باب عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخطأ
) باب عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى . ( 2361 ) ( 139 ) [ 2271 ] عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ فَقَالَ : مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَتَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا ، قَالَ : فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ( 26 ) ومن باب : عصمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى معنى هذه الترجمة معلوم من حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطعًا بدليل المعجزة ، وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال للناس : أنا رسول الله إليكم ، أبلغكم ما أرسلني به إليكم من الأحكام والأخبار عن الدار الآخرة وغيرها ، وأنا صادق في كل ما أخبركم به عنه ، ويشهد لي على ذلك ما أيَّدني به من المعجزات .
ثم وقعت المعجزات مقرونة بتحدِّيه ، علمنا على القطع والبتات استحالة الخطأ والغلط عليه فيما بلغه عن الله ، إما لأن المعجزة تنزلت منزلة قول الله تعالى لنا : صدق ، أو لأنها تدل على أن الله تعالى أراد تصديقه فيما قاله عنه ، دلالة على قرائن الأحوال ، وعلى الوجهين فيحصل العلم الضروري بصدقه ، بحيث لا يجوز عليه شيء من الخطأ في كل ما يبلغه عن الله تعالى بقوله ، وأما أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدِّين فهو فيها واحد من البشر ، كما قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، وكما قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم ، وأنا أعلم بدينكم . وقد تقدم القول في الإبار . ويلقِّحون مضارع ألقحَ الفحلُ الناقة ، والريحُ السحابَ ، و : رياحٌ لواقحُ ، ولا يقال : ملاقح ، وهو من النوادر ، وقد قيل : الأصل فيه : ملقحة ، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح ، ويقال : لقحت الناقة - بالكسر - لقحًا ولَقَاحًا بالفتح ، فهي لاقح ، واللقاحُ أيضًا - بالفتح - ما تُلْقَحُ به النخل .
و ( قوله : ما أظن ذلك يغني شيئًا ) يعني به الإبار ، إنما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا ، لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة ، فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة ، ولا الفلاحة ، ولا باشر شيئًا من ذلك ، فخفيت عليه تلك الحالة ، وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي : أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل ، ولا خالق ، ولا مؤثر إلا الله تعالى ، فإذا نسب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية عرضيَّة لا حقيقيَّة ، فصدق قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما أظن ذلك يغني شيئًا ؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى ، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة ، فجعلها مقارنة لها ، ومغطاة بها ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب ، وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل ، والرَّيب : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ و ( قوله : إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن ) وقوله في الأخرى : إنما أنا بشر ، هذا كله منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ اعتذار لمن ضعف عقله مخافة أن يزيله الشيطان فيكذب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكفر ، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر ، غاية ما جرى : مصلحة دنيوية ، خاصَّة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها ، ولا كان من أهلها المباشرين لعملها ، وأوضح ما في هذه الألفاظ المعتذر بها في هذه القصة قوله : أنتم أعلم بأمر دنياكم ، وكأنه قال : وأنا أعلم بأمر دينكم . و ( قوله : إذا حدثتكم عن الله فخذوا به ) أمر جزم بوجوب الأخذ عنه في كل أحواله : من الغضب والرضا ، والمرض والصحة . و ( قوله : فلن أكذب على الله ) أي : لا يقع منه فيما يبلغه عن الله كذب ، ولا غلط ، لا سهوًا ولا عمدًا ، وقد قلنا : إن صدقه في ذلك هو مدلول المعجزة ، وأما الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبر من الأخبار ، ولا جرب عليه شيء من ذلك منذ أنشأه الله تعالى ، وإلى أن توفاه الله تعالى ، وقد كان في صغره معروفًا بالصدق والأمانة ، ومجانبة أهل الكذب ، والخيانة ، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين ، يشهد له بذلك كل من عرفه وإن كان من أعدائه ، وقد خالفه .