باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم
( 1847 ) ( 51 و52 ) [1426] وعن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قالُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ: يَا رسول الله ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ . فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ . قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ! فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ ؛ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ! فَقُلْتُ: يَا رسول الله ، صِفْهُمْ لَنَا .
قَالَ: هَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا . قُلْتُ: يَا رسول الله ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ . قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ .
وفي رواية قَالَ: يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ! قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رسول الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ . وقول حذيفة " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر " يعني أنه كان أكثر مسائل الناس عن الخير وكانت أكثر مسائله عن الشر ، وإلاَّ فقد سأل غيره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثير من الشر ، وقد كان حذيفة أيضًا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثير من الخير . والخير والشر المعْنِيان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دين هذه الأمة والفتن الطارئة عليها ، بدليل باقي الحديث وجواب النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك .
وقوله " مخافة أن يدركني " يدل على حزم حذيفة وأخذه بالحذر ، وذلك أنه كان يتوقع موت النبي صلى الله عليه وسلم فيتغير الحال وتظهر الفتن كما اتفق ، وفيه دليل على فرض المسائل والكلام عليها قبل وقوعها إذا خيف مَوْتُ العالم . وقوله " فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم " يعني به الفتن الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين والصدر من زمان عثمان كما تقدّم . ج٤ / ص٥٦وقوله " فهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن " بفتح الدال والخاء لا غير ، وهو عبارةٌ عن الكدر ، ومنه قولهم : هُدْنَةٌ على دخنٍ - حكى معناه أبو عبيد .
وقيل : هي لغة في الدُّخان . ومنه الحديث : وذكر فتنة فقال : " دَخَنُهَا تحت قدمِي " . وقيل : إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز .
قلت : وفيه بُعْدٌ ، بل الأولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية فإنها كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر ، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن ؛ لأنه لما بايع الحسن معاوية واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم وبقيت الكراهة فيهم ، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية ولا إظهارها إلى زمن يزيد بن معاوية فأظهرها كثير من الناس . ومدة خلافة معاوية كان الشرّ فيها قليلاً والخير غالبًا ، فعليهم يصدق قوله عليه الصلاة والسلام " تعرف منهم وتنكر " . وأمَّا خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث ؛ فيزيد وأكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أميةَ هم الذين يَصْدُق عليهم أنّهم " دُعَاةٌ على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها " ، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء ولا عدلوا في القضاء ، يدل على ذلك تَصَفَّحَ أخبارهم ومطالعة سِيَرهم ، ولا يُعْتَرضُ على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها وندورها في بني أمية ، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر ، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها ، والله تعالى أعلم .
و " دعاة " جَمْعُ داعٍ ، كقضاة وقاض . و " قذفوه " رموه - يعني بذلك أن ج٤ / ص٥٧مَنْ وافقهم على آرائهم واتبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار . وقوله " هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا " يعني بأنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ ، فإنهم من قريشٍ ويتكلمون بكلام العرب ، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة .
وقوله " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " يعني أنه متى اجتمع المسلمون على إمام فلا يُخرج عليه وإنْ جَارَ - كما تقدّم ، وكما قال في الرواية الأخرى " فاسمع وأطع " ، وعلى هذا فتُشهد مع أئمة الْجَوْر الصلوات والجماعات والجهاد والحج ، وتُجْتَنَبُ معاصيهم ولا يطاعون فيها . وقوله " فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام " ، هذه إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند موت معاوية بن يزيد بن معاوية ، فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين ولم يًعْهَدْ لأحدٍ ، وبَقِي الناس بعده بقية ربيع الأول وجمادين وأيامًا من رجب من السَّنة المذكورة لا إمام لهم حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير وفي الشام لمروان بن الحكم . وقوله " فاعتزل تلك الفرق كلَّها " ، هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن ، وهو على جهة الوجوب لأنه لا يَسْلَمُ الدِّينُ إلاَّ بذلك ، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفرق المختلفة ، فلو بايع أهل الحل والعقد ج٤ / ص٥٨لواحدٍ موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة وحرمت على كل أحدٍ المخالفة ، فلو اختلف أهل الحل والعقد فعقدوا لإمامين كما اتفق لابن الزبير ومروان لكان الأول هو الأرجح كما تقدَّم .
وقوله " يكون بعدي أمراء قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " ، هذا خبرٌ عن أمرٍ غيب وقع موافقًا لمخبره ، فكان دليلاً على صحة رسالته وصدقه صلى الله عليه وسلم . و " الشياطين " جمع شيطان ، وهو المارد من الجن الكثير الشر ، وهل هو مأخوذ من شَطَنَ أي بَعُدَ عن الخير والرحمة ، أو من شَاطَ يَشِيطُ إذا احتدَّ واحترق غيظًا ؟ اختلف فيه النحويون ، وعلى الأول فالنُّونُ أصلية فيُنْصَرفُ وَاحِدُهُ ، وعلى الثاني فهي غير أصلية فلا ينْصَرِف . والجثمان والشخص والآل والطَّلَلُ - كلُّها الجسم ، على ما حكاه اللغويون .