باب الأمر بالمواساة بالفضل وجمع الأزواد إذا قلت
[1827] وعن إِيَاس بْن سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ ، حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ دوابنا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَمَعْنَا أزَوَادَنَا، فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا ، فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ، قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزِرَهُ كَمْ هُوَ، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟ . قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ ، وفِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ ، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً، أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً . قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَرِغَ الْوَضُوءُ .
و( قوله : فجمعنا أزوادنا ) : هذه الرواية الواضحة المحفوظة . وقد وقع لبعضهم : ( تزوادنا ) بالتاء باثنتين من فوقها ، بفتح التاء وكسرها ، وهو اسم من الزاد ؛ كالتِّسيار ، والتمثال . ووقع لبعضهم : ( مزاودنا ) ، والأول أوجه ، وأصح .
و( قوله : فحزرته كربضة العَنْز ) أي : قدرته مثل جُثَّة العنز ، فحقُّه على هذا أن يكون مضموم الراء ؛ لأنَّه اسم . وكذلك حفظي عمَّن أثق به . فيكون : كـ ( ظلمة ) و( غرفة ) .
وقد روي بكسر الراء ، ذهب فيه مذهب الهيئات ، كـ( الجلسة ) ، و( المشية ) . وقد روي بفتح الراء ، وهي أبعدُها ؛ لأنَّه حينئذ يكون مصدرًا ، ولا يُحْزَر المصدر ، ولا يُقدَّر . و( النُّطْفة ) : القطرة ، ومراده بها هنا : القليل من الماء .
يقال : نطف الماء ينطف ؛ أي : قطر . و( ندغفقه دغفقة ) أي : نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا . و( الْجُرُبُ ) : جمع جراب ، وهي الأوعية التي يجعل فيها الزاد .
وتسمى أيضًا : مزاوِد . وهذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام والشراب . وقد وقع ذلك منه مرات كثيرة .
وروي من طرق عديدة ، ووقع منه في جموع كثيرة ، ومشاهد عظيمة ؛ فهي من معجزاته المتواترة ، وكراماته المتظاهرة ، وقد بيَّنَّا ذلك في كتابنا في الردِّ على النصارى .