باب في ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا
( 2575 ) [ 2481 ] وعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ - أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ - فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ - تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتْ: الْحُمَّى ! لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ . ج٦ / ص٥٤٨و ( قوله : " ما لك يا أم السائب ! تزفزفين " ) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما ، ويقال بضم التاء وفتحها من الزفزفة ، وهي صوت حفيف الريح . يقال : زفزفت الريح الحشيش : أي حركته ، وزفزف النعام في طيرانه : أي : حرك جناحيه ، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء ، قال أبو مروان بن سراج : يقال : بالقاف وبالفاء بمعنى واحد ، بمعنى ترعدين .
قلت : ورواية الفاء أعرف رواية ، وأصح معنى ، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة ، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر . وقالوا : ريح زفزافة وزفزف . وأما الرقرقة بالراء والقاف : في التلألؤ واللمعان .
ومنه : رقراق السراب ، ورقراق الماء : ما ظهر من لمعانه ، غير أنه لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرك وجاء وذهب ، فلهذا حسن أن يقال : مكان الرقراقة ، لكن تفارق الزفزفة الرقرقة بأن الزفزفة معها صوت ، وليس ذلك مع الرقرقة ، فانفصلا . و ( قوله : " لا تسبي الحمى " ) مع أنها لم تصرح بسب الحمى ، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها ، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه ، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب ، ففيه ما يدلّ على أن التعريض والتضمين كالتصريح في الدلالة ، فيحد كل من يفهم عنه القذف من لفظه ؛ وإن لم يصرح به ، وهو مذهب مالك كما تقدَّم . و ( قوله : " فإنَّها تذهب خطايا بني آدم " ) هذا تعليل لمنع سب الحمى لما ج٦ / ص٥٤٩يكون عنها من الثواب ، فيتعدى ذلك لكل مشقة ، أو شدة يرتجى عليها ثواب ، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك ، ولا يسب .
وحكمة ذلك : أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر ، وضعف الصبر ، أو عدمه ، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم ، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة ، ولا يخفف ألما .