باب قصة حاطب بن أبي بلتعة وفضل أهل بدر
( 2496 ) [ 2404 ] وعن أُمُّ مُبَشِّرٍ قالت : سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ : لَا يَدْخُلُ النَّارَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ - الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ، قَالَتْ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ : ألم يقل الله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وقَدْ قَالَ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا و ( قوله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد - الذين بايعوا تحتها " ) ، هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وكانت بالحديبية التي تقدم ذكرها . والمبايعون تحتها كانوا ألفًا وأربعمائة ، وقيل : وخمسمائة - كانوا بايعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الموت أو على ألا يفرُّوا ، على خلاف بين الرواة . ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صالح أهل مكة ، وكفى الله المؤمنين القتال وأحرز لهم الثواب ، وأثابهم فتحًا قريبًا ورضوانًا عظيمًا .
واستثناؤه ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا بقوله " إن شاء الله " استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله بقوله ج٦ / ص٤٤٤لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وبغير ذلك ، وصار هذا الاستثناء كقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ و ( قول حفصة " بلى " ) قول أخرجه منها الشهامة النفسية والقوة العمرية ، فإنَّها كانت بنت أبيها ، وهذا من نحو قول عمر رضي الله عنه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنافقين : أتصلي عليهم؟ وتمسكها بعموم قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا دليلٌ على أن " منكم " للعموم عندهم وأن ذلك معروف من لغتهم ، وانتهار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها تأديب لها وزجر عن بادرة المعارضة وترك الحرمة ، ولما حصل الإنكار صرحت بالاعتذار فذكرت الآية ، وحاصل ما فهمت منها أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة " بعموم قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وكأنها رجَّحت عموم القرآن فتمسكت به ، فأجابها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن آخر الآية يبيِّن المقصود ، فقرأ قوله تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول ، لكنه دخول عبور ، فينجو من اتقى ، ويترك فيها من ظلم ، وبيان ذلك أن جهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة ، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم ، فلا بدَّ لكل من ضمَّه المحشر من العبور عليه ؛ فناج مُسَلَّم ، ومخدوش مرسل ، ومكردسٌ في نار جهنم - كما تقدَّم ، وهذا قول الحسن وقتادة ، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة والنظر المستقيم . ج٦ / ص٤٤٥والورود في أصل اللغة الوصول إلى الماء ، وإنَّما عبَّر به عن العبور لأنَّ جهنم تتراءى للكفار كأنها سراب فيحسبونه ماء، فيقال لهم : ألا تردون ؟ كما صحَّ في الأحاديث المتقدمة . وفي حديث حفصة هذا أبواب من الفقه ؛ منها : جواز مراجعة العالم على جهة المباحثة ، والتمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل بل الاعتقاد ومقابلة عموم بعموم ، والجواب بذكر المخصَّص ، وتأديب الطالب عند مجاوزة حدِّ الأدب في المباحثة .
والمتقي : هو الحذر من المكروه الذي يتحرز منه بإعداد ما يتقى به . ونذر : نترك . والظالم هنا : هو الكافر ؛ لأنَّه وضع الإلهية والعبادة في غير موضعهما .
وجثيًا : جمع جاث ، وأصله : الجالس على ركبتيه ، والمراد به ها هنا المكبوب على وجهه وهو المكردس المذكور في الحديث ، والله تعالى أعلم .