1961 - ( 5 ) [1958] وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعِدْ نُسُكًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَقَالَ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . و( قوله : إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه ) قال القاضي : هكذا رويناه بالهاء والكاف من طريق الفارسي ، والسجزي ، وكذا ذكره الترمذي ، ورويناه من طريق العذري : ( مقروم ) بالقاف والميم . قلت : وهذه الرواية هي الصواب الواضح . ومعناها : أن اللحم في هذا اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها . يقال : قَرِمْتُ إلى اللحم ، وقَرِمْتُه : إذا اشتهيته ، أَقْرُمُ قرمًا . وأما رواية مكروه : ففيها بُعْد . وقد تكلَّف لها بعضهم ما لا يصحّ رواية ولا معنى ، فقال : صوابه : اللَّحم - بفتح الحاء - قال : ومعناه : أن يترك أهله بلا لحم حتى يشتهوه . و( اللَّحم ) -بالفتح - : شهوة اللحم . فانظر مع هذا التكلُّف القبيح كيف لا يظهر منه معنى صحيح . وقال آخر : معنى : ( اللحم فيه مكروه ) أي : لمخالفته السنة ، كما قال في الحديث الآخر : ( شاتك شاة لحم ) . قلت : وهذا من قول من لم يتأمل مساق الحديث ، فإنَّ هذا التأويل ليس ملائمًا له ، ولا موافقًا لمعناه ؛ إذ لا يستقيم أن يقول : إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة ، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي . وهذا فاسد . وأقرب ما يتكلّف لهذه الرواية وأنسبه : أن يقال : إن معناه : اللحم فيه مكروه التأخير . فحذف التأخير ، وهو يريده . ويشهد لهذا قوله بعده متصلًا به : ( وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني ) . وهذا مناسب لما قدَّرناه من المحذوف . والله تعالى أعلم . و( قوله : هي خير نسيكتيك ) سَمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكة بحسب توهُّم الذابح وزعمه ، وذلك : أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيَّة النسك ، وبعد ذلك بيَّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنها ليست نسكًا شرعًا ؛ لما قال : ( من ذبح قبل الصلاة ، فإنما هو لحم عجله لأهله ، ليس من النُّسك في شيء ) . وقول عقبة : ( قسم فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحايا فأصابني جذع ، فقلت : يا رسول الله ! أصابني جذع ، فقال : ضحِّ به ) . وفي الرواية الأخرى : ( عَتُود ) هذه الرواية تدلُّ على أن الجذع المذكور في حديث عقبة هو من المعز ، فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسم لما رعى وقَوِي من أولاد المعز ، وأتى عليه حول . هذا هو المعروف في اللغة ، وعلى هذا : فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث أبي بردة ، ولذلك قال علماؤنا : إن حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة ، ودلَّ على هذا : ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من المعز . قلت : ويمكن في حديث عقبة تأويلان ، ولا يصار فيه إلى النَّسخ : أحدهما : أن الجذع المذكور فيه : هو من الضأن ، وأطلق عليه العَتُود ؛ لأنَّه في سِنِّه وقوته ، ولا يستنكر هذا ، فمن المعلوم : أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب ، أو شبه . وثانيهما : أن العَتُود وإن كان من المعز ، فقد يقال على ما خرج من السنة الأولى ، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما . وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة : أن العتود : الجدي الذي بلغ السِّفَاد . قال ابن الأعرابي : المعز ، والإبل ، والبقر : لا تضرب فحولها إلا بعد أن تثني ، فإذا صحَّ هذا ارتفع التعارض ، وصحَّ الجمع بين الحديثين ، والجمع أولى من الترجيح ، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع . وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية ، وأن الإمام ينبغي أن يفرِّق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين .
المصدر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-44/h/406265
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة