باب المساقاة على جزء من الثمر الزرع
( 14 ) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع ( 1551 ) ( 2 ) [1638] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ تَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، وكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بن الخطاب قَسَمَ خَيْبَرَ خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ ، أَوْ يَضْمَنَ لَهُنَّ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ فَاخْتَلَفْنَ ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنْ اخْتَارَتَا الْأَرْضَ وَالْمَاءَ . ج٤ / ص٤١٣( 14 ) ومن باب : المساقاة وهي مأخوذة من السقي . وأصلها : تعاهد الأشجار بالماء .
ثم قد صارت عبارة - بحكم العرف- عن العمل في الأشجار بما يصلحها من سقي ، وإبار ، وجداد ، وغير ذلك من العمل الذي تصلح به الثمرة على جزء مسمى ، يأخذه العامل من الثمرة . وقد اختلف العلماء في حكمها ، ومحلها ، ووقتها . فأما حكمها : فالجواز عند مالك ، والشافعي ، وابن أبي ليلى ، وكثير من الكوفيين ، تمسّكًا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب ، وبقياسها على القراض .
وهو متفق عليه ؛ لأنها في معناه . ومنعها أبو حنيفة ، وزفر من أصحابه لما فيها من الغرر ؛ ولأنها من باب : بيع الثمر قبل طيبه . وهو منهي عنه كما تقدَّم .
وحمل أحاديث مساقاة خيبر على أن أهلها كانوا عبيدًا للنبي صلى الله عليه وسلم فما أخذ فهو له ، ج٤ / ص٤١٤وهذا بناه على أن النبي صلى الله عليه وسلم فتحها عنوة . وهذا غير مُسَلّم له ، فإن خيبر كانت قرى كثيرة ؛ فمنها ما فتح عنوة ، ومنها ما فتح صلحًا ؛ كذلك رواه مالك ومن تابعه ، وهو قول ابن عقبة . ولو سُلِّم : أنه فتحها عنوة فلا يُسلّم أن السيد يجوز له أن يعامل عبده بالرِّبا ، ولا أن يعاقده عقدًا فاسدًا بغرر أو مجهول .
وقد نصَّ في هذا : أنَّه عاقدهم عليها ، وشرط عليهم ، وشرطوا عليه . ولا يجوز أن يحمل ذلك على أنه انتزاع مال من أيديهم ، لا لغة ، ولا عرفًا . فبطل ما قالوه .
وأما محلها : فمنعها داود في كل شيء إلا في النخل . والشافعي إلا في النخل ، والكرم . وأجازها مالك في سائر الشجر ؛ إذا احتاج للمساقاة .
والمشهور عندنا : منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه أهله . فأمَّا داود : فقصرها على محل ورودها ، وأما الشافعي : فبناه على أنها رخصة ، ولا تتعدى الرخص . لكنه قد ألحق بالنخيل الكرم ، مع أنه ليس فيه حديث صحيح .
فإن كان ثبت عنده به نقل فقد صح له المشي على ذلك الأصل ، وإن لم يثبت ذلك فليزمه مذهب داود . والإلحاق كما ذهب إليه مالك ، لأن الشجر كله في معنى النخل ، من حيث إنه يحتاج إلى علاج ، وعمل ، وسقي إلى انتهاء الثمرة . وهي أصول قائمة ثابتة يدوم أمرها ، وتدوم الحاجة إلى القيام عليها .
ومن هنا فارقت الزرع القائم . فإن ألغينا هذا القيد ؛ جازت فيه المساقاة على ما تقدَّم . والله تعالى أعلم .
وأما وقت انعقادها : فعند الشافعي ما لم تظهر الثمرة ؛ لأنها إذا ظهرت فقد ملكها رب النخل ، فإذا دفع جزأها في مقابلة العمل ؛ فقد باع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها . وعند مالك : ما لم تطب ، وإن كانت قد ظهرت . وعنه في ذلك بعد الطيب قولان .
وأصله في ذلك : أن القراض ، والمساقاة ، عقدان مستثنيان من الإجارة المجهولة ، للحاجة إلى ذلك ، وللرفق الحاصل لرب المال والعامل ؛ إذ ليس كل من له مال يحسن القيام عليه ولا العمل فيه ، ثم من الناس من يحسن ج٤ / ص٤١٥العمل ولا مال له . فاقتضت حكمة الشرع أن يرفق بكل واحد منهما على ما تيسر غالبًا . ولما ظهر له ذلك طرد المعنى ، فحيث دعت الحاجة إلى ذلك أعملها .
وعلى هذا فتجوز المساقاة في النخل بعد الطيب . وفي الزرع إذا عجز عنه أهله . والله تعالى أعلم .
و( قوله : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ) وفي لفظ آخر : ( عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع ) بإثبات لفظ : ( أو ) التي للتنويع . أو بمعنى : ( الواو ) كما قال في الرواية الأخرى : ( على نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع ) بغير ألف ، وظاهر هذا الحديث : أن أرض خيبر - أعني : بياضها - كان كثيرًا ، وأنه كان مقصودًا له صلى الله عليه وسلم ولهم ، وأنه ضم المساقاة في الأصول وكراء الأرض بما يخرج منها في عقد واحد . ويتمسَّك به من قال : يجوز كراء الأرض بجزء مما تنبت ، كما تقدم .
ويتمسَّك به أيضًا من جوز أن يضم إلى المساقاة عقد غيرها . قلت : والجمهور على ترك هذا الظاهر لما تقدَّم في منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها . وإذا منع ذلك منفردًا للغرر والرِّبا ؛ كان أحرى ، وأولى أن يمنع إذا اجتمع مع غيره مما يكثر فيه الغرر ، ولما كان ذلك حمل الجمهور هذا على أحد محملين .
فأمَّا مالك فقال : إن بياض خيبر كان قليلاً تابعًا للأصول بين أضعاف السواد ، فجاز ذلك فيه لتبعية الأصول ، وشرط في الجواز اتفاق البياض والأصول في الجزء . فلو اختلفا في الجزء لم يجز لزوال التبعية . وقال غيره : يجوز أن يكون الذين ساقى غير الذين زارع .
وتكون مزارعته لمن زارعه منهم على الوجه الجائز فيها ، ثم إن الراوي نقل ذلك جملة ، ولم يفصل كيف وقعت المزارعة ، ولا من الذين سوقوا من الذين زورعوا ، والله تعالى أعلم . ج٤ / ص٤١٦و( قوله : وكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ) يريد بقسمته بينهن ألا تطالبه واحدة منهن بنفقة تلك السنة ، وهذا - والله أعلم - كان بعد أن كان أزواجه طالبنه بالنفقة ، وأكثرن عليه ، كما تقدَّم في كتاب النكاح . ويدل هذا على أن ادخار ما يحتاج الإنسان إليه ، ويعده للحاجات المتوقعة في الاستقبال ، ليس قادحًا في التوكل ، ولا منقصًا منه .
و( قوله : فلما ولي عمر قسم خيبر ) يعني : قسم سهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان له بخيبر الذي كان وقفه النبي صلى الله عليه وسلم لمؤونة عياله وعامله بعد إجلاء عمر رضي الله عنه اليهود منها . وإنما أجلى عمر بن الخطاب اليهود والنصارى من الحجاز ؛ لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم على بقائهم بالحجاز دائمًا ، بل ذلك كان موقوفًا على مشيئته ، ولما عهد النبي صلى الله عليه وسلم عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب ، وانتهت النوبة إلى عمر ، أخرجهم من الحجاز إلى تيماء ، وأريحاء ، على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى .