باب تحريم الخمر
[1862] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ : الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا ، فَهَرَقْتُهَا، فَقَالَوا: أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ و( قول أنس : وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر ) الفضيخ : هو أن يفضخ البسر ، ويصبُّ عليه الماء حتَّى يغلي . قاله الحربي . وقال أبو عبيد : هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسَّه نار ، فإنَّ كان معه تمر فهو خليط .
قلت : وعلى هذا يدلّ قوله في أوَّل الرواية الأخرى : ( وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر ) . وهذه الأحاديث على كثرتها تبطل مذهب أبي حنيفة ، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب . وما كان من غيره لا يُسمَّى خمرًا ، ولا يتناوله اسم الخمر ، وإنما يُسمى نبيذًا .
وهذا مخالف للُّغة ، والسُّنَّة . ألا ترى : أنه لما نزل تحريم الخمر فهمت الصحابة جميعهم من ذلك تحريم كل ما يُسكر نوعه ؟ فسَوَّوا في التحريم بين المعتصر من العنب وغيره ، ولم يتوقفوا في ذلك ، ولا سألوا عنه ؛ لأنَّهم لم يشكل عليهم شيء من ذلك ، فإنَّ اللِّسان لسانهم ، والقرآن نزل بلغتهم . ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ ، أو توهُّم ، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ، ويسألوا ، لا سيما وكان النبيذ عندهم مالًا محترمًا منهيًّا عن إضاعته قبل التحريم ، فلما فهموا التحريم نصًّا ترجَّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ .
ثم كان هذا من جميعهم من غير خلاف من أحد منهم ، فصار القائل بالتَّفريق سالكًا غير سبيلهم . ثم إنَّه قد ثبتت أحاديث نصوصٌ في التسوية بين تلك الأشياء ، وأن كلَّ ذلك خمر على ما يأتي بعد هذا . وقد خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناس فقال : ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل ، وهي من خمسة أشياء : من الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، والعسل .
والخمر : ما خامر العقل . وهذه الخطبة بمحضر الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل اللسان ، ولم ينكر ذلك عليه أحد ، وهو الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه . وإذا ثبت أن كل ذلك يقال عليه : خمر ؛ فيلزمه تحريم قليله وكثيره ، ولا يحل شيء منه تمسُّكًا بتحريم مُسمَّى الخمر ، ولا مخصص ، ولا مفصل يصحّ في ذلك .
بل قد وردت الأحاديث الصحيحة والحسان بالنص على : أنَّ ما حَرُمَ كثيره حَرُمَ قليله . روى الترمذي من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) . قال : هذا حديث حسن غريب .
وروى أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( كلُّ مسكر حرام ، وما أسكر منه الفَرَق ، فملء الكفِّ منه حرام ) . وإسناده صحيح . وأمَّا الأحاديث التي تمسك بها المخالف ؛ فلا يصح شيء منها على ما قد بيَّن عللها المحدِّثون في كتبهم ، وليس في الصحاح شيء منها ، ثم العجب من المخالفين في هذه المسألة ؛ فإنَّهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره ، وهو مُجمع عليه ، فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر ، وليس مُذهبًا للعقل ؟ فلا بدَّ أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير ، أو للتَّعَبُّد ، فحينئذ يقال لهم : كل ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ .
فيحرم أيضًا ؛ إذ لا فارق بينهما . إلا مجرَّد الاسم إذا سُلّم ذلك . القياس أرفع أنواع القياس ؛ لأنَّ الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه .
وهذا كما نقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق . ثم العجب من أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه ، فإنَّهم يتوغلون في القياس ، ويرجحونه على أخبار الآحاد ، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسُّنة ، وإجماع صدر الأمَّة . تفصيل : ذهب جمهور العلماء من السَّلف ، وغيرهم : إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه ، قليلًا كان أو كثيرًا ، نَيِّئًا كان أو مطبوخًا ، ولا فرق بين المستخرج من العنب ، أو غيره كما قررناه .
وأن من شرب شيئًا من ذلك حُدَّ . فأمَّا المستخرج من العنب المسكر النِّيء : فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم كثيره وقليله ، ولو النُّقطة منه . وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه على ما ذكرناه .
وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر . وهو الذي لا يبلغ الإسكار . وفي المطبوخ من المستخرج من العنب : فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب ، ونقيع الزبيب النَّيِّء ، وأما المطبوخ منهما والنَّيِّء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار .
وذهب أبو حنيفة إلى قصر التَّحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل . فيرى : أنَّ سُلافَةَ العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثُلثاها . وأمَّا نقيع الزبيب والتمر : فيحل مطبوخهما ، وإن مسَّته النار مسًّا قليلًا من غير اعتبار بحدٍّ .
وأما النَّيِّء منه فحرام ، ولكنه مع تحريمه إيَّاه لا يوجب الحدَّ فيه . وهذا كله ما لم يقع الإسكار ، فإنَّ وقع الإسكار استوى الجميع . هذه حكاية الإمام أبي عبد الله .
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور على ما قررناه ، والحمد لله . وفي حديث أنس هذا أبواب من الفقه . منها : أن الواحد كان معمولًا به عندهم ، معلومًا لهم ، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المخبر ، بل بادروا إلى إتلاف الخمر ، والامتناع مما كان مباحًا لهم .
ومنها : أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل منزلة سماع قوله . ومنها : أن المحَّرم الأكل أو الشُّرب لا ينتفع به في شيء من الأشياء ، لا من بيع ، ولا من غيره . وفيه : كسر أواني الخمر .
وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها ؛ لما داخلها من الخمر ، ولعسر غسلها ، وفي الأخرى : إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها . وعلى هذا : فإذا كانت الأواني مضرَّاة في الخمر لا ينتفع بها لشيء من الأشياء ؛ تكسر على كل حال ، ولذلك شدَّد مالك في الزقاق ، فإنَّ تَعَلَّق الرائحة بها عَسر الانفكاك ، بل لا ينفك .