باب في جواز ترك الاستخلاف
) باب في جواز ترك الاستخلاف ( 1823 ) ( 12 ) [1399] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قال: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ - ونوساتها تنطف - فَقالتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غير مُسْتَخْلِفٍ؟ قال: قلتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ ! قالتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ ! قال: فَحَلَفْتُ أَنّ أُكَلِّمُهُ فِي ذلك ، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ فَلَمْ أُكَلِّمْهُ . قال: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا ، حَتَّى رَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخْبِرُهُ . قال: ثُمَّ قلتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقولونَ مَقالةً فَآلَيْتُ أَنْ أَقولهَا لَكَ ؛ زَعَمُوا أَنَّكَ غير مُسْتَخْلِفٍ وَأنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي غَنَمٍ أَوْ رَاعِي إِبِلٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيْتَ أَنْه قَدْ ضَيَّعَ ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ ! قال: فَوَافَقَهُ قولي ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ فَقال: إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ دِينَهُ ، وَإِنِّي إن لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ اسْتَخْلَفَ .
قال: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ، وَأَنَّهُ غير مُسْتَخْلِفٍ . ( 2 ) ومن باب : جواز ترك الاستخلاف قوله ونوساتها تنطف ، النّوسات : ما تحرك من شعر أو غيره متدليًا . والنَّوْسُ : تحرُّك الشيء متذبذبًا - يقال منه : ناس ، ينوس ، نوسًا ، ونوْسانًا .
ومنه : ذو نواس ، سُمِّي بذلك لذؤابته ؛ كانت تنوس على ظهره . ونطف الشَّعْرُ وغيره ينطِف وينطُف : إذا قطر . وليلةٌ نَطُوف : دائمةُ القطر .
وكأنَّه دخل عليها وقد اغتسلت . وقول ابن عمر كأنما أحمل بيميني جبلاً ؛ يعني أنه وجد من الثقل بسبب اليمين التي حلفها كثقل مَنْ يحمل جبلاً ، هو تشبيه واستعارة . وقوله زعموا أنك غير مستخلف ، هذا إنما قاله الناس حين طعن عمر وسقوه لبنًا فخرج من طعنته - رضي الله عنه - فيئسوا منه ، وعلموا أنه هالك ، فجرى ذلك .
وقوله لو كان راعي غنم . إلى آخر الكلام - فيه من الفقه استعمال القياس ، فإنه قَرَّرَ على الأصل المعلوم ، وهي رعاية الغنم والإبل ، ثم حمل عليه رعاية الناس ورأى أنها أولى ، فكانَّ ذلك إلحاق مسكوتٍ عنه بمنطوقٍ به على طريق الأَوْلى ، وهو نوع من أنواع الإلحاق كما يعرف في موضعه . وقوله فوافقه قولي ؛ يعني أنه مال إليه ونظر فيه ، ولذلك وضع عمر رأسه يفكر في المسألة ، ثم لَمَّا لاح له نَظَرٌ آخر أخذ يُبْدِيه ، فرفع رأسه وقال : إن الله يحفظ دينه ، وإنما قال ذلك للذي قد علمه من قوله تعالى : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ومن قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ، ولغير ذلك مما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم من استيلاء المسلمين وما يفتح الله تعالى عليهم من المشارق والمغارب ، ومن قوله إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أُمَّتِي سيبلغ ما زوى لي منها ، وغير ذلك .
وقوله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف ؛ أي : لم ينصّ على خليفة ، لا على أبي بكر ولا على غيره ، وهذا هو مذهب جماعة من أهل السُّنة والصحابة ومن بعدهم . وقد ذهب بكر ابن أخت عبد الواحد إلى أن تقديم أبي بكر كان بالنص من النبي صلى الله عليه وسلم ، وذهب ابن الراوندي إلى أنه نصّ على العباس ، وذهب الشيعة والرافضة إلى أنه نصّ على عليّ ، وكل ذلك أقوال باطلة قطعًا ؛ إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف بذلك ، فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة ، وقال كل واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر ، ولم ينقل منهم أحدٌ نصًّا على رجل بعينه ، ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم والخطب المهم الجسيم والحاجة الفادحة ، مع عدم التقية والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان . ومدعي النص في ذلك كاذب قطعًا ، فلا يُلْتَفَتُ إليه .
وكل من ذكر له خلاف في هذه المسألة لا يُعْتَدُّ بخلافه ، فإنه إما مُكَفِّر وإما مُفَسِّق مُبَدَّع ، ومن كان كذلك لا يعتد بخلافه ، والمسألة إجماعية قطعية ، والله الموفق . وقوله وإن أستخلفْ فإن أبا بكر قد استخلف ؛ يعني أن أبا بكر استخلفه ونصّ عليه وعيَّنه ، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وقع ولا في أنَّ هذا طريق مشروع في الاستخلاف . ثم إن عمر ـ رضي الله عنه ـ سلك طريقا بين طريقتين جمعت له الاقتداء بهما ، فاقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لم ينصّ على واحدٍ بعينه فصدق عليه أنه غير مستخلف ، واقتدى بأبي بكر من حيث إنه لم يترك أمر المسلمين مهملاً ، فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة وفوّض التعيين لاختيارهم .