باب تحريم المدينة وصيدها وشجرها والدعاء لها
[1225] وعن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ -قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ- فَقَدْ كَذَبَ ! فِيهَا: أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ ، وَفِيهَا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا صَرْفًا وَلَا عَدْلاً . وَزَادَ فِي رواية : فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ . 1372 [1226] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ -قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا- وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلاً حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى .
1373 [1227] وعنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ . قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَصْغَرُ مَنْ يَحْضِرُهُ مِنَ الْوْلِدَانِ .
وقوله المدينة حرام ، ما بين عير إلى ثور ، كذا رواية الرواة من عير إلى ثور ، وللعذري عائر بدل عير ، وقد أنكر الزبيري مصعب وغيره هاتين الكلمتين فقالوا : ليس بالمدينة عير ولا ثور . وقالوا : إنما ثور بمكة . وقال الزبيري : عير جبل بمكة .
وأكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا ، وأما ثور فمنهم من كنَّى عنه بـ كذا ومنهم من ترك مكانه بياضًا ؛ إذ اعتقدوا الخطأ في ذكره - قاله عياض . وقال بعضهم : ثور وهمٌ من بعض الرواة . قال أبو عبيد : كأن الحديث أصله من عير إلى أُحد ، والله أعلم .
وقوله فمن أحدث فيها حدثًا ؛ يعني : من أحدث ما يخالف الشرع من بدعة أو معصية أو ظلم ، كما قال : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ . وقوله أو آوى محدثًا ؛ أي : ضمَّه إليه ومنعه مِمَّن له عليه حقٌّ ونصره ، ويقال أوى بالقصر والمد متعديًا ولازمًا ، والقصر في اللازم أكثر ، والمد في المتعدي أكثر . وقوله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لعنة الله : طرده للملعون وإبعاده عن رحمته .
ولعنة الملائكة والناس : الإبعاد ، والدعاء بالإبعاد . وهؤلاء هم اللاعنون ، كما قال الله تعالى : أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ والصرف : التوبة ، والعدل : الفدية - قاله الأصمعي . وقيل : الصرف الفريضة ، والعدل : التطوع - وعَكَس ذلك الحسن .
وقيل : الصرف الحيلة والكسب ، والعدل : المثل - كما قال الله تعالى : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ويقال في العدل بمعنى المثل : عَدْلٌ وعِدْلٌ ، كسلم وسِلم . وقوله وذمة المسلمين واحدة ؛ أي : من عَقَد من المسلمين أمانًا أو عهدًا لأحدٍ من العدو لم يحل لأحدٍ أن ينقضه . و الذمة : العهد - وهو لفظ مشترك بين أمورٍ مُتعددة .
وقوله يسعى بذمتهم أدناهم ؛ أي أقلُّهم منزلةً في الدُّنيا وأضعفهم ، وهو حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة على ما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى . وقوله فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله ؛ أي نَقَضَ عهده ، يقال : أخفرت الرجل إخفارًا - إذا غدرته ، وخفرته إذا أجرته ، خفارة . ومجيءُ الناس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأول الثَّمر مبادرة بهديه ما يستظرف واغتنامٌ لدعائه وبركته ، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ أول ذلك الثمر وضعه على وجهه ، كما رواه بعض الرواة عن مالك في هذا الحديث من الزيادة .
وتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك الثمر أصغر وليدٍ يراه لأنه أقل صبرًا ممن هو أكبر منه وأكثر جزعًا وأشدُ فرحًا ، وهذا من حسن سياسته - صلى الله عليه وسلم - ومعاملته للكبار والصِّغار ، وقيل : إن ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته كنحو الثمرة وزيادتها .