باب فضل الحمل في سبيل الله والجهاد ومن دل على خير
[1360] وفي رواية : فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي . فَقَالَ: مَا عِنْدِي . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ .
1894 [1361] وعَنْ أَنَسِ: أَنَّ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْغَزْوَ ، وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ . قَالَ: ائْتِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ . فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ، وَيَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ، قَالَ: يَا فُلَانَةُ، أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلَا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا، فَوَاللَّهِ لَا تَحْبِسِن مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ الله لَكِ فِيهِ .
وقوله : ( إني أبدع بي ) ؛ أي : أهلكت راحلتي ، وانقطع بي ، وهو رباعي ، مبني لما لم يسم فاعله . وقد وقع لبعض الرواة : ( بُدِّعَ ) على فُعِّل مشدد العين . وليس بمعروف في اللغة .
وقوله : ( احملني ) ؛ أي : أعطني ما أتحمل عليه ، أي : أحمل رحلي ، وأرتحل عليه . وقوله : ( من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله ) ؛ ظاهر هذا اللفظ : أن للدَّال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق . وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرًا ؛ كقوله : ( من قال مثل ما يقول المؤذن كان له مثلُ أجره ) ، وكقوله فيمن توضأ وخرجَ إلى الصلاة فوجد الناس قد صلَّوا : ( أعطاه الله من الأجرِ مثل أجر من حضرها ، وصلاَّها ) .
وهو ظاهرُ قوله تعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وهذا المعنى يمكنُ أن يقال فيه ، ويصار إليه بدليل : أن الثوابَ على الأعمال إنما هو تفضل من الله تعالى ، فيهبه لمن يشاء على أي شيءٍ صدر عنه ، وبدليل : أنَّ النية هي أصلُ الأعمال، فإذا صحَّتْ في فعل طاعةٍ فعجز عنها لمانعٍ منع منها فلا بُعدَ في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ، أو يزيد عليه ، وقد دلَّ على هذا : قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( نية المؤمن خير من عمله ) ، ولقوله : ( إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ، ولا قطعتم واديًّا إلا كانوا معكم ، حبسهم العذر ) . وأنص ما في هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري ؛ الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إنَّما الدنيا لأربعة نفر : رجل آتاه الله تعالى مالاً وعلمًا ، فهو يتقي فيه ربَّه ، ويصل به رحمه ، ويعلم لله فيه حقًّا ، فهذا بأفضل المنازل . ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً ، فهو يقولُ : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعَمَلِ فلانٍ ، فهو بنيته ، فأجرهما سواء ، ورجلٌ آتاه الله مالاً ، ولم يؤته علمًا ؛ فهو لا يتقي فيه ربَّه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقًّا ، فهذا بأخبث المنازل .
ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علمًا ؛ فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته ، ووزرهما سواء ) . وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في هذه الأحاديث إنما هو بغير تضعيف . قال : لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر ، وأعمال كثيرة من البر ، لا يفعلها الدَّال الذي ليس عنده إلا مجرد النية الحسنة .
وقد قال - صلى الله عليه وسلم- للقاعد : ( أيُّكم خلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج ) ، وقال : ( لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما ) . قلت : ولا حجة في هذا الحديث لوجهين : أحدهما : إنا نقول بموجبه ، وذلك أنه لم يتناول محل النزاع ، فإن المطلوب إنما هو : أن الناوي للخير المعوق عنه ، له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف . وهذا الحديث إنما اقتضى مشاركة ومشاطرة في المضاعف ، فانفصلا .
وثانيهما : أن القائم على مال الغازي ، وعلى أهله نائبٌ عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يكفى ذلك العمل ، فصار كأنه يُباشر معه الغزو ، فليس مُقتصرًا على النية فقط ، بل هو عامل في الغزو ، ولما كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملاً ، وافرًا ، مضاعفًا ، بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر الغازي كان نصفًا له ، وبهذا يجتمعُ معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( من خلف غازيًا في أهله بخيرٍ فقد غزا ) ، وبين معنى قوله في اللفظ الأول : ( فله مثل نصف أجره ) ، والله تعالى أعلم . وعلى هذا يحمل قوله : ( والأجر بينهما ) لا أن النائبَ يأخذ نصف أجر الغازي ، ويبقى للغازي النصف ، فإن الغازيَ لم يطرأ عليه ما يوجبُ تنقيصًا لثوابه ، وإنَّما هذا كما قال : ( من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجر الصائم ، لا ينقصه من أجره شيء ) . والله تعالى أعلم .
وعلى هذا فقد صارت كلمةُ ( نصف ) مقحمةً هنا بين ( مثل ) و( أجر ) وكأنها زيادةٌ مِمَّن تسامَحَ في إيراد اللفظ ، بدليل قوله : ( والأجر بينهما ) ، ويشهد له ما ذكرناه ، فَليُتنبَّه له ، فإنه حَسَن . وأمَّا من تحقق عجزه ، وصدقت نيتُه ، فلا ينبغي أن يختلف في : أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر ؛ لما تقدَّم ، ولما خرَّجه النسائيُّ من حديث أبي الدرداء قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( من أتى فراشه ، وهو ينوي أن يقومَ يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح ؛ كان له ما نوى ، وكان نومُه صدقة عليه ).