باب إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره ممن له أهلية ذلك
64 [1286] وعن أبي سَعِيدٍ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى سَعْدٍ ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ، ( أَوْ خَيْرِكُمْ ) ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ . قَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَتُسْبى ذُرِّيَّتَهُمْ . قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ .
وَرُبَّمَا قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ . وفي رواية : لَقَدْ حَكَمْتَ بِحكم الله . وقوله : ( قوموا لسيدكم أو خيركم ) ؛ استدل بهذا من قال بجواز القيام للفضلاء ، والعلماء ، إكرامًا لهم ، واحترامًا .
وإليه مال عياض ، وقال : إنما القيام المنهي عنه : أن يقام عليه وهو جالس ، وهو الذي أنكره النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه ، حيث صلوا قيامًا وهو قاعد للخدش الذي أصابه ، فقال لهم : ( ما لكم تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود ) . وعليه حمل قول عمر بن عبد العزيز : إن تقوموا نقم ، وإن تقعدوا نقعد ، وإنما يقوم الناس لرب العالمين . وقد رويت لعبد الملك جواز قيام الرجل لوالديه ، والزوجة لزوجها .
ومذهب مالك : كراهية القيام لأحد مطلقًا . واستدل له على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( من سرَّه أن يتمثل له الناس قيامًا ، فليتبوأ مقعده من النار ) . وعليه حمل قول عمر بن عبد العزيز .
وقد جاء في كتاب أبي داود مرفوعًا : ( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ، يعظم بعضهم بعضًا ) . ويعتضد هذا : بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يقم له أحد ، ولا يقوم هو لأحد . هذا هو المنقول من سيرته ، وعليه درج الخلفاء رضوان الله عليهم ، ولو كان القيام لأحد من العظماء مشروعًا ، لكان أحق الناس بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه .
ولم فلا . وتأوَّل بعض أصحابنا حديث : ( قوموا إلى سيدكم ) على أن ذلك مخصوص بسعد ، لما تقتضيه تلك الحال المعينة . وقال بعضهم : إنما أمرهم بالقيام له لينزلوه عن الحمار لمرضه ، وفيه بُعد .
والله تعالى أعلم . واختلف تأويل الصحابة فيمن عنى النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك ؛ هل الأنصار خاصة ، أو جميع من حضر من المهاجرين والأنصار ؟ وعلى الجملة : فهي قضية معينة ، محتملة ، والتمسك بالقاعدة المقررة أولى . والله تعالى أعلم .
والسيد : المتقدم على قومه بما فيه من الخصال الحميدة . وقوله : ( أو خيركم ) ؛ على جهة الشك من الراوي ، وفي بعض طرقه في غير كتاب مسلم : ( قوموا إلى سيدكم ) من غير شك . وقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( إن هؤلاء نزلوا على حكمك ) ؛ إنما قال له هذا بعد أن رد له الحكم ، كما قال في الرواية المتقدمة .
وقوله : ( إني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرية ، وتقسم الأموال ) ؛ إنما حكم فيهم بذلك لعظيم جناياتهم ، وذلك : أنهم نقضوا ما بينهم وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- من العهد ، ومالؤوا عليه قريشًا ، وقاتلوه ، وسبُّوه أقبح سبٍّ ، فاستحقوا ذلك- لعنهم الله- ، فلما حكم فيهم سعد بذلك ، أخبره بأنه قد أصاب فيهم حكم الله ، تنويهًا به ، وإخبارًا بفضيلته ، وانشراح صدره ، وردعًا للقوم الذين سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أن يتركهم ، وأن يحسن فيهم ، فإنهم كانوا حلفاءهم ، فلما جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حكمهم إلى سعد انطلق مواليهم إلى سعد ، فكلموه في ذلك ، وقالوا له : أحسن في مواليك ، فلما أكثروا عليه ، قال : أما إنه قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فلما سمعوا ذلك يئسوا مما طلبوا ، وعزّى بعضهم بعضًا في بني قريظة . ومن هاهنا تظهر خصوصية سعد بقوله : ( قوموا إلى سيدكم ) ، وإن الأولى أنه إنما قال ذلك لقومه خاصة دون غيرهم ؛ لأن قومه كلهم مالوا إلى إبقاء بني قريظة ، والعفو عنهم ، إلا ما كان منه رضي الله عنه لا جرم لما مات اهتز له عرش الرحمن .
وسيأتي بيان معناه ، إن شاء الله تعالى . وفيه دليل لمذهب مالك في تصويب أحد المجتهدين ، وإن لله في الواقع حكمًا معيَّنًا ، فمن أصابه فهو المصيب ، ومن لم يصبه ، فهو المخطئ ، لكنه لا إثم عليه إذا اجتهد . وقد تقدَّم هذا المعنى .
وغاية ما في هذا الحديث : أن بعض الوقائع فيها حكم معين لله ، لكن من أين يلزم منه أن يكون حكم كل واقعة كذلك ؟ بل يقال : إنها منقسمة إلى ما لله فيه حكم معين ، ومنها ما ليس لله فيه ذلك ، وتكميل ذلك في علم الأصول . وقوله : ( لقد قضيت بحكم الملك ) ؛ الرواية بكسر اللام ، وهو الله تعالى . وكذلك في الرواية الأخرى : ( بحكم الله ) ، وفي غير كتاب مسلم : ( لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة ) ، وهي السماوات ، وهو جمع رقيع ، كرغيف ، وأرغفة .
والفوقية هنا راجعة إلى أن الله تعالى أظهر الحكم لمن هناك من ملائكته ، أو أثبته في اللوح المحفوظ . ونسبة الفوقية المكانية إلى الله تعالى محال ؛ لأنه منزه عن الفوقية ، كما هو منزه عن التحتية ؛ إذ كل ذلك من لوازم الأجرام ، وخصائص الأجسام ، ويتقدّس عنها الذي ليس كمثله شيء من جميع الأنام .