حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يباح منه

( 2605 ) [ 2515] وعن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ - وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ خيرا وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا . وفي رواية: قالت: وَلَمْ أَسْمَعْه يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ؛ الْحَرْبُ ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا . وقد روى مسلم هذا من كلام ابن شهاب .

و ( قول أم كلثوم : ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث ) تعني بذلك : أنه لم يرخص في شيء مما يكذب الناس فيه ، إلا في هذه الثلاث ، وقد جاء لفظ الكذب نصا في كتاب الترمذي ، من حديث أسماء بنت ج٦ / ص٥٩٢يزيد ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين الناس " . فهذه الأحاديث قد أفادت أن الكذب كله محرم لا يحل منه شيء إلا هذه الثلاثة ، فإنَّه رخص فيها لما يحصل بذلك من المصالح ، ويندفع به من المفاسد ، والأولى ألا يكذب في هذه الثلاثة ، إذا وجد عنه مندوحة ؛ فإن لم توجد المندوحة أعملت الرخصة . وقد يجب ذلك بحسب الحاجة إلى تلك المصلحة ، والضرورة إلى دفع تلك المفسدة ، وما ذكرته هو - إن شاء الله - مذهب أكثر العلماء ، وقد ذهب الطبري إلى أنه لا يجوز الكذب الصريح بشيء من الأشياء ، لا في هذه الثلاثة ، ولا في غيرها ، متمسِّكًا بالقاعدة الكلية في تحريمه ، وتأول هذه الأحاديث على التورية والتعريض ، وهو تأويل لا يعضده دليل ، ولا تعارض بين العموم والخصوص كما هو عن العلماء منصوص .

وأما كذبة تنجي ميتا ، أو وليا ، أو أمما ، أو مظلوما ممن يريد ظلمه ، فذلك لا تختلف في وجوبه أمة من الأمم ، لا العرب ولا العجم . و ( قوله : " إن الرجل لا يزال يصدق ، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا " ) يتحرى الصدق : يقصد إليه ويتوخاه ، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب ، حتى يكون الصدق غالب حاله ، فيكتب من جملة الصديقين ، ويثبت في ديوانهم ، وكذلك القول في الكذب . وأصل الكتب : الضم والجمع ، ومنه : كتبت البغلة : إذا جمعت بين شفريها بحلقة .

ج٦ / ص٥٩٣و ( قوله : " كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ‎ جمعه وثبته ، و : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي أي : حكم وأوجب ، فكأنه جمع ما حكم به في المحكوم عليه ، وكتبت الكتاب : جمعت فيه المكتوب وثبتّه ، وقد تقدَّم القول في الصديق . وخرج أبو مسعود الدمشقي حديث عبد الله بن مسعود هذا ، وزاد فيه : " وإن شر الروايا روايا الكذب ، وإن الكذب لا يصلح فيه جد ولا هزل ، ولا يعِد الرجل صاحبه فيخلفه " . وذكر أبو مسعود أن مسلما خرج هذه الزيادة ، ولم تقع لنا هذه الزيادة ، ولا لأحد من أشياخنا فيما علمناه ، وقال أبو عبد الله الحميدي : وليست عندنا .

والروايا : جمع راوية ، يعني به : حامل الكذب وراويه ، والهاء فيه للمبالغة ، كعلامة ونسابة ، أو يكون استعارة ، شبه حامل الكذب لحمله إياه بالراوية الحاملة للماء . وفيه حجَّة للطبري في تحريمه الكذب مطلقا وعموما . وفيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد ، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبي الصغير .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث