باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها
) باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها 48 - في اللقطة ( 14 ) [1823] عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ الخزاعي أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ . قَالَوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ! قَالَ: يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ .
( 11 ) ومن باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها قوله : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ) قد تقدم القول في حكم الضيافة ، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب ، لأنَّها من مكارم الأخلاق ، إلا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة ، فتجب حينئذ . وقد أفاد هذا الحديث : أنها من أخلاق المؤمنين ، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها ، لما يحصل عليها من الثواب في الآخرة ، ولما يترتب عليها في الدنيا من إظهار العمل بمكارم الأخلاق ، وحُسن الأحدوثة الطيبة ، وطيب الثناء ، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر ، المحتاج إلى ما يخفف عليه ما هو فيه من المشقَّة ، والحاجة . ولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف .
وعادة مستمرة فيهم ، حتى إنَّ من تركها يُذَمُّ عُرْفًا ، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة ، فنحن وإن لم نقل : إنَّها واجبة شرعًا فهي متعيِّنة لما يحصل منها من المصالح ، ويندفع بها من المضار عادة وعُرفًا . و( الجائزة ) : العطية . يقال : أجزته جائزة ، كما تقول : أعطيته عطية .
و( جائزته ) هنا منصوبة ، إما على إسقاط لفظ حرف الجر ، فكأنه قال : فليكرم ضيفه بجائزته . وإما بأن يُشْرِبَ ( فليكرم ) معنى : ( فليُعط ) ، فيكون مفعولا ثانيًا لـ ( يكرم ) . و( قوله : وما جائزته ؟ ) استفهام عن مقدار الجائزة ، لا عن حقيقتها ، ولذلك أجابهم بقوله : ( يومه وليلته ) أي : القيام بكرامته في يومه وليلته ؛ أي : أقل ما يكون هذا القدر ، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد .
و( قوله بعد ذلك : والضيافة ثلاثة أيام ) يعني بها بالكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال ، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقه ذمٌّ بالمقام فيها ؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك . وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله ، وداخل في باب : إدخال المشقات والكُلَف على الْمُضيِّف ، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة . وهو المعني بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه ) أي : حتى يشق عليه ، ويثقل ، لا سيما مع رقة الحال ، وكثرة الكلف .