باب في صفة الدجال وما يجيء معه من الفتن
( 14 ) باب في صفة الدجال وما يجيء معه من الفتن 2934 ( 104 و 105 ) [ 2828 ] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ ، أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ ، وَالْآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا ، وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ ، عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ . وفي رواية : " الدجال أعور العين اليسرى جفال الشعر ، معه جنة ونار ، فناره جنة وجنته نار " . ج٧ / ص٢٧٣( 14 و 15 ) ومن باب : صفة الدجال ( قوله : " لأنا أعلم بما مع الدجال منه " ) هذا جواب قسم محذوف ؛ أي : والله لأنا أعلم ؛ أي : أن الدجال لا يعلم حقيقة ما معه من الجنة والنار ، ولا من النهرين ؛ أي أنه يظنهما كما يراهما غيره ، فيظن جنته جنة وماءه ماء ، وحقيقة الأمر على الخلاف من ذلك ، فيكون قد لبس عليه فيهما ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد علم حقيقة كل واحد منهما ، ولذلك بينه ، فقال : " ناره ماء بارد " .
وفي اللفظ الآخر : " فجنته نار وناره جنة " وهذا الكلام رواه مسلم عن حذيفة من قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الطريق ، وقد رواه من طريق أخرى موقوفا على حذيفة من قوله ، وقد رواه أبو داود من حديث ربعي بن خراش قال : اجتمع حذيفة وأبو مسعود ، فقال حذيفة : لأنا أعلم بما مع الدجال منه . و ( قوله : " رأي العين " ) منصوب على الظرف ؛ أي : حين رأي العين ، أو في رأي العين ، ويصح أن يقال فيه : إنه مصدر صدره محذوف ، تقديره : تراه رأي العين . وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده ، وابتلاء ابتلاهم به ، ليتميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد ج٧ / ص٢٧٤من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام ، وإن أتوا على دعواهم بأمثال تلك الطوام ، أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم ، حتى يوردهم ذلك نار الجحيم .
وفتنة الدجال من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم فتقول لهم : أنا ربكم ، فيقول المؤمنون : نعوذ بالله منك ، كما تقدَّم في الإيمان . ومقتضى روايتي حذيفة : أن معه نهرين وجنتين ، وأنهما مختلفتان في المعنى واللفظ لأن النهر لا يقال عليه جنة ، ولا الجنة يقال عليها نهر . هذا هو الظاهر ، ويحتمل أن يقال : إن ذينك النهرين في جنة ونار ، فحسن أن يعبر بأحدهما عن الآخر .
و ( قوله : " فإما أدركن ذلك أحدكم " ) كذا الرواية عند جميع الشيوخ ، والصواب : إسقاط النون ، لأنه فعل ماض ، وإنما تدخل هذه النون على الفعل المستقبل كقوله : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ و فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ونحوه كثير . و ( قوله : " الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة " ) هي بالظاء المعجمة والفاء ، وهما مفتوحتان ، وهي جلدة تغشي العين ، إن لم تقطع غشيت العين . ومعنى ممسوح العين ؛ أي : مطموس ضوؤها وإدراكها ، فلا يبصر بها شيئًا .
و ( قوله : " الدجال أعور العين اليسرى " ) الأعور : هو الذي أصابه في عينه عور ، وهو العيب الذي يذهب إدراكها ، وهكذا
صح في : " اليسرى "، وقد
صح من حديت ابن عمر مرفوعا أنه أعور عينه اليمنى ، كأنها عنبة ج٧ / ص٢٧٥طافية ، ورواه الترمذي أيضًا وصححه، وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما ، وقد تكلف القاضي أبو الفضل الجمع بينهما ، فقال : جمع الروايتين عندي صحيح ، وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما ؛ إذ العور في كل شيء : العيب ، والكلمة العوراء : هي المعيبة . فالواحدة عوراء بالحقيقة ، وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست جحراء ، ولا ناتئة ، وممسوحة ومطموسة . وطافئة - على رواية الهمز - والأخرى عوراء لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة ، أو كأنها كوكب ، أو كأنها عنبة طافية -بغير همز- وكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال ، أو بمعنى العور الأصلي الذي هو العيب .
قلت : وحاصل كلامه : أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء . إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها ، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة . لكن يُبعد هذا التأويل : أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الروايات بمثل ما وصفت به الأخرى من العور ، فتأمله ، فإنَّ تتبع تلك الألفاظ يطول .
و ( قوله : " جفال الشعر " ) أي : كثيره . قال ذو الرمة يصف شعر امرأة :