حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصفة أهل الجنة وصفة أهل النار

( 63 و 64 ) [ 2740 ] وعن عياض بن حمار المجاشعي - وقد تقدم أول حديثه في العلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا ، فَقُلْتُ : رَبِّ إِذن يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبزَةً ، قَالَ : اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ ، وقَالَ : أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ : ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ ، قَالَ : وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ : الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ ، والَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا ( وزاد هنا في رواية : ويكون ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم ، والله ، لقد أدركتهم في الجاهلية ، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدة يطؤها ) وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ - وَذَكَرَ الْبُخْلَ والْكَذِبَ - وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ . و ( قوله : إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب ) نظر : بمعنى أبصر ، والمقت : أشد البغض ، وأراد بالعجم هنا : كل من لا يتكلم بكلام العرب ، ويعني بذلك قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن كلا الفريقين كان يعبد غير الله ، أو يشرك معه غيره ، فكان الكل ضلالا عن الحق ، خارجين عن مقتضى العقول والشرائع ، فأبغضهم الله لذلك أشد البغض ، لكن لم يعاجلهم بالانتقام منهم حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولا ، وأنزل عليهم كتابا قطعا لمعاذيرهم ، وإظهارا للحجة عليهم . وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب ؛ لأنَّهم كانوا متمسكين بالحق الذي جاءهم به نبيهم ، ويعني بذلك - والله أعلم - من كان في ذلك الزمان متمسِّكًا بدين المسيح ؛ لأنَّ من كفر من اليهود بالمسيح لم يبق على دين موسى ، ولا متمسِّكًا بما في التوراة ، ولا دخل في دين عيسى ، فلم يبق أحد من اليهود متمسِّكًا بدين حق إلا من آمن بالمسيح واتبع الحق الذي كان عليه ، وأما من لم يؤمن به ، فلا تنفعه يهوديته ولا تمسكه بها ؛ لأنَّه قد ترك أصلا عظيما مِمَّا فيها ، وهو العهد الذي أخذ عليهم في الإيمان بعيسى - عليه السلام - وكذلك نقول : كل نصراني بلغه أمر نبينا وشرعنا ، فلم يؤمن به ، لم تنفعه نصرانيته ؛ لأنَّه قد ترك ما أخذ عليه من العهد في شرعه .

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ؛ يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت ، إلا كان من أصحاب النار . و ( قوله : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ) أي : لأمتحنك بتبليغ الرسالة ، والصبر على معاناة أهل الجاهلية ، وأمتحن بك ؛ أي : من آمن بك واتبعك أثبته ، ومن كذبك وخالفك انتقمت منه وعاقبته . و ( قوله : وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ) أي : يسرت تلاوته وحفظه ، فخف على الألسنة ، ووعته القلوب ، فلو غسلت المصاحف لما انغسل من الصدور ، ولما ذهب من الوجود ، ويشهد لذلك قوله تعالى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقوله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وفي الإسرائيليات : أن موسى - عليه السلام - قال : يا رب إني أجد أمة تكون أناجيلها في صدورها فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة محمد .

و ( قوله : تقرؤه نائما ويقظان ) يحتمل أن يريد بذلك : أنه يوحى إليه القرآن في اليقظة والمنام ، وقد تقدَّم أن رؤيا الأنبياء وحي . ويحتمل أن يكون معنى نائم هنا : مضطجعا ، يعني في صلاة المريض ، قالهما القاضي ، وفيهما بعد ، وأشبه منهما - إن شاء الله - أن الله يسره على لسان نبيه ، وذكره ، بحيث كان يقرؤه نائما كما كان يقرؤه منتبها . لا يخل منه بحرف ، لا سيما وقد كان صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه .

وقد شاهدنا المديمين على تكرار القرآن يقرؤون منه الكثير وهم نيام ، وذلك قبل استحكام غلبة النوم عليهم . و ( قوله : إن الله أمرني أن أحرق قريشا ) أي : أغيظهم بما أسمعهم من الحق الذي يخالف أهواءهم ، وأؤلم قلوبهم بعيب آلهتهم ، وتسفيه أحلام آبائهم ، وقتالهم ، ومغالبتهم حتى كأني أحرق قلوبهم بالنار . ولا يصح أن يحمل ذلك على حقيقته ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه أنه حرق أحدا من قريش بالنار ، بل قد نهى عن التعذيب بالنار ، وقال : لا يعذب بالنار إلا الله .

و ( قوله : فقلت إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ) الرواية الصحيحة المشهورة بالثاء المثلثة والعين المعجمة ، ومعناه : يشدخوا . قاله الهروي ، وقال شمر : الثلغ : فضخك الشيء الرطب باليابس ، وقد رواه العذري : فقلعوا - بالقاف والعين المهملة - ولا يصح مع قوله : فيدعوه خبزة ومعنى هذا أنه شبه الرأس إذا شدخ بالخبزة إذا شدخت لتثرد . قلت : وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم من نحو ما قاله موسى - عليه السلام - حين أمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون فـ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ١٣ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ فهذا صريح في أنهما خافا غير الله ، وحينئذ يعارضه قوله تعالى في صفة الرسل الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وهذا نص في أن الرسل لا تخشى إلا الله ، وهذا هو المناسب لمعرفتهم بالله ، وأنه ليس في الوجود فاعل ، ولا خالق إلا هو ، وخصوصا لأولي العزم من الرسل ، وخصوصا لمحمد وموسى - صلى الله عليهما - ويرتفع التعارض من وجهين : أحدهما : أن ذلك الخوف كان منهما في بدايتهم قبل تمكنهم وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم ، وقبل تأمينهم ، فلما مكنوا وأمنوا لم يخشوا إلا الله ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره يحرس وهو في منزله ، فلما أنزل الله تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أخرج رأسه إليهم فقال : اذهبوا فقد عصمني ربي .

وثانيهما : على تسليم أن يكون ذلك منهم في غير بدايتهم ، لكن ذلك الخوف هو الذي لا ينفك البشر عن فجأته ووقوع بادرته ، حتى إذا راجع الإنسان عقله ، وتدبر أمره اضمحل ذلك الخوف أي اضمحلال ، وحصل له من معرفة الله وخشيته ما يستحقر معه رسوخ الجبال ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : استخرجهم كما استخرجوك ) أي : أخرجهم كما أخرجوك . والسين والتاء زائدتان كما يقال : استجاب ، بمعنى أجاب .

وقد رواه العذري : كما أخرجوك . وهذا يدل على أن هذا القول صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الهجرة ؛ فإنَّ أهل مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة . و ( قوله : واغزهم نغزك ) أي : اعزم على غزوهم ، واشرع فيه نعنك على غزوهم ، وننصرك عليهم .

و ( قوله : وابعث جيشا نبعث خمسة مثله ) هذا يدل على أن هذا كان قبل غزوة بدر ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه ونيف ، وقيل : ثلاثة عشر ، وقيل : سبعة عشر ، فأمده الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة ، كما نطق القرآن به . و ( قوله : أهل الجنة ثلاثة ) أي : المتأهلون لدخولها ، الصالحون له . و ( قوله : ذو سلطان مقسط ، متصدق ، موفق ) مقسط وما بعده مرفوع على أنها صفات لـ ( ذو ) وهي بمعنى صاحب .

والمقسط : العادل . والمتصدق : المعطي للصدقات . والموفق : المسدد لفعل الخيرات .

و ( قوله : رحيم ، رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين ) رحيم : كثير الرحمة . والقربى : القرابة . ورقيق القلب : لينه عند التذكر والموعظة ، ويصح أن يكون بمعنى الشفيق .

و ( قوله : وضعيف متضعف ) يعني : ضعيفا في أمور الدنيا ، قويا في أمر دينه ، كما قال : المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . وكما قد ذم الضعف في أمور الدين ، جعله من صفات أهل النار كما قال : وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له . والزبر هنا : العقل .

قاله الهروي . وفي الصحاح : يقال : ما له زبر ، أي : عقل وتماسك . قلت : وسمي العقل زبرا ؛ لأنَّ الزبر في أصله هو المنع والزجر .

يقال : زبره يزبره - بالضم - زبرا : إذا انتهره ومنعه . ولما كان العقل هو المانع لمن اتصف به من المفاسد والزاجر عنها ، سمي بذلك . وقد قيل في الزبر في هذا الحديث : أنه المال ، وليس بشيء .

و ( قوله : الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا ) هذا تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم لقوله أولا : الضعيف الذي لا زبر له ) فيعني بذلك : أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول ، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية ، ولا فضيلة نفسية ولا دينية ، بل : يهملون أنفسهم إهمال الأنعام ، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام ، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية . و ( قوله : قلت : ويكون ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم ! والله لقد أدركتهم في الجاهلية ، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها ) هذا القائل هو قتادة . وأبو عبد الله هو مطرف بن الشخير الذي روى عن عياض بن حمار .

ويدل هذا على أن مطرفا أدرك الجاهلية ، وأنَّه صحابي وإن لم يذكره أبو عمر في الصحابة ، وكان حقه أن يذكره ؛ لأنَّ من شرطه أن يذكر من ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومطرف ولد في زمانه صلى الله عليه وسلم ، على ما قاله ابن قتيبة وغيره . والحي : القبيل . والوليدة : الأمة ، ووجدت مقيدا في أصل أبي الصبر ، معتنى به ، مصححا عليه : إلا وليدتهم بفتح التاء ، ووجهه أنه استثناء من مستثنى محذوف ، تقديره : ما به شيء أو حاجة إلا وليدتهم .

ووقع في بعض النسخ : إلا وليدة ، غير مضاف . و ( قوله : والخائن الذي لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا خانه ) الخائن : هو الذي يأخذ مما اؤتمن عليه بغير إذن مالكه ، ويخفى له - هنا - بمعنى يظهر ، كما قال : خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب أي : أظهرهن . وخفي من الأضداد .

يقال : خفيت الشيء ؛ أي : أظهرته وسترته . قاله أبو عبيد . و ( قوله : وذكر البخل والكذب ) هكذا الرواية المشهورة فيه بالواو الجامعة ، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بـ ( أو ) التي للشك .

قال القاضي : ولعله الصواب . وبه وتصح القسمة ؛ لأنَّه ذكر أن أصحاب النار خمسة : الضعيف الذي وصف ، والخائن الذي وصف ، والرجل المخادع الذي وصف . قال : وذكر البخل والكذب ، ثم ذكر الشنظير الفحاش ، فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين ، وقد يحتمل أن يكون الرابع من جمعهما على رواية واو العطف ، كما جمعهما في الشنظير الفحاش .

وكذلك قوله : أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين ، وعفيف متعفف ذو عيال . قال : كذا قيدناه بخفض ( مسلم ) عطفا على ما قبله ، وفي رواية أخرى : ومسلم عفيف بالرفع وحذف الواو . قلت : العفيف : الكثير العفة ، وهي الانكفاف عن الفواحش ، وعما لا يليق .

والمتعفف : المتكلف للعفة . والشنظير : السيئ الخلق ، في الصحاح : رجل شنظير وشنظيرة ، أي : سيئ الخلق . قالت امرأة من العرب : شنظيرة زوجنيه أهلي من حمقه يحسب رأسي رجلي كأنه لم ير أنثى قبلي وربما قالوا : شنذيرة - بالذال المعجمة - لقربها من الظاء لغة ، أو لثغة .

والفحاش : الكثير الفحش . وقيل : الشنظير : هو الفحاش . قال صاحب العين : يقال : شنظر بالقوم : شتم أعراضهم .

والشنظير : الفحاش من الرجال الغلق ، وكذلك من الإبل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث