باب وجوب الزكاة في البقر والغنم وإثم مانع الزكاة
[857] وَمِنْ حديث جَابِرِ قَالَ : ( ولا صَاحِبِ كَنْزٍ لا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ ، إِلا جَاءَه كَنْزُه يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ ، فَيُنَادِيهِ خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ ، فَإِذَا رَأَى أَلاَّ بُدَّ مِنْهُ ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ ) . وَفِيهِ : قَالَ رَجُلٌ : مَا حَقُّ الإِبِلِ ؟ قَالَ : ( حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا ، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ) وقوله في حديث جابر : ( ولا صاحب كنز ) ، قال الطبري : الكنز : كل شيء مجموع بعضه إلى بعض ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها . وقال ابن دريد : الكنز : كل شيء غَمَزْتَهُ بيدك أو رِجلك في وعاء أو أرض .
قلت : وأصل الكنز : الضمُّ والجمع ، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أخبركم بخير ما يكنزه المرء : المرأة الصالحة ) ؛ أي : يضمُّه لنفسه ويجمعه . واختلف في المراد بالكنز في الآية ، فقال أكثرهم : هو كلُّ مال وجبتْ فيه الزكاة ، فلم تُؤدَّ منه ، ولا أُخرجت . وكل ما أخرجت زكاتُه فليس بكنز .
وقيل : كل ما زاد على أربعة آلافٍ فهو كنز ، وإن أدِّيت زكاته . وقيل : هو ما فضُل عن الحاجة . ولعل هذا كان في أول الإسلام عند ضيق الحال عليهم ، والقول الأول هو الصحيح ؛ بدليل هذا الحديث ، وبما خرَّجه أبو داود عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قال : كبُر ذلك على المسلمين ، فقال عمر رضي الله عنه - : أنا أفرّج عنكم ، فانطلق ، فقال : يا نبي الله ! إنه كبُر على أصحابك هذه الآية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطيِّبَ ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث - فذكر كلمة - لتكون لمن بعدكم ، لتطيب لمن بعدكم ) ، قال : فكَبّر عمر رضي الله عنه ، ثم قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أخبرك بخير ما يكنز المرءُ ؟ المرأة الصالحة ، إذا نظر إليها سرَّته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظتْه ) .
وقوله : ( إلا جاء يوم القيامة كنزهُ شجاعًا أقرع ) ، وفي أخرى : ( إلا مثل ) ؛ أي : صُوّر له . وقيل : نُصِب وأقيم . من قولهم : مَثُلَ قائمًا ؛ أي : منتصبًا .
والشجاع من الحيات : هو الحية الذكر الذي يُواثب الفارس والراجل ، ويقوم على ذنبه ، وربما بلغ رأس الفارس ، ويكون في الصحارى . وقيل : هو الثعبان . قال اللّحياني : يقال للحية : شجاع .
وثلاثة أشْجِعَة ، ثم شُجعان . والأقرع من الحيات : الذي تَمَعَّط رأسه وابْيَضَّ من السم ، ومن الناس : الذي لا شَعْر له في رأسه [لِتَقَرُّحِه] . وفي غير كتاب مسلم من الزيادة : ( له زبيبتان ) ، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السم ، ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام .
وقيل : نكتتان على عينيه ، وما هو على هذه الصفة من الحيات هو أشدّ أذى . قال الداودي : وقيل : هما نابان يخرجان من فِيه . وقوله : ( فيناديه : خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غنيٌ ) ؛ كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ ، وفي الكلام خرم يتلفق بتقدير محذوف ، وهو : فيقول : فأنا عنه غنيٌ ، وحينئذ يلتئم الكلام ، فتأمَّله ، وكثيرًا ما يحذف القول الذي للحكاية كقوله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ؛ أي : يقولون : إنما .
وقوله : ( فإذا رأى أن لا بدّ منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل ) معنى سلك : أدخل . ويقضمها : يأكلها . يقال : قَضَمَت الدابة شعيرها ، تقضمه ، والقضم بأطراف الأسنان ، والخضم: بالفم كله .
وقيل : القضم : أكل اليابس ، والخضم : أكل الرطب ، ومنه قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : تخضمون ونقضم والموعد الله . وقوله : ما حق الإبل ؟ فقال : ( حلبها على الماء ) إلخ . ظاهر هذا السؤال والجواب : أن هذا هو الحق الْمُتَوَعَّد عليه فيما تقدّم حين ذكر الإبل ، وأنه كل الحق ، مع أنه لم يتعرض فيه لذكر الزكاة .
وفي هذا الظاهر إشكال تزيله الرواية الأخرى التي ذكر فيها مِن التي هي للتبعيض ، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسَّرًا : ( ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها ) ، وكذلك قال في الغنم ، وكأن بعض الرواة أسقط في هذه الرواية من وهي مرادةٌ ولا بدّ . ثم ظاهره : أن هذه الخصال واجبة ، ولا قائل به مطلقًا . ولعلَّ هذا الحديث خرج على وقت الحاجة ، ووجوب المواساة ، وحال الضرورة ، كما كان في أول الإسلام .
ويكون معنى هذا الحديث : أنه مهما تعينت هذه الحقوق ووجبت ، فلم تفعل ؛ تعلق بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد ، والله أعلم . وقوله : ( حلْبها يومَ وِردها ، وحلبها على الماء ) ، كل ذلك بسكون اللام على المصدر ، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعل يَفْعُل ، وقد جاء على فَعَل - بفتح العين - في الحلب ، فأمّا الْحَلَب : اسم اللبن ، فبالفتح لا غير ، وليس هذا موضعه . وخصَّ حلب الإبل بموضع الماء ليكون أقرب على المحتاج والجائع ، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء .
والمنحة : قال ابن دريد : أصلها أن يعطي الرجلُ الرجلَ ناقته يشرب لبنها ، أو شاة ، ثم صارت كلُّ عطيةٍ منحة . قال الفرَّاء : يقال : منحته أمنحُه [وأمنحَه] - بالضم والكسر - . وقال أبو هريرة : حق الإبل أن تَنْحَرَ السمينة ، وتَمْنَحَ الغزيرة ، ويُفْقِر الظهر ، ويطرق الفحل ، ويسقى اللبن .
و إفقار الظهر : هو إعارة فقار المركوب ، وهو الظهر ، كما قد جاء في الرواية الأخرى .