باب إقامة حكم الرجم على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة
) باب إقامة حكم الرجم على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة 1699 - ( 26 و 27 ) [1788] عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ ، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ قَالَوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا . قَالَ: فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَجَاؤوا بِهَا فَقَرَؤوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ - وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا ، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنْ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ .
وفي رواية : إن اليهود جاؤوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجل منهم وامرأة قد زنيا . وساقه بنحو ما تقدم . ( 8 ) ومن باب : إقامة الحدّ على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة ( قوله : إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتِي بيهودي ويهوديَّةٍ قد زنيا ) ، وفي الرواية الأخرى : ( إن اليهود جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل وامرأة قد زنيا ) ، وفي الثالثة : ( مرَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيهودي مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ ) هذه الروايات كلها متقاربة في المعنى ، ولا يعدُّ مثل هذا اضطرابًا ؛ لأن ذلك كلّه حكاية عن حال قضيَّة وقعت ، فعبَّر كلٌّ منهم بما تيسَّر له .
والكلُّ صحيحٌ إذ هي متواردة : على أنَّه حضر بين يديه - صلى الله عليه وسلم - يهودي زنى بيهوديةٍ ، وهو في موضعه . وفي كتاب أبي داود : أنَّه كان في المسجد . غير أنَّه قد جاء في كتاب أبي داود أيضًا من حديث ابن عمر ما يظهر منه تناقضٌ ، وذلك أنَّه قال : ( أَتَى نفرٌ من يهود فدعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القُفِّ ، فأتاهم في بيت الْمِدْرَاس .
فقالوا : يا أبا القاسم ! إن رجلًا مِنَّا زنى بامرأة فاحكم بينهم . وظاهر هذا : أنه مشى إليهم ، وأن ذلك لم يكن في مسجده ، بل في بيت دَرْسِهم . ويرتفع هذا التَّوهُم بحديث أبي هريرة الذي ذكره أبو داود أيضًا .
واستوفى هذه القصَّة ، وساقها سياقة حسنة فقال : زنى رجل من اليهود وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنَّه نبي بُعِثَ بالتخفِيفَات ، فإن أفتى بالفتيا دون الرَّجم قبلناها ، واحتججنا بها عند الله . وقلنا : فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتَوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه .
فقالوا : يا أبا القاسم ! ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا . فلم يُكلِّمْهُمُ النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب فقال : ( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ! ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ؟ ) قالوا : يُحَمَّم ، ويُجَبَّه ، ويُجْلَد - والتَّجْبيهُ : أن يحمل الزانيان على حمار ، وتقابل أقفيتهما ، ويطاف بهما - قال : وسكت شابٌّ منهم . فلمَّا رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت : أَلَظَّ به النُّشْدَةَ ، فقال : اللَّهم إِذْ نشدتنا ، فإنا نجد في التوراة الرَّجم .
وساق الحديث إلى أن قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فإني أحكم بما في التوراة ) ، فأمر بهما فرجما . فقد بيَّن في هذا الحديث : أن اليهود جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسجده ، ثمَّ بعد ذلك مشى معهم إلى بيت المدراس بعد أن سألوه عن ذلك ، على ما رواه ابن عمر . وذكر في هذا الحديث أيضًا السبب الحامل لهم على سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وعليه يدلُّ مساق قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ إلى آخر الآيات وما بعدها .
وذكر أبو داود أيضًا من حديث جابر ؛ فقال : جاءت اليهود برجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا ، فقال : ( ائتُوني بأعلم رجلين منكم ) ، فأتوا بابني صوريا ، فنشدهما : ( كيف تجدون في التوراة ؟ ) قالا : نجد في التوراة : إذا شهد أربعة : أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في الْمُكْحُلة ؛ رجما . وذكر الحديث . قال : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود ، فجاء أربعة فشهدوا : أنهم رأوا فرجه في فرجها مثل الْمِيل في المكحلة .
فأمر برجمهما . قلت : فالحاصل من هذه الروايات : أن اليهود حَكَّمَت النبي - صلى الله عليه وسلم - فَحَكَم عليهم بمقتضى ما في التوراة ، واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا . وأنَّه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأنَّه ليس الإسلام شرطًا في الإحصان .
وهذه مسائل يجب البحث عنها ، فلنشرع في ذلك مستعينين بالله . المسألة الأولى في التحكيم : فإذا ترافع أهل الذمَّة إلى الإمام ؛ فإن كان ما رفعوه ظلمًا ، كالقتل العدوان ، والغصب ؛ حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف . وأمَّا إن لم يكن كذلك ؛ فالإمام مخيَّر في الحكم بينهم ، وتركه عند مالك والشافعي ، غير أن مالكًا رأى الإعراض عنهم أولى ، فإن حكم حكم بحكم الإسلام ، غير أن الشافعي قال : لا يحكم بينهم في الحدود .
وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال . وهو قول الزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، والْحَكَم ، وروي عن ابن عبَّاس ، وهو أحد قولي الشافعي . والأولى ما صار إليه مالك لقوله تعالى : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وهو نصٌّ في التخيير .
ثم إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث حكم عليهم فعل أحد ما خيَّره الله تعالى فيه ، غير أنَّه يبقى على مالك أن يقال له : لِمَ قلتَ : إن الإعراض عنهم أولى مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بينهم ؟ ولا يُتخلص من ذلك بأن يقال : لأنهم يستهزئون بأحكام المسلمين ؛ لأنَّا نقول : إن أظهروا ذلك عاقبناهم ، وإن أخفوه ، فما يخفون من اعتقادهم تكذيب نبينا - صلى الله عليه وسلم - أكبر ، مع قطعنا بأنَّهم يعتقدون ذلك ، لكنا عاقدناهم على ذلك ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم منهم أنهم يهزؤون بديننا وأحكامنا ، ومع ذلك فحكم عليهم ، وأقرَّهم . ألا تسمع إلى قوله تعالى : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ؟ ! وأمَّا قول الشافعي : إنه لا يحكم بينهم في الحدود ؛ فمخالف لنصّ الحديث المذكور في الواقعة ، فلا يعول عليه . وقد تأوَّل الشافعي حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليهود بالرجم بأن ذلك منه كان إقامة لحكم كتابهم لَمَّا حرفوه ، وأخفوه ، وتركوا العمل به .
ألا ترى أنَّه قال - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم ! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) . وأيضًا : فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بعد نزل عليه حكم الزاني ، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث : أن ذلك كان حين قدم المدينة ، وأيضًا : فلأنه - صلى الله عليه وسلم - قد استثبت ابني صُوريا عن حكم التوراة ، واستحلفهما على ذلك . وأقوال الكُفَّار في الحدود وفي شهاداتهم عليها غير مقبولة بالإجماع ، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به .
وقد قال هذا كله بعض أصحابنا . وهذا البحث هو المسألة الثانية . والجواب عنه أن نقول : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - حكم بما علم أنَّه حقٌّ من التوراة ، وأنه حكم الله ، ولولا ذلك لما أقدم على قتل من ثبت أن له عهدًا .
ثمَّ لا يلزم أن يكون طريق حصول العلم بذلك له قول ابني صوريا ، بل الوحي ، أو ما ألقى الله تعالى في روعه من تعيين صدقهما فيما قالاه من ذلك . ولا نسلِّم : أن حكم الرَّجم لم يكن مشروعًا له قبل ذلك ، فإنَّها دعوى تحتاج إلى إثباتها بالنقل . سلمنا ذلك ، لكنا نقول : من ذلك الوقت بيان مشروعية الرَّجم ومبدؤه ، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة ، وبيان أن ذلك حكم شريعته ، وأن التوراة يحكم بما صحَّ وثبت فيها أنَّه حكم الله .
وعلى هذا يدلُّ قوله تعالى : إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وهو نبي من الأنبياء . وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ) على ما ذكره أبو داود . وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول .
المسألة الثالثة في شهادة أهل الذمَّة : فالجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم ، ولا على كافر ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد شرط في الشهادة العدالة . والكافر ليس بعدل ؛ ولأن الفاسق المسلم مردود الشهادة بالنص ، فالكافر أولى ؛ ولأن العبد المسلم مسلوب أهلية الشهادة للكفر الأصلي الذي كان سبب رقِّه . فالكفر الحاصل في الحال أولى بأن يكون مانعًا ، ولا فرق بين الحدود وغيرها ، ولا بين السفر والحضر .
وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين ، وأهل الظاهر إذا لم يوجد مسلم ؛ تمسُّكًا بما ذكرناه من حديث أبي داود المتقدم . وقال أحمد بن حنبل : تجوز شهادة أهل الذمَّة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين تمسُّكًا في ذلك بما جاء في كتاب أبي داود عن الشعبي : أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء هذه ، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهد على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعري ، فأخبراه ، وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحلفهما بعد العصر بالله : ما كذبا ، ولا خانا ، فأمضى شهادتهما . ولا حجة فيه ؛ لأنَّه مرسل وموقوف .
ولو صحَّ ؛ فلم يحكم بمجرد شهادتهما حتى ضم إليها يمينهما ، والشاهد لا يستحلف . وإنَّما كان هذا من أبي موسى عملًا بما [تُفِيدُه القرائن] . والله تعالى أعلم .
فأمَّا أخْبَار أهل الكفر فيما لا يُعْرَف إلا من جهتهم ، كإخبارهم عن ذبائحهم ، ونسائهم ، وأحكامهم ، وأقوال أطِبَّائهم ، فتُسْمَع إذا احتيج إلى ذلك لضرورة الحال ، وهي أخبار لا شهادات . والله تعالى أعلم . ويُعْتَذَر للجمهور عن رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - الزانيين عند شهادة اليهود : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفَّذ عليهم ما علم أنَّه حكم التوراة ، وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزامًا للحجَّة عليهم ، وإظهارًا لتحريفهم وتغييرهم ، فكان منفِّذًا لا حاكمًا .
وهذا يمشي على تأويل الشافعي المتقدم . وأمَّا على ما قرَّرناه من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حاكمًا في القضيَّة بحكم الله ، فيكون العذر عن سماع شهادة اليهود : أن ذلك كان خاصًّا بتلك الواقعة ؛ إذ لم تسمع في الصدر الأول شهاداتهم في مثل ذلك . والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة : وهي أن هذا الحديث يدلُّ على أن ليس شرطًا في الإحصان . فإنه - صلى الله عليه وسلم - رجم اليهوديين ، ولو كانا شرطًا لما رجمهما . وبهذا قال الزهري ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد .
وقالت طائفة أخرى : إنَّه من شروط الإحصان . وبه قال مالك ، والشافعي - في أحد قوليه - متمسكين بأن الشرع إنَّما حكم برجم الحرِّ ، المسلم ، الثيب ، إذا زنى ؛ لعلو منصبه ، وشرفيته بالحرية والإسلام ؛ بدليل : أن العبد لا يرجم ، وينصف عليه الحدّ لخسَّة قدره . والكافر أخس من العبد المسلم ، فكان أولى بألا يرجم ، ولأن من شرط الإحصان صحة النكاح ، وأنكحة الكفار فاسدة ، فلا يصح فيهم الإحصان لعدم شرطه ، واستيفاء مباحثها في الخلاف .
ويُعتذر لمالك ، ولمن قال بقوله بما تقدم ، وبما رواه عيسى عن ابن القاسم أنَّه قال : إن اليهوديين المرجومين لم يكونا أهل ذِمَّة ، وإنَّما كانا أهل حرب ، كما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل فدك وخيبر ، وكانوا حربًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . واسم المرأة الزانية : بُسرة . وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا لهم : سلوا محمدًا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرَّجم فخذوا به ، وإن أفتى بالرَّجم فاحذروا .
قلت : وهذا الاعتذار يحتاج إلى أن يعتذر عنه . وسبب ذلك بعد تسليم صحة الحديث : أن مَجِيئهم سائلين يوجب عهدًا لهم ، كما إذا جاؤونا ، ودخلوا بلادنا لغرضٍ مقصود : من تجارة ، أو رسالة ، أو ما أشبه ذلك . فإن ذلك يوجب لهم أمانًا ، فإمَّا أن يقضى غرضهم ، أو يُرَدُّوا إلى مأمنهم ، ولا يحل قتلهم ، ولا أخذ مالهم .
قاله القاضي أبو بكر بن العربي . المسألة الخامسة : قد يحتجُّ بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحدّ على زناة أهل الذمِّة وإن لم يتحاكموا إلينا ، وهو قول أبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي . وقد روي عن ابن عباس .
وقال مالك : لا يعرض لهم الإمام ، ويردُّهم إلى أهل دينهم إلا أن يظهر منهم ذلك بين يدي المسلمين ؛ فيمنعوا من ذلك . ولا حجَّة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث ، لما قدَّمناه من أنهم حكَّموا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، فحكم بأحد ما خيَّره الله تعالى فيه على ما تقدَّم . الغريب : الْحُمَم : الفَحْم ، واحدته : حُمَمَة .
والْمُحمَّمُ : المسوَّد . وروى العذري ، والسمرقندي : نُسَوِّد وجوههما ونُحمِّمهُما . ورواه السَّجزي : نُجْمِلْهُما - بنون مضمومة ، وجيم - ؛ بمعنى : نحملهما على جمل ، ويطاف بهم .
ورواها الطبري : نَحْمِلهما - بنون مفتوحة ، وحاء مهملة - من الحمل . وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذري ، لأن فيها تكرارًا . فإن قوله : نسوِّدهما .
هو بمعنى : نُحَمِّمهُما . وقد تقدم ذكر ( التَّجبيه ) ، وقد تقدم أن هذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود ، وابتدعوه ، وجعلوه عوضًا عن حكم الرَّجم ، ولذلك لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام في الزنى ، وإنَّما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور ، فرأى أن يحمم وجهه ، ويجلد ، ويحلق رأسه ، ويطاف به . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب .
وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة . ولم يره مالك . و( قوله : فأتوا بالتوراة ) دليل على جواز المطالبة بإقامة الحجج على الأحكام .
و( قوله : فلقد رأيته يقيها الحجارةَ بنفسه ) هذا يدلُّ على أنهما لم يُحفر لهما ، ولا رُبِطا . وقد تقدَّم القولُ في ذلك . وقد وقع هذا اللفظُ في الموطأ : فرأيتُ الرَّجلَ يحني على المرأة ، يقيها الحجارة .
رويناه : ( يَحْنِي ) بياء مفتوحةٍ ، وبحاء مهملة ، من الْحنُوِّ ، وهو الصواب . ورويناه : ( ( يَجْنِي ) بالجيم من غير همزٍ ، وليست بصوابٍ . وحكى بعضُ مشايخنا : أن صوابها : ( يَجْنَأ ) بفتح الياء والجيم وهمزة ، وحكاها عن أبي عبيد ، وأظنه : القاسم بن سلام .
والذي رأيته في الغريبين لأبي عبيد الهروي : قال : ( فجعل الرَّجل يُجْنِئ عليها ) ، بياء مضمومة وهمزةٍ . قال : أي : يكبُّ عليها . يقال : أجنأ عليه ، يُجنئ ، إجناءً : إذا أكبَّ عليه يقيه شيئًا .
قال : وفي حديثٍ آخر : فلقد رأيته يُجانئ عليها يقيها الحجارة بنفسه . هذا نصُّه . وفي الصِّحاح : جنأ الرَّجل على الشيء ، وجانأ عليه ، وتجانأ عليه : إذا أكبَّ عليه .
قال الشاعر : أغَاضِرُ لَوْ شهدتِ غَداةَ بِنْتُم جُنُوءَ العَائِداتِ على وِسَادِي ورجلٌ أجنأُ : بيِّن الْجَنَاء ؛ أي : أحدب الظهر . والْمُجنأُ - بالضم - : الترس . قلت : ويحصل من مجموع حكاية أبي عبيد وصاحب الصِّحاح : أنَّه يُقال : جنأَ - مهموزًا ثلاثيًّا ورباعيًّا - .