باب ترك قول من قال لا ربا إلا في النسيئة
( 30 ) باب ترك قول من قال : لا ربا إلا في النسيئة ( 1594 ) ( 100 ) [1687] عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا اللَّوْنَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ . قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعْرَ هَذَا كَذَا ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْبَيْتَ ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ ، فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَكَرِهَهُ .
ج٤ / ص٤٨٤( 30 ) ومن باب : ترك قول من قال : لا ربا إلا في النسيئة ( قول أبي نضرة : سألت ابن عمر ، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا ) يعني به : صرف الذهب بالذهب ، أو الفضة بالفضة . سألهما عن التفاضل بينهما ، فأفتياه بالجواز أخذًا منهما بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الربا في النسيئة ) فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر ، فكأنه قال : لا ربا إلا في النسيئة . وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاري ، وهو مقتضى قوله هنا : ( لا ربا فيما كان يدًا بيد ) فينتفي ربا الفضل .
وقد قدَّمنا : أن هذا الخلاف شاذٌّ ، متقدَّم ، مرجوع عنه ، كما قد نص عليه هنا من رجوع ابن عمر ، وابن عبَّاس عنه . وممن قال بقولهما من السَّلف : عبد الله بن الزبير ، وزيد بن أرقم ، وأسامة بن زيد . ولا شك في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة ، وأبي سعيد ، وغيرهما .
فإنَّها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل . ولَمَّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفية التخلص من ذلك على أوجهٍ ، أشبهها وجهان : أحدهما : أن حديث ابن عباس منسوخ بحديث عبادة وأبي سعيد ، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ نقلاً صريحًا ، وإنما أخذوه من رجوع ابن عباس عن ذلك ، ومن عمل الجمهور من الصحابة وغيرهم من علماء المدينة على خلاف ذلك . ج٤ / ص٤٨٥قلت : وهذا لا يدل على النسخ ، وإنما يدل على الأرجحية .
وثانيهما : إن قوله : ( لا ربا إلا في النسيئة ) . إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرَّمه الله بنص القرآن ، وتوعَّد عليه بالعقاب الشديد ، وجعل فاعله محاربًا لله ، وذلك بقوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ إلى آخر الآيات ، وما كانت العرب تعرف ربًا إلا ذلك ، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم : إما أن تقضي ، وإما أن تربي ؛ أي تزيد في الدَّين . وهذا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لما قال : ( ألا إن كل ربًا موضوع ، وإن أول ربًا أضعه ربانا ربا عباس ) .
وهذا كما تقول العرب : إنما المال الإبل ، وإنما الشجاع عليٌّ ، وإنما الكريم يوسف ابن نبي الله . ولا عالم في البلد إلا زيد . ومثله كثير .
يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل ، لا نفي الأصل . وهذا واضح . ومما يقرب فيه هذا التأويل جدًّا رواية من روى : ( لا ربا فيما كان يدًا بيد ) أي : لا ربا كثير أو عظيم ، كما قال : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) أي : لا صلاة كاملة .
قلت : ويظهر لي وجه آخر وهو حسن . وذلك : أن دلالة حديث ابن عباس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم ، ودلالة إثباته دلالة بالمنظوم . ودلالة المنظوم راجحة على دلالة المفهوم باتفاق النظار ، والحمد لله .
و( قول أبي سعيد : كان تمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اللون ) يشير به إلى أنه نوع ج٤ / ص٤٨٦رديء من التمر ، وهو الذي سُمِّي في الحديث المتقدم بالجمع . و( قوله : فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربًا ، أم الفضة بالفضة ؟ ) استدلال نظري ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحق . وهي أقوى طرق القياس .
ولذلك وافق على القول بها أكثر منكري القياس ، وقد بيَّنَّاه في الأصول ، وكأن أبا سعيد ـ رضي الله عنه ـ إنما عدل إلى هذه الطريقة لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة ، وفضالة المتقدِّمة . وهي أحق وأولى بالاستدلال بها على ذلك .