حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب النهي عن سب الدهر

( ‎ 27 ) باب النهي عن سب الدهر ( 2246 ) ( 3 ) - [2113] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا . ( 2246 ) ( 2 و 5 ) - [2114] وعنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . وفي رواية مرفوعا : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .

ج٥ / ص٥٤٧( 27 ) ومن باب النَّهي عن سبِّ الدَّهر قول أبي هريرة - رضي الله عنه - : ( قال الله تبارك وتعالى : يؤذيني ابن آدم ) الحديث ؛ جاء هذا الحديث في هذه الرواية موقوفًا على أبي هريرة لم يذكر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، غير أنه مِمَّا يعلم : أنه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطعًا ؛ لأنَّ مضمونه حكاية عن الله تعالى ، ولا يعرفها أبو هريرة إلا من جهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد روي معناه مسندًا مرفوعًا من طريق آخر ، غير أن مساق هذا الحديث أكمل ، فلذلك اخترناه . وقوله تعالى : ( يؤذيني ابن آدم ) أي : يخاطبني من القول بما يتأذى به من يصحُّ في حقه التأذي ، لا أن الله تعالى يتأذى ؛ لأنَّ التأذي ضرر وألم ، والله تعالى منزه عن ذلك ، وهذا يجري مجرى ما جاء من محاربة الله ومخادعته . وهذه كلها توسعات يفهم منها : أن من يعامل الله تعالى بتلك المعاملات تعرَّض لعقاب الله تعالى ، ولمؤاخذته الشديدة .

فليحذر ذلك . ويراد بابن آدم هنا : أهل الجاهلية ، ومن جرى مجراهم ؛ ممن يُطْلِقُ هذا اللفظ ، ولا يتحرز منه ، فإنَّ الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدَّهر ، فيذمُّونه ، ويُسفِّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم ، ويمدحونه إذا حصلت لهم . وأكثر ما يُوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء .

ولا شكَّ في كفر من نسبَ ج٥ / ص٥٤٨تلك الأفعال أو شيئًا منها للدَّهر حقيقة ، واعتقد ذلك . وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك : فليس بكافر ، ولكنه قد تشبَّه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق ، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه . فَلْيتُب ، وليستغفر الله تعالى .

والدَّهر ، والزمان ، والأبد : كلها بمعنى واحد ، وهو راجع إلى حركات الفلك ، وهي الليل والنهار . و ( قوله : لا يقولن أحدكم : يا خيبة الدَّهر ) ليس هذا النَّهي مقصورًا على هذا اللفظ ، بل يلحق به كل ما في معناه من قولهم : خَرُفَ الفلكُ ، وانعكس الدَّهر ، وتَعِسَ ، وما في معنى ذلك . و ( قوله : فإني أنا الدَّهر ) الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع الدَّهر ؛ على أنه خبر ( إن ) إن جعلنا ( أنا ) فصلًا .

وإن جعلناها مبتدأ ؛ فهو خبره . وقد قيدها بعض الناس ( الدَّهر ) بالنصب ؛ على أن تكون ظرفًا يعمل فيه ( أُقَلِّبُ ) فكأنه قال : أنا طولَ الدَّهر أُقلِّب الليل والنهار ، ويكون ( أُقلِّب ) هو الخبر ، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال : إن الدَّهر من أسماء الله تعالى ، وهذا عدول عمَّا صحَّ إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح ، فإنَّ الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم ، ولم يرو الفتح من يُعتمد عليه ، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدَّهر من أسماء الله تعالى ؛ لأن أسماء الله تعالى لا بدَّ فيها من التوقيف عليها ، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار ، فيخبر به ، وينادى به ، كما اتَّفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور ، والشكور ، والعليم ، والحليم ، وغير ذلك من أسمائه ، فإنك تجدها في ج٥ / ص٥٤٩الشريعة وفي لسان أهلها ، تارة يخبر بها ، وأخرى يخبر عنها ، وأخرى يُدعى ويُنادى بها ، ولم يوجد للدَّهر شيء من ذلك ، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى . ثمَّ لو سُلِّم أن النصب يصح في ذلك اللفظ على ذلك الوجه ، فلا يصح شيء من ذلك في الرِّواية التي قال فيها : ( لا تسبُّوا الدَّهر ، فإنَّ الله هو الدَّهر ) ولم يذكر : ( أقلِّب الليل والنهار ) ؟ ولا يصح أن يقال : إن هذه الرواية مطلقة ، والأولى مقيدة ؛ لأنَّا إن صرنا إلى ذلك لزم نصب ( الدَّهر ) بعامل محذوف ليس في الكلام ما يدلّ عليه ، ولزم حذف الخبر ، ولا دليل عليه .

وكل ذلك باطل من اللسان قطعًا ، وإذا ثبت ذلك ، فاعلم : أنه لما كان اعتقاد الجاهلية : أن الدَّهر هو الذي يفعل الأفعال ، ويذمُّونه إذا لم تحصل أغراضهم : أعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن الله يفعل كل شيء ، فإذا سبُّوا الدَّهر من حيث : إنه الفاعل ، ولا فاعل إلا الله ، فكأنَّهم سبُّوا الله تعالى ، فلذلك قال الله تعالى : ( يسبُّ ابن آدم الدَّهر وأنا الدَّهر ) أي : أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدَّهر ، لا الدَّهر ، فإنَّه ليل ونهار ، وأنا أقلبهما ؛ أي : أتصرف فيهما بالإطالة ، والإقصار ، والإضاءة ، والإظلام . وفيه تنبيه : على أن ما يُفعل ويُتصرَّف فيه لا يصلح لأن يفعل . وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه الحكماء بقولهم : ما له طبيعة عدميَّة يستحيل أن يفعل فعلًا حقيقيًّا .

والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث