( 69 ) باب ما جاء في الصلاة الوسطى ( 627 ) ( 204 و 205 ) [512] - عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الأَحْزَاب : شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى ، صَلاةِ الْعَصْرِ - وفي رواية : حتى غابت الشمس مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا ، ثُمَّ صَلاَّهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ : بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . ( 628 ) [513] - وَمِنْ حَدِيثِ عبد الله ، قَالَ : حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَوِ اصْفَرَّتْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : شَغَلُونَا وَذَكَرَ نَحْوَهُ . ( 69 ) ومن باب : ما جاء في الصلاة الوسطى قوله : شغلونا عن الصلاة الوسطى : اختلفوا في الصلاة الوسطى ، فقيل : هي مبهمة ليُحَافَظَ على الصلوات كلها . وقيل : الجمعة . وقيل : الصلوات الخمس ، قاله معاذ ، قال : لأنها أوسط الدين . وقال ابن عباس : هي الصبح ، ووافقه مالك والشافعي . وقال زيد بن ثابت ، وعائشة ، وأبو سعيد الخدري : هي الظهر ، وقال علي بن أبي طالب : هي العصر ، ووافقه أبو حنيفة ، وقال قبيصة بن ذؤيب : هي المغرب. وقال غيره : هي العتمة . وأضعف هذه الأقوال من قال : هي الصلوات كلها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه : أحدها : أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مفصلا مبينًا ، ثم يذكرونه مجملا ، وإنما عادتهم أن يشيروا إلى مجمل أو كلي ، ثم يفصلوه ؛ كقوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقد قال الله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى والصلوات : مبيَّن ، والصلاة الوسطى : مجمل . وثانيها : أن الفصحاء لا يطلقون لفظ الجمع ويعطفون عليه أحد مفرداته ، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع ، فإن ذلك في غاية العي والإلباس . وثالثها : أنه لو أراد بالصلاة الوسطى : الصلوات ؛ لكان كأنه قال : حافظوا على الصلوات والصلوات . ويريد بالثاني : الأول ، ولو كان كذلك لما كان فصيحًا في لفظه ، ولا صحيحًا في معناه ؛ إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأول ؛ لأنه معطوف ، ولا يفيد معنى آخر ، فيكون حشوًا . وحمل كلام الله تعالى على شيء من هذه الثلاثة غير مسوّغ ولا جائز. وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين : صلاحية الوسطى لأن يراد بها : التوسطُ في العدد أو في الزمان . فإن راعينا أعداد الركعات ، أدّى إلى أنها المغرب ؛ لأن [أكثر] أعداد الصلوات أربع ركعات ، وأقلها ركعتان ، وأوسطها ثلاث ، وهي المغرب . وإن راعينا [أعداد الصلوات أنفسها ، فما من صلاة إلا وهي متوسطة بين شفعين ؛ إذ الصلوات خمس. وإن راعينا] الأوسط من الزمان ؛ كان الأبين : أنها الصبح ؛ لأنها بين صلاتي نهار محقق ، وهما الظهر والعصر ، وبين صلاتي ليل محقق وهما : المغرب والعشاء . فأما وقت الصبح فوقت متردد بين النهار والليل . قلت - والله أعلم - : لا يصلح هذا الذي ذكر أن يكون سببًا في الخلاف فيها ؛ إذ لا مناسبة لما ذكر ، لكون هذه الصلاة أفضل أو أوكد من غيرها . أما أعداد الركعات ، فالمناسب هو أن تكون الرباعية أفضل ؛ لأنها أكثر ركعات وأكثر عمل . والقاعدة : أن ما كثر عمله كثر ثوابه . وأما مراعاة أعداد الصلوات ؛ فيلزم منه أن تكون كل صلاة هي الوسطى ، وهو الذي أبطلناه ، وأيضا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثرية الثواب. وأما اعتبارها من حيث الأزمان فغير مناسب أيضًا ؛ لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلها من حيث الزمانية واحدة ، فإن فرض شيء يكون في بعض الأزمان ، فذلك لأمر خارج عن الزمان. والذي يظهر لي : أن السبب في اختلافهم فيها : اختلافهم في مفهوم الكتاب والسنة الواردة في ذلك المعنى ، ونحن نتكلم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وصحيح الأحاديث إن شاء الله تعالى ، فنقول : إن قوله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى هو من باب قوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقوله : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فخص الرُّمّان والنخل ، وجبريل وميكال بالذكر ؛ وإن كانوا قد دخلوا فيما قيل بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا . وإذا كان ذلك كذلك ، فلهذه الصلاة المعبر عنها بالوسطى شرفيَّة وفضيلة ليست لغيرها ، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يعينها الله تعالى في القرآن ، فوجب أن يبحث عن تعيينها في السنّة ، فبحثنا عن ذلك فوجدنا ما يعيِّنها . وأصح ما في ذلك : أنها العصر على ما في حديث علي ، وأنصّ ذلك ما ذكره الترمذي وصححه . وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - : الصلاة الوسطى صلاة العصر ، وهذا نص في الغرض ، غير أنه قد جاء ما يشعث التعويل عليه ، وهو ما ذكره البراء بن عازب ؛ وذلك أنه قال : نزلت هذه الآية : حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ، فقرأناها ما شاء الله ، ثم نسخها الله فنزلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فلزم من هذا : أنها بعد أن عُيِّنت نُسخ تعيينها وأبهمت ، فارتفع التعيين ، ولم يمكنا أن نتمسك بالأحاديث المتقدمة ، فلما أبهم أمر تعيينها ، أخذ العلماء يستدلون على تعيينها بما ظهر لكل واحد منهم بما يناسب الأفضلية . فذهب مالك وأهل المدينة : إلى أن الصبح أولى بذلك ؛ لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة ، واستصعاب الطهارة ، فتكثر المشقة في المحافظة عليها أكثر من غيرها ، فتكون هي الأحق بكونها أفضل . وأيضًا : فإنه وقت يتمكن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرغه للصلاة ؛ لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم ، وأشغال النهار بعد لم تأت ؛ ولذلك قال تعالى : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ؛ أي : يحضره القارئ بفراغ ذهنه ، على أحد التأويلات ، وهو أحسنها ، وبنحوٍ من هذا يستدل لسائرها من الصلوات ، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى. وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكل من المختلفين على تعيين ما عينه من الصلوات بحسب ما غلب على ظنه من أرجحية ما عُيِّن . والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين : أن القول قول من قال : إن الله أخفاها في جملة الصلوات ، ليحافظ على الكل ، كما فعل في ليلة القدر وساعة الجمعة ، والله تعالى أعلم . وقوله : شغلونا : يحتمل : أنه نسيها لشغله بالعدو ، ويحتمل : أن يكونوا لم يمكنوه منها ، ولم يفرغوه لفعلها ، ويحتمل : أن يكون أخرها قصدًا لأجل شغله بالعدو ، وعلى هذا يكون هذا التأخير لأجل القتال مشروعًا ، ثم نسخ بصلاة الخوف . وقد ذهب مكحول والشاميون : إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقت الأمن . والصحيح الذي عليه الجمهور : أن يؤخرها ويصليها على سنتها ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى . وقوله : ثم صلاّها بين العشاءين المغرب والعشاء ؛ ظاهر هذا أنه صلى العصر المتروكة بعد أن صلى المغرب ، وليس بصحيح بدليل ما جاء في حديث جابر ، قال : فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . وهذا نص . وإنما أراد بقوله : بين العشاءين : بين وقتي العشاءين ، فإن التأخير كان منه إلى أن غربت الشمس ، ثم توضأ ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب . وقد روى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه : أن المشركين شغلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالا فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء . وبهذه الأحاديث استدل جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد . واختلفوا إذا صلاة فائتة في ضيقِ وقتِ حاضرة : هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة ؟ أو يبدأ بالحاضرة ؟ أو يتخير فيقدم أيتها شاء ؟ ثلاثة أقوال : وبالأول قال مالك والليث ، والزهري . وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وفقهاء أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب من أصحابنا . وبالثالث قال أشهب من أصحابنا . وهذا ما لم تكثر الصلوات ، فلا خلاف عند جميعهم - على ما حكاه القاضي عياض - : أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة ، واختلفوا في مقدار اليسير ، فعن مالك : فقال : إن الخمس فدون من اليسير ، وقيل الأربع فدون ، ولم يختلف المذهب : أن الست كثير .
المصدر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-44/h/404615
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة