باب المبادرة بقتل الحيات
( 2236 ) ( 139 ) - [2103] وعن أبي السَّائِبِ - مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ - : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ قَالَ : فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي ، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ ، فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ : أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فقَالَ : كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ ، قَالَ : فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ لَهُ : اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ ، وَادْخُلْ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي ، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمْ الْفَتَى ، قَالَ : فَجِئْنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، وَقُلْنَا : ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ . وقول أبي سعيد : فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنصاف النهار ) إنَّما كان الفتى يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثالًا لقوله تعالى : وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ وكانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفر الخندق .
وأنصاف : جمع نصف ، كحِمْل وأحمال ، وعِدل وأعدال . وكأن هذا الفتى كانت عادته أن يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل يوم من تلك الأيام في نصف النهار ، فيأذن له في الانصراف إلى أهله . والباء في : بأنصاف بمعنى : في ، كما تقول : جاء زيد بثيابه ؛ أي : فيها .
ج٥ / ص٥٣٧و ( قوله : فأهوى إليها بالرُّمح ليطعنها ) أي : أماله إليها إرهابًا ومبالغة في الزَّجر . وحمله على ذلك فرط الغيرة ، وما كان بالذي يطعنها . وقولهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين مات الفتى : ( ادع الله أن يحييه لنا ) قول أخرجه منهم كثرة ما كانوا يشاهدون من إجابة دعواته وعموم بركاته ، ولما روى أئمتنا في كتبهم : أن رجلًا وأد ابنته ثم أسلم ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله : أن يدعو الله في أن يحييها له ، فانطلق معه إلى قبرها ، فدعا ، فناداها ، فأحياها الله ، فتكلمت معهما ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أتريدين أن تنطلقي مع أبيك ؟ أو ترجعي إلى ما كنت فيه ؟ ) فاختارت الرُّجوع إلى قبرها .
و ( قوله : إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا ) قد بيَّنَّا : أن بغير المدينة أيضًا جنًّا قد أسلموا ، فتلزم التسوية بينها وبين غيرها في المنع من قتل الحيَّات إلا بعد الإذن . ج٥ / ص٥٣٨ولا يفهم من هذا الحديث : أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلمًا ، وأن الجنَّ قتلته قصاصًا ؛ لأنَّه لو سلم : أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن ، لكن : إنما يكون في العمد المحض ، وهذا الفتى لم يقصد ، ولم يتعمد قتل نفس مسلمة ؛ إذ لم يكن عنده علم من ذلك ، وإنما قصد إلى قتل ما سوَّغ له قتل نوعه شرعًا ، فهذا قتل خطأ ، ولا قصاص فيه . فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوانًا وانتقامًا ، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا .
) إلى آخر الحديث ؛ ليبين طريقًا يحصل به التحرُّز من قتل المسلم منهم ، ويتسلط به على قتل الكافر منهم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنما هو شيطان ) ولذلك قال مالك : أحبُّ إلي أن ينذروا ثلاثة أيام . قال عيسى بن دينار : ينذر ثلاثة أيام ، وإن ظهر في اليوم مرارًا ، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام . قلت : وهذا تنبيه : على أن من الناس من يقول : إن الإذن ثلاث مرَّات ، وهو الذي يفهم من قوله : ( فليؤذنه ثلاثًا ) ومن قوله : ( فحرجوا عليه ثلاثًا ) لأنَّ ثلاثًا للعدد المؤنث ، فيظهر : أن المراد ثلاث مرَّات ، والأولى : ما صار إليه مالك ؛ لأنَّ قوله : ( ثلاثة أيام ) نصٌّ صحيح ، مقيَّد لتلك المطلقات ، فلا يُعدل عنه ، ويمكن أن يحمل تأنيث العدد على إرادة ليالي الأيام الثلاثة ، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ ، فإنَّها تغلب فيها التأنيث .