باب الولد للفراش
) باب الولد للفراش ( 1457 ) ( 36 ) [1521] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ؛ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ . ( 26 ) ومن باب : الولد للفراش ( قوله : اختصم سعد بن أبي وقاص ، وعبد بن زمعة في غلام ) سببُ هذا الاختصام : أنهم كانوا يبتاعون الإماء في الجاهلية ، ويستأخرونهن للوطء ، ويُلحقون النسب بالزنى ، فمن ألحقته المزنيُّ بها التحق به ، ومن ألحقه بنفسه من الزناة بها التحق به إذا لم ينازعه غيره . فكان عتبة بن أبي وقاص قد وقع بأَمَةِ زمعة ؛ فحملت فولدت غلامًا ، فلمَّا حضرت وفاةُ عتبة عَهِدَ لأخيه سعدٍ بأن يأخذه إليه ، لأنه ابنه ، ثم مات عتبة على شركه ، فحينئذٍ تخاصم سعد مع عبد بن زمعة في ذلك الغلام ، فاحتجّ سعد باستلحاق أخيه عتبة له على عاداتهم في الاستلحاق بالزنى .
وتمسَّك عبدٌ بفراش أبيه ، وكأنَّ عبدًا كان قد سمع : أن الشرع يُلْحق بالفراش . وإلاَّ فلم تكن عادتهم الإلحاق به . فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالولد لصاحب الفراش ، وقطع الإلحاق بالزنى بقوله : ( وللعاهر الحجر ) .
و( قول عبد بن زمعة في الغلام : أخي ، وابن وليدة أبي ) تمسَّك به الشافعي : على أن الأخ يستلحق ، ومنعه مالك وقال : لا يستلحق إلا الأب خاصَّة ؛ لأنه لا يتنزل غيره في تحقيق الإصابة منزلته . وقد اعتذر لمالك عن ذلك الظاهر بوجهين : أحدهما : أن الحديث ليس نصًّا في أنه ألحقه به بمجرد نسبة الأخوة ، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم علم وطء زمعة تلك الأمة بطريق اعتمدها من اعترافٍ ، أو غيره ، فحكم بذلك ، لا باستلحاق الأخ . والثاني : أن حكمه به لم يكن لمجرد الاستلحاق ، بل بالفراش .
ألا ترى قوله : ( الولد للفراش ) ؟ وهذا تقعيد قاعدة ، فإنه لَمَّا انقطع إلحاق هذا الولد بالزاني ، لم يَبق إلا أن يلحق بصاحب الفراش ؛ إذ قد دار الأمر بينهما . وهذا أحسن الوجهين . وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة ، حيث يقول : إن الولد لا يلحق إلا إذا تقدَّمه ولد سابق ، على ما حكاه عنه الإمام أبو عبد الله المازري .
و( قوله : فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة ، وقال : ( هو لك يا عبد ) يدلُّ على أن الشبه لا يعمل عليه في الإلحاق عند وجود ما هو أقوى منه ، فإنَّه ألغاه هنا ، وحكم بالإلحاق لأجل الفراش ، كما ألغاه في حديث اللعان لأجل اللعان . وأمَّا في حديث القافة : فليس له هناك معارض هو أقوى منه ، فأُعْمِل . و( قوله : هو لك يا عَبْدُ ) هكذا الرواية بإثبات ( يا ) النداء و( عبد ) منادى مفرد ، يريد به : عبد بن زمعة ، ولا شك في هذا .
وقد وقع لبعض الحنفية : ( عبْدُ ) بغير ( يا ) فنوَّنه . وفرَّ بذلك عمَّا لزمهم من إلحاق الولد من غير اشتراط ولد متقدم . وقالوا : إنما ملَّكَه إياه ؛ لأنه ابن أَمَةِ أبيه ، لا أنَّه ألحقه بأبيه .
وهذه غفلةٌ عن الرواية واللسان . أمَّا الرواية : فقد ذكرناها . وأمَّا اللسان : فلو سلَّمنا أن الرواية بغير ( يا ) فالمخاطب عبد بن زمعة ، وهو بلا شك : منادى ، إلا أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام ؛ كما قال تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ، وهو كثير .
و( عبد ) هنا : اسم علمٌ يجوز حذفُ حرف النداء منه . و( قوله : الولد للفراش ) الفراش هنا : كناية عن الموطوءة ؛ لأن الواطئ يستفرشها ؛ أي : يُصَيِّرها كالفراش . ويعني به : أن الولد لاحِقٌ بالواطئ .
قال الإمام : وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش ، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرَّة . واحتجُّوا بقول جرير : باتت تعانقه وبات فراشها خلق العباءة في الدماء قتيلاً يعني : زوجها ، والأول أولى لما ذكرناه من الاشتقاق ، ولأن ما قدَّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلُّ عليه ، ولا يُحوج إليه . وعلى ما أصَّلناه فقد أخذ بعموم قوله : ( الولد للفراش ) الشعبيُّ ، ومن قال بقوله .
فقال : الولد لا ينتفي عمَّن له الفراش لا بلعان ، ولا غيره . وهو شذوذ ، وقد حكي عن بعض أهل المدينة ، ولا حجة لهم في ذلك العموم لوجهين : أحدهما : أنه خرج على سبب ولد الأمة ، فيُقصر على سببه . وثانيهما : أن الشرع قد قعَّد قاعدة اللّعان في حقّ الأزواج ، وأن الولد ينتفي بالتعانهما ، فيكون ذلك العموم المظنون مخصَّصًا بهذه القاعدة المقطوع بها .
ولا يختلف في مثل هذا الأصل . و( قوله : وللعاهر الحجر ) العاهر : الزاني . وهو اسم فاعل من : عَهَرَ الرَّجلُ المرأة ، يعْهَرُهَا : إذا أتاها للفجور .
وقد عهرت هي ، وتعيهرت ؛ إذا زنت . والعهر : الزنى . واختلف في معنى : ( للعاهر الحجر ) .
فمنهم من قال : عنى به الرَّجم للزاني المحصن . ومنهم من قال : يعني به : الخيبة ؛ أي : لا حظَّ له في الولد ؛ لأن العرب تجعل هذا مثلاً . كما يقولون : امتلأت يده ترابًا ؛ أي : خيبة .
قلت : وكأن هذا هو الأشبه بمساق الحديث ، وبسببه . وهي حاصلة ؛ أي : الخيبة لكل الزناة . فيكون اللفظ محمولاً على عمومه .
وهو الأصل . ويؤخذ دليل الرَّجم من موضع آخر . وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل .
و( قوله صلى الله عليه وسلم لسودة : ( احتجبي منه ) يُستَدلُّ به على إعطاء الشوائب المختلفة أحكامها المختلفة ؛ فإنه ألحق الولد بصاحب الفراش ، وأمر سودة بالاحتجاب من الغلام الملحق ، وإن كان أخاها شرعًا للشَّبَه . وهذا منه صلى الله عليه وسلم من باب الاحتياط ، وتوقَّي الشُّبهات . ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة ؛ لأنها من زوجاته رضي الله عنهنّ .
وقد غلّظ ذلك في حقهنَّ ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لحفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ؟! ) . وقال لفاطمة بنت قيس : ( انتقلي إلى بيت ابن أمِّ مكتوم ، تضعين ثيابك عنده ) فأباح لها ما منعه لأزواجه . وفيه ما يدلُّ على أن وطء الزنى يُوجب الحرمة .
وهو مذهب أهل الرأي ، والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وهو أحد قولي مالك ، وروي عنه في الموطأ : أنه لا يُحرِّم ، وهو قول الشافعي ، وأبي ثور . وهو الصحيح ؛ لأن وطء الزنى لا حرمة له اتفاقًا ، فلا تكون له محرمية . وتفصيله في الخلاف .
وعلى القول بأنَّه لا يحرّم ، يكون الأمر لسودة بالاحتجاب من الملحق واجبا .