باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم
( 2538 ) ( 218 ) ( 220 ) و ( 2538 ) [ 2441 ] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ، فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ . ( 2538 ) ( 218 ) و ( 2538 ) ( 220 ) [ 2442 ] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ : تَسْأَلُونِي عَنْ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ .
وفي أخرى : قال سالم : تذاكرنا : إنما هي مخلوقة يومئذ . وفي أخرى : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ . وَفسرها عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ، قَالَ : نَقْصُ الْعُمُرِ .
( 2539 ) [ 2443 ] وعن أبي سعيد نحو الحديث .
و ( قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " أرأيتكم ليلتكم هذه فإنَّ رأس مائة سنة من هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد " ) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين ، ذكر الأول منهما متصلاً ، ثم أردف عليه سندًا آخر فيه انقطاع ، ولا يعتب عليه في ذلك ، إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول ، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع . وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر إذ لم يفهم معناه ، فردَّه بأن قال : حديث منقطع ، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه ، ثم لو سلم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح في الباب صحيحان ، فما قوله فيه ؟! وقد رفع الصحابي - أعني : ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله : أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن ،بل : قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه ، فقال : " ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة ، وهي حية يومئذ " وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر ، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السقاية - حيث فسَّره : بنقص العمر ، وحاصل ما تضمنه هذا الحديث : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر قبل موته ج٦ / ص٤٩٠بشهر : أن كل من كان من بني آدم موجودًا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مائة سنة ، وإنَّما قلنا : إنه أراد بني آدم ، لأنَّه قال : " من نفس منفوسة " ، ولا يتناول هذا الملائكة ، ولا الجن ، إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك ، ولا الحيوان غير العاقل ، إذ قال فيه : " ممن هو على ظهر الأرض أحد " .
وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل ، فتعين : أن المراد بنو آدم ، وقد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول : إن الخضر حي بعموم : " ما من نفس منفوسة " فإنَّه من أنص صيغ العموم على الاستغراق ، وهذا لا حجَّة فيه يقينية ، لأنَّ العموم - وإن كان مؤكدًا للاستغراق - فليس نصًّا فيه ، بل : هو قابل للتخصيص ، لا سيما والخضر وإن كان حيًّا - كما يقال - فليس مشاهدًا للناس ، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا ، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى عليه السلام ، فلأنه لم يمت ، ولم يقتل ، فهو حي بنص القرآن ، ومعناه . وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي ، فإنَّ قيل : إنما لم يتناول هذا العموم عيسى ، لأنَّ الله قد رفعه إليه ، فليس هو على ظهر الأرض ؛ لأنَّ المراد بذلك العموم : من كان من النفوس على ظهر الأرض ، كما نص عليه في حديث ابن عمر . فالجواب : يمنع عموم الأرض المذكورة فيه ، فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام ، وهي محتملة للعهد والجنس ، وهي هاهنا للعهد ، لأنَّ الأرض التي يخاطبون بها ، ويخبرون عن الكون فيها : هي أرض العرب ، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبًا ، دون أرض يأجوج ومأجوج ، وأقاصي جزائر الهند والسند ، مما لا يقرع السمع اسمه ، ولا يعلم علمه ، ولا جواب عن حديث الدجال .
وعلى الجملة : فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم . وسيأتي القول على قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " في آخر كتاب الفتن . ج٦ / ص٤٩١و ( قول ابن عمر : فوهل الناس في مقالة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) الرواية الصحيحة : وهل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد : يريد : غلط ، يقال : وهل إلى الشيء يهل ، ووهم إلى الشيء يهم ، وهلا ووهمًا .
قال أبو زيد : وهل في الشيء ، وعن الشيء يوهل وهلاً : إذا غلط فيه وسها ، ووهلت إليه بالفتح - وهلاً : إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره . ج٦ / ص٤٩٢قلت : وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في وهل الذي في هذا الحديث : كسر الهاء ، لأنَّه هو الذي يتعدى بـ ( في ) ، ويشهد له المعنى ، وأما وهل بالفتح فيتعدى بـ ( إلى ) ، والمعنيان متقاربان ، ويمكن أن يقال : إن وهل في الشيء فيه لغتان : الفتح والكسر . والله أعلم .