1707- ( 38 ) [1795] وعن حُضَيْن بْن الْمُنْذِرِ أَبي سَاسَانَ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ ؟ قال : فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ - أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ - : أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ . و ( قوله في الأم : عبد الله الدَّاناج ) بالجيم . ويقال : الدَّاناء . بهمزة مكان الجيم . ويقال بهاء . وهو بالفارسية : العالم . ( عن حُضَيْن ) بالحاء المهملة ، والضاد المعجمة : تصغير ( حُضن ) وهو ما دون الإبط إلى الكشح . وحضن الشيء : جانبه . ونواحي كل شيء : أحضانه . و( الوليد ) هو ابن عقبة بن أبي مُعيط ، ظهر عليه أنَّه شرب الخمر ، فَكُثِّرَ على عثمان فيه ، فلما شهد عنده بأنَّه شربها أقام عليه الحدّ كما ذكر . و( قوله : فشهد حمران : أنَّه شربها ، وشهد آخر : أنَّه رآه يتقيَّأ ) : فيه من الفقه : تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنى واحد ، فإن أحدهما شهد برؤية الشرب . والآخر بما يستلزم الشرب ، ولذلك قال عثمان : إنَّه لم يتقيَّأ حتى شربها . غير أنَّه قد ذكر الْحُمَيْدِي محمد بن نصر في حديث عمر حين شهد عنده الجارود : بأن قدامة شرب الخمر ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال : علام تشهد ؟ فقال : لم أره حين شرب ! وقد رأيته سكران يقيء . فقال عمر : لقد تنطَّعتَ يا أبا هريرة في الشهادة ! فلمَّا استحضر قُدامة أنكر . فقال أبو هريرة : يا أمير المؤمنين ! إن كنت تشك في شهادتنا فَسَلْ بنت الوليد امرأة ابن مظعون . فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله . فأقامت هند على زوجها الشهادة ، فجلده . فظاهر هذا : أن عمر لم يسمع شهادة أبي هريرة لما قال له : إنَّه لم يره يشرب ، وإنَّما رآه يتقيَّأ . والجواب : أن عمر إنَّما توقف في شهادة أبي هريرة ؛ لأنَّ أبا هريرة سلك في أداء الشهادة مسلك من يُخبر بتفصيل قرائن الأحوال التي أفادته العلم بالمشهود فيه ، ومهما شرع الشاهد في تفصيل ذلك وحكايته لم يحصل لسامع الشهادة الجزم بصحتها ؛ لأنَّ قرائن الأحوال لا تنضبط بالحكاية عنها ، وإنما حق الشاهد أن يعرض عنها ، ويُقْدِم على الأداء إقدام الجازم المخبر عن علم حاصل ، فكان توقف عمر لذلك . ثمَّ إن أبا هريرة لما جزم في الشهادة سمعها عمر وحكم بها ، لكنه استظهر بقول هند على عادته في الاستظهار في الشهادات والإخبار ، ولا يظن به أنه ردَّ شهادة أبي هريرة ، وقبل شهادة امرأة في الحدود ، إلا من هو عن المعارف مصدود . و( قول عثمان لعلي : قم يا علي فاجلده ) دليل على أن الحدَّ إنَّما ينبغي أن يقيمه بين أيدي الخلفاء والحكام فضلاء الناس ، وخيارهم . وكذلك كانت الصحابة تفعل كلَّما وقع لهم شيء من ذلك . وسبب ذلك : أنَّه قيامٌ بقاعدةٍ شرعية ، وقُربة تعبديِّة تجب المحافظة على فعلها ، وقدْرها ، ومحلِّها ، وحالها ، بحيث لا يُتَعَدَّى شيء من شروطها ، ولا أحكامها . ولذلك يجب عند جميع العلماء أن يختار لها أهل الفضل ، والعدل ؛ إذا أمكن ذلك مخافة التعدِّي في الحدود . وقد وقع في زماننا من جلد في الخمر ثمانين ، فتعدَّى عليه الضاربُ ، فقتله بها ، وحُرْمةُ دم المسلم عظيمة ، فتجب مراعاتها بكل ممكن . و( قول علي : قم يا حسن فاجلده ! ) دليل على أن من استنابه الإمام في أمر فله أن يستنيب من يتنزل منزلته في ذلك الأمر . و( قول حسن : ولِّ حارَّها من تولى قارَّها ) . هذا مثل من أمثال العرب . قال الأصمعي : معناه : وَلِّ شدَّتها من تولى هنيئها . والقارُّ : البارد . ويعني الحسن بهذا : ولِّ شدة إقامة الحدّ من تولى إمرة المسلمين ، وتناول حلاوة ذلك . و( قوله : فكأنه وجد عليه ) أي : غضب عليه لأجل توقفه فيما أمره به ، وتعريضه بالأمراء . و( قوله : فقال : يا عبد الله ! قم فاجلده ) يحتمل أن يكون الآمر لعبد الله عليًّا ، فكأنه أعرض عن الحسن لَمَّا توقف . ويحتمل أن يكون الحسن استناب عبد الله فيما أمره به علي طلبًا لرضا علي . والله تعالى أعلم . و( قوله : فجلده وعلي يعدُّ حتى بلغ أربعين ، فقال : أمسك ) ظاهر هذا : أنَّه لم يزد على الأربعين . وفي البخاري من حديث المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وذكر هذا الحديث طويلًا ، وقال في آخره : إن عليًّا جلد الوليد ثمانين . وهذا تعارض ، غير أن حديث حضين أولى ، لأنَّه مفصل في مقصوده ، حسنٌ في مساقه ، وساقه رواية مساق الْمُتثبِّت . والأقرب أن بعض الرواة وَهِمَ في حديث المسور ، فوضع ( ثمانين ) مكان ( أربعين ) . و( قول علي : جلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين . وأبو بكر أربعين ، وكل سُنَّة ) دليل واضح على اعتقاد علي - رضي الله عنه - صحة إمامة الخليفتين أبي بكر ، وعمر ، وأن حكمهما يقال عليه : سُنَّة ؛ خلافًا للرافضة والشيعة ، وهو أعظم حُجَّة عليهم ؛ لأنَّه قول متبوعهم ؛ الذي يتعصبون له ، ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه . وكيف لا تكون أقوال أبي بكر وعمر وأفعالهما سنة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر )؟ ! . و( قوله : وهذا أحبُّ إلي ) ظاهره : أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك عليها . وقد روي : أن المعروف من مذهبه الثمانون . فيكون له في ذلك القولان ، لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر . وحاصل هذا الاختلاف في الأحاديث ، وبين الصحابة راجع إلى أنه لم يتقدَّر في الخمر حدٌّ محدود . وإنما كان الأدب والتعزير ، لكن استقر الأمر : أن أقصى ما بلغ فيه إلى الثمانين ، فلا يزاد عليها بوجه . وقد نصَّ على هذا المعنى السائب بن يزيد فيما خرَّجه البخاري قال : كنَّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإِمرة أبي بكر ، وصدرًا من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ، ونعالنا ، وأرديتنا ، حتى كان آخر إمرة عمر ، فجلد أربعين ، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جلد ثمانين . وعلى هذا : فلا ينبغي أن يعدل عن الثمانين ؛ لأنَّه الذي استقرَّ عليه آخر أمر الصحابة أجمعين .
المصدر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-44/h/406076
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة