باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
( 682 ) [568] - وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ لَهُ ، فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا ، حَتَّى إِذَا كَنَا فِي وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا ، فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ ، وَكُنَّا لا نُوقِظُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ ، فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - فَجَعَلَ يُكَبِّرُ ، وَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ قَالَ : ارْتَحِلُوا ! فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَا فُلانُ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا ؟ قَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ولا ماء ! فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلَّى ، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ ، فَقُلْنَا لَهَا : أَيْنَ الْمَاءُ ؟ فقَالَتْ : أَيْهَاهْ أَيْهَاهْ ، لا مَاءَ لَكُمْ ! فقُلْنَا : فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ ؟ قَالَتْ : مسيرة يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . قُلْنَا : انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ! قَالَتْ : وَمَا رَسُولُ اللهِ ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا ، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهَا ، فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا ، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا فَأُنِيخَتْ ، فَمَجَّ فِي الْعَزْلاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا ، فَشَرِبْنَا وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلا عِطَاشٌ حَتَّى رَوِينَا ، وَمَلأنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا ، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا ، وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنَ الْمَاءِ - يَعْنِي الْمَزَادَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَاتُوا مَا كان عِنْدَكُمْ ! فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ وَتَمْرٍ ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً فَقَالَ لَهَا : اذْهَبِي فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ ، وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ .
فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ : لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ - فَهَدَى الله ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ ، فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا . وَفِي رِوَايَةٍ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ ، فَسَرَيْنَا لَيْلَةً ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ وَقَعْنَا بتِلْكَ الْوَاقْعَةَ الَّتِي لا وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا ، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمْسِ . وَفِيهَا : فَلَمَّا اسْتِيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ ، وَكَانَ أَجْوَفَ جَلِيْدًا ، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَكْبِيِر ، حَتَى اسْتِيْقَظَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِشِدَّةِ صَوْتِهِ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا ضَيْرَ ، ارْتَحِلُوا ! وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ .
وقوله في حديث عمران " فأدلجنا ليلتنا " ؛ أي سرنا ليلتنا كلها ، يقال ج٢ / ص٣١٩أَدْلَج - بقطع الألف وسكون الدال ؛ أي سار الليل كله ، يدلج إدلاجًا . وادّلج - بوصل الألف وتشديد الدال : سار من آخره . وقد قيل : هما بمعنى واحد .
والتعريس في أصله : النزول من آخر الليل ، وقد تقدم . وبزغت الشمس ؛ أي : بدأ طلوعها . وقوله " وكنا لا نوقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منامه " ، إنما كان ذلك لأنه كان يوحى إليه في النوم ، فكان يُخاف أن يكون إيقاظه قطعًا للوحي وتشويشًا له .
وقوله " ثم عجَّلني " مشدد الجيم ؛ أي أمرني بالاستعجال ، وأكّده عليّ . وقوله " فإذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين " ؛ سادلة أي مرسلة ، وكذلك رواية الجماعة . وللعُذَري " سابلة " بالباء بواحدة ، والأول أصوب ؛ لأنه لا يقال سَبَلَتْ ، إنما يقال أَسْبَلَتْ .
والمزادتان : القربتان ، وقيل : المزادة القِربة الكبيرة التي تحمل على الدابة ، سُمّيت بذلك لأنه يزاد فيها جلد من غيرها لتكبر . وقولها " أيهاه أيهاه " ، كذا روي هنا بالهمزة في أولهما وبالهاء في ج٢ / ص٣٢٠آخرهما ، وتروى بالتاء أيضًا في آخرهما ، وهي هيهات المذكورة في قوله تعالى : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ؛ أبدلت الهاء همزة ، ومعناها البعد ، والهاء في آخرها للوقف . وقيل : هي مُرَكّبة من " هَيْ " للتأسف و " هاوه " للتأوه ، فقلبت الهاء في الوصل تاء ثم حركت بالفتح والضم والكسر ، وقد قرئ بها في قوله تعالى : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ وهي اسم من أسماء الأفعال ؛ فتارة تقدَّر ببعد كما في قول الشاعر :
وتارة تقدر بِبُعْدٍ الذي هو المصدر ، كما قيل في قوله تعالى : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ؛ أي : بُعدًا بُعْدًا للذي توعدون ، هي حكاية عن قول الكفار . ومؤتِمة - بكسر التاء ؛ أي : ذات أيتام . وراويتها هنا الجمل الذي تستقي عليه الماء ، وهذه رواية الجماعة ، وعند السمرقندي " فأمر براويتيها " وكأنه أراد المزادتين ، وفيه بعد من جهة اللفظ .
وقوله " فأنيخت فمج " ؛ أي طرح من فيه فيهما ، ومعناه : وبَزَق فيهما . والعزلاوان قال ابن ولاّد : العَزْلاء بالمد عزلاء المزادة ؛ وهي مخرج الماء منها . وقال الهروي : هو فوها الأسفل .
والذي في الكتاب يشهد لما ذكره ابن ولاّد . ج٢ / ص٣٢١وقوله " وغسَّلنا صاحبنا " ؛ أي أعطيناه من الماء ما يغتسل به ، وهو مشدّد السين . وقوله " وهي تتضّرج من الماء " ، كذا عند ابن ماهان بتاءين وبـ " من " ، وعند الجماعة " تنضرج بالماء " ، وهي بمعنى واحد ؛ أي : تقارب أن تنشق من الامتلاء .
و " لم نرزأ " ؛ أي لم ننقص ، ومنه قولهم : ما رزأته زِبالا ؛ أي : ما نقصته . و " ذَيْتَ وذَيْتَ " ؛ أي : كَيْتَ وكَيْتَ ، وهو كناية عن حديث معلوم . والصِّرم بكسر الصاد ، قال يعقوب : هو أبيات مجتمعة .
ولا يخفى ما تضمنه هذا الحديث من الأحكام ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن حديث عمران بن حصين نازلة أخرى غير ما تضمنه حديث أبي قتادة . ج٢ / ص٣٢٢وقوله " لا ضير " ؛ أي : لا ضرر ، وقد تقدم في كتاب الإيمان .