حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب فِي رَفْعِ الأَْمَانَةِ وَالإِْيمَانِ مِنَ القُلُوبِ وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَيْهَا

[ 113 ] وعَنْه ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الْفِتَنَ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : نَحْنُ سَمِعْنَاهُ ، فَقَالَ : لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أهلِهِ وَجَارِهِ ؟ قَالُوا : أَجَلْ ، قَالَ : تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ : فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ ، فَقُلْتُ : أَنَا ، قَالَ : أَنْتَ ؟ للهِ أَبُوكَ! قَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ : عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ؛ لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ . قَالَ حُذَيْفَةُ : وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ ، قَالَ عُمَرُ : أَكَسْرًا لاَ أَبَا لَكَ! فَلَو أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ! قلت : لاَ بَلْ يُكْسَرُ ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أو يَمُوتُ ، حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ . قَالَ أبو خَالِدٍ : فَقُلْتُ لِسَعْدٍ : يَا أَبَا مَالِكٍ ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادا ؟ قَالَ : شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ ، قَالَ : قُلْتُ : فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا ؟ قَالَ : مَنْكُوسًا .

و أَجَلْ بمعنى : نَعَم . و تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ أي : تَضْطرِبُ ويدفعُ بعضُها بعضًا ، وكُلُّ شيءٍ اضطرَبَ : فقد ماج ؛ ومنه : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ . و أَسْكَتَ الْقَوْمُ أي : أَطْرَقوا ؛ قال الأصمعيُّ : سكَتَ القومُ : صَمَتُوا ، وأَسْكَتوا : أَطْرَقوا ، وقال أبو عليٍّ البغداديُّ وغيره : سكَتَ وأسكَتَ ، بمعنى : صَمَتَ .

قال الهرويُّ : ويكونُ سكَتَ بمعنى سكَنَ ؛ ومنه : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ وبمعنى انقطَعَ ؛ تقول العرب : جرى الوادي ثلاثًا ، ثم سكَتَ ، أي : انقطَعَ ، ويقال : هو السُّكُوتُ والسُّكَاتُ ، وسكَتَ يَسْكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا . و ( قوله : كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ) قيد ثلاثُ تقييدات ، قيَّده القاضي الشَّهِيد : بفتح العينِ المهملة والذالِ المعجمة . وقيَّده أبو بحر سفيانُ بن العاصي : بضمِّ العين ودالِ المهملة .

واختار أبو الحُسَيْنِ بنُ سِرَاجٍ : فَتْحَ العينِ والدالِ المهملة . فمعنى التقييدِ الأوَّل : سؤالُ الإعاذة ؛ كما يقال : غَفْرًا غَفْرًا ، أي : اللهمَّ اغفِرْ ، اللهم اغفرْ . وأما التقييد الثاني ، فمعناه : أنَّ الفتن تتوالَى واحدةً بعد أخرى ؛ كَنَسْج الحصير عُودًا بإزاء عُود ، وشَطْبةً بإزاء شَطْبة ، أو كما يناولُ مهيِّئ القُضْبان للناسجِ عُودًا بعد عُود .

وأما التقييدُ الثالث : فمعناه قريب مِنْ هذا ، يعني أنَّ الفتنةَ كلَّما مضت ، عادَتْ ؛ كما يفعلُ ناسجُ الحصير : كلَّما فرَغَ من موضعِ شَطْبةٍ أو عُودٍ ، عاد إلى مثله . والمعنى الثاني أمكَنُ وأليقُ بالتشبيه ، والله أعلم . و أُشْرِبَهَا أي : حَلَّتْ فيه مَحَلَّ الشَّرب ؛ كقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي : حُبَّهُ .

و ( قوله : عَلَى قَلْبَيْنِ : أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ) أي : قَلْبٍ أبيضَ ، فحذَفَ الموصوفَ للعِلْمِ به ، وأقامَ الصفةَ مُقَامَهُ . وليس تشبيهُهُ بالصَّفَا مِنْ جهة بياضه ، ولكنْ مِنْ جهةِ صلابته على عَقْدِ الإيمان ، وسلامتِهِ من الخَلَلِ والفتن ؛ إذْ لم يلْصَقْ به ولم يؤثِّر فيه ؛ كالصَّفَا وهو الحَجَرُ الأملسُ الذي لا يَعْلَقُ به شيءٌ ، بخلاف القلبِ الآخَرِ الذي شبَّهه بالكُوزِ الخاوي ؛ لأنه فارغٌ من الإيمانِ والأمانة . و ( قوله : وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادّا ) قيد ثلاثُ تقييدات ؛ مُرْبَادٌّ : مُفْعَالٌّ ، من ارْبَادَّ ؛ مِثْلَ مُصْفَارٍّ من اصْفَارَّ ؛ وهو روايةُ الخُشَنِيِّ عن الطبريِّ .

ومُرْبَدٌّ : مثلُ مُسْوَدٍّ ومُحْمَرٍّ ، من اربَدَّ واسْوَدَّ واحْمَرَّ ؛ وهو تقييدُ أبي مروانَ بنِ سِرَاجٍ . ومُرْبَئِدٌّ بالهمز ، قيَّده العُذْرِيُّ ، وكأنَّه من ارْبَأَدَّ لغةٌ . وقال بعض اللغويين : احمَرَّ الشيء ، فإذا قوي ، قيل : احمَارَّ ، فإذا زاد ، قيل : احمَأَرَّ بالهمز ؛ فعلى هذا تكونُ تلك الرواياتُ صوابًا كلُّها .

قال أبو عبيد ، عن أبي عمرو وغيره : الرُّبْدَة : لَوْنٌ بين السواد والغُبْرة ، وقال ابن دُرَيْد : الرُّبْدة : الكُدْرة ، وقال الحَرْبِيُّ : هو لونُ النَّعَامِ ؛ بعضُهُ أسودُ ، وبعضُهُ أبيض ، ومنه : اربَدَّ لونه ؛ إذا تغيَّر ودخله سواد ؛ وإنما سمِّي النعام رُبْدًا ؛ لأنَّ أعاليَ رِيشِهَا إلى السواد ، وقال نِفْطَوَيْهِ : المُرْبَدُّ : الملمَّع بسواد وبياض ، ومنه : تربَّدَ لونُه ، أي : تلوَّن فصار كلونِ الرماد . وقولُ سعدِ بنِ طارق لخالدٍ الأحمرِ في تفسير مُرْبَادّ : شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ ، قال فيه القاضي أبو الوليدِ الكِنَانِيُّ : هذا تصحيفٌ ، وأرى صوابه : شِبْهُ البياضِ في سواد ؛ وذلك أنَّ شِدَّةَ البياضِ في سوادٍ لا تسمَّى رُبْدة ، وإنما يقال لها : بَلَقٌ ؛ إذا كان في الجِسْم ، وحَوَرٌ ؛ إذا كان في العين ، والرُّبْدة إنما هي شيءٌ من بياضٍ يسيرٍ يخالطُه السوادَ ؛ كلونِ أَكْثَرِ النعام . و ( قوله : كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ) قال الهروي : المُجَخِّي : المائلُ ، وجَخَّى : إذا فتح عَضُدَيْهِ في السجود ، وكذلك : جَخَّ ، وقال شَمِرٌ : جَخَّى في صلاته : إذا رفَعَ بطنَهُ عن الأرض في السجود ، وكذلك : خَوَّى .

وقال أبو عُبَيْد : المجخّى : المائلُ ، ولا أَحْسِبُهُ أراد بميله إلا أنه منخَرِقُ الأسفلِ ، شبَّه به القلبَ الذي لا يَعِي خيرًا ولا يَثْبُتُ فيه ، كما لا يثبُتُ الماءُ في الكُوزِ المنخرق .

قال المؤلف - رحمه الله - : ولا يحتاجُ إلى هذا التقديرِ والتكلُّف ؛ فإنَّه إذا كان مقلوبًا منكوسًا - كما قال سعد - لم يَثْبُتْ فيه شيءٌ وإنْ لم يكنْ مُنْخَرِقًا ، وقد فسَّره سياقُ الكلام ؛ حيثُ قال : لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ . و ( قوله : أَكَسْرًا لاَ أَبَا لَكَ ! ) استعظامٌ من عمر لكسر ذلك البابِ ، وخوفٌ منه ألاَّ يَنْجَبِرَ ؛ لأن الكَسْرَ لا يكونُ إلا عن إكراهٍ وغَلَبة ؛ فكأنَّ البابَ المُغْلَقَ عن دخولِ الفتن على الإسلامِ : عمر - رضي الله عنه - ، وكَسْرُهُ قتله . واللام في لاَ أَبَا لَكَ! مُقْحَمَةٌ ، وكذلك في قولهم : لا يَدَيْ لفلانٍ بهذا الأمر ، ولا تريد العربُ بهذا الكلامِ نَفْيَ الأبوَّةِ حقيقةً ، وإنما هو كلامٌ جَرَى على ألسنتهم كالمَثَلِ .

ولقد أبدَعَ البديع حيثُ قال في هذا المعنى : وقَدْ يُوحِشُ اللفظُ وكلُّه وُدّ ويُكْره الشيء وما من فعله بُدّ هذه العربُ تقولُ : لا أَبَا لك للشيءِ إذا أهَمّ ، و قاتَلَهُ اللهُ ، ولا يريدون به الذمّ ، و وَيْلَ أُمِّهِ للأمر إذا تَمّ ، والإلبابِ في هذا الباب أن ينْظُرَ إلى القولِ وقائله ، فإنْ كان وليًّا فهو الولاءُ وإن خَشُنْ ، وإنْ كان عدوًّا فهو البَلاَءُ وإنْ حَسُنْ . و ( قوله : حَدِيثًا لَيْسَ بالأَْغَالِيط ) أي : حَدَّثْتُهُ حديثًا ، فهو مصدر . والأَغَالِيطُ : جمع أُغْلُوطة ؛ قال ابن دُرَيْد : هي التي يُغَالَطُ بها ، واحدها : مَغْلَطَةٌ وأُغْلُوطة ، وجمعها : أغاليطُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث