باب في قوله تعالى لله ما في السماوات وما في الأرض
[ 100 ] وعَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَكَلَّمْ بِهِ . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : إِنَّ اللهَ تعالى تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ) روايتنا : نصبُ أَنْفُسَهَا ، على أنَّه مفعولُ حَدَّثَتْ ، وفي حَدَّثَتْ ضميرُ فاعلٍ عائدٌ على الأُمَّة . وأهل اللغة يقولون : أَنْفُسُهَا بالرفع على أنَّه فاعلُ حَدَّثَتْ ، يريدون بغير اختيار ؛ قاله الطحاويُّ .
قال المؤلف - رحمه الله - : يعني : أنَّ الذي لا يؤاخَذُ به هي الأحاديثُ الطارئةُ التي لا ثباتَ لها ، ولا استقرارَ في النَّفْسِ ، ولا رُكُونَ إليها . وهذا نحو ممَّا قاله القاضي أبو بكر في قوله - عليه الصلاة والسلام - عن الله : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ ، فَإِذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ عَشْرًا ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا ، فَإذَا عَمِلَهَا ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . قال القاضي : إنَّ الهمَّ هاهنا : ما يَمُرُّ بالفِكْرِ من غير استقرارٍ ولا توطين ، فلو استمرَّ ووطَّن نفسه عليه ، لكان ذلك هو العَزْمَ المؤاخَذَ به أو المثابَ عليه ؛ بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - : إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ ، قَالُوا : يَا رسولَ الله ، هَذَا القَاتِلُ ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ .
لا يُقَالُ : هذه المؤاخذةُ هنا إنَّما كانتْ لأنَّه قد عَمِلَ بما استَقَرَّ في قلبه مِنْ حمله السلاحَ عليه ، لا بمجرَّدِ حِرْصِ القلب ؛ لأنَّا نقول : هذا فاسدٌ ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - قد نصَّ على ما وقعَتِ المؤاخذةُ به ، وأعرَضَ عن غيره ، فقال : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ، فلو كان حَمْلُ السلاحِ هو العِلَّةَ للمؤاخذةِ أو جُزْءَهَا ، لَمَا سكَتَ عنه ، وعلَّقَ المؤاخذَةَ على غيره ؛ لأنَّ ذلك خلافُ البيانِ الواجبِ عند الحاجةِ إليه ، وهذا الذي صار إليه القاضي ، هو الذي عليه عامَّةُ السلفِ وأهلِ العلمِ ؛ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين . ولا يُلْتَفَتُ إلى مَنْ خالفهم في ذلك ؛ فزعم : أنَّ ما يَهُمُّ به الإنسانُ ، وإن وطَّن نفسَهُ عليه ، لا يؤاخَذُ به ؛ مُتَمَسِّكًا في ذلك بقوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا وبقوله - عليه الصلاة والسلام - : مَا لَمْ يعْمَلْ أو يتَكَلَّمْ بِهِ ، ومن لم يعملْ بما عزَمَ عليه ولا نطَقَ به ، فلا يؤاخَذُ به ، وهو متجاوَزٌ عنه ، والجوابُ عن الآية : أنَّ مِنَ الهمِّ ما يؤاخَذُ به ، وهو ما استَقَرَّ واستوطَنَ ، ومنه ما يكونُ أحاديثَ لا تستقرُّ ؛ فلا يؤاخَذُ بها ؛ كما شَهِدَ به الحديثُ ، وما في الآية من القِسْمِ الثاني لا الأوَّل ، وفي الآيةِ تأويلاتٌ هذا أحَدُهَا ، وبه يحصُلُ الانفصال . وعن قوله مَا لَمْ يعْمَلْ أنَّ توطينَ النفسِ عليه عَمَلٌ يؤاخَذُ به ، والذي يرفعُ الإشكالَ ، ويبيِّنُ المرادَ بهذا الحديث : حديثُ أبي كَبْشةَ الأنماريِّ ، واسمه عُمَرُ بن سَعْد - على ما قاله خَليفة بنُ خَيَّاط - : أنَّه سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إِنَّمَا الدُّنْيَا لأِرْبَعَةِ نَفَرٍ .
الحديثَ إلى آخره ، وقد ذكرناه .