باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها ( 1570 ) ( 45 ) [1662] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا ، فَلَا نَدَعُ كَلْبًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا . ( 22 ) ومن باب : ما جاء في قتل الكلاب حديث ابن عمر روي مطلقا من غير استثناء ، كما قال في رواية مالك عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب . وروي مقيَّدًا بالاستثناء المتَّصل ، كرواية عمرو بن دينار ، عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد ، أو كلب غنم ، أو ماشية .
فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين على مقيَّدهما ، فإن القضية واحدة ، والرَّاوي لهما واحد . وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع ، كما بيَّنَّاه في أصول الفقه . وهذا واضح في حديث ابن عمر .
وعليه : فكلب الصيد ، والماشية ، لم يتناولهما قط عموم الأمر بقتل الكلاب ، لاقتران استثنائهما من ذلك العموم . وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك ، وأصحابه ، وكثير من العلماء . فقالوا : بقتل الكلاب إلا ما استثني منها ، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا ، بل محكمًا .
وأما حديث عبد الله بن مغفل : فمقتضاه غير هذا . وذلك : أنَّه قال فيه : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، ثم قال : ( ما بالهم وبال الكلاب ) . ثم رخص في كلب الصيد ، وكلب الغنم ، والزرع .
ومقتضى هذا : أنَّه أمرهم بقتل جميع الكلاب من غير استثناء شيء منها ، فبادروا ، وقتلوا كل ما وجدوا منها ، ثم بعد ذلك رخص فيما ذكر . فيكون هذا الترخيص من باب النسخ ؛ لأن العموم قد استقرَّ ، وبردَ ، وعمل عليه ، فرفع الحكم عن شيء مما تناوله نسخ لا تخصيص . وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء .
ونحو من حديث عبد الله بن المغفل حديث جابر بن عبد الله ، قال : قد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها ، فنقتله ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها فقال : ( عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين ؛ فإنه شيطان ) . فمقتضاه : أن الأمر كان بقتل الكلاب عامًّا لجميعها ، وأنه نسخ عن جميعها إلا الأسود . وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء .
ولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عرضها على القواعد الأصولية ، فنقول : إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناء مقترن به ، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته . وأيضًا : فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدة ، والمنفعة بها عامَّة وكيدة ، فكيف يأمر بقتلها ؛ هذا بعيد من مقاصد الشرع ، فحديث ابن عمر أولى ، والله تعالى أعلم . قلت : والحاصل من هذه الأحاديث : أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين ، فإن كثر ضررها وغلب ، كان ذلك الأمر على الوجوب ، وإن قل وندر ، فأي كلب أضرَّ وجب قتله ، وما عداه جائز قتله ؛ لأنه سبع لا منفعة فيه ، وأقل درجاته توقع الترويع ، وأنه يُنقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين .
فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي : فقتله مندوب إليه . وأما الكلب الأسود ذو النقطتين : فلا بُدَّ من قتله للحديث المتقدِّم ، وقل ما ينتفع بمثل تلك الصفة ؛ لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض ، لا نفع فيه ، وإن كان على التشبيه به ، فإنما شبه به للمفسدة الحاصلة منه . فكيف يكون فيه منفعة؟! ولو قدرنا فيه : أنه ضار ، أو للماشية ، لقتل ؛ لنصّ النبي صلى الله عليه وسلم على قتله .