( 11 ) باب بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس 1757- 49 [1277] عنْ مَالِكَ بْنَ أَوْسٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ ، مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ ، فَقَالَ لِي: يَا مَالُ! إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ ، فَخُذْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي؟ قَالَ: خُذْ يَا مَالُ! قَالَ: فَجَاءَ يَرْفَا فَقَالَ: هَلْ لك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فِي عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَلْ لك فِي عَبَّاسٍ ، وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمَا ، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: فُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟ قَالَوا: نَعَمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟ قَالَا: نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِخَاصَّةٍ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ ، قَالَ: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لَا ، قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالَوا: نَعَمْ ، ثُمَّ نَشَدَ عَلِيًّا وعَبَّاسًا ، بِمِثْلِ مَا نَشَدَ بِهِ الْقَوْمَ: أَتَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ ، قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُمَا تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ. فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ ، فَرَأَيْتُمَانِي كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارٌّ تَابِعٌ لِلْحَقِّ فَوَلِيتُهَا ، ثُمَّ جِئْتَنِي أَنْتَ وَهَذَا وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ ، فَقُلْتُم: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ ، قَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا ، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ . ( 11 ) ومن باب: ما يصرف فيه الفيء والخمس ( تعالى النهار ) : ارتفع . و( مفضيًا إلى رماله ) ؛ أي : لم يكن بينه وبين الحصير حائل يقيه آثار عيدانه ، ورُمال الحصير : ما يؤثر في جنب المضطجع عليه . ورملت الحصير : نسجته ، وقد تقدَّم . و( مال ) ترخيم مالك في النداء . و( دف أهل أبيات ) ؛ أي : نزلوا بهم مسرعين ، محتاجين . وأصله من الدَّفيف ، وهو : السَّير السَّريع ، وكأن الذي تنزل به فاقة يسرع المشي لتنجلي عنه . و( الرضخ ) - بسكون الضاد - : هو العطية القليلة ، غير المقدرة . و( يرفى ) مقصور ، وهو مولى عمر وآذنه . وقوله : ( هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان ، وعبد الرحمن ؟ ) في الكلام حذف ، تقديره : هل لك إذن في هؤلاء ؟ وقول العبَّاس : ( اقض بيني وبين هذا الكاذب ، الآثم ، الغادر ، الخائن ) ؛ قول لم يرد به ظاهره ؛ لأن عليًّا رضي الله عنه منزه عن ذلك كله ، مبرأ عنه قطعًا ، ولو أراد ظاهره لكان محرَّمًا ، ولاستحال على عمر ، وعثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعد ، وهم المشهود لهم بالقيام بالحق وعدم المبالاة بمن يخالفهم فيه ، فكيف يجوز عليهم الإقرار على المنكر ؟! هذا ما لا يصح ؛ وإنما هذا قول أخرجه من العبَّاس الغضب ، وصولة سلطنة العمومة ، فإن العم صنو الأب ، ولا شكّ أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده ؛ إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ ، والرَّدع مبالغة في تأديبه ، لا أنَّه موصوف بتلك الأمور ، ثم انضاف إلى هذا : أنهم في محاجّة ولاية دينية ، فكأن العباس يعتقد : أن مخالفته فيها لا تجوز ، وأن المخالفة فيها تؤدي إلى أن يَتصف المخالف بتلك الأمور ، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه ، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروه . والله تعالى أعلم . وهذا التأويل أشبه ما ذكر في ذلك ، وإلا فتَطريق الغلط لبعض النقلة لهذه القضية فيه بُعْد لحفظهم ، وشهرتهم ، والذي اضطرنا إلى تقدير أحد الأمرين ما نعلمه من أحوال تلك الجماعة ، ومن عظيم منازلهم في الدِّين ، والورع ، والفضل . كيف لا ، وهم من هم رضي الله عنهم ، وحشرنا في زمرتهم . و( أجل ) بمعنى : نعم . و( اتَّئدوا ) بمعنى : تثبتوا ، وارفقوا . وقول عمر : ( أنشدكم الله ) ؛ أي : أقسم عليكم بالله ، يخاطب الحاضرين . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) ؛ جميع الرواة لهذه اللفظة في الصحيحين وفي غيرهما يقولون : ( لا نورث ) - بالنون وهي نون جماعة الأنبياء ، كما قال : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ). و( صدقة ) : مرفوع على أنه : خبر المبتدأ الذي هو : ( ما تركنا ) ، والكلام جملتان : الأولى : فعلية ، والثانية : اسمية . لا خلاف بين المحدثين في هذا . وقد صحَّفه بعض الشيعة ، فقال : ( لا يورث - بالياء - ما تركنا صدقة ) - بالنصب وجعل الكلام جملة واحدة ، على أن يجعل ( ما ) مفعولاً لما لم يسم فاعله . و( صدقة ) ينصب على الحال . ويكون معنى الكلام : إنما نتركه صدقة لا يورث ، وإنما فعلوا هذا ، واقتحموا هذا المحرم ، لما يلزمهم على رواية الجمهور من إفساد قولهم ، ومذهبهم ، أنهم يقولون : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يورث كما يورث غيره ، متمسكين بعموم آية المواريث ، معرضين عمَّا كان معلومًا عند الصحابة من الحديث الذي يدل على خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - : بأنه لا يورث . وقد حكى الخطابي حكاية تدل على صحة مذهب أهل السُّنة ، وعلى بطلان مذهب أهل البدع : حكي عن ابن الأعرابي : أن أبا العبَّاس السفاح قام في أول مقام قامه خطيبًا في قرية تسمى : العباسية بالأنبار ، فحمد الله وأثنى عليه ، فلما جاء عند الفراغ ، قام إليه رجلٌ ، وفي عنقه المصحف ، فقال : يا أمير المؤمنين! أذكرك الله الذي ذكرته إلا ما قضيت لي على خصمي بما في كتاب الله . فقال : ومن خصمك ؟ قال : أبو بكر الذي منع فاطمة فدك . فقال : هل كان بعده أحد ؟ قال : نعم . قال : ومن ؟ قال : عمر . قال : فأقام على ظلمكم ؟ قال : نعم. قال : فهل كان بعده أحد ؟ قال : نعم . قال : فمن ؟ قال : عثمان . قال : فأقام على ظلمكم ؟ قال : نعم . قال : فهل كان بعده أحد ؟ قال : نعم. قال : فمن ؟ قال : علي بن أبي طالب . قال : فأقام على ظلمكم ؟ قال : فأسكت الرجل ، وجعل يلتفت يمينًا وشمالاً يطلب مخلصًا . فقال أبو العباس : والله الذي لا اله إلا هو لولا أنه أول مقام قمته ، ولم أكن تقدمت إليك ، لأخذت الذي فيه عيناك ، اجلس . ثم أخذ في خطبته . وحاصل هذه الحكاية : أن الخلفاء رضي الله عنهم علموا وتحققوا صحَّة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) ، وعملوا على ذلك إلى أن انقرضت أزمانهم الكريمة بلا خلاف في ذلك . فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر ، فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دلَّ على خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك ، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقــفت عن ذلك ، ولم تعد عليه بطلب ، وأما منازعة علي والعباس ، فلم تكن في أصل الميراث ، ولا طلبًا أن يتملكا ما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - من أموال بني النضير لأربعة أوجه : أحدها : أنهما قد كانا ترافعا إلى أبي بكر في ذلك ، فمنعهما أبو بكر مستدلاً بالحديث الذي تقدَّم ، فلما سمعاه أذعنا ، وسكنا ، وسلَّما ، إلى أن توفي أبو بكر ، وولي عمر ، فجاءاه ، فسألاه أن يوليَهُما على النظر فيها ، والعمل بأحكامها ، وأخذها من وجوهها ، وصرفها في مواضعها ، فدفعها إليهما على ذلك ، وعلى ألا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشيره ، ويكون معه فيه ، فعملا كذلك إلى أن شق عليهما العمل فيها مجتمعين ، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدهما أن يستقل بأدنى عمل حتى يحضر الآخر ، ويساعده ، فلما شق عليهما ذلك ، جاءا إلى عمر رضي الله عنه ثانية ، وهي هذه الكرة التي ذكرت هنا ، يطلبان منه أن يقسمها بينهما ، حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها ، فأبى عليهما عمر ذلك ، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظانٌّ أن ذلك قسمة ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم فيعتقد بطلان قوله : ( لا نورث ) ، لا سيما لو قسمها نصفين ، ( فإن ذلك كان يكون موافقًا لسنة القسم في المواريث ؛ فإن من ترك بنتًا ، وعمًا ، كان المال بينهما نصفين ) : للبنت النصف بالفرض ، وللعم النصف بالتعصيب . فمنع ذلك عمر حسمًا للذريعة ، وخوفًا من ذهاب حكم قوله : ( لا نورث ). والوجه الثاني : أن عليًّا لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عُمل فيها في عهد أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، ولم يتعرض لتملكها ، ولا لقسمة شيء منها ، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها ، ثم كانت بيد حسن بن علي ، ثم بيد حسين بن علي ، ثم بيد علي بن الحسين ، ثم بيد الحسين بن الحسن ، ثم بيد زيد بن الحسن ، ثم بيد عبد الله بن الحسن ، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه. وهؤلاء كبراء أهل البيت رضي الله عنهم ، وهم معتمد الشيعة وأئمتهم ، لم يُرو عن واحد منهم : أنه تملكها ، ولا ورثها ، ولا ورثتْ عنه ، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًّا لأخذها علي ، أو أحدٌ من أهل بيته لما ظفروا بها ، ولَمْ فلا . والوجه الثالث : اعتراف علي والعبَّاس بصحة قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) ، وبعلم ذلك حين سألهما عن علم ذلك ، ثم إنهما أذعنا ، وسلَّما ، ولم يبديا - ولا أحد منهما - في ذلك اعتراضًا ، ولا مدفعًا ، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول : إنهما اتقيا على أنفسهما ، لما يعلم من صلابتهما في الدين ، وقوتهما فيه ، ولما يعلم من عدل عمر ، وأيضًا : فإن المحل محل مناظرة ، ومباحثة عن حكم مال من الأموال ، ليس فيه ما يفضي إلى شيء مما يقوله أهل الهذيان من الشيعة . ثم الذي يقطع دابر العناد ما ذكرناه من تمكن علي وأهل بيته من الميراث ، ولم يأخذوه ، كما قلناه. والوجه الرابع : نصّ قول عمر لهما ، وحكايته عنهما في آخر الحديث ، حيث قال لهما : ( ثم جئتني أنت وهذا ، وأنتما جميع ، وأمركما واحد ، فقلتم : ادفعها إلينا ، فقلت : إن شئتم دفعتها إليكما ، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأخذتماها بذلك ، قال : أكذلك ؟ قالا : نعم ). وهذه نصوص منهم على صحة ما ذكره. وإنما طوَّلنا الكلام في هذا الموضع لاستشكال كثير من الناس لهذا الحديث ، وللآتي بعده ، ولخوض الشيعة في هذا الموضع ، ولتقوّلهم فيه بالعظائم على الخلفاء البررة الحنفاء . وقول عمر : ( إن الله خصَّ رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدًا غيره ). يعني بذلك أن الله جعل النظر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيره ممن كان معه من ذلك الجيش ، كما رواه ابن وهب عن مالك ، ورواه أيضا ابن القاسم عنه. وقول عمر : ( والله لا أقضي بينكما بغير ذلك ) ؛ أي : لا أولي أحدكما على جزء منها ، والآخر على جزء آخر . وهذا هو الذي طلبا على ما قررناه . وقوله : ( فإن عجزتما عنها ) ؛ أي : عن القيام بها مجتمعين ، كما قررناه . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمّل فطن .
المصدر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-44/h/405455
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة