1726 - [1822] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ . وفي رواية : ( فينتثل ) بدل : ( فينتقل ) . و( قوله : لا يحلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه ) إنَّما كان هذا لأن أصل الأملاك بقاؤها على ملك مُلاَّكِها ، وتحريمها على غيرهم ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم ، عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ) ، وكما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) ، إلى غير ذلك . وهذا أصل ضروري معلومٌ من الشرائع كلها . وإنما خصَّ اللَّبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله ، ولا فرق بين اللَّبن والثمرة وغيرها في ذلك ، غير أن العلماء قد اختلفوا فيهما . فذهب الجمهور : إلى أنَّه لا يحل شيء من لبن الماشية ، ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه به ، تمسُّكًا بالأصل المذكور ، وبهذا الحديث . وذهب بعض المحدثين : إلى أن ذلك يحل وإن لم يُعلم حال صاحبه ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ جعله الشرع له ، تمسُّكًا بما رواه أبو داود عن الحسن ، عن سمرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية ؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له ، فليحتلب ، وليشرب ، وإن لم يكن فيها فليصوِّت ثلاثًا ؛ فإن أجابه فليستأذنه ، فإن أذن له ، وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ) . وذكره الترمذي عن يحيى بن سليم ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من دخل حائطًا فليأكل ، ولا يتخذ خبنة ) . قال : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سُليم . وذكر من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الثمر المعلَّق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ) . قال فيه : حديث حسن . قلت : ولا حجَّة في شيء من هذه الأحاديث لأوجه : أحدها : أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى . وثانيها : أن حديث النهي أصحُّ سندًا ، فهو أرجح . وثالثها : أن ذلك محمولٌ على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها . ورابعها : أن ذلك محمول على أوقات المجاعة والضرورة ، كما كان ذلك في أول الإسلام . والله تعالى أعلم . فرع : لو اضطر فلم يجد ميتة ؛ وجب عليه إحياء رمقه من مال الغير . وهل يلزمه قيمة ما أكل أم لا ؟ قولان في المذهب ، والجمهور على وجوبها عليه إذا أمكنه ذلك ، فإن وجد ميتة وطعامًا للغير ؛ فإن أمن على نفسه من القطع والضرر أكل الطعام ويغرم قيمته . وقيل : لا يغرم . وإن لم يأمن على نفسه أكل الميتة ، قاله مالك . غير أنه قد جرت عادة بعض الناس بالمسامحة في أكل بعض الثمر ، كما قد اتفق في بعض بلادنا ، وفي شرب بعض لبن الماشية ، كما كان ذلك في أهل الحجاز ، فيكون استمرار العادة بذلك وترك النكير فيه دليلًا على إباحة ذلك ، ولذلك شرب النبي - صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - رضي الله عنه - من لبن غنم الراعي في طريق الهجرة ، ويمكن أن تُحمل الأحاديث المتقدمة على العادة الجارية عندهم في اللبن والثمرة . و( قوله : أيحبُّ أحدكم أن تؤتى مشربته ، فتكسر خزانته ، فينتقل طعامه ) . المشربة : سقيفة يختزن فيها الطعام . وقيل : هي كالغرفة ، وتقال بضم الراء وفتحها . فيه من الفقه : استعمال القياس ، وإباحة خزن الطعام واحتكاره إلى وقت الحاجة ، خلافًا لغلاة المتزهدة القائلة : لا يجوز الادِّخار مطلقًا . و( يُنتقل طعامُه ) معناه : يؤخذ وينقل إلى موضع آخر . وهو معنى : ( يُنْتَثَل ) في الرواية الأخرى ، إلا أنَّ النَّثْل : النثر بمرةٍ واحدة . يقال : نَثَلَ ما في كنانته ؛ أي : صبَّها . و( قوله : فإنما تُخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم ) ظاهر تشبيه ضرع الماشية بالخزانة يقتضي : أن من حلب ماشية أحد في خفية ، وكان قيمة ما حلب نصابًا قُطِعَ ، كما يُقطع مَنْ أخذه من خزانته ، فيكون ضرع الماشية حرزًا . وقد قال به بعض العلماء . فأمَّا مالك : فلم يقل به ، إلا إذا كانت الغنم في حرز . وفيه من الفقه : تسمية اللَّبن طعامًا . فمن حلف ألا يأكل طعامًا ؛ فشرب لبنًا ؛ حنث ، إلا أن يكون له نيَّةٌ في نوع من الأطعمة . وفيه حجَّة لمن منع بيع الشاة اللبون باللَّبن إذا كان في ضرعها لبن حاضر . وهو مذهب مالك والشافعي . فإن لم يكن فيها لبن حاضر أجازه مالك نقدًا ، ومنعه إلى أجل . واختلف أصحابه ، فحمله جلُّتهم على عمومه . وقال بعضهم : إنَّما هذا إذا قدَّم الشاة ، فلو كانت هي المؤخرة جاز ، وأجاز بيعها بالطعام نقدًا ، وإلى أجل . وأجاز الأوزاعي شراءها باللبن وإن كان في ضرعها لبن . ورآه لغوًا وتابعًا . ولم يجز الشافعي ولا أبو حنيفة بيعها بطعام إلى أجلٍ .
المصدر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-44/h/406113
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة