باب أَوْقَات الصَّلَوَاتِ
) باب أَوْقَات الصَّلَوَاتِ ( 610 ) ( 166 و 168 ) [498] - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصلاةَ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ ! فَقَالَ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ وَيَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ . وفِي روَايةٍ ، قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، قَبْلَ أَنْ تظْهَرَ . وَفِي روَايةٍ : لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا .
( 65 ) ومن باب : أوقات الصلوات قوله : إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة شيئًا يدل : على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار . وإنما أُنكر عليه لعدوله عن الأفضل - وهو ممن يقتدى به - ، فيؤدي تأخيره لها إلى أن يُعتقد أن تأخير العصر سنة . ويحتمل : أنه أخرها إلى آخر وقت أدائها ، وهو وقت الضرورة عندنا ، معتقدًا أن الوقت كله وقت اختيار ، كما هو مذهب إسحاق وداود .
والأول أشبه بفضله وعلمه ، وأظهر من اللفظ . وقول عروة لعمر : أما إن جبريل قد نزل فصلى إمَام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الرواية الأخرى : أما علمت أن جبريل نزل فصلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ليس فيه حجة واضحة على عمر ؛ إذ لم يعين له الأوقات التي صلى فيها . وغاية ما يتوهم عليه : أنه نبّهه وذكّره بما كان يعرف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل كما قد روى ذلك النسائي ، وأبو داود ، كما سنذكره .
ويظهر لي : أن هذا التأويل فيه بعد ؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة ؛ حيث قال له : اعلم ما تحدث به يا عروة ! أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة ؟ . وظاهر هذا الإنكار : أنه لم يكن عنده خبر من حديث إمامة جبريل ، إما لأنه لم يبلغه ، أو بلغه فنسيه ، وكل ذلك جائز عليه . والأولى عندي : أن حجة عروة عليه ؛ إنما هي فيما رواه عن عائشة : من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر .
وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - عليها ، وتعيينها له ، والله أعلم . وقوله : قبل أن تظهر ؛ أي : تعلو وترتفع . والظهور : العلو ، ومنه قول النابغة الجعدي : بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرًا أي : مصعدًا عاليًا .
وهذا المعنى قد روي بألفاظ مختلفة ؛ روي كما ذكرناه ، وروي : لم ترتفع من حجرتها ، وروي : لم يظهر لها فيء بعد . وفي البخاري : لم تخرج الشمس من حجرتها . وكلها مُحَوِّمة على معنى واحد ، وهو : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعجل العصر ، وينصرف منها والشمس في وسط الحجرة ، لم تصعد منها في جذرها ، وذلك لسعة ساحتها ، وقصر جدرانها .
وقد رأيت أن أذكر حديث النسائي الذي رواه من طريق جابر بن عبد الله في تفصيل الأوقات التي صلى جبريل فيها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أصح ما في إمامة جبريل - على ما ذكره الترمذي عن البخاري - وأَبْيَن ؛ قال فيه : عن جابر بن عبد الله : أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلمه مواقيت الصلاة ، فتقدم جبريل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفه ، والناس خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى الظهر حين زالت الشمس . وأتاه حين كان الظل مثل شخصه ، فصنع كما صنع - يعني فصلى العصر- . ثم أتاه حين وجبت الشمس ، فصنع كما صنع ، فصلى المغرب ، ثم أتاه حين غاب الشفق ، فصنع كما صنع ، فصلى العشاء .
ثم أتاه حين انشق الفجر ، فصنع كما صنع ، فصلى الغداة . ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه ، فصنع كما صنع بالأمس فصلى الظهر . ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصه ، فصنع كما صنع بالأمس ، فصلى العصر .
ثم أتاه حين وجبت الشمس ، فصنع كما صنع بالأمس ، فصلى المغرب . وفي رواية : وقتًا واحدًا لم يزل عنه ، فنمنا ، ثم قمنا ، ثم نمنا ، ثم قمنا ، فأتاه فصنع مثل ما صنع بالأمس ، فصلى العشاء . وفي رواية : ثم جاء للصبح حين أسفر جدًّا - يعني : في اليوم الثاني - ، ثم قال : ما بين هاتين الصلاتين وقت .
وسيأتي الكلام على ما تضمنه من النكت إن شاء الله تعالى . وقد أخذ بعض الناس من هذا الحديث : صحة إمامة المفترض بالمتنفل ، وذلك لا يتم حتى يتبين أن جبريل كان متنفلا ، ولا يقدر عليه . وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل ، وسيأتي التنبيه على أكثرها إن شاء الله تعالى .