باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر
( 79 ) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر ( 33 ) في المساجد ( 263 و 264 و 265 ) [543] - عَنْ مَحْمُودِ بْنَ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي ، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي ، وَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ لَهُمْ ، ووَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَأْتِيني فَتُصَلِّي فِي مُصَلًّى أَتَّخِذَهُ مُصَلًّى ! قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ الله . قَالَ عِتْبَانُ : فَغَدَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَذِنْتُ لَهُ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ ؟ قَالَ : فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَكَبَّرَ ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، قَالَ : وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرةٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ : جَشِيشَةٍ . قَالَ : فَثَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا ، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ ذَوُو عَدَدٍ ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ ، أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلهَ إِلا الله يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ الله ! قَالُوا : الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ ! قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّ الله حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلهَ إِلا الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله . قَالَ ابن شهاب الزُّهْرِيِّ : ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى أَنَّ الأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَغْتَرَّ فَلا يَغْتَرَّ . وَفِي رِوَايَةٍ قاَلَ مَحْمُودُ بْنُ الرَبِيْعِ : إِنّي لأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ دَلْوٍ فِي دَارِنْاَ .
ج٢ / ص٢٨٣( 79 ) ومن باب : الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر قوله " أنكرت بصري " ؛ أي عميت بعد أن لم أكن كذلك ، وفي هذا الحديث أنه أباح له الصلاة في بيته لتحقق عذره ، ولأن مثل هذا لا يقدر على الوصول مع الأمطار وسيل الوادي وكونه أعمى ، وهذا بخلاف عذر الأعمى الذي في حديث أبي هريرة المتقدم ؛ إذ قال له " لا أجد لك رخصة " ، وقد تقرر الإجماع المتقدم على أن من تحقق عذره أبيح له التخلف عن الجماعة والجمعة ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى . والخزيرة قال فيها ابن قتيبة : هي لحم يقطع صغارًا ثم يصب عليها ماء كثير ، فإذا نضج ذُرّ عليه الدقيق ، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة . وقال ج٢ / ص٢٨٤أبو الهيثم : إذا كانت من دقيق فهي حريرة ، وإذا كانت من نخالة فهي خزيرة .
قال ابن السكيت : الخزيرة اللفيتَةُ من لبن أو ماء ودقيق . قلت : وقد سماها في الرواية الأخرى جشيشة . قال شمر : هي أن تطحن الحنطة قليلا ثم يلقى فيها لحم أو تمر فيطبخ فيه .
وقال النضر : الخزيرة من النخالة ، والحريرة من اللبن . وقوله " فثاب رجال " ، قال النضر : المثابة المجمع والمرجع ، وأصله من ثاب إلى كذا أي رجع ، وقد تقدم الكلام على قوله " إن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله " . وقول محمود " إني لأعقل مَجَّةً مَجَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من دلو في دارنا " ؛ ج٢ / ص٢٨٥أي في وجهه ، والمجّ : طرح الماء وغيره من الفم ، كما قال :
وفيه دليل على جواز سماع الصغير إذا عقل وتثبت ثم نقله في كبره ، وهذا الحديث فيه أبواب من الفقه لا تخفى على فطن متأمل ، والله الموفق للصواب .