باب فيمن أصبح صائمًا متطوعا ثم يفطر وفيمن أكل ناسا
) باب فيمن أصبح صائمًا متطوعا ثم يفطر وفيمن أكل ناسيا 1154 ( 169 ) [1021] عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ . قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ . قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ ، وَقَدْ خَبَأْتُ لك شَيْئًا .
قَالَ: مَا هُوَ ؟ قُلْتُ: حَيْسٌ قَالَ: هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ ، فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا . قَالَ طَلْحَةُ بن يحيى: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحديث قَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا . 1154 ( 170 ) [1022] وعنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقُلْنَا: لَا قَالَ: فَإِنِّي إِذَا صَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ: أَرِينِيهِ ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ .
( 20 ) ومن باب: من أصبح صائمًا متطوّعًا ثم يفطر قوله - وقد سأل - : ( هل عندهم طعام ؟ فقيل : لا ، فقال : إني صائم ) ؛ حجة لمن قال : إن صوم التطوع يصح بغير نية تُبَيَّت ، كما قدمنا الخلاف فيه ، ولا حجة فيه ؛ إذ يحتمل أن سؤاله أولا : هل عندهم شيء ؟ كان لضعفه عن الصوم فاحتاج إلى الفطر ، فسأل ، فلما لم يجد بقي على ما قدَّم من صومه ، أو سأل عن ذلك وهو صائم ليعلم هل عندهم ما يحتاج إليه عند إفطاره فتسكن نفسه إليه ، فلا يحتاج إلى تكلف اكتسابه ، ويحتمل أن يكون قوله: ( أنا صائم ) ؛ أي : لم آكل بعد شيئًا ، فيكون صائمًا لغة . و( الزُّور ): الزُوَّار ، قال ابن دريد : وهو ما يكون الواحد والجماعة فيه سواء . وقيل : الزور : المصدر ، وبه سُمي الواحد والاثنان والجميع ، كما قالوا : رجل صوم وقوم صوم وعدل ، ونحوه للخطابي .
و( الحيس ) قال فيه الهروي : هو ثريدة من أخلاط . قال ابن دريد : هو التمر مع الأقط والسَّمن . قال الشاعر : التمرُ والسَّمنُ جميعًا والأَقِطْ الْحَيْسُ إلا أنه لم يختلط .
وقولها في هذه الرواية : ( فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهديت لنا هدية ) ؛ ظاهره : أن هذا وما قبله كان في يوم واحد ، وليس كذلك ، بدليل : ما جاء في الرواية الأخرى الآتية : ( ثم أتانا يومًا آخر ) ، وذكر نحوه . وقوله : ( قد كنت أصبحت صائمًا ، فأكل ) ؛ حجة لمن قال : إن صائم النافلة يجوز أن يفطر فيه ، وأن يخرج منه . وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق مع جماعة من الصحابة ، مع استحبابهم له إتمامه من غير وجوب .
ومنعه ابن عمر وقال : هو كالملاعب بدينه . وهذا مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، والحسن ، والنخعي ، ومكحول ، وألزموه إتمامه إذا دخل فيه . فإن أفطر متعمدًا قضاه على مذهب الملزمين لإتمامه .
فلو أفطر ناسيًا ، أو مغلوبًا ، أو لعذر لم يلزم القضاء ، وأسقط أبو حنيفة القضاء عن الناسي خاصة ، وأوجبه عليه ابن عُلَيَّة . وحكى ابن عبد البر : الإجماع على أن المفطر فيه لعذر لا قضاء عليه ؛ وكأنه لم يقف على ما ذكر عن ابن عُلَيَّة ، فإنه خلاف شاذ . ويحمل الحديث عند هؤلاء على أنه صلى الله عليه وسلم كان مجهودًا .
ومما يستدل به لمالك ومن قال بقوله : حديث النسائي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : أصبحت صائمة أنا وحفصة ، فأُهدي لنا طعام فأعجبنا ، فأفطرنا ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فبدرتني حفصة فسألته ؟ فقال : ( صوما يومًا مكانه ) . وقول مجاهد : ذلك بمنزلة الرَّجُل يخرج الصدقة من ماله ، فإن شاء أمضاها ، وإن شاء أمسكها ( قياس ) ، ليس بصحيح ، فإن الذي يخرج الصدقة من ماله ولم يعطها للفقير ، ولم يعينها ، لم يدخل في عمل يجب إتمامه ، بخلاف الصائم ؛ فإنه قد دخل في عمل الصوم ، وقد تناوله نهي قوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ؛ وإنما يدخل في عمل الصدقة بدفعها لمستحقها ، أو بتعيينها ، وحينئذ تجب للفقير ، ويحرم على مخرجها الرجوع فيها ، وأخذها منه ، فأما قبل ذلك فغاية ما عنده نية الصدقة ؛ لا الدخول فيها ، فافترق الفرع من الأصل ، ففسد القياس .