باب أنواع الإحرام ثلاثة
) باب أنواع الإحرام ثلاثة 1211 ( 114 ) [1081] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحَجٍّ ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ . 1211 ( 124 ) [1082] وعنها ، قَالَتْ : مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحج مفردا ، ومنا من قرن ، ومنا من تمتع .
( 14 ) ومن باب: أنواع الإحرام قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل ، ومن أراد أن يهل بحج فليهل ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ) ؛ هذا يقضي : بأن أنواع الإحرام ثلاثة ، وأن المكلف مخير في أيها أحب ؛ وإنما خلاف العلماء في الأفضل من تلك الأنواع : فذهب مالك وأبو ثور : إلى أن إفراد الحج أفضل ، وهو أحد قولي الشافعي . وقال أبو حنيفة ، والثوري : القران أفضل . وقال أحمد ، وإسحاق ، والشافعي - في القول الآخر - ، وأهل الظاهر : إن التمتع أفضل .
وسبب اختلافهم : اختلاف الروايات في إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فروت عائشة ، وجابر بن عبد الله ، وأبو موسى ، وابن عمر رضي الله عنهم : أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج . وروى أنس ، وعمران بن حصين ، والبراء بن عازب ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم : أنه قرن الحج والعمرة . وروى ابن عمر : أنه تمتع .
فلما تعارضت هذه الروايات الصحيحة ؛ صار كل فريق إلى ما هو الأرجح عنده ، فما اعتضد به لمالك : أن عائشة أعلم بدُخْلَة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غيرها ؛ لملازمتها له ، ولبحثها وجدها في طلب ذلك . وكذلك جابر : هو أحفظ الناس لحديث حجته - صلى الله عليه وسلم - ، ولأن الإفراد سلم عما يجبر بالدم ؛ فخلاف التمتع والقران ؛ إذ كل واحد منهما يجبر ما يقع فيهما من النقص بالدم . ومما اعتضد به لمن قال : إن القران أفضل : أن أنسًا خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده من تحقيق ذلك ما ليس عند غيره ؛ إذ قد نقل لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لبيك عمرة وحجًّا ) .
وفي حديث البراء الذي خرجه النسائي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي رضي الله عنه - حين سأله عن إحرامه ، فقال له : ( كيف صنعت ؟ ) فقال : أهللت بإهلالك ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إني سقت الهدي وقرنت ) ؛ وهذا نصٌّ رافع للإشكال . وفي البخاري عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوادي العقيق يقول : ( أتاني الليلة آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة ) . وأما رواية ابن عمر في التمتع فلا يعوَّل عليها لوجهين : أحدهما : أنه قد اضطرب قوله : فروى بكر بن عبد الله عنه : أنه قال : لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج وحده .
وثانيهما : أن الرواية التي قال فيها ابن عمر : تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج ، قال في أثنائها ما يدل على أنه سمى الإرداف تمتعًا . وسيأتي تحقيق ذلك . والذي يظهر لي : أن روايات القران أرجح ؛ لأن رواتها نقلوا ألفاظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإخباره عن نفسه وعن نيته ، وغيرهم ليس كذلك ، ولأن رواية القران يتأتى الجمع بينها وبين رواية الإفراد : بأن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مردفًا ، فيمكن أن يقال : إن مَنْ روى : أنه أفرد ؛ إنما سمع إحرامه بالحج ، ولم يسمع إردافه بالعمرة .
ومن روى : أنه قرن ، حقق الأمرين فنقلهما ، والله أعلم . وقد استهول بعض القاصرين هذا الخلاف الواقع في إحرامه - صلى الله عليه وسلم - ، وقدره مطعنًا على الشريعة زاعمًا : أن العادة قاضية بتواتره ، فلا يختلف فيه ، ولم يوجد ذلك إلا بالآحاد ، فيقطع بكذبها . وهذا لا يلتفت إليه .
وإن ما تقتضي العادة تواتره تواتر وعلم ، وهو : أنه - صلى الله عليه وسلم - حج وأحرم من ذي الحليفة ، وأنه تمادى في إحرامه إلى أن أكمل مناسك حجه ، وحل من إحرامه عند طواف الإفاضة . وهذا كله معلوم بالنقل المتواتر الذي اشترك الجفلى فيه ؛ لأنه هو المحسوس لهم . وأما إحرامه فليس من الأمور التي يجب تواترها ؛ لأنه راجع إلى نيته ، ولا يطلع عليها إلا بالإخبار عنها ، أو بالنظر في الأحوال التي تدل عليها .
ولما كان ذلك ؛ فمنهم من نقل لفظه ؛ لأنه سمعه منه في وقت ما ، ومنهم من حدس وسبر ؛ فأخبر عما وقع له ، وحصل في ظنه . ولذلك قلنا : إن رواية من روى القران أولى ، والله أعلم .