باب في صلاة الوتر
( 746 ) ( 139 ) [628] - وعَنْ سَعْد بْن هِشَامِ قَالَ : انْطَلَقْتُ أَنا وحَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ إِلَى عَائِشَةَ ، فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا ، فَأَذِنَتْ لَنَا ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : أَحَكِيمٌ ؟ ( فَعَرَفَتْهُ ) فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَتْ : مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَتْ : مَنْ هِشَامٌ ؟ قَالَ : ابْنُ عَامِرٍ ، فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ خَيْرًا ( قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ ) فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ الْقُرْآنَ .
قَالَ : فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ ، وَلا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ، ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ : أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ : يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ الله ( عَزَّ وَجَلَّ ) افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَامَ نَبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ حَوْلا ، وَأَمْسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ ، حَتَّى أَنْزَلَ الله فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ ، قَالَ : فقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ : كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ الله مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لا يَجْلِسُ فِيهَا إِلا فِي الثَّامِنَةِ ، فَيَذْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلا يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ . فَلَمَّا أسَنَّ رَسُوْلُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ في الأوَّلِ ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ .
وَكَانَ نَبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا صَلَّى صَلاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا . وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَلا أَعْلَمُ نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ ، وَلا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ ، وَلا صَامَ شَهْرًا كَامِلا غَيْرَ رَمَضَانَ . ج٢ / ص٣٧٨وقول عائشة : كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن ؛ أي : كان يتخلق بما فيه من محمود الأوصاف ، ويجتنب ما فيه من ممنوعها ، ويحتمل أن تريد بقولها : القرآن : الآيات التي اقتضت الثناء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ كقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وكقوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ إلى آخرها ، وما في معنى ذلك ، والله أعلم .
وكون سعد هَمَّ أن لا يسأل أحدًا عن شيء حتى يموت ؛ إنما كان ذلك منه استقصارًا لفهمه ؛ إذ لم يفهم ذلك من القرآن مع وضوح ذلك المعنى فيه ، وإنهاضًا لهمته للبحث عن معاني القرآن ، واكتفاء بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم . وقول عائشة : إن الله فرض قيام الليل .. . إلى قولها : فصار قيام الليل تطوعًا : ظاهر قولها هذا يدل على أنه كان فرضًا عليه وعلى الناس .
قال مكي : وهو قول كافة أهل العلم . وقيل : إنه لم يكن فرضًا عليه ولا عليهم ، حكاه الأبهري عن ج٢ / ص٣٧٩بعضهم ، قال لقوله : نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وليس هذا ضرب الفروض ، وإنما هو ندب . وقيل : كان فرضًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ، مندوبًا لغيره ، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ فخُصّ بالخطاب ، وبما روي عن ابن عباس مرفوعًا : ثلاث عليّ فريضة ، ولكم تطوع : الوتر ، والضحى ، وركعتا الفجر .
وهو ضعيف .
والصحيح ما نقلته عائشة. وقولها : إن النسخ كان بعد حول : خولفت في ذلك ، وقيل : بعد عشر سنين ، قال عياض : وهو الظاهر ؛ لأن السورة مكية ، ومن أول ما نزل من القرآن ، إلا الآيتين آخرها نزلت بالمدينة ، وهذا الذي قاله صحيح ، فصحيح الأحاديث والنقل المشهور على ما قدمناه في كتاب الإيمان .
وقولها : ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد : تعني أنه كان يسلم من وتره وهو قاعد ، مخبرة بمشروعية محل السلام ، ولم يرد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتي الفجر قاعدًا ، والله أعلم . وسيأتي الكلام على من غلب عن حزبه .