حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب استدعاء العابر ما يعبر وتعبير من لم يسأل

( 2269 ) [ 2183 ] وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه : " من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها ؟ قال فجاء رجل فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رأيت ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَإذا النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وأمي وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اعْبُرْهَا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَخْطَأْتُ أم أَصَبْتُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا ، قَالَ : فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بالَّذِي أَخْطَأْتُ ، قَالَ : لَا تُقْسِمْ . و ( قوله : كان مما يقول لأصحابه ) قال القاضي أبو الفضل : معنى ( مما ) هاهنا عندهم : كثيرًا ما كان يفعل كذا .

قال ثابت في مثل هذا : كأنه يقول : هذا من شأنه ، ودأبه ، فجعل ( ما ) كناية عن ذلك . يريد : ثم أدغم ( من ) فقال : مما يقول . وقال غيره : معنى ( ما ) هاهنا : ربما ، لأنَّ ربما تأتي للتكثير .

قلت : وهذا كلام جملي لم يحصل به بيان تفصيلي ، فإنَّ هذا الكلام من السهل جملة الممتنع تفصيلاً . وبيانه بالإعراب ، وذلك : أن اسم كان مستتر فيها يعود على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخبرها في الجملة التي بعدها ، وذلك : أن ( ما ) من ( مما ) بمعنى : الذي ، وهي مجرورة بـ ( من ) وصلتها : يقول ، والعائد محذوف . وهذا المجرور : خبر المبتدأ الذي هو : من رأى منكم رؤيا ، فإنَّه كلام محكي معمول للقول ، تقديره : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة القول الذي يقوله هذا القول .

ويجوز أن تكون مصدرية ، ويكون تقديرها : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة قوله : " من رأى منكم رؤيا " و" مَنْ " في كلا الوجهين : استفهام محكي . والله تعالى أعلم . وأبعد ما قيل فيها : قول من قال : إن " من " بمعنى : ربما ، إذ لا يساعده اللسان ، ولا يلتئم مع تكلُّفه الكلام .

ج٦ / ص٣١و ( قوله : " فليقصَّها أَعْبُرها " ) أي : ليذكر قصتها وليتتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئًا ، مأخوذ من : قصصت الأثر : إذا تتبعته . و" أعبرها " ، أي : أعتبرها وأفسرها . ومنه قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ وأصله من عبرت النهر : إذا جُزْتُ من إحدى عُدوتيه إلى الأخرى .

و" الظُّلة " : السَّحابة التي تظلل من تحتها . و" تنطف " : تقطر . والنطفة : القطرة من المائع .

و" يتكففون " : يأخذون بأكفهم ، ويحتمل أن يكون معناه : يأخذون من ذلك كفايتهم . وهذا أليق بقوله : فالمستكثر من ذلك والمستقل . و" السبب " : الحبل .

و ( قوله : " بأبي أنت وأمي " ) أي : مَفْدِيٌّ من المكاره والمساوئ . و ( قوله : " والله لتدعني فلأعبرها " ) هذه الفاء : زائدة . و" أعبرها " منصوب بلام كي ، ويصح أن تكون لام الأمر فتجزم ، ولا تكون لام القسم لما يلزم من فتحها ، ومن دخول النون في فعلها .

وفيه من الفقه : جواز الحلف على الغير ، وإبرار الحالف ، فإنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجاب طَلِبَتَه ، وأبرَّ قسمه ، فقال له : " اعبُر " . ويدل على تمكُّن أبي بكر من علم عبارة الرؤيا . ووجه عبارة أبي بكر لهذه الرؤيا واضحة ، ومناسباتها واقعة ، غير أن ج٦ / ص٣٢النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال له : " أصبت بعضًا ، وأخطأت بعضًا " ، ولم يبيِّن له ما الذي أخطأ فيه .

اختلف الناس فيه ، فقيل : معناه : أنه قصَّر في ترك بعض أجزاء الرؤيا غير مفسَّرة ، وذلك أنه ردَّ شيئين لشيءٍ واحد ، فإنَّه ردَّ السَّمن والعسل للقرآن ، ولو ردَّ الحلاوة للقرآن والسَّمن للسُّنَّة ، لكان أليق ، وأنسب . وإلى هذا أشار الطحاوي . قلت : وفي هذا بُعد ، ويرد عليه مؤاخذات يطول تتبعها .

وقال بعضهم : إن المنام يدلّ على خلع عثمان ، لأنه الثالث الذي أخذ بالسبب فانقطع به ، غير أنه لم يُوصل له بِعَودِ الخلافة ، فإنَّه قتل ، وإنما وصل لغيره ، وهو علي رضي الله عنهما . قلت : وهذا إنما يصحُّ إذا لم يرو في الحديث : " له " من " وصل له " على ما نبَّه عليه القاضي فإنَّه قال : ليس فيها " له " . وإنما هو : " وصل " فقط .

وعلى هذا يمكن أن ينسب الخطأ إلى هذا المعنى ، لأنَّه تأوَّل الوصل له وهو لغيره ، لكن الرواية الصحيحة والموجود في الأصول التي وقفت عليها ثبوت " له " ، وعلى هذا فإنما وصل له بالشهادة والكرامة التي أعدَّها الله تعالى له في الدار الآخرة ، وتأوَّلها أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ على الخلافة . والله تعالى أعلم . وبعد هذا فأقول : إن تكلُّف إبداء ذلك الخطأ الذي سكت عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يعلمه أبو بكر ، ولا من كان ج٦ / ص٣٣هناك من أكابر الصحابة وعلمائهم ـ رضي الله عنهم ـ جرأة نستغفر الله تعالى منها ، وإنما لم يعيِّن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها ، ولا أرهقت إليه حاجة ، ولعلَّه لو عيَّن ما أخطأ فيه لأفضى ذلك إلى الكلام في الخلافة ، ومن تتم له ، ومن لا تتم له ، فتنفر لذلك نفوس ، وتتألم قلوبٌ ، وتطرأ منه مفاسد ، فسدَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك الباب .

والله تعالى أعلم بالصواب . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : " لا تُقسم " ) مع أنه قد أقسم . معناه : لا تعد للقسم .

ففيه : ما يدلّ على أن أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإبرار المقسم ليس بواجب ، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث