه ، وذلك من فضل الله تعالى عليها لا بنصبها في العبادة ، ولا اجتهادها في ذلك . وإبلاغ الملك لها : أن الله يقرأ عليها السَّلام ، فضيلة عظيمة ، وخصوصية شريفة لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبي إلا لعائشة - رضي الله عنها - على ما يأتي .
( 23 ) باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية ( 2356 ) ( 127 ) [ 2265] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً . ( 23 ) ومن باب كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية إنما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم الناس بالله ، لما خصَّه الله تعالى به في أصل الخلقة من كمال الفطنة ، وجودة القريحة ، وسداد النظر ، وسرعة الإدراك ، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك ، وقواطع النظر قبل تمامه ، ومن اجتمعت له هذه الأمور سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية ، وصارت في حقه كالضرورية ، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه ، وأحوال العالم كله على ما لم يطَّلع عليه غيره ، وهذا كله معلوم من حاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعقل الصريح ، والنقل الصحيح ، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى ، لأنَّ الخشية منبعثة عن العلم ، وبحسبه ، كما قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وقد أشار بعض المتصوفة إلى أن علوم الأنبياء ضرورية ، وسماها : كشفًا ، وهذا كلام فيه إجمالٌ ، ويحتاج إلى استفصال ، فيقال لقائله : إن أردت بكونها ضرورية أنها حاصلة في أصل فطرتهم ، وأنهم جبلوا عليها ، بحيث لم يستعملوا في شيء منها أفكارهم ، ولا حدقوا نحوها بصائرهم ، ولا أنظارهم ، فهو قول باطل ، لما يعلم قطعًا أنهم مكلفون بمعرفة الله ، ومعرفة صفاته وأحكامه ، ومأمورون بها ، والضروري لا يكلف به ، لأنَّه حاصل ، والحاصل لا يطلب ، ولا يبتغى ، ولأن الإنسان لا يتمكن من ترك ما جبل عليه ، ولا من فعله ، وما كان كذلك لم يقع في الشريعة التكليف به بالنص والإجماع . وإنما الخلاف في جوازه عقلاً ، وإن أراد به أن تلك العلوم تصير في حقهم ضرورية بعد تحصيلها بالطرق النظرية ، والقيام بالوظائف التكليفية ، فتتوالى عليهم تلك العلوم ، فلا يتأتى لهم التشكك فيها ، ولا الانفكاك عنها ، فنقول : ذلك صحيح في حق الأنبياء قطعًا ، وخصوصًا في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما هو المعلوم من حاله وحالهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، وأما غيرهم فيجوز أن يكرم الله تعالى بعض أوليائه بشيء من نوع من ذلك ، لكن على وجه الندور والقلة ، وليس مُطردًا في كل الأولياء ، ومن فُتِح له بشيء من ذلك في بعض الأوقات وبعض المعلومات ، ويكون ذلك خرقًا للعادات ، فإنَّ سنة الله تعالى في العلوم النظرية : أنها لا تتوالى ، ولا تدوم ، ويمكن أن يُتشكِّكَ فيما كان منها معلومًا ، هذه سنة الله الجارية ، وحكمته الماضية ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً . و ( قول عائشة رضي الله عنها : صنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرًا فترخص فيه ) أي : فعل أمرًا ترك فيه التشديد لأنه رخص له فيه ، كما قال في طريق آخر : ما بال رجال يرغبون عما رُخِّص لي فيه ولعل هذا من عائشة رضي الله عنها إشارة لحديث النَّفر الذين استقلوا عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال أحدهم : أما أنا فأصلي ولا أنام ، وقال الآخر : وأنا أصوم ولا أفطر ، وقال الآخر : وأنا لا أنكح النساء ، فلما بلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ، قال : وأما أنا فأصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني . وقد تقدَّم في النكاح . و ( قوله : ما بال رجال بلغهم عني أني ترخصت في أمر فكرهوه ، وتنزهوا عنه ) هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عدول عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب ، وكانوا معينين عنده ، لكنه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه ، ولتلطُّفه في التأديب ، ولسَتْر المعاتب . وتنزه هؤلاء عما ترخص فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلط أوقعهم فيه ظن أن المغفور له يسامح في بعض الأمور ، ويسقط عنه بعض التكاليف ، والأمر بالعكس لوجهين : أحدهما : أن المغفور له يتعيَّن عليه وظيفة الشكر ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أفلا أكون عبدًا شكورًا . وثانيهما : أن الأعلم بالله وبأحكامه : هو الأخشى له ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إني لأعلمكم بالله تعالى ، وأشدكم له خشية وقال في موضع آخر : وأعلمكم بما أتقي الله . ويُستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين ، وعن الأخذ بالتشديد في جميع الأمور ، فإنَّ دين الله يسر ، وهو : الحنيفية السَّمحة ، فإنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يحب أن تؤتى عزائمه . وحاصل الأمر : أن الواجب التمسك بالاقتداء بهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فما شدَّد فيه التزمناه على شدَّته ، وفعلناه على مشقته ، وما ترخص فيه أخذنا برخصته ، وشكرنا الله تعالى على تخفيفه ونعمته ، ومن رغب عن هذا ، فليس على سُنَّته ، ولا على منهاج شريعته . وفيه حجَّة على القول بمشروعية الاقتداء به في جميع أفعاله ، كما نقوله في جميع أحواله ، إلا ما دلَّ دليل على أنه من خصوصياته ، وقد أوضحنا هذا في الأصول .
( 2429 ) ( 68 ) [ 2339 ] وعنه قال : أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ. و ( قوله : " أردفني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خلفه ذات يوم فأسرَّ إلي حديثًا لا أحدث به أحدًا " ) دليل على علو مكانته عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكمال فضله ، وأهليته لأن يتخذه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ موضع سرِّه ، وهذه أهلية شريفة ، وفضيلة منيفة .
( 44 ) باب فضائل عبد الله بن جعفر ( 2428 ) ( 66 و 67 ) [ 2338 ] عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ : وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ، فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ، فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ، قَالَ : فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. ( 44 ) ومن باب : فضائل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهما - يكنى : أبا جعفر ، وأمه : أسماء بنت عميس ، ولدته بأرض الحبشة ، وهو أول مولود من المسلمين وُلد بها ، وتوفي بالمدينة سنة ثمانين ، وهو ابن تسعين سنة ، وكان عبد الله كريمًا جوادًا ، طريفًا ، حليمًا ، عفيفًا ، سخيًّا ، يُسمَّى : بحر الجود . يقال : إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه ، وعوتب في ذلك فقال : إن الله عوَّدني عادة ، وعوَّدت الناسَ عادة ، وأنا أخاف إن قطعتها قُطِعَتْ عني . وأخباره في الجود شهيرة ، وفضائله كثيرة ، وجملة ما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمسة وعشرون حديثًا . أخرج له منها في الصحيحين حديثان . و ( قوله : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته ) إنما كانوا يتلقونه بصبيان بيته لما يعلمونه من محبته لهم ، ومن تعلق قلبه بهم ، ولفرط فرح الصغار برؤيته ، ولتنالهم بوادر بركته . و ( قوله : فَسُبِق بي إليه ، فحملني بين يديه ) يدل على : أن عبد الله بن جعفر من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرًا ، ويدل على محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بن جعفر وعلى شدة تهممه به ، وإكرامه له ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخصُّ ولد جعفر بزيادة احترام وإكرام جَبْرًا لهم ، وشفقة عليهم ، إذ كان أبوهم جعفر قتل بمؤتة شهيدًا ـ رضي الله عنه ـ ، وقد تقدَّم القول على ركوب ثلاثة على دابة .
( 1337 ) ( 130 و 131 ) [ 2267] وعن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ . وفي رواية : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لِكَثْرَةِ مسَائلِهِمْ الحديث . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه " ) أي : لا تقدموا على فعل شيء من المنهي عنه ، وإن قلَّ ، لأنَّه تحصل بذلك المخالفة ، لأنَّ النهي : طلب الانكفاف المطلق ، والأمر المطلق على النقيض من ذلك ، لأنَّه يحصل الامتثال بفعل أقل ما ينطلق عليه الاسم المأمور به على أي وجه فعل ، وفي أي زمان فعل ، ويكفيك من ذلك مثال بقرة بني إسرائيل ، فإنَّهم لما أمروا بذبح بقرة ، فلو بادروا وذبحوا بقرة - أي بقرة كانت - لحصل لهم الامتثال ، لكنهم كثَّروا الأسئلة فكثرت أجوبتهم ، فقل الموصوف ، فعظم الامتحان عليهم ، فهلكوا ، فحذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته عن أن يقعوا في مثل ما وقعوا فيه ، فلذلك قال : " إنما أهلك الذين قبلكم كثرة سؤالهم ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ للذي سأله عن تكرار الحج بقوله : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال : " لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم ، ذروني ما تركتكم " ، وذكر نحو ما تقدَّم ، فالواجب على هذا الأصل أن على السامع لنهي الشارع الانكفاف مطلقًا ، وإذا سمع الأمر : أن يفعل فيه ما يصدق عليه ذلك الأمر ، ولا يتنطَّع ، فيكثر من السؤال ، فيحصل على الإصر والأغلال ، وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول .
( 24 ) باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه ( 2357 ) [ 2266 ] عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ : يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 24 ) ومن باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( قوله : إن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرَّة ) قيل : إن هذا الرَّجل كان من الأنصار نسبًا ، ولم يكن منهم نصرة ودينًا ، بل كان منافقًا ، لما صدر عنه من تهمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجوَّر في الأحكام لأجل قرابته ، ولأنه لم يرض بحكمه ، ولأن الله تعالى قد أنزل فيه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية . هذا هو الظاهر من حاله ، ويحتمل : أنه لم يكن منافقًا ، ولكن أصدرَ ذلك منه بادرةُ نفس ، وزلَّةُ شيطان ، كما قد اتَّفق لحاطب بن أبي بلتعة ، ولحسَّان ، ومسطح ، وحَمْنَة في قضية الإفك ، وغيرهم مِمَّن بدرت منهم بوادر شيطانية ، وأهواء نفسانية ، لكن لطف بهم حتى رجعوا عن الزَّلة ، وصحَّت لهم التوبة ، ولم يؤاخذوا بالحوبة . و الشِّراج بالشين والجيم المعجمتين ، جمع شَرِجَة ، وهي مسيل الماء إلى النخل والشجر . وإضافتها إلى الحرَّة لكونها فيها . والمخاصمة إنما كانت في السَّقي بالماء الذي يسيل فيها ، وكان الزبير يتقدم شربه على شرب الأنصاري ، فكان الزبير يمسك الماء لحاجته ، فطلب الأنصاري أن يسرحه له قبل استيفاء حاجته ، فلما ترافعا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معهما مسلك الصُّلح ، فقال له : اسق يا زبير ! ثمَّ أرسل الماء إلى جارك ، أي : تساهل في سقيك ، وعجل في إرسال الماء إلى جارك ، يحضه على المسامحة والتيسير . فلما سمع الأنصاري بهذا لم يرض بذلك ، وغضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلاً ، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة ، فقال : آن كان ابن عمتك ؟! بمدِّ همزة أن المفتوحة ، لأنَّه استفهام على جهة الإنكار ، أي : أتحكم له علي لأجل أنَّه قرابتك ؟! وعند ذلك تلوَّن وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضبًا عليه وتألُّمًا من كلمته . ثمَّ إنَّه بعد ذلك حكم للزبير باستيفاء حقه ، فقال : اسق يا زبير ، ثم أمسك الماء حتى يرجع إلى الجدر . وفي غير هذه الرواية : فاستوعى للزبير حقَّه . و الْجَدْر بفتح الجيم وسكون الدال هي روايتي ، ويجمع : جُدورًا . وهو الأصل ، ويعني به : حتى يصل الماء إلى أصول النَّخل والشجر ، وتأخذ منه حقها . وفي بعض طرقه : حتى يبلغ الماء إلى الكعبين فيعني به- والله أعلم- : حتى يجتمع الماء في الشَّرِبات ، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل والشجر إلى أن تصل من الواقف فيها إلى الكعبين . وقد روي الِجْدْر بكسر الجيم ، وهو الجدار ، ويجمع على جدر ويعني به : جدران الشَّربات ، فإنَّها تُرفع حتى تكون تشبه الجدار . فإنَّ قيل : كيف كان حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للزبير على الأنصاري في حال غضبه وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا يقضي القاضي وهو غضبان ؟ فالجواب : أنا قدَّمنا أن هذا النهي معلَّل بما يخاف على القاضي من التشويش المؤدي به إلى الغلط في الحكم ، والخطأ فيه ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام ، بدليل العقل الدَّالِّ على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى وفي أحكامه ، ولذلك قالوا : أنكتب عنك في الرضا والغضب ؟ قال : نعم . فدلَّ ذلك : على أن المراد بالحديث : من يجوز عليه الخطأ من القضاة ، فلم يدخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك العموم . و ( قوله : والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، هذا أحدُ ما قيل في سبب نزول هذه الآية . وقيل : نزلت في رجلين تحاكما إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحكم على أحدهما فقال له : ارفعني إلى عمر بن الخطاب ، وقيل : إلى أبي بكر ، وقيل : حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليهودي على منافق ، فلم يرض المنافق ، وأتيا عمر بن الخطاب فأخبراه ، فقال : أمهلاني حتى أدخل بيتي ، فدخل بيته فأخرج السيف ، فقتل المنافق ، وجاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إنه ردَّ حكمك ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فرَّقت بين الحق والباطل . وقال مجاهد نحوه ، غير أنه قال : إن المنافق طلب أن يردَّ إلى حكم الكاهن ، ولم يذكر قضية قتل عمر بن الخطاب المنافق ، وقال الطبري : لا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع ، والله تعالى أعلم . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه ، فمنها : الاكتفاء من الخصوم بما يفهم عنه مقصودهم ، وألا يكلَّفوا النص على الدعاوي ، ولا تحديد المدعى فيه ، ولا حصره بجميع صفاته ، كما قد تنطَّع في ذلك قضاة الشافعية . ومنها : إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم ، فإنَّ اصطلحوا ، وإلا استوفي لذي الحق حقه ، وبتَّ الحكم . ومنها : أن الأولى بالماء الجاري : الأول فالأول حتى يستوفي حاجته . وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به ، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا ، وإن كان يمرُّ عليه . ومنها : عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع ، والاستهانة بالأحكام ، فإنَّ كان ذلك فالأدب ، وهذا الذي صدر من خصم الزبير أذى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يقتله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قدَّمناه من عظم حلمه وصفحه ، ولئلا يكون قتله منفرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام ، فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقتل قتلة زنديق ، وقد أشبعنا القول في ذلك . ومنها : أن القَدْر الذي يستحق الأعلى من الماء : كفايته ، وغاية ذلك : أن يبلغ الماء إلى الكعبين ، فقيل : في الشَّرَبَة ، كما قلنا ، وقيل : في أرض الحائط ، وفيه بُعد .
( 43 ) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ( 2425 ) [ 2336 ] عَنْ ابن عمر أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ( 43 ) ومن باب : فضائل زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكنى : أبا أسامة بابنه أسامة بن زيد ، وكان أصابه سباءٌ في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، فوهبته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وذلك قبل النبوَّة بمكة ، وزيد ابن ثماني سنين ، فأعتقه ، وتبناه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان يطوف به على حلق قريش ويقول : هذا ابني وارثًا ، وموروثًا - يُشهدهم على ذلك وذكر عن الزهري : أنَّه قال : ما علمت أحدًا أسلم قبل زيد . وروي عن الزهري من وجوه : أن أوَّل من أسلم خديجة . وقُتِل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمَّره في تلك الغزاة ، وقال : إن قُتِل زيدٌ فجعفر ، فإنَّ قُتِل جعفر فعبد الله بن رواحة فقُتِل الثلاثة في تلك الغزاة ، ولما أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نعي زيد ، وجعفر بكى ، وقال : أخواي ، ومؤنساي ، ومحدثاي . و ( قوله : ما كنَّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد ابن محمَّد ) كان التبنِّي معمولاً به في الجاهلية والإسلام ، يُتوارث به ، ويُتناصر ، إلى أن نسخ الله ذلك كله بقوله : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي : أعدلُ . فرفع الله تعالى حكم التبني ، ومنع من إطلاق لفظه ، وأرشد بقوله إلى الأولى والأعدل أن يُنسب الرَّجل إلى أبيه نسبًا ، ولو نسب إلى أبيه من التبني ، فإنَّ كان على جهة الخطأ - وهو أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد - فلا إثم ، ولا مؤاخذة ، لقوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ، أي : لا إثم فيه ، ولا يجري هذا المجرى إطلاق ما غلب عليه اسم التبني ، كالحال في المقداد بن عمرو ، فإنَّه قد غلب عليه نسب التبني ، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود ، فإنَّ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية ، وعرف به ، فلما نزلت الآية قال المقداد : أنا ابن عمرو ، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه ، ولم يسمع فيمن مضى من عصَّى مُطْلِق ذلك عليه ، وإن كان متعمدًا . وليس كذلك الحال في زيد بن حارثة ، فإنَّه لا يجوز أن يقال فيه : زيد بن محمَّد ، فإن قاله أحدٌ متعمِّدًا عَصَى ، لقوله تعالى : وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أي : فعليكم فيه الجناح . والله تعالى أعلم . ولذلك قال بعده : وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي : غفورًا للعمد ورحيمًا برفع إثم الخطأ . ومعنى قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ أي : انسبوهم إليهم ، ولذلك عدَّاه باللام ، ولو كان الدُّعاء بمعنى : النداء لعدَّاه بالباء . وقوله : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ فانسبوهم إليكم نسبة الأخوة الدينية التي قال الله فيها : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ والمولويَّة التي قال فيها : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وقد تقدَّم : أنَّه يقال : مولى على الْمُعْتِق ، والْمُعْتَق ، وابن العم ، والناصر . و ( قوله : بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعثًا ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - هذا البعث - والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أسامة ، وأمره عليهم ، وأمره أن يغزو أُبنى ، وهي القرية التي هي عند مؤتة - الموضع الذي قتل فيه زيد أبو أسامة فأمره أن يأخذ بثأر أبيه . وطعن من في قلبه ريبٌ في إمارته ، من حيث : إنه من الموالي ، ومن حيث : إنه كان صغير السِّن ، لأنَّه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة ، فمات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد برز هذا البعث عن المدينة ، ولم ينفصل بعد عنها ، فنفَّذَه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بعد موت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
( 2426 ) ( 63 و 64 ) [ 2337] وعنه قال : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ . زاد في أخرى : فأوصيكم به فإنه من صالحيكم . و ( قوله : " إن تطعنوا في إمرته ، فقد كنتم طعنتم في إمرة أبيه قبل " ) هذا خطاب منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن وقع له ذلك الطعن ، لكنه على كريم خلقه لم يعيِّنهم سترًا لهم ، إذ مَعْتبتُه كانت كذلك ، كما تقدَّم ، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولًى ، فشهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأسامة وأبيه - رضي الله عنهما - بأنَّهما صالحان للإمارة ، لما يعلم من أهليتهما لها ، وأن كونهما موليين لا يغضُّ من مناصبهما ، ولا يقدح في أهليتهما للإمارة . ولا خلاف أعلم في جواز المولى والمفضول ، وقد تقدَّم القول في استخلاف المفضول . و " الإمرة " رويناها بالكسر بمعنى : الولاية ، وقال أبو عبيد : يُقال : لك عليَّ أمرةٌ مطاعة - بفتح الهمزة وكذلك حكاه القتبي ، وهي واحدة الأمر . قلت : وهذا على قياس : جَلسة ، وجِلسة - بالفتح للمصدر والكسر للهيئة والخليق ، والحريُّ ، والقَمِنُ ، والحقيقُ : كلُّها بمعنى واحد . و ( قوله : " وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ " ) " إن " عند البصريين مخففة من الثقيلة ، واللام الداخلة بعدها هي المفرقة بين " إن " المخففة وبين " إن " الشرطية . وعند الكوفيين : " إن " نافية ، واللام بمعنى : إلا . وهذا نحو قوله : شَلَّت يَمِينُك إن قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا حَلَّت عَلَيك عقوبةُ الْمُتَعَمِّدِ تقديرها عند البصريين : إنك قتلت مسلمًا . وعند الكوفيين : ما قتلت إلا مسلمًا . وهذا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خبر عن محبته [ لزيد ـ رضي الله عنه ـ ، ثمَّ أخبر عن محبته ] لأسامة فقال : " وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده " . فكان أسامة الحبُّ ابن الحبِّ . وبذلك كان يُدعى . ورضي الله عن عمر بن الخطاب ، لقد قام بالحق ، وعرفَه لأهله ، وذلك : أنَّه فرض لأسامةَ في العطاء خمسة آلاف ، ولابنه عبد الله ألفين . فقال له عبد الله : فضلت عليَّ أسامة ، وقد شهدت ما لم يشهد ؟! فقال ـ رضي الله عنه ـ : إن أسامة كان أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منك ، وأبوه كان أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أبيك . ففضل محبوب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على محبوبه ، وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويبغض ما أبغض ، وقد قابل مروان هذا الحب الواجب بنقيضه ، وذلك : أنَّه مرَّ بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال له مروان : إنَّما أردت أن يُرى مكانك فقد رأينا مكانك ، فعل الله بك وفعل - قولاً قبيحًا - فقال له أسامة : إنَّك آذيتني ، وإنَّك فاحش متفحش ، وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " إن الله يبغض الفاحش المتفحش " . فانظر ما بين الفعلين ، وقس ما بين الرَّجلين ، فلقد آذى بنو أمية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحبابه ، وناقضوه في مَحابِّه . تنبيه : روى موسى بن عقبة عن سالم ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " أحبُّ الناس إليَّ أسامة " فما حاشا فاطمة ولا غيرها . وهذا يعارضه ما تقدَّم من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن أحبَّ الناس إليه عائشة ، ومن الرِّجال أبوها ، ويرتفع التعارض من وجهين : أحدهما : أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبِّه لأسامة بـ " من " التي للتبعيض ، كما قد نصَّ عليه بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنه لمن أحب الناس إلي " . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن أسامة بن زيد أحب الناس إليَّ " أو " من أحب الناس إلي " فعلى هذا يحتمل أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن من أحب الناس إلي أسامة " فأسقطها بعض الرواة . والوجه الثاني : على تسليم أن صحيح الرواية بغير " من " فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالمه . وبيان ذلك : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يحب هؤلاء من حيث الصورة الظاهرة ، فإنَّ أسامة كان أسود أفطس ، وإنَّما كان يحبهم من حيث المعاني ، والخصائص التي كانوا موصوفين بها . فكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أحب إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه ، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره . وكانت عائشة - رضي الله عنها - أحب النساء إليه من حيث إن لها من العلم والفضيلة ما استحقت به أن تفضل على سائر النساء ، كما فضل الثريد على سائر الطعام . وكان أسامة ـ رضي الله عنه ـ أيضًا أحب إليه من حيث إنه كان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه ، فإنَّه أفضلهم وأجلهم ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أوصيكم به خيرًا ، فإنَّه من صالحيكم " فأكد الوصية به ، ونبَّه على الموجب لذلك ، وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله ، وقد ظهر ذلك عليه ، فإنَّه لم يدخل في شيء من الفتن فسلَّمه الله تعالى من تلك المحن ، إلى أن توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين ، وقيل : سنة أربع وخمسين ـ رضي الله عنه ـ .
( 42 ) باب فضائل أهل البيت - رضي الله عنهم - ( 2424 ) ( 61 ) [ 2334 ] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( 42 ) ومن باب : فضائل أهل البيت ( قوله : مرط مُرَحَّل ) المرط : الكساء ، وجمعه : مروط . والمرحَّل : يروى بالحاء يعني : فيه صور الرّحال ، ويُروى بالجيم ، أي : فيه صور الرجال ، أو صور المراجل ، وهي : القدور ، يقال : ثوب مراجل ، أو ثوب مرجَّل : هذا قولُ الشارحين . قلت : ويظهر لي أن المرجَّل هنا : يُراد به الممشوط خَمَلُه وزُبْرُه . قال امرؤ القيس : خَرَجْتُ بها أمشي تَجُرُّ وراءَنا على أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرحَّل وهذا أولى ، لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كيف يلبس الثوب الذي فيه صور الرِّجال ، مع أنه قد نهى عن الصور ، وهتك السِّتر الذي كانت فيه ، وغضب عند رؤيته ، كما تقدَّم في اللباس . وقراءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الآية : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا دليل على : أن أهل البيت المعنيون في الآية : هم المغطون بذلك المرط في ذلك الوقت . والرجس : اسم لكل ما يستقذر ، قاله الأزهري . والمراد بالرجس الذي أُذهب عن أهل البيت : هو مستخبث الخلق المذمومة ، والأحوال الركيكة ، وطهارتهم : عبارة عن تجنبهم ذلك ، واتصافهم بالأخلاق الكريمة ، والأحوال الشريفة .
( 2408 ) ( 36 و 37 ) [ 2335] وعن يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ : انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا؛ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ! فِإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ : وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ : نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ : وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ : هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ : كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ : نَعَمْ . وفي رواية : كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنْ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَفِيها فَقُلْنَا : ومَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ : لَا وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرَ مِنْ الدَّهْرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا، أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. و ( قوله : " قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا بماء يدعى خُمًّا " ) هو بضم الخاء المعجمة ، وهو موضع معروف ، وهو الذي أكثرت الشيعة وأهل الأهواء فيه من الكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في استخلافه عليًّا ، ووصيته إياه ، ولم يصح من ذلك كله شيء إلا هذا الحديث . و ( قوله : " وأنا تارك فيكم ثقلين " ) يعني : كتاب الله ، وأهل بيته . قال ثعلب . سَمَّاهما ثقلين ، لأنَّ الأخذ بهما ، والعمل بهما ثقيل ، والعرب تقول لكل شيء خطير نفيس : ثقيل . قلت : وذلك لحرمة الشيء النَّفيس ، [ وصعوبة روم الوصول إليه ، فكأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما سمَّى كتاب الله ، وأهل بيته : ثقلين لنفاستهما ، وعظم حرمتهما ] ، وصعوبة القيام بحقهما . و ( قوله في كتاب الله : " هو حبل الله " ) أي : عهد الله الذي عهده لعباده ، وسببه القوي الذي من تمسك به وصل إلى مقصوده ، وقد ذكر هذا المعنى بأشبع من هذا فيما تقدَّم . و( قوله : " وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي - ثلاثا - " ، هذه الوصية ، وهذا التأكيد العظيم يقتضي : وجوب احترام آل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل بيته ، وإبرارهم ، وتوقيرهم ، ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها . هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبأنَّهم جزء منه ، فإنَّهم أصوله التي نشأ منها ، وفروعه التي تنشأ عنه ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها " ، ومع ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق ، فسفكوا من أهل البيت دماءهم ، وسبوا نساءهم ، وأسروا صغارهم ، وخرَّبوا ديارهم ، وجحدوا شرفهم ، وفضلهم ، واستباحوا سَبَّهم ، ولَعْنَهم ، فخالفوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وصيته ، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته ، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه ! ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه ! و ( قوله : " من أهل بيته ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ " ) هذا سؤال من تمسك بظاهر لفظ البيت ، فإنَّ الزوجة : هي أصل بيت الرجل ، إذ هي التي تعمره ، وتلازمه ، وتقوم بمصالحه ، وكذلك إجابة زيد بأن قال : نساؤه من أهل بيته ، أي : بيته المحسوس ، وليس هو المراد هنا ، ولذلك قال في الرواية الأخرى في جواب السائل : لا ! أي : ليس نساؤه من أهل بيته ، المعنى هنا : لكن هم أصله وعصبته ، ثم عيَّنهم بأنهم : هم الذين حرموا الصدقة ، أي الذين تحرم عليهم الصدقات الشرعية على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب : الزكاة ، وقد عينهم زيد تعيينًا يرتفع معه الإشكال ، فقال : هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس ـ رضي الله عنهم ـ ، فقيل له : أكلَّ هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم . وقد ذهب بعض المتأولين البيت في هذا اللفظ إلى أن مراد زيد به : الذين منعهم خلفاء بني أمية صدقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما كان خصَّه الله تعالى به التي كانت تقسم عليهم أيام الخلفاء الأربعة . وهذا فيه بُعد ، فالأول أظهر .
( 2358 ) ( 132 و 133 ) [ 2270 ] وعن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن أعظم المسلمين جُرْمًا في المسلمين من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرِّم عليهم من أجل مسألته " ) قال أبو الفرج الجوزي : هذا محمولٌ على أن من سأل عن الشيء عنتًا وعبثًا ، فعوقب لسوء قصده بتحريم ما سأل عنه ، والتحريم يعم . قلت : والجرم والجريمة : الذنب . وهذا صريحٌ في أن السؤال الذي يكون على هذا الوجه ، ويحصل للمسلمين عنه هذا الحرج : هو من أعظم الذنوب ، والله تعالى أعلم .
( 25 ) باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيرا له واحتراما ( 2359 ) ( 136 و 137 ) [ 2268 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ في الْمَسْأَلَةِ فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : سَلُونِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ - وفي رواية : ما دمت في مقامي هذا ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ. قَالَ أَنَسٌ : فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَ يُلَاحَى فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ، عَائِذ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِنِّي صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ . وفي رواية : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ . وفي أخرى : فَنَزَلَتْ هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ ( 2360 ) ( 138 ) [ 2269 ] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ( 25 ) ومن باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توقيرًا له واحترامًا ( قوله : سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أحفوه في المسألة ) أي : حتى ألحوا عليه . يقال : أحفى في المسألة ، وألَحَّ بمعنى واحد . وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدَّم في حديث أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ . و ( قوله : فلما أُكْثِرَ عليه غضب ) يحتمل أن يكون غضب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من إكثارهم عليه من المسائل ، فإنَّ ذلك : يُقلِّل حرمة العالم ، ويُجرئ على الإقدام عليه ، فتذهب أبهة العالم ، ووقاره ، فإنَّه إذا كثرت المسائل : كثرت الأجوبة ، فحصل جميع ما ذكرناه من المفاسد . ويحتمل أن غضبُه بسبب أنه تحقَّق أنَّه كان هنالك من يسأل تعنيتًا وتبكيتًا ، قصدًا للتعجيز والتنقيص ، كما كان يفعل المنافقون ، واليهود ، ويدلُّ على هذا قوله : سلوني ، سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا ، فإنَّ هذا يصلح أن يكون جوابًا لمن قصد التعجيز والتبكيت حتى يبطل زعمه ، ويظهر خرقه وذمه ، ويحتمل أن يكون من تلك المسائل ما يكره ، كما قال في حديث أبي موسى : سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أشياء كرهها ، وكما دلَّ عليه قوله تعالى : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ويحتمل أن يكون غضبه لمجموع تلك الأمور كلها ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : فأرمَّ القوم ) أي : سكتوا ، وأصله من المرمَّة ، وهي : الشَّفة ، فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم فلم يحركوها بلفظة . و ( قوله : ورهبوا أن يكون من أمرٍ قد حضر ) أي : خافوا أن تقع بهم عقوبة عند غضبه . و ( قوله : فجعلت ألتفت يمينًا وشمالاً ، فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي ) هذه حالة العارفين بالله تعالى ، الخائفين من سطوته وعقوبته ، لا كما تفعله جُهَّال العوام ، والمبتدعة الطَّغام من الزعيق والزفير ، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير . فيقال لمن تعاطى ذلك ، وزعم أن ذلك وجد وخشوع : إنك لم تبلغ ذلك، أي تساوي حال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله تعالى ، والبكاء خوفًا من الله ، والوقار حياءً من الله ، وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة فقال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فصدَّر الله تعالى الكلام في هذه الآية بـ إنما الحاصرة لما بعدها ، المحققة له ، فكأنه قال : المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله ، وتلاوة كتابه ، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ، ولا على طريقتهم ، وكذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ فهذا وصف حالهم ، وحكاية مقالهم ، فمن كان مُستنًّا فليستن ، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون ، فهو من أخسَّهم حالاً ، والجنون فنون . فإن قيل : فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم صرخوا عند سماع القرآن ، والمواعظ ، فقد روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع قارئًا يقرأ : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ، فصاح صيحة خرَّ مغشيًا عليه ، فحمل إلى أهله ، فلم يزل مريضًا شهرًا . وروي أن زرارة بن أوفى قرأ : فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فصعق ومات في محرابه . وقرأ صالح المرِّي على أبي جهين فمات ، وسمع الشافعي قارئًا يقرأ : هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ فغشي عليه . وسمع علي بن الفضل قارئًا يقرأ : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فسقط مغشيًّا عليه . فالجواب : أين الدرُّ من الصدف ، والمسك من الجيف ؟ هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين ، والمحقِّقين بالممخرقين . فإنَّ كنت - يا من لُبِّس عليه - تدَّعي أنك على نعتهم فمت كموتهم ، فتنبَّه لبهرجتك ، فإنَّ الناقد بصير ، والمحاسب خبير . ثم يقال لمن صرخ في حال خطبة الجمعة : إن كنت قد ذهب عقلك حال صعقتك ، فقد خسرت في صفقتك ، إذ قد سلب عقلك ، وذهب فهمك ، ولحقت بغير المكلفين ، وصرت كالصبيان والمجانين ، وحُرِمت سماع الموعظة ، وشهود الخطبة . وقد قال مشايخ الصوفية : مهما كان الوارد مانعًا من القيام بفرض ، ومانعًا من الخير فهو من الشيطان . ثم يلزم من ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه ، فإنَّ صلى بعد تلك الغشية الجمعة ولم يتوضأ ، كان كمن يشهد الخطبة ولا صلى ، فأي صفقة أخسر ممن هذه صفقته ؟ وأي مصيبة أعظم ممن هذه مصيبته ؟ وإن كان وقت صراخه في غفلة فقد تكلم في حال الخطبة ، وشوش على الحاضرين سماعها ، وأظهر بدعة في مجتمع الناس ، وعرضهم لأن يجب عليهم تغييرها ، فإنَّ لم يفعلوا عصوا ، فقد عصى الله من جهات متعددة ، وحمل الناس على المعصية ، إلى ما ينضاف إلى ذلك من رياء كامنٍ في القلب ، وفِسق ظاهر على الجوارح . فنسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان ، وكفاية أحوال الجهَّال والمجَّان . و ( قوله : ثم أنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَى فَيُدْعَى لغير أبيه ) أنشأ : أخذ في الكلام ، وشرع فيه ، ويُلاحَى : يُعيَّرُ ويُذَُّم ، بأن يُنْسَبَ إلى غير أبيه ، ويُنفى عن أبيه - وسببُ هذا ما كانت أنكحة الجاهلية عليه ، فإنَّها كانت على ضروب كما ذكرناه في النكاح ، وكان منها : أن المرأة يطؤها جماعة ، فإذا حملت ، فولدت دُعي لها كل من أصابها ، فتُلحق الولد بمن شاءت ، فيَلحق به . فربما يكون الولد من خسيس القدر ، فتلحقه بكبير القدر ، فإذا نفي عمن له مقدار ، وألحق بمن لا مقدار له لحقه من ذلك نقص وعار . وكانوا يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تحقيق ذلك لينسب لأبيه الحقيقي الذي ولد من نطفته ، وتزول عنه تلك المعرَّة . فسأل هذان الرجلان النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تحقيق ذلك ، فقال لأحدهما : أبوك حذافة ، وقال للآخر : أبوك سالم ، فتحقَّق نسبهما ، وزالت معرَّتهما . و ( قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : رضينا بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد رسولاً ) كلام يقتضي إفراد الحق بما يجب له تعالى من الربوبية ، ولرسوله من الرسالة اليقينية ، والتسليم لأمرهما ، وحكمهما بالكلية ، والاعتراف لدين الإسلام بأنه أفضل الأديان . وإنما صدَّر عمر ـ رضي الله عنه ـ كلامه بنون الجمع ، لأنه متكلِّم عن نفسه ، وعن كل من حضر هنالك من المسلمين . و ( قوله : عائذٌ بالله من سوء الفتن ) كذا صحَّت الرواية عائذٌ بالرفع ، أي أنا عائذ ، أي : مستجير . والفتن : جمع فتنة ، وقد تقدَّم : أن أصلها الاختبار ، وأنها تنصرف على أمور متعددة ، ويعني بها هنا : المحن ، والمشقات ، والعذاب ولذلك قال : من سوء الفتن أي : من سيئها ومكروهها . ولما قال ذلك عمر وضم إلى ذلك قوله : إنا نتوب إلى الله عز وجل كما جاء في الرواية الأخرى ، سكن غضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ثم أخذ يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور الآخرة ، فقال : لم أر كاليوم قطّ في الخير والشر ، هذا الكلام محمول على الحقيقة لا التوسع والمجاز فإنَّه : لا خير مثل خير الجنَّة ، ولا شرَّ مثل شرِّ النار . وقط : هي الظرفية الزمانية ، وروينا هاهنا مفتوحة القاف ، مضمومة الطاء مشدَّدة ، وهي إحدى لغاتها ، وتقال بالتخفيف ، وتقال : بضم القاف على إتباع حركتها لحركة الطاء ، وذلك مع التشديد والتخفيف ، فأمَّا قط بمعنى حسب فبتخفيف الطاء وسكونها ، وقد تزاد عليها نون بعدها . فيقال : قطني ، وقد تحذف النون فيقال : قطي ، وقد تحذف الياء ، فيقال : قط ، بكسر الطاء ، وقد يبدل من الطاء دال مهملة ، فيقال : قد ، ويقال على تلك الأوجه كلها ، كله من الصحاح . و ( قوله : إني صوِّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط ) وفي البخاري : لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، وفي البخاري في هذا الحديث : لقد رأيت الآن - منذ صليت بكم الصلاة - الجنة والنار ممتثلتين في قبلة هذا الجدار ظاهر هذه الروايات - وإن اختلفت ألفاظها - : أنه صلى الله عليه وسلم رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي استقبله مصوَّرتين فيه ، وهذا لا إحالة فيه ، كما تتمثل المرئيات في الأجسام الصقلية . يبقى أن يقال : فالحائط ليس بصقيل . ويجاب : بأن اشتراط الصقالة في ذلك : ليس بشرط عقلي ، بل : عادي ، وذلك محل خرق العادة ووقتها ، فيجوز أن يمثلها الله فيما ليس بصقيل ، هذا على مقتضى ظاهر هذا الحديث ، وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف فيكون رآهما حقيقة ، ومد يده ليأخذ قطفًا من الجنة ، ورأى النار وتأخر مخافة أن يصيبه لفحها ، ورأى فيها فلانًا وفلانة . وبمجموع الحديثين تحصل أن الله تعالى أطلع نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الجنة والنار مرتين : إحداهما : في صلاة الكسوف إطلاع رؤية كما فصلناه في الكسوف . وثانيهما : هذه الإطلاعة ، وكانت في صلاة الظهر ، كما قد جاء في بعض طرق حديث أنس : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إليهم بعدما زاغت الشمس ، فصلَّى بهم الظهر ، ثم قام فخطب ، وذكر نحو ما تقدَّم . وقد نصَّ عليه البخاري كما نقلته عنه آنفا . وعُرْض الشيء - بالضم- : جانبه ، وصفحه . والعَرْض -بالفتح - : خلاف الطول . و ( قوله : أولى ) هي كلمة تهديد ووعيد ، وإذا كررت كان التهديد أعظم ، كما قال تعالى : أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى وهذا المقام الذي قامه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مقامًا هائلاً مخوفًا ، ولذلك قال أنس في بعض الطرق الواقعة في الأم : بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أصحابه شيء ، فخطب فقال : عرضت علي الجنة والنار ، فلم أر كاليوم في الخير والشر ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيرًا . قال : فما أتى على أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أشدُّ منه . قال : غطوا رؤوسهم ، ولهم خنين ، والرواية المشهورة بالخاء المعجمة ، وقد رواه العذري بالحاء المهملة ، فالمعجمة : معناها البكاء مع تردُّد الصوت ، وقال أبو زيد : الخنين : ضرب من الحنين ، وهو الشديد من البكاء . وقوله في هذه الرواية : إنه بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أصحابه شيء أي : عن بعض أصحابه ، وذلك أنه بلغه - والله تعالى أعلم - : أن بعض من دخل في أصحابه ، ولم يتحقق إيمانه : همَّ أن يمتحن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأسئلة ، ويكثر عليه منها ليعجزه ، وهذا كان دأب المنافقين وغيرهم من المعادين له ولدين الإسلام ، فإنَّهم كانوا : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ولذلك لما فهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك قال لهم في هذا المجلس : سلوني ، سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فكل من سأله في ذلك المقام عن شيء أخبره به - أحبَّه أو كرهه - ولذلك أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَـزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ فأدَّبهم الله تعالى بترك السؤال عما ليس بِمُهم ، وخصوصًا عما تقدَّم من أحوال الجاهلية التي قد عفا الله عنها ، وغفرها ، ولما سمعت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ هذا كله انتهت عن سؤال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا في أمر لا يجدون منه بدًّا ، ولذلك قال أنس - فيما تقدم - : نهينا أن نسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع .
( 2421 ) ( 57 ) [ 2331 ] وعنه قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ : أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ حتى جاء - يَعْنِي حَسَنًا - فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحب مَنْ يُحِبُّهُ . ( 2422 ) ( 59 ) [ 2332 ] وعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ . و ( قوله : " حتى أتى خباء فاطمة " ) أي : بيتها ، وأصل الخباء : ما يخبأ فيه ، وقد صار بحكم العرف العربي عبارة عن بيوت الأعراب . و ( قوله صلى الله عليه وسلم للحسن : " أثمَّ لُكَع ؟ " ) يعني به : الصغير ، وهي لغة بني تميم ، وسئل ابن جرير عن اللكع ، فقال : هو الصغير في لغتنا ، وأصل هذه الكلمة : أنها تستعمل للتحقير ، والتجهيل ، واللكع : العبد الوغد ، والقليل العقل ، ويقال للأنثى : لكعاء ، ويعدل به في النداء إلى لكاع ، وقد تقدم القول فيه . ويحتمل أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُمازحًا بذلك اللفظ ، ومؤنسًا كما يقول الرجل لابنه الصغير : تعال يا كُليب ، وكما قالت العربية لابنها وهي تُرَقِّصه : حُزُقَّة عين بقَّة . والسِّخاب : خيط فيه خرز ينظم ، ويجعل في عنق الصبيان ، والسِّخاب مأخوذ من السَّخَب ، وهو اختلاط الأصوات ، وارتفاعها ، وكأن هذه الخرزات لها أصوات مختلفة عند احتكاك بعضها مع البعض ، وقيل : السِّخاب من القلائد : ما اتخذ من القرنفل ، والمسك ، والعود وشبهه ، دون الجوهر . وفيه من الفقه : المحافظة على النظافة ، وعلى تحسين الصغار ، وتزيينهم ، وخصوصًا عند لقاء من يُعظم ويحترم . و ( قوله : " حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه " ) فيه ما يدل على تواضع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورحمته بالصغار ، وإكرامه ومحبَّته للحسن ، ولا خلاف - فيما أحسب - في جواز عناق الصِّغار كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإنَّما اختلف في عناق الكبير في حالة السلام ، وكرهه مالك ، وأجازه سفيان بن عيينة ، وغيره ، واحتج سفيان على مالك في ذلك بعناق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعفرًا لما قَدِم عليه ، فقال مالك : ذلك مخصوصٌ بجعفر . وقال سفيان : ما يخص جعفرًا يعمَّنا ، فسكت مالك ، ويدل سكوت مالك على أنه ظهر له ما قاله سفيان من جواز ذلك . قال القاضي عياض : وهو الحق حتى يدلّ دليل على تخصيص جعفر بذلك . والعاتق : ما بين المنكب إلى العنق ، وقيل : هو موضع الرداء من المنكب . وفيه من الفقه ما يدل على : جواز حمل الصِّبيان ، وترك التعمُّق في التحفظ مما يكون منهم من المخاط والبول ، وغير ذلك ، فلا يجتنب من ذلك إلا ما ظهرت عينه ، أو تحقق ، أو تفاحش ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السَّمحة ، فيمشون حفاة في الطِّين ، ويجلسون بالأرض ، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة ، ويلعقون أصابعهم ، والقصعة عند الأكل ، ولا يعيبون شيئًا من ذلك ، ولا يتوسوسون فيه ، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم ، فإنَّهم يبالغون في نظافة الظواهر والثياب ، وبواطنهم وسخة خراب .
( 2423 ) [ 2333 ] وعن إِيَاسٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ . و ( قوله : " لقد قدتُ برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحسن والحسين بغلته " ) هذا يدل على جواز ركوب ثلاثة على دابة ، لكن إذا لم يثقلوها ، وقد روي عن علي وغيره : كراهة ذلك ، وروي في ذلك نهي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لكن محله - والله تعالى أعلم - على ما إذا أثقلها وفَدَحها .
( 41 ) باب فضائل الحسن والحسين ( 2421 ) ( 56 ) [ 2330 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ . ( 41 ) ومن باب : فضائل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - وأمهما : فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يُكنى الحسن : أبا محمد ، والحسين : أبا عبد الله . ولد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة . هذا أصحُّ ما قيل في ذلك ، وولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة . وقيل : سنة ثلاث ، هذا قول الواقدي . وقال : علقت به فاطمة - رضي الله عنها - بعد مولد الحسن بخمسين ليلة ، ومات الحسن مسمومًا في ربيع الأول من سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين . وقيل : بل مات سنة إحدى وخمسين ، ودفن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه ، وصلَّى عليه سعيد بن العاص ، وكان أمير المدينة ، قدَّمه الحسين ، وقال : لولا أنَّها سُنَّة لما قدَّمتك ، وقد كان وصى أن يدفن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن أذنت في ذلك عائشة فأذنت في ذلك ، ومنع من ذلك مروان ، وبنو أمية . وروى أبو عمر بإسناده إلى علي ـ رضي الله عنه ـ قال : لما ولد الحسن جاءه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : أروني ابني ، ما سميتموه ؟ قلت : حربًا . قال : بل هو : حسن ، فلما ولد الحسين ، قال : أروني ابني ، ما سميتموه ؟ ، قلت : حربًا ، قال : بل هو : حسين ، فلما ولد الثالث ، قال : أروني ابني ، ما سميتموه ؟ قلت : حربًا ، قال : بل هو : محسِّن . وعقَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن كل واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش ، وأمر أن يحلق كل واحد منهما ، وأن يتصدَّق بوزن شعرهما فضة . وقال علي ـ رضي الله عنه ـ : كان الحسين ـ رضي الله عنه ـ أشبه الناس برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما بين الصدر إلى الرأس ، والحسن أشبه الناس للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان أسفل من ذلك . وتواردت الآثار الصِّحاح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال في الحسن : إن ابني هذا سيِّد ، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين . ولا أسود ممن سوَّده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وشهد له بذلك ، وكان حليمًا ، ورِعًا ، فاضلاً ، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الْمُلك والدنيا رغبة فيما عند الله . ومما يدلّ على صحة ذلك وعلى صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وصحة نبوته ما قد اشتهر من حال الحسن ، وتواتر من قضيَّة خلافته ، وإصلاحه بين المسلمين ، وذلك : أنه لما قُتِل علي ـ رضي الله عنه ـ بايعه أكثر من أربعين ألفًا ، وكثير ممن تخلَّف عن أبيه ، وممن نكث بيعته ، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق ، وما وراءها من خراسان ، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق ، وما وراءها من خراسان ، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام ، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له : مَسْكَن ، من أرض السواد بناحية الأنبار ، كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلكَ أكثر الأخرى ، فيهلك المسلمون ، فسلَّم الأمر لمعاوية على شروط شرطها عليه ، منها : أن يكون الأمر له من بعد معاوية ، فالتزم كل ذلك معاوية ، واجتمع الناس على بيعته في النصف من جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين . هذا أصح ما قيل في ذلك ، ولما فعل ذلك الحسن عتب عليه أصحابه ، ولاموه على ذلك ، حتى قال له بعض أصحابه : يا عار المؤمنين ! فقال : العار خير من النار . وقال له شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر لما قدمها : السلام عليك يا مُذِل المؤمنين ، فقال له : لا تقل ذلك يا أبا عامر ! فإني لم أذل المؤمنين ، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك ، فقد ظهر ما قاله سيد المرسلين من أن الحسن سيِّد ، وأن الله أصلح به بين فئتين من المسلمين ، لكن خُشي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره ، ونقل الثقات : أنه لما سُمَّ لفظ قطعًا من كبده ، وحينئذ قال : لقد سُقيتُ السُّمَّ ثلاث مرات لم أسق مثل هذه المرة ، فقال له الحسين : يا أخي من سقاك ؟ قال : وما تريد إليه ؟ أتريد أن تقتله ؟ قال : نعم . قال : لئن كان الذي أظن ، فالله أشد نقمة ، ولئن كان غيره فما أحب أن يقتل بي بريء . ولما ورد البريد بموته على معاوية قال : يا عجبًا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه . وأما الحسين ـ رضي الله عنه ـ ، فكان فاضلاً ، ديِّنًا ، كثير الصوم ، والصلاة ، والحج ، قال مصعب الزبيري : حجَّ الحسين خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا ، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه وفي الحسن : إنهما سيِّدا شباب أهل الجنة . وقال : هما ريحانتاي من الدنيا . وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رآهما هشَّ لهما ، وربما أخذهما ، كما روى أبو داود : أنهما دخلا المسجد وهو يخطب فقطع خطبته ونزل فأخذهما ، وصعد بهما ، وقال : رأيت هذين ، فلم أصبر . وكان يقول فيهما : اللهم إني أحبهما فأحبهما ، وأحِبَّ من يحبهما . وقتل رحمه الله ، ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين بموضع يقال له : كربلاء ، بقرب موضع يقال له : الطفُّ بقرب من الكوفة . قال أهلُ التواريخ : لما مات معاوية ، وأفضت الخلافة إلى يزيد ، وذلك في سنة ستين ، وردت بيعته على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها ، أرسل إلى الحسين بن علي ، وإلى عبد الله بن الزبير ليلاً فأُتي بهما فقال : بايعا . فقالا : مثلنا لا يبايع سرًّا ، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا ، فرجعا إلى بيوتهما ، وخرجا من ليلتهما إلى مكة ، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب ، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوال وذا القعدة ، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة ، فبعث عبيد الله بن زياد خيلاً لقتل الحسين ، وأمَّر عليهم عمر بن سعد ، فأدركه بكربلاء فقتل الحسين ، وقتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً ، وسبي نساؤه ، وذلك في يوم عاشوراء من السنة المذكورة . وكان من قضاء الله تعالى وتعجيل عقوبته لعبيد الله بن زياد : أن قتل يوم عاشوراء سنة سبع وستين . قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب ، وبعث برأسه إلى المختار ، وبعث به المختار إلى ابن الزبير ، فبعث به إلى علي بن حسين . واختلف في سن الحسين يوم قتل . فقيل : سبع وخمسون . وقيل : ثمان . وقيل : أربع . وقال جعفر بن محمد : توفي علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين . وقتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين ، وتوفي علي بن الحسين ، وهو ابن ثمان وخمسين ، وتوفي محمد بن علي ، وهو ابن ثمان وخمسين . قال سفيان : قال لي جعفر بن محمد ، وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين ، وتوفي فيها ، رحمة الله عليهم أجمعين . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يرى النائم نصف النهار ، وهو قائم أشعث ، أغبر ، بيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين ، لم أزل ألقطه منذ اليوم ، فوجد قد قتل في ذلك اليوم . وأما الحسن فكان سنَّه يوم مات ستًّا وأربعين سنة ، وقيل : سبعًا وأربعين سنة . وروى الحسن عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ [ حديث الدعاء في القنوت . و ( قوله : إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة . وروى الحسين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ] : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ابن صائد : اختلفتم وأنا بين أظهركم ؟ فأنتم بعدي أشدُّ اختلافًا .
( 2420 ) [ 2329 ] وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ : لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ . قَالَ : فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ : فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ . و ( قوله : " لأبعثن إليكم رجلاً أمينًا حق أمين " ) هو بنصب " حق أمين " على أنه مصدر مضاف ، وهو في موضع الصِّفة تقديره أمينًا محققًا في أمانته . و ( قوله : " فاستشرف لها الناس " ) أي : تشوَّفوا ، وتعرَّضوا لمن هو الموجَّه معهم ، وكلُّهم يحرصُ على أن يكون هو الْمَعْنِيُّ ، إذ كل واحد منهم أمين .
( 40 ) باب فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهم - ( 2414 ) [ 2322 ] عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ، عَنْ حَدِيثِهِمَا . ( 40 ) ومن باب : فضائل طلحة بن عبيد الله طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي . شهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المشاهد كلها إلا بدرًا ، فإنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان بعثه وسعيد بن زيد يتجسَّسان خبر عير قريش ، فلقيا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منصرفه من بدر ، فضرب لهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسهمهما وأجرهما ، فكانا كمن شهدها ، وسَمَّاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يومئذ : طلحة الخير ، ويوم ذات العشيرة : طلحة الفياض ، ويوم حنين : طلحة الجود . وثبت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد ، ووقى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده فشلت أصبعاه ، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة . وجملة ما روي عنه من الحديث : ثمانية وثلاثون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين سبعة ، وقتل يوم الجمل ، وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ، ويقال : إن سهمًا غَربًا أتاه فوقع في حلقه فقال : بسم الله وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ويقال : إن مروان بن الحكم قتله . ودفن بالبصرة ، وهو ابن ستين سنة ، وقيل : ابن اثنتين وستين سنة ، وقيل : ابن أربع . وأما الزبير ـ رضي الله عنه ـ فيكنى أبا عبد الله بولده عبد الله ، لأنَّه كان أكبر أولاده ، وهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ، أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسلمت وأسلم الزبير ، وهو ابن ثمان سنين ، وقيل : ابن ست عشرة سنة ، فعذَّبه عمُّه بالدخان لكي يرجع عن الإسلام فلم يفعل . هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين ، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهو أول من سل سيفًا في سبيل الله ، وكان عليه يوم بدر ريطة صفراء قد اعتجر بها ، وكان على الميمنة فنزلت الملائكة على سيماه ، وثبت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد ، وبايعه على الموت ، فقتل يوم الجمل ، وهو ابن خمس وسبعين سنة . وقيل : خمس وستين . وقيل : بضع وخمسون . قتله ابن جرموز ، وكان من أصحاب علي ، فأُخبر عليٌّ بذلك فقال : بشِّر قاتل ابن صفية بالنار . وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وروي عنه من الحديث مثل ما روي عن طلحة ، وله في الصحيحين مثل ما له سواء . وأما أبو عبيدة ـ رضي الله عنه ـ فاسمه : عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبَّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، أسلم قديما مع عثمان بن عفان - رضي الله عنهما - وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرًا ، والمشاهد كلها ، وثبت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد ، ونزع يومئذ بثنيتيه الحلقتين اللتين دخلتا في وجنتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوقعت ثنيتاه ، فكان أهتم ، وكان من أحسن الناس هتمًا ، يزينه هتمه ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وولي فتح الشام وحروبها ، ومات في طاعون عمواس بالأردن ، وقبر ببيسان وهو ابن ثمان وخمسين سنة . و ( قول أبي عثمان النهدي : لم يبق مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير طلحة وسعد ) يعني بذلك : يوم أحد ، وقد قدمنا : أن طلحة ثبت يومئذ ، ووقى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده فشلَّت أصبعاه ، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة . و ( قوله : عن حديثهما ) هذا من قول الراوي عن أبي عثمان ، وهو : المعتمر بن سليمان ، ويعني به : أن أبا عثمان إنما حدَّث بثبوت طلحة وسعد عنهما ، لا أنه شاهد هو ثبوتهما ، فإنَّه تابعي لا صحابي ، ولا أنه حدَّث بذلك عن غيرهما ، بل عنهما . هما حدَّثاه بذلك . واتفق لطلحة في ذلك اليوم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أثقل بالجراح ، وكان عليه درعان ، فنهض ليصعد على صخرة كانت هنالك ، فلم يستطع ، فحنى طلحة ظهره لاصقًا بالأرض حتى صعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ظهره حتى رقى على الصخرة ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أوجب طلحة أي : أوجب له ذلك الفعل الثواب الجزيل عند الله ، والمنزلة الشريفة . وروى جابر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : من سرَّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض ، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله . وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : طلحة بن عبيد الله ممن قضى نحبه أي : ممن وفَّى بنذره ، وقام بواجباته .
( 2419 ) ( 53 ) [ 2327] وعن أَنَس بن مالك قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا - أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ . ( 2419 ) ( 54 ) [ 2328 ] وعنه : أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ . قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن لكل أمة أمينًا وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح " ) الأمانة : ضد الخيانة ، وهي عبارة عن : قوَّة الرجل على القيام بحفظ ما يوكل إلى حفظه ، ويخلّى بينه وبينه . وهي مأخوذة من قولهم : ناقة أمون ، أي : قوية على الحمل والسير ، فكأن الأمين هو الذي يوثق به في حفظ ما يوكل إلى أمانته حتى يؤدِّيه لقوَّته على ذلك . وكان أبو عبيدة قد خصَّه الله تعالى من هذا الحظ الأكبر ، والنصيب الأكثر ، بحيث شهد له بذلك المعصوم ، وصار له ذلك الاسم ، والعلم المعلوم ، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان حتى استوى في معرفته كل إنسان ، وذلك أن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما قدم الشام متفقِّدًا أحوال الناس والأمراء ، ودخل منازلهم ، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة ، وهو أمير على الشام ، قد فتحت عليه بلاده وترادفت عليه فتوحاته ، وخيراته ، واجتمعت له كنوزه ، وأمواله ، فلما كلَّمه عمر ـ رضي الله عنه ـ في ذلك ، قال له : يا أمير المؤمنين! والله لئن دخلت منزلي لتعصرن عينيك ، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئًا يردُّ البصر أكثر من سلاحه وأداة رحل بعيره ، فبكى عمر ـ رضي الله عنه ـ وقال : صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أنت أمين هذه الأمَّة " أو كما قال . وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أخبر عن كل واحد من أعيان أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ بما غلب عليه من أوصافه ، وإن كانوا كلهم فضلاء ، علماء ، حكماء ، مختارين لمختار ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك : " أرحم أمتي بأمتي : أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله : عمر ، وأصدقهم حياءً : عثمان ، وأعلمهم بالحلال والحرام : معاذ ، وأفرضهم : زيد ، وأقرؤهم : أُبي ، ولكل أمَّة أمين . وأمين هذه الأمَّة : أبو عبيدة " . ومن حديث عبد الله بن عمرو : " ما أظلت الخضراء ، ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " . و ( قوله : " أيتها الأمَّة " ) هو منادى محذوف حرف النداء . والأمَّة : نعته مرفوعًا ، والأفصح : نصبها على الاختصاص ، وحكى سيبويه : اللهم اغفر لنا أيتها العِصابةَ بالنصب .
( 2416 ) [ 2324 ] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَعَ النِّسْوَةِ فِي أُطُمِ حَسَّانَ، فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنْظُرُ، وَأُطَأْطِئُ لَهُ مَرَّةً فَيَنْظُرُ، فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبِي إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ : وَرَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ : نَعَمْ. قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ أَبَوَيْهِ فَقَالَ : فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي . و ( قوله : لقد جمع لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبويه يومئذ فقال : " فداك أبي وأمي " ) هو بفتح الفاء والقصر ، فعل ماض ، فإن كسرت مَدَدْت ، وهذا الحديث يدل على أنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقاص ، وحينئذ يشكل بما رواه الترمذي من قول علي : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما جمع أبويه لأحد إلا لسعد ، وقال له يوم أحد : " فداك أبي وأمي " . ويرتفع الإشكال بأن يقال : إن عليًّا أخبر بما في علمه ، ويحتمل أن يريد به أنه لم يقل ذلك في يوم أحد لأحد غيره ، والله تعالى أعلم . وحراء : جبل بمكة ، وهو بكسر الحاء ممدود ، ويُذَكَّر فيصرف ، ويؤنَّث فلا يصرف ، وقد أخطأ من فتح حاءه ، ومن قصره .
( 2418 ) ( 52 ) [ 2326 ] وعَنْ عُرْوَةَ بن الزبير قَالَ : قَالَتْ لِي عَائِشَةُ : كَانَ أَبوكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ . و ( قول عائشة لعروة : " كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " ) استجابوا : أجابوا ، والسين والتاء : زائدتان ، كما قال الشاعر : وداعٍ دعا يا من يُجيب إلى الندا فلم يَستجِبهُ عند ذاك مجيبُ أي : لم يجبه . والقرح : الجراح . وإشارة عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد وهو موضع على نحو ثمانية أميال من المدينة ، وكان من حديثها : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رجع إلى المدينة من أحد بمن بقي من أصحابه ، وأكثرهم جريح ، وقد بلغ منهم الجهد ، والمشقة نهايته ، أمرهم بالخروج في أثر العدوِّ مرهبًا لهم ، وقال : " لا يخرجن إلا من كان شهد أحدًا " فخرجوا على ما بهم من الضَّعف والجراح ، وربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ، ولا يجد مركوبًا ، فربما يحمل على الأعناق ، كل ذلك امتثالٌ لأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورغبة في الجهاد والشهادة حتى وصلوا إلى حمراء الأسد ، فلقيهم نعيم بن مسعود ، فأخبرهم : أن أبا سفيان بن حرب ، ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم ، وأجمعوا رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة ، فيستأصلوا أهلها ، فقالوا ما أخبرنا الله به عنهم : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك ، إذ جاءهم معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة حلفاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعيبة نُصحه ، وكان قد رأى حال أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما هم عليه ، ولما رأى عزم قريش على الرجوع ، واستئصال أهل المدينة حمله خوف ذلك ، وخالص نصحه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه على أن خوَّف قريشًا بأن قال لهم : إني قد تركت محمدًا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم ، قد اجتمع له كل من تخلف عنه ، وهم قد تحرَّقوا عليكم ، وكأنهم قد أدركوكم ، فالنجاء النجاء ، وأنشدهم شعرًا ، يعظِّم فيه جيش محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكثرهم ، وهو مذكور في كتب السير ، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب ، ورجعوا إلى مكة مسرعين خائفين ، ورجع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أصحابه إلى المدينة مأجورًا منصورًا ، كما قال تعالى : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ وقوله تعالى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ يعني به نعيم بن مسعود الذي خوَّف أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقوله : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني به : قريشًا .
( 2417 ) [ 2325] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَتَحَرَّكَتْ الصَّخْرَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ. وفي رواية : فَتَحَرَّكَ الجبل ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ، وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ . و ( قوله : " فتحركت الصخرة ، فقال : اهدأ فما عليك " ) كذا صحَّ هذا اللَّفظ هنا بسكون الهمزة على أنه أمر من " هدأ " المذكر ، وعليك : بفتح كاف خطاب المذكر ، مع أنه افتتح الكلام بذكر الصخرة ، فكان حق خطابها أن يقال : اهدئي فما عليك ، فتخاطب خطاب المؤنث ، لكنه لما كانت تلك الصخرة جبلاً خاطبها خطاب المذكر ، وقد تقدَّم مثل هذا كثيرًا . و ( قوله : " فما عليك إلا نبي ، أو صدِّيق ، أو شهيد " ) بأو التي هي للتقسيم والتنويع ، فالنبي : رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والصِّدِّيق : أبو بكر ، والشهيد : من بقي ـ رضي الله عنهم ـ وهذا من دلائل صحة نبوَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإنَّ هؤلاء كلهم قتلوا شهداء . فأمَّا عمر : فقتله العلج ، وأما عثمان فقتل مظلومًا ، وعلي : غيلة ، وأما طلحة والزبير : فقتلا يوم الجمل منصرفين عنه تاركين له ، وأما أبو عبيدة فمات بالطاعون ، والموت فيه شهادة .
( 2415 ) [ 2323 ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ . و ( قوله : " ندب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس فانتدب الزبير " ) أي : رغبهم في الجهاد ، وحضهم عليه ، فأجاب الزبير ثلاث مرات ، وعند ذلك قال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لكل نبي حواري ، وحواري الزبير " . أي : خاصتي ، والمفضل عندي ، وناصري ، وقد تقدم إيعاب القول فيه في الإيمان . والأطم : بضم الهمزة ، والطاء المهملة : هو االحِصن ، ويجمع : آطام ، بمد الهمزة ، وبكسرها . مثل : آكام وإكام .
( 26 ) باب عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى . ( 2361 ) ( 139 ) [ 2271 ] عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ فَقَالَ : مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَتَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا ، قَالَ : فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ( 26 ) ومن باب : عصمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى معنى هذه الترجمة معلوم من حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطعًا بدليل المعجزة ، وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال للناس : أنا رسول الله إليكم ، أبلغكم ما أرسلني به إليكم من الأحكام والأخبار عن الدار الآخرة وغيرها ، وأنا صادق في كل ما أخبركم به عنه ، ويشهد لي على ذلك ما أيَّدني به من المعجزات . ثم وقعت المعجزات مقرونة بتحدِّيه ، علمنا على القطع والبتات استحالة الخطأ والغلط عليه فيما بلغه عن الله ، إما لأن المعجزة تنزلت منزلة قول الله تعالى لنا : صدق ، أو لأنها تدل على أن الله تعالى أراد تصديقه فيما قاله عنه ، دلالة على قرائن الأحوال ، وعلى الوجهين فيحصل العلم الضروري بصدقه ، بحيث لا يجوز عليه شيء من الخطأ في كل ما يبلغه عن الله تعالى بقوله ، وأما أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدِّين فهو فيها واحد من البشر ، كما قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، وكما قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم ، وأنا أعلم بدينكم . وقد تقدم القول في الإبار . ويلقِّحون مضارع ألقحَ الفحلُ الناقة ، والريحُ السحابَ ، و : رياحٌ لواقحُ ، ولا يقال : ملاقح ، وهو من النوادر ، وقد قيل : الأصل فيه : ملقحة ، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح ، ويقال : لقحت الناقة - بالكسر - لقحًا ولَقَاحًا بالفتح ، فهي لاقح ، واللقاحُ أيضًا - بالفتح - ما تُلْقَحُ به النخل . و ( قوله : ما أظن ذلك يغني شيئًا ) يعني به الإبار ، إنما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا ، لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة ، فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة ، ولا الفلاحة ، ولا باشر شيئًا من ذلك ، فخفيت عليه تلك الحالة ، وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي : أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل ، ولا خالق ، ولا مؤثر إلا الله تعالى ، فإذا نسب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية عرضيَّة لا حقيقيَّة ، فصدق قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما أظن ذلك يغني شيئًا ؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى ، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة ، فجعلها مقارنة لها ، ومغطاة بها ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب ، وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل ، والرَّيب : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ و ( قوله : إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن ) وقوله في الأخرى : إنما أنا بشر ، هذا كله منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ اعتذار لمن ضعف عقله مخافة أن يزيله الشيطان فيكذب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكفر ، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر ، غاية ما جرى : مصلحة دنيوية ، خاصَّة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها ، ولا كان من أهلها المباشرين لعملها ، وأوضح ما في هذه الألفاظ المعتذر بها في هذه القصة قوله : أنتم أعلم بأمر دنياكم ، وكأنه قال : وأنا أعلم بأمر دينكم . و ( قوله : إذا حدثتكم عن الله فخذوا به ) أمر جزم بوجوب الأخذ عنه في كل أحواله : من الغضب والرضا ، والمرض والصحة . و ( قوله : فلن أكذب على الله ) أي : لا يقع منه فيما يبلغه عن الله كذب ، ولا غلط ، لا سهوًا ولا عمدًا ، وقد قلنا : إن صدقه في ذلك هو مدلول المعجزة ، وأما الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبر من الأخبار ، ولا جرب عليه شيء من ذلك منذ أنشأه الله تعالى ، وإلى أن توفاه الله تعالى ، وقد كان في صغره معروفًا بالصدق والأمانة ، ومجانبة أهل الكذب ، والخيانة ، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين ، يشهد له بذلك كل من عرفه وإن كان من أعدائه ، وقد خالفه .
( 2362 ) ( 140 ) [ 2272 ] وعن رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُ : يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ : مَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا : كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ : لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا! قال : فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ - أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ : فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْييٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ . ( 2363 ) ( 141 ) [ 2273 ] وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ : فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا : قُلْتَ : كَذَا وَكَذَا، قَالَ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ . و ( قوله : " إذا أمرتكم بشيء من رأيي " ) يعني به في مصالح الدنيا كما دل عليه بساط هذه القصة ، ونصُّه على ذلك ، ولم يتناول هذا اللفظ ما يحكم فيه باجتهاده إذا تنزلنا على ذلك ، لأنَّ ذلك أمر ديني تجب عصمته فيه ، كما إذا بلغه نصًّا ، إذ كل ذلك تبليغ شرعه ، وبيان حكم دينه ، وإن اختلفت مآخذ الأحكام ، كما قد أوضحناه في الأصول . و ( قوله : " فإنما أنا بشر " ) أي : واحد منهم في البشرية ، ومساوٍ لهم فيما ليس من الأمور الدينية ، وهذه إشارة إلى قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ فقد ساوى البشر في البشرية ، وامتاز عنهم بالخصوصية الإلهية التي هي : تبليغ الأمور الدينية . و ( قوله : " فنفضت أو نقصت " ) ظاهره أنه شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال : ويحتمل أن يكون " أو " بمعنى الواو ، أي : نفضت ثمرها ونقصت في حملها ، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى : " فخرج شيصًا " وهو البلح الذي لا ينعقد نواه ، ولا يكون فيه حلاوة إذا أبسر ، ويسقط أكثره فيصير حشفًا .
( 2412 ) [ 2319 ] وعن سعد قال : كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ : فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ، فَسَقَطَ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ . و ( قوله : " كان رجل من المشركين قد أحرق في المسلمين " ) أي : أصاب منهم كثيرًا ، وآلمهم ، حتى كأنه فعل فيهم ما تفعله النار من الإحراق . و ( قوله : " فنزعت له بسهم ليس فيه نصل " ) أي : رميتُه بسهم لا حديدة فيه ، وقد تقدَّم : أن أصلَ النَّزع : الجذب والجبذ ، وكان ضحك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإصابة العدو سرورًا ، لا بانكشاف العورة ، فإنه المنزَّهُ عن ذلك . و ( قوله : " فأصبتُ جنبه " ) بالجيم والنون ، كذا لأكثر الرواة ، وكذا رؤيته ، وقيَّده القاضي الشهيد حبَّته - بالحاء المهملة والموحدة يعني به : حبة قلبه ، وفيه بُعد .
( 39 ) باب فضائل سعد بن أبي وقاص ( 2410 ) ( 39 و 40 ) [ 2318 ] عن عَائِشَةَ قَالَتْ : سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً فَقَالَ : لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ قَالَتْ : فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ فَقَالَ : مَنْ هَذَا؟ قَالَ : سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ : وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَامَ. ( 39 ) ومن باب : فضائل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - واسمه : مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة ، يكنى : أبا إسحاق ، أسلم قديمًا ، وهو ابن سبع عشرة سنة ، وقال : مكثت ثلاثة أيام ، وأنا ثلث الإسلام . وقال : أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله . شهد المشاهد كلها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وولي الولايات العظيمة من قبل عمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ . وهو أحد أصحاب الشورى ، وأحد المشهود لهم بالجنة . توفي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ، وصلَّى عليه مروان بن الحكم ، ومروان إذ ذاك والي المدينة ، ثم صلى عليه أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودخل بجنازته في المسجد ، فصلين عليه في حجرهن ، وكفن في جبة صوف ، لقي المشركين فيها يوم بدر ، فوصى أن يكفن فيها ، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين ، ويقال سنة خمسين ، وهو ابن بضع وسبعين سنة ، ويقال : ابن اثنين وثمانين ، وروي عنه من الحديث مائتان وسبعون ، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وثلاثون . و ( قوله : أرق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقدمه المدينة ليلة ) أي : سهر عند أول قدومه على المدينة في ليلة من الليالي ، فقال : ليت رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة . قيل : كان هذا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أول الأمر ، قبل أن ينزل عليه : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ قلت : ويحتمل أن يقال : إن قوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ليس فيه ما يناقض احتراسه من الناس ، ولا ما يمنعه ، كما أن إخبار الله تعالى عن نصره ، وإظهاره لدينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال ، وإعداد العَدَد والعُدَد ، والأخذ بالجد والحزم ، والحذر ، وسر ذلك : أن هذه أخبار عن عاقب الحال ، ومآله ، لكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد ، أو غير سبب ؟ لم يتعرض ذلك الأخبار له ، فليبحث عنه في موضع آخر ، ولما بحثت عن ذلك وجدت الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن ، وأخذ الحذر ، ومدافعتهم بالقتل والقتال ، وإعداد الأسلحة والآلات ، وقد عمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك ، وأخذ به ، فلا تعارض في ذلك ، والله الموفق لفهم ما هنالك . وخشخشة السَّلاح وقعقعته : صوت ضرب بعضه في بعض . و ( قول سعد : وقع في نفسي خوف على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجئت أحرسه ) دليل على مكانة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكرامته على الله ، فإنَّه قضى أمنيته ، وحقق في الحين طِلْبَته . وفيه دليل على أن سعدًا ـ رضي الله عنه ـ من عباد الله الصالحين المحدَّثين الملهمين ، وتخصيصه بهذه الحالة كلها ، وبدعاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ له من أعظم الفضائل ، وأشرف المناقب ، وكذلك جَمعُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ له أبويه ، وفداؤه بهما خاصَّةٌ مِن خصائصه ، إذ لم يُروَ ولا سُمع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدى أحدًا من الناس بأبويه جميعًا غير سعد هذا ، وغير ما يأتي في حديث ابن الزبير ، وقد تقدَّم أن النَّواجذَ آخر الأضراس ، وأنها تقال على الضواحك ، وأنها المعنيَّة في هذا الحديث ، فإنها هي التي يمكنُ أن ينظر إليها غالبًا في حال الضحك ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ جُلّ ضحكه التبسُّم ، فإذا استغرب ، فغايةُ ما يظهر منه ضواحكه مع ندور ذلك منه وقِلَّته .
( 2413 ) ( 46 ) [ 2321 ] وعنه قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ : وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و ( قول المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم - : " اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا " ) كان هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم ، وقيل : كان منهم : عُيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كصهيب ، وسلمان ، وعمار ، وبلال ، وسالم ، ومِهجَع ، وسعد هذا ، وابن مسعود ، وغيرهم ممن كان على مثل حالهم استصغارًا لهم ، وكِبرًا عليهم ، واستقذارًا لهم ، فإنهم قالوا : يُؤذوننا بريحهم ، وفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبى ، فقالوا له : اجعل لنا يومًا ولهم يومًا ، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك ، فهمَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك ، ودعا عليًّا ليكتب ، فقام الفقراء وجلسوا ناحية ، فأنزل الله تعالى الآية . قلتُ : ولهذا أشار سعد بقوله : فوقع في نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما شاء الله أن يقع . وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما مال إلى ذلك طمعًا في إسلامهم ، وإسلام قومهم ، ورأى أن ذلك لا يفوتُ أصحابه شيئًا ، ولا ينقصُ لهم قدرًا ، فمال إليه ، فأنزل الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فنهاه عما همَّ به من الطرد ، لا أنه أوقع الطرد ، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم ، وأمره أن يصبر نفسه معهم بقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رآهم بعد ذلك يقول : " مرحبًا بقوم عاتبني الله فيهم " ، وإذا جالسهم لم يقم عنهم حتى يكونوا هم الذين يبدؤون حوله بالقيام . و ( قوله : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، قيل معناه : يدعون ربهم بالغداة بطلب التوفيق والتيسير ، وبالعشي : قيل معناه : بطلب العفو عن التقصير ، وقيل معناه : يذكرون الله بعد صلاة الصبح ، وصلاة العصر . وقيل : يصلون الصبح والعصر ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يصلون الصلوات الخمس ، وقال يحيى بن أبي كثير : هي مجالس الفقه بالغداة والعشي ، وقيل يعني به : دوام أعمالهم وعباداتهم ، وإنَّما خصَّ طرفي النهار بالذكر ؛ لأنَّ من عمل في وقت الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل . و ( قوله : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي : يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى . ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره ، ويصح أن يقال : يقصدون بأعمالهم رؤية وجهه الكريم ، أي : وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين . و ( قوله : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي : من جزائهم ، ولا كفاية رزقهم ، أي : جزاؤهم ورزقهم ، وجزاؤك ورزقك على الله تعالى ، لا على غيره ، فكأنه يقول : وإذا كان الأمر كذلك : فأقبل عليهم وجالسهم ، ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل . فإن فعلت كنت ظالِمًا ، وحاشاه من وقوع ذلك منه ، وإنَّما هذا بيان للأحكام ، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام . وهذا نحو قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وقد علم الله منه : أنه لا يشرك ، ولا يحبط عمله . و ( قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ نصب بالفاء في جواب النفي ، وقد تقدم : أن أصله وضع الشيء في غير موضعه ، ويحصل من فوائد الآية والحديث : النهي عن أن يُعظم أحدٌ لجاهه ، وأثوابه ، وعن أن يحتقر أحد لخموله ، ورثاثة أثوابه .
( ) [ 2320 ] وعنه : أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ : حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ ألَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ قَالَتْ : زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ : مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنْ الْجَهْدِ - وفي رواية قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصى ثم أوجروها - فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي وَفِيهَا : فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا قَالَ : وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ : رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : أَعْطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ : رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قَالَ : وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَانِي فَقُلْتُ : دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ ، قَالَ : فَأَبَى ، قُلْتُ : فَالنِّصْفَ ! قَالَ : فَأَبَى ، قُلْتُ : فَالثُّلُثَ قَالَ : فَسَكَتَ فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا. قَالَ : وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا : تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ - قَالَ : فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ - وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ - فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ ، قَالَ : فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ ، قَالَ : فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرونَ عِنْدَهُمْ ، فَقُلْتُ : الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ : فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيْ الرَّأْسِ ، فَضَرَبَنِي فَجَرَحَ بِأَنْفِي - وفي رواية : ففزره ، وكان أنف سعد مفزورا - فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ - يَعْنِي نَفْسَهُ - شَأْنَ الْخَمْرِ : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ و ( قوله : " فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ، ثم أوجروها " ) - بالشين والجيم أي : فتحوا فمها ، وأدخلوا فيه العصا ، لئلا تغلقه حتى يوجروها الغذاء . والوَجُور : - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم ، واللَّدود - بفتح اللام - : ما يُصَبُّ من جانب الفم . ويقال : وجرته ، وأوجرته - ثلاثيًّا ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم : شحُّوا فاها - بحاء مهملة ، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول ، أي : وسَّعوه بالفتح ، والشحو : التوسع في المشي ، والدابة الشحواء : الواسعة الخطو . ويقال : شحا فاه ، وشحا فوه - معدًى ولازمًا أي : فتحه ، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين ، والإحسان إليهما وإن كانا كافرين ، وحريصين على حمل الولد على الكفر . ويدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء ، وتأكُد حقوقهم . و ( قوله تعالى : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا أي : إن حاولاك على الشرك والكفر ، فلا تطعهما ، وإن بالغا في ذلك ، وأتعبا أنفسهما فيه ، فإن الشرك بالله تعالى باطل ليس له حقيقة فتعلم ، كما قال تعالى : أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ والقَبَضُ - بفتح الباء - : اسم لما يُقبض ، وكذلك هو هنا ، والقَبْض بسكونها : مصدر قبضت . وقد تقدم في الجهاد الكلامُ على قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ وفي الوصايا على وصية سعدِ ، وما يتعلق بها . والْحُشُ : بستان النخل ، ويقال : بضم الحاء وفتحها ، ويُجمع على حشَّان ، وقد يُكنى بالحش عن موضع الخلاء ، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين . وحائش النخل : جماعة النخل . و ( قوله : " ففزره ، وكان أنفُه مفزورًا هو بتقديم الزاي مخفَّفةً ، أي : شقَّه ، والمفزور : المشقوق ، ولَحيُ الجمل- بفتح اللام- : هو أحَدُ فكي فمه ، وهما : لحيان ، أعلى وأسفل ، والذي يمكن أن يؤخذ ويضرب به : هو الأسفل ، وقد تقدم القولُ في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ الآية في الأشربة .
( 2404 ) ( 32 ) [ 2315] وعنه قال : أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ : أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ - وخَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ : لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ : فَتَطَاوَلْنَا لَهَا فَقَالَ : ادْعُوا لِي عَلِيًّا، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِيهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ! هَؤُلَاءِ أَهْلِي . و ( قول معاوية لسعد بن أبي وقاص : " ما منعك أن تسبَّ أبا تراب " ) يدل : على أن مقدم بني أميَّة كانوا يسبُّون عليًّا وينتقصونه ، وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان ، وأنه أسلمه لمن قتله ، بناء منهم على أنه كان بالمدينة ، وأنه كان متمكنًا من نصرته . وكل ذلك ظن كذب ، وتأويل باطل غطَّى التعصُّب منه وجه الصَّواب . وقد قدمنا : أن عليًّا ـ رضي الله عنه ـ أقسم بالله : أنه ما قتله ، ولا مالأ على قتله ، ولا رضيه . ولم يقل أحدٌ من النقلة قط ، ولا سمع من أحد : أن عليًّا كان مع القتلة ، ولا أنه دخل معهم الدَّار عليه . وأما ترك نصرته ، فعثمان ـ رضي الله عنه ـ أسلم نفسه ، ومنع من نصرته ، كما ذكرناه في بابه . ومِمَّا تشبَّثوا به : أنهم نسبوا عليًّا إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان ، وإلى أنه منعهم منهم ، وأنَّه قام دونهم . وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة ، ترتب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء . و ( قوله : " في بعض مغازيه " ) قد قلنا : إنها كانت غزوة تبوك خلَّفه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أهله ، واستخلفه على المدينة ، فيما قيل . ولما صعب على علي ـ رضي الله عنه ـ تخلَّفه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشق عليه ، سكَّنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآنسه بقوله : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ " وذلك : أن موسى ـ عليه السلام ـ لما عزم على الذهاب لما وعده الله به من المناجاة قال لهارون : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وقد استدل بهذا الحديث الرَّوافض ، والإمامية ، وسائر فرق الشيعة : على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استخلف عليًّا ـ رضي الله عنه ـ على جميع الأمة . فأمَّا الرَّوافض فقد كفَّروا الصَّحابة كلهم ، لأنَّهم عندهم تركوا العمل بالحق الذي هو النَّصُّ على استخلاف علي ـ رضي الله عنه ـ واستخلفوا غيره بالاجتهاد . ومنهم من كفَّر عليًّا ـ رضي الله عنه ـ لأنه لم يطلب حقَّه . وهؤلاء لا يشك في كفرهم ، لأنَّ من كفر الأمَّة كلها والصَّدر الأول ، فقد أبطل نقل الشريعة ، وهدم الإسلام . وأما غيرهم من الفرق فلم يرتكب أحدٌ منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء ، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدَّم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير ، وعلى الجملة فلا حجَّة لأحدٍ منهم في هذا الحديث ، فإنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما استنابه في أمر خاص وفي وقت خاص ، كما استناب موسى هارون - عليهما السلام - في وقت خاص ، فلما رجع موسى ـ عليه السلام ـ من مناجاته ، عاد هارون إلى أول حالاته ، على أنه قد كان هارون شُرك مع موسى في أصل الرسالة ، فلا تكون لهم فيما راموه دلالة . وغاية هذا الحديث أن يدلّ على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما استخلف عليًّا ـ رضي الله عنه ـ على المدينة فقط ، فلما رجع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تبوك قعد مقعده ، وعاد علي ـ رضي الله عنه ـ إلى ما كان عليه قبل . وهذا كما استخلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المدينة ابن أم مكتوم وغيره ، ولا يلزم من ذلك استخلافه دائمًا بالاتفاق . و ( قوله : " غير أنه لا نبي بعدي " ) إنما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحذيرًا مما وقعت فيه طائفة من غلاة الرَّافضة ، فإنَّهم قالوا : إن عليًّا نبي يوحى إليه . وقد تناهى بعضهم في الغلو إلى أن صار في علي إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح ، فقالوا : إنه الإله . وقد حرَّق علي ـ رضي الله عنه ـ من قال ذلك ، فافتتن بذلك جماعة منهم ، وزادهم ضلالاً ، وقالوا : الآن تحققنا : أنه الله ، لأنَّه لا يعذب بالنار إلا الله . وهذه كلها أقوال عوام ، جهَّال ، سخفاء العقول ، لا يُبالي أحدهم بما يقول ، فلا ينفع معهم البرهان ، لكن السَّيف والسَّنان .
( 38 ) باب فضائل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ( 2404 ) ( 30 ) [ 2314 ] عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . ( 38 ) ومن باب فضائل علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، ابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويكنى : أبا الحسن ، واسم أبي طالب : عبد مناف ، وقيل : اسمه كنيته ، واسم هاشم عمرو ، وسُمِّي هاشِمًا ، لأنَّه أوَّل من هشم الثريد ، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وهي أوَّل هاشمية ولدت لهاشمي ، توفيت مسلمة قبل الهجرة ، وقيل : إنها هاجرت ، وكان علي أصغر ولد أبي طالب ، كان أصغر من جعفر بعشر سنين ، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين . وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين . وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أول من أسلم - يعنون من الرجال - وإلا فقد اتفق الجمهور على أن أول من أسلم وأطاع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خديجة بنت خويلد ، وقد تقدَّم من قال : إن أول من أسلم أبو بكر ـ رضي الله عنهم ـ . وقد روى أبو عمر بن عبد البر عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أولكم واردًا على الحوض أولكم إسلامًا : علي بن أبي طالب " . قيل : أسلم وهو ابن سبع سنين ، وقيل : ابن ثمان . وقيل : ابن عشر . وقيل : ابن ثلاث عشرة . وقيل : ابن خمس عشرة . وقيل : ابن ثمان عشرة . وروى سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين العرني قال : سمعت عليًّا ـ رضي الله عنه ـ يقول : أنا أوَّل مَن صلَّى مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولقد عبدت الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة خمس سنين . وروي عن علي ـ رضي الله عنه ـ ، أنه قال : مكثت مع رسول الله كذا وكذا ، لا يصلِّي معه أحد غيري إلا خديجة . وأجمعوا : على أنه ـ رضي الله عنه ـ صلَّى إلى القبلتين ، وأنه شهد بدرًا وأحدًا ، ومشاهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلها ، إلا غزوة تبوك ، فإنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره أن يتخلَّف في أهله ، وقال له : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ " . وزوَّجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيدة نساء أهل الجنة ، فاطمة ، وآخى بينه وبينه ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق " . وقال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنه يحبُه الله ورسوله ، وإنَّه يحبُّ الله ورسوله " . وكان ـ رضي الله عنه ـ قد خُصَّ من العلم ، والشجاعة ، والحلم ، والزهد ، والورع ، ومكارم الأخلاق ما لا يسعه كتاب ، ولا يحويه حصر حساب . بويع له بالخلافة يوم مقتل عثمان ، واجتمع على بيعته أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار ، إلا نفرًا منهم ، فلم يكرههم ، وسئل عنهم فقال : أولئك قوم خذلوا الحق ، ولم يعضدوا الباطل . وتخلف عن بيعته معاوية ومن معه من أهل الشام ، وجرت عند ذلك خطوب لا يمكن حصرها ، والتحمت حروب لم يسمع في المسلمين بمثلها ، ولم تزل ألويته منصورة عالية على الفئة الباغية إلى أن جرت قضيه التحكيم ، وخدع فيها ذو القلب السليم ، وحينئذ خرجت الخوارج ، فكفَّروه وكلَّ من معه ، وقالوا : حكَّمت الرجال في دين الله ، والله تعالى يقول : إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ثم اجتمعوا وشقُّوا عصا المسلمين ، ونصبوا راية الخلاف ، وسفكوا الدماء ، وقطعوا السبيل ، فخرج إليهم علي بمن معه ، ورام رجوعهم فأبوا إلا القتال ، فقاتلهم بالنهروان ، فقتلهم واستأصل جميعهم ، ولم ينج منهم إلا اليسير ، وقد تقدَّم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " ثم انتدب إليه رجل من بقايا الخوارج يقال له : عبد الرحمن بن ملجم . قال الزبير : كان من حِمير فأصاب دماء فيهم ، فلجأ إلى مراد ، فنسب إليهم ، فدخل ( على علي ) في مسجده بالكوفة . فقتله ليلة الجمعة ، [ وقيل : في صلاة صبحها ] ، وقيل : لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان . [ وقيل : لثلاث عشرة . وقيل : لثمان عشرة . وقيل : في أول ليلة من العشر الآخر من رمضان ] سنة أربعين . واختلف في موضع قبره اختلافًا كثيرًا يدلّ على عدم العلم به ، وأنه مجهول . وكذلك اختلف في سِنِّه يوم قتل . فقيل : ابن سبع وخمسين إلى خمس وستين سنة . وكانت مدة خلافته أربع سنين وستة أشهر ، وستة أيام . وقيل : ثلاثة . وقيل : أربعة عشر يومًا . فأُخِذ عبد الرحمن بن ملجم ، فقُتِل أشقى هذه الأمة . وكان علي ـ رضي الله عنه ـ إذا رآه يقول : أريدُ حَيَاتَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرادِ وكان يقول : ما يمنع أشقاها ، أو : ما ينتظر أشقاها أن يخضبَ هذه من هذا ، والله ليخضبنَّ هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ورأسه - خضاب دمٍ ، لا خضاب حناء ولا عبير . وقد روى النسائي وغيره من حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنه قال لعلي ـ رضي الله عنه ـ : " أشقى الناس الذي عقر الناقة ، والذي يضربك على هذا- ووضع يده على رأسه - حتى يخضب هذه " يعني : لحيته . وتأخر موته ـ رضي الله عنه ـ ولا رضي عن قاتله - عن ضربه نحو الثلاثة الأيام . جملة ما حفظ له عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثًا ، مثل أحاديث عمر - رضي الله عنهما - أخرج له منها في الصحيحين أربعة وأربعون حديثًا .
( 2406 ) [ 2316 ] وعن سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ : لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ : فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ : أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا : هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ : فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا ؟ ! قَالَ : انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ . ( 2409 ) [ 2317] وعنه قَالَ : اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ : فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا ، قَالَ : فَأَبَى سَهْلٌ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ : لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهْلٌ : مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ : أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ : جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ : أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ فَقَالَتْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِنْسَانٍ : انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ فَجَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ : قُمْ أَبَا التُّرَابِ! قُمْ أَبَا التُّرَابِ! و ( قوله : " لأعطين الرَّاية رجلاً يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله " ) الكلام إلى آخره فيه دليلان على صحة نبوة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي : إخباره عن فتح خيبر ، ووقوعه على نحو ما أخبر . وبرء رمد عين علي ـ رضي الله عنه ـ على فور دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وفي غير كتاب مسلم : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسح على عيني علي ـ رضي الله عنه ـ ورقاه . وفيه من الفقه : جواز بالحق إذا لم تخش على الممدوح فتنة . وقد تقدَّم القول في محبة الله . وفيه ما يدل : على أن الأولى بدفع الراية إليه من اجتمع له الرئاسة ، والشجاعة ، وكمال العقل . و ( قوله : " فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها " ) أي : يتفاوضون بحيث اختلطت أقوالهم فيمن يعطاها . يقال : بات القوم يدوكون دوكًا ، أي : في اختلاط ودوران ، ووقعوا في دوكة - بفتح الدَّال وضمها - وإنما فعلوا ذلك حرصًا على نيل هذه الرتبة الشريفة ، والمنزلة الرَّفيعة ، التي لا شيء أشرف منها . و ( قول علي ـ رضي الله عنه ـ : " أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ " معناه : حتى يدخلوا في ديننا فيصيروا مثلنا فيه . و ( قوله : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم " ) أي : امض لوجهك مُترفقًا متثبِّتًا . وقد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيه : " امش ولا تلتفت " وقد تقدَّم القول في " رَسْلك " . والسَّاحة : الناحية . و ( قوله : " ثمَّ ادعهم إلى الإسلام ، وأعلمهم بما يجب عليهم من حق الله فيه " ) هذه الدَّعوة قبل القتال ، التي تقدَّم القول فيها في الجهاد ، وقد فسَّرها في الرواية الأخرى في " الأم " قال : " فصرخ علي : يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمَّدًا رسول الله ، فإذا فعلوا فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله " فهذا هو حق الله المذكور في الرواية المتقدِّمة . و ( قوله : " فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النَّعم " ) حض عظيم على تعليم العلم وبثه في الناس ، وعلى الوعظ والتذكير بالدار الآخرة والخير ، وهذا كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الآخر : " إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير " . والهداية : الدَّلالة والإرشاد . والنَّعم : هي الإبل ، وحمرها هي خيارها حسنًا وقوة ونفاسة ، لأنَّها أفضل عند العرب ، ويعني به - والله أعلم - أن ثواب تعليم رجل واحد ، وإرشاده للخير أعظم من ثواب هذه الإبل النفيسة لو كانت لك فتصدقت بها ، لأنَّ ثواب تلك الصدقة ينقطع بموتها ، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة " فذكر منها : " علم ينتفع به " . وفي نوم علي ـ رضي الله عنه ـ في المسجد ، وإقرار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له على ذلك : دليل على جواز ذلك للمتأهل الذي له منزل ، وبه قال بعضُ أهل العلم ، وكرهه مالك من غير ضرورة ، وأجازه للغرباء ، لأنَّهم في حاجة وضرورة ، وقد تقدَّم ذلك في كتاب الصلاة . ومسح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جَنب علي من التراب ، وهو يقول : " قم أبا التراب ، قم أبا التراب " دليل على محبته له ، وشفقته عليه ، ولطفه به ، ولذلك كان ذلك الاسم أحب إلى علي ـ رضي الله عنه ـ من كل ما يدعى به ، فيا عجبًا من بني أمية كيف صيَّروا الفضائل رذائل ، والمناقب معايب ، لكن غلبة الأهواء تعوِّض الظلمة من الضياء ، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى ضرار الصُّدائي : وقال له معاوية : صف لي عليًّا ، فقال : اعفني يا أمير المؤمنين ! قال : صفه . قال : أما إذ ولا بد من وصفه ، فكان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجَّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس من الليل ووحشته ، وكان غزير الدَّمعة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويفتينا إذا استفتيناه ، ونحن - والله - مع تقريبه إيانا ، وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له ، يُعظم أهل الدِّين ، ويُقرب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابضًا على لحيته يتملل تملل السَّليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غُرِّي غيري ، ألي تعرضت ؟ أم إلي تشوَّفت ، هيهات هيهات ! قد بتتك ثلاثًا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك قليل ، آه قلة الزاد ، وبُعد السفر ، ووحشة الطريق ، فبكى معاوية ، وقال : رحم الله أبا حسن ! كان والله كذلك ، كيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح واحدها في حجرها . قلت : وهذا الحديث : يدل على معرفة معاوية بفضل علي ـ رضي الله عنه ـ ومنزلته ، وعظيم حقه ، ومكانته ، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه ، لما كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدين ، والحلم ، وكرم الأخلاق ، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح . وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص : ما يمنعك أن تسب أبا التراب ؟ وهذا ليس بتصريح بالسب ، وإنَّما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك ، أو من نقيضه ، كما قد ظهر من جوابه ، ولما سمع ذلك معاوية سكت ، وأذعن ، وعرف الحق لمستحقه ، ولو سلمنا : أن ذلك من معاوية حمل على السَّب ، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد ، في إسلام عثمان لقاتليه ، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين ، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل ، وأما التصريح باللعن ، وركيك القول ، كما قد اقتحمه جهَّال بني أمية وسفلتهم ، فحاش معاوية منه ، ومن كان على مثل حاله من الصحبة ، والدين ، والفضل ، والحلم ، والعلم ، والله تعالى أعلم .
( 2364 ) ( 142 ) [ 2276 ] وعن أبي هريرة قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ لَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ . و ( قوله : " والذي نفس محمد بيده ! ليأتين على أحدكم يوم لا يراني ، ثم لأن يراني أحبَّ إليه من أهله وماله معهم " ) كذا صحيح الرواية ، ومعنى هذا الحديث : إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه إذا فُقِد تغيَّرت الحال على أصحابه من عدم مشاهدته ، وفقد عظيم فوائدها ، ولِما طرأ عليهم من الخلاف والمحن ، والفتن . وعلى الجملة : فساعةَ موته اختلفت الآراء ، ونجمت الأهواء ، وكاد النظام ينحل لولا أن الله تبارك وتعالى تداركه بثاني اثنين ، وأهل العقد والحل ، وقد عبَّر الصحابة عند مبدأ ذلك التغيُّر لنا بقولهم : " ما سوينا التراب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أنكرنا قلوبنا ، فكلما حصل واحدٌ منهم في كربة من تلك الكرب ، ودَّ أنه رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكل ما معه من مال وأهل ونشب ، وذلك لتذكره ما فات من بركات مشاهدته ، ولما حصل بعده من فساد الأمر ، وتغيُّر حالته . والله أعلم .
( 2334 و 2335 ) [ 2275] وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوحي كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ ونَكَسَ رَأْسَهُ، وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُؤوسَهُمْ، فَلَمَّا أُتْلِيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ . و ( قوله : " كان إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك " ) وجدناه بتقييد من يوثق بتقييده مبنيًا لما لم يسم فاعله ، أي : أصيب بالكرب ، وهو الألم والغم . و " تربَّد وجهه " : علته رُبدة وهي : لون بين السواد والغبرة ، ومنه قيل للنعام : رُبدٌ ، وجمع ربداء ، كحمراء وحُمْر . وتنكيس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأسه لثقل ما يلقى عليه ، ولشدة ما يجده من الكرب . وتنكيس أصحابه رؤوسهم عند ذلك استعظام لذلك الأمر ، وهيبة له . و ( قوله : " فلما أُتْلِي عنه رفع رأسه " ) اختلف الرواة في هذا الحرف . قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : قيَّده شيخنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الجياني بضم الهمزة ، وتاء باثنتين من فوقها ساكنة ، ولام مكسورة ، مثل : أُعْطِي ، وعند الفارسي مثله ، إلا أنه بثاء مثلثة ، وعند العذري من طريق شيخه الأسدي : بكسر الثاء المثلثة : أُثِلَ مثل : ضرب . وكان عند شيخنا الحافظ أبي علي : " أُجْلِي " بالجيم مثل : أُعْطِي ، وعند ابن ماهان : " انجلى " بالنون ، وكذا رواه البخاري ، وهاتان الروايتان لهما وجه ، أي : انكشف عنه وذهب ، وفُرِّج عنه . يقال : انجلى عنه الغم ، وأجليته ، أي : فرجته فتفرج ، وأجلوا عن قتيل ، أي : برحوا عنه وتركوه ، ورواه البخاري في كتاب الاعتصام : فلما صعد الوحي . وهو صحيح ، وفي البخاري في سورة سبحان : فلما نزل الوحي . وكذا في مسلم في حديث سؤال اليهودي ، وهذا وهم بين ، ورواه ابن أبي خيثمة : فلما أعلى عنه ، أي : نَحَّي عنه . كما قال أبو جهل : اعلُ عني ، أي : تنحَّ . نقلته من كتاب " مشارق الأنوار " للقاضي .
باب كيف كان يأتيه الوحي؟ ( 2333 ) ( 87 ) [ 2274 ] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ : أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُهُ، وَأَحْيَانًا مَلَكٌ فِي صُورَةِ رجُل فَأَعِي مَا يَقُولُ . ( 27 ) ومن باب كيف كان يأتيه الوحي قد تقدَّم الكلام على الوحي لغة . و ( قوله : كيف يأتيك الوحي ؟ سؤال عن كيفية تلقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوحي عن الملَك ، والمراد بالوحي هنا : ما يُلقى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من القرآن والأحكام ، فأجاب ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن ذلك يأتيه على حالتين : إحداهما : أن يسمع صوتًا شديدًا متتابعًا يشبه صلصلة الجرس ، وهو الناقوس ، أو شبهه ، وهو الذي تعلقه العرب في أعناق الإبل لصوته ، وقال بعض العلماء : وعلى هذا النحو تتلقى الملائكة الوحي عن الله تعالى ، كما جاء في الحديث الصحيح : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة الأرض بأجنحتها خَضعانًا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان . قلت : والذي عندي في هذا الحديث : أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة ، فيعني : أنها متتابعة متلاحقة ، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت ، فإنَّ كلامه تعالى ليس بحرف ، ولا صوت ، كما هو مبرهن عليه في موضعه ، فإنَّ أراد هذا القائل : أن كلام الله تعالى القائم به صوت يُسمع بحاسة الأذن ، فهو غلط فاحش ، وما هذا اعتقاد أهل الحق ، وإن أراد : أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن الله بصوتٍ فصحيحٌ ، كما تقرر ذلك في حق جبريل ، فيما كان يبلغه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . و ( قوله : وهو أشدُّه عليَّ ) إنما كان أشد عليه لسماعه صوت الملك الذي هو غير معتاد ، وربما كان شاهد الملك على صورته التي خلق عليها ، كما أخبر بذلك عن نفسه في غير هذا الموضع ، وكان يشتد عليه أيضًا ، لأنَّه كان يريد أن يحفظه ويفهمه مع كونه صوتًا متتابعًا مزعجًا ، ولذلك كان يتغيَّر لونه ، ويتفصَّد عرقا ، ويعتريه مثل حال المحموم ، ولولا أن الله تعالى قوَّاه على ذلك ، ومكنه منه بقدرته لما استطاع شيئًا من ذلك ، ولهلك عند مشافهة الملك ، إذ ليس في قوى البشر المعتادة تحمل ذلك بوجه . والحالة الثانية : وهي أن يتمثل له الملَك في صورة رجل ، فيكلمه بكلامه المعتاد ، فلا يجد إلى ذلك شيئًا من المشقات ، والشدائد ، وهذا كما اتَّفق له معه حيث تمثل له في صورة الأعرابي ، فسأله عن الإيمان ، والإسلام ، والإحسان ، وكما كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة ، وكانت صورته حسنة ، والحاصل من هذا الحديث ، ومن قوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ومن غير ذلك من الكتاب والسنة : أن الله تعالى قد مكَّن الملائكة ، والجن من التشكل في الصور المختلفة ، والتمثيل بها ، مع أن للنوعين في أنفسهما خلقًا خاصة بهما ، خلقهما الله تعالى عليها ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لم أر جبريل على صورته التي خلق عليها غير مرتين . والبحث عن كيفية ذلك التمثيل بحث ليس وراءه تحصيل ، والواجب التصديق بما جاء من ذلك ، ومن أنكر وجود الملائكة والجن وتمثلهم في الصور فقد كفر . و ( قوله : فيفصم عني ، وقد وعيت عنه ) أي : يذهب عني ، ويقلع . يقال منه : فصم ، وأفصم بالفاء ، ومنه قوله تعالى : لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي : لا انقطاع ، والفصم - بالفاء - : انصداع من غير بينونة ، وبالقاف : انصداع مع بينونة . هذا أصلهما ، ثم قد يتوسَّع في كل واحد منهما . و وعيت : فهمت وحفظت . تقول العرب : وعيت العلم- ثلاثيًّا - وأوعيت المتاع في الوعاء - رباعيًّا - وأصلهما : من جعلت الشيء في الوعاء ، غير أن استعمالهم فرق بينهما كما قلناه . وقد اقتصر في هذا الحديث على ذكر طريقي الوحي ، ولم يذكر الرؤيا ، وهي من الوحي كما تقدم ، لأنَّه فهم عن السائل : أنه إنما سأل عن كيفية تلقيه الوحي من الملك ، والله أعلم .
( 2403 ) ( 28 و 29 ) [ 2313 ] وعن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، قَالَ : فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : خَرَجَ وَجَّهَ هَاهُنَا، قَالَ : فَخَرَجْتُ عَلَى إثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ ، حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، قَالَ : فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ - وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ - حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ. قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ : لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ : عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ : ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ : فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ : ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ، قَالَ : فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ : إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلَانٍ - يُرِيدُ أَخَاهُ - خَيْرًا يَأْتِ بِهِ فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ : عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ : هَذَا عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ : أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ. قَالَ : فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ : إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا - يَعْنِي : أَخَاهُ - يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ، فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ : عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ : عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ : وَجِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ قَالَ : فَجِئْتُ فَقُلْتُ : ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ - وفي رواية : فقال : اللهم صبرا والله المستعان - قَالَ : فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُمْ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ. قَالَ شَرِيكٌ : فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ . و ( قوله : " خرج وجَّه هاهنا " ) الرواية المشهورة : وجَّه بفتح الجيم مشدَّدة على أنه فعل ماضٍ ، وضبطه أبو بحر : وجه - بسكون الجيم - على أن يكون ظرفًا ، والعامل فيه خرج ، أي : خرج في هذه الجهة . و ( قوله : " فإذا هو قد جلس على بئر أريس ، وتوسط قُفَّها ، وكشف عن ساقيه ، ودلاَّهما في البئر " ) والقف - بضم القاف - : أصله : الغليظ من الأرض ، قاله ابن دريد وغيره ، وعلى هذا : القف : الذي يتمكن الجماعة أن يجلسوا عليه ، ويدلوا أرجلهم في البئر ، وهو جانبها المرتفع عن الأرض ، وكل ما قيل فيه خلاف هذا فيه بُعد ، ولا يناسب مساق الحديث . و ( قوله : " على رِسلك " ) هو بكسر الراء ، وهو المعروف ، ويقال بفتحها ، أي : اسكن وارفق ، كما يقال : على هينتك . و ( قوله : " فجلس وِجَاهه " ) هو بكسر الواو ، ويقال بضمها ، أي : مقابله وقبالته ، وهذا الحديث نصٌّ في أن أبا بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ في الجنة ، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة يفيد مجموعها القطع بأن الخلفاء الأربعة مقطوع لهم بأنهم من أهل الجنة . و ( قوله : " على بلوى تصيبه " ) هذا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إعلام لعثمان ـ رضي الله عنه ـ بما يصيبه من البلاء والمحنة في حال خلافته ، وقد جاء من الأخبار ما يدلّ على تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره ، فمن ذلك ما خرَّجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " يا عثمان ! لعل الله يقمِّصك قميصًا ، فإنَّ أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم " . وقال : حديثًا حسن غريب . وفيه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتنةً ، فقال : " يقتل فيها مظلومًا " لعثمان ـ رضي الله عنه ـ ، وقال : حديث حسن غريب . وروى أبو عمر بن عبد البر عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ادعوا لي بعض أصحابي " فقلت : أبو بكر ؟ فقال : " لا " ، فقلت : فعمر ؟ فقال : " لا " ، قالت : قلت : ابن عمك عليًّا ؟ فقال : " لا " ، فقلت له : عثمان ؟ فقال : " نعم " ، فلما جاءه ، فقال لي بيده ، فتنحَّيت ، فجعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يساره ، ولون عثمان يتغيَّر ، فلما كان يوم الدار وحصر قيل له : ألا نقاتل عنك ؟ قال : لا ، إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد إلي عهدًا وأنا صابرٌ عليه . فهذه الأحاديث وغيرها مما يطول تتبعه : تدل على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبره بتفصيل ما جرى عليه ، وأنه سلَّم نفسه لما علم من أن ذلك قدر سبق وقضاء وجب ، ولذلك منع كل من أراد القتال دونه ، والدفع عنه - ممن كان معه في الدار ، وفي المدينة - من نصرته . وتفصيل كيفية قتله ، وما جرى لهم معه مذكور في التواريخ . وجملة الأمر أن قومًا من أهل مصر وغيرهم غلب عليهم الجهل ، والهوى ، والتعصب ، فنقموا عليه أمورًا أكثرها كذب ، وسائرها له فيها أوجه من المعاذير ، وليس فيها شيء يوجب خلعه ، ولا قتله ، فتحزَّبوا ، واجتمعوا بالمدينة ، وحاصروه في داره ، فقيل : شهران ، وقيل : تسعة وأربعون يومًا ، وهو في كل ذلك يعظهم ، ويذكرهم بحقوقه ، ويتنصل مما نسبوه إليه ، ويعتذر منه ، ويصرح بالتوبة ، ويحتج عليهم بحجج صحيحة لا مخلص لهم عنها ، ولا جواب عليها ، لكن أعمتهم الأهواء ليغلب القضاء ، فدخلوا عليه وقتلوه مظلومًا كما شهد له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجماعة أهل السنة ، وألقي على مزبلة ، فأقام فيها ثلاثة أيام لم يقدر أحدٌ على دفنه حتى جاء جماعة بالليل خفية ، وحملوه على لوح ، وصلوا عليه ، ودفن في موضع من البقيع يسمى : " حوش كوكب " وكان مما حبَّسه هو ، وزاده في البقيع ، وكان إذا مر فيه يقول : يدفن فيك رجل صالح ، فكان هو المدفون فيه ، وعُمِّي قبره لئلا يعرف ، وقد نسب أهل الشام قتله إلى علي رضي الله عنهما ، وهي نسبة كذب وباطل ، فقد صحَّ عنه : أنه كان في المسجد ، وقت دُخِل عليه في الدار ، ولما بلغه ذلك قال لقتلته : تبًا لكم آخر الدهر ، ثم إنه قد تبرأ من ذلك ، وأقسم عليه ، وقال : من تبرأ من دين عثمان ، فقد تبرأ من الإيمان ، والله ما أعنت على قتله ، ولا أمرت ، ولا رضيت . لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه . وقد كان عثمان منعهم من ذلك . وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق على ما قاله أبو عثمان النهدي . قال ابن إسحاق : على رأس إحدى عشرة سنة ، وأحد عشر شهرًا ، واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من متوفى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وقال الواقدي : قتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة ، يوم التروية سنة خمس وثلاثين ، وقيل : لليلتين بقيتا من ذي الحجة . قال ابن إسحاق : وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين ، بعد دفن عمر بثلاثة أيام ، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة إلا أيامًا اختلف فيها حسب ما بيَّناه . وقد كان انتهى من الفضل ، والعلم ، والعبادة إلى الغاية القصوى ، كان يصوم الدهر ، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر . وروى الترمذي ، عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : كنا نقول ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حي : أبو بكر وعمر وعثمان ، وقال فيه : حديث صحيح حسن ، وقد شهد له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه شهيد ، ومن أهل الجنة ، وقتلته مخطئون قطعًا ، وقد قدموا على ما قدموا عليه . و ( قول عثمان : " اللهم صبرًا ، والله المستعان " ) أي : اللهم صبَّرني صبرًا ، وأعني على ما قدرت علي ، فيه : استسلام لأمر الله تعالى ، ورضا بما قدره الله تعالى . و ( قوله : " فجلس وجاههم من الشق الآخر " ) الشق : الجانب ، يعني : أنه جلس في مقابلة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وعمر . و ( قول سعيد : " فأوَّلت ذلك قبورهم " ) هذا من سعيد من باب الفراسة ، ومن باب ما يقع في قلوب المحدَّثين الذين قدَّمنا ذكرهم لا من باب تأويل الرؤيا ، إذ كان ذلك في اليقظة ، وذلك أنه لما حدَّث بكيفية جلوس الثلاثة في جهة واحدة من القُفِّ ، وعثمان في مقابلتهم وقع في قلبه : أن ذلك كان إشعارًا بكيفية دفنهم ، كما كان . والله تعالى أعلم .
( 37 ) باب فضائل عثمان - رضي الله عنه - ( 2401 و 2402 ) [ 2312 ] عن عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ وفي رواية : وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة - فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ ! فَقَالَ : أَلَا أَسْتَحيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ . وفي رواية : فَقَالَتْ عَائِشَةُ : مَا لِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟! قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ . ( 37 ) ومن باب فضائل عثمان ـ رضي الله عنه ـ وهو عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، يُكنى أبا عمرو ، وأبا عبد الله ، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له ، وأشهر كناه أبو عمرو ، ولقب بذي النُّورين ، لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوَّجه ابنتيه ، رقية ، وأم كلثوم واحدة بعد أخرى ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له ، أسلم قديْمًا قبل دخول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دار الأرقم ، وهاجر إلى أرض الحبشة ، وإلى المدينة ، ولما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بدر خلفه على ابنته رقية يمرضها ، وضرب له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسهمه ، وأجره ، فكان كمن شهدها ، وقيل : كان هو في نفسه مريضًا بالجدري ، وبايع عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده في يده في بيعة الرضوان ، وقال : هذه لعثمان ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد وجهه إلى أهل مكة ليكلمهم في أن يُخلُّوا بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين العمرة ، فأُرجف بأن قريشًا قتلته ، فبايع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه بسبب ذلك . وفي بقاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منكشف الفخذ حتى اطلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أن ليس بعورة ، وقد تقدَّم الكلام فيه ، وفيه دليل على جواز معاشرة كل واحد من الأصحاب بحسب حاله . ألا ترى انبساطه ، واسترساله مع العمرين على الحالة التي كان عليها مع أهله ، لم يُغيِّر منها شيئًا ، ثم إنه لما دخل عثمان ـ رضي الله عنه ـ غيَّر تلك التي كان عليها ، فغطى فخذيه ، وتهيَّأ له ، ثم لما سُئل عن ذلك ، قال : إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يَبْلُغ إليَّ في حاجته . وفي الرواية الأخرى : ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة ؟! أي : حياء التوقير والإجلال ، وتلك منقبة عظيمة ، وخصوصيَّة شريفة ليست لغيره ، أعرض قَتَلَةُ عثمان عنها ، ولم يُعرِّجوا عليها . و ( قولها : دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له ، ولم تباله ) يروى : تهتش بالتاء باثنتين من فوقها ، ويروى بحذفها ، وفتح الهاء ، وهو من الهشاشة ، وهي الخفة والاهتزاز والنشاط عند لقاء من يفرح بلقائه . يقال : هشَّ وبشَّ ، وتبشبش : كلها بمعنى . ولم تباله ، أي : لم تعتن بأمره ، وأصله من البال ، وهو الاحتفال بالشيء ، والاعتناء به ، والفكر فيه . يقول : جعلته من بالي وفكري ، وهو المعبَّر عنه في الرواية الأخرى بقولها : لم أرك فزعت له ، أي : لم تقبل عليه ، ولم تتفرغ له .
( 2394 ) [ 2307] وعَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا - أَوْ قَصْرًا - فَقُلْتُ : لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا : لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟ . ( 2395 ) [ 2308 ] وفي حديث أبي هريرة : أعليك أغار؟ وقوله في الأصل : " دخلت الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصرها " ، كذا الرواية الصَّحيحة المعروفة ، وقد ذكره ابن قتيبة ، وقال : امرأة ( شوهاء ) مكان ( تتوضأ ) وفسَّرها بالحسنة . وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي : أن الشوهاء : الحسنة والقبيحة ، فهو من الأضداد . ووضوء هذه المرأة في الجنة إنما هو لتزداد حسنًا ونورًا ، لا لتزيل وسخًا ، ولا قذرًا ، إذ الجنة منزهة عن ذلك ، وهذا كما قال في الحديث الآخر : " أمشاطهم الذهب ، ومجامرهم الألوَّة " على ما يأتي .
( 2393 ) [ 2304 ] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُرِيتُ كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وَضَرَبُوا الْعَطَنَ. ( 2392 ) [ 2305] وفي رواية : حتى ضرب الناس بعطن . ( 2392 ) ( 18 ) [ 2306 ] وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى حَوْضِ أَسْقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَنَزَعَ دَلْوَيْنِ ؛ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَجَاءَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ ، فَلَمْ أَرَ نَزْعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ مَلْآنُ يَتَفَجَّرُ . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أريت أني أنزع في دلو بكرة على قليب " ) أنزع : أستقي . وأصل النزع : الجذب . والقليب : البئر غير المطويَّة ، وهي التي عبر عنها في الرواية الأخرى بالحوض . والحوض : مجتمع الماء . والبكرة : الخشبة المستديرة التي تدور بالحبل . و ( قوله : " فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين فنزع وفي نزعه ضعف ، والله يغفر له " ) الذَّنوب : الدَّلو ، والغرب أكبر منها . و ( قوله : " ذنوبًا أو ذنوبين " ) هو شك من بعض الرُّواة ، وقد جاء بغير شك : " ذنوبين " في الرواية الأخرى . وهي أحسن . وهذه الرُّؤيا هي مثال لما فتح الله تعالى على يدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدي الخليفتين بعده من الإسلام والبلاد والفيء ، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو مبدأ الأمر وممكَّن منه ، وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بعده ، غير أن مقدار ما فتح الله على يديه من بلاد الكفر قليل ، لأن مدَّة خلافته كانت سنتين وثلاثة أشهر ، اشتغل في معظمها بقتال أهل الرِّدَّة ، ثم لما فرغ منها أخذ في قتال أهل الكفر ، ففتح في تلك المدَّة بعض العراق وبعض الشام ، ثمَّ مات ـ رضي الله عنه ـ ، ففتح الله على يدي عمر ـ رضي الله عنه ـ سائر البلاد ، واتَّسعت خطَّة الإسلام شرقًا وغربًا وشامًا ، وعظمت الفتوحات ، وكثرت الخيرات والبركات التي نحن فيها حتى اليوم . فعبَّر عن سنتي خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - بالذَّنوبين ، وعن قلَّة الفتوحات فيها بالضعف ، وليس ذلك وهنًا في عزيمته ، ولا نقصًا في فضله على ما هو المعروف من همَّته ، والموصوف من حالته . و ( قوله : " والله يغفر له " ) لا يظن جاهل بحال أبي بكر - رضي الله عنه - : أن هذا الاستغفار لأبي بكر كان لذنب صدر عنه ، أو لتقصير حصل منه ، إذ ليس في المنام ما يدلّ على شيء من ذلك ، وإنما هذا دعامٌ للكلام ، وسنادٌ ، وصلة ، وقد تقدَّم في الحديث : أنها كانت كلمة يقولها المسلمون : افعل كذا والله يغفر لك . وهذا نحو قولهم : تربت يمينك ، وألَّت ! وقاتله الله ! ونحو ذلك مما تستعمله العرب في أضعاف كلامها على ما تقدَّم . و ( قوله : " فاستحالت في يده غربًا " ) أي : الدَّلو الصغيرة عادت في يده دلوًا كبيرة . و ( قوله : " فلم أَرَ عبقريًّا من الناس يفري فريه " ) قال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال : يقال : هذا عبقري قومه ، كقولهم : سيد قومه وكبيرهم وقويُّهم . قال أبو عبيد : وأصله : أنه نسبة إلى أرض تسكنها الجن ، فصارت مثلاً لكل منسوب لشيء رفيع . ويقال : بل هي أرض يعمل فيها الوشي والبرود ، ينسب إليها الوشي العبقري ، ومنه قوله تعالى : وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ وقال أبو عبيد : العبقري : الرجل الذي ليس فوقه شيء . و " يفري فريه " : الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء ، وتروى بتسكين الراء وتخفيف الياء ، وأنكر الخليل التثقيل ، وغلَّط قائله ، ومعناه : يعمل عمله ، ويقوى قوته ، وأصل الفري : القطع . يقال : فلان يفري الفري ، أي : يعمل العمل البالغ ، ومنه قوله تعالى : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا أي : عظيمًا بالغًا في فنِّه . يقال : فريت الأديم إذا قطعته على جهة الإصلاح ، وأفريته : إذا قطعته على جهة الإفساد . و ( قوله : " حتى روي الناس ، وضربوا العطن " ) روي - بكسر الواو وفتح الياء - : فعل ماض ، ومضارعه يروى - بفتح الواو - من الرِّي : وهو الامتلاء من الشراب ، ومعناه : أنهم رووا في أنفسهم . وضربوا العطن ، أي : رووا إبلهم ، وأصله أنهم يسقون الإبل ، ثم يعطنونها ، أي : يتركونها حول الحياض لتستريح ، ثم يعيدون شربها ، يقال منه : عطنت الإبل فهي عاطنة ، وعواطن ، وأعطنتها أنا . حكاه ابن الأنباري . وفي الصحاح : عطنت الجلد ، أعطنه عطنًا ، فهو معطون : إذا ألقيته في الماء والملح والعَلْقى ليتفسخ صوفه ويسترخي ، وعطن الإهاب - بالكسر- يعطن عطنًا فهو عطن : إذا أنتن وسقط في العطن وقد انعطن . والعَطن والْمُعْطِن واحد الأعطان والمعاطن ، وهي مَبَارِك الإبل عند الماء لتشرب عَلَلاً بعد نهل ، وعَطَنت الإبل - بالفتح - تَعْطُن ، وتَعْطِن عُطُونًا : إذا رَوِيَت ثم بَرَكَت ، فهي : إبل عَاطِنة ، وعَوَاطِن ، وقد ضَرَب بعطن ، أي : بركت إبله . قال ابن السِّكيت : وكذلك تقول : هذا عطن الغنم ومعطنها : لمرابضها حول الماء . قلت : وقد جاء معنى هذه الرواية مفسَّرًا في الرواية الأخرى التي قال فيها : " فجاء عمر فأخذه منِّي ، يعني : الدلو ، فلم أَرَ نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآنٌ يتفجر " . وفي هذه من الزيادة ما يدلّ على أن عمر - رضي الله عنه - يُتَوَفَّى ويبقى النصر والفتح بعده متصلاً ، وكذلك كان - رضي الله عنه
( 2390 ) [ 2302 ] وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ، قَالُوا : مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الدِّينَ . ( 2391 ) [ 2303 ] عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ ، إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ ، فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ . قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الْعِلْمَ . و ( قوله : " بينا أنا نائم ، والناس يعرضون عليّ " الحديث . هؤلاء الناس المعروضون على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم هم من دون عمر في الفضيلة ، فلم يدخل فيهم أبو بكر ، ولو عرض أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ عليه في هذه الرواية لكان قميصه أطول ، فإنَّ فضله أعظم ، ومقامه أكبر على ما تقدَّم . وتأويل القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب ، كما قال شاعرهم : ثياب بني عوف طهارى نقيَّة وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعثمان ـ رضي الله عنه ـ : " إن الله سيلبسك قميصًا ، فإنَّ أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه " . فعبَّر عن الخلافة بالقميص . وهي استعارة حسنة معروفة . وتأويله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اللبن بالعلم تأويل حسن ظاهر المناسبة ، وذلك : أن اللبن غذاء مستطاب ، به صلاح الأبدان ، ونموها من أول فطرتها ونشوئها ، خلا عن الأضرار والمفاسد . والعلم كذلك يحصل به صلاح الأديان والأبدان ، ومنافع الدنيا والآخرة مع استطابته في نفسه . وقد يدل في التعبير على دوام الحياة ، إذ به كانت . وقد يدلّ على الثواب ، لأنَّه مذكور في أنهار الجنَّة .
( 36 ) باب فضائل عمر بن الخطاب ( 2389 ) [ 2301 ] عن ابْنَ عَبَّاسٍ قال : وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُثْنُونَ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ . قَالَ : فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ : مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا . ( 36 ) ومن باب فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويُكنَّى : أبا حفص ، وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ، يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كعب . أسلم سنه ست من النبوَّة . وقيل : سنة خمس بعد أربعين رجلاً ، وإحدى عشرة امرأة . وقيل : بعد ثلاث وثلاثين رجلاً . وقيل : إنه تمام الأربعين . وسُمِّي الفاروق ، لأنَّه فرَّق بإظهار إسلامه بين الحق والباطل . وقتال الكفار عليه يوم أسلم ، ونزل جبريل ـ عليه السلام ـ على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا محمد ! استبشر أهل السماء بإسلام عمر . حُفِظ له من الحديث خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين أحد وثمانون حديثًا ، توفي ـ رضي الله عنه ـ مقتولاً . قتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة ، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، طعنه العلج بسكين في يده ذات طرفين ، وطعن فيه اثني عشر رجلاً ، مات منهم تسعة ، ثم رَمَى على العلج رجلٌ من أهل العراق برنسًا ، فحبسه ، فوجأ نفسه ، وكانت خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ عشر سنين وستة أشهر ، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة كما تقدَّم . و ( قوله : ووضع عمر ـ رضي الله عنه ـ على سريره ، فتكنفه النَّاس ) يعني : بعد موته وتجهيزه للدَّفن . والسَّرير هنا : هو النَّعش ، وتكنَّفه الناس : أي صاروا بكنفيه ، أي : جانبيه . والكنف والكنيف : الجانب . و يصلون عليه أي : يترحمون عليه . و لم يرعني أي : يفزعني فينبهني . وأصل الروع : الفزع . وهذا الحديث ردٌّ من عليّ ـ رضي الله عنه ـ على الشيعة فيما يتقوَّلونه عليه من بُغضه للشيخين ، ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة ، وأنهما غصباه . وهذا كله كذب وافتراء ؛ عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ منه براء . بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه ومحبَّته لهما ، واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره . وحديثه هذا ينصُّ على هذا المعنى ، وقد تقدَّم ثناء عليٍّ على أبي بكر رضي الله عنهما ، واعتذاره عن تخلفه عن بيعته ، وصحَّة مبايعته له ، وانقياده له مختارًا طائعًا سرًّا وجهرًا ، وكذلك فعل مع عمر ـ رضي الله عنهم أجمعين وكل ذلك يُكذِّب الشيعة والروافض في دعواهم ، لكن الأهواء والتعصب أعماهم .
( 2398 ) [ 2310 ] وعَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ . و ( قوله : " قد كان يكون في الأمم قبلكم محدِّثون " ) " كان " الأولى : بمعنى الأمر والشأن ، أي : كان الأمر والشأن ، وهي نحو ليس في قولهم : ليس خلق الله مثله . وتكون الثانية ناقصة ، واسمها محدَّثون ، وخبرها في المجرور ، ويصح أن تكون تامَّة ، وما بعدها أحوال . ومحدَّثون - بفتح الدال - هي الرواية اسم مفعول ، وقد فسَّر ابن وهب المحدَّثين بالملهمين ، أي : يُحدَّثون في ضمائرهم بأحاديث صحيحة ، هي من نوع الغيب ، فيظهر على نحو ما وقع لهم ، وهذه كرامة يكرم الله تعالى بها من يشاء من صالحي عباده ، ومن هذا النوع ما يقال عليه : فراسة وتوسُّم ، كما قد رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ ، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " اتَّقوا فراسة المؤمن ، فإنَّه ينظر بنور الله " ، ثم قرأ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ، وقد تقدَّم القول في نحو هذا ، وقد قال بعضهم : إن معنى محدَّثين : مكلَّمون ، أي : تكلِّمهم الملائكة . قلت : وهذا راجعٌ لما ذكرته ، غير أن ما ذكرته أعم ، فقد يخلق الله تعالى الأحاديث بالغيب في القلب ابتداء من غير واسطة ملك ، وقال بعضهم : إن معناه أنهم مصيبون فيما يظنونه ، وإليه ذهب البخاري ، وهذا نحو من الأول ، غير أن الأوَّل أعم ، والله أعلم . و ( قوله : " فإنَّ يكن في أمتي أحدٌ منهم فعمر " ) دليلٌ على قلَّة وقوع هذا وندوره ، وعلى أنه ليس المراد بالمحدَّثين المصيبين فيما يظنون ، لأنَّ هذا كثير في العلماء والأئمة الفضلاء ، بل : وفي عوام الخلق كثير ممن يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر ، وخصوصية عمر ـ رضي الله عنه ـ بذلك ، ومعنى هذا الخبر قد تحقق ، ووجد في عمر قطعًا ، وإن كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يجزم فيه بالوقوع ، ولا صرَّح فيه بالأخبار ، لأنَّه إنما ذكره بصيغة الاشتراط ، وقد دلَّ على وقوع ذلك لعمر حكايات كثيرة عنه ، كقصَّة : الجبل يا سارية ، وغيره ، وأصح ما يدلّ على ذلك : شهادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له بذلك ، كما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " وقال ابن عمر رضي الله عنهما : ما نزل بالناس أمرٌ قط قالوا فيه ، وقال فيه عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال فيه عمر . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . ومن ذلك قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : " وافقت ربي في ثلاث " الحديث . وقد ادعى هذا الحال كثير من أهل المحال ، لكن تشهد بالفضيحة شواهد صحيحة .
( 2399 ) [ 2311 ] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ . و ( قوله : " وافقت ربي في ثلاث " ) يعني : أنَّه وقع له في قلبه حديث عن تلك الأمور ، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع له ، وذلك : أنَّه وقع له : أن مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ محل شرَّفه الله تعالى وكرَّمه ، بأن قام فيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ للدُّعاء والصَّلوات ، وجعل فيه آيات بينات ، وغفر لمن قام فيه الخطيئات ، وأجاب فيه الدَّعوات ، وقد تقدَّم في الحج ذكر الخلاف فيه ، وكذلك وقع له شرف أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلوِّ مناصبهنَّ ، وعظيم حرمتهنَّ ، وأن الذي يناسب حالهنَّ : أن يحتجبن عن الأجانب ، فإنَّ اطلاعهم عليهنَّ ابتذال لهنَّ ، ونقصٌ من حرمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحرمتهن ، فقال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " احجب نساءك ، فإنَّهن يراهنَّ البر والفاجر " . وقد استوفينا الكلام على هذا في النكاح . ووقع له أيضًا قتل أسارى بدر ، وأشار على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به ، وأشار عليه أبو بكر بالإبقاء والفداء ، فمال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ما قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع لعمر ـ رضي الله عنه ـ في الأمور الثلاثة ، فكان ذلك دليلاً قاطعًا على : أنه محدَّث بالحق ، ملهم لوجه الصَّواب ، وقد تقدَّم القول في الصلاة على عبد الله بن أبي ، وفي قضية بدر في الجهاد .
( 2396 ) [ 2309 ] وعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ . فَقَالَ عُمَرُ : أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ. قَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! قُلْنَ : نَعَمْ ؛ أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ. و ( قوله : " استأذن عمر ـ رضي الله عنه ـ على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونسوة من قريش يكلِّمنه ، ويستكثرنه " ) أي : من مكالمته ، ويحتمل : أنهن يسألنه حوائج كثيرة . و ( قوله : " عالية أصواتهنَّ " ) قيل : يحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وقيل : يحتمل أن ارتفاع أصواتهن لكثرتهن ، واجتماع كلامهن ، لا أنهن رفعن أصواتهن . قلت : ويحتمل أن يكون فيهنَّ من كنَّ جهوريات الأصوات ، لا يقدرنَّ على خفضها ، كما كان ثابت بن قيس بن شماس ، والله أعلم . و ( قوله : " ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجِّك " ) الفج : الطريق الواسع ، وهو أيضًا : الطريق بين جبلين ، والظاهر : بقاء هذا اللفظ على ظاهره ، ويكون معناه : أن الشيطان يهابه ويجانبه ، لما يعلم من هيبته ، وقوَّته في الحق ، فيفرُّ منه إذا لقيه ، ويكون هذا مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الآخر : " إن الشيطان ليفرق منك يا عمر " . ويعني بالشيطان : جنس الشياطين ، ويحتمل أن يكون ذلك مثلاً لبُعده عنه ، وأنه لا سبيل له عليه ، والأوَّل أولى .
( 2386 ) [ 2299 ] وعن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ أَبِي : كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَائتِي أَبَا بَكْرٍ. ( 2387 ) [ 2300 ] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ : ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ : أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ . و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة : " إن لم تجديني فائتي أبا بكر " ) زعم من لا تحقيق عنده من المتأخرين : أن هذا نصٌّ على خلافة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وليس كذلك ، وإنَّما يتضمن الخبر عن أنَّه يكون هو الخليفة بعده ، لكن بأي طريق تنعقد له ؟ هل بالنصِّ عليه ، أو بالاجتهاد ؟ هذا هو المطلوب ، ولم ينص عليه في الحديث ، وكذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ادعي لي أبا بكر أباك ، وأخاك حتى أكتب كتابًا " الحديث إلى قوله : " يأبى الله والمؤمنون : إلا أبا بكر " ليس نصًّا في استخلافه ، وإنما يدل على إرادة استخلافه ، ولم ينص عليه ، ألا ترى أنه لم يكتب ، ولم ينص . والحاصل : أن هذه الأحاديث ليست نصوصًا في ذلك ، لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مِمَّا يدلّ على ذلك المعنى علم استحقاقه للخلافة ، وانعقادها له ضرورة شرعية ، والقادح في خلافته مقطوع بخطئه ، وتفسيقه . وهل يكفر أم لا ؟ مختلف فيه ، والأظهر : تكفيره لمن استقرأ ما في الشريعة ، مما يدلّ على استحقاقه لها ، وأنه : أحق وأولى بها ، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك ، ولم يبق منهم مخالف في شيء مِمَّا جرى هنالك . وكانت وفاة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ على ما قاله ابن إسحاق : يوم الجمعة لسبع ليالٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة . وقال غيره : إنه مات عشية يوم الاثنين . وقيل : عشية يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة . هذا قول أكثرهم . قال ابن إسحاق : وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وقال غيره : وعشرة أيام . وقيل : وعشرين يومًا . ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال . وقيل : وثلاثة أشهر وسبع ليال . واختلف في سبب موته ، فقال الواقدي : أنه اغتسل في يوم بارد فحُمَّ ، ومرض خمسة عشر يومًا . وقال الزبير بن بكار : كان به طرف من السِّلِّ . وروي عن سلام بن أبي مطيع : أنه سُمَّ . والله أعلم . وقد تقدَّم أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة .
( 35 ) باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه - رضي الله عنه - ( 2381 ) [ 2292 ] عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم : يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا . ( 35 ) ومن باب فضائل أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤي . يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرَّة بن كعب ، وسَمَّاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصِّدِّيق ، رواه عنه علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ، وسَمَّاه بذلك لكثرة تصديقه . ويُسمَّى بعتيق ، وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر روته عائشة . والثاني : أنه اسم سمَّته به أمُّه ، قاله موسى بن طلحة . والثالث : أنه سُمِّي به لجمال وجهه ، [ قاله الليث بن سعد ، وقال ابن قتيبة : لقبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك لجمال وجهه ] ، وهو أول من أسلم من الرجال ، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة : عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنهم ـ . قال الإمام الحافظ أبو الفرج الجوزي : جملة ما حفظ له من الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة واثنان وأربعون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثًا . قلت : ومن المعلوم القطعي ، واليقين الضروري أنه حفظ من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم يحفظ أحدٌ من الصحابة ، وحصل له من العلم ما لم يحصل لأحد منهم ، لأنَّه كان الخليل المباطن ، والصَّفي الملازم ، لم يفارقه سفرًا ولا حضرًا ، ولا ليلاً ولا نهارًا ، ولا شدَّة ولا رخاءً ، وإنَّما لم يتفرغ للحديث ، ولا للرواية ، لأنَّه اشتغل بالأهم فالأهم ، ولأن غيره قد قام عنه من الرواية بالمهم . وإذا تقرر ذلك فاعلم : أن الفضائل جمع فضيلة ، كرغائب جمع رغيبة ، وكبائر جمع كبيرة ، وهو كثير ، وأصلها الخصلة الجميلة التي بها يحصل للإنسان شرف ، وعلو منزلة وقدر ، ثم ذلك الشَّرف ، وذلك الفضل إما عند الخلق ، وإما عند الخالق ، فأمَّا الأول : فلا يلتفت إليه إن لم يوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق . فإذًا : الشرف المعتبر ، والفضل المطلوب على التحقيق ، إنما هو الذي هو شرف عند الله تعالى . وإذا تقرر هذا ، فإذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فاضل ، فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى ، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا ، فلا بدَّ أن يرجع ذلك إلى النقل ، والنقل إنما يُتلقى من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإذا أخبرنا الرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول ، فإنَّ كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك ، وإن لم يكن قطعيًا كان ذلك كسبيل المجتهدات على ما تقدَّم ، وعلى ما ذكرناه في الأصول ، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر ، فلا يقطع أحد بأن من صدرت منه أفعال دينية وخصال محمودة ، بأن ذلك قد بلَّغه عند الله منزلة الفضل والشرف ، فإنَّ ذلك أمر غيب ، والأعمال بالخواتيم ، والخاتمة مجهولة ، والوقوف على المجهول مجهول ، لكنَّا إذا رأينا من أعانه الله على الخير ، ويسر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تمسُّكًا بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في الخير ، ووفقه لعمل صالح . وبما جاء في الشريعة من ذلك ، ومن كان كذلك : فالظَّنُّ أنه لا يخيب ، ولا يقطع على المغيب ، وإذا تقرر هذا فالمقطوع بفضله ، وأفضليته بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند أهل السُّنَّة - وهو الذي يقطع به من الكتاب والسُّنَّة - أبو بكر الصِّدِّيق ، ثم عمر الفاروق ، ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السَّلف ، ولا الخلف ، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ، ولا أهل البدع ، فإنهم بين مُكفَّر تُضرب رقبته ، وبين مبتدع مُفسَّق لا تُقبل كلمته ، وتدحض حُجَّته . وقد اختلف أئمة أهل السُّنَّة في علي وعثمان رضي الله عنهما ، فالجمهور منهم على تقديم عثمان ، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك ، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور ، وهو الأصح إن شاء الله ، والمسألة اجتهادية لا قطعية ، ومستندها الكلِّي أن هؤلاء الأربعة : هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيَّه ، ولإقامة دينه ، فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة ، إلى ما ينضافُ إلى ذلك بما يشهد لكل واحدٍ منهم من شهادات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له بذلك تأصيلاً وتفصيلاً ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى . وهذا الباب بحر لا يدرك قعره ، ولا يُنزف غمره ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية . وقول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار كان من قصته : أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فبيتوه في داره ، فأمر عليًّا فرقد على فراشه ، وقال له : إنهم لن يضروك ، فخرج عليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم على بابه ، فأخذ الله أبصارهم عنه ، ولم يروه ، ووضع على رأس كل واحد منهم ترابًا ، وانصرف عنهم خارجًا إلى غار ثور ، فاختفى فيه ، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخْبِرٌ أنه قد خرج عليهم ، وأنه وضع على رؤوسهم التراب ، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب ، فدخلوا الدَّار ، فوجدوا عليًّا على الفراش ، فلم يتعرضوا له ، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقتصون أثره بقائف كان معروفًا عندهم ، إلى أن وصلوا إلى الغار ، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه ، وفرَّخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى ، فلما رأوا ذلك قالوا : إن هذا الغار ما دخله أحدٌ ، ثم إنهم صَعِدوا إلى أعلى الغار ، فحينئذ رأى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أقدامهم ، فقال بلسان مقاله مفصحًا عن ضعف حاله : لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا ، فأجابه من تدلَّى فدنا بما يُذهب عنه الخوف والضَّنى بقوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا أي : بالحفظ والسلامة ، والصَّون والكرامة . ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقام في الغار ثلاثة أيام حتى تجهَّز . ومنه هاجر إلى المدينة ، وكل ذلك من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثقة بوعد الله تعالى ، وتوكل ، ودليل على خصوصيَّة أبي بكر من الخلَّة ، وملازمة الصُّحبة في أوقات الشدة بما لم يسبق إليه .
( 2385 ) [ 2298 ] وعن عَائِشَةَ وَسُئِلَتْ : مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْلِفًا لَوْ اسْتَخْلَفَ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا : ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ : عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا : مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ . و ( قول السائل لعائشة - رضي الله عنها - : " من كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستخلفًا لو استخلف ؟ " ) يدلّ على : أن من المعلوم عندهم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يستخلف أحدًا ، وكذلك قال عمر ـ رضي الله عنه ـ لما طعن ، وقيل له : ألا تستخلف ؟ فقال : إن أتركهم ؛ فقد تركهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ، وهذا بمحضر من الصحابة ، وعلي والعباس ـ رضي الله عنهم ـ ولم ينكر أحدٌ منهم على عمر ، ولا ذكر أحدٌ من الناس نصًّا باستخلاف على أحد ، فكان ذلك دليلاً على كذب من ادَّعى شيئًا من ذلك ، إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نصٌّ على أحد في ذلك الأمر العظيم المهم ، فيكتموه ، مع تَصَلُّبِهم في الدِّين ، وعدم تقيَّتهم ، فإنَّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم ، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنَّهم اجتمعوا لذلك ، وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا ، ولا يخاف أحدًا ، حتى قالت الأنصار : منا أمير ، ومنكم أمير ، ولم يذكر أحدٌ منهم نصًّا ، ولا ادَّعى أحدٌ منهم أنه نصَّ عليه ، ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته ، ونقله ، ولَمَا اختلفوا في شيء من ذلك . ومن العجب ألا يكون عند أحدٍ من هؤلاء نصٌّ على ذلك ، ولا يذكره مع قرب العهد ، وتوفر الدِّين والجدّ ، ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك ، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة ، وأوقات مختلفة ، وقلة علم ، وعدم فهم من يدَّعي : أن عنده من العلم بالنصِّ على واحد معين ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام ، ولا سمع منهم . هذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل ، لكن غلبة التعصُّب والأهواء تورِّط صاحبها في الظلماء ، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى : أنه نصَّ على خلافة علي ـ رضي الله عنه ـ وذهبت الراوندية إلى أنه نصَّ على خلافة العباس ـ رضي الله عنه ـ واختلق كل واحد منهما من الكذب ، والزور ، والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان ، وما ذكرناه من عدم النَّص على واحد بعينه هو مذهب جمهور أهل السُّنَّة من السَّلف والخلف ، لا على أبي بكر ، ولا غيره ، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ للخلافة إلى أصول كليِّة ، وقرائن خالية ، ومجموع ظواهر جليِّة حصلت لهم العلم بأنه أحق بالخلافة ، وأولى بالإمامة ، يعلم ذلك من استقرأ أخباره ، وخصائصه ، وسيقع التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى . و ( قول عائشة - رضي الله عنها - في جواب السَّائل : " أبو بكر ، ثم عمر ، ثم أبو عبيدة " ) هذا قالته عن نظرها ، وظنها ، لا أن ذلك كان بنصٍّ عندها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولعلها استندت في عمر وأبي عبيدة لقول أبي بكر يوم السقيفة : رضيت لكم أحد هذين الرَّجُلَين عمر وأبي عبيدة . وفي حق أبي عبيدة شهادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه أمين هذه الأمة ، ولذلك قال عمر ـ رضي الله عنه ـ حين جعل الأمر شورى : لو أن أبا عبيدة حيٌّ لما تخالجني فيه شك ، فلو سألني ربي عنه قلت : سمعت نبيك يقول : " لكل أمة أمين ، وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح " ، ويفهم من قول عمر وعائشة : جواز انعقاد الخلافة للفاضل مع وجود الأفضل ، فإنَّ عثمان وعليًّا - رضي الله عنهما - أفضل من أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ بالاتفاق ، ومع ذلك فقد حكما بصحَّة إمامته عليهما - أن لو كان حيًّا وقد اختلف العلماء في هذه المسألة ، ومذهب الجمهور : أنها تنعقد له - أعني للمفضول - وخالف في ذلك : عباد بن سلمان ، والجاحظ ، فقالا : لا ينعقد للمفضول على الفاضل ، ولا يعتد بخلافهما لما ذكرنا في الأصول ، والصحيح : ما ذهب إليه الجمهور .
( 2388 ) [ 2297] وعنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا ؛ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ : إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ - تَعَجُّبًا وَفَزَعًا - أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . و ( قول البقرة للذي حمل عليها : " إني لم أخلق لهذا ، إنما خلقت للحرث " ) دليل : على أن البقرة لا يحمل عليها ولا تركب ، وإنَّما هي للحرث ، وللأكل ، والنسل ، والرَّسْلِ . وفيه ما يدلّ على وقوع خرق العوائد ، على جهة الكرامة ، أو على جهة التنبيه لمن أراد الله به الاستقامة ، وفيه ما يدلّ على علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصحَّة إيمان أبي بكر وعمر ، ويقينهما ، وأنه كان ينزلهما منزلة نفسه ، ويقطع على يقينهما ، وهذه خصوصية عظيمة ، ودرجة رفيعة . و ( قول الذئب : " من لها يوم السَّبُع " ) الرواية الصحيحة التي قرأناها وقيدناها على مشايخنا بضم الباء لا غير ، ومعناه مفسَّر بباقي الحديث ، إذ قال فيه : " يوم ليس لها راعٍ غيري " فإنه أبدل " يوم ليس لها راع " من " يوم السَّبُع " وكأنه قال : من يستنقذ هذه الشاة يوم ينفرد السَّبُع بها ، ولا يكون معها راع ، ولا يمنعها منه ؟! وكأنه - والله أعلم - يشير إلى نحو مما تقدَّم في الحج من حديث أبي هريرة مرفوعًا . قال : " يتركون المدينة على خير ما كانت ، لا يغشاها إلا العوافي - يريد السِّباع والطير ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ، فينعقان بغنمهما ، فيجدانها وحشًا ، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما " . فحاصل هذا : أن أهل المدينة ينجلون عنها ، فلا يبقى فيها إلا السِّباع ، ويهلك من حولها من الرُّعاة فتبقى الغنم متوحشة منفردة ، فتأكلُ الذئابُ ما شاءت ، وتترك ما شاءت ، وهذا لم يُسمع أنَّه وقع ، ولا بدَّ من وقوعه . وقد قيده بعض اللغويين بسكون الباء ، وليست برواية صحيحة ، ولكن اختلف في معنى ذلك على أقوال يطول ذكرها ، ولا معنى لأكثرها ، وأشبه ما قيل في ذلك ، ما حكاه الحربي : أن سكون الباء لغة فيه ، وقرأ الحسن : ( وما أكل السَّبْعُ ) بسكونها .
( 2382 ) [ 2293] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ : فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " عبدٌ خيَّره الله تعالى بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده " ) هذا قول فيه إبهام ، قصد به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختبار أفهام أصحابه ، وكيفية تعلق قلوبهم به ، فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم ، ولما فهم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله : " فديناك بآبائنا وأمهاتنا " ، ولذلك قالوا : " فكان أبو بكر أعلمنا " . وهذا يدلّ من أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ على أن قلبه ممتلئ من محبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومستغرق عنه ، وشديد الاعتناء بأموره كلِّها من أقواله وأحواله بحيث لا يشاركه أحدٌ منهم في ذلك . ولما علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك منه ، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهم عنه اختصَّه بالخصوصيَّة العظمى التي لم يظفر بمثلها بشري في الأولى ولا في الآخرة . فقال : " إن أَمَنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً " ، فقد تضمن هذا الكلام : أن لأبي بكر من الفضائل ، والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق . ووزن أمَنَّ : أفعل ، من المنَّة بمعنى الامتنان ، أي : أكثر منَّة ، ومعناه : أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتن بها ، وذلك : أنه ـ رضي الله عنه ـ بادر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتَّصديق ، والناس كلهم مكذبون ، وبنفقة الأموال العظيمة ، والناس يبخلون ، وبالملازمة والمصاحبة ، والناس ينفرون ، وهو مع ذلك بانشراح صدره ، ورسوخ علمه يعلم : أن لله ولرسوله الفضل والإحسان ، والمنة والامتنان ، لكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكرم خُلقه ، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه ، وشكر الصنيعة لمن وجدت منه ، عملاً بشكر المنعم ، ليسن ، وليعلم ، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار ، حيث جمعهم فذكَّرهم بما له عليهم من المنن ، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن ، وقد تقدم في الزكاة . وقد ذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر ، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة ، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر " ، وذكر الحديث ، وقال : هو حسن غريب . و ( قوله : " ولو كنت متخذًا خليلاً ، لاتخذت أبا بكر خليلاً " ) متخذًا : اسم فاعل من اتَّخذ ، وهو فعل يتعدَّى إلى مفعولين ، أحدهما بحرف الجر ، فيكون بمعنى : اختار واصطفى ، كما قال : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها ، وهو الذي دخل عليه حرف الجر ، فكأنه قال : لو كنت متخذًا من النَّاس خليلاً لاتخذت منهم أبا بكر . ولبسط الكلام في ذلك علم النحو ، وحاصله : أن " اتَّخذ " استعملت على ثلاثة أنحاء : أحدها : تتعدى لمفعولين بنفسها . وثانيها : تتعدى لأحدهما بحرف الجر . وثالثها : تتعدى لمفعول واحد ، وكل ذلك موجود في القرآن . ومعنى هذا الحديث : أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ كان قد تأهل لأن يتخذه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خليلاً ، لولا المانع الذي منع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى ، ومحبته ، ومراقبته ، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك ، لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه ، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلَّق القلب به فهو حبيب ، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة - رضي الله عنهما - أنهما أحب الناس إليه ، ونفى عنهما الخلَّة ، وعلى هذا فالخلَّة فوق المحبة ، وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك ، فذهب الجمهور : إلى أن الخلَّة أعلى ، تمسُّكًا بما ذكرناه ، وهو متمسَّك قوي ظاهر ، وذهب أبو بكر بن فورك إلى أن المحبة أعلى ، واستدل على ذلك : بأن الاسم الخاص بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ : الحبيب ، وبإبراهيم : الخليل . ودرجة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرفع ، فالمحبة أرفع . وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في كتاب " الشفا " ، واستوفى فيها البحث ، فلتنظر هناك ، وقد ذكرنا اختلاف الناس في الخلة في كتاب الإيمان .
( 1028 ) ( 12 ) [ 2296 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا، قَالَ : فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا، قَالَ : فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا، قَالَ : فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ . و ( قوله : " من أصبح منكم اليوم صائمًا ؟ قال أبو بكر : أنا الحديث " يدلّ على ما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليه من التفقد لأحوال أصحابه ، وإرشادهم إلى فعل الخير على اختلاف أنواعه ، وعلى ما كان عليه أبو بكر من الحرص على فعل جميع أنواع الطاعات ، وتتبعه أبوابها ، واغتنام أوقاتها ، وكأنه ما كان له هم إلا في طلب ذلك ، والسَّعي في تحصيل ثوابه . و ( قوله : " ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة " ) ظاهره : أن من اجتمع له فعل هذه الأبواب في يومٍ واحد دخل الجنة ، فإنَّه قال فيها كلها : اليوم ، اليوم ، ولما أخبره أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أنه فعل تلك الأمور كلها في ذلك اليوم بشَّره بأنه من أهل الجنة لأجل تلك الأمور ، والمرجو من كرم الله تعالى أن من اجتمعت له تلك الأعمال في عمره ، وإن لم تجتمع في يوم واحد أن يدخله الله الجنَّة بفضله ، ووعده الصَّادق .
( 2383 ) ( 3 و 7 ) [ 2294 ] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِن أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا . وفي رواية : أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خليل مِنْ خِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتُ وذكر نحوه . و ( قوله : " إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلّته " ) الرواية المعروفة : بكسر الخاء من خِلَّة . قال القاضي : والصواب - إن شاء الله - فتحها ، والخلَّة ، والْخلُّ ، والمخاللة ، والمخالَّة ، والخلالة ، والخلولة : الإخاء والصَّداقة . قلت : يعني : أن خَلَّة في الأصل : هي مصدر ، ومصادر هذا الباب : هي التي ذكروها ، وليس فيها ما يقال : بكسر الخاء ، فتعين الفتح فيها ، ومعنى هذا الكلام : قد جاء بلفظ آخر يفسره فقال : " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل " وهذا واضح . و ( قوله : " وقد اتَّخذ الله صاحبكم خليلاً " ) في غير كتاب مسلم : " كما اتخذ إبراهيم خليلاً " ) وهذا يدلّ على أن الله تعالى بلغ درجة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخلة بإبراهيم ـ عليه السلام ـ غير أنَّه مكَّنه فيها ما لم يمكَّن إبراهيم فيها ، بدليل قول إبراهيم : " إنما كنت خليلاً من وراء وراء " كما تقدَّم في الإيمان . و ( قوله : " لا تُبْقَيَن في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " ) الخوخة - بفتح الخاء المعجمة - : باب صغير بين مسكنين ، وكان أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات اغتنامًا لملازمة المسجد ، وللكون فيه مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ كان فيه غالبًا ، إلا أنه لما كان ذلك يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقًا ، أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسدِّ كل خوخة كانت هنالك ، واستثنى خوخة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ إكرامًا له ، وخصوصية به ، لأنَّهما كانا لا يفترقان غالبًا ، وقد استدل بهذا الحديث على صحَّة إمامته ، واستخلافه للصلاة ، وعلى خلافته بعده .
( 2384 ) [ 2295] وعن عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ : عَائِشَةُ، قُلْتُ : مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ : أَبُوهَا . قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : عُمَرُ . فَعَدَّ رِجَالًا . و ( قوله : " من أحبُّ الناس إليك ؟ " هذا السُّؤال : أخرجه الحرص على معرفة الأحب إليه ، ليقتدي به في ذلك ، فيحب ما أحب ، فإنَّ المرء مع من أحب . و ( قوله في الجواب : " عائشة " ) يدلّ على جواز ذكر مثل ذلك ، وأنه لا يعاب على من ذكره إذا كان المقول له من أهل الخير والدِّين ، ويقصد بذلك مقاصد الصَّالحين ، وإنَّما بدأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذكر محبة عائشة أولاً ، لأنَّها محبة جبلية ودينية ، وغيرها دينية لا جبلية ، فسبق الأصلي على الطَّارئ . و ( قوله : " ثم أبو بكر ، ثم عمر " ) يدلّ على : تفاوت ما بينهما في الرتبة والفضيلة ، وهو يدلّ على صحَّة ما ذهب إليه أهل السُّنَّة .
( 2368 ) [ 2279 ] وعنه : قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى : سَرَقْتَ؟ قَالَ : كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى : آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ نَفْسِي . و ( قوله : " رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق فقال : سرقت . قال : كلا والذي لا إله إلا هو " ) ظاهر قول عيسى لهذا الرجل : " سرقت " أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة ، وكأنه حقق السرقة عليه ، لأنَّه رآه قد أخذ مالاً لغيره من حرز في خفية ، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك ، فحذف همزة الاستفهام ، وحذفها قليل . و ( قول الرجل : " كلا " ) أي : لا . نفى ذلك ، ثم أكده باليمين . و ( قول عيسى : " آمنت بالله ، وكذبت نفسي " ) أي : صدَّقت من حلف بالله ، وكذبت ما ظهر من ظاهر السَّرقة ، فإنَّه يحتمل : أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق ، أو يكون صاحبه قد أذن له في ذلك ، ويحتمل أن يكون أخذه ليقلبه ، وينظر إليه . ويستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشبهة .
( 28 ) باب في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام ( 2365 ) ( 145 ) [ 2277] عن أبي هريرة قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ قَالُوا : كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ولَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ ( 28 ) ومن باب ذكر عيسى ـ عليه السلام ـ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم أي : أخص ، وأقرب ، وأقعد ، كقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فَلأِولى عصبة أي : أقرب ، وأحقّ . و ( قوله : في الأولى والآخرة ) أي : في الدنيا وفي الدار الآخرة . و ( قوله : كيف يا رسول الله ؟ سؤال عن وجه الأولوية . فقال في الجواب : الأنبياء إخوة من عَلاَّت ، أُمَّهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وليس بيني وبينه نبي . وفي لفظ آخر : أولاد عَلاَّت . وفي الصحاح : بنو العلاَّت : هم أولاد الرجل من نسوة شتى ، سميت بذلك لأن الذي يتزوجها على أولى كانت قبلها ، ثم علَّ من هذه ، والعَلَلُ : الشرب الثاني . يقال : عَلَلٌ بعد نهلٍ ، وعله يعله : إذا سقاه السَّقية الثانية ، وقال غيره : سُمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضرائر ، والعلاَّت الضرائر . وشتَّى : مختلفون ، ومنه قوله تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قال القاضي أبو الفضل عياض : معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم ، وبعضهم بعيد الوقت من بعض ، فهم أولاد علاَّت ، إذ لم يجمعهم زمان واحد ، كما لم يجمع أولاد العلاَّت بطن واحد ، وعيسى ـ عليه السلام ـ لما كان قريب الزمان منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولم يكن بينهما نبي ، كانا كأنهما في زمان واحد ، فكانا بخلاف غيرهما . قلت : هذا أشبه ما قيل في هذا الحديث ، ويستفاد منه : إبطال قول من قال : إنه كان بعد عيسى أنبياء ورسل ، فقد قال بعض الناس : إن الحواريين كانوا أنبياء ، وأنهم أرسلوا إلى الناس بعد عيسى ، وهو قول أكثر النصارى ، كما ذكرناه في كتاب الإعلام . و ( قوله : ودينهم واحد ) أي : في توحيدهم ، وأصول أديانهم ، وطاعتهم لله تعالى ، واتباعهم لشرائعه ، والقيام بالحق ، كما قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا الآية ، ولم يُرِد فروع الشرائع ، فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا
( 2366 ) ( 146 و 147 ) [ 2278 ] وعنه : أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ . ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وفي رواية : كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا و ( قوله : " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان " ) يعني به : أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال ، بدليل قوله في الرواية الأخرى : " يوم يولد " أي : حين يولد . والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين . كما قال تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا أي : حين يرون ، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا : " ليأتين على أحدكم يوم لا يراني " أي : زمن ووقت ، وهو كثير . وكأن النَّخس من الشيطان إشعار منه بالتمكن والتسليط ، وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت : وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فاستجاب الله لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى ، وصحة التوكل ، وأمها هي امرأة عمران ، واسمها حنَّة بنت فاقود ، وكانت لما حملت نذرت ، وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده منزهًا منقطعًا للعبادة ، لا يشتغل بشيء مما في الوجود ، على شريعتهم في الرهبانية ، وملازمتهم الكنائس ، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية . ولذلك لما ولدتها أنثى قالت : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى أي : فيما نذرته له من الرهبانية . و ( قوله : " كل مولود " و" ما من مولود " ) ظاهر قوي في العموم والإحاطة ، ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيما مع النظر الذي أبديناه ، فأفاد هذا : أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء ، والأولياء ، إلا مريم وابنها ، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما ، ولا يفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه ، فإنَّ ذلك ظن فاسد ، وكم قد تعرض الشيطان للأنبياء ، والأولياء بأنواع الإفساد ، والإغواء ، ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان ، كما قال : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين ، كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عصما من نخسه - فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته . وقد خصَّ الله تعالى نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخاصيَّة كمل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه حتى صحَّ إسلامه ، فلا يكون عنده شرٌّ ، ولا يأمره إلا بخير ، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره ، لا عيسى ، ولا أمه . وفي غير كتاب مسلم : " فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب " ، أي : في الحجاب الذي حجب به عيسى ـ عليه السلام ـ ، فإمَّا حجاب مهده ، وإما حجاب بيته . و ( قوله : " صياح المولود نزغة من الشيطان " ) الرواية المعروفة : نزغة - بالنون والزاي ساكنة والغين المعجمة - من النزغ : وهو الوسوسة ، والإغراء بالفساد ، ووقع لبعض الرواة : فزعة - بالفاء والعين المهملة - : من الفزع .
( 34 ) باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخيروا بين الأنبياء ( 2373 ) ( 159 و 160 ) [ 2291 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا، كَرِهَهُ - أَوْ لَمْ يَرْضَهُ - قَالَ : لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ . قَالَ : فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، قَالَ : تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! قَالَ : فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ! إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا ، وَقَالَ : فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ : قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا! قَالَ : فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ : لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ : ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يبعثَ - أَوْ : فِي أَوَّلِ مَنْ يبعثَ - وفي رواية : أول من يفيق من غير شك - فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ : إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَام . وفي رواية : فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ عز وجل . ( 34 ) ومن باب قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تخيروا بين الأنبياء . أي : لا تقولوا فلان خير من فلان ، وفي الرواية الأخرى : لا تفضلوا أي : لا تقولوا فلان أفضل من فلان . يقال : خيَّر فلان بين فلان وفلان . وفضَّل - مشدَّدًا - : إذا قال ذلك . واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال ، فمنهم من قال : إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، ويتضمَّن هذا الكلام : أن الحديث معارض لقوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ولِمَا في معنى ذلك من الأحاديث ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل ، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه ، وحتى يُعرف التاريخ ، وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي ، فليس هذا القول بصحيح ، ومنهم من قال : إنما قال ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جهة التواضع ، والأدب مع الأنبياء ، وهذا فيه بُعد ، لأنَّ السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك ، فإنَّه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل . ألا ترى أنه قد غضب عليه حتى احمر وجهه ، ونهى عن ذلك ، فدلَّ على أن التفضيل يحرم . ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك . ومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك ، لأنَّ ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك ، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ، ويقل احترامهم عند المماراة ، وهذا كما نهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة . ومنهم من قال : مقتضى هذا النهي : إنما هو المنع من تفضيل معيَّن من الأنبياء على معيَّن ، أو على ما يقصد به معيَّن ، وإن كان اللفظ عامًا ، لأنَّ ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول كما بيَّنَّاه ، فيما تقدَّم . قلت : ويدلّ على ذلك : أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث في الأم : لا تفضلوني على موسى ، وبدليل قوله : لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى فإنَّ قيل : فالحديث يدلّ على خلاف هذا ، فإنَّ اليهودي فضل موسى على البشر . والمسلم قال : والذي اصطفى محمدًا على البشر . وعند ذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تفضلوا بين الأنبياء ، ولا تخيروا بين الأنبياء فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا معينًا وغير معين ، فالجواب : أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن يصرح بأن موسى أفضل من محمد ، لكنَّه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه ، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه ، فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى ، غير أنَّه قابل لفظ اليهودي بمثله ، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تفضلوني على موسى فنهاهم عن ذلك ، ثم إنا قد وجدنا نبيَّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : أنا أكرم ولد آدم على ربي ، و أنا سيد ولد آدم ، ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا منسوخ ، ولا مرجوح . قلت : وهذا الوجه وإن كان حسنًا ، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء ، فلا يجوز في المعين منهم ، ولا غيرهم ، ولا يقال : فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم ، ولا من فلان ، ولا خير ، كما هو ظاهر هذا النهي ، لما ذكر من توهم النقص في المفضول ، وإن كان غير معين ، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها ، وإنَّما تفاضلوا بأمور غيرها كما بيَّناه قبل هذا الباب . ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى ، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وكما قد علمنا أن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد خُصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يُخصّ به أحدٌ منهم ، ومع ذلك فلا نقول : نبينا خير من الأنبياء ، ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهى عنه ، وتأدبًا بأدبه ، وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ، ورفعا لما يتوهم من المعارضة بين السُّنَّة والتنزيل . و ( قوله : إنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) أصل الصعق ، والصعقة : الصوت الشديد المنكر ، كصوت الرعد ، وصوت الحمار ، وقد يكون معه موت لشدَّته . وهو المراد بقوله : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وقد تكون معه غشية ، وهو المراد بقوله تعالى : وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فإنَّ كان معه نار فهو الصاعقة ، والعرب كلها تقدم العين على القاف إلا بني تميم ، فإنَّهم يقدمون القاف على العين ، فيقولون : الصاقعة ، حكاها القاضي عياض . وقد اختلف في المستثنى : من هو ؟ فقيل : الملائكة ، وقيل : الأنبياء ، وقيل : الشهداء . والصحيح : أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح ، والكل محتمل ، والله أعلم . و الصُّور قيل : إنه جمع صورة ، والصحيح ما قد صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : الصُّور قرن ينفخ فيه . وسيأتي له مزيد بيان . واختلف في عدد النفخات ، فقيل : ثلاثة : نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة البعث . وقيل : هما نفختان : نفخة الفزع هي نفخة الصعق ، لأنَّ الأمرين لازمان لها . والله تعالى أعلم . و ( قوله : ثم ينفخ فيه أخرى ، فأكون أول من يبعث ، أو : من أول من يبعث ) هذا شك من الراوي تزيله الرواية الأخرى التي قال فيها : فأكون أول من يفيق ، وكذلك الحديث المتقدم الذي قال فيه : أنا أول من ينشق عنه القبر ويبعث ) يعني به : يحيا بعد موته ، وهو الذي عبر عنه في الرواية الأخرى بـ أفيق ) وإن كان المعروف : أن الإفاقة إنما هي من الغشية ، والبعث من الموت ، لكنهما لتقارب معناهما أطلق أحدهما مكان الآخر ، ويحتمل أن يراد بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى . و ( قوله : فإذا موسى متعلِّق بساق بالعرش ) هذا من موسى تعلق فزع لهول المطلع ، وكأنه متحرِّم بذلك المحل الشريف ، ومتمسك بالفضل المنيف . و ( قوله : فلا أدري أحوسب بصعقة الطور ، أو بعث قبلي ) هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أن موسى ـ عليه السلام ـ ، قد توفي وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد رآه في قبره ، وبأن المعلوم المتواتر : أنه توفي بعد أن ظهر دينه ، وكثرت أمَّته ، ودفن بالأرض ، ووجه الإشكال : أن نفخة الصَّعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار ، فأمَّا من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى ، لأنَّ الحاصل لا يستحصل ، ولا يبتغى ، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث ، وموسى قد مات ، فلا يصحُّ أن يموت مرَّة أخرى ، ولا يصحُّ أن يكون مستثنى ممن صُعق ، لأنَّ المستثنيين أحياء لم يموتوا ، ولا يموتون ، فلا يصحُّ استثناؤهم من الموتى ، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال ، فقال : يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء ، وهذا قول باطل بما ذكرناه . قال القاضي عياض : يحتمل أن المراد بهذه الصعقة : صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون ، قال : فتستقل الأحاديث والآيات . قلت : وهذه غفلة عن مساق الحديث ، فإنَّه يدلّ على بطلان ما ذكر دلالة واضحة ، فإنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى ، وهو متعلق بالعرش ، وهذا كان عند نفخة البعث ، ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث ، هل مات عند نفخة الصعق المتقدِّمة على نفخة البعث ، فيكون قد بعث قبله ، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور ، جعلت له تلك عوضًا من هذه ، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصعق ، ولم يصعق ، ولم يمت ، وحينئذ يبقى الإشكال إذ لم يحصل عنه انفصال . قلت : والذي يُزيحه - إن شاء الله تعالى - أن يقال : إن الموت ليس بعدم ، وإنَّما هو انتقال من حالٍ إلى حال ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم ، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين ، فهذه صفات الأحياء في الدُّنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى ، مع أنه قد صحَّ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس ، وفي السماء ، وخصوصًا بموسى ـ عليه السلام ـ . وقد أخبرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يقتضي أن الله تعالى يرد عليه روحه حتى يرد السلام على كل من يسلم عليه ، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى ، وهو كثير بحيث يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم ، وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنَّهم موجودون أحياء ، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه الله بكرامة من أوليائه ، وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السماء والأرض ، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ، فأمَّا صعق غير الأنبياء فموت ، وأما صعق الأنبياء ، فالأظهر أنه غشية ، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث ممن مات حيي ، ومن غشي عليه أفاق ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فأكون أول من يفيق ) وهي رواية صحيحة وحسنة . فهذا الذي ظهر لي ، والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . وقد تحصل من هذا الحديث : أن نبينا محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُحَقَّقٌ أنه أول من يفيق ، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم ، الأنبياء وغيرهم ، إلا موسى ـ عليه السلام ـ فإنَّه حصل له فيه تردد : هل بعث قبله ، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق ، وعلى أي الحالين كان فهي فضيلة عظيمة لموسى ـ عليه السلام ـ ليست لغيره ، والله تعالى أعلم . الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين . حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل . علَّقه الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن دريك عفا الله عنهم . نجز الجزء الثالث من المفهم بشرح كتاب مسلم ، يتلوه - إن شاء الله تعالى كتاب : فضائل الصحابة ، والحمد لله . اللهم يسر لنا طريقًا إلى العلم ، وتوفيقًا إلى الفهم ، وأصلح نياتنا فيهما ، إنك لما تشاء فعَّال ، وأنت حسبنا ونعم الوكيل .
( 33 ) باب في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام ( 2376 ) [ 2287] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِي : اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي وفي رواية : لِعَبْدِي - أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . ( 2377 ) [ 2288 ] وعن ابْنَ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ . ( 33 ) ومن باب ذكر يونس ويوسف وزكريا - عليهم السلام - قوله : " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " أي لا يصلح ، ولا يجوز . و" لعبدٍ " : منوَّن مُنكر ، أي : لعبد من عباد الله ، وفي الرواية الأخرى : " لعبدي " بإضافته إلى ياء المتكلم ، وهو الله تعالى في هذه الرواية ، فيحتمل أن يراد به النكرة ، فتكون إضافته غير محضة ، كما قال الشاعر : وسائلي بمعجزي عن وطني ما ضاقَ بي جنابُه ولا نبا فأدخل " ربَّ " على " سائلي " مع أنه مضاف إلى ياء المتكلم ، فدل على : أنه لم يرد به سائلاً واحدًا ، فكأنه قال : ورب سائل ، وكذلك الوطن في قوله : عن وطني ، لأن الجملة التي بعده صفة له ، أي : عن وطن لم ينب بي جنابه ، أي : غير ناب . ويصح أن تكون إضافة " عبدي " محضة ومعرفة ، ويعني به : عبدي المكرم عندي ، كما قال : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أي : عبادي المكرمون عندي ، والمشرفون لدي ، وقد شهد لهذا المعنى ما قد روي في كتاب أبي داود في هذا الحديث : " لا ينبغي لنبي أن يقول : أنا خير من يونس " ، كما قد روي أيضًا ما يشهد بتنكير " عبد " في كتاب مسلم : " لا أقول : إن أحدًا أفضل من يونس " ، وعلى هذا فيقيد مطلق الرواية الأولى بمقيد هذه الرواية ، فيكون معناه : لا ينبغي لعبد نبي أن يقول : أنا خير من يونس . وهذا هو الأولى ، لأنَّه من ليس بنبي لا يمكنه بوجه أن يقول : أنا أفضل من النبي ، لأنه من المعلوم الضروري عند المتشرعين : أن درجة النبي لا يبلغها ولي ، ولا غيره ، وإنما يمكن ذلك في الأنبياء ، لأنهم صلوات الله وسلامه عليهم قد تساووا في النبوة ، وتفاضلوا فيما بينهم بما خصَّ به بعضهم دون بعض ، فإنَّ منهم من اتخذه الله خليلاً ، ومنهم من اتخذه حبيبًا ، ومنهم أولو العزم ، ومنهم من كلَّم الله على ما هو المعروف من أحوالهم ، وقد قال الله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فإن قيل : إذا كانوا متفاضلين في أنفسهم فكيف ينهي عن التفضيل ؟ وكيف لا يقول من هو في درجة عليا : أنا خير من فلان ، لمن هو دونه ، على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح ؟ فالجواب : أن مقتضى هذا الحديث المنع من إطلاق ذلك اللفظ ، لا المنع من اعتقاد معناه أدبًا مع يونس ، وتحذيرًا من أن يفهم في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ . وإنما خصَّ يونس ـ عليه السلام ـ بالذكر في هذا الحديث ، لأنَّه لما دعا قومه للدخول في دينه ، فأبطؤوا عليه ضجر ، واستعجل بالدعاء عليهم ، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث ، وفرَّ منهم ، فرأى قومه دخانًا ، ومقدمات العذاب الذي وعدهم به ، فآمنوا به ، وصدَّقوه ، وتابوا إلى الله تعالى ، فردُّوا المظالم حتى ردُّوا حجارة مغصوبة كانوا بنوها ، ثم إنهم فرقوا بين الأمهات وأولادهم ، ودعوا الله تعالى ، وضجُّوا بالبكاء والعويل ، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه ، فلم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب ، ومتعهم إلى حين ، وهم أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة ، ثم إن يونس ركب في سفينة فسكنت ولم تجر ، فقال أهلها : فيكم آبق . فقال : أنا هو . فأبوا أن يكون هو الآبق فقارعهم ، فخرجت القرعة عليه ، فرمي في البحر ، فالتقمه حوت كبير ، فأقام في بطنه ما شاء الله ، وقد اختلف في عدد ذلك من يوم إلى أربعين ، وهو في تلك المدة يدعو الله تعالى ، ويسبحه إلى أن عفا الله عنه ، فلفظه الحوت في ساحل لا نبات فيه ، وهو كالفرخ ، فأنبت الله تعالى عليه من حينه شجرة اليقطين ، فسترته بورقها . وحكى أهل التفسير : أن الله تعالى قيض له أروية ترضعه إلى أن قوي ، فيبست الشجرة ، فاغتم لها وتألم ، فقيل له : أتغتم وتحزن لهلاك شجرة ، ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون ؟ وقد دلَّ على صحَّة ما ذكر قوله تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ الآيات إلى آخرها ، وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " إن للنبوة أثقالاً ، وإن يونس تفسخ تحتها تفسُّخَ الرُّبَع " أو كما قال . قلت : ولما جرى هذا ليونس ـ عليه السلام ـ ، وأطلق الله تعالى عليه : أنه مليم ، أي : أتى بما يلام عليه . قال الله تعالى على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس " ؛ لأن ذلك يوهم نقصًا في نبوته ، وقدحًا في درجته ، وقد بيَّنَّا أن " لعبد " هنا بمعنى لنبي ، وقد قيل : إنه محمول على غير الأنبياء ، ويكون معناه : لا يظن أحد ممن ليس بنبي - وإن بلغ من العلم والفضل والمنازل الرفيعة ، والمقامات الشريفة الغاية القصوى - أنه يبلغ مرتبة يونس ـ عليه السلام ـ ، لأنَّ أقل مراتب النبوة لا يلحقها من ليس من الأنبياء ، وهذا المعنى صحيح ، والذي صدرنا به الكلام أحسن منه ، والله تعالى أعلم .
( 2379 ) [ 2290 ] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا . و ( قوله : " كان زكريا نجارًا " ) يدل : على شرف النجارة ، وعلى أن التحرُّف بالصناعات لا يغض من مناصب أهل الفضائل ، بل نقول : إن الحرف والصناعات غير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل ، يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم ، والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان الذي هو خير المكاسب ، كما قد نصَّ عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال : " إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " . وقد نقل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الأعمال . فأولهم آدم ـ عليه السلام ـ علَّمه الله صناعة الحراثة ، ونوح ـ عليه السلام ـ علمه الله صناعة النجارة ، وداود ـ عليه السلام ـ علَّمه الله صناعة الحدادة ، وقيل : إن موسى ـ عليه السلام ـ كان كاتبًا ، يكتب التوراة بيده ، وكلهم قد رعى الغنم كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليهم أجمعين .
( 2378 ) ( 168 ) [ 2289 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ : أَتْقَاهُمْ، قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ : فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ : فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا . وقول السائل : " من أكرم الناس ؟ " معناه : من أولى بهذا الاسم ، ولذلك أجابه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجواب كُلِّي ، فقال : " أتقاهم " ، وهذا منتزع من قوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ فلما قالوا : ليس عن هذا نسألك ، نزل عن ذلك إلى ما يقابله ، وهو الخصوص بشخص معين ، فقال : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، لأنَّه نبي بن نبي بن نبي بن نبي ، فإنَّ هذا لم يجتمع لغيره من ولد آدم ، فهو أحق الناس المعنيين بهذا الاسم . فلما قالوا : ليس عن هذا نسألك تبين له : أنهم سألوه عمن هو أحق بهذا الاسم من العرب ، فأجابهم بقوله : " فعن معادن العرب تسألوني ؟ " أي : عن أكرم أصولها ، وقبائلها ، وقد تقدَّم أن المعدن هو مأخوذ من عَدَن ، أي : أقام ، والعَدْن : الإقامة ، ولما كانت أصول قبائل العرب ثابتة سميت معادن . ثم قال : " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " ، فمعنى هذا : أن من اجتمع له خصال شرف زمن الجاهلية من : شرف الآباء ، ومكارم الأخلاق ، وصنائع المعروف ، مع شرف دين الإسلام ، والتفقه فيه ، فهو الأحق بهذا الاسم ، وقد تقدَّم أن الكرم : كثرة الخير والنفع ، ولما كان تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خير الدنيا والآخرة مطلقًا كان المتصف به أحق ، فإنَّه أكرم الناس ، لكن هذه قضية عامة ، فلما نظر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيمن تعين في الوجود بهذه الصفة ، ظهر له أن الأنبياء أحق بهذا المعنى ، إذ لا يبلغ أحد درجتهم ، وإن أحقَّهم بذلك من كان مُعْرِقًا في النبوة ، وليس ذلك إلا ليوسف ، كما ذكر . ويخرج منه الرد على من قال : إن إخوة يوسف كانوا أنبياء ، إذ لو كانوا كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى ، ثم إنه لما نظر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الأعم والأخص ظهر أن الأحق بذلك المعنى : نوع من الأنواع المتوسطة بين الجنس الأعم ، والنوع الأخص ، وظهر له أنهم أشراف العرب ، ورؤساؤهم إذا تفقهوا في الدين ، وعلموا وعملوا ، فحازوا كل الرتب الفاخرة ، إذ اجتمع لهم شرف الدنيا والآخرة . وفيه ما يدلّ على شرف الفقه في الدين ، وأن العالم يجوز له أن يجيب بحسب ما يظهر له ، ولا يلزمه أن يستفصل السائل عن تعيين الاحتمالات ، إلا إن خاف على السائل غلطًا ، أو سوء فهم ، فيستفصله ، كما قررناه في الأصول .
( 32 ) باب في وفاة موسى عليه السلام ( 2372 ) ( 157 و 158 ) [ 2286 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ : أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ : فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ : يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ : أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْتُ . قَالَ : فَالْآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ. وفي رواية : قال : جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ : فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا. وذكر نحوه . ( 32 ) ومن باب وفاة موسى ـ عليه السلام ـ قوله : " جاء ملك الموت إلى موسى ـ عليه السلام ـ فقال : أجب ربَّك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، فرجع إلى ربِّه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " ظاهر هذا الحديث : أن ملك الموت تمثل لموسى في صورة لها عين ، وأنه دعاه لقبض روحه ، وأن موسى عرف أنه ملك الموت ، وأنه لطمه بيده على عينه ففقأها ، ولما ظهر هذا من هذا الحديث شنَّعته الملحدة ، وقالوا : إن هذا كله محال ، ولا يصح . وقد اختلفت أقوال علمائنا في تأويل هذا الحديث . فقال بعضهم : كانت عينًا متخيَّلة لا حقيقية . ومنهم من قال : هي عين معنوية . وإنما فقأها بالحجَّة ، وهذان القولان لا يلتفت إليهما لظهور فسادهما ، وخصوصًا الأول ، فإنَّه يؤدي إلى : أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له ، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة ، والأدلة المعقولة . ومنهم من قال : كان ذلك ابتلاء وامتحانًا لملك الموت ، فإنَّ الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء . وهذا ليس بجواب ، فإنَّه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى ، وكيف يجوز وقوع مثل هذا ؟ وأشبه ما قيل فيه : ما قاله الشيخ الإمام أبو بكر بن خزيمة ، وهو أن موسى ـ عليه السلام ـ لم يعرف ملك الموت ، وأنه رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه ، فدافع عن نفسه ، فلطم عينه ، ففقأها . وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن . وهذا وجه حسن ، غير أن هذا اعترض عليه بما في الحديث ، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله قال : " يا رب ! أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " ، فلو لم يعرفه موسى - وإنما دفعه عن نفسه - لما صدق هذا القول من ملك الموت . قلت : وقد أظهر لي ذو الطول والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال ، وهو أن موسى عَرَف ملك الموت ، وأنه جاء ليقبض روحه ، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير ، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من : " أن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يخيره " ، فلمَّا جاءه على غير الوجه الذي أعَلِم به ، بادر بشهامته ، وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت ، فلطمه فانفقأت عينه امتحانًا لملك الموت ، إذ لم يصرح له بالتخيير ، ومما يدل على صحة هذا : أنه لما رجع إليه ملك الموت ، فخيَّره بين الحياة والموت ، اختار الموت واستسلم ، وهذا الوجه - إن شاء الله - أحسن ما قيل فيه وأسلم ، وقد تقدَّم القول في تمثل الملائكة في الصور المختلفة عقلاً ، وثبوت وقوع ذلك نقلاً . و ( قوله : " قال : أي رب ! ثم مه ؟ قال ؟ ثم الموت . قال : فالآن " ) " مه " : هي ما الاستفهامية ، لما وقف عليها زاد هاء السكت وهي : لغة العرب إذا وقفوا على أسماء الاستفهام ، نحو : عمه ، ولمه ، وفيمه ، فإذا وصلوا حذفوها . و " فالآن " : ظرف زمان غير متمكن ، وهو اسم لزمان الحال الذي يكون المتكلم عليها ، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل ، وهذا يدلّ على : أن موسى لما خيَّره الله بين الحياة والموت ، اختار الموت شوقًا للقاء الله عز وجل ، واستعجالاً لما له عند الله من الثواب والخير ، واستراحة من الدنيا المكدرة . وهذا كما خُيِّر نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند موته ، فقال : " اللهم الرفيق الأعلى " . و ( قوله : " فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر " ) أي : مقدار رمية بحجر ، فهو منصوب على أنه ظرف مكان . والأرض المقدسة : هي البيت المقدَّس ، وإنَّما سأل موسى ـ عليه السلام ـ ذلك تبركًا بالكون في تلك البقعة ، وليدفن مع من فيها من الأنبياء ، والأولياء ، ولأنها أرض المحشر على ما قيل . و ( قوله : " ولو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر " ) ثمَّ - مفتوحة الثاء - : اسم يشار به إلى موضع ، فأمَّا ثمَّ - بضم الثاء - : فحرف عطف . ويعني بالطريق : طريق بيت المقدس ، وقد تقدم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرَّ في طريقه إلى بيت المقدس - ليلة أسري به - بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه ، وهذا يدل على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق ، ولم يجعله مشهورًا عندهم ، ولعل ذلك لئلا يُعْبَد ، والله أعلم . وقد وقع في الرواية الأخرى : " إلى جانب الطور " مكان : " الطريق " . والطور : الجبل بالسريانية ، وقال أيضًا في الرواية الأخرى : " فما توارت يدك " مكان : " غطَّت يدك " ، وهو بمعناه . والتاء فيه زائدة ، لأنَّ معناه : وارت ، والله أعلم .
( 2371 ) [ 2282 ] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ : إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهَا : إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا : ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ فَفَعَلَتْ، فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَفَعَلَتْ، فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ : ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ فَفَعَلَتْ وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا وَقَالَ لَهُ : إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ ، قَالَ : فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا : مَهْيَمْ؟ قَالَتْ : خَيْرًا كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ وَأَخْدَمَ خَادِمًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ . و ( قوله : " لم يكذب إبراهيم النبي ـ عليه السلام ـ قط إلا ثلاث كذبات ، ثنتين في ذات الله ، قوله : إِنِّي سَقِيمٌ وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وواحدة في شأن سارة " ) قد تقدَّم الكلام على هذه الكذبات في كتاب الإيمان ، وذكرنا هناك : أنها أربع ، زيد فيها قوله للكوكب : هَذَا رَبِّي ولم يذكرها في هذا الحديث ، مع أنه قد جاء بلفظ الحصر ، فينبغي ألا يقال عليها : كذبة في حق إبراهيم ، إذ قد نفاها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الحصر ، وإنَّما لم تعد عليه كذبة وهي أدخل في الكذب من هذه الثلاث ، لأنَّه - والله أعلم - حين قال ذلك في حال الطفولية ، وليست حال تكليف ، ويقوي هذا المعنى قول من حكى عنه ذلك ، كما تقدَّم في الإيمان . و ( قوله : " اثنتين في ذات الله " ) أي : في الدفع عن وجود الله ، وبيان حجته على أن المستحق للإلهية هو الله تعالى لا غيره ، فاعتذر عمَّا دعوه إليه من الخروج معهم بأنه سقيم ، فورى بهذا اللفظ ، وهو يريد خلاف ما فهموا عنه - كما بيَّناه في الإيمان - حتى يخلو بالأصنام فيكسرها ، ففعل ذلك ، وترك كبير الأصنام لينسب إليه كسرها بذلك ، قولاً يقطعهم به ، فإنَّهم لما رجعوا من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسَّرة : قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ فقال بعضهم : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ وكان هذا الذكر هو قول إبراهيم لهم : وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فلما أحضروه : قَالُوا : أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ فأجابهم بقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ أي : رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجَّة المتفطِّن لحجَّة خصمه : فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي : بعبادة من لا ينطق بلفظة ، ولا يملك لنفسه لحظة ، فكيف ينفع عابديه ، ويدفع عنهم البأس من لا يردُّ عن رأسه الفأس : ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ أي : عادوا إلى جهلهم وعنادهم ، فقالوا : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فقال قاطعًا لما به يهذون ، ومفحمًا لهم فيما يتقولون : أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ و ( قوله : " ذات الله " ) يعني به : وجود الله المنزه عن صفات المخلوقات ، والمقدَّس عن ذوات المحدثات ، وفيه دليل على جواز إطلاق لفظ الذات على وجود الله تعالى ، فلا يُلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه على المتكلمين . و ( قوله : " وواحدة في شأن سارة " ) هذه الواحدة هي من إبراهيم ـ عليه السلام ـ مدافعة عن حكم الله تعالى الذي هو : تحريم سارة على الجبَّار ، والثنتان المتقدِّمتان مدافعة عن وجود الله تعالى ، فافترقا ، فلذلك فرَّق في الإخبار بين النوعين . و ( قوله : " إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك " ) قيل : إن ذلك الجبَّار كانت سيرته : أنه لا يغلبُ الأخ على أخته ، ولا يظلمه فيها ، وكان يغلب الزوج على زوجته ، وعلى هذا يدلّ مساق هذا الحديث ، وإلا فما الذي فرَّق بينهما في حق جبَّار ظالم ؟ و ( قوله : " فإنَّ سألك فأخبريه : أنك أختي ، فإنك أختي في الإسلام " ) هذا صحيح ليس فيه من الكذب شيء ، وهذا كقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ لكن لما كان الأسبق للفهم من لفظ الأخوة إنما هي أخوَّة النسب ، كان من باب المعاريض ، لأنَّ ظاهر اللفظ يوهم شيئًا ، ومراد المتكلم غيره . وقيل عليه كذب توسُّعًا ، وأطلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليها كذبًا ، لأنَّ الله تعالى قد أعلمه : أن إبراهيم يطلق ذلك على نفسه يوم القيامة كما تقدم في كتاب الإيمان ، وأيضًا : فليُنبَّه بذلك على أن الأنبياء منزهون عن الكذب الحقيقي ، لأنَّهم إذا كانوا يَفْرَقُون من مثل هذه المعاريض التي يجادلون بها عن الله تعالى ، وعن دينه ، وهي من باب الواجب وتعد عليهم ، كان أحرى وأولى أن لا يصدر عنهم شيء من الكذب الممنوع ، وفي هذا ما يدلّ على جواز المعاريض والحيل في التخلص من الظَّلمة . بل نقول : إنه إذا لم يُخلِّص من الظالم إلا الكذب الصَّراح جاز أن يكذبَه ، بل قد يجب في بعض الصور بالاتفاق بين الفِرَق ، ككذبة تنجي نبيًّا ، أو وليًّا ممن يُريد قتله ، أو أمنًا من المسلمين من عدوهم . وفيه : ما يدل على أن العمل بالأسباب المعتادة التي يرجى بها دفع مضرَّة ، أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل ، خلافًا لما ذهب إليه جُهَّال المتوكِّلة ، وقد تقدَّم كثير من نحو هذا . وقول الجبَّار لسارة حين قبضت يده عنها : " ادعي الله لي " يدلّ على أن هذا الجبَّار كان عنده معرفة بالله تعالى ، وبأن لله من عباده من إذا دعاه أجابه ، ومع ذلك فلم يكن مسلمًا ، لأنَّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد قال لسارة : " ما أعلم على الأرض مسلمًا غيري وغيرك " . وقول الجبَّار : " لك الله ألا أضرك " الرواية فيه بالنصب ، لا يجوز غيره ، وهو قسم ، ومقسم به ، ومقسم عليه ، وفيه حذف يتبيَّن بالتقدير ، وتقدير ذلك : أقسم بالله على ألا أضرك ، فحذف الخافض ، فتعدَّى الفعل فنصب ، ثم حذف فعل القسم ، وبقي المقسم به - وهو الله تعالى - منصوبًا ، وكذلك المقسم عليه وهو : ألا أضرك ، يعني مفتوح همزة ألا ، ويجوز في أضرك رفع الراء على أن تكون أن مخففة من الثقيلة ، ويجوز فيها النصب على أن تكون أن الناصبة للفعل المضارع . وقول الجبَّار للذي جاءه بسارة : " إنما أتيتني بشيطان ، ولم تأتني بإنسان " ) كلام يناقض قوله : " ادعي الله لي " فيكون ذمُّه لها عنادًا ، بعد أن ظهر له كرامتها على الله ، أو إخفاء لحالها لئلا يتحدث بما ظهر عليها من الكرامة ، فتعظم في نفوس الناس وتُتَّبع ، فلبَّس على السامع بقوله : " إنما أتيتني بشيطان " . و ( قول إبراهيم ـ عليه السلام ـ : " مهيم " ) قال الخليل : هي كلمة لأهل اليمن خاصة . معناها : ما هذا ؟ وفي الصحاح : هي كلمة يستفهم بها ، معناها : ما حالك ؟ وما شأنك ؟ ونحوه قال الطبري . و ( قوله : " قالت : خيرًا " ) هو منصوب بفعل مضمر ، أي : فعل الله خيرًا . ثم فسَّرت الخير بقولها : " كبت الله يد الفاجر ، وأخدم خادمًا " ) أي : عصمها الله منه بما أظهر من كرامتها ، وأعطاها الله خادمًا ، وهي : هاجر . ويقال : آجر - بالهمزة يبدلونها من الهاء وفيه : جواز قبول هدية المشرك ، وقد تقدم القول فيها . وقول أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " فتلك أُمُّكم يا بني ماء السَّماء " ، فتلك : إشارة إلى هاجر ، والمخاطب : العرب . قال الخطابي : سُمُّوا بذلك لانتجاعهم المطر ، وماء السماء للرعي . وقال غيره : سُمُّوا بذلك لخلوص نسبهم ، وصفائه . وشبَّهه بماء السماء . قال القاضي أبو الفضل : والأظهر عندي : أن المراد به الأنصار . نسبهم إلى جَدِّهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، وكان يعرف بماء السماء ، وهو مشهور . والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور ، والله أعلم .
( 29 ) باب في ذكر إبراهيم عليه السلام ( 2369 ) [ 2280 ] عَنْ أَنَسِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام ( 29 ) ومن باب ذكر إبراهيم ـ عليه السلام ـ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للذي قال له : يا خير البرية : ذاك إبراهيم البرية : الخلق ، وتهمز ، ولا تهمز ، وقد قرئ بهما ، واختلف في اشتقاقها ، فقيل : هي مأخوذة من البراء ، وهي : التراب . فعلى هذا لا يهمز . وقيل : هي مأخوذة من برأ الله الخلق - بالهمز أي : خلقهم ، وعلى هذا فيهمز ، وقد يكون من هذا ، وتسهل همزتها ، كما سهلوا همزة خابية ، وهي من : خبأت مهموزًا . والبرية في الوجهين : فعيلة بمعنى مفعولة ، وقد عارض هذا الحديث قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنا سيِّد ولد آدم . وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة ، وأقوال السلف والأمَّة : أنه أفضل ولد آدم ، وقد انفصل عن هذا بوجهين : أحدهما : أن ذلك من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جهة التواضع ، وترك التطاول على الأنبياء ، كما قال : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة ولا فخر . وخصوصًا على إبراهيم ، الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم . وثانيهما : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى ، ثم إنه أعلم بأنه أكرم وأفضل ، فأخبر به كما أمر ، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة ، والبركة ، والخلة ، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال : إن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ثم بعد ذلك زاده الله من فضله ، فشرَّفه ، وكرَّمه ، وفضله على جميع خلقه ، وقد أورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد . قال : رُدَّ على الأول ، أن قيل : كيف يصح من الصادق المعصوم أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب ، والوارد على الثاني : أن ذلك خبر عن أمر وجودي ، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ . والجواب عنهما : أن يقال : إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه ، وتأدب مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه ، ولم يتعرض للمعنى ، فكأنه قال : لا تطلقوا هذا اللفظ علي ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه ، واحترامًا له . ولو صرَّح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد ، لا عقلاً ، ولا نقلاً ، وهذا كما قال : لا تفضلوني على موسى أي : لا تقولوا : محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول ، كما قدَّمناه ويأتي . بهذا أظهر هذا اللفظ أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته ، فذلك خبر عن الحكم الشرعي ، لا عن المعنى الوجودي ، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه ، ووضعه ، وصحَّ الحكم به ، ونسخه من غير تعرُّض للمعنى ، والله أعلم . سلَّمنا أنه خبر عن أمر وجودي ، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل ، بل : منها ما يتبدل ، ولا يلزم من تبدله تناقض ، ولا محال ، ولا نسخ ، كالإخبار عن الأمور الوضعية . وبيان ذلك : أن معنى كون الإنسان مكرَّما مفضلاً ، إنما ذلك بحسب ما يُكرَّم به ، ويُفضل على غيره ، ففي وقت يُكرَّم بما يُساوي فيه غيره ، وفي وقت يزاد على ذلك الغير ، وفي وقت يُكرَّم بشيء لم يُكرَّم به أحد ، فيقال : غلبه في المنزلة الأولى مُكرَّم مُقرَّب ، وفي الثانية مُفضل بقيد . وفي الثالثة ، مُفضل مطلقًا ، ولا يلزم من ذلك تناقض ، ولا نسخ ، ولا مُحال ، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط عليه ، وشدَّ عليه يدًا .
( 2370 ) [ 2281 ] وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ . و ( قوله : " اختتن إبراهيم ـ عليه السلام ـ بالقدوم ، وهو ابن ثمانين سنة " ) اختلف الرواة في تخفيف دال القدوم وتشديدها ، واختلفوا أيضًا في معناها . فالذي عليه أكثر الرواة التخفيف ، ويعني به : آلة النَّجَّار ، وهو قول أكثر أهل اللغة في آلة النجارة . ورواه بعضهم مشدَّدًا . وفسَّره بعض اللغويين : بأنه موضع معروف بالشام ، ومنهم من قال : بالسَّرَاة ، وحكي عن أبي جعفر اللُّغوي : قدُّوم : المكان مشدَّد ، معرفة ، لا تدخله الألف واللام ، قال : ومن رواه في حديث إبراهيم ـ عليه السلام ـ مخففًا فإنما يعني بها الآلة التي ينجر بها ، وفي الصحاح : القدوم : الذي ينحت به مخففًا . قال ابن السِّكيت : لا تقل : قدُّوم بالتشديد ، والجمع : قدم . قال الأعشى : أقام به شاهَبُورُ الجنُو د حَوْلَين يَضرِب فيه القُدُم وجمع القُدُم : قدائم ، مثل : قُلُص وقلائص ، والقدوم أيضًا : اسم موضع مخفَّف . قلت : ويحصل من أقوالهم : أن القدوم إذا أريد به الآلة فهو مخفف ، وإذا أريد به الموضع ففيه التشديد والتخفيف ، ويحتمل أن يراد بالقدوم في الحديث : الآلة والموضع . و ( قوله : " وهو ابن ثمانين سنة " ) وفي غير كتاب مسلم : أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة ، وعاش مائة وعشرين سنة . قال القاضي عياض رحمه الله : قد جاء هذا الحديث من رواية مالك ، والأوزاعي ، وفيه : اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة . ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة . إلا أن مالكًا ومن تابعه وقفوه على أبي هريرة . قلت : قد تقدَّم : أن إبراهيم أوَّل من اختتن ، وأن ذلك لم تزل سُنَّة عامة معمولاً بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين إلى دينه . وهو حكم التوراة على بني إسرائيل كلهم ، ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى ـ عليه السلام ـ غير أن طوائف من النصارى تأوَّلوا ما جاء في التوراة من ذلك ، بأن المقصود زوال غُلْفَة القلب ، لا جلدة الذكر ، فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان ، وليس هذا بأوَّل جهالاتهم ، فكم لهم منها وكم ! ويكفيك من ذلك : أنّهم زادوا على أنبيائهم في الفهم ، وغلَّطوهم فيما عملوا عليه ، وقضوا به من الحكم . وقد أسبغنا القول في هذا في كتاب " الإعلام " .
( 31 ) باب قصة موسى مع الخضر عليه السلام ( 2380 ) ( 170 - 174 ) [ 2285] عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَامَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ : أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ. قَالَ : فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى عليه السلام : أَيْ رَبِّ ! كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ : احْمِلْ حُوتًا - في رواية : مالحا - فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ - وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ - فَحَمَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حُوتًا فِي مِكْتَلٍ وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَقَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ : وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ : وَلَمْ يَنْصَبْ موسى حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ مُوسَى : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا قَالَ : يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ - وفي رواية : مستلقيا على القفا، أو قال : على حلاوة القفا - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ : أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ من أنت؟! قَالَ : أَنَا مُوسَى، قَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ : نَعَمْ - وفي رواية : قال : مجيء ما جاء بك؟! قال : جئت لتعلمني مما علمت رشدا ، قَالَ : إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ لَهُ الْخَضِرُ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا قَالَ : نَعَمْ ، فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ - وفي رواية : فذعر عندها موسى عليه السلام ذعرة منكرة - فَقَالَ مُوسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ : وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ - وفي رواية : لئاما - فطافا في المجالس فـ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ يَقُولُ : مَائِلٌ قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى : قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا قَالَ : وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ : مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ الْبَحْرِ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : وَكَانَ يَقْرَأُ : وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ : وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا. وفي رواية : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ . قَالَ : وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا . وقال بعد قوله : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أَخَذَ بِثَوْبِهِ قَالَ : سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا ، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . ( 31 ) ومن باب قصَّة موسى مع الخضر - عليهما السلام - قوله : " إن نَوْفًا البكالي " ، لم يختلف في أن نوفًا هو بفتح النون ، وإسكان الواو وفتح الفاء منوَّنة ، وأما البكالي : فروايتي فيه بكسر الباء ، وفتح الكاف وتخفيفها على كل من قرأتُه عليه في البخاري ومسلم ، وهي المعروفة ، وقد ضبطها الخشني ، وأبو بكر - بفتح الباء والكاف ، وتشديد الكاف - والأول الصواب . وبكال : بطن من حِمْيَر ، وقيل من هَمْدان ، وإليهم ينسب نوف هذا ، وهو نوف بن فضالة على ما قاله ابن دريد ، وغيره . يكنى بأبي زيد ، وكان عالِمًا فاضلاً ، وإمامًا لأهل دمشق ، وقيل : هو ابن امرأة كعب الأحبار ، وقيل : ابن أخته . و ( قول ابن عباس : " كذب عدو الله " ) قول أصدره غضب على من يتكلم بما لم يصح ، فهو إغلاظ ، وردع ، وقد صار غير نوفٍ إلى ما قاله نوف ، لكن الصحيح ما قاله ابن عباس على ما حكاه في الحديث . و ( قوله : " قام موسى خطيبًا ، فسُئِل أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا ، فعَتَب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه " ) مساق هذه الرواية هو أكمل ما سيق الحديث عليه فلنبحث فيه ، وظاهر هذا اللفظ : أن الذي عتب الله تعالى على موسى إنما هو أن قال : أنا أعلم . فأضاف الأعلمية إليه ، ولم يقل : الله أعلم بمن هو أعلم الناس ، فيفوَّض ذلك إلى الله ، فيكون هذا من نوع ما عتبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على لوط ـ عليه السلام ـ حيث قال : قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وسيأتي تكميل هذا المعنى في كتاب التفسير - إن شاء الله تعالى فكان الأولى بموسى ـ عليه السلام ـ أن يقول : الله أعلم بمن هو أعلم الناس ، لكن لما لم يعلم في زمانه رسولاً آتاه الله كتابًا فيه علم كل شيء وتفصيل الأحكام سواه ، قال ذلك حسب ما كان في علمه . لكنه تعالى لم يرض منه بذلك لكمال معرفته بالله تعالى ، ولعلوِّ منصبه . وفي بعض طرق البخاري : أن السائل قال لموسى : هل في الأرض أعلم منك ؟ قال : لا ، فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه . قلت : وهذان اللفظان هما اللذان يتوجَّه العتب على موسى فيهما ، وقد روي بألفاظ أخر ، يبعد توجُّه العتب عليها ، فقد روي أنه قال : لا أعلم في الأرض خيرًا ولا أعلم مني . وفي أخرى قيل له : هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فقال : لا . فهذان اللفظان قد نفى فيهما العلم فيما سئل عنه عن نفسه ، وهو حق صحيح وتبرؤ صريح ، فكيف يتوجه على من قال مثل ذلك عتب ، أو ينسب إلى تقصير ؟ فالصحيح من حيث المعنى الذي صدر من موسى ـ عليه السلام ـ معنى اللفظين السابقين ، فإنَّه جزم فيهما بأنه أعلم أهل الأرض ، وهذا محل العتب على مثله ، فإنَّه كان الأولى به أن يفوِّض علم ذلك إلى الله تعالى ، وهذا يدل على صحة ما قلناه فيما تقدَّم من أن الذنوب المنسوبة إلى الأنبياء المعدَّدة عليهم إنما هي من باب ترك الأولى ، وعوتبوا عليها بحسب مقاديرهم ، فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين . و ( قوله تعالى : " إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك " ، وفي الرواية الأخرى : " بل عبدنا الخضر " ) اسم الخضر : بليا بن مَلْكان على ما قاله بعض المفسرين ، وسُمِّي الخضر ، لأنه كان أينما صلَّى اخضر ما حوله ، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنما سُمِّي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء " . وقال : هذا حديث حسن صحيح . و " مجمع البحرين " : ملقاهما . قال قتادة : هما بحرا فارس والروم . السُّدِّي : هي الكر . والرس بأرمينية ، أبي : وهما بإفريقية . القرطبي : بطنجة . وحُكي عن ابن عباس : إن بحري العلم : الخضر وموسى ، وكأنَّ هذا لا يصح عنه ، والله أعلم . و ( قوله : " هو أعلم منك " ) أي : بأحكام مفصَّلة ، وحكم نوازل معيَّنة ، لا مطلقًا ، بدليل قول الخضر لموسى : إنَّك على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا ، وأنا على علم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت . وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما : أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما ، ولا يعلمه الآخر . فلما سمع موسى هذا تشوَّفت نفسه الفاضلة ، وهمَّته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم ، وللقاء من قيل فيه : إنه أعلم ، فعزم فسأل سؤال الذَّليل : كيف السبيل ؟ فأمر بالارتحال على كل حال ، وقيل له : احمل معك حوتًا مالِحًا في مِكتل ، وهو الزنبيل . فحيث يحيا وتفقده فثمَّ السبيل ، فانطلق مع فتاه لما واتاه ، مجتهدًا طلبًا قائلاً : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا والْحُقُب : بضم الحاء والقاف : الدهر ، والجمع أحقاب ، وبضم الحاء وسكون القاف ، ثمانون سنة ، ويقال أكثر من ذلك ، والجمع حقاب ، والحقبة بكسر الحاء ، واحدة الحقب ، وهي : السنون . من الصحاح . وفيه من الفقه : رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم ، والاستعانة على ذلك بالخادم ، والصَّاحب ، واغتنام لقاء الفضلاء ، والعلماء ، وإن بَعُدَت أقطارهم ، وذلك كان دأب السَّلف الصالح ، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح ، وحصلوا على السعي الناجح ، فرسخت في العلوم لهم أقدام ، وصحَّ لهم من الذكر والأجر أفضل الأقسام . ثم إن موسى أزعجه القلق ، فانطلق مغمورًا بما عنده من الشوق والحرق ، يمشي مع فتاه على الشط ، ولا يبالي بمن حطَّ ، لا يجد نصبًا ، ولا يخطئ سببًا . إلى أن أويا إلى الصخرة فناما في ظِلِّها . قال بعض المفسرين : وكانت على مجمع البحرين ، وعندها ماء الحياة - حكى معناها الترمذي عن سفيان بن عيينة - فانتضح منه على الحوت فحيي واضطرب ، فخرج من المكتل يضطرب حتى سقط في الماء ، فأمسك الله جرية الماء عن موضع دخوله حتى كان مثل الطاق ، وهو النَّقْب الذي يدخل منه . و ( قوله : " فكان للحوت سربًا " ) أي : مسلكًا . عن مجاهد قال قتادة : جمد الماء فصار كالسِّرب . و ( قوله : " وكان لموسى وفتاه عجبًا " ) لما تذكرا ، فرجعا ، فعجبا من قدرة الله على إحياء الحوت ، ومن إمساك جري الماء حتى صار بحيث يسلك فيه . و ( قوله : " فانطلقا بقية يومهما وليلتهما " ) يعني : بعد أن قاما من نومهما ، ونسيا حوتهما ، أي : غفلا عنه ، ولم يطلباه لاستعجالهما . وقيل : نسي يوشع الحوت ، وموسى أن يأمره فيه بشيء . وقيل : نسي يوشع فنسب النسيان إليهما للصحبة ، كقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ وعلى هذا القول يدل قوله في الحديث : " ونسي صاحب موسى أن يخبره " ، ويظهر منه : أن يوشع أبصر ما كان من الحوت ونسي أن يخبر موسى في ذلك الوقت . و ( قوله : " فلما أصبح قال موسى : لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا هذا يدلّ على أنهما كانا تزوَّدا ، وقيل : كان زادهما الحوت ، وكان مملَّحًا . قلت : والظاهر من الحديث : أنه إنما حمل الحوت معه ، ليكون فقده دليلاً على موضع الخضر ، كما تقدَّم من قوله تعالى لموسى : " احمل معك حوتًا في مكتل ، فحيث تفقد الحوت فهو ثمَّ " ، وعلى هذا فيكون تزوَّدا شيئًا آخر غير الحوت . والنصب : التعب والمشقة . وقيل : عنى به هنا : الجوع . وفيه دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض ، وأن ذلك لا يقدح في الرّضا ، ولا في التسليم للقضاء ، لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا تسخُّط . و ( قوله : " ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به " ) أي : لم يجد موسى ألم النَّصب إلا بعد أن جاوز موضع فقد الحوت ، وكأن الله تعالى جعل وجدان النصب بسبب طلب الغداء سبب تذكر ما كان من الحوت . ومن هنا قيل : إن النَّصب هنا هو الجوع . و ( قوله : " أرأيت إذ أوينا إلى الصَّخرة فإني نسيت الحوت " ) هذا قول يوشع جوابًا لموسى ، وإخبارًا له عما جرى . ومعنى أَوَيْنَا انضممنا ، وهي هنا بقصر الهمزة لأنه لازم ، وقد تقدَّم ذكر الخلاف في المتعدي في قصره ومده . ونسبة الفتى النسيان إلى نفسه نسبة عادية لا حقيقية . و ( قوله : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ أن مع الفعل بتأويل المصدر ، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في أنسانيه ، وهو بدل الظاهر من المضمر ، وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار ، وذلك أن في البخاري : أن موسى قال لفتاه : " لا أُكلِّفك إلا أن تُخبرني بحيث يفارقك الحوت ، فاعتذر بذلك القول " ، ويعني بذلك : أن الشيطان سبب للنسيان ، والغفلة ، بما يورده على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب ، ومن المعلوم أن النسيان لا صنع فيه للإنسان ، وأنه مغلوب عليه ، ولذلك لم يؤاخذ الله تعالى به ، وإنَّما محل المؤاخذة الإهمال والتفريط . والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهم حتى ينسى المهم ، وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يُشغل ذكر الإنسان بما ليس بمهم ، ويزينه له حتى ينصرف عن المهم فيذم على ذلك ويُعاقب ، فيحصل مقصود الشيطان من الإنسان . و ( قوله : وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا أي : اتخذ الحوت طريقه في البحر سربًا ، تعجب منه يُوشع ، ويتعجب به غيره ممن شاهده ، أو سمع قضيته . و نَبْغِ نطلب . و ارتدا : رجعا . و قَصَصًا تتبعًا لآثار طريقهما . و الصَّخْرَةِ هي التي كان أويا إليها . و" المسجَّى " : المغطى . و" مُستلقيًا على القفا " أي : مباشرًا بظهره وقفاه الأرض مستقبلاً بوجهه السماء كهيئة الميت . و ( قوله : " أو على حلاوة القفا " ) شك من بعض الرواة . و" حلاوة القفا " يعني بها - والله أعلم - : أن هذه الضجعة مما تستحلى ، لأنَّها ضجعة استراحة ، فكأنه قال : أو حلاوة ضجعة القفا ، ويقال بضم الحاء وفتحها ، وحلاء بالضم والمد ، وبه وبالقصر ، وكأن هذه الضجعة من الخضر كانت بعد تعب عبادة . وآثر هذه الضجعة لما فيها من تردُّد البصر في المخلوقات ، ورؤية عجائب السماوات ، فكأن الخضر في هذه الضجعة متفرغ عن الخليقة ، مملوء بما لاح له من الحق والحقيقة ، ولذلك لما سلَّم عليه موسى ـ عليه السلام ـ كشف الثوب عن وجهه ، وقال : وعليك السلام ، من أنت ؟ و ( قوله : " أنَّى بأرضك السَّلام " ) معناه : من أين تعرف السلام بهذه الأرض التي أنت فيها ؟! وهذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن ذلك الموضع كان قفرًا لم يكن به أحدٌ يصحبه ، ولا أنيس فيكلمه ، ويحتمل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلم به موسى ، إما لأنهم ليسوا على دين موسى ، وإما لأنه ليس من كلامهم . و " أنى " تأتي بمعنى : حيث ، وكيف ، وأين ، ومتى . حكاه القاضي . وفي هذا من الفقه : تسليم القائم على المضطجع ، وهذا القول من الخضر كان بعد أن ردَّ عليه السلام ، لا قبله ، كما قد ذكرناه ، ومساق هذه الرواية يدل : على أن اجتماع موسى ـ عليه السلام ـ بالخضر كان في البر عند الصخرة ، وهو ظاهر قوله : " حتى إذا أتى الصخرة فرأى رجلاً مسجَّى " ، وفي بعض طرق البخاري : " حتى أتى الصخرة ، فإذا رجل مسجَّى " فعطفه بالفاء المعقبة ، وإذا المفاجئة ، غير أنه قد ذكر البخاري ما يقتضي أنه رآه في كبد البحر ، وذلك أنه قال فيها : فوجد خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجَّي بثوبه ، وجعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه . و" كبد البحر " : وسطه . وهذا يدلّ على أنه اجتمع به في البحر ، ويحتمل أن موسى مشى على الماء ، وتلاقيا عليه ، وهذا لا يستبعد على موسى والخضر ، فإنَّ الذي خرق لهما من العادة أكثر من هذا وأعظم . وعلى هذا فهذه الزيادة تُضم إلى الرواية المتقدِّمة ، ويجمع بينهما بأن يقال : إن وصول موسى للصخرة ، واجتماعه مع الخضر كان في زمان متقارب ، أو وقت واحد لطيِّ الأرض ، وتسخير البحر ، والقدرة صالحة ، وهذه الحالة خارقة للعادة ، ولما كان كذلك عبَّر عنها بصيغ التعقيب والاتصال ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " نعم " ) هو حرف جواب في الإيجاب ، فكأنه قال : أنا موسى بني إسرائيل ، فهو نصٌّ في الرد على نوفٍ ، وعلى من قال بقوله : وهم أكثر اليهود . و ( قوله : " مجيء ما جاء بك " ) قيَّدها ابن ماهان بالهمز والتنوين ، وعلى هذا تكون " ما " نكرة صفة لمجيء ، وهي التي تكون للتفخيم والتعظيم ، كقولهم : لأمر ما تسوَّدَ من تسوَّدَ ، ولأمر ما تدرَّعت الدروع . فيكون معناه : مجيءٌ عظيمٌ ، وأمرٌ مهمٌ حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني إسرائيل ، واقتحمت الأسفار ، وقطعَ المفاوز والقفار . وقد زاد فيه بعض الرواة : " أن الخضر قال له : وعليك السلام ، أنَّى بأرضنا يا نبي بني إسرائيل ، أما كان لك فيهم شغل ؟! قال : بلى ولكني أمرت أن أصحبك ، مستفيدًا منك " . فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد ملازمًا للأدب والحرمة ، ومعظمًا لمن شرَّفه الله بالعلم ، وأعلى رسمه فقال : جئتُك لتعلمني مما عُلمت رُشْدًا . قرأه الجماعة بضم الراء وسكون الشين ، وقرأه يعقوب وأبو عمرو بالفتح فيهما ، وهما لغتان ، ويقال : رَشَدَ : بالفتح يرشد رُشدًا بالضم ، ورَشِد بالكسر يرشَد رَشدًا بالفتح ، ومعنى الرشد : الاستقامة في الأمور ، وإصابة وجه السداد ، والصواب فيها ، وضده الغي . وهو منصوب على المصدر ، ويكون في موضع الحال ، ويصح أن يكون مفعولاً من أجله ، وفيه من الفقه التذلل ، والتواضع للعالم ، وبين يديه ، واستئذانه في سؤاله ، والمبالغة في احترامه وإعظامه ، ومن لم يفعل هكذا فليس على سنة الأنبياء ، ولا على هديهم ، كما قال نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه " . و ( قوله : " إنك على علم من علم الله علَّمكه الله ، لا أعلمه ، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت " ) ظاهر هذا : أن الخضر كان لا يعلم التوراة ، ولا ما علمه موسى من الأحكام ، وقد جاء هذا الكلام في بعض روايات البخاري بغير هذا اللفظ ، وبزيادة فيه ، فقال : " أما يكفيك أن التوراة بين يديك ، وأن الوحي يأتيك يا موسى ؟ إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه " . قلت : ولا بعد فيما ظهر من رواية مسلم ، لأنَّ الخضر إن كان نبيًا فقد اكتفى بما تعبَّده الله به من الأحكام ، وإن كان غير نبي فليس متعبدًا بشريعة بني إسرائيل ، إذ يمكن أن لا يكون منهم . والله أعلم ، وسيأتي القول في نبوته . وأما مساق رواية البخاري ، فهو مساق حسن لا يرد عليه من هذا الاستبعاد شيء ، لأنَّ مقتضاه : أن لكل واحد منهما علما خاصا به لا يعلمه الآخر ، ويجوز أن يشتركا في علم التوراة ، وغيرها مما شاء الله أن يشركهما فيه من العلوم ، ويظهر لي أن الذي خصَّ به موسى ـ عليه السلام ـ : العلم بالأحكام ، والمصالح الكلية التي تنتظم بها مصالح الدنيا ، لأنَّه أرسل إلى عامة بني إسرائيل . وقول موسى : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي ، سؤال ملاطفة ، أي : هل يمكن كوني معك حتى أتعلم منك ؟ فأجابه بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك ، وهو عدم صبرك ، فقال جازمًا في قضيته ، لما علمه من حالته : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، ثم بيَّن وجه عذره عن ذلك بقوله : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ، معناه : إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال ، وأنت في ذلك كالمعذور ، لأنَّك تشاهد أمورًا ظاهرة ، ولا تعرف بواطنها وأسرارها . وانتصبت خبرًا على التمييز المنقول عن الفاعل ، وقيل على المصدر الملاقي في المعنى ، لأنَّ قوله : لم تحط معناه : لم تُخبر ، فكأنه قال : لم تخبره خبرًا ، وإليه أشار مجاهد . والخبير بالأمور : هو العالم بخفاياها ، وبما يختبر منها . وقوله : قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ، هذا تفويض إلى الله تعالى في الصبر ، وجزمٌ بنفي المعصية ، وإنما كان منه ذلك ، لأن الصبرَ أمر مستقبل ، ولا يدري كيف يكون حاله فيه ، ونفي المعصية معزومٌ عليه حاصل في الحال ، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه والله تعالى أعلم . ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسبًا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها ، فإن ذلك كله مكتسب لنا . وقوله : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ، هذا من الْخَضِر تأديبٌ ، وإرشادٌ لما يقتضي دوامَ الصُّحبة ، ووعدٌ بأنه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من العجائب ، فلو صبرَ ودَأبَ لرأى العجبَ ، لكنَّه أكثر من الاعتراض ، فتعيَّن الفِراق والإعراض . و ( قوله : " فانطلقا يمشيان على ساحل البحر " ) يعني : الخضر وموسى ، ولم يذكر معهما فتى موسى ، فدلَّ على أنه لم يكن معهما ، أو أنه تخلَف عنهما ، ويحتمل أنه اكتفى بذكر المتبوع عن التابع . و ( قوله : " فعرفوا الخَضِر ، فحملوهما بغير نَول " ) أي : بغير شيء ناله أصحابُ السفينة منهما ، أي : بغير جُعل ، والنَّولُ والنَّالُ والنَّيْلُ : العطاء . وفيه ما يدلُ على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحًا ، ما لم يتسبَّب هو بإظهار صلاحه لذلك ، فيكون قد أَكَلَ بدينه وذلك مُحرَّم وربا . وقوله : لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ، قرأه حمزة والكسائي بالمثناة تحت مفتوحة . وأصلُها بالرفع على أنه فاعل يَغرَق ، والباقون بمثناة فوق مضمومة . أهلَها : بالنصب ، فعلى الأول تكون اللام للمآل ، كما قال تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا وعليها : فلم يَنسبْ له أنه أراد الإغراق ، وعلى القراءة الثانية : تكون اللام : لام كي ، ويكون نَسبَ إليه : أنه قصد بفعله ذلك إغراقهم ، وحملَه على ذلك فرطُ الشفقة عليهم ، ولأنهم قد أحسنوا فلا يُقابلون بالإساءة ، ولم يقل : لتغرقني ، لأن الذي غلبت عليه في الحال : فَرطُ الشفقة عليهم ، ومراعاة حقهم . وقوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ، أي : ضعيف الحجة ، يُقال : رجل إمرٌ : أي : ضعيف الرأي ذاهبُه ، يحتاج إلى أن يُؤمر ، قال معناه أبو عبيد . مجاهد : منكرًا . مقاتل : عجبًا . الأخفش : يُقال أَمِرَ أَمْرُهُ ، يأمر أمْراً ، أي : اشتد ، والاسم : الإمْرُ . قال الراجز : قَد لَقِيَ الأقرَانُ مِنِّي نُكرًا داهِيَةَ دَهيَاءَ إِدًّا إِمرا وفيه من الفقه : العمل بالمصالح ، إذا تحقق وجهها ، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه . وقوله : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ، أي : من عهدك ، فتكون " ما " مع الفعل بتأويل المصدر ، أي : سهوي وغفلتي . وصدقَ ، ولذلك قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " كانت الأولى من موسى نسيانًا " . وقوله : وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ، أي : لا تفندني فيما تركته ، قاله الضحَّاك . وقال مقاتل : لا تكلِّفني ما لا أقدر عليه من التحفُّظ عن السهو . و ( قوله : " فإذا غلام يلعب مع الغلمان " ) قد تقدم : أن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ ، ويُقابله الجارية في النساء . قال الكلبي : اسم هذا الغلام : شمعون . وقال الضحَّاك : حيسون . وقال وهب : اسم أبيه سلاس ، واسم أمه : رُحمى ، وقال ابن عباس : كان شابًّا يقطع الطريق . قلت : ويظهر من كلام ابن عباس هذا : أنه كان بالغًا ، وأنه بلغ سن التكليف ، وليس هذا معروفًا في إطلاق اسم الغلام في اللغة ، ومساق الحديث يدلّ على أنه لم يبلغ سن التكليف ، فلعل هذا القول لم يصح عن ابن عباس . بل الصحيح عنه : أنه كان لم يبلغ ، كما يأتي . و ( قوله : " فذُعِرَ موسى عندَ هذا ذَعْرَةً شديدة " ) أي : فَزِعَ فَزَعًا شديدًا عند هذه الفعلة التي هي قتله الغلام ، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار ، تاركًا للاعتذار ، فقال : ( أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا ) ، هذه قراءة العامة ، وقرأه الكوفيون ، وابن عامر : زكيَّة بغير ألف ، وتشديد الياء . قال ثعلب : الزكية أبلغ . قال أبو عبيد : الزكية في الدين ، والزاكية في البدن . قال الكسائي : هما بمعنى واحد ، كقاسية وقسيَّة . ابن عباس : مسلمة . أبو عمرو : التي ما حلَّ ذنبها . ابن جبير : يريد على الظاهر . وقوله : بغير نفس ، يعني : لم تقتل نفسًا فتستحق القتل و " النُّكر " : أشدُّ المنكر ، وأفحشه ، قاله قتادة . وفيه لغتان : ضم الكاف ، وسكونها ، وقرئ بهما . وهذه بادرة من موسى ترك بها كل ما كان التزم له من الصبر ، وترك المخالفة ، لكن حمله على ذلك : استقباح ظاهر الحال ، وتحريم ذلك في شرعه ، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " وهذه أشدُّ من الأولى " . و ( قوله : " رحمة الله علينا وعلى موسى " ) قال الراوي : وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه . هذا إنما كان يفعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأدعية وأشباهها ، مما يعود عليه بالثواب والأجر الأخروي ، حرصًا على تحصيل المنازل الرفيعة عند الله تعالى ، كما قال في الوسيلة : " إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو " . وحاصله : أن القرب من الله تعالى ، وثوابه ليس مما يُؤثر الغير به بل تنبغي المنافسة فيه ، والمسابقة إليه ، بخلاف أمور الدنيا ، وحظوظها ، فإنَّ الفضل في تركها ، وإيثار الغير بما يحوز منها . و ( قوله : " ولكنه أخذته ذمامةٌ من صاحبه " ) هو بالذال المعجمة مفتوحة ، وهي بمعنى : المذمَّة - بفتح الذال وكسرها - وهي : الرقة ، والعار من ترك الحرمة . يُقال : أخذتني منه مذمّةٌ ومذِمَّة ، وذمامة ، بمعناه ، وكأنه استحيا من تكرار مخالفته ، ومما صدر عنه من تغليظ الإنكار . وقوله : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، إنما ذكر لك في هذه المرة ، ولم يذكرها في الأولى مقابلة له على قلَّة احترامه في هذه الكرَّة ، فإنَّ مقابلته بـ لك مع كاف خطاب المفرد يشعر بقلة احترامه . والله أعلم . وقوله : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي ، هذا القول أبرزه من موسى استحياؤه من كثرة المخالفة ، وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة . وقوله : قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ، أي : قد صرت عندي معذورًا ، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي ، وأن في لدنِّي لغات ، وقرئت : ( من لَدْنِي ) بضم الدال ، [ وتخفيف النون ، وسكون الدال ، وإشمامها الضم ، وتخفيف النون لأبي بكر عن عاصم . وبضم الدال ] ، وتشديد النون ، والأولى لنافع والثالثة للباقين . وقوله : فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لئام فـ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا قال قتادة : القرية أيلة . وقيل : أنطاكية . و" لئام " هنا : بخلاء ، واللؤم في الأصل : هو البخل مع دناءة الآباء . و" الاستطعام " : سؤال الطعام ، والمراد به هنا : أنهما سألا الضيافة بدليل قوله تعالى : فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فاستحق أهل القرية أن يُذمُّوا وينسبوا إلى اللؤم كما وصفهم بذلك نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويظهر من ذلك : أن الضيافة كانت عليهم واجبة ، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما يجب لهما من الضيافة . وهذا هو الأليق بحال الأنبياء والفضلاء ، وبعيد أن يذم من ترك المندوب هذا الذم ، مع أنه يحتمل أن يقال : إن الضيافة لما كانت من المكارم المعروفة المعتادة عند أهل البوادي ، ذم المتخلف عنها عادة ، كما قد قالوا : " شرٌّ القُرى التي تبخل بالقِرى " ويحتمل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك ، وقد بيَّنَّا : أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد به جوعه ، ففيه ما يدل : على جواز المطالبة بالضيافة ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا نزلتم بقوم فلم يضيفوكم فاطلبوا منهم حق الضيف " . وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها ، ويعفو الله عن الحريري ، فإنَّه تسخَّف في هذه الآية وتمَجَّن ، فاستدل بها على الكُدْيَةِ والإلحاح فيها ، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله ولا منقصة عليه فقال : فإنَّ رُددت فما بالردِّ منقَصَةٌ عليك قد رُدَّ موسى قبل والخضر وهذا لعبٌ بالدِّين ، وانسلال عن احترام النبيين ، فهي : شنشنة أدبية وهفوة سخافية ، ويرحم الله السَّلف الصالح فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح ، فقالوا : مهما كنت لاعبًا بشيء ، فإياك أن تلعب بدينك . وقوله : فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ، الجدار : الحائط . وينقض : يسقط . ووصفه بالإرادة مجاز مستعمل ، وقد فسره في الحديث بقوله : " يقول : مائل " فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن ، وهو مذهب الجمهور ، ومما يدلّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته ، قول الشاعر : يُريد الرُّمح صَدْرَ أبي بَراءٍ ويَرْغَبُ عن دِماء بَنِي عَقِيل وقال آخر : إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِسَلْمى لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ وقال آخر : في مَهْمَهٍ فُلِقَت به هاماتُنَا فَلْقَ الفُؤوسِ إذا أردنا نُصُولا والنصول هنا : الثبوت في الأرض ، من قولهم : نصل السَّهم : إذا ثبت في الرَّميَّة ، فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة ، فإنَّ الفأس يقع فيها ويثبت ، ولا يكاد يخرج . والمجاز موجود في القرآن والسُّنَّة كما هو موجودٌ في كلام العرب ، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول . و ( قوله : " قال الخضر بيده - هكذا - فأقامه " ) يعني به أنه أشار إليه بيده ، فقام . فيه دليل على كرامات الأولياء ، وكذلك كل ما وصف عن أحوال الخضر في هذا الحديث ، وكلها أمور خارقه للعادة . هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي ، وقد اختلف فيه أئمة أهل السُّنَّة . والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله ، مع قوله : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أنه نبي يوحى إليه بالتكاليف والأحكام ، كما أوحي إلى الأنبياء ، غير أنه ليس برسول . وقوله : ( لو شئت لَتخِذْتَ عليه أجرًا ) هذه قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ويعقوب ، وقراءة غيرهم : لاتَّخَذْتَ وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ ، وهذه صدرت من موسى سؤالاً على جهة العرض ، لا الاعتراض ، فعند ذلك قال له الخضر : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ، أي : هذا وقت ذلك ، بحكم ما شرطتَه على نفسكَ ، ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام ، فقال : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ، القراءة المتواترة بتخفيف السين ، جمع مسكين . سُمُّوا بذلك على جهة الشفقة والترحُّم ، وقيل : كانوا فيها أجراء ، وروي عن ابن عباس أنه قرأها : ( مسَّاكين ) بتشديد السين ، جمع مسَّاك ، لإمساكهم السفينة ، قيل : كانوا عشرة ، خمسة منهم يعملون في البحر ، وخمسة منهم زَمنى ، وقد تقدَّم الفرق بينَ المسكين والفقير في كتاب الزكاة . وقوله : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ، وراء في أصلها : بمعنى خلف ، فقال بعض المفسرين : إنه كان خلفهم ، وكان رجوعهم عليه ، والأكثر على أن معنى وراءَ هنا : أمام ، وهذا القول أولى لقراءة سعيد : ( وكان أمامَهم ) ، ولما يأتي في بقية الحديث ، وقال بعضهم : وراء : يكون من الأضداد . قال الشاعر : أَترجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتي وقَومِي تَمِيمٌ وَالفَلاةُ وَرَائيا أي : أمامي . وأصل هذا : أن كل ما يوارى عنك فهو وراء ، وقيل : اسم هذا المَلِك : هدد بن بدد بن جُريج . وقال الكلبيُّ : الجَلَنْدى . والغصْب : أخذ مال الغير على جهة القهر والغلبة والمجاهرة . وقد بيَّن وجهَ الحكمة في خرق السفينة في الرواية الأخرى بقوله : " فإذا جاءَ الذي يُسَخِّرُها وجدَها منخرقةً فيجاوزها ، فأصلحوها بخشبةٍ ، ويحصلُ من هذا : الحضُّ على الصبر في الشدائد ، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد ، وهذا معنى قوله تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ و ( قوله : " وأما الغلام فكان كافرًا " ) هذا حديث مرفوع من رواية أُبَيِّ ، كما قال في الرواية الأخرى : " طُبِع يوم طُبِع كافرًا " ، وقد روي أن أبيًّا كان يقرأ : ( أما الغلام فكان كافرًا ، وكان أبواه مؤمنين ) ، وهذا محمول على أن أبيًّا فسَّر ، لا أنه قرأ كذلك ، لأنَّه لم يثبتها في المصحف ، وهو من جُملة كَتَبتِه . والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ سن التكليف ، وقد ذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف ، وقد حكي ذلك عن ابن عباس كما تقدَّم . والصحيح عنه أنه كان صغيرًا لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروري ، كما ذكرناه في الجهاد ، وهذا هو المعروف من اسم الغلام كما قد تقدَّم . وإنما صار ابن جبير إلى ذلك لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان كافرًا ، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين ، ولا يطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه ، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص ، فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ ، فتعيَّن أن يصار إليه ، وقد يُطلق الغلام على الكبير إذا كان قريبًا من زمان الغلومية توسُّعًا ، وهو موجود في كلام العرب ، كما قالت ليلى الأخيلية : شفاها من الداءِ العضال الذي بها غلامٌ إذا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاها وقال صفوان لحسَّان : تلق ذُبابَ السَّيف عنِّي فإنَّنِي غلامٌ إذا هُوجيت لست بشاعر قلت : وما صار إليه الجمهور أولى تمسُّكًا بحقيقة لفظ الغلام ، ولقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " وأما الغلام فطبع يوم طُبع كافرًا " أي : خلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسَّوة ، والجهل ، ومحبَّة الفساد ، وضرر العباد ، ولقوله : " ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا " أي : لو بلغ . ولَمَّا علم الله تعالى ذلك منه ، أعلم الخضر بذلك ، وأمره بقتله ، فيكون قتله من باب دفع الضرر ، كقتل الحيَّات ، والسِّباع العادية ، لا من باب القتل المترتب على التكليف ، وهذا لا إشكال على أصول أهل السُّنَّة فيه ، فإن الله تعالى الفعَّالُ لما يريد ، القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوبٌ ، ولا حق ، ولا يثبت عليه لوم ولا حكم ، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز ، والتعديل ، والإيجاب على الله تعالى ، فلا يلتفت إليها ، ولا يُعرج عليها ، لظهور فسادها ، كما بيَّنَّاه في الأصول . و ( قوله : " وكان أبواه قد عطفا عليه " ) أي : أحباه ، وأقبلا عليه بشفقتهما ، وحنوِّهما ، فخاف الخضر ، لما أعلمه الله تعالى بمآل حاله أنه إن عاش لهما حتى يكبر ويستقل بنفسه جبلهما بحكم محبتهما له أن يُطيعاه ويُوافقاه على ما يصدر عنه من الكفر والفساد ، فيكفران بذلك ، وهذا معنى قوله : فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا وعلى هذا فيكون : فخشينا من كلام الخضر ، وهو الذي يشهد له مساق الكلام ، وهو قول كثير من المفسرين ، وذهب بعضهم إلى أنه من كلام الله تعالى ، وفسَّر فخشينا بمعنى : علمنا ، وحكى أن أُبيا قرأها : ( فعلم ربُّك ) . ومعنى يُرْهِقَهُمَا يلحق بهما ما يشق عليهما ، ويتعبهما ، والطغيان هنا : الزيادة في المفاسد . وقوله : فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ، وهذا قول الخضر قطعًا ، وهو يشهد بأن قوله : فَخَشِينَا من قوله ، و يُبْدِلَهُمَا قرئ مشدَّدًا ومخففًا ، وهما لغتان . و زكاة : منصوب على التمييز ، يعني : نماءً وصلاحًا ، ودينًا . و رُحْمًا معطوف على زكاة ، أي : رحمة ، يقال : رحمة ، ورحْمَا ، وألفه للتأنيث ، ومذكَّرُه رحيم ، وقيل : إن الرُّحمى هنا بمعنى : الرَّحم ، قرأها ابن عباس ، وأوصل رُحْمًا ، أي : رَحِمًا . وحكي عنه : أنهما رزقا جارية ولدت نبيًّا . وقيل : كان من نسلها سبعون نبيًا ، ويفيد هذا تهوين المصائب بفقد الأولاد ، وإن كانوا قطعًا من الأكباد ، ومن سلم للقضاء سفرت عاقبته عن اليد البيضاء . وقوله : وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ، قيل : اسمهما أصرم وأُصيرم ، وقد تقدَّم : أن اليُتْم في الناس من قبل فقد الأب ، وفي غيرهم من الحيوان من قبل الأم . وقوله : وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُمَا أي : تحت الجدار ، وظاهر الكنز أنه مال مكنوز ، أي مجموع . وقال ابن جبير : كان صحف العلم . وقال ابن عبَّاس : كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ! عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ! عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ! عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ! عجبت لمن يعرف الدنيا وتقليبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله . وقوله : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا قال أهل التفسير : إنه كان جدَّهما السابع ، وكان يُسمَّى كاسحًا . ففيه ما يدلّ : على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بَعُدوا عنه ، وقد روي : أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذويه . وعلى هذا يدل قوله تعالى : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وقوله : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا أي : قوتهما وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة . واختلف النحويون ، هل هو واحد على بناء الجمع ، كأنعم ، ولا نظير لهما من لفظهما . وكان سيبويه يقول : هو جمع ، واحده : شدة . قال الجوهري : وهو صحيح في المعنى ، لأنَّه يقال : بلغ الغلام شدَّته . ولكنه لا تجمع فِعْلةٌ على أَفْعل ، وأما أنعم : فهو جمع : نعم من قولهم : يومٌ بُؤسٌ ، ويومٌ نُعْمٌ . وأما قول من قال : واحده شَدّ مثل كَلْبٍ وأَكْلَب ، فإنما هو قياس ، كما قالوا في واحد الأبابيل : أبُّول ، قياسًا على : عَجُّول ، وليس هو شيء سمع من العرب . وقد أضاف الخضر ـ عليه السلام ـ قضية استخراج كنز الغلامين لله تعالى ، وأضاف عيبَ السفينة إلى نفسه تنبيهًا على التأدُّب في إطلاق الكلمات على الله تعالى ، فيضاف إليه ما يستحسن منها ، ويطلق عليه ، ولا يضاف ما يستقبح منها إليه ، وهذا كما قاله تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ واقتصر عليه ، ولم ينسب الشر إليه ، وإن كان بيده الخير والشَّر ، والنَّفع والضر ، إذ هو على كل شيء قدير ، وبكل شيء خبير . و ( قوله : " وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السَّفينة ، ثم نقر في البحر ، فقال الخضر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر " ) وحرف السفينة : طرفها . وحرف كل شيء : طرفه ، وشفيره ، وحدُّه . ومنه حرف الجبل : وهو أعلاه المحدَّد . والحرف : واحد حروف التَّهجي . والحرف : الكلمة . والحرف : اللغة ، كما تقدَّم . والحرف : الناقة الضامرة . والحرف : الجهة الواحدة . ومنه قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ أي : يعبده في الرَّخاء ، ولا يعبده في الشدَّة . والحرف : مأخوذ من الانحراف ، وهو الميل . والعلم هاهنا : بمعنى : المعلوم ، كما قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أي : من معلوماته . وهذا من الخضر ـ عليه السلام ـ تمثيل ، أي : معلوماتي ومعلوماتك في علم الله تعالى لا أثر لها ، كما أن ما أخذ هذا العصفور من البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر . وإنما مثل له ذلك بالبحر ، لأنه أكبر ما نشاهده مما بين أيدينا . وهذا نحو مما قاله تعالى : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وإطلاق لفظ النقص هنا تجوُّز قصد به التمثيل ، والتَّفهم ، إذ لا نقص في علم الله تعالى ولا نهاية لمعلوماته . وقد أورد البخاري هذا اللفظ من رواية ابن جريج على لفظ أحسن مساقًا من هذا وأبعد عن الإشكال ، فقال : " ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر " وهو مفسِّر للفظ كتاب مسلم . والله تعالى أعلم . وفي هذا الحديث تنبيه على أصول عظيمة : منها : أن لله تعالى بحكم مِلْكه ومُلْكه أن يفعل ما يريد ، ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفعنا ، أو يضرنا ، فلا مدخل لعقولنا في أفعاله ، ولا معارضة لأحكامه ، بل يجب علينا الرضا والتسليم ، فإنَّ إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم ، فلا يتوجه عليه في فعله لِمَ ؟ وكيف ؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين ، وحيث . ومنها : أن لا يحسن ، ولا يقبح ، وأن ذلك راجع إلى الشرع ، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حسن ، وما قبَّحه بالذم عليه فهو القبيح . ومنها : أن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها ، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها . كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه ، ولا حكم عقلي يتوجَّه إليه ، بل ذلك بحسب ما سبق في علمه ، ونافذ حكمه ، فما اطلع عليه من تلك الأسرار عرف ، وما لا فالعقل عنده يقف . وحذار من الاعتراض والإنكار ! فإنَّ مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النَّار . ومنها : أنَّه عالم بما كان ، وبما يكون ، وبما لا يكون : أن لو كان كيف كان يكون . وفوائد هذا الحديث كثيرة ، وعلومه غزيرة ، وفيما ذكرناه كفاية . والله الموفق للهداية . تنبيه على مَغْلَطتين : الأولى : وقع لبعض الجهَّال : أن الخضر أفضل من موسى عليهما السلام ، متمسِّكًا بهذه القصة ، وبما اشتملت عليه . وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة ، ولم ينظر في شيء من أحوال موسى ـ عليه السلام ـ ، ولا فيما خصَّه الله تعالى من الرسالة ، وسماع كلام الله تعالى المنزه عن الحروف والأصوات ، وإعطائه التوراة التي فيها علم كل شيء ، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ، ومخاطبون بأحكام توراته حتى عيسى ـ عليه السلام ـ ، ألا ترى : أن الله تعالى قال : إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والإنجيل وإن كان هدى فليس فيه من الأحكام إلا قليل ، ولم يجئ عيسى ـ عليه السلام ـ ناسخًا لأحكام التوراة ، بل معلمًا لها ، ومبيِّنًا أحكامها ، كما قال تعالى حكاية عنه : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وعلى هذا فهو أَمَامَهم ، وإِمامهم ، وأعلمهم ، وأفضلهم . ويكفي من ذلك قوله تعالى : يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي وأن موسى من أولي العزم من الرسل ، وأن أول من ينشق عنه القبر نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فيجد موسى ـ عليه السلام ـ متعلقًا بساق العرش ، وأنه ليس في محشر يوم القيامة أكثر من أمَّته بعد أمَّة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، إلى غير ذلك من فضائله . فأما الخضر ـ عليه السلام ـ فلم يُتَّفق على أنَّه نبي ، بل هو أمرٌ مختلف فيه ، هل هو نبي أو ولي ، فإنَّ كان نبيًا فليس برسول بالاتفاق ، إذ لم يقل أحدٌ : أن الخضر ـ عليه السلام ـ أرسل إلى أمَّة ، والرَّسول أفضل من نبي ليس برسول . وإن تنزلنا على أنه رسول ، فرسالة موسى أعظم ، وأمَّته أكثر ، فهو أفضل . وإن قلنا : إن الخضر كان وليًا ، فلا إشكال أن النبي أفضل من الولي . وهذا أمرٌ مقطوع به عقلاً ونقلاً ، والصائر إلى خلافه كافر ، فإنَّه أمرٌ معلوم من الشرائع بالضرورة ، ولأنه واحد من أمَّة موسى ، أو غيره من الأنبياء ، ونبي كل أمَّة أفضل منها قطعًا ، آحادًا أو جمعًا ، وإنَّما كانت قصة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليتأدَّب ويعتبر ، كما قد ابتلي غيره من الأنبياء بأنواع من المحن والبلاء . المغلطة الثانية : ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هَدُّ الأحكام الشرعية ، فقالوا : هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص ، بل : إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم . قالوا : وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار ، وخلوّها عن الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ، والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكائنات ، ويعلمون أحكام الجزئيات ، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات ، كما اتَّفق للخضر ، فإنَّه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون . قلت : وهذا القول زندقة ، وكفر يُقتل قائله ، ولا يستتاب ، لأنَّه إنكار ما علم من الشرائع ، فإنَّ الله تعالى قد أجرى سُنَّته ، وأنفذ حكمته ، فإنَّ أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه ، وبين خلقه ، وهم المبلغون عنه رسالاته وكلامه ، المبينون شرائعه وأحكامه ، اختارهم لذلك وخصَّهم بما هنالك ، كما قال الله تعالى : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ وقال : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ وقال تعالى : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به ، وأخبر : أن الهدى في طاعتهم ، والاقتداء بهم ، في غير موضع من كتابه ، وعلى ألسنة رسله ، كقوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، وكقوله : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وقال : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وقال : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله ، وسُنَّة نبيه " . ومثل هذا لا يُحصى كثرة . وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي ، واليقين الضروري ، وإجماع السَّلف ، والخلف : على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام . فمن قال : إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يُستغنى بها عن الرسل ، فهو كافر ، يقتل ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله ، فلا نبي بعده ولا رسول ، وبيان ذلك : أنه من قال : يأخذ عن قلبه ، وإن ما وقع فيه هو حكم الله ، وأنه يعمل بمقتضاه ، وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنة ، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة ، فإنَّ هذا نحو مما قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن روح القدس نفث في روعي " ولقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدِّين أنه قال : أنا لا آخذ عن الموتى ، وإنَّما آخذ عن الحي الذي لا يموت ، وإنما أروي عن قلبي عن ربي ، ومثل هذا كثير ، فنسأل الله الهداية ، والعصمة ، وسلوك طريق سلف هذه الأمَّة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
( 2375 ) ( 164 ) [ 2284 ] وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ . و ( قوله : " مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر ، وهو يصلِّي في قبره " ) الكثيب : هو الكوم من الرمل ويجمع كثبًا ، وهذا الكثيب هو بطريق بيت المقدس ، كما سيأتي . وهذا الحديث يدلّ بظاهره على : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى موسى رؤية حقيقية في اليقظة ، وأن موسى كان في قبره حيًّا ، يصلي فيه الصلاة التي كان يصليها في الحياة ، وهذا كله ممكن لا إحالة في شيء منه ، وقد صحَّ أن الشهداء أحياء يرزقون ، ووجد منهم من لم يتغير في قبره من السنين كما ذكرناه . وإذا كان هذا في الشهداء كان في الأنبياء أحرى وأولى ، فإنَّ قيل : كيف يصلون بعد الموت وليس تلك الحال حال تكليف ؟ فالجواب : أن ذلك ليس بحكم التكليف وإنَّما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف ، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حبِّبت لهم عبادة الله . والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك ، ثم توفوا وهم على ذلك ، فشرَّفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون ، وما عُرفوا به ، فتكون عبادتهم إلهاميِّة كعبادة الملائكة ، لا تكليفية ، وقد وقع مثل هذا لثابت البناني ـ رضي الله عنه ـ ، فإنَّه حُبِّبت الصلاة إليه حتى كان يقول : اللهم إن كنت أعطيت أحدًا يصلِّي لك في قبره ، فأعطني ذلك . فرآه مُلْحِدُه ، بعدما سوَّى عليه لحده قائمًا يصلِّي في قبره ، وقد دلَّ على صحة ذلك كله قول نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يموت المرء على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه " . وقد جاء في الصحيح : " أن أهل الجنَّة يلهمون التسبيح كما تلهمون النَّفس " .
( 30 ) باب في ذكر موسى عليه السلام ( 339 ) في الفضائل ( 155 ) [2283] عن أبي هريرة قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ ، وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ . قَالَ : فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ . قَالَ : فَجَمَحَ مُوسَى بِأثرِهِ يَقُولُ : ثَوْبِي حَجَرُ . ثَوْبِي حَجَرُ ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى ، فقَالُوا : وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ . فَقَامَ الْحَجَرُ بعد حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ . قَالَ : فَأَخَذَ ثَوْبَهُ ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَاللَّهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ، ضَرْبُ مُوسَى عليه السلام بِالْحَجَرِ . وفي رواية : قال أبو هريرة : كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَجُلًا حَيِيًّا . قال : فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا وذكر نحوه . قال : ونزلت يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ( 30 ) ومن باب ذكر موسى ـ عليه السلام ـ قوله : " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض " إنما كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندة للشرع ، ومخالفة لموسى ـ عليه السلام ـ ، وهو من جملة عتوِّهم ، وقلة مبالاتهم باتباع شرع موسى ، ألا ترى أن موسى ـ عليه السلام ـ كان يستتر عند الغسل ، فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه ، ثم لم يكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأُدْرة ، فأظهر الله تعالى براءته مما قالوا بطريق خارق للعادة ، زيادة في أدلة صدق موسى ـ عليه السلام ـ ومبالغة في قيام الحجة عليهم . وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخُلُقًا ، ونزههم في أول خلقهم من المعايب ، والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم ، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خلقه الله تعالى أعمى ، ولا أعور ، ولا أقطع ، ولا أبرص ، ولا أجذم ، ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا ، ووصمًا يوجب لمن اتَّصف بها شينًا وذمًّا ، ومن تصفَّح أخبارهم ، وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع . وقد ذكر القاضي رحمه الله في الشفاء من هذا جملة وافرة ، ولا يعترض عليها بعمى يعقوب ، وبابتلاء أيوب ، فإنَّ ذلك كان طارئًا عليهم محبَّةً لهم ، وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم وصبرهم ، وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم . ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم ، ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له ، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند رَكْضِه الأرض برجله ، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم ، وتمكينا في كمالهم ، ومنزلتهم . والآدر - بمد الهمزة - : هو ذو الأُدْرة ، بضم الهمزة ، وسكون الدال ، وهي عظم الخصيتين ، وانتفاخهما . و ( قوله : " فجمح موسى بأثره " ) أي : أسرع في مشيه خلف الحجر ليأخذ ثوبه . والجموح من الخيل : هو الذي يركب رأسه في إسراعه ، ولا يَثْنيه شيء ، وهو عيب فيها ، وإنَّما أطلق على إسراع موسى خلف الحجر جماحًا ، لأنَّه اشتدَّ خلفه اشتدادًا لا يثنيه شيء عن أخذ ثوبه ، وهو مع ذلك ينادي : " ثوبي حجر ! ثوبي حجر ! " كل ذلك استعظام لكشف عورته ، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل ، فنظروا إلى موسى ، وكذبهم الله في قولهم ، وقامت حجته عليهم . وقول موسى ـ عليه السلام ـ : " ثوبي حجر ! ثوبي حجر ! " منصوب بفعل مضمر ، وحجر مناد مفرد محذوف حرف النداء ، وتقدير الكلام : أعطني ثوبي يا حجر ! أو : اترك ثوبي يا حجر ! فحذف الفعل لدلالة الحال عليه . وحذف حرف النداء هنا استعجالاً للمنادى ، وقد جاء في كلام العرب حذف حرف النداء مع النكرة ، كما قالوا : اطرق كرا ، وافتدِ مخنوق ، وهو قليل . وإنما نادى موسى ـ عليه السلام ـ الحجر نداء من يعقل ، لأنَّه صدر عن الحجر فعل من يعقل . وفي وضع موسى ثوبه على الحجر ، ودخوله في الماء عريانًا : دليلٌ على جواز ذلك ، وهو مذهب الجمهور . ومنعه ابن أبي ليلى ، واحتج بحديث لم يصح ، وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تدخلوا الماء إلا بمئزر ، فإنَّ للماء عامرًا " . قال القاضي : وهو ضعيف عند أهل العلم . وجاء في " الأم " قال : " فاغتسل عند مُوَيْه " وهو تصغير ماء ، هكذا في رواية العذري ، ورواها أكثر الرواة : المشربة - بفتح الميم والراء - وأصله : موضع الشرب ، وأراد به الماء . والمشربة - بفتحها أيضًا - : الأرض اللَّينة ، فأمَّا المشربة التي هي الغرفة فتقال : بفتح الراء وضمها ، كما تقدم . وطفق من أفعال المقاربة ، كجعل وأخذ ، ويقال : بفتح الفاء وكسرها ، والندب : الأثر وهو بفتح الدال .
( 4 ) باب في البر والإثم ( 2553 ) ( 15 ) [ 2460 ] عَنْ النَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأنصاري قَالَ : أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ، قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ . ( 4 ) ومن باب : البر والإثم ذكر مسلم في هذا الباب النواس بن سمعان ، ونسبه إلى الأنصار ، فقال : الأنصاري ، والمشهور في نسبه أنه كلابي ، إلا أن يكون حليفا للأنصار ، وهو : النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن كلاب ، هكذا نسبه الغلابي ويحيى بن معين . قلت : هذا كله حكاية أبي عبد الله المازري ، والذي ذكره أبو عمر في نسبه أنه قال : النواس بن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن ربيعة الكلابي . وبين النسبين زيادة في الأجداد ، وتغيير في الأسماء ، فتأمله . و ( قوله : أقمت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة ) يعني : أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي جاء منه ، لا أنه التزم أحكام الهجرة من الاستيطان بها ، والكون فيها ساكنا بها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وهذا يدل على أن الهجرة ما كانت واجبة على كل من أسلم ، وقد تقدم الخلاف في ذلك ، وقد بين عذره في كونه لم يلتزم سكنى المدينة ، وهو قوله : ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة ، أي : الأسولة التي كان يسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنها ، وإنما كان ذلك لأن المهاجرين والقاطنين بالمدينة كانوا يكلفونه المسائل ، لأنَّهم ما كانوا يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شيء ، ولذلك قال : كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شيء . وقد تمم هذا المعنى أنس بن مالك حيث قال : نهينا أن نسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القرآن عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع . وقد تقدَّم القول في ذلك . و ( قوله : فسألته عن البر والإثم ) أي : عما يبر فاعله فيلحق بالأبرار ، وهم المطيعون لله تعالى . وعما يأثم فاعله ، فيلحق بالآثمين ، فأجابه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجواب جملي أغناه به عن التفصيل ، فقال له : " البر حسن الخلق " يعني : أن حسن الخلق أعظم خصال البر ، كما قال : " الحج عرفة " ويعني بحسن الخلق : الإنصاف في المعاملة ، والرفق في المجادلة ، والعدل في الأحكام ، والبذل ، والإحسان . و ( قوله : " والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " ) أي : الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة في القلب . يقال : حاك الشيء في قلبي : إذا رسخ فيه وثبت ، ولا يحيك هذا في قلبي ، أي : لا يثبت فيه ، ولا يستقر . قال شمر : الكلام الحائك : هو الراسخ في القلب ، وإنما أحاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا الإدراك القلبي ، لما علم من جودة فهمه ، وحسن قريحته ، وتنوير قلبه ، وأنه يدرك ذلك من نفسه . وهذا كما قال في الحديث الآخر : " الإثم حزاز القلوب " يعني به القلوب المنشرحة للإسلام ، المنورة بالعلم الذي قال فيه مالك : العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب ، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ الطبع قليل الفهم ، فإذا سأل عن ذلك من قل فهمه فصلت له الأوامر والنواهي الشرعية . وقد قالت عائشة - رضي الله عنها - : أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ننزل الناس منازلهم .
( 3 ) باب المبالغة في بر الوالدين عند الكبر وبر أهل ودهما ( 2551 ) ( 10 ) [ 2458 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَغِمَ أَنْفُه ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُه ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُه، قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ والديه عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثم لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ . ( 2552 ) ( 13 ) [ 2459 ] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ : بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ : ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ فاشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ . ( 3 ) ومن باب : المبالغة في بر الوالدين ( قوله : " رغم أنفه ، ثم رغم أنفه ، ثم رغم أنفه " ) يقال : بكسر الغين وفتحها ، لغتان . رغم : بفتح الراء وكسرها وضمها ، ومعناه : لصق بالرغام - بفتح الراء - : وهو التراب ، وأرغم الله أنفه ، أي : ألصقه به ، وهذا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعاء مؤكد على من قصر في بر أبويه ، ويحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون معناه : [ صرعه الله لأنفه فأهلكه ، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما . وثانيهما : أن يكون معناه ] : أذله الله ، لأنَّ من ألصق أنفه -الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى ، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات ، ويصلح لمن فرط في الواجبات ، وهو الظاهر ، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان برهما واجبا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه ، ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما ، وليبادر الولد اغتنام فرصة برهما ؟ لئلا تفوته بموتهما ، فيندم على ذلك . و ( قوله : " أحدهما أو كليهما " ) كذا الروايات الصحيحة بنصب أحدهما وكليهما ، لأنَّه بدل من والديه المنصوب بأدرك ، وقد وقع في بعض النسخ : أحدهما أو كلاهما مرفوعين على الابتداء ، ويتكلف لهما إضمار الخبر ، والأول أولى . و ( قوله : " ثم لم يدخل الجنة " ) معناه : دخل النار لانحصار منزلتي الناس في الآخرة بين جنة ونار ، كما قال : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ فمن قيل فيه : لم يدخل النار منهم، إنه في الجنة ، وبالعكس ، وأو المذكورة هنا للتقسيم ، ومعناه : أن المبالغة في بر أحد الأبوين - عند عدم الآخر - يدخل الولد الجنة ، كالمبالغة في برهما معا ، ويعني بهذه المبالغة : المبرة التي تتعين لهما في حياتهما ، وقد يتعين لهما أنواع من البر بعد موتهما ، كما قد فعل عبد الله بن عمر مع الأعرابي الذي وصله بالعمامة والحمار ، ثم ذكر ما سمعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك ، وكما روى أبو داود عن أبي أسيد قال : بينا نحن عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : " نعم ! الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما " . ولا خلاف في أن عقوق الوالدين محرم ، وكبيرة من الكبائر ، وقد دل على ذلك الكتاب في غير موضع وصحيح السنة ، كما روى النسائي والبزار من حديث ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، والديوث والمرأة المرجلة تشبع بالرجال، وثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه، والمنان عطاءه ومدمن الخمر . وعقوق الوالدين : مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوبات، [ وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه، وأمرهما بالمندوب ] يزيده تأكيدا في ندبيته، والصحيح الأول؛ لأن الله تعالى قد قرن طاعتهما، والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده فقال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وقال : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا في غير ما موضع ، وكذلك جاءت في السنة أحاديث كثيرة تقتضي لزوم طاعتهما فيما أمرا به ، فمنها ما رواه الترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : كان تحتي امرأة أحبها ، وكان أبي يكرهها ، فأمرني أن أطلقها ، فأبيت ، فذكرت ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : " يا عبد الله بن عمر ! طلق امرأتك " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . فإنَّ قيل : فكيف يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارئ ؟ فالجواب : أنه لم يرتفع حكم الله بحكم غيره بل بحكمه ، وذلك أنه لما أوجب علينا طاعتهما ، والإحسان إليهما ، وكان من ذلك امتثال أمرهما ؟ وجب ذلك الامتثال لأنَّه لا يحصل ما أمرنا الله به إلا بذلك الامتثال ، ولأنهما إن خولفا في أمرهما حصل العقوق الذي حرمه الله تعالى ، فوجب أمرهما على كل حال بإيجاب الله تعالى .
( 29 ) باب في عذاب المتكبر والمتألي على الله ، وإثم من قال : هلك الناس ، ومدح المتواضع الخامل ( 2620 ) [ 2532 ] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ . ( 29 ) ومن باب : عذاب المتكبر والمتألي ( قوله : " العز إزاره ، والكبرياء رداؤه ، فمن ينازعني عذبته " ) كذا جاء هذا اللفظ في كتاب مسلم ، مفتتحا بخطاب الغيبة ، ثم خرج إلى الحضور ، وهذا على نحو قوله تعالى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ فخرج من خطاب الحضور إلى الغيبة ، وهي طريقة عربية معروفة . وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم : " الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم ألقيته في النار " . وأصل الإزار : الثوب الذي يشد على الوسط . والرداء ما يجعل على الكتفين ، ولما كان هذان الثوبان يخصان اللابس بحيث لا يستغني عنهما ، ولا يقبلان المشاركة ، عبر الله تعالى عن العز بالإزار ، وعن الكبرياء بالرداء ، على جهة الاستعارة المستعملة عند العرب ، كما قال : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ فاستعار للتقوى لباسا ، وكما قال صلى الله عليه وسلم : " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها " . وكما قال : " البسوا قناع المخافة ، وادرعوا لباس الخشية " . وهم يقولون : فلان شعاره الزهد والورع ، ودثاره التقوى ، وهو كثير . ومقصود هذه الاستعارة الحسنة : أن العز والعظمة والكبرياء ، من أوصاف الله تعالى الخاصة به ، التي لا تنبغي لغيره . فمن تعاطى شيئا منها أذله الله تعالى وصغره وحقره وأهلكه ، كما قد أظهر الله تعالى من سنته في المتكبرين السابقين واللاحقين .
( 2621 ) [ 2533 ] وعَنْ جُنْدَبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ . أَوْ كَمَا قَالَ . و ( قول المتألي : والله لا يغفر الله لفلان ) ظاهر في أنه قطع بأن الله تعالى لا يغفر لذلك الرجل ، وكأنه حكم على الله ، وحجر عليه . وهذه نتيجة الجهل بأحكام الإلهية ، والإدلال على الله تعالى بما اعتقد أن له عنده من الكرامة والحظ والمكانة ، وكذلك المذنب من الخسة والإهانة ؛ فإنَّ كان هذا المتألي مستحلا لهذه الأمور ، فهو كافر ، فيكون إحباط عمله لأجل الكفر ، كما يحبط عمل الكفار ، وأما إن لم يكن مستحلا لذلك ، وإنما غلب عليه الخوف ، فحكم بإنفاذ الوعيد ، فليس بكافر ، ولكنه مرتكب كبيرة ، فإنَّه قانط من رحمة الله ، فيكون إحباط عمله بمعنى أن ما أوجبت له هذه الكبيرة من الإثم يربي على أجر أعماله الصالحة ، فكأنه لم يبق له عمل صالح . و ( قوله : " من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان " ) استفهام على جهة الإنكار والوعيد ، ويستفاد منه : تحريم الإدلال على الله تعالى ، ووجوب التأدب معه في الأقوال والأحوال ، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية ، ومولاه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية . و ( قوله : " فإني قد غفرت لفلان ، وأحبطت عملك " ) دليل على صحَّة مذهب أهل السنة : أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ، وهو موجب قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وأن لله تعالى أن يفعل في عبيده ما يريد من المغفرة والإحباط ؛ إذ هو الفعال لما يريد ، القادر على ما يشاء . وقد بينا الإحباط المذكور في هذا الحديث .
( 2622 ) [ 2535] وعنه ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . و ( قوله : " رب أشعث مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبره ) الأشعث : المتلبد الشعر غير المدهنه . والمدفوع بالأبواب ، أي : عن الأبواب . فلا يترك بقربها احتقارا له ، ويصح أن يكون معناه : يدفع بسد الأبواب في وجهه كلما أراد دخول باب من الأبواب ، أو قضاء حاجة من الحوائج . و ( قوله : " لو أقسم على الله لأبره " ) أي : لو وقع منه قسم على الله في شيء لأجابه الله تعالى فيما سأله ؛ إكراما له ، ولطفا به ، وهذا كما تقدَّم من قول أنس بن النضر : لا والله لا تكسر ثنية الربيع أبدا . فأبر الله قسمه ؛ بأن جعل في قلوب الطالبين للقصاص الرضا بالدية ، بعد أن أبوا قبولها ، وكنحو ما اتفق للبراء لما التقى بالكفار فاقتتلوا ، فطال القتال ، وعظم النزال ، فقال البراء : أقسمت عليك يا رب - أو : عزمت عليك - لتمنحنا أكتافهم ، ولتلحقني بنبيك ، فأبر الله قسمه ، فكان كذلك . ولقد أبعد من قال : إن القسم -هنا - هو الدعاء من جهة اللفظ والمعنى .
( 2623 ) [ 2534 ] وعن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إذا قال الرجل : هلك الناس ، فهو أهلكهم . و ( قوله : " إذا قال الرجل : هلك الناس ، فهو أهلكهم " ) قال أبو إسحاق : لا أدري أهلكهم بالنصب أو بالرفع . أبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن سفيان ، الراوي عن مسلم ، شك في ضبط هذا الحرف ، وقد قيده الناس بعده بالوجهين ، وكلاهما له وجه ، فإذا كان بالرفع : فمعناه أن القائل لذلك القول هو أحق الناس بالهلاك ، أو أشدهم هلاكا ، ومحمله على ما إذا قال ذلك محقرا للناس ، وزاريا عليهم ، معجبا بنفسه وعمله ، ومن كان كذلك فهو الأحق بالهلاك منهم ، فأمَّا لو قال ذلك على جهة الشفقة على أهل عصره ، وأنهم بالنسبة إلى من تقدمهم من أسلافهم كالهالكين ، فلا يتناوله هذا الذم ، فإنَّها عادة جارية في أهل العلم والفضل ، يعظمون أسلافهم ، ويفضلونهم على من بعدهم ، ويقصرون بمن خلفهم ، وقد يكون هذا على جهة الوعظ والتذكير ليقتدي اللاحق بالسابق ، فيجتهد المقصر ، ويتدارك المفرط ، كما قال الحسن - رحمه الله - : لقد أدركت أقواما لو أدركتموهم لقلتم : مرضى ، ولو أدركوكم لقالوا : هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب . وأما من قيده بالنصب فيكون معناه : أن الذي قال لهم ذلك مقنطا لهم : هو الذي أهلكهم بهذا القول ، فإنَّ الذي يسمعه قد ييأس من رحمة الله فيهلك ، وقد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم ، ويشق عصاهم بالقتال ، وغير ذلك ، كما فعلت الخوارج ، فيكون قد أهلكهم حقيقة وحسا ، وقيل : معناه : إن الذي قال فيهم ذلك ، لا الله تعالى ؛ فكأنه قال : هو الذي ظن ذلك من غير تحقيق ولا دليل من جهة الله تعالى . والله تعالى أعلم .
( 5 ) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها ( 2554 ) [ 2461 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بك مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ : نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ : بَلَى، قَالَ : فَذَاكِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا . ( 2555 ) [ 2462 ] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ . ( 5 ) ومن باب : وجوب صلة الرحم ( قوله : " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم " ) خلق هنا : بمعنى اخترع ، وأصله : التقدير ، كما تقدَّم . والخلق هنا : بمعنى المخلوق ، وأصله مصدر ، يقال : خلق يخلق خلقا : إذا قدر ، وإذا اخترع . قال زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثمَّ لا يفري أي : تقطع ما قدرت . وقال الله تعالى : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ أي : مخلوقه . ومعنى فرغ منهم : أي كمل خلقهم ، لا أنه اشتغل بهم ، ثم فرغ من شغله بهم ، إذ ليس فعله بمباشرة ، ولا بمناولة ، ولا خلقه بآلة ، ولا محاولة ، تعالى عما يتوهمه المتوهمون ، وسبحانه إذا أراد شيئا ، فإنما يقول له : كن فيكون . و ( قوله : " قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة " ) هذا الكلام من المجاز المستعمل ، والاتساع المشهور، إذ الرحم عبارة عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا ، وأبنائه وإن نزلوا ، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، والإخوة والأخوات ، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة . والقرابة إذا نسبة من النسب ، كالأبوة ، والأخوة ، والعمومة ، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام والكلام ، فيحمل هذا الكلام على التوسع ، ويمكن حمله على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة ، فيقول ذلك ، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ، ويكتب ثواب من وصلها ، ووزر من قطعها ، كما قد وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين ، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين . وثانيهما : أن ذلك على وجه التقدير والتمثيل المفهم للإغياء ، وشدة الاعتناء ، فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : لَوْ أَنْـزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثم قال : وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وعلى التقديرين فمقصود هذا الكلام : الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم ؟ وأنه تعالى قد نزلها منزلة من قد استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته ، وإذا كان كذلك فجار الله تعالى غير مخذول ، وعهده غير منقوض ؛ ولذلك قال مخاطبا للرحم : " أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ ! " وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : " من صلى الصبح فهو في ذمة الله ، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء ، فإنَّه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ، ثم يكبه على وجهه في النار " . وقوله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوا إن شئتم : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ عسى : من أفعال المقاربة ، ويكون رجاء وتحقيقا ، قال الجوهري : عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل كان فيها لغتان ، فتح السين وكسرها ، وقرئ بهما ، وظاهر الآية : أنه خطاب لجميع الكفار . قال قتادة : معنى الآية : فلعلكم - أو يخاف عليكم - إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء . قلت : وعلى هذا فتكون الرحم المذكورة هنا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله إخوة بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقال الفراء : نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية . وعلى هذا فتكون رحم القرابة ، وعلى هذا فالرحم المحرم قطعها ، المأمور بصلتها على وجهين ؛ عامة وخاصة . فالعامة : رحم الدين ، وتجب مواصلتها بملازمة الإيمان ، والمحبة لأهله ونصرتهم ، والنصيحة لهم ، وترك مضارتهم ، والعدل بينهم ، والنصفة في معاملتهم ، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى ، وحقوق الموتى : من غسلهم ، والصلاة عليهم ، ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم . وأما الرحم الخاصة : فتجب لهم الحقوق العامة ، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة ، وتفقد أحوالهم ، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب كما تقدَّم .
( 13 ) ( 12 و 14 ) [ 2466 ] وعن أبي أَيُّوبَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَوْ بِزِمَامِهَا - ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! - أَوْ يَا مُحَمَّدُ - أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ! قَالَ : فَكَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ وُفِّقَ - أَوْ لَقَدْ هُدِيَ - قَالَ : كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ : فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعْ النَّاقَةَ . وفي رواية : " وتصل ذا رحمك فلما أدبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن تمسك بما أمر به دخل الجنة . و ( قوله : إن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أخذ بخطام ناقته ، أو بزمامها ) هذا يدلّ على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان لا يصرف الناس بين يديه ، ولا يمنع أحد منه ، والخطام ، والزمام ، والمقود كلها بمعنى واحد! - وإن كانت في أصول اشتقاقها مختلفة- فسمي خطاما من حيث إنه يجعل على الخطم ، وهو الأنف ، ويسمى : زماما ، لأنَّه يزم به ، ومقودا ، لأنَّه يقاد به ، وهذا شك من الراوي في أي اللفظين قال . و ( قوله : فكف ثم نظر في أصحابه ثم قال : لقد وفق ، أو لقد هدي " ) يعني : أنه كف الناقة عن سيرها ، ونظر إلى أصحابه مستحسنا لهذا السؤال ، ومستحضرا لأفهام أصحابه ، ومنوها بالسائل ، ثم شهد له بالتوفيق والهداية لما ينبغي أن يسأل عنه ، لأنَّ مثل هذا السؤال لا يصدر إلا عن قلب منور بالعلم بالله تعالى ، وبما يقرب إليه ، عازم على العمل بما يفنى به ، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما يتعين عليه في تلك الحال ، فقال : تعبد الله لا تشرك به شيئًا ، أي : توحده في إلهيته ، وتخلص له في عبادته . وتقيم الصلاة ، أي : تفعلها على أوقاتها وبأحكامها . وتؤتي الزكاة : أي تعطيها من استحقها على شروطها . وتصل رحمك ، أي : تفعل في حقهم ما يكون صلة لهم ، وتجتنب ما يكون قطعا لهم على ما بيناه . ولم يذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الصوم ولا الحج ولا الجهاد ، لأنَّه لم يكن تعين عليه في تلك الحال شيء سوى ما ذكر له ، أو لأن بعض تلك العبادات لم تكن فرضت بعد . والله تعالى أعلم . و ( قوله : " إن تمسك بما أمرته دخل الجنة " ) يدلّ على : أن دخول الجنة لا بد فيه من الأعمال ، كما قال تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ومع هذا فلولا فضل الله بالهداية للطرق الموصلة إليها والمعونة على الأخذ فيها وبأن جعل أعمالنا التي لا قيمة لها ولا خطر لها ، ولا منفعة له فيها سببا لنيل الجنة ؟ لما كنا نصل إلى شيء من ذلك ، ولا نستحق ذرة مما هنالك .
( 556 ) [ 2463 ] وعن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ . قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي : قَاطِعَ الرَحِمٍ. و ( قوله : " لا يدخل الجنة قاطع " ) قال سفيان يعني : قاطع رحم . هذا التفسير صحيح لكثرة مجيء لفظ قاطع في الشرع مضافا إلى الرحم ، فإذا ورد عريا عن الإضافة حمل على ذلك الغالب . والكلام في كون القاطع لا يدخل الجنة قد تقدَّم في الإيمان ؛ وأنه يصح أن يحمل على المستحل لقطع الرحم ، فيكون القاطع كافرا ، أو يخاف أن يفسد قلبه بسبب تلك المعصية فيختم عليه بالكفر ، فلا يدخل الجنة ، أو لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها الواصل لرحمه ، لأنَّ القاطع يحبس في النار بمعصيته ، ثم بعد ذلك يخلص منها بتوحيده ، كل ذلك محتمل ، والله ورسوله أعلم بعين المقصود . وهذا الحديث يدلّ دلالة واضحة على وجوب صلة الرحم على الجملة ، وعلى تحريم قطعها ، وأنه كبيرة . ولا خلاف فيه . لكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض ، فأدناها ترك المهاجرة ، وأدنى صلتها بالسلام . كما قال صلى الله عليه وسلم : " صلوا أرحامكم ولو بالسلام " وهذا بحسب القدرة عليها ، والحاجة إليها ، فمنها ما يتعين ويلزم ، ومنها ما يستحب ويرغب فيه ، وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعا ، ولا من قصر عما ينبغي له ، ويقدر عليه يسمى واصلا . قال القاضي : وقد اختلف في الرحم التي تجب صلتها ، فقال بعض أهل العلم : هي كل رحم محرم ، وعلى هذا فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال ، وقيل : بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرما كان ، أو غير محرم . قلت : فيخرج من هذا : أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ، ولا يحرم قطعهم ، وهذا ليس بصحيح ، والصواب ما ذكرناه قبل هذا من التعميم والتقسيم .
( 2558 ) [ 2465] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وهم يَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ . و ( قوله : إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي ) أحلم - بضم اللام - : أصفح . ويجهلون : يقولون قول الجهال من السب والتقبيح . و ( قوله : " لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل " ) الرواية : بضم تاء تسفهم ، وكسر السين ، وضم الفاء ، أي : تجعلهم يسفونه من السف ، وهو شرب كل دواء يؤخذ غير ملتوت ، تقول : سففت الدواء وغيره مما يؤخذ غير معجون ، وأسففته غيري ، أي : جعلته يسفه . والمل : الرماد الحار . يقال : أطعمنا خبز ملة ، ومعنى ذلك : أن إحسانك إليهم مع إساءتهم لك ، يتنزل في قلوبهم منزلة النار المحرقة ، لما يجدون من ألم الخزي ، والفضيحة ، والعار الناشئ في قلب من قابل الإحسان بالإساءة . و ( قوله : " ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك " ) الظهير : المعين ، ومعناه : أن الله تعالى يؤيدك بالصبر على جفائهم ، وحسن الخلق معهم ، ويعليك عليهم في الدنيا والآخرة مدة دوامك على معاملتك لهم بما ذكرت .
( 2557 ) ( 20 ) [ 2464 ] عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ سره أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ . و ( قوله : " من سره أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره فليصل رحمه " ) بسط الرزق : سعته وتكثيره والبركة فيه . والنسء : التأخير ، والأثر : الأجل ، سمي بذلك ، لأنَّه تابع الحياة . ومعنى التأخير هنا في الأجل - وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص - : أنه يبقى بعده ثناء جميل ، وذكر حميد ، وأجر متكرر ، فكأنه لم يمت ، وقيل معناه : يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ ، والذي في علم الله ثابت لا تبديل له ، كما قال تعالى : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ أي : أصل المكتوب في اللوح المحفوظ ، هو علم الله تعالى الذي لا يقبل المحو ولا التغيير ، حكي معناه عن عمر - رضي الله عنه - في الآية .
( 2549 ) ( 5 ) 0 [ 2455] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ. و ( قوله : جاء رجل يستأذنه في الجهاد . فقال : " ألك أبوان ؟ " قال : نعم ) فيه ما يدلّ على أن المفتي إذا خاف على السائل الغلط ، أو عدم الفهم تعين عليه الاستفصال ، وعلى أن الفروض والمندوبات مهما اجتمعت قدم الأهم منها ، وأن القائم على الأبوين يكون له أجر مجاهد وزيادة . و ( قوله : " ففيهما فجاهد " ) أي : جاهد نفسك في برهما وطاعتهما ، فهو الأولى بك ، لأنَّ الجهاد فرض كفاية ، وبر الوالدين فرض عين ، فلو تعين الجهاد وكان والداه في كفاية ، ولم يمنعاه ، أو أحدهما من ذلك ، بدأ بالجهاد . فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهما ، فبدأ به ، فلو كانا في كفاية ومنعاه لم يلتفت إلى منعهما ، لأنَّهما عاصيان بذلك المنع ، وإنما الطاعة في المعروف ، كما لو منعاه من صلاة الفرض . فأمَّا الحج فله أن يؤخره السنة والسنتين ابتغاء رضاهما ، قاله مالك . هذا وإن قلنا : إنه واجب على الفور مراعاة لقول من يقول : إنه على التراخي . وقد تقدَّم القول على ذلك في الحج .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا فَقَالَ أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ و ( قوله : أما وأبيك لتنبأنه ) قد تقدم الكلام في الأيمان على بالأب عند قوله : أفلح وأبيه إن صدق . ولتنبأن : لتخبرن بذلك ، والهاء للسكت ، ويحتمل : أن تكون ضمير المصدر الذي دل عليه لتنبأن . قد تم نقل هذا الحديث من موسوعة الحديث الشريف لتعلقه بالشرح التالي، حيث ورد تعليق المحقق على هذا الشرح كالتالي: ( لم ترد هذه العبارة في التلخيص، وإنما وردت في الأم برقم ( 2548 ) ( 3 ) . ) .
( 34 ) كتاب البر والصلة ( 1 ) باب في بر الوالدين وما للأم من البر ( 2548 ) ( 1 و 2 ) [ 2454 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ : أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : أَبُوكَ . وفي رواية : ثم أدناك أدناك ( 34 ) كتاب البر والصلة ( 1 ) ومن باب : بر الوالدين ( قوله : من أحق الناس بحسن صحابتي ) أحق : أولى وأوكد ، والصحابة : الصحبة ، يقال : صحبه يصحبه صحبة وصحابة . و ( قوله : أمك ثلاث مرات ، وفي الرابعة : أبوك ) يدلّ على صحَّة قول من قال : إن للأم ثلاثة أرباع البر ، وللأب ربعه ، ومعنى ذلك : أن حقهما - وإن كان واجبا - فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك ، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم ، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه . و ( قوله : ثم أدناك أدناك ) يعني : أنك إذا قمت ببر الأبوين تعين عليك القيام بصلة رحمك ، وتبدأ منهم بالأقرب إليك نسبا فالأقرب ، وهذا كله عند تزاحم الحقوق ، وأما عند التمكن من القيام بحقوق الجميع ، فيتعين القيام بجميع ذلك .
( 2549 ) ( 6 ) [ 2456 ] وعنه قال : أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ . قَالَ : فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ : نَعَمْ كِلَاهُمَا . قَالَ : فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا . و ( قول الأعرابي : أبايعك على الهجرة ) أي : على أن أهجر دار قومي ، وأهاجر إليك ، فأقيم معك في المدينة ، وهذا كان في زمن وجوب الهجرة . و ( قوله : " فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما " ) قد قدمنا ذكر الخلاف في وجوب الهجرة ، هل كان على أهل مكة خاصة ، أو كان على كل من أسلم ؟ وعلى القولين فقد أسقط عنه الهجرة ، لأن حق الوالدين أولى ، لأنَّه إن كانت الهجرة عليه واجبة ، فقد عارضها ما هو أوجب منها ، وهو حق الوالدين ، فقدم ، وإن لم تكن واجبة عليه ، فالواجب أولى على كل حال ، لكنه إنما يصح هذا ممن يسلم له في موضعه دينه ، فأمَّا لو خاف الفتنة على دينه لوجب عليه الفرار بدينه ، وترك آبائه وأولاده ، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من عباده . وبر الوالدين واجب على الجملة بالكتاب والسنة ، وإجماع الأمة ، وكذلك صلة الأرحام ، وأما تفصيل ما يكون برا وصلة ، وما لا يكون ، فذلك يستدعي تفصيلا وتطويلا ليس هذا موضعه .
( 19 ) باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير ( 2593 ) [ 2500 ] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَيه مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ . ( 2594 ) ( 78 و 79 ) [ 2501 ] وعنها ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ . زاد في رواية: أن عائشة ركبت بعيرا، فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فإن الرفق على نحو ما تقدم . ( 2592 ) ( 74 - 75 ) [ 2502 ] وعن جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال: سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ . و ( قوله : " إن الله رفيق يحب الرفق " ) قد تقرر في غير موضع : أن العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى ، هل الأصل فيها التوقيف ، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه ، أو على لسان رسوله ، أو بجمع الأمة عليه ، أو : الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسم حسن ، إلا أن يمنع منه مانع شرعي ؟ الأول لأبي حسن ، والثاني : للقاضي أبي بكر . ومثار الخلاف : هل الألف واللام في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا للجنس ، أو للعهد ؟ ثم إذا تنزلنا على رأي الشيخ أبي الحسن ، هل نقتبس أسماءه تعالى من أخبار الآحاد ، أو لا ؟ اختلف المتأخرون من الأشعرية في ذلك على قولين ، والصحيح قبول أخبار الآحاد في ذلك ، لأن إطلاق الأسماء على الله تعالى حكم شرعي عملي ، فيُكتفى فيه بخبر الواحد والظواهر ، كسائر الأحكام العملية ، فأما معنى الاسم فإن شهد باتصاف الحق به قاطع عقلي ، أو سمعي ، وجب قبوله وعلمه ، وإلا لم يجب . ثم هل يكتفى في كون الكلمة اسما من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار ولا كثرة ، أم لا بد منهما ؟ فيه رأيان ، وقد سبق القول في ذلك . والرفيق : هو الكثير الرفق ، وهو اللين ، والتسهيل ، وضده العنف ، والتشديد والتصعيب ، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق ، وهو : إعطاء ما يرتفق به ، قال أبو زيد : يقال : رفقت به ، وأرفقته ، بمعنى : نفعته ، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى ؛ إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها ، والمعطي لها ، فلا تيسير إلا بتيسيره ، ولا منفعة إلا بإعطائه وتقديره . وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى : التمهل في الأمر والتأني فيه ، يقال منه : رفقت الدابة أرفقها رفقا : إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها ، وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى : الحليم ؛ فإنَّه لا يعجل بعقوبة العصاة ، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة ، ويزداد إثما من سبقت له الشقاوة ، وهذا المعنى أليق بالحديث ؛ فإنَّه السبب الذي أخرجه . وذلك أن اليهود سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك ، ففهمتهم عائشة - رضي الله عنها - فقالت : بل عليكم السام واللعنة . فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث . و ( قوله : " إن الله رفيق يحب الرفق " ) أي : يأمر به ، ويحض عليه ، وقد تقدم أن حب الله للطاعة شرعه لها ، وترغيبه فيها ، وحب الله لمن أحبه من عباده : إكرامه له . و ( قوله : " ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف " ) ويقال بفتح العين وضمها ، معناه : إن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل ، وفي الآخرة من الثواب الجزيل ما لا يعطي على العنف الجائز . وبيان هذا بأن يكون أمر ما من الأمور سوغ الشرع أن يُتوصل إليه بالرفق وبالعنف ، فسلوك طريق الرفق أولى لما يحصل عليه من الثناء على فاعله بحسن الخلق ، ولما يترتب عليه من حسن الأعمال ، وكمال منفعتها ، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه " . وضده الخرق والاستعجال ، وهو مفسد للأعمال ، وموجب لسوء الأحدوثة ، وهو المعبر عنه بقوله : " ولا نزع من شيء إلا شانه " . أي : عابه ، وكان له شَينا . وأما الخرق والعنف : فمفوتان مصالح الدنيا ، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من يحرم الرفق يحرم الخير " . أي : يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة .
( 2589 ) [ 2496 ] وعنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ . و ( قوله : " أتدرون ما الغيبة ؟ " ) كأن هذا السؤال صدر عنه بعد أن جرى ذكر الغيبة ، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ففسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغيبة المنهي عنها . ووزنها فعلة ، وهي مأخوذة من الغيبة - بفتح الغين - مصدر غاب ، لأنَّها ذكر الرجل في حال غيبته بما يكرهه لو سمعه . يقال من ذلك المعنى : اغتاب فلان فلانا ، يغتابه اغتيابا ، واسم ذلك المعنى : الغيبة ، ولا شك في أنها محرمة وكبيرة من الكبائر ، بالكتاب والسنة ، فالكتاب : قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا الآية ، وأما السنة فكثيرة ، من أنصها ما خرجه أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم " ، وفي كتابه من حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم ، قال : " مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم " . وإذا تقررت حقيقة الغيبة وأن أصلها على التحريم ، فاعلم أنها قد تخرج عن ذلك الأصل صور ، فتجوز الغيبة في بعضها ، وتجب في بعضها ، ويندب إليها في بعضها : فالأولى كغيبة المعلن بالفسق المعروف به ، فيجوز ذكره بفسقه لا بغيره ، مما يكون مشهورا به ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " بئس أخو العشيرة " كما يأتي ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا غيبة في فاسق " ، ولقوله : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " . والثاني : جرح شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته ، وجرح المحدث الذي يخاف أن يُعمل بحديثه ، أو يُروى عنه ، وهذه أمور ضرورية في الدين ، معمول بها ، مجمع من السلف الصالح عليها . ونحو ذلك : ذكر عيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته ، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هناته عند الحاجة إلى ذلك ، على جهة الإخبار ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " . وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب ، بل يندب إليه ، كفعل المحدثين حين يعرفون بالضعفاء مخافة الاغترار بحديثهم ، وكتحريز من لم يسأل مخافة معاملة مَن حاله تُجهل ، وحيث حكمنا بوجوب النص على الغيب ، فإنما ذلك إذا لم نجد بدا من التصريح والتنصيص ، فأمَّا لو أغنى التعريض والتلويح ، لحرم التنصيص والتصريح ؛ فإنَّ ذلك أمر ضروري ، والضروري يقدر بقدر الحاجة ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " ) هو بتخفيف الهاء وتشديد التاء ، لإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل ، وكذلك رويته ، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب ، يقال : بهته بهتا وبهتا وبهتانا ، أي : قال عليه ما لم يقل ، وهو بهات ، والمقول مبهوت ، ويقال : بهِت الرجل - بالكسر - إذا دهش وتحير ، وبهُت - بالضم - مثله ، وأفصح منها : بُهِت ، كما قال تعالى : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ لأنَّه يقال : رجل مبهوت ، ولا يقال : باهت ، ولا بهيت . قاله الكسائي .
( 17 ) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته ( 2587 ) [ 2495] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ . ( 17 ) ومن باب : تحريم السباب والغيبة ( قوله : " المستبان ما قالا ، فعلى الأول ما لم يعتد المظلوم " ) المستبان : تثنية مستب من السب ، وهو الشتم والذم ، وهما مرفوعان بالابتداء ، و ( ما ) موصولة ، وهي في موضع رفع بالابتداء أيضًا ، وصلتها : قالا ، والعائد محذوف ، تقديره : قالاه ، و ( على الأول ) خبر ما ، ودخلت الفاء على الخبر لما تضمنه الاسم الموصول من معنى الشرط ، نحو قوله تعالى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما وخبرها : خبر المبتدأ الأول الذي هو المستبان . ومعنى الكلام : أن المبتدئ بالسب هو المختص بإثم السب ، لأنَّه ظالم به ؛ إذ هو مبتدئ من غير سب ولا استحقاق ، والثاني منتصر فلا إثم عليه ، ولا جناح ، لقوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ لكن السب المنتصر به - وإن كان مباحًا للمنتصر - فعليه إثم من حيث هو سب ، لكنه عائد إلى الجاني الأول ، لأنَّه هو الذي أحوج المنتصر إليه وتسبب فيه ، فيرجع إثمه عليه ، ويسلم المنتصر من الإثم ، لأنَّ الشرع قد رفع عنه الإثم والمؤاخذة ، لكن ما لم يكن من المنتصر عدوان إلى ما لا يجوز له ، كما قال : " ما لم يعتد المظلوم " أي : ما لم يجاوز ما سُب به إلى غيره ، إما بزيادة سب آخر أو بتكرار مثل ذلك السب ، وذلك أن المباح في الانتصار : أن يرد مثل ما قال الجاني ، أو يقاربه ، لأنَّه قصاص ، فلو قال له : يا كلب - مثلا - فالانتصار أن يرد عليه بقوله : بل هو الكلب ، فلو كرر هذا اللفظ مرتين أو ثلاثا لكان متعديا بالزائد على الواحدة ، فله الأولى ، وعليه إثم الثانية ، وكذلك لو رد عليه بأفحش من الأولى ، فيقول له : خنزير - مثلا - كان كل واحد منهما مأثوما ، لأنَّ كلا منهما جار على الآخر ، وهذا كله مقتضى قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ و قوله : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وكل ما ذكرناه من جواز الانتصار إنما هو فيما إذا لم يكن القول كذبا أو بهتانا ، فلا يجوز أن يتكلم بذلك لا ابتداء ولا قصاصا ، وكذلك لو كان قذفا ، فلو رده كان كل واحد منهما قاذفا للآخر ، وكذلك لو سب المبتدئ أبا المسبوب أو جده ، لم يجز له أن يرد ذلك ، لأنَّه سب لمن لم يجنِ عليه ، فيكون الرد عدوانا لا قصاصا . قال بعض علمائنا : إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السب مما يجوز سب المرء به عند التأديب كالأحمق ، والجاهل ، والظالم ، لأنَّ أحدا لا ينفك عن بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء ، فهذا إذا كافأه بسبه فلا حرج عليه ولا إثم ، وبقي الإثم على الأول بابتدائه وتعرضه لذلك . تنبيه : ظاهر قوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ أن الانتصار مباح ، وعلى ذلك يدلّ الحديث المذكور ، لكن قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ مدح من الله تعالى للمنتصر ، والمباح لا يمدح عليه، فاختلف العلماء في ذلك ، فقال السدي : إنما مدح الله من انتصر ممن بغي عليه من غير زيادة على مقدار ما فُعل به ، يعني : أنه إنما مدح من حيث إنه اتقى الله في انتصاره ، إذا أوقعه على الوجه المشروع ، ولم يفعل ما كانت الجاهلية تفعل من الزيادة على الجناية . وقال غيره : إنما مدح الله من انتصر من الظالم الباغي المعلن بظلمه الذي يعُم ضرره ، فالانتقام منه أفضل ، والانتصار عليه أولى . قال معناه إبراهيم النخعي ، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة وإسقاط المطالبة عنهم بالحقوق ، مندوب إليه ، مرغّب فيه على الجملة ، لقوله تعالى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ولقوله : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وقوله : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقوله : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ولقوله صلى الله عليه وسلم : " ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا " ، وقوله : " تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك " ونحوه كثير ، ومع ذلك فاختلف العلماء في المحاللة من الحقوق ، فقال سعيد بن المسيب : لا أحلل أحدا . وظاهره : أنه كان لا يجيز أن يعفو عن حق وجب له ، ولا يسقطه ، ولم يفرق بين الظالم ولا غيره ، وهذا هو الذي فهمه مالك عنه . وذهب غيره إلى أنه تجوز المحاللة من جميع الحقوق وإسقاطها ، وإليه ذهب محمد بن سيرين ، والقاسم بن محمد ، كان يحلل من ظلمه ، ويكره لنفسه الخصوم . وفرق آخرون بين الظالم ، فلم يحللوه ، وبين غيره فحللوه ، وإليه ذهب إبراهيم النخعي ، وهو ظاهر قول مالك ، وقد سئل فقيل له : أرأيت الرجل يموت ، ولك عليه دَين ، ولا وفاء له به ؟ قال : أفضل عندي أن أحلله ، وأما الرجل يظلم الرجل فلا أرى ذلك . قال الله عز وجل : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ فظاهر هذا : أن الظالم لا يجوز أن يحلل ، ولم يفرق بين الحقوق ، فيكون مذهبه كمذهب النخعي المتقدم ، غير أنه قد روي قول مالك هذا بلفظ آخر ، فقال : أما الرجل يغتاب الرجل ، وينتقصه ، فلا أرى ذلك ، ففهم بعض أصحابنا من هذا : أن ترك المحاللة إنما منعه في الأعراض خاصة ، وأما في سائر الحقوق فيجوز ، وسبب هذا الخلاف : هل تلك الأدلة مبقاة على ظواهرها من التعميم ، أو هي مخصصة فيخرج منها الظالم ، لأنَّ تحليله من المظالم يجرّئه على الإكثار منها ، وهو ممنوع بالإجماع ، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان ، وقد قال تعالى : وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سد ذريعة الأعراض ليسارتها وتساهل الناس في أمرها ، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها ، فإذا علم الذي يريد أن يغتاب مسلما أن الغيبة وأعراض المسلمين لا يعفى عنها ، ولا يخرج منها ، امتنع من الوقوع فيها . قلت : ويرد على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها والانفصال عنها ، والتمسك بالعموم هو الأصل المعلوم ، لاسيما مع قوله صلى الله عليه وسلم : " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم ، كان إذا أصبح يقول : اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك " ومع الأصل الكلي في حقوق بني آدم من جواز تصرفهم فيها بالإعطاء والمنع ، والأخذ والإسقاط ، والله تعالى أعلم . تفريع : القائلون بجواز التحلل وإسقاط الحقوق اختلفوا : هل تسقط عن الظالم مطالبة الآدمي فقط ، ولا تسقط عنه مطالبة الله عز وجل ؟ أو يسقط عنه الجميع ؟ لأهل العلم فيه قولان .
( 2591 ) [ 2497] وعن عَائِشَةُ : أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ - أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ - أَوْ تَرَكَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم : " بئس ابن العشيرة ، أو : رجل العشيرة " ) هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذم لهذا الرجل في حال غيبته لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله ، وأنه ممن لا غيبة فيه ، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن مالك الفزاري ، أسلم بعد الفتح ، وقيل : قبله ، وهو من المؤلفة قلوبهم ، وكان من الأعراب الجفاة . روى أبو عمر بن عبد البر عن إبراهيم النخعي : أن عيينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وأين الإذن ؟ فقال : ما استأذنت على أحد من مضر ، وكانت عائشة - رضي الله عنها - مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من هذه الحميراء ؟ فقال : " أم المؤمنين " . فقال : ألا أنزل لك عن أجمل منها ؟ فقالت عائشة - رضي الله عنها - : من هذا يا رسول الله ؟ قال : " هذا أحمق مطاع ، وهو على ما ترين سيد قومه " . وقال الزهري : كان لعيينة ابن أخ من جلساء عمر - رضي الله عنه - يقال له الجد بن قيس ، فقال عيينة لابن أخيه : ألا تدخلني على هذا ؟ فقال : أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي ، فقال : لا أفعل ، فأدخله على عمر - رضي الله عنه - فقال : يا بن الخطاب ، والله ما تقسم بالعدل ، ولا تعطي الجزل ، فغضب عمر - رضي الله عنه - غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به ، فقال ابن أخيه : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى يقول في كتابه : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين . قال : فخلى عنه عمر ، وكان عمر - رضي الله عنه - وقافا عند كتاب الله تعالى . قال القاضي عياض : وقد كان من عيينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد موته ما يدلّ على ضعف إيمانه ، بل فيه علم من إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه بئس ابن العشيرة ، وقد ظهر ذلك منه ، إذ هو ممن ارتد وجيء به أسيرا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - والله أعلم بما ختم له . قلت : ويظهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه : " إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من وَدَعَه الناس اتقاء فُحشه " أن عيينة ختم له بخاتمة سوء ، لأنَّه ممن اتقى النبي صلى الله عليه وسلم ، فُحشه وشره ، والناس . فهو إذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ، ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر ، والله تعالى أعلم . ففي حديثه من الفقه : جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه ، والأمير الجائر والكافر ، وصاحب البدعة ، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم ، لكن ما لم يؤدِ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى . والفرق بين المداراة والمداهنة ، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين ، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال ، والمداهنة المذمومة المحرمة : هي بذل الدين لصالح الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته ، والرفق في مكالمته ، وطلاقة وجهه ، ولم يمدحه بقول ، ولا روعي في ذلك في حديث . فعلى هذا فلا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الرجل فعله معه ، لأنَّ قوله ذلك إخبار بحق ، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق ، فلا مدفع لأهل الزيغ والضلال ، إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال . و ( قوله : " من وَدَعَه ، أو تركه الناس اتقاء فحشه " ) هذا شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان الصحيح : وَدَعَه ، فقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بالأصل المرفوض ، كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله : سل أميري ما الذي غيره عن وصالي اليوم حتى وَدَعَه وقد حكي عن بعض السلف أنه قرأ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى بتخفيف الدال ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بمصدر ذلك المرفوض حيث قال : " لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم " ، وهذا كله يرد على من قال من النحويين : إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره ، ولا يُتكلم به استغناء عن ذلك بتركه ، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم ، فقد كذبه النقل الصحيح ، وإن أراد أن ذلك يقع ولكنه قليل ، وشاذ في الاستعمال ، فهو الصحيح .
( 20 ) باب لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا والتغليظ على من لعن بهيمة ( 2597 ) [ 2503 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا . ( 2598 ) ( 85- 86 ) [ 2504 ] وعن أبي الدرداء قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( 20 ) ومن باب قوله : لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا قد تقدَّم : أن أصل اللعن : الطرد والبعد ، وهو في الشرع : البعد عن رحمة الله تعالى وثوابه إلى نار الله وعقابه ، وأن لعن المؤمن كبيرة من الكبائر ؛ إذ قد قال صلى الله عليه وسلم : " لعن المؤمن كقتله " . و ( قوله : " لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا " ) صديق : فعيل : وهو الكثير الصدق والتصديق ، كما قد تقرر في صفة أبي بكر - رضي الله عنه - واللعان : الكثير اللعن . ومعنى هذا الحديث : أن من كان صادقا في أقواله وأفعاله مصدقا بمعنى اللعنة الشرعية ، لم تكن كثرة اللعن من خُلقه ، لأنه إذا لعن من لا يستحق اللعنة الشرعية ، فقد دعا عليه بأن يُبعد من رحمة الله وجنته ، ويدخل في ناره وسخطه . والإكثار من هذا يناقض أوصاف الصديقين ، فإنَّ من أعظم صفاتهم الشفقة والرحمة للحيوان مطلقا ، وخصوصا بني آدم ، وخصوصا المؤمن ؛ فإنَّ المؤمنين كالجسد الواحد ، وكالبنيان لما تقدَّم ، فكيف يليق أن يُدعى عليهم باللعنة التي معناها الهلاك والخلود في نار الآخرة . فمن كثر منه اللعن فقد سُلب منصب الصديقية ، ومن سُلبه فقد سُلب منصب الشفاعة والشهادة الأخروية ، كما قال : " لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة " . وإنما خص اللعان بالذكر ولم يقل : اللاعن ، لأن الصديق قد يلعن مَن أمره الشرع بلعنه ، وقد يقع منه اللعن فلتة وندرة ، ثم يراجع ، وذلك لا يخرجه عن الصديقية ، ولا يفهم من نسبتنا الصديقية لغير أبي بكر ، مساواة غير أبي بكر لأبي بكر - رضي الله عنه - في صديقيته ؛ فإنَّ ذلك باطل بما قد عُلم أن أبا بكر - رضي الله عنه - أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما تقدَّم ، لكن المؤمنون الذين ليسوا بلعانين لهم حظ من تلك الصديقية ، ثم هم متفاوتون فيها على حسب ما قسم لهم منها ، والله تعالى أعلم .
( 2596 ) ( 82 و 83 ) [ 2506 ] وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَضَايَقَ بِهِمْ الْجَبَلُ، فَقَالَتْ: حَلْ ! اللَّهُمَّ الْعَنْهَا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ . وفي رواية: لا، ايم الله ، لا تصاحبنا . و ( قوله : فقالت : حل ) هي كلمة تزجر بها الإبل ، يقال : حل ! حل ! بسكون اللام ، ويقال : حل ! حل ! بكسر اللام فيهما ، منونة وغير منونة .
( 2595 ) ( 80 و 81 ) [ 2505] وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ ، فَضَجِرَتْ ، فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَدَعُوهَا ، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ، قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ ناقة ورقاء تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ. وقوله صلى الله عليه وسلم في الناقة المدعو عليها باللعنة : " خذوا ما عليها فإنَّها ملعونة " ) حمله بعض الناس على ظاهره ، فقال : أطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على أن هذه الناقة قد لعنها الله تعالى ، وقد استُجيب لصاحبتها فيها ؛ فإن أراد هذا القائل أن الله تعالى لعن هذه الناقة كما يلعن من استحق اللعنة من المكلفين ، كان ذلك باطلا ؛ إذ الناقة ليست بمكلفة ، وأيضًا فإنَّ الناقة لم يصدر منها ما يوجب لعنها ، وإن أراد أن هذه اللعنة : إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن مالكتها ، وعن استخدامها إياها ، فتلك اللعنة إنما ترجع لصاحبتها ؛ إذ قد حيل بينها وبين مالها ، ومُنعت الانتفاع به ، لا للناقة ، لأنها قد استراحت من ثِقل الحمل وكد السير . فإن قيل : فلعل معنى لعنة الله الناقة أن تترك ألا يتعرض لها أحد ، فالجواب : أن معنى ترك الناس لها إنما هو أنهم لم يؤوها إلى رحالهم ، ولا استعملوها في حمل أثقالهم ، فأمَّا أن يتركوها في غير مرعى ومن غير علف حتى تهلك فليس في الحديث ما يدل عليه . ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في الأمر بالرفق بالبهائم والنهي عن تعذيبها ، وإنما كان هذا منه صلى الله عليه وسلم تأديبا لصاحبتها ، وعقوبة لها فيما دعت عليها بما دعت به . ويستفاد منه : جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك ، والله تعالى أعلم . والورقاء : التي يخالط بياضها سواد ، والذكر أورق .
( 2600 ) ( 88 ) [ 2508 ] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ ، وَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لمَنْ أَصَابَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ ! قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا ! قَالَ: أَوَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ ! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا . ( 2601 ) ( 89 و 90 و 91 ) [ 2509 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً. وفي رواية: ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة . وفي رواية: اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وفيها : فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا، وذكره . قال أبو الزناد : جلده لغة أبي هريرة. و ( قوله : لمن أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان ) هذا الكلام من السهل الممتنع ، وذلك أن معناه أن هذين الرجلين ما أصابا منك خيرا ، وإن كان غيرهما قد أصابه ، لكن تنزيل هذا المعنى على أفراد ذلك الكلام فيه صعوبة ، ووجه التنزيل يتبين بالإعراب ، وهو أن اللام في : لمن ، هي لام الابتداء ، وهي متضمنة للقسم ، ومن : موصولة في موضع رفع بالابتداء ، وصلتها : أصاب ، وعائدها : المضمر في أصاب ، وما بعدها متعلق به ، وخبره محذوف ، تقديره : والله لرجل أصاب منك خيرا : فائز أو ناج . ثم نفى عن هذين الرجلين إصابة ذلك الخير بقوله : ما أصابه هذان ، ولا يصح أن يكون ( ما أصابه ) خبرا لـ ( من ) المبتدأ ، لخلوها عن عائد يعود على نفس المبتدأ ، وأما الضمير في ( أصابه ) فهو للخير ، لا لمن ، فتأمله يصح لك ما قلناه ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأي المسلمين لعنته أو سببته أو جلدته ، فاجعل ذلك له كفارة ورحمة " ) ظاهر هذا أنه خاف أن يصدر عنه في حال غضبه شيء من تلك الأمور ، فيتعلق به حق مسلم ، فدعا الله تعالى ، ورغب إليه في أنه : إن وقع منه شيء من ذلك لغير مستحق في ألا يفعل بالمدعو عليه مقتضى ظاهر ذلك الدعاء ، وأن يعوضه من ذلك مغفرة لذنوبه ورفعة في درجاته ، فأجاب الله تعالى طلبة نبيه صلى الله عليه وسلم ووعده بذلك ، فلزم ذلك بوعده الصدق وقوله الحق ، وعن هذا عبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " شارطت ربي " ، و " شرط علي ربي " ، و " اتخذت عنده عهدا لن يخلفنيه " لا أن الله تعالى يُشترط عليه شرط ، ولا يجب عليه لأحد حق ، بل ذلك كله بمقتضى فضله وكرمه على حسب ما سبق في علمه . فإن قيل : فكيف يجوز أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم لعن أو سب ، أو جلد لغير مستحقه ، وهو معصوم من مثل ذلك في الغضب والرضا ؛ لأنَّ كل ذلك محرم وكبيرة ، والأنبياء معصومون عن الكبائر ، إما بدليل العقل ، أو بدليل الإجماع ، كما تقدَّم . قلت : قد أشكل هذا على العلماء ، وراموا التخلص من ذلك بأوجه متعددة ، أوضحها وجه واحد ، وهو : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يغضب لما يرى من المغضوب عليه من مخالفة الشرع ، فغضبه لله تعالى لا لنفسه ، فإنَّه ما كان يغضب لنفسه ولا ينتقم لها ، وقد قررنا في الأصول : أن الظاهر من غضبه تحريم الفعل المغضوب من أجله . وعلى هذا فيجوز له أن يؤدب المخالف له باللعن والسب والجلد والدعاء عليه بالمكروه ، وذلك بحسب مخالفة المخالف ، غير أن ذلك المخالف قد يكون ما صدر منه فلتة أوجبتها غفلة ، أو غلبة نفس ، أو شيطان ، وله فيما بينه وبين الله تعالى عمل خالص ، وحال صادق ، يدفع الله عنه بسبب ذلك أثر ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم له من ذلك القول أو الفعل . وعن هذا عبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل ، أن تجعلها له طهورا ، وزكاة ، وقربة تقربه بها يوم القيامة " أي : عوضه من تلك الدعوة بذلك ، والله تعالى أعلم . قلت : وقد يدخل في قوله : أيما أحد من أمتي دعوت عليه : الدعوات الجارية على اللسان من غير قصد للوقوع ، كقوله : " تربت يمينك " و " عقرى حلقى " . ومن هذا النوع قوله لليتيمة : " لا كبر سنك " ، فإنَّ هذه لم تكن عن غضب ، وهذه عادة غالبة في العرب يصلون كلامهم بهذه الدعوات ، ويجعلونها دعاما لكلامهم من غير قصد منهم لمعانيها ، وقد قدمنا في كتاب الطهارة في هذا كلاما للبديع ، وهو من القول البديع . وبما ذكرناه يرتفع الإشكال ويحصل الانفصال . ووجه لغة أبي هريرة في : جلده : أنه قلب التاء دالا لقرب مخرجهما ، ثم أدغم التاء في الدال ، وهي على عكس اللغة المشهورة ، فإنهم فيها قلبوا الدال تاء ، وأدغموا الدال في التاء ، وهو الأولى .
( 2603 ) [ 2510 ] وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ - فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ: آنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ ، فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي ، فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا - أَوْ قَالَتْ : قَرْنِي - فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ ألَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، أَمَا تَعْلَمِينَ شَرْطِي عَلَى رَبِّي : أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وفي رواية: يتيمة - بالتصغير - في المواضع الثلاثة . و ( قوله صلى الله عليه وسلم ليتيمة أم سليم : آنت هيه ؟ لقد كبرت ، لا كبر سنك ) الهاء في : هيه ، للوقف ، فإذا وصلت حذفتها ، وهذا الاستفهام على جهة التعجب ، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان قد رآها صغيرة ، ثم غابت عنه مدة فرآها قد طالت وعبلت ، فتعجب من سرعة ذلك فقال لها ذلك القول متعجبا ، فوصل كلامه بقوله : لا كبر سنك ، على ما قلناه من إطلاق ذلك القول من غير إرادة معناه ، وهذا واضح هنا : ويحتمل أن يقال : إنما دعا عليها بأن لا يكبر سنها كبرا تعود به إلى أرذل العمر ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من أن يرد إلى أرذل العمر ، والمعنى الأول أظهر من مساق بقية الحديث في اعتذاره صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك . و ( قول اليتيمة : لا يكبر سني ، أو قالت : قرني ) هو بفتح القاف ، وتعني به السن ، وهو شك عرض لبعض الرواة ، وأصله أن من ساوى آخر في سنه كان قرن رأسه محاذيا لقرنه ، وقرن الرأس جانبه الأعلى ، وهذا يدل على أن إجابة دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معلومة بالمشاهدة عند كبارهم وصغارهم ، لكثرة ما كانوا يشاهدون من ذلك ، ولعلمهم بمكانته صلى الله عليه وسلم . وتلوث خمارها : تديره على رأسها وعنقها ، والطهور هنا هي الطهارة من الذنوب ، وقد سماها في الرواية الأخرى : كفارة . والصلاة من الله تعالى : الرحمة ، كما قد عبر عنها في الرواية الأخرى . والزكاة : الزيادة في الأجر ، كما قد عبر عنها في الرواية الأخرى بالأجر . والقربة : ما يقرب إلى الله تعالى وإلى رضوانه . وفيه ما يدلّ على تأكد الشفقة على اليتيم ، والذب عنه ، والحنو عليه .
( 2604 ) ( 96 ) [ 2511 ] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ ، قَالَ: فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً ، وَقَالَ: اذْهَبْ َادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ ، قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ . قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ . فَقَالَ: لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ . قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قُلْتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفْدَةً. و ( قول ابن عباس - رضي الله عنهما - : كنت ألعب مع الصبيان ) دليل على جواز تخلية الصغير للعب لتنشط نفسه ، وتتقوى أعضاؤه ، وتتوقح رجلاه ، أي : تتصلب . و ( قوله : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتواريت خلف باب ) أي : اختفيت بالباب ، وكأنه استحى من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهابه . و ( قوله : فحطأني حطأة ) فسره أمية بن خالد بقفدني قفدة ، وكلاهما يحتاج إلى تفسير ، فأمَّا حطأني : فهو بالحاء المهملة ، وبالهمزة على قول شمر ، وهو المحكي في الصحاح ، وهكذا قيده أهل الإتقان والضبط ، وهو أن تضرب بيدك مبسوطة في القفا ، أو بين الكتفين ، وجاء به الهروي غير مهموز في باب الحاء ، والطاء والواو ، وقال ابن الأعرابي : الحطو : تحريك الشيء متزعزعا . وأما القفد - بتقديم القاف على الفاء - فالمعروف عند اللغويين أنه : المشي على صدور القدمين من قِبل الأصابع ، ولا تبلغ عقباه الأرض . يقال : رجل أقفد ، وامرأة قفداء ، هو القفد ، بفتح القاف والفاء . قلت : ولم أجد قفدني بمعنى حطأني إلا في تفسير أمية هذا . وهذا الضرب من النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس تأديب له ، ولعله لأجل اختفائه منه ؛ إذ كان حقه أن يجيء إليه ، ولا يفر منه . ويحتمل أن يكون هذا الضرب بعد أن أمره أن يدعو له معاوية ، فلم يؤكد على معاوية الدعوة ، وتراخى في ذلك ، ألا ترى قوله في المرتين : هو يأكل ، ولم يزد على ذلك ، وكان حقه في المرة الثانية ألا يفارقه حتى يأتي به ، والله تعالى أعلم . ففيه تأديب الصغار بالضرب الخفيف الذي يليق بهم ، وبحسب ما يصدر عنه . و ( قوله : " ادع لي معاوية " ) فيه استعمال الصغير فيما يليق بهم من الأعمال . و ( قوله : " لا أشبع الله بطنه " ) يحتمل أن يكون من نوع : " لا كبر سنك " كما قلناه ، على تقدير أن يكون معاوية من الأكل في أمر كان معذورا به من شدة الجوع ، أو مخافة فساد الطعام ، أو غير ذلك ، وهذا المعنى تأول من أدخل هذا الحديث في مناقب معاوية ، فكأنه كنى به عن أنه دعا عليه بسبب أمر كان معذورا به ، فحصل له من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة والرحمة والقربة إلى الله تعالى التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه . ويحتمل أن يكون هذا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته أدبا لمعاوية على تثبطه في إجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وإجابة دعوته صلى الله عليه وسلم واجبة على الفور ، بدليل حديث أبي الذي أنكر عليه في ترك إجابته ، وكان أبي في الصلاة .
( 21 ) باب لم يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لعانا وإنما بعث رحمة، وما جاء من أن دعاءه على المسلم أو سبه له طهور وزكاة ورحمة ( 2599 ) [ 2507] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً . ( 21 ) ومن باب : لم يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لعانا ، وإنما بُعث رحمة قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إني لم أبعث لعانا ، وإنما بُعثت رحمة " ) كان هذا منه صلى الله عليه وسلم بعد دعائه على رعل وذكوان وعصية ، الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو عليهم ، ويلعنهم في آخر كل صلاة من الصلوات الخمس ، يقنت بذلك ، حتى نزل عليه جبريل فقال : " إن الله تعالى لم يبعثك لعانا ولا سبابا ، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا " ثم أنزل الله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ على ما خرجه أبو داود في مراسيله من حديث خالد بن أبي عمران ، وفي الصحيحين ما يؤيد ذلك ويشهد بصحته . و ( قوله : " إنما بعثت رحمة " ) هذا كقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ أي : بالرسالة العامة ، والإرشاد للهداية ، والاجتهاد في التبليغ ، والمبالغة في النصح ، والحرص على إيمان الجميع ، وبالصبر على جفائهم ، وترك الدعاء عليهم ، إذ لو دعا عليهم لهلكوا . وهذه الرحمة يشترك فيها المؤمن والكافر ، أما رحمته الخاصة فلمن هداه الله تعالى ، ونور قلبه بالإيمان ، وزين جوارحه بالطاعة ، كما قال تعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فهذا هو المغمور برحمة الله ، المعدود في زمرة الكائنين معه في مستقر كرامته ، جعلنا الله منهم ، ولا حال بيننا وبينهم .
( 6 ) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة ؟ ( 2559 ) ( 23 و 24 ) [ 2467] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ . وفي رواية : " ولا تقاطعوا " بدل " ولا تدابروا " وزاد: " كما أمركم الله " . ومن باب : النهي عن التحاسد والتدابر ( قوله : لا تباغضوا ، أي : لا تتعاطوا أسباب البغض ، لأنَّ الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ، ولا يملك التصرف فيها ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم ! هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " يعني : الحب والبغض . و ( قوله : " لا تدابروا " ) أي : لا تفعلوا فعل المتباغضين اللذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر ، أي : يوليه دبره فعل المعرض . و ( قوله : " ولا تقاطعوا " ) أي : لا تقاطعه فلا تكلمه ، ولا تعامله ، وهو معنى : لا تهاجروا ، وهي رواية ابن ماهان ، وهي : من الهجران ، وعن الجلودي : " ولا تهجروا " . وعن أبي بحر : " تهجروا " بكسر التاء والهاء والجيم . قال القاضي : معنى الكلمة : لا تهتجروا ، وتكون : تفتعلون : يعني تهاجروا ، أو من هجر الكلام : وهو الفحش فيه ، أي : لا تتسابوا وتتفاحشوا . قلت : والرواية الأولى أوضح وأولى . و ( قوله : " ولا تحاسدوا ) أي : لا يحسد بعضكم بعضا ، والحسد في اللغة : أن تتمنى زوال نعمة المحسود وعودها إليك . يقال : حسده يحسده حسودا . قال الأخفش : وبعضهم يقول : يحسد -بالكسر- والمصدر حسدا بالتحريك ، وحسادة ، وحسدتك على الشيء ، وحسدتك الشيء : بمعنى واحد . فأمَّا الغبطة فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه . تقول منه : غبطته بما نال غبطا وغبطة . وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا في اثنتين " أي : لا غبطة أعظم ولا أحق من الغبطة بهاتين الخصلتين . و ( قوله : " وكونوا عباد الله إخوانا " ) أي : كونوا كإخوان النسب في الشفقة ، والرحمة ، والمودة ، والمواساة ، والمعاونة ، والنصيحة . و ( قوله : " كما أمركم الله " ) يحتمل أن يريد به هذا الأمر الذي هو قوله : " كونوا إخوانا " ، لأنَّ أمره صلى الله عليه وسلم هو أمر الله ، وهو مبلغ له ، ويحتمل : أن يريد بذلك قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فإنَّه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها ، ففيها معنى الأمر . و ( قوله : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " ) دليل خطابه : أن الهجرة دون الثلاث معفو عنها ، وسببه : أن البشر لا بد له غالبًا من سوء خلق وغضب ، فسامحه الشرع في هذه المدة ، لأنَّ الغضب فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه ؟ ولأنه لا يمكنه رد الغضب في تلك الحالة غالبًا ، وبعد ذلك يضعف فيمكن رده ، بل : قد يمحى أثره . وظاهر هذا الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث ، وقد أكد هذا المعنى قوله : " لا هجرة بعد ثلاث " ، وكون المتهاجرين لا يغفر لهما حتى يصطلحا .
( 2560 ) [ 2468 ] وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ . ( 2562 ) [ 2469 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ . و ( قوله صلى الله عليه وسلم : " خيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام " ) ، يدلّ على أن مجرد السلام يخرج عن الهجرة وإن لم يكلمه ، وهو قول مالك وغيره . وقال أحمد وابن القاسم : إن كان يؤذيه فلا يقطع السلام هجرته . وعندنا : أنه إن اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه ، ومعناه : أن الذي يبادر بقطع الهجرة فيسبق صاحبه بالسلام أحسن خلقا وأعظم أجرا . وما ذكرناه من جواز الهجران في الثلاث هو مذهب الجمهور ، والمعتبر ثلاث ليال ، فإنَّ بدأ بالهجرة في بعض يوم فله أن يلغي ذلك البعض ، ويعتبر ليلة ذلك اليوم ، فيكون أول الزمان الذي أبيحت فيه الهجرة ، ثمَّ بانفصال الليلة الثالثة تحرم على ما قدمناه . وهذا الهجران الذي ذكرناه هو الذي يكون عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين ، فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا .
( 42 ) باب المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح ( 2639 ) ( 163 و 164 ) [ 2567] عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؛ قَالَ: وَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ . وفي رواية : قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. ( 2640 ) [ 2568 ] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَرَى رَجُلا أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؛ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ. ( 42 ) ومن باب : المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح ( قوله : فلقينا رجلا عند سدة المسجد ) يعني : عند باب المسجد ، والسدة تقال على ما يسد به الباب ، وعلى المسدود الذي هو الباب . و ( قوله : فكأن الرجل استكان ) أي : سكن تذللا . و ( قوله : ما أعددت لها كبير صلاة ، ولا صيام ، ولا صدقة ) يعني بذلك : النوافل من الصلاة والصدقة ، والصوم ، لأنَّ الفرائض لا بد له ولغيره من فعلها ، فيكون معناه : أنه لم يأت منها بالكثير الذي يعتمد عليه ، ويرتجى دخول الجنة بسببه ، هذا ظاهره ، ويحتمل أن يكون أراد أن الذي فعله من تلك الأمور - وإن كان كثيرا- فإنَّه محتقر بالنسبة إلى ما عنده من محبة الله تعالى ورسوله ، فكأنه ظهر له أن محبة الله ورسوله أفضل الأعمال وأعظم القرب ، فجعلها عمدته ، واتخذها عدته ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " فأنت مع من أحببت " ) قد تكلمنا عليه في غير موضع . و ( قوله : ما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم ) هكذا وقع هذا اللفظ في الأصول ، وفيه حذف وتوسع ، تقديره : فما فرحنا فرحا أشد من فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول ، وسكت عن ذلك المحذوف للعلم به . وإنَّما كان فرحهم بذلك أشد ، لأنَّهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القُرب من النبي صلى الله عليه وسلم ، والكون معه ؛ إلا حب الله ورسوله ، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر ، والمتأخر بالمتقدِّم . ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه ، وحقق فيه ظنه ، فقال : أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر ، فأرجو أن أكون معهم ، وإن لم أعمل بأعمالهم . والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس ، فلذلك تعلقت أطماعنا بذلك ؛ وإن كنا مقصرين ، ورجونا رحمة الرحمن ، وإن كنا غير مستأهلين .
( 2642 ) [ 2569 ] وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَال: تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ. وفي رواية : ويحبه الناس عليه ، ( بدل ) : يحمده . و ( قوله : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه ) يعني الرجل الذي يعمل العمل الصالح خالصا ، ولا يريد إظهاره للناس ، لأنَّه لو عمله ليحمده الناس أو يبروه ، لكان مرائيا ، ويكون ذلك العمل باطلا فاسدا ، وإنما الله تعالى بلطفه ورحمته وكرمه ، يعامل المخلصين في الأعمال الصادقين في الأقوال والأحوال بأنواع من اللطف ، فيقذف في القلوب محبتهم ، ويطلق الألسنة بالثناء عليهم ، لينوه بذكرهم في الملأ الأعلى ؛ ليستغفروا لهم ، وينشر طيب ذكرهم في الدنيا ليقتدى بهم ، فيعظم أجرهم ، وترتفع منازلهم ، وليجعل ذلك علامة على استقامة أحوالهم ، وبشرى بحسن مآلهم ، وكثير ثوابهم ، ولذلك قال : " تلك عاجل بشرى المؤمن " . والله تعالى أعلم.
( 41 ) باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد ( 2637 ) ( 157 ) [ 2565] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ . قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ . قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ. ( 41 ) ومن باب : إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد مجندة ، والمرء مع من أحب قد تقدَّم أن معنى محبة الله للعبد : إرادة إكرامه وإثابته . ولأعمال العباد : إثابتهم عليها ، وأن محبة الله تعالى منزهة عن أن تكون ميلا للمحبوب ، أو شهوة ؛ إذ كل ذلك من صفاتنا ، وهي دليل حدوثنا ، والله تعالى منزه عن كل ذلك . وأما محبة الملك فلا بُعد في أن تكون على حقيقتها المعقولة في حقوقنا ، ولا إحالة في شيء من ذلك . وإعلام الله تعالى جبريل ، وإعلام جبريل الملائكة بمحبة العبد المذكور تنويه به ، وتشريف له في ذلك الملأ الكريم ، وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظ العظيم ، وهذا من نحو قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى حيث قال : " أنا مع عبدي إذا ذكرني ؛ إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " . ويجوز أن يراد بمحبة الملائكة : ثناؤهم عليه واستغفارهم له ، وإكرامهم له عند لقائه إياهم . و ( قوله : " ثم يوضع له القبول في الأرض " ) يعني بالقبول : محبة قلوب أهل الدين والخير له ، والرضا به ، والسرور بلقائه ، واستطابة ذكره في حال غيبته ، كما أجرى الله تعالى عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة ومشاهير الأئمة . والقول في البغض على النقيض من القول في الحب .
( 2638 ) ( 159 و 160 ) [ 2566 ] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْأَرْوَاحُ أَجْنَادٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ. وفي رواية : النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ وذكره . و ( قوله : " الأرواح أجناد مجندة " ) . قد تقدَّم القول في الروح والنفس في كتاب الطهارة . ومعنى أجناد مجندة : أصناف مصنفة . وقيل : أجناس مختلفة . ويعني بذلك أن الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحا ؛ فإنَّها تتمايز بأمور وأحوال مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد ، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة ، ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها ، وتنفر من مخالفها ، ثمَّ إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد تتآلف ، وبعضها تتنافر ، وذلك بحسب أمور تتشاكل فيها ، وأمور تتباعد فيها ، كالأرواح المجبولة على الخير والرحمة والشفقة والعدل ، فتجد مَن جُبل على الرحمة يميل بطبعه لكل من كان فيه ذلك المعنى ، ويألفه ، ويسكن إليه ، وينفر ممن اتصف بنقيضه ، وهكذا في الجفاء والقسوة ، ولذلك قد شاع في كلام الناس قولهم : المناسبة تؤلف بين الأشخاص ، والشكل يألف شكله ، والمثل يجذب مثله . وهذا المعنى هو أحد ما حُمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " وعلى هذا فيكون معنى تعارف : تناسب . وقيل : إن معنى ذلك هو ما تعرف الله به إليها من صفاته ، ودلها عليه من لطفه وأفعاله ، فكل روح عرف من الآخر أنه تعرف إلى الله بمثل ما تعرف هو به إليه . وقال الخطابي : هو ما خلقها الله تعالى عليه من السعادة والشقاوة في المبدأ الأول . قلت : وهذان القولان راجعان إلى القول الأول ، فتدبرهما . ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فتش على الموجب لتلك النفرة ، وبحث عنه بنور العلم ؛ فإنَّه ينكشف له ، فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك ، أو في تضعيفه بالرياضة السياسية ، والمشاهدة الشرعية حتى يتخلص من ذلك الوصف المذموم ، فيميل لأهل الفضائل والعلوم ، وكذلك القول فيما إذا وجد ميلا لمن فيه شر ، أو وصف مذموم . وقد تقدَّم القول على قوله : " الناس معادن " في كتاب المناقب .
( 2564 ) ( 34 ) [ 2472 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ . و ( قوله : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " ) نظر الله تعالى الذي هو رؤيته للموجودات ، واطلاعه عليها لا يخص موجودا دون موجود ، بل يعم جميع الأشياء ؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . ثمَّ قد جاء في الشرع نظر الله تعالى بمعنى : رحمته للمنظور إليه ، وبمعنى : قبول أعماله ، ومجازاته عليها . وهذا هو النظر الذي يخص به بعض الأشياء ، وينفى عن بعضها ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان . فقوله هنا : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم " أي : لا يثيبكم عليها ، ولا يقربكم منه ، ذلك كما قال تعالى : وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ثم قال : إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ويستفاد من هذا الحديث فوائد : إحداها : صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته ؛ بتحقيق علومه ، وتصحيح مقاصده وعزومه ، وتطهيره عن مذموم الصفات ، واتصافه بمحمودها ؟ فإنَّه لما كان القلب هو محل نظر الله تعالى فحق العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها ؛ لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله بسببه . الثانية : أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على الأعمال بالجوارح ؛ لتخصيص القلب بالذكر مقدما على الأعمال ، وإنَّما كان ذلك لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال ؛ إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه ، مخلص له فيما يعمله ، ثمَّ لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه ، وهو الذي عبر عنه بالإحسان ، حيث قال : " أن تعبد الله كأنك تراه " . وقد تقدَّم قوله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " . الثالثة : أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهرة ، وأعمال القلب غيب عنا ، فلا يقطع بمغيب أحد ؛ لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة ، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله تعالى من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال ، ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه ، فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية ، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة ، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة ، بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة ، لا تلك الذات المسيئة . فتدبر هذا ؛ فإنَّه نظر دقيق .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-44
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة