حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب في وفاة موسى عليه السلام

( 32 ) باب في وفاة موسى عليه السلام ( 2372 ) ( 157 و 158 ) [ 2286 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ : أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ : فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ : يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ : أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْتُ . قَالَ : فَالْآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ . وفي رواية : قال : جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ : أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ : فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا .

وذكر نحوه . ج٦ / ص٢٢٠( 32 ) ومن باب وفاة موسى ـ عليه السلام ـ قوله : " جاء ملك الموت إلى موسى ـ عليه السلام ـ فقال : أجب ربَّك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، فرجع إلى ربِّه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " ظاهر هذا الحديث : أن ملك الموت تمثل لموسى في صورة لها عين ، وأنه دعاه لقبض روحه ، وأن موسى عرف أنه ملك الموت ، وأنه لطمه بيده على عينه ففقأها ، ولما ظهر هذا من هذا الحديث شنَّعته الملحدة ، وقالوا : إن هذا ج٦ / ص٢٢١كله محال ، ولا يصح . وقد اختلفت أقوال علمائنا في تأويل هذا الحديث .

فقال بعضهم : كانت عينًا متخيَّلة لا حقيقية . ومنهم من قال : هي عين معنوية . وإنما فقأها بالحجَّة ، وهذان القولان لا يلتفت إليهما لظهور فسادهما ، وخصوصًا الأول ، فإنَّه يؤدي إلى : أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له ، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة ، والأدلة المعقولة .

ومنهم من قال : كان ذلك ابتلاء وامتحانًا لملك الموت ، فإنَّ الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء . وهذا ليس بجواب ، فإنَّه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى ، وكيف يجوز وقوع مثل هذا ؟ وأشبه ما قيل فيه : ما قاله الشيخ الإمام أبو بكر بن خزيمة ، وهو أن موسى ـ عليه السلام ـ لم يعرف ملك الموت ، وأنه رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه ، فدافع عن نفسه ، فلطم عينه ، ففقأها . وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن .

وهذا وجه حسن ، غير أن هذا اعترض عليه بما في الحديث ، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله قال : " يا رب ! أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " ، فلو لم يعرفه موسى - وإنما دفعه عن نفسه - لما صدق هذا القول من ملك الموت . قلت : وقد أظهر لي ذو الطول والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال ، وهو أن موسى عَرَف ملك الموت ، وأنه جاء ليقبض روحه ، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير ، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من : " أن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يخيره " ، فلمَّا جاءه على غير الوجه الذي أعَلِم به ، بادر بشهامته ، وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت ، فلطمه فانفقأت عينه امتحانًا لملك الموت ، إذ لم يصرح له بالتخيير ، ومما يدل على صحة هذا : أنه لما رجع إليه ملك الموت ، فخيَّره بين الحياة والموت ، اختار الموت واستسلم ، وهذا الوجه - إن شاء الله - أحسن ما قيل فيه وأسلم ، وقد تقدَّم القول ج٦ / ص٢٢٢في تمثل الملائكة في الصور المختلفة عقلاً ، وثبوت وقوع ذلك نقلاً . و ( قوله : " قال : أي رب ! ثم مه ؟ قال ؟ ثم الموت .

قال : فالآن " ) " مه " : هي ما الاستفهامية ، لما وقف عليها زاد هاء السكت وهي : لغة العرب إذا وقفوا على أسماء الاستفهام ، نحو : عمه ، ولمه ، وفيمه ، فإذا وصلوا حذفوها . و " فالآن " : ظرف زمان غير متمكن ، وهو اسم لزمان الحال الذي يكون المتكلم عليها ، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل ، وهذا يدلّ على : أن موسى لما خيَّره الله بين الحياة والموت ، اختار الموت شوقًا للقاء الله عز وجل ، واستعجالاً لما له عند الله من الثواب والخير ، واستراحة من الدنيا المكدرة . وهذا كما خُيِّر نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند موته ، فقال : " اللهم الرفيق الأعلى " .

و ( قوله : " فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر " ) أي : مقدار رمية بحجر ، فهو منصوب على أنه ظرف مكان . والأرض المقدسة : هي البيت المقدَّس ، وإنَّما سأل موسى ـ عليه السلام ـ ذلك تبركًا بالكون في تلك البقعة ، وليدفن مع من فيها من الأنبياء ، والأولياء ، ولأنها أرض المحشر على ما قيل . و ( قوله : " ولو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر " ) ثمَّ - مفتوحة الثاء - : اسم يشار به إلى موضع ، فأمَّا ثمَّ - بضم الثاء - : فحرف عطف .

ويعني بالطريق : طريق بيت المقدس ، وقد تقدم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرَّ في طريقه إلى بيت المقدس - ليلة أسري به - بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه ، وهذا يدل على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق ، ولم يجعله مشهورًا عندهم ، ولعل ذلك لئلا يُعْبَد ، والله أعلم . وقد وقع في الرواية الأخرى : " إلى جانب الطور " ج٦ / ص٢٢٣مكان : " الطريق " . والطور : الجبل بالسريانية ، وقال أيضًا في الرواية الأخرى : " فما توارت يدك " مكان : " غطَّت يدك " ، وهو بمعناه .

والتاء فيه زائدة ، لأنَّ معناه : وارت ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث