باب ما جاء في هدايا الأمراء
) باب ما جاء في هدايا الأمراء ( 1832 ) ( 26 و27 ) [1411] عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ - يُقَالَ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ - عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أهدي لِي ! قَالَ: فَقَامَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ: مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ! أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى ِلْهِ أَمْ لَا ؟ ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ : بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ . ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ - مَرَّتَيْنِ . وفي رواية : اسْتَعْمَلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْأُتْبِيَّةِ ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ ، قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ ! فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ؟ ! ثُمَّ خَطَبَنَا فذكر نحوه .
( 6 ) ومن باب : ما جاء في هدايا الأمراء اللُّتبيَّة بضم اللام وفتح التاء هي الرواية المعروفة هنا ، قال القاضي أبو الفضل عياض : وصوابُه الأُتْبيَّة بسكون التاء باثنتين من فوقها . قال : و لُتْب بضم اللام وسكون التاء بطنٌ من العرب . قلت : وقد جاء في الرواية الأخرى الأُتْبِيَّة ، وكلاهما صحيح الرواية جائز .
وهذا الحديث يدلّ دلالة صحيحة واضحة على أن هدايا الأمراء والقضاة وكل من ولي أمرًا من أمور المسلمين العامَّة لا تجوز ، وأن حكمها حكم الغلول في التغليظ والتحريم ؛ لأنها أكل المال بالباطل وَرُشًا - وهو قول مالك وغيره بتفصيل يعرف في الفقه . وقوله أفلا قعد في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا ؟ ؛ يعني أن الذي يستخرج الهدايا من الناس للأمير إنما هو رهبة منه أو رغبة فيما في يديه أو في يدي غيره ، ويستعين به عليه ، فهي رشوة . و العُفْرة بياض يضرب إلى الصفرة - قاله الأصمعي .
ويفهم من تكرار اللهم هل بلغت ؟ ومن هذه الحالة تعظيم ذلك وتغليظه . وليس لأحدٍ أن يتمسك في استباحة هدايا الأمراء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، ولا بما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لمعاذٍ الهدية حين وجَّههُ إلى اليمن . أما الجواب عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن وجهين ؛ أحدهما : أنه كان لا يقبل الهدية إلا ممن يعلم أنه طيب النفس بها ، ومع ذلك فكان يكافئ عليها بأضعافها غالبًا .
والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن الجور والميل الذي يُخاف منه على غيره بسبب الهدية . وأما عن حديث معاذ فلأنه لم يجئ في الصحيح ، ولو صحَّ لكان ذلك مخصوصًا بمعاذ لما عَلِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حاله وتحقُّقه من فضله ونزاهته ما لا يشاركه فيه غيره ، ولم يُبح ذلك لغيره بدليل هذه الأحاديث الصّحاح ، والله تعالى أعلم .