باب عدد أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
( 2355 ) ( 126 ) [ 2264 ] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ : أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ . ج٦ / ص١٤٧و ( قوله : " ونبي التوبة " ) أي : الذي تكثر التوبة في أمته ، وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر ، فيقرب معناه على هذا من " الماحي " إلا أن ذلك يشهد بمحو ما ظهر من الكفر ، وهذا يشهد بصحَّة ما يخفى من توبة أمته منه ، ويحتمل أن يكون معناه : أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم ، ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب ، ولا يؤاخذ لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا ، وإن لم يؤاخذ في الآخرة ، والله أعلم . والذي أحوج إلى هذه الأوجه : اختصاص نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته ، فيصدق أنه نبي التوبة ، فلا بدَّ من إبداء مزيِّة لنبينا يختصُّ بها كما بيَّنا .
و ( قوله : " ونبي الرحمة " ) وفي أخرى : " المرحمة " وفي أخرى : " الملحمة " فأمَّا الرحمة ، والمرحمة فكلاهما بمعنى واحد ، وقد تقدَّم أن الرحمة إفاضة النعم على المحتاجين ، والشفقة عليهم ، واللطف بهم ، وقد أعطى الله نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته منها ما لم يُعْطِه أحدًا من العالمين ، ويكفي من ذلك قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فهو أعظم كل رحمة ، وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة ، وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعمُّ كل رحمة ، ولأهل الكبائر أجل كل نعمة ، وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة . وأما رواية من روى : " نبي الملحمة " : فهذا صحيح في نعته ، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه ، فإنَّه قد جاء فيها : أنه نبي الملاحم ، ج٦ / ص١٤٨وأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام ، فمنها ما جاء في صحف حبقوق ، قال : جاء الله من التين ، وتقدس من فاران ، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه ، وملأ الأرض من هيبته . وفيها أيضًا : تضيء الأرض بنورك ، وستنزع في قوسك إغراقًا ، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء .
ويعني بالتين الجبال التي تنبته ، وهي جبال بيت المقدس ، ومجيء الله تعالى منها عبارة عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيل على لسان عيسى ـ عليه السلام ـ . وفاران : مكة ، كما قال تعالى في التوراة : " إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران " يعني : مكة بلا خلاف بينهم . وفي التوراة قال : " قد جاء الله من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلى من فاران " فمجيئه تعالى من سيناء : كناية عن ظهور موسى ـ عليه السلام ـ بها ، وإشراقه من ساعير : وهي جبال الروم من أدوم : كناية عن ظهور عيسى عليه السلام .
واستعلاؤه من فاران : كناية عن القهر الذي يقهر به نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكفر كله بالقتل والقتال . وقال في التوراة : " يا موسى ! إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًا مثلك ، أجعل كلامي على فيه ، فمن عصاه انتقمت منه ، وإخوة بني إسرائيل العرب ، فإنَّهم ولد إسماعيل عليه السلام ، وهم المعنيون هنا . و ( قوله : " أجعل كلامي على فيه " ) يعني به : القرآن ، والانتقام ممن عصاه : هو القتل والقتال الذي جاء به ، ومثل هذا كثير .
وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب " الأعلام " . ج٦ / ص١٤٩وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يا معشر قريش ! لقد جئتكم بالذبح " . وقال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به " فهو نبي الملحمة التي بسببها عمَّت الرحمة وثبتت المرحمة .
وقد تتبَّع القاضي أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى ، وفي سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومما نقل في الكتب القديمة . وإطلاق الأمَّة أسماء كثيرة ، وصفات عديدة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صدقت عليه مسمَّياتها ، ووجدت فيه معانيها ، وعرَّف في كتاب " الشفا في التعريف بحقوق المصطفى " . وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب " الأحكام " من أسماء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سبعة وستين اسمًا ، من أرادها وجدها هنالك .
و ( قوله : " وقد سَمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا " ) ليس هذا من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل من قول غيره ، وهو الصحابي ، والله أعلم ، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب الغيبة ، ولو كان من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقال : وقد سماني الله : رؤوفًا رحيمًا . هذا الظاهر ، ويحتمل أن يكون ذلك من قوله . وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ والرؤوف : الكثير الرأفة .
والرحيم : الكثير الرحمة ، فإنَّها للمبالغة . وقد جاء في الصحيح : " لي خمسة أسماء " فحصرها بالعدد ، وذكر الأسماء المتقدِّمة . وقد يقال : ما وجه تخصيص هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك ، فيجاب عنه : بأن هذه ج٦ / ص١٥٠الخمسة الأسماء هي الموجودة في الكتب المتقدِّمة ، وأعرف عند الأمم السالفة ، ويحتمل أن يقال : إنه في الوقت الذي أخبر بهذه الأسماء الخمسة لم يكن أوحي إليه في غيرها بشيء ، فإنَّ أسماءه إنَّما تلقاها من الوحي ، ولا يسمَّى إلا بما سَمَّاه الله به ، وهذا أسدُّ الجوابين إن شاء الله تعالى .