باب ما يكره أن يسمى به الرقيق
( 3 ) باب ما يكره أن يسمى به الرقيق ( 2136 ) ( 11 ) - [2048] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ ، وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا ، وَلَا رَبَاحًا ، وَلَا نَجِيحًا ، وَلَا أَفْلَحَ ، فَإِنَّكَ تَقُولُ : أَثَمَّ هُوَ ؟ فَلَا يَكُونُ ، فَيَقُولُ : لَا . إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ . وفي رواية : نافعا بدل نجيحا .
( 3 ) ومن باب : ما يكره أن يُسمَّى به الرقيق قوله : ( أحبُّ الكلام إلى الله أربع ) أي : أحقه قبولًا ، وأكثره ثوابًا ، ويعني بالكلام : المتضمن للأذكار ، والدعاء ، والقرب من الكلام ، وإنَّما كانت هذه الكلمات كذلك ؛ لأنَّها تضمَّنت تنزيهه عن كل ما يستحيل عليه ، ووصفه بكل ما يجب له من أوصاف كماله ، وانفراده بوحدانيته ، واختصاصه بعظمته وقدمه المفهومين من أكبريته . ولتفصيل هذه الجمل علمٌ آخر . و ( قوله : لا يضرُّك بأيهنَّ بدأت ) يعني : أن تقديم بعض هذه الكلمات على بعض لا ينقص ثوابها ، ولا يوقف قبولها ؛ لأنَّها كلَّها كلمات جامعات طيِّبات مباركات .
و ( قوله : لا تسمَّيَنَّ غلامك يسارًا ، ولا رباحًا ، ولا نجيحًا ، ولا أفلح ) هذا نهي صحيح عن تسمية العبد بهذه الأسماء ، لكنه على جهة التنزيه بدليل قول جابر في الحديث الآتي : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل ، وببركة ، وبأفلح ، وبيسار ، وبنافع ، ونحو ذلك ، ثم سكت ؛ يعني : أراد أن ينهى عن ذلك نهي تحريم ، وإلا فقد صدر النهي عنه على ما تقدَّم ، لكنه على وجه الكراهة التي معناها : أن ترك المنهي عنه أولى من فعله ؛ لأنَّ التَّسمية بتلك الأسماء تؤدي إلى أن يسمع ما يكرهه ، كما نصَّ عليه بقوله : ( فإنك تقول : أثمَّ هو فلان ، فلا يكون ؛ فتقول : لا ) وبالنظر إلى هذا المعنى ، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد ، بل : تتعدى إلى الأحرار . ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء ، بل : تتعدى إلى ما في معناها . ولهذا أشار جابر في حديثه بقوله ، وبنحو ذلك .
وحينئذ يقال : فما فائدة تخصيص الغلام بالذكر ؟ وكيف يعدَّى إلى زيادة على الأربع ، وقد قال في بقيَّة الحديث : إنما هي أربع ، فلا تزيدن علي ؟ فالجواب عن الأوَّل من وجهين : أحدهما : أنَّا لا نسلِّم أن المراد بالغلام العبد ، بل الصغير ؛ فإنه يقال عليه : غلام إلى أن يبلغ ، وللأنثى : جارية ، كما تقدَّم . والثاني : أنَّا وإن سلَّمنا ذلك لكن إنما خُصص العبد بالذكر ، لأن هذه الأسماء إنما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم ، فخرج النهي على الغالب . والجواب عن الثاني : أن قوله : فلا تزيدن علي ، إنما هو من قول سمرة بن جندب ، وإنما قال ذلك ليحقق : أن الذي سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هي الأربع ، لا زيادة عليها ؛ تحقيقا لما سمع ، ونفيًا لأن يقول ما لم يقل .
ولئن سُلِّم أن ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فليس معناه المنع من القياس . بل عن أن يقول اسمًا لم يقله ، فإنَّ الفرع ملحق بأصله في الحكم ، لا في القول . وبيانه : إنَّا وإن ألحقنا الزبيب بالتمر في تحريم الربا فلا نقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الربا في الزبيب حرام .
فإنَّه قول كاذب ، ولو كان ذلك صادقًا لكان الزبيب منطوقًا به ، فحينئذ لا يكون فرعًا . بل : أصلًا . وقد اجترأت طائفة عراقية على إطلاق ذلك .
ونعوذ بالله مما أُطلق هنالك . وعلى ما قررناه فلا يكون بين حديث سمرة بن جندب ، ولا بين حديث جابر - رضي الله عنهم - معارضة ، فلا يكون بينهما نسخ خلافًا لمن زعمه ، وقال : إن حديث جابر ناسخ لحديث سمرة ، وما ذكرناه أولى . والله تعالى أعلم .
فإن قيل : بل المصير إلى النسخ أولى ؛ لأنَّ حديث سمرة - وإن حمل على الكراهة - فحديث جابر يقتضي الإباحة المطلقة ؛ لأنَّه لما سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النهي عن ذلك إلى حين موته ، وكذلك عمر - رضي الله عنه - مع حصول ذلك في الوجود كثيرًا ، فقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - غلام اسمه : رباح ، ومولى اسمه : يسار ، وقد سَمَّى ابن عمر مولاه : نافعًا . ومثله كثير . فقد استمر العمل على حديث جابر ، فإذًا هو متأخر ، فيكون ناسخًا .
والجواب : إن هذا التقدير يلزم منه : أن لا يصدق قول جابر : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن ينهى عن ذلك ، فإنَّه قد وجد النهي ولا بدَّ ، وهو صادق ، فلا بدَّ من تأويل لفظه . وما ذكرناه أولى . وما ذكر من تسمية موالي النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره بتلك الأسماء فصحيح ؛ لأنَّ ذلك جائز ، وغاية ما ترك فيه الأولى ، فكم من أولى قد سوغت الشريعة تركه ، وإن فات بفوته أجر كثير ، وخير جزيل ؛ عملًا بالمسامحة والتيسير ، وتركًا للتشديد والتعسير .