باب الترغيب في ذكر الله تعالى
( 37 ) كتاب الأذكار والدعوات ( 1 ) باب الترغيب في ذكر الله تعالى 2676 [ 2613 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي ، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْر مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً . وفي رواية : إن الله يقول : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا دعاني . ج٧ / ص٥( 37 ) كتاب الأذكار والدَّعوات [ ( 1 ) ومن باب : الترغيب في ذكر الله تعالى ] ( قوله تعالى : " أنا عند ظن عبدي بي " ) قيل : معناه : ظن الإجابة عند الدعاء ، وظن القبول عند التوبة ، وظن المغفرة عند الاستغفار ، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها ؛ تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله .
قلت : ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " . وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر ، وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك ، موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ، ويغفر ذنبه ، ج٧ / ص٦فإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة ، والأعمال الصالحة ، فأما لو عمل هذه الأعمال ، وهو يعتقد ، أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها ، وأنها لا تنفعه ، فذلك هو القنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله ، وهو من أعظم الكبائر ، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه ، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث : " أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن عبدي بي ما شاء " . فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية ، فذلك محض الجهل والغرة ، وهو يجر إلى مذهب المرجئة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله " .
والظن : تغليب أحد المجوزين بسبب يقتضي التغليب ، فلو خلا عن السبب المغلب لم يكن ظنا بل غرة وتمنيا . وقد تقدَّم في الجنائز الكلام على قوله : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " . و ( قوله : " وأنا معه حين يذكرني " ) أصل الذكر : التنبه بالقلب للمذكور ، والتيقظ له ، ومنه قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي : تذكروها .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها " أي : إذا تذكرها بقلبه . وهو في القرآن كثير . وسمي القول باللسان ذكرا ؛ لأنَّه دلالة على الذكر القلبي ، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق للفهم ، وأصل مع الحضور والمشاهدة ، كما قال تعالى : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى وكما قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ أي : مطلع عليكم ج٧ / ص٧ومحيط بكم ، وقد ينجر مع ذلك الحفظ والنصر .
كما قيل في قوله تعالى : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى أي : أحفظكما ممن يريد كيدكما . وإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون معنى : " وأنا معه إذا ذكرني " أن من ذكر الله في نفسه مفرغة مما سواه ، رفع الله عن قلبه الغفلات والموانع ، وصار كأنه يرى الله ويشاهده - وهي الحالة العليا التي هي : أن تذكر الله كأنك تراه ، فإن لم تصل إلى هذه الحالة ، فلا أقل من أن يذكره ، وهو عالم بأن الله يسمعه ويراه . ومن كان هكذا كان الله له أنيسا إذا ناجاه ، ومجيبا إذا دعاه ، وحافظا له من كل ما يتوقعه ويخشاه ، ورفيقا به يوم يتوفاه ، ومحلا له من الفردوس أعلاه .
و ( قوله : " فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " ) النفس : اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان ، وهي المتوفاة بالموت والنوم ، ويطلق ويراد به : الدم ، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين ، ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته ، كما يقال : رأيت زيدا نفسه عينه ، أي : ذاته . وقد يطلق ويراد به الغيب ، كما قد قيل في قوله تعالى : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ أي : ما في غيبك . والأليق بهذا الحديث : أن يكون معناه : أن من ذكر الله تعالى خاليا منفردا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره ، جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته .
حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون . وقد قلنا : إن التسليم هو الطريق المستقيم . و ( قوله : " وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " ) يعني : أن من يذكره في ملأ من الناس ذكره الله في ملأ من الملائكة ، أي : أثنى عليه ، ونوه باسمه في الملائكة ، وأمر جبريل أن ينادي بذكره في ملائكة السماوات كما تقدَّم ، وهو ظاهر ج٧ / ص٨في تفضيل الملائكة على بني آدم ، وهو أحد القولين للعلماء .
وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره . و ( قوله : " وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا . إلى قوله : أتيته هرولة " ) هذه كلها أمثال ضربت لمن عمل عملا من أعمال الطاعات ، وقصد به التقرب إلى الله تعالى ، يدلّ على أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل وإن قل ، بل يقبله ويجعل له ثوابه مضاعفا .
ولا يفهم من هذا الحديث : الخُطا : نقل الأقدام ؛ إلا من ساوى الحمر في الأفهام . فإن قيل : مقتضى ظاهر هذا الخطاب : أن من عمل حسنة جوزي بمثليها ، فإنَّ الذراع : شبران ، والباع : ذراعان . وقد تقرر في الكتاب والسنة : أن أقل ما يجازى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا تحصى ، فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار الأجور ، وعدد تضاعيفها ، وإنما سيق لتحقيق أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل - قليلا كان أو كثيرا - وأن الله تعالى يسرع إلى قبوله ، وإلى مضاعفة الثواب عليه ، إسراع من جيء إليه بشيء فبادر لأخذه ، وتبشبش له بشبشة من سر به ، ووقع منه الموقع ، ألا ترى قوله : " من أتاني يمشي أتيته هرولة " ، وفي لفظ آخر : " أسرعت إليه " .
ولا تتقدر الهرولة والإسراع بضعفي المشي ، وأما عدد الأضعاف ، ج٧ / ص٩فيؤخذ من موضع آخر ، لا من هذا الحديث . والله أعلم .