باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم
) باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيرا له واحتراما ( 2359 ) ( 136 و 137 ) [ 2268 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ في الْمَسْأَلَةِ فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : سَلُونِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ - وفي رواية : ما دمت في مقامي هذا ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ . قَالَ أَنَسٌ : فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَ يُلَاحَى فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ، عَائِذ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِنِّي صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ . وفي رواية : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ .
وفي أخرى : فَنَزَلَتْ هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ ( 2360 ) ( 138 ) [ 2269 ] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ( 25 ) ومن باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توقيرًا له واحترامًا ( قوله : سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أحفوه في المسألة ) أي : حتى ألحوا عليه . يقال : أحفى في المسألة ، وألَحَّ بمعنى واحد . وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدَّم في حديث أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ .
و ( قوله : فلما أُكْثِرَ عليه غضب ) يحتمل أن يكون غضب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من إكثارهم عليه من المسائل ، فإنَّ ذلك : يُقلِّل حرمة العالم ، ويُجرئ على الإقدام عليه ، فتذهب أبهة العالم ، ووقاره ، فإنَّه إذا كثرت المسائل : كثرت الأجوبة ، فحصل جميع ما ذكرناه من المفاسد . ويحتمل أن غضبُه بسبب أنه تحقَّق أنَّه كان هنالك من يسأل تعنيتًا وتبكيتًا ، قصدًا للتعجيز والتنقيص ، كما كان يفعل المنافقون ، واليهود ، ويدلُّ على هذا قوله : سلوني ، سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا ، فإنَّ هذا يصلح أن يكون جوابًا لمن قصد التعجيز والتبكيت حتى يبطل زعمه ، ويظهر خرقه وذمه ، ويحتمل أن يكون من تلك المسائل ما يكره ، كما قال في حديث أبي موسى : سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أشياء كرهها ، وكما دلَّ عليه قوله تعالى : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ويحتمل أن يكون غضبه لمجموع تلك الأمور كلها ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : فأرمَّ القوم ) أي : سكتوا ، وأصله من المرمَّة ، وهي : الشَّفة ، فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم فلم يحركوها بلفظة .
و ( قوله : ورهبوا أن يكون من أمرٍ قد حضر ) أي : خافوا أن تقع بهم عقوبة عند غضبه . و ( قوله : فجعلت ألتفت يمينًا وشمالاً ، فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي ) هذه حالة العارفين بالله تعالى ، الخائفين من سطوته وعقوبته ، لا كما تفعله جُهَّال العوام ، والمبتدعة الطَّغام من الزعيق والزفير ، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير . فيقال لمن تعاطى ذلك ، وزعم أن ذلك وجد وخشوع : إنك لم تبلغ ذلك، أي تساوي حال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله تعالى ، والبكاء خوفًا من الله ، والوقار حياءً من الله ، وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة فقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾فصدَّر الله تعالى الكلام في هذه الآية بـ إنما الحاصرة لما بعدها ، المحققة له ، فكأنه قال : المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله ، وتلاوة كتابه ، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ، ولا على طريقتهم ، وكذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾فهذا وصف حالهم ، وحكاية مقالهم ، فمن كان مُستنًّا فليستن ، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون ، فهو من أخسَّهم حالاً ، والجنون فنون .
فإن قيل : فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم صرخوا عند سماع القرآن ، والمواعظ ، فقد روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع قارئًا يقرأ : ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ٧ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴾، فصاح صيحة خرَّ مغشيًا عليه ، فحمل إلى أهله ، فلم يزل مريضًا شهرًا . وروي أن زرارة بن أوفى قرأ : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾فصعق ومات في محرابه . وقرأ صالح المرِّي على أبي جهين فمات ، وسمع الشافعي قارئًا يقرأ : ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ٣٥ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾فغشي عليه .
وسمع علي بن الفضل قارئًا يقرأ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾فسقط مغشيًّا عليه . فالجواب : أين الدرُّ من الصدف ، والمسك من الجيف ؟ هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين ، والمحقِّقين بالممخرقين . فإنَّ كنت - يا من لُبِّس عليه - تدَّعي أنك على نعتهم فمت كموتهم ، فتنبَّه لبهرجتك ، فإنَّ الناقد بصير ، والمحاسب خبير .
ثم يقال لمن صرخ في حال خطبة الجمعة : إن كنت قد ذهب عقلك حال صعقتك ، فقد خسرت في صفقتك ، إذ قد سلب عقلك ، وذهب فهمك ، ولحقت بغير المكلفين ، وصرت كالصبيان والمجانين ، وحُرِمت سماع الموعظة ، وشهود الخطبة . وقد قال مشايخ الصوفية : مهما كان الوارد مانعًا من القيام بفرض ، ومانعًا من الخير فهو من الشيطان . ثم يلزم من ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه ، فإنَّ صلى بعد تلك الغشية الجمعة ولم يتوضأ ، كان كمن يشهد الخطبة ولا صلى ، فأي صفقة أخسر ممن هذه صفقته ؟ وأي مصيبة أعظم ممن هذه مصيبته ؟ وإن كان وقت صراخه في غفلة فقد تكلم في حال الخطبة ، وشوش على الحاضرين سماعها ، وأظهر بدعة في مجتمع الناس ، وعرضهم لأن يجب عليهم تغييرها ، فإنَّ لم يفعلوا عصوا ، فقد عصى الله من جهات متعددة ، وحمل الناس على المعصية ، إلى ما ينضاف إلى ذلك من رياء كامنٍ في القلب ، وفِسق ظاهر على الجوارح .
فنسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان ، وكفاية أحوال الجهَّال والمجَّان . و ( قوله : ثم أنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَى فَيُدْعَى لغير أبيه ) أنشأ : أخذ في الكلام ، وشرع فيه ، ويُلاحَى : يُعيَّرُ ويُذَُّم ، بأن يُنْسَبَ إلى غير أبيه ، ويُنفى عن أبيه - وسببُ هذا ما كانت أنكحة الجاهلية عليه ، فإنَّها كانت على ضروب كما ذكرناه في النكاح ، وكان منها : أن المرأة يطؤها جماعة ، فإذا حملت ، فولدت دُعي لها كل من أصابها ، فتُلحق الولد بمن شاءت ، فيَلحق به . فربما يكون الولد من خسيس القدر ، فتلحقه بكبير القدر ، فإذا نفي عمن له مقدار ، وألحق بمن لا مقدار له لحقه من ذلك نقص وعار .
وكانوا يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تحقيق ذلك لينسب لأبيه الحقيقي الذي ولد من نطفته ، وتزول عنه تلك المعرَّة . فسأل هذان الرجلان النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تحقيق ذلك ، فقال لأحدهما : أبوك حذافة ، وقال للآخر : أبوك سالم ، فتحقَّق نسبهما ، وزالت معرَّتهما . و ( قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : رضينا بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد رسولاً ) كلام يقتضي إفراد الحق بما يجب له تعالى من الربوبية ، ولرسوله من الرسالة اليقينية ، والتسليم لأمرهما ، وحكمهما بالكلية ، والاعتراف لدين الإسلام بأنه أفضل الأديان .
وإنما صدَّر عمر ـ رضي الله عنه ـ كلامه بنون الجمع ، لأنه متكلِّم عن نفسه ، وعن كل من حضر هنالك من المسلمين . و ( قوله : عائذٌ بالله من سوء الفتن ) كذا صحَّت الرواية عائذٌ بالرفع ، أي أنا عائذ ، أي : مستجير . والفتن : جمع فتنة ، وقد تقدَّم : أن أصلها الاختبار ، وأنها تنصرف على أمور متعددة ، ويعني بها هنا : المحن ، والمشقات ، والعذاب ولذلك قال : من سوء الفتن أي : من سيئها ومكروهها .
ولما قال ذلك عمر وضم إلى ذلك قوله : إنا نتوب إلى الله عز وجل كما جاء في الرواية الأخرى ، سكن غضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ثم أخذ يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور الآخرة ، فقال : لم أر كاليوم قطّ في الخير والشر ، هذا الكلام محمول على الحقيقة لا التوسع والمجاز فإنَّه : لا خير مثل خير الجنَّة ، ولا شرَّ مثل شرِّ النار . وقط : هي الظرفية الزمانية ، وروينا هاهنا مفتوحة القاف ، مضمومة الطاء مشدَّدة ، وهي إحدى لغاتها ، وتقال بالتخفيف ، وتقال : بضم القاف على إتباع حركتها لحركة الطاء ، وذلك مع التشديد والتخفيف ، فأمَّا قط بمعنى حسب فبتخفيف الطاء وسكونها ، وقد تزاد عليها نون بعدها .
فيقال : قطني ، وقد تحذف النون فيقال : قطي ، وقد تحذف الياء ، فيقال : قط ، بكسر الطاء ، وقد يبدل من الطاء دال مهملة ، فيقال : قد ، ويقال على تلك الأوجه كلها ، كله من الصحاح . و ( قوله : إني صوِّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط ) وفي البخاري : لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، وفي البخاري في هذا الحديث : لقد رأيت الآن - منذ صليت بكم الصلاة - الجنة والنار ممتثلتين في قبلة هذا الجدار ظاهر هذه الروايات - وإن اختلفت ألفاظها - : أنه صلى الله عليه وسلم رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي استقبله مصوَّرتين فيه ، وهذا لا إحالة فيه ، كما تتمثل المرئيات في الأجسام الصقلية . يبقى أن يقال : فالحائط ليس بصقيل .
ويجاب : بأن اشتراط الصقالة في ذلك : ليس بشرط عقلي ، بل : عادي ، وذلك محل خرق العادة ووقتها ، فيجوز أن يمثلها الله فيما ليس بصقيل ، هذا على مقتضى ظاهر هذا الحديث ، وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف فيكون رآهما حقيقة ، ومد يده ليأخذ قطفًا من الجنة ، ورأى النار وتأخر مخافة أن يصيبه لفحها ، ورأى فيها فلانًا وفلانة . وبمجموع الحديثين تحصل أن الله تعالى أطلع نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الجنة والنار مرتين : إحداهما : في صلاة الكسوف إطلاع رؤية كما فصلناه في الكسوف . وثانيهما : هذه الإطلاعة ، وكانت في صلاة الظهر ، كما قد جاء في بعض طرق حديث أنس : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إليهم بعدما زاغت الشمس ، فصلَّى بهم الظهر ، ثم قام فخطب ، وذكر نحو ما تقدَّم .
وقد نصَّ عليه البخاري كما نقلته عنه آنفا . وعُرْض الشيء - بالضم- : جانبه ، وصفحه . والعَرْض -بالفتح - : خلاف الطول .
و ( قوله : أولى ) هي كلمة تهديد ووعيد ، وإذا كررت كان التهديد أعظم ، كما قال تعالى : ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾وهذا المقام الذي قامه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مقامًا هائلاً مخوفًا ، ولذلك قال أنس في بعض الطرق الواقعة في الأم : بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أصحابه شيء ، فخطب فقال : عرضت علي الجنة والنار ، فلم أر كاليوم في الخير والشر ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيرًا . قال : فما أتى على أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أشدُّ منه . قال : غطوا رؤوسهم ، ولهم خنين ، والرواية المشهورة بالخاء المعجمة ، وقد رواه العذري بالحاء المهملة ، فالمعجمة : معناها البكاء مع تردُّد الصوت ، وقال أبو زيد : الخنين : ضرب من الحنين ، وهو الشديد من البكاء .
وقوله في هذه الرواية : إنه بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أصحابه شيء أي : عن بعض أصحابه ، وذلك أنه بلغه - والله تعالى أعلم - : أن بعض من دخل في أصحابه ، ولم يتحقق إيمانه : همَّ أن يمتحن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأسئلة ، ويكثر عليه منها ليعجزه ، وهذا كان دأب المنافقين وغيرهم من المعادين له ولدين الإسلام ، فإنَّهم كانوا : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ولذلك لما فهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك قال لهم في هذا المجلس : سلوني ، سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فكل من سأله في ذلك المقام عن شيء أخبره به - أحبَّه أو كرهه - ولذلك أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَـزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾فأدَّبهم الله تعالى بترك السؤال عما ليس بِمُهم ، وخصوصًا عما تقدَّم من أحوال الجاهلية التي قد عفا الله عنها ، وغفرها ، ولما سمعت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ هذا كله انتهت عن سؤال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا في أمر لا يجدون منه بدًّا ، ولذلك قال أنس - فيما تقدم - : نهينا أن نسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع .