حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب ليس فيما اتُّخِذَ للقُنْيَةً صدقة وتقديم الصدقة وتحمّلها عمن وجبت عليه

[852] وَعَنْهُ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ : مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا ، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا ) ، ثُمَّ قَالَ : ( يَا عُمَرُ! أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ) . وقول أبي هريرة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر على الصدقة ؛ ظاهر هذا اللفظ: أنها الصدقة الواجبة ، وإليه صار الجمهور ، وعلى هذا فيلزم استبعاد منع مثل هؤلاء المذكورين لها . ولذلك قال بعض العلماء : كانت صدقة تطوع .

وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس إلى الصدقة . وذكر الحديث . قال ابن القصار : وهذا أليق بالقصة ، فلا يظن بأحد منهم منع الواجب ، قال : فيكون عذر خالد واضحًا ؛ لأنه لما أخرج أكثر ماله حُبْسًا في سبيل الله ، لم يحتمل صدقة التطوع ، فعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك .

ويكون ابن جميل شحَّ في التطوع الذي لا يلزمه ، فعتب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما جاء في الحديث . وأخبر: أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه ، وأنه ممن لا يمتنع مما حَضَّه عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل يَعُدُّه كاللازم . وأما من قال: إنها صدقة الفرض ، فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكبراء والفضلاء من الصحابة عن أدائها ، واحتسابه - عليه الصلاة والسلام - لخالد فيها بما كان حَبَس من آلة الجهاد ، مع أنه قد كان يعدها على وجه الْحُبُس ، على ما هو ظاهر الحديث .

وقوله : ( إنكم تظلمون خالدًا ) ، وقوله : ( هي عليّ ومثلها معها ) ، وقد انفصل عن استبعاد منعهم بأنهم لم يمنعوها عنادًا ، بل توقــفًا من ابن جميل إلى أن يرى هل يُسامح بها . وقال المهلب : كان ابن جميل منافقًا أولاً ، فمنع الزكاة ، فأنزل الله تعالى : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فقال : استثناني الله ، فتاب وصُلحت حاله ، وتأوُلاً من خالد بأنه يحتسب له بها ، ومن العباس بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بحملها عنه ، أو بأنه غريم ، أو بغير ذلك من أنواع التأويلات المسوغة ، ولم يكن فيهم أبعد تأويلاً من ابن جميل ؛ ولذلك عتب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - . وأما قوله : ( إنكم تظلمون خالدًا ) ؛ فهو خطاب منه للعمال على الصدقة ، حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة .

وكأن خالدًا - والله أعلم - رأى أن الحاجة قد تعينت للجهاد في سبيل الله ، وقد جعل الله للجهاد حظًّا من الزكاة ، فرأى أن يصرفها فيه ، فأخرج زكاته ، واشترى بها ما يصلح للجهاد ، كما يفعله الإمام . ولما تحقق النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، قال : ( إنكم تظلمون خالدًا ) فإنه قد صرفها مصرفها ، وأنتم تطالبونه بها . وعند ذلك يكون قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك إمضاءً لما فعل خالد ، ويكون معنى احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله : رفع يده عنها ، وأبانها عن ملكه ، وخلّى بين الناس وبينها في سبيل الله ، لا أنه حبسها وقــفًا على التأبيد .

و الأدراع : جمع درع الحديد . و الأعتاد : جمع عتد ، وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية ، وكلاهما جمع قلة ، وهو الفرس الصلب . وقيل : هو المعد للركوب .

وقيل : السريع الوثب . وقال الهروي : هو ما أعده الرجل من سلاح ، ودواب ، وآلة [للحرب] . ويجمع أيضا : أَعْتِدَة .

وفي غير مسلم : أَعْتُدَة - بضم التاء وفتح الدال - ، وروي أيضًا : أعبدة - بالباء - بواحدة جمع : عبد . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق العباس : ( فهي عليَّ ومثلها معها ) ، فقد اضطربت ألفاظ الرواة فيه ، فقيل ما ذكرناه . وفي البخاري : ( فهي عليه صدقة ومثلها معها ) ، وفي غيرهما : ( فهي له ومثلها ) .

فأما رواية مسلم فظاهرها أنه تحمّلها عنه ومثلها ، ويحتمل أنها كانت له عليه ؛ إذ قد كان قدّمها له . وفيه بُعدٌ من حيث اللفظ ، وإن كان الدارقطني قد روى من حديث موسى بن طلحة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنا كنا احتجنا فتعجَّلنا من العباس صدقة ماله سنتين ) ؛ وبهذا يحتجّ مَن يرى تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها . وهو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي ، والشافعي وفقهاء المحدثين .

ومن هؤلاء مَن يجيز تقديم زكاة عامين ؛ أخذًا بهذا الحديث . ومنع ذلك مالك والليث ، وهو قول عائشة وابن سيرين ، فقالوا : لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كالصلاة . وعن مالك خلافٌ فيما قرب ، وكأن هؤلاء لم يصحَّ عندهم الحديث - والله أعلم - ، ولا ارتضوا ذلك التأويل .

وقيل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هي علي ومثلها ) ؛ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد تسلّف من العباس مالاً احتاج إليه في السبيل فقاصَّه به عند الحول . وهذا ما لا يختلف في جوازه ، وحينئذ لا يكون حجة على جواز التقديم . وأما رواية البخاري ، فنص في أنه تركها له ومثلها .

وذلك لأنه كان قد فدى نفسه وعقيلاً ، فكأنه كان غريمًا ، وإليه يرد قوله : ( وهي له ومثلها ) ، ويحتمل : فهي له عليَّ كما تقدم . وبحسب هذه التأويلات تنزل عليه الأحكام . وقوله : ( ما ينقم ابن جميل ) ؛ أي : ما يعيب ، يقال : نقَم ينقِم ، ونقَم ينقُم ، ومنه قوله تعالى : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا وقال الشاعر : ما نقم الناس من أمّيةَ إلا أنهم يحلمون إن غضبوا وإنهم سادة الملوك ولا تصلح إلا عليهم العرب وقوله : ( أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه ) ؛ أي : يرجع مع أبيه إلى أصل واحد ، ومنه قوله تعالى : صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ وأصله من النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد .

و الصِّنْوَان : جمع صِنْو ، كقِنْوَان وقِنْو ، ويجمع : أصناء ؛ كأسماء ، فإذا كثرت ، قلت : الصِّنَّي والصُّنِيّ ، وهذا تعظيم لحق العم ، وهو مقتضٍ ومناسب لأن يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هي عليّ على أنه تحملها عنه ؛ احترامًا له وميزة وإكرامًا ، حتى لا يَتَعَرَّض له بطلبها أحد ؛ إذ تحمّلها عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث