المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي
عدد الأحاديث: 2٬011
16 - وَقَصَدْتُ مِنْ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّإِ فِي كِتَابِي إِلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ ، فَجَعَلْتُ رُسُومَ كِتَابِي هَذَا عَلَى رُسُومِ كِتَابِهِ وَنَسَقِ أَبْوَابِهِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ عَلَى أَنَّهُ سَيُنَظَّمُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كَثِيرٌ مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى حَسْبِ مَا يَقُودُ إِلَيْهِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ . 17 - وَأَمَّا الْإِسْنَادُ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَإِنَّ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ نَصْرٍ حَدَّثَنَا بِجَمِيعِ الْمُوَطَّإِ قِرَاءَةً مِنْهُ عَلَيْنَا مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، وَوَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ . 18 - وَحَدَّثَنَا أَيْضًا بِهِ : أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّارُ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مَسَرَّةَ ، وَابْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ، عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ . 19 - وَحَدَّثَنَا بِهِ أَيْضًا : أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مَسَرَّةَ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ . 20 - وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ فَقَرَأْتُهَا عَلَى أَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بْنِ بَابٍ ، حَدَّثَنَا الْعَلَّافُ ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ . 21 - وَقَرَأْتُهَا أَيْضًا عَلَى أَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، جَمِيعًا عَنْ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ . 22 - وَأَخْبَرَنِي بِهَا أَيْضًا : أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ سَهْلٍ الْحَافِظُ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدَّبِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ . 23 - وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِلْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ فَقَرَأْتُهَا عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ تَمِيمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ ، عَنْ سَحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ . 24 - وَأَمَّا رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَقَرَأْتُهَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسَدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْ بَكْرِ بْنِ الْعَلَاءِ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنَ مُوسَى النَّسَائِيِّ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ . 25 - وَأَمَّا رِوَايَةُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّارِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ فَحَدَّثَنِي بِهَا : أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُرَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ مَالِكٍ .
8 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : مَا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَنْفَعُ لِلنَّاسِ مِنْ مُوَطَّإِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . 9 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ سَعِيدٍ الْأَيْلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : مَا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَنْفَعُ مِنْ كِتَابِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . 10 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الشَّرِيفِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ مُوَطَّإِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . 11 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى يَقُولُ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ كِتَابًا أُلِّفَ فِي الْعِلْمِ أَكْثَرَ صَوَابًا مِنْ مُوَطَّإِ مَالِكٍ . 12 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ السِّيرَافِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَنْ كَتَبَ كِتَابَ الْمُوَطَّإِ لِمَالِكٍ فَلَا عَلَيْهِ أَلَّا يَكْتُبَ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ شَيْئًا . 13 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ يَقُولُ - وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ مُوَطَّأَ مَالِكٍ وَكَانَ ابْنَا أَخِيهِ قَدْ رَحَلَا إِلَى الْعِرَاقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالَ : لَوْ أَنَّ ابْنَيْ أَخِي مَكَثَا بِالْعِرَاقِ عُمْرَهُمَا يَكْتُبَانِ لَيْلًا وَنَهَارًا مَا أَتَيَا بِعِلْمٍ يَشْبِهُ مُوَطَّأَ مَالِكٍ ، وَلَا أَتَيَا بِسُنَّةٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا خِلَافِ مُوَطَّإِ مَالِكٍ . 14 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ - صَاحِبِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : عَرَضْنَا عَلَى مَالِكٍ الْمُوَطَّأَ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَقَالَ : كِتَابٌ أَلَّفْتُهُ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً أَخَذْتُمُوهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، قَلَّمَا تَتَفَقَّهُونَ فِيهِ . 15 - وَلَمْ أَذْكُرْ فِي كِتَابِي هَذَا شَيْئًا مِنْ مَعَانِي النَّقْلِ وَغَوَائِلِهِ وَعِلْمِ طُرُقِهِ وَعِلَلِهِ ، وَلَا مِنْ فَضَائِلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَخْبَارِهِ ، إِذْ ذَاكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ بِأَتَمِّ ذِكْرٍ وَأَكْمَلِهِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا 1 - قَالَ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ - رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الَّذِي لَا يَبْلُغُ وَصْفَ صِفَاتِهِ الْوَاصِفُونَ ، وَلَا يُدْرِكُ كُنْهَ عَظَمَتِهِ الْمُتَفَكِّرُونَ ، وَيُقِرُّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَبْلَغِ قُدْرَتِهِ الْمُعْتَبِرُونَ ، الَّذِي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا وَعِلْمًا ، وَلَا يُحِيطُ خَلْقُهُ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ، خَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ ، وَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الصِّعَابُ ، أَمْرُهُ فِي كُلِّ مَا أَرَادَ مَاضٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ مَا شَاءَ حَاكِمٌ قَاضٍ ، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . 2 - يَقْضِي بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، ذُو الرَّحْمَةِ وَالطَّوْلِ ، وَذُو الْقُوَّةِ وَالْحَوْلِ ، الْوَاحِدُ الْفَرْدُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، لَيْسَ لَهُ نِدٌّ وَلَا ضِدٌّ ، وَلَا لَهُ شَرِيكٌ وَلَا شَبِيهٌ ، جَلَّ عَنِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ . 3 - أَحْمَدُهُ كَثِيرًا عَدَدَ خَلْقِهِ وَكَلِمَاتِهِ ، وَمِلْءَ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ ، وَأَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ وَعَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
4 - أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ وَالْعِنَايَةِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِنَا - نَفَعَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّانَا بِمَا عَلَّمَنَا - سَأَلُونَا فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مُشَافَهَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَأَلَنِي ذَلِكَ مِنْ آفَاقٍ نَائِيَةٍ مُكَاتِبًا أَنْ أُصَرِّفَ لَهُمْ كِتَابَ التَّمْهِيدِ عَلَى أَبْوَابِ الْمُوَطَّإ وَنَسَقِهِ ، وَأَحْذِفَ لَهُمْ مِنْهُ تَكْرَارَ شَوَاهِدِهِ وَطُرُقِهِ ، وَأَصِلَ لَهُمْ شَرْحَ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ اللَّذَيْنِ قَصَدْتُ إِلَى شَرْحِهِمَا خَاصَّةً فِي التَّمْهِيدِ بِشَرْحِ جَمِيعِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ ، وَمَا لِمَالِكٍ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ ، وَاخْتَارَهُ مِنْ أَقَاوِيلِ سَلَفِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، الَّذِين هُمُ الْحُجَّةُ عِنْدَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ ، وَأَذْكُرُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ رَسَمَهُ وَذَكَرَهُ فِيهِ مَا لِسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ التَّنَازُعِ فِي مَعَانِيهِ ، حَتَّى يَتِمَّ شَرْحُ كِتَابِهِ الْمُوَطَّإ مُسْتَوْعَبًا مُسْتَقْصًى بِعَوْنِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ ، وَطَرْحِ مَا فِي الشَّوَاهِدِ مِنَ التَّكْرَارِ ، إِذْ ذَلِكَ كُلُّهُ مُمَهَّدٌ مَبْسُوطٌ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 5 - وَأَقْتَصِرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْحُجَّةِ وَالشَّاهِدِ عَلَى فِقَرٍ دَالَّةٍ ، وَعُيُونٍ مُبَيِّنَةٍ ، وَنُكَتٍ كَافِيَةٍ ; لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى حِفْظِ الْحَافِظِ ، وَفَهْمِ الْمُطَالِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 6 - وَأَمَّا أَسْمَاءُ الرِّجَالِ فَقَدْ أَفْرَدَنَا لِلصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كِتَابًا مُوعِبًا . وَكُلُّ مَنْ جَرَى ذِكْرُهُ فِي مُسْنَدِ الْمُوَطَّإ أَوْ مُرْسَلِهِ فَقَدْ وَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهِ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْتِي التَّعْرِيفُ بِأَحْوَالِهِمْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 7 - وَإِلَى اللَّهِ أَرْغَبُ فِي حُسْنِ الْعَوْنِ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلَى كُلِّ مَا يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ ، وَأَضْرَعُ إِلَيْهِ فِي السَّلَامَةِ مِنَ الزَّلَلِ وَالْخَطَلِ ، وَأَنْ يَجْعَلَنِي مِمَّنْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ كُلِّهِ وَجْهَهُ وَرِضَاهُ ، فَهُوَ حَسْبُنَا فِيمَا أَمَلْنَاهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ .
( 6 ) بَابُ الْإِيلَاءِ 1136 - مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ ، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 25350 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوقَفُ الْمُولِي ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فِي الْمُوَطَّأ فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ ؛ مِنْهَا مَا : 25351 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدُ بْنُ دُوَادَ قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى . قَالَ هُشَيْمٌ : وَأَخْبَرَنِي الشَّيْبَانِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْكِنْدِيُّ قَالَ : شَهِدْنَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقَفَ رَجُلًا عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ؛ إِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ .
1185 1137 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَيُّمَا رَجُلٍ آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَقَفَ حَتَّى يُطَلِّقَ أَوْ يَفِيءَ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفُ . 1138 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنَ امْرَأَتِهِ : إِنَّهَا إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ، وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ . 1139 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الرَّجُلِ إِذَا آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ، وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا . 25352 - قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ شِهَابٍ . 25353 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَالصَّحِيحُ مِنْ رَأْيِهِ وَمَذْهَبِهِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ مِنَ الْقَوْلِ بِوَقْفِ الْمُولِي . 25354 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمُولِيَ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ . 25355 - رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ . 25356 - وَلَمْ يَلْقَ الْحَسَنُ عَلِيًّا وَلَا سَمِعَ مِنْهُ . 25357 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالَا : إِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ، وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ . 25358 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ عَنْ عَلِيٍّ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . 25359 - وَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ . 25360 - وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَهُوَ مَذْهَبُهُ الْمَحْفُوظُ عَنْهُ . 25361 - وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَا ذَكَرَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ . 25362 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَوَكِيعٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمُولِي قَالَ : إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ . 25363 - وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَقْفُ الْمُولِي ؛ رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَسَالِمٌ وَغَيْرُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 25364 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي قِلَابَةَ عِنْدَ أَيُّوبَ ، سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ وَسَالِمًا عَنِ الْإِيلَاءِ ، فَقَالَ : إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ - لَمْ يَقِلْ بَائِنَةٌ وَلَا رَجْعِيَّةٌ . 25365 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ ، لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُمَا فِيمَا عَلِمْتُ . 25366 - وَاخْتَلَفَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ وَقْفُ الْمُولِي . 25367 - رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : يُوقَفُ الْمُؤْلِي عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ . 25368 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُهُ . 25369 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُؤْلِي مِنَ امْرَأَتِهِ سَنَةً ، وَيَأْتِي عَائِشَةَ فَتَقْرَأُ عَلَيْهِ : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ الْآيَةَ وَتَأْمُرُهُ بِاتِّقَاءِ اللَّهَ وَأَنْ يَفِيءَ . 25370 - وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ رَجُلًا بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ . 25371 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقِفُونَ الْمُؤْلِيَ . 25372 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ . 25373 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَا أَظُنُّهُ رَوَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . 25374 - وَمِمَّنْ قَالَ يُوقَفُ الْمُؤْلِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ مُجَاهِدٌ وَطَاوُوسٌ . 25375 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ . 25376 - فَإِنْ لَمْ يَفِئْ وَطَلَّقَ أَوْ طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَالطَّلْقَةُ رَجْعِيَّةٌ عِنْدَهُمْ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا مِنْ بَيْنِهِمْ قَالَ : لَا تَصِحُّ لَهُ رَجْعَةٌ حَتَّى يَطَأَ فِي الْعِدَّةِ . 25377 - وَلَا أَعْلَمُ أحدا وَافَقَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25378 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُؤْلِي أَنَّهُ يلْزَمُهُ بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ بِالصَّحِيحِ . 25479 - وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَالصَّحِيحُ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . 25380 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : يُوقَفُ الْمُؤْلِي عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ . 25381 - وَأَمَّا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا ؛ 25382 - رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ مَرْوَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ . 25383 - قَالَ مَرْوَانُ : وَلَوْ وُلِّيتُ هَذَا الْأَمْرَ لَقَضَيْتُ بِقَضَاءِ عَلِيٍّ . 25384 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْمَرٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مَرْوَانَ وَقَفَ رَجُلًا آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ . 25385 - وهُوَ غَرِيبٌ عَنْ مَالِكٍ . 25386 - وَكُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ فَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الشُّيُوخِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ . 25387 - وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ شِهَابٍ وَمِنْ تَابَعَهُمَا عَلَى أَنَّهُ مَا بِقَضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ تُطَلَّقُ زَوْجَةُ الْمُؤْلِي طَلْقَةً رَجْعِيَّةً - الْأَوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ . 25388 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ - أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : إِذَا مَضَتْ لِلْمُؤْلِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ ، لَا يَمْلِكُ فِيهَا رَجْعَةً . 25389 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عُثْمَانَ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 25390 - فَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25391 - وَالرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِذَلِكَ ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَا : إِذَا آلَى فَلَمْ يَفِئْ حَتَّى تَمْضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ . 25392 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، وَالْفَيْءُ الْجِمَاعُ . 25393 - قَالَ : وحَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إِذَا آلَى فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ . 25394 - وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ . 25395 - وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ : سَمِعَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْإِيلَاءِ ، فَمَرَرْتُ بِهِ فَقَالَ : مَاذَا قَالَ لَكَ ؟ فَحَدَّثْتُهُ ، فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكَ مَا كَانَ عُثْمَانُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولَانِ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ، وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ . 25396 - ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا . 25397 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ الْفُقَهَاءِ - فِيمَا عَلِمْتُ - يَقُولُونَ : إِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ الطَّلَاقِ عِدَّةَ المطَّلْقَةِ ، إِلَّا جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَا تَعْتَدُّ - يَعْنِي - إِذَا كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ . 25398 - وَقَالَ بِقَوْلِهِ طَائِفَةٌ . 25399 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ . 25400 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ؛ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ وَعِنْدَهُ الزُّهْرِيُّ ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْإِيلَاءِ ؟ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَوَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . فَقُلْتُ لَهُ : مَا قُلْتَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَلَا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا بِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ! فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ : مَا قَالُ هَؤُلَاءِ ؟ قُلْتُ : كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ : إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، لَا يَخْطُبُهَا زَوْجُهَا وَلَا غَيْرُهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، يَخْطُبُهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ ولَا يَخْطُبُهَا غَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا لَكُمْ تَقُولُونَ عَلَيْهَا إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَقَدْ حَاضَتْ فِيهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ تَزَوَّجَتْ مَنْ شَاءَتْ . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ فَاءَ . 25401 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا ، ولَا يَصِحُّ عَنْهُ مَا حَكَاهُ قَتَادَةُ . 25402 - وَقَتَادَةُ حَافِظٌ مُدَلِّسٌ ، يَرْوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَيُرْسِلُ عَنْهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ ثِقَةٍ وَغَيْرِ ثِقَةٍ . 25403 - وَرَوَى مَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَأَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - وَكَانَ قَدْ آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ : إِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَاعْتَرِفْ بِتَطْلِيقَةٍ . 25404 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ . 25405 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلْمُولِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَا سَبِيلَ فِيهَا لِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ . 25406 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حُقُوقِهَا ، وَلَهَا تَرْكُهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ الَّذِي جُعِلَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِيهِ التَّرَبُّصُ ، فَإِنْ طَلَبَتْهُ فِي حِينٍ يَجِبُ لَهَا طَلَبُهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَقْفَ الْمُولِي ، فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ . 25407 - وَالدَّلِيلُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَجَمَعَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ فَإِنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُخَاطَبْ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ كَذَلِكَ الْفَيْءُ ، لَا يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ . 25408 - وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ بِمُضِيِّهَا لَمَا تَهَيَّأَ أَنْ يُخَاطَبَ الزَّوْجُ بِالْفَيْءِ . 25409 - وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ مُمْكِنٌ لَهُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ . 25410 - وَدَلِيلٌ آخَرُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَلَا يَكُونُ السَّمَاعُ إِلَّا الْمَسْمُوعَ ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ لَمَا تَهَيَّأَ سَمَاعُ ذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ أَيْضًا إِنَّمَا يَقَعُ بِإِيقَاعِهِ لَهُ لَا بِمُضِيِّ الْأَجَلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ مِنَ الْإِيلَاءِ 25411 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنَ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ فَيُطَلِّقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ - أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُذْرِ ، فَإِنَّ ارْتِجَاعَهُ إِيَّاهَا ثَابِتٌ عَلَيْهَا ، فَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَقَفَ أَيْضًا ، فَإِنْ لَمْ يَفِئْ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِالْإِيلَاءِ الْأَوَّلِ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَلَا عِدَّةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنَ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَيُطَلِّقُ ثُمَّ يَرْتَجِعُ وَلَا يَمَسُّهَا فَتَنْقَضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا : إِنَّهُ لَا يُوقَفُ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ، وَإِنَّهُ إِنْ أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا ، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا - وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعَتُ فِي ذَلِكَ . 25412 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا . 25413 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا شَرَطَ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ الْجِمَاعَ إِلَّا مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَيَجْعَلُهُ إِذَا لَمْ يَطَأْ فِي حُكْمِ الْمُولِي ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ : وَاللَّهِ لَئِنْ تَزَوَّجْتُكِ لَأوطَأَنَّكِ - ثُمَّ تَزَوَّجَهَا كَانَ مُولِيًا عِنْدَهُ . 25414 - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ - فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ عِنْدَهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا ، وَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الطَّلَاقُ الْإِيلَاءَ . 25415 - وَدَلِيلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ ، وَأَنَّهُ مُذْ وَطِئَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ الْجَدِيدِ حَنِثَ كَالْمُوَلِي قَبْلَ النِّكَاحِ الْجَدِيدِ ، وَلَا يُسْقِطُ الْإِيلَاءَ إِلَّا الْجِمَاعُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ بِعُذْرٍ مَانِعٍ مِثْلِ السِّجْنِ الَّذِي لَا يَصِلُ مَعَهُ إِلَيْهَا أَوِ الْمَرَضِ الْمَانِعِ الْمُذْنِبِ لَهُ مِنْ وَطْئِهَا أَوِ الْبُعْدِ مِنَ السَّفَرِ - كَانَ مَبِيتُهُ عِنْدَهُ كَفَّارَتَهُ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ إِذْ بَانَ عُذْرُهُ . 25416 - قَالَ : وَمِمَّا تُعْرَفُ بِهِ فَيْئَةُ الْمَرِيضِ أَنْ يُكَفِّرَ فَتَسْقُطَ يَمِينُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُكَفِّرُ إِذْ قَدْ بَانَ عُذْرُهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجُونُ وَالْغَائِبُ . 25417 - وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ لَا تُكَفَّرُ فَنِّيَّتُهُ بِالْقَوْلِ ، فَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ عَادَ الْحُكْمُ . 25418 - هَذَا كُلُّهُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 25419 - وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَالطَّلَاقُ عِنْدَهُمْ مِنَ السُّلْطَانِ أَوِ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ عِنْدَ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِانْقِضَائِهَا كَالْفَيْئَةِ ; لِمَا فِي الْفَيْئَةِ مِنَ الْحِنْثِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ فَاءُوا أَيْ رَجَعُوا إِلَى الْجِمَاعِ الَّذِي حَلَفُوا عَلَيْهِ فَحَنِثُوا أَنْفُسَهُمْ ، أَوْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَبَرِئُوا . 25420 - فَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لَمْ يَعُدِ الْإِيلَاءُ إِلَّا بِيَمِينٍ أُخْرَى ; لِأَنَّ الْحِنْثَ بِالْفَيْئَةِ قَدْ وَقَعَ ، وَلَا يَحْنَثُ مَرَّتَيْنِ . 25421 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ - لَا إِيلَاءَ إِلَّا بِيَمِينٍ . 25422 - وَلَا يَرَوْنَ الْمُمْتَنِعَ مِنَ الْوَطْءِ بِلَا يَمِينٍ مُولِيًا . 25423 - وَالْإِيلَاءُ مَصْدَرُ ، أَوْلَى إِيلَاءً وَأَلِيَّةً . 25424 - وَالْأَلِيَّةُ الْيَمِينُ ، وَجَمْعُهَا الْآلَاءُ . 25425 - قَالَ كُثَيِّرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ : قَلِيلُ الْآلَاءِ حَافِظٌ لِيَمِينِهِ وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ 25426 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا بَعْدَ الْإِيلَاءِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ ؛ 25427 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَكُونُ مُولِيًا . 25428 - وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَزُفَرَ . 25429 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَكُونُ مُولِيًا ، وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ . 25430 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 25431 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ : إِذَا بَانَتِ الْمَرْأَةُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا كَانَ مُولِيًا . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا يَكُونُ مُولِيًا . 25432 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حَالٍ لَوْ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا . 25433 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا آلَى وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَمْ يُجَامَعْ مِثْلُهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا حَتَّى تَبْلُغَ الْوَطْءَ ، ثُمَّ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَلَغَتِ الْوَطْءَ . 25434 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ . 25435 - قَالَ : وَلَا يُوقَفُ الْخَصِيُّ ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ . 25436 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا لَمْ يَبْقَ لِلْخَصِيِّ مَا يَنَالُ بِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا يَنَالُهُ الصَّحِيحُ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ فَهُوَ كَالْمَجْبُوبِ فَاءَ بِلِسَانِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُجَامَعُ مِثْلُهُ . 25437 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا إِيلَاءَ عَلَى مَجْبُوبٍ . 25438 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ . 25439 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُولِي الْعَاجِزِ عَنِ الْجِمَاعِ فَقَدَ مَضَى قَوْلُ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ . 25440 - وَقَالَ فِي الْمُسَافِرِ : إِذَا طَالَبَتْهُ امْرَأَتُهُ كَتَبَ مَوْضِعَهُ ، فَيُوقَفُ لِيَفِيءَ أَوْ لِيُطَلِّقَ أَوْ يُطَلَّقَ عَلَيْهِ . 25441 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا آلَى وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، أَوْ كَانَتْ رَتْقَاءَ أَوْ صَغِيرَةً - فَفِيهِ الرِّضَا بِالْقَوْلِ إِذَا دَامَ بِهِ الْعُذْرُ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ ، فَإِنْ قَدَرَ فِي الْمُدَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْجِمَاعُ . 25442 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْرِمًا بِالْحَجِّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقْتِ الْحَجِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إِلَّا بِالْجِمَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْمَحْبُوسُ . 25443 - وَقَالَ زُفَرُ : فَيْؤُهُ بِالْقَوْلِ . 25444 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ عَنْهُ : إِذَا كَانَ لِلْمُولِي عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ فَلْيَفِئْ بِلِسَانِهِ ، يَقُولُ : قَدْ فِئْتُ - وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ . 25445 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 25446 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ فَأَشْهَدَ عَلَى الْفَيْءِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ وَقَدْ فَاءَ - فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ . 25447 - وَكَذَلِكَ إِنْ وَلَدَتْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَوْ حَاضَتْ ، أَوْ طَرَدَهُ السُّلْطَانُ ، فَإِنَّهُ يُشْهِدُ عَلَى الْفَيْءِ وَلَا إِيلَاءَ عَلَيْهِ . 25448 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا مَرِضَ بَعْدَ الْإِيلَاءِ ثُمَّ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُوقَفُ كَمَا يُوقَفُ الصَّحِيحُ ، فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ ، وَلَا يُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ يَصِحَّ . 25449 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ : إِذَا آلَى الْمَجْبُوبُ فَفَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ . 25450 - قَالَ : وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ : لَا إِيلَاءَ عَلَى مَجْبُوبٍ . 25451 - قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ صَبِيَّةً فَآلَى مِنْهَا اسْتَأْنَفَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَمَا تَصِيرُ فِي حَالٍ يُمْكِنُ جِمَاعُهَا . 25452 - قَالَ : وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إِلَّا بِالْجِمَاعِ ، فَإِنْ وَطِئَ فَسَدَ حَجُّهُ . 25453 - قَالُوا : وَلَوْ آلَى وَهِيَ بِكْرٌ فَقَالَ لَا أَقْدِرُ عَلَى افْتِضَاضِهَا - أُجِّلَ أَجَلَ الْعِنِّينِ . 25454 - قَالَ : وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ وَفَاءَ بِلِسَانِهِ ثُمَّ قَدَرَ وُقِفَ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ . 25455 - قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَوْ مُحْرِمَةً لَمْ يَلْزَمْهُ الْفَيْءُ حَتَّى تَحِلَّ إِصَابَتُهَا . 25456 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إِذَا حُبِسَ اسْتَأْنَفَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَطَالَبَهُ الْوَكِيلُ فَاءَ بِلِسَانِهِ وَسَارَ إِلَيْهَا كَيْفَ أمْكَنَهُ ، وَإِلَّا طُلِّقَتْ عَلَيْهِ . 25457 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : فَإِنْ فَاءُوا هُوَ الْجِمَاعُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَصَارَ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُحْكَمِ . 25458 - وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 25459 - وَعَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُمْ جَاءَتْ فُرُوعُ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 25460 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُولِيَ إِذَا فَاءَ بِالْوَطْءِ وَحَنَّثَ نَفْسَهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، إِلَّا رِوَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِذَا فَاءَ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ . 25461 - وَهَذَا مَذْهَبٌ فِي الْأَيْمَانِ لِبَعْضِ التَّابِعِينَ فِي كُلِّ مَنْ حَلَفَ عَلَى بِرٍّ أَوْ تَقْوَى أَوْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ أَلَّا يَفْعَلَهُ - فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . 25462 - وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ - بِإِتْيَانِهِ الْخَيْرَ - مَا لَزِمَتْهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ .
25463 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَنْقَضِي الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، قَالَ : هُمَا تَطْلِيقَتَانِ إِنْ هُوَ وُقِفَ وَلِمَ يَفِئْ ، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَيْسَ الْإِيلَاءُ بِطَلَاقٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ الَّتِي كَانَتْ تُوقَفُ بَعْدَهَا مَضَتْ ، وَلَيْسَتْ لَهُ يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةٍ . 25464 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَنَّهُ طَلَّقَ بَعْدَ الْإِيلَاءِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، فَطَالَبَتْهُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ بِحَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ ، فَأَوْقَفَ لَهَا بَابًا أَنْ يَفِيءَ إِلَى جِمَاعِهَا مُرَاجَعَتَهَا ، فَطَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ طَلْقَةً أُخْرَى فَصَارَتَا تَطْلِيقَتَيْنِ . 25465 - وَلَوِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَمْرِ التَّوْقِيفِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَوْقِيفٌ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ . 25466 - وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَوْقِيفٌ لَمْ يَكُنْ طَلَاقٌ غَيْرَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ . 25467 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَنَاهَا عَلَى أَصْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ ، لَيْسَ فِيهَا جَوَابٌ أُخْبِرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25468 - وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَكُلِّ مَنْ قَالَ : يُوقَفُ الْمُؤْلِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ - مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
25495 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِيلَاءً . وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ إِيلَاءً . 25496 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : حَلَفْتُ أَلَّا أَمَسَّ امْرَأَتِي سَنَتَيْنِ ! فَأَمَرَهُ فَاعْتَزَلَهَا ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تُرْضِعُ ! فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . 25497 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَيْسَ بِمُضَارٍّ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ إِصْلَاحَ وَلَدِهِ ، وَقَدْ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ لِمَا عَلِمَ أَنَّ الْعَرَبَ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ فَسَادٌ لِلْوَلَدِ ، ثُمَّ تَرَكَهَا تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِذْ بَلَغَهُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . 25498 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى نَفْسِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَقَصَدَ انْتِفَاعَ وَلَدِهِ ، وَصَلَاحَهُ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضَارٍّ لِزَوْجَتِهِ . 25499 - وَالْغِيلَةُ وَطْءُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ الرَّضَاعِ . 25500 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ 25501 - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ حَتَّى تُعْطِي وَلَدَكِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الضَّرَرِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِصْلَاحَ وَلَدِهِ . 25502 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . 25503 - وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ . 25504 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ قَالَ : لَا أَقْرَبُكِ حَتَّى تَفْطِمِي وَلَدَكِ ، فَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ كَانَ مُؤْلِيًا . 25505 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَفْطِمُهُ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . 25506 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ . 25507 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّةِ الْفِطَامِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُؤْلٍ .
25469 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيلَاءً ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فِي الْإِيلَاءِ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ إِيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ عِنْدَهُ خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَقْفٌ . 25470 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 25471 - فَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ أَبِي شُبْرُمَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ حَلَفَ أَلَّا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُدَّةِ ثُمَّ ذَكَرَهَا دُونَ أَنْ يَطَأَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ بِالْإِيلَاءِ . 25472 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ . 25473 - وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . 25474 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ . 25475 - وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لَا يَكُونُ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُولِيًا . 25476 - وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٌ . 25477 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وأَبُو عُبَيْدٍ . 25478 - وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَا مَزِيدَ ؛ 25479 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . 25480 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُهُ . 25481 - الْإِيلَاءُ : أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا . 25482 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ . 25483 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْلِي تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَهِيَ لَهُ بِكَمَالِهَا لَا اعْتِرَاضَ لِزَوْجَتِهِ عَلَيْهِ فِيهَا ، كَمَا أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْمُطَالَبَةَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَجَلِ . 25484 - فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ - وَهِيَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ - كَانَتِ لِلْمَرْأَةِ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهَا مِنَ الْجِمَاعِ عِنْدَ السُّلْطَانِ ، فَيُوقَفُ زَوْجُهَا ، فَإِنْ فَاءَ جَامَعَهَا وَكَفَّرَ يَمِينَهُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ . 25485 - هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الصَّوَابُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْبَابِ قِيَاسًا عَلَى أَجَلِ الْعِنِّينِ . 25486 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَيَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - جَعَلَ التَّرَبُّصَ فِي الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، كَمَا جَعَلَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَفِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ - فَلَا تَرَبُّصَ بَعْدَهَا . 25487 - قَالُوا : فَيَجِبُ بَعْدَ الْمُدَّةِ سُقُوطُ الْإِيلَاءِ ، وَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالْفَيْءِ - وَهُوَ الْجِمَاعُ فِي دَاخِلِ الْمُدَّةِ - أَوِ الطَّلَاقُ ، وَعَزِيمَتُهُ انْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ . 25488 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، وَالْفَيْءُ الْجِمَاعُ . 25489 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ يَوْمًا فَهُوَ مَظَاهِرٌ أَبَدًا ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الظِّهَارُ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ . 25490 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 25491 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ : إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي الْيَوْمَ بَطَلَ الظِّهَارُ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ . 25492 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ كَالْيَمِينِ تَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ . 25493 - وَجَعَلَهُ مَالِكٌ كَالطَّلَاقِ . 25494 - وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ أَنَّهَا طَالِقٌ أَبَدًا حَتَّى يُرَاجِعَهَا إِنْ كَانَتْ لَهُ رَجْعَةٌ .
1170 1121 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ : الْبَتَّةُ ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَقُلْتُ لَهُ : كَانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ يَجْعَلُهَا وَاحِدَةً . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ أَلْفًا مَا أَبْقَتِ الْبَتَّةُ مِنْهَا شَيْئًا ، مَنْ قَالَ الْبَتَّةَ فَقَدْ رَمَى الْغَايَةَ الْقُصْوَى . 1122 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ . 25073 - قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 25074 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اسْتِحْبَابُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَذْهَبُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ الْبَتَّةَ أَنَّهَا ثَلَاثٌ ، لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ . 25075 - وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ؛ 25076 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ مَا وَصَفْنَا . 25077 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - إِلَّا زُفَرَ : إِنْ نَوَى بِالْبَتَّةِ ثَلَاثًا فَهُوَ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ . 25078 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 25079 - وَقَالَ زُفَرُ : إِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَاثْنَتَانِ ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ . 25080 - وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ 25081 - فَرُوِيَ عَنْهُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ . 25082 - وَرُوِيَ عَنْهُ ثَلَاثٌ . 25083 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحَالِفِ بِالْبَتَّةِ : إِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً فَطَلَاقُهُ رَجْعِيٌّ . 25084 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبَتَّةِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ . 25085 - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ . 25086 - فَأَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ . 25087 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ جَعَلَهَا ثَلَاثًا . 25088 - وَأَمَّا الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْبَتَّةَ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ . 25089 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 25090 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِظِئْرٍ لَهُ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ : إِنَّ ظِئْرِي هَذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَهَلْ عِنْدَكُمْا بِذَلِكَ عِلْمٌ ؟ أَوْ هَلْ تَجِدَانِ لَهُ رُخْصَةً ؟ فَقَالَا : لَا ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَأْتِهِمْ فَسَلْهُمْ ، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيْنَا فَأَخْبِرْنَا . فَأَتَاهُمْ فَسَأَلَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 25091 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ ثَلَاثٌ . 25092 - وَذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ مُتَابَعَتُهُمَا . 25093 - وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَمِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ وَعُتْبَةَ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ . 25094 - وَرُوِيَ فِي الْبَتَّةِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ . 25095 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو عُبَيْدٍ . 25096 - وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمْ - فَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ رُكَانَةَ . 25097 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ فِي آخَرِينَ - قَالُوا : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ ، قَالَ النَّبِيُّ : مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ رُكَانَةُ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً ! فَرَدَّهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ . 25098 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِيُّ ، حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، كَتَبَ عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ ، عَنْ رُكَانَةَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ . 25099 - وَحَدَّثَنِي أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَشْعَرِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التِّرْمِذِيُّ أَبُو ذَرٍّ ، حَدَّثَنِي أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : أَتَيْنَا النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ ! فَقَالَ : مَا أَرَدْتَ بِهَا ؟ قَالَ : وَاحِدَةً ! قَالَ النَّبِيُّ : قال : فَهُوَ مَا أَرَدْتَ . 25100 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الْبَتَّةَ ؛ فَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً كَانَتْ رَجْعِيَّةً لِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ أَحْلَفَهُ . 25101 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّهُ إِنْ نَوَى وَاحِدَةً كَانَتْ بَائِنَةً بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا . 25102 - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ ، حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ - عَلِمْتُهُ - يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : مَا أَرَدْتَ ؟ قَالَ : وَاحِدَةً ! قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ : فَهُوَ على مَا أَرَدْتَ . وَلَمْ يَقُلْ : فَرَدَّهَا إِلَيْهِ . 25103 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ الشَّافِعِيِّ وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْبَابِ ; وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رُكَانَةً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا . 25104 - وَحَدِيثُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ . 25105 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ لِحَدِيثِ رُكَانَةَ عَنْ عَمِّهِ أَتَمُّ ، وَقَدْ زَادَ زِيَادَةً لَا تَرُدُّهَا الْأُصُولُ فَوَجَبَ قَبُولُهَا لِثِقَةِ نَاقِلِهَا . 25106 - وَالشَّافِعِيُّ وَعَمُّهُ وَجَدُّهُ أَهْلُ بَيْتِ رُكَانَةَ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ مَنَافٍ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْقِصَّةِ الَّتِي عَرَضَ لَهُ . 25107 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْمُزَنِيَّةَ الْبَتَّةَ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ الْمُزَنِيَّةَ الْبَتَّةَ ، وَوَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً ! فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً ! فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَلَّقَهَا ثَانِيَةً فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَثَالِثَةً فِي زَمَنِ عُثْمَانَ . 25108 - حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَلْمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْبَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ - قَالَا : حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : مَا نَوَيْتَ بِذَلِكَ ؟ قَالَ : وَاحِدَةً ! قَالَ النَّبِيُّ : هُوَ عَلَى مَا أَرَدْتَ . 25109 - وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ حَمْدُونَ بْنِ سَلْمٍ . 25110 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ . 25111 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْبَتَّةِ أَنَّهُ يَنْوِي الْحَالِفُ بِهَا ؛ فَإِنْ أَرَادَ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . 25112 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ ، وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 25113 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ . 25114 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْبَتَّةِ : وَاحِدَةٌ ، أَوْ مَا نَوَى . 25115 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ عُمَرَ جَعَلَهَا وَاحِدَةً ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . 25116 - وَشَهِدَ بِهَا عِنْدَهُ الرَّائِشُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَهَا ثَلَاثًا . 25117 - قَالَ : وحَدَّثَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَا : تَطْلِيقَةٌ ، وَهُوَ أَمْلَكُ بِهَا . 25118 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَتَّةَ تَطْلِيقَةً ، وَزَوْجُهَا أَمْلَكُ بِهَا . 25119 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهَا بَائِنٌ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ . 25120 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أَخِي الْحَارِثِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ - فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : لَعَلَّكَ أَتَيْتَنَا زَائِرًا مَعَ امْرَأَتِكَ ! قَالَ : وَأَيْنَ امْرَأَتِي ! قَالَ : تَرَكْتُهَا عِنْدَ بَيْضَاءَ - يَعْنَى امْرَأَتَهُ . قَالَ : فَهِيَ - إِذًا - طَالِقٌ الْبَتَّةَ ! قَالَ : فَإِذَا هِيَ عِنْدَهَا ، فَسَأَلَ ، فَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَعَلَهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ : ثُمَّ سَأَلَ ، فَشَهِدَ رَجُلٌ مَنْ طَيءٍ يُقَالُ لَهُ رَائِشُ بْنُ عَدِيٍّ - أَنَّ عَلِيًّا جَعَلَهَا ثَلَاثَةً . قَالَ عُرْوَةُ : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الِاخْتِلَافُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى شُرَيْحٍ فَسَأَلَهُ - وَقَدْ كَانَ عُزِلَ عَنِ الْقَضَاءِ - فَقَالَ شُرَيْحٌ : الطَّلَاقُ سُنَّةٌ ، وَ الْبَتَّةُ بِدْعَةٌ ، فَنَقِفُهُ عِنْدَ بِدْعَتِهِ فَنَنْظُرُ مَا أَرَادَ بِهَا . 25121 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ التَّوْأَمَةَ بِنْتَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ طُلِّقَتِ الْبَتَّةَ ، فَجَعَلَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاحِدَةً . 25122 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُمَرو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ ، فَقَالَ : الْوَاحِدَةُ تَبُتُّ ، رَاجِعِ امْرَأَتَكَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ . 25123 - وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِ .
29 - كِتَابُ الطَّلَاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَتَّةِ 1119 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ ! فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : طُلِّقَتْ مِنْكَ لِثَلَاثٍ ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا . 1120 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَمَانِيَ تَطْلِيقَاتٍ ! فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَمَاذَا قِيلَ لَكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي ! فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : صَدَقُوا ، مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ ، وَمَنْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لَبْسًا جَعَلْنَا لَبْسَهُ مُلْصَقًا بِهِ ، لَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلَهُ عَنْكُمْ ، هُوَ كَمَا يَقُولُونَ . 25001 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ ذِكْرُ الْبَتَّةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِمَا وُقُوعُ الثَّلَاثَةِ مُجْتَمِعَاتٍ غَيْرَ مُتَفَرِّقَاتٍ وَلُزُومُهَا ، وَهُوَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ شُذُوذٌ تَعَلَّقَ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ وَمَنْ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ لِشُذُوذِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهَا التَّوَاطُؤُ عَلَى تَحْرِيفِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ فِيهِ بِابْنِ عَبَّاسٍ . 25002 - وَابْنُ عَبَّاسٍ قَدِ اخْتَلَفَ عنه فِي ذَلِكَ . 25003 - وَيَحْتَجُّونَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ الله تَعَالَى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ 25004 - وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 25005 - وَإِنَّمَا أَدْخَلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ يَرَى الْبَتَّةَ ثَلَاثًا ، فَأَرَادَ إِعْلَامَ النَّاظِرَ فِي كِتَابِهِ بِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ . 25006 - وَأَمَّا وُقُوعُ الثَّلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ مُجْتَمِعَاتٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْفُقَهَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي هَيْئَةِ وُقُوعِهَا كَذَلِكَ ، هَلْ تَقَعُ لِلسُّنَّةِ أَمْ لَا ؟ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ لِمَنْ أَوْقَعَهَا كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ؛ 25007 - فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ : لَيْسَتِ الثَّلَاثَةُ الْمُجْتَمِعَاتُ بِسُنَّةٍ ، وَقَعَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ أَوْ لَمْ تَقَعْ . 25008 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً . 25009 - وَكُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ . 25010 - قَالَ : وَمَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ وَاحِدَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ ثَلَاثًا . 25011 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُوقِعَ وَاحِدَةً - وَهُوَ الِاخْتِيَارُ . 25012 - فَإِنْ أَوْقَعَ ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا . 25013 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25014 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مُجْتَمِعَاتٍ لَا يَقَعْنَ لِسُنَّةٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ مِنْ فِعْلِ مَنْ فَعَلَهُ - هَكَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُلْزِمُونَهُ ذَلِكَ الطَّلَاقَ وَيُحَرِّمُونَ بِهِ امْرَأَتَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ، كَمَا لَوْ أَوْقَعَهَا مُفْتَرِقَاتٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 25015 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ِ! فَقَالَ : إِنَّ عَمَّكَ عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ! 25016 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ شَقِيقِ ابْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ إِذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْجَعَهُ ضَرْبًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . 25017 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهَبٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ . 25018 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ اللَّعِبِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ . 25019 - وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ رَافِعِ بْنِ سَحْبَانَ قَالَ : سُئِلَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ ! قَالَ : عَصَى رَبَّهُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ . 25020 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَقَدْ عَصَى رَبَّهُ وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ . 25021 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِثْلَهُ . 25022 - وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ - مِثْلَهِ . 25023 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لِهَؤُلَاءِ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَا خَلَا ذِكْرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا طَاوُسٌ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ رَوَوْهُ عَنْهُ خِلَافَهُ . 25024 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ وَابْنِ شِهَابٍ وَجَمَاعَةٍ . 25025 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَطَائِفَةٍ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 25026 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ : سُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَقْعَدٍ وَاحِدٍ ! قَالَ : لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ بَأْسًا ؛ قَدْ طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ تَغِبْ عَنْهُ . 25027 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا . 25028 - قَالَ : وحَدَّثَنِي غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ أَبَى أَنْ تَبِينَ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ، قَالَ : فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا . 25029 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى بَلَاغِ مَالِكٍ عَنْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَالرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَيْضًا - بِمَا ذُكِرَ عَنْهُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ; 25030 - فَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ مَرَّةٍ ، وَإِنَّمَا قُلْتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ! فَقَالَ : بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ ، وَعَلَيْكَ وِزْرُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ . 25031 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا - أَوْ قَالَ مِائَةً ! قَالَ : بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ ، وَسَائِرُهُنَّ وِزْرًا اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا . 25032 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - مِثْلَهُ . 25033 - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا ! فَقَالَ : تَأْخُذُ ثَلَاثًا وَتَدَعُ تِسْعَمِائَةٍ وَسَبْعًا وَتِسْعِينَ . 25034 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ كَثِيرٍ وَالْأَعْرَجُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - مِثْلَهُ . 25035 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ رَافِعٍ ، عَنْ عَطَاءٍ - بَعْدَ وَفَاتِهِ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةً ! قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَيَدَعُ سَبْعًا وَتِسْعِينَ . 25036 - قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ ! قَالَ : يَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ رَأْسُ الْجَوْزَاءِ . 25037 - وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَدَدَ النُّجُومِ ! فَقَالَ : يَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ رَأْسُ الْجَوْزَاءِ . 25038 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُمْ - يَرْوُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ أَنَّهُنَّ لَازِمَاتٌ وَاقِعَاتٌ . 25039 - وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ وَالنُّعْمَانُ ابْنُ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا أَنَّ الثَّلَاثَ الْمُجْتَمِعَاتِ تُحَرِّمُهَا ، وَالْوَاحِدَةَ تُبِينُهَا . 25040 - وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِ طَلَاقِ الْبِكْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 25041 - وَذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى وَهْيِ رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهُ وَضَعْفِهَا حِينَ رَوَى عَنْهُ فِي طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَدُّ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ . 25042 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِيُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخَلِيفَتَيْنِ إِلَى رَأْيِ نَفْسِهِ ، وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ وَهْمٌ وَغَلَطٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ وَالشَّامِ . 25043 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ - مَوْلَاهُ - لَا يُعَرْفُ فِي مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُوسٌ يَقُولُ إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ - مَوْلَاهُ - سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَجَابَهُ بِمَا وَصَفْنَا . 25044 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا - قَالَ : لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ جَعَلَ لَكَ مَخْرَجًا ! لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ . 25045 - وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لِطَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرِوَايَةِ سَائِرِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ; لِأَنَّ مَنْ لَا مَخْرَجَ لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ مِنَ الطَّلَاقِ مَا أَوْقَعَهُ . 25046 - وَلَوْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكْرَهُ طَاوُسٌ عَنْهُ ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ; لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْجُلَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ ، مَا كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى مَنْ هُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَجَلُّ وَأَعْلَمُ مِنْهُ ، وَهُمْ : عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَغَيْرُهُمْ . 25047 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ . 25048 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ رَجُلًا بَطَّالًا كَانَ بِالْمَدِينَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْفًا ! فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا كُنْتُ أَلْعَبُ ! فَعَلَا عُمَرُ رَأْسَهُ بِالدُّرَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . 25049 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا ! فَقَالَ : بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ . 25050 - قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ وَالْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ أَبِي يَحْيَى قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةً ! قَالَ : ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ . 25051 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - وَأَنَا عِنْدَهُ - فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ مَرَّةٍ ! قَالَ : تَأْخُذُ مِنْهَا ثَلَاثًا ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ يُحَاسِبُكَ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 25052 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةً ! قَالَ : ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ فَضْلٌ . 25053 - وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِمِثْلِ مَا رُوِيَ عَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ ؛ فَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةً ! قَالَ : بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ ، وَسَائِرُهُنَّ مَعْصِيَةٌ . 25054 - وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ - قَالَ : وَسَائِرُهُنَّ عُدْوَانٌ . 25055 - وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلَامٌ ، فَطَلَّقْتُهَا عَدَدَ النُّجُومِ ! قَالَ : تَكَلَّمْتَ بِالطَّلَاقِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ ، وَمَنْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ جَعَلْنَا بِهِ لَبْسَهُ ، فَلَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَحْمِلُهُ عَنْكُمْ ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ . 25056 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ قَائِلُونَ - وَابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُمْ - بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 25057 - وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَاتُ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ . 25058 - وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِرِوَايَةِ طَاوُسٍ أَهْلُ الْبِدَعِ فَلَمْ يَرَوُا الطَّلَاقَ لَازِمًا إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ ، فَجَعَلُوا مُخَالِفَ السُّنَّةِ أَخَفَّ حَالًا فَلَمْ يُلْزِمُوهُ طَلَاقًا . 25059 - وَهَذَا جَهْلٌ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ إِلَى خِلَافِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيفُ السُّنَّةِ وَلَا الْكِتَابِ . 25060 - وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَلْزَمُ مُوقِعَهَا وَلَا تَحِلُّ لَهُ امْرَأَتُهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ : مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . 25061 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ بِغَيْرِ هَذَا إِلَّا الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَأَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، وَكِلَاهُمَا لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَلَا حُجَّةَ فِيمَا قَالَهُ . 25062 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ادَّعَى دَاوُدُ الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَقَالَ : لَيْسَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ - وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنَ الرَّافِضَةِ - مِمَّنْ يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ . 25063 - حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُدَ عَنْهُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَنْ دَاوُدَ . 25064 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَنْهُ فِي وُقُوعِهَا مُجْتَمِعَاتٍ . 25065 - وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ خَشِيًّا ، وَكَانَ يَقُولُ : لَيْسَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ بِشَيْءٍ . 25066 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ طَلَّقْتَهَا ؟ قَالَ : طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ! قَالَ : إِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ ، فَارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ ! قَالَ : فَارْتَجَعَهَا . 25067 - قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى أَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا النَّاسُ . 25068 - قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَأَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَدَّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ بِدْعَةً مُخَالِفَةً لِلسُّنَّةِ . 25069 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا طَلَّقَ رُكَانَةُ زَوْجَتَهُ الْبَتَّةَ لَا كَذَلِكَ ، رَوَاهُ الثِّقَاتُ ; أَهْلُ بَيْتِ رُكَانَةَ الْعَالِمُونَ بِهِ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ . 25070 - وَأَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ إِسْحَاقَ فَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مَهجورٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 25071 - وَأَمَّا حَدِيثُ طَاوُسٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَوْا عَنْهُ ذَلِكَ . 25072 - وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا التَّوْفِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ .
1190 1145 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا عَلَيْكِ مَا عِشْتُ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : يُجْزِيهِ عَنْ ذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ . 25694 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا تَزَوَّجَ ، وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَنْ تَزَوَّجَ . 25695 - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ . 25696 - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ . 25697 - وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا . 25698 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ مَضَى فِي مَسْأَلَةِ مَنْ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلُهُ . 25699 - وَمَنْ تَظَاهَرَ فِي مَجَالِسَ مُفْتَرِقَةٍ - مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا ، وَالْبَابُ وَاحِدٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 8 ) بَابُ ظِهَارِ الْحُرِّ 1141 - مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَةً إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . 1142 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ، فَقَالَا : إِنْ نَكَحَهَا فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . 25525 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا ، وَلَهُ بَابٌ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25526 - وَأَمَّا الظِّهَارُ فَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ عَلَى غَيْرِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الطَّلَاقِ ; لِأَنَّ جَمَاعَةً لَمْ يُلْزِمُوهُ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَأَلْزَمُوهُ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ إِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ " أَنْتِ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ نَكَحْتُكِ " ، ثُمَّ نَكَحَهَا - قَالُوا : لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ . 25527 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَقُولُ فِي الطَّلَاقِ : إِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ . 25528 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ - فِي رِوَايَةِ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : " إِنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا . 25529 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 25530 - وَقَالَ آخَرُونَ : الظِّهَارُ وَالطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 25531 - وَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا ظِهَارٌ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ نِكَاحُهَا - هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . 25532 - وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 25533 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ . 25534 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 25535 - وَذَكَرَهُ سُنَيْدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِمَارَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : لَا ظِهَارَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا يَمْلِكُ . 25536 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ ، قَالَا : لَا ظِهَارَ إِلَّا مِمَّا يَمْلِكُ . 25537 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ حَيِّ : إِنْ قَالَ " كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ . 25538 - وَإِنْ قَالَ " إِنْ نَكَحْتُ فُلَانَةً فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " أَوْ سَمَّى قَرْيَةً أَوْ قَبِيلَةً - لَزِمَهُ الظِّهَارُ . 25539 - وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ " كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " : لَزِمَهُ الطَّلَاقُ - فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ . 25540 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ . 25541 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُعَيَّنَةِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : " كُلُّ امْرَأَةٍ " . 25542 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ : " إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا زَادَ " ثُمَّ تَزَوَّجَهَا : وَقْعَ الطَّلَاقُ وَسَقَطَ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ ; لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالطَّلَاقِ . 25543 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَهْدِمُ الطَّلَاقُ الْمُتَقَدِّمُ الظِّهَارَ إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَاتًّا ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا هَدَمَهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُرَاجِعْ ، فَإِنْ رَاجَعَ لَمْ يَطَأْ حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . وَهَذَا مَعْنًى قَدْ ذَكَرْنَاهُ مُكَرَّرًا .
25672 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ أَمَتِهِ : إِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا . 25673 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الظِّهَارِ مِنَ الْأَمَةِ ؛ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الظِّهَارُ مِنَ الْأَمَةِ لَازِمٌ كَالظِّهَارِ مِنَ الْحُرَّةِ ، مِنْهُمْ : رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ . 25674 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : هِيَ مِنَ النِّسَاءِ . وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَكَمِ . 25675 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَيْسَ الظِّهَارُ مِنَ الْأَمَةِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ الظِّهَارُ مِنْ أَمَةٍ . 25676 - وهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ . 25677 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ؛ فَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْ سُرِّيَّتِهِ ، قَالَ : لَيْسَ بِمُتَظَاهِرٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ 25678 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ يَطَأُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ مَظَاهِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَطَأُهَا فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . 25679 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ : إِنْ كَانَ يَطَأهَا فَهُوَ ظِهَارٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَطَأهَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ . 25680 - وَقَالَ عَطَاءُ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ : إِذَا ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ كَفَّارَةِ الْحُرِّ . 25681 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مِنْ أَوْقَعَ الظِّهَارَ مِنَ الْأَمَةِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَالْإِمَاءُ مِنَ النِّسَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَلِذَلِكَ حُرِّمْنَ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ أَزْوَاجٍ قَبْلَ الدُّخُولِ . 25682 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُوقِعْ عَلَى الْأَمَةِ ظِهَارًا مِنْ سَيِّدِهَا أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ 25683 - وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنْ لَيْسَ إِيلَاءُ الرَّجُلِ مَنْ أَمَتِهِ بِإِيلَاءٍ ، وَأَنَّهَا يَمِينٌ لَا حُكْمَ لَهَا إِلَّا الكَفَّارَةٍ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ . 25684 - وَلَمَّا لَمْ يَلْحَقِ الْأَمَةَ طَلَاقٌ وَلَا إِيلَاءٌ وَلَا لِعَانٌ فَكَذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا ظِهَارٌ . 25685 - وَلَمَّا كَانَتِ الْيَمِينُ تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالظِّهَارُ لَا يَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ كَانَ فِي قِسْمِ مَا يَقَعُ عَلَى الزَّوْجَاتِ كَالطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ . 25686 - وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ فَإِنَّ النِّسَاءَ تُحَرِّمُ أُمَّهَاتِهِنَّ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِمَاءُ لِأَنَّهُنَّ لَا تُحَرِّمْنَ أُمَّهَاتِهِنَّ إِلَّا بِالدُّخُولِ .
25627 - قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا قَالَ : سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أَنْ يَتَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُجْمِعَ عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا ، فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . 25628 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ، فَقَالُوا فِي مَعْنَى الْعَوْدَةِ أَقْوَالًا ؛ مِنْهَا : 25629 - قَولَ مَالِكٌ : إِنَّهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْإِمْسَاكِ وَالْإِصَابَةِ - هَذَا قَوْلُهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَغَيْرِهِ . 25630 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ : إِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَمَا لَمْ يَطَأْ فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ إِنْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ . 25631 - وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَنْ ظَاهَرَ ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ مَاتَتْ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا . 25632 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُهَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ . 25633 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا وَقَدْ كَانَ ظَاهَرَ مِنْهَا ، إِنْ تَزَوَّجَهَا أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى إِصَابَتِهَا ، فَكَيْفَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؟ 25634 - وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ نَافِعٍ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ . 25635 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إِذَا مَاتَ أَوْ مَاتَتْ فَقَوْلٌ صَحِيحٌ أَيْضًا ؛ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ أَوْ مَاتَتْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْوَطْءِ كَلَا إِرَادَةَ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الِامْتِنَاعِ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ إِنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ إِنْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ عَزَمَ عَلَى إِمْسَاكِهَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَّقَهَا . 25636 - وَذَكَرَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِمْسَاكِهَا ، طَلَّقَ أَمْ لَمْ يُطَلِّقْ . 25637 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَوْدَ بِالْوَطْءِ ، وَمَعْنَاهُ إِرَادَةُ الْوَطْءِ كَمَا قُلْنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِقَوْلِهِ فِي الْكَفَّارَةِ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ؛ وَهُوَ الْجِمَاعُ . 25638 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا أَنْ يَعُودَ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْهَا فَيُمْسِكَهُ ، فَيَكُونُ إِحْلَالَ مَا حَرَّمَ ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُطَلِّقَهَا ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا سَاعَةً يُمْكِنُهُ فِيهَا طَلَاقُهَا فَلَمْ يَفْعَلْ بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا فَقَدْ عَادَ لِمَا قَالَ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ - مَاتَتْ أَوْ مَاتَ . 25639 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ الْكَفَّارَةِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ . 25640 - وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا قَالَ : الْجِمَاعُ . 25641 - وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا قَالُوا : يُحَرِّمُهَا ثُمَّ يَعُودُ لِوَطْئِهَا . 25642 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الظِّهَارُ يُوجِبُ تَحْرِيمًا لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا الْكَفَّارَةُ . 25643 - وَمَعْنَى الْعَوْدِ عِنْدَهُمْ أَلَّا يَسْتَبِيحَ وَطْأَهَا إِلَّا بِكَفَّارَةٍ يُقَدِّمُهَا . 25644 - وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَفْسَ الْقَوْلِ هُوَ الْعَوْدُ ؛ أَيْ عَادَ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُقَالُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَجَعَلَهُ مُنْكَرًا وَزُورًا . 25645 - وَقَالَ غَيْرُهُ قَوْلَهُ . 25646 - وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، وَلَا كَفَّارَةَ بَعْدَ الْجِمَاعِ . 25647 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ أَجْمَعَ رَأْيُ الْمَظَاهِرِ عَلَى أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَوْدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُجَامَعَتِهَا . 25648 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : مَنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، رَاجَعَهَا أَوْ لَمْ يُرَاجِعْهَا ، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَصِلْ إِلَى مِيرَاثِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ . 25649 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مَعْنَى الْعَوْدِ فِي الظِّهَارِ : هُوَ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْشَى كَفَّرَ . 25650 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَفِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ : هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْقَوْلِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَيْءٌ حَتَّى يَعُودَ فَيَقُولُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ . 25651 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ . 25652 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ : اللَّامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ يَعُودُونَ لما قالوا ؛ يَعْنِي عَنْ ، وَالْمَعْنَى : ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا وَيُرِيدُونَ الْوَطْءَ . 25653 - وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْمَعْنَى ثُمَّ يُعَاوِدُونَ الْجِمَاعَ مِنْ أَجْلِ مَا قَالُوا - يَعْنِي إِلَى إِرَادَةِ الْجِمَاعِ . 25654 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ كُلُّهَا فِي ظِهَارِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ مِنَ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ الَّتِي فِيهَا نَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَلَّا يَعُودَ حَتَّى يُكَفِّرَ ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمَظَاهِرِ : هَلْ قُلْتَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ؟ أَوْ هَلْ عُدْتَ لِمَا قُلْتَ فَقُلْتَهُ مَرَّةً أُخْرَى ؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَكْتُمْهُ وَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25655 - وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا عَلَى إِمْسَاكِهِ لِآخِرِ كَلَامِهِ حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَتْبَعَ ظِهَارَهُ الطَّلَاقَ ؛ 25656 - فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَذَكَرْنَاهُ عَنْهُ هَاهُنَا . 25657 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ أَتْبَعَهَا الطَّلَاقَ مَكَانَهُ سَقَطَ الظِّهَارُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَائِدٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ عَائِدٌ وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ طَلَّقَهَا بَعْدُ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ لَهَا رَجْعِيًّا وَرَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، فَإِنْ نَكَحَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ . 25658 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . 25659 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . 25660 - وَقَدْ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا . 25661 - وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ . 25662 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَبَدًا - رَاجَعَهَا أَوْ لَمْ يُرَاجِعْهَا ، تَرَاخَى طَلَاقُهُ أَوْ نَسَقَهُ بِالظِّهَارِ . 25663 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : الظِّهَارُ رَاجِعٌ عَلَيْهِ إِنْ نَكَحَهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ وَبَعْدَ الزَّوْجِ . 25664 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعُوا أَنَّهُ إِنْ أَفْطَرَ فِي الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ مُتَعَمِّدًا بِوَطْءٍ أَوْ بِأَكْلٍ أَوْ بِشُرْبٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ صِيَامَهُمَا . 25665 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَطِئَ لَيْلًا فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ ؛ 25666 - فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 25667 - وعند الكوفي يستأنف صيامهما . 25668 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِمَا . 25669 - وَاخْتَلَفُوا فِيهِ لَوْ وَطِئَ وَقَدْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ؛ 25670 - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّ يُتِمُّ الْإِطْعَامَ كَمَا لَوْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يُطْعِمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا طَعَامٌ وَاحِدٌ . 25671 - وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ : يَسْتَأْنِفُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
25594 - قَالَ مَالِكٌ : وَالظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ سَوَاءٌ . 25595 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي أَنَّ الظِّهَارَ وَاقِعٌ بِكُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنَ الرَّضَاعِ وَنِسَبٍ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّ . 25596 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ 25597 - فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَهُوَ مَظَاهِرٌ . وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ طَلَاقٌ . 25598 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا إِلَّا بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ . 25599 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَصِحُّ الظِّهَارُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ كَمَا يَصِحُّ بِذَاتِ الْمَحْرَمِ . 25600 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ مِنِّي كَظَهْرِ أُخْتِي أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَكُلِّ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا - فَهُوَ مَظَاهِرٌ ، وَإِنْ قَالَ كَظَهْرِ فُلَانَةَ غَيْرِ ذَاتِ مَحْرَمٍ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا . 25601 - وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ وَقَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْأُمِّ وَحْدَهَا - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ يَصِحُّ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ . 25602 - حَكَاهُمَا جَمِيعًا عَنْهُ الزَّعْفَرَانِيُّ . 25603 - وَقَالَ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ : تَقُومُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ مَقَامَ الْأُمِّ . 25604 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَحِفْظِي أَنَا وَغَيْرِي عَنْهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا بِمَنْ كَانَ حَلَالًا لَهُ فِي حَالٍ ثُمَّ حُرِّمَ كَالْأُخْتِ مِنَ الرَّضَاعِ وَكَنِسَاءِ الْآبَاءِ وَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ . 25605 - وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : الظِّهَارُ بِكُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ . 25606 - قَالَ إِسْحَاقُ : النَّسَبُ وَالرَّضَاعُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ . 25607 - وَقَالَ أَحْمَدُ : أُجْبِرَ عَلَى الرَّضَاعَةِ . 25608 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ . 25609 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 25610 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ وأَبُو الزِّنَادِ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ . 25611 - وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، قَالَ : قَالَتْ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ، أَرَى أَنْ تُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ ، وَلَا يَحُولُ قَوْلُهَا هَذَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا . 25612 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : حَرَّمَتْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ . 25613 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ . 25614 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهَا . 25615 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ : هِيَ مُظَاهَرَةٌ . 25616 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : لَيْسَ ظِهَارُ الْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ بِشَيْءٍ ، قَبْلَ النِّكَاحِ كَانَ أَوْ بَعْدَهُ . 25617 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا ظِهَارَ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ . 25618 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فُلَانَةَ فَهِيَ يَمِينٌ تُكَفِّرُهَا . 25619 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلَانٍ رَجُلٍ - فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . 25620 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَوْ قَالَتْ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانًا فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . 25621 - قَالَ : إِنَّ نَاسًا لَيَقُولُونَ : وَقَعَ عَلَيْهَا الظِّهَارُ ، إِنْ تَزَوَّجَتْهُ لَزِمَهَا الْكَفَّارَةُ . 25622 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : إِنْ تَزَوَّجَتْ فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ . 25623 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : لَا تَكُونُ امْرَأَةً مُظَاهِرَةً مِنْ رَجُلٍ ، وَلَكِنْ عَلَيْهَا يَمِينٌ تُكَفِّرُهَا . 25624 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : خَطَبَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ فَقَالَتْ : هُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ تَزَوَّجْتُهُ . فَلَمَّا وَلِيَ الْعِرَاقَ خَطَبَهَا ، فَأَرْسَلَتْ - وَالْفُقَهَاءُ بِالْمَدِينَةِ كَثِيرٌ - فَسَأَلَتْ ، فَأَفْتَوْهَا أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ ، فَأَعْتَقَتْ غُلَامًا لَهَا مِنْ أَلْفَيْنِ وَتَزَوَّجَتْهُ . 25625 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا . 25626 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ : سَأَلُوا بَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالُوا : تُكَفِّرُ .
1189 1143 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ : إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 1144 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ عِنْدَنَا . 25544 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عُرْوَةَ وَرَبِيعَةَ فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 25545 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ؛ إِذَا كَانَ الظِّهَارُ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ . 25546 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِكَلِمَةٍ . 25547 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ . 25548 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَهُ مَالِكٌ كَالْإِيلَاءِ ، إِذَا حَنِثَ فِي وَاحِدَةٍ فَقَدْ حَنِثَ فِيهِنَّ . 25549 - وَيُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 25550 - وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ : قَدْ ظَاهَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْهَا ، كَالطَّلَاقِ عَنِ الْجَمِيعِ ، وَالْحَرَامِ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ . 25551 - وَقَدِ احْتَجَّ مَالِكٌ لِمَذْهَبِهِ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَظَاهِرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا الْآيَةَ ؛ يَعْنِي - وَلَمْ يَقُلْ : فَتَحْرِيرُ رَقَبَاتٍ ، فَجَعَلَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ وَلَمْ يَخُصَّ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ .
25552 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنَ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ ، قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِنْ تَظَاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ تَظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا . 25553 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ . 25554 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . 25555 - قَالَ : إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ . 25556 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا : عَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ . 25557 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا تَظَاهَرَ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَظِهَارَانِ وَيَمِينَانِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَرَادَ التَّكْرَارَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 25558 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا ظَاهَرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ مَظَاهِرٌ وَعَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ ، وَسَوَاءٌ كَفَّرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ ، وَهَذَا إِذَا أَرَادَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ظِهَارًا غَيْرَ الْآخَرِ ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهَا مِرَارًا مُتَتَابِعًا وَقَالَ أَرَدْتُ ظِهَارًا وَاحِدًا فَهُوَ وَاحِدٌ . 25559 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ فِي مَقَاعِدَ شَتَّى فَعَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ ، وَإِنْ تَظَاهَرَ مِنْهَا فِي مَقْعَدٍ وَاحِدٍ وَرَدَّدَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 25560 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ . 25561 - وَقَالَ رَبِيعَةُ : إِنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثَلَاثًا فِي مَجَالِسَ شَتَّى فِي أُمُورٍ شَتَّى كَفَّرَ عَنْهُنَّ جَمِيعًا ، وَإِنَّ تَظَاهَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 25562 - وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَنَّهُ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ . 25563 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ . 25564 - وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : لِكُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا كَفَّارَةٌ . 25565 - وَرُوِيَ فِيمَنْ ظَاهَرَ مِرَارًا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ . 25566 - وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَطَاوُوسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ . 25567 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ .
25568 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 25569 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ . 25570 - وَهُوَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَقَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَابْنَ شِهَابٍ وَقَتَادَةَ قَالُوا فِي الظِّهَارِ : يَطَأُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَتَيْنِ . 25571 - وَقَالَ الْأَثَرَ السَّلَفُ وَجَمَاعَةُ الْأَمْصَارِ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 25572 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . 25573 - وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ . 25574 - وَهِيَ السُّنَّةُ الْوَارِدَةُ فِي سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ . 25575 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّهُ ظَاهَرَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ تَكْفِيرًا وَاحِدًا . 25576 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَحْنُونٌ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَعُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ - فَذَكَرَ مَعْنَاهُ بِأَتَمَّ مِنْ مَا مَضَى . 25577 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، عَنِ الْبَيَاضِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْنَاهُ . 25578 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ ظَاهَرَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَوَاقَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ . 25579 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَوْجَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ جَمِيعًا ، وَجَعَلَ وَقْتَ أَدَاءِ وَقْتِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَا وَقْتَ وُجُوبِهَا ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ فِي وَقْتٍ فَإِذَا ذَهَبَ الْوَقْتُ أَدَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا فَرْضٌ ، وَكَانَ عَاصِيًا مَنْ تَرَكَهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا . 25580 - وَكَذَلِكَ الْمَظَاهِرُ عَصَى رَبَّهُ إِذَا كَانَ مُظَاهِرًا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ وَطْءِ امْرَأَتِهِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ ، وَفَرْجُهَا عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ كَمَا كَانَ حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى وَطْئِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا 25581 - وَاخْتَلَفُوا فِي مُبَاشَرَةِ الْمَظَاهِرِ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا مَا دُونَ الْجِمَاعِ ؛ 25582 - فَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ وَيُبَاشِرَ وَيَأْتِيَهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِالْمَسِيسِ هَاهُنَا الْجِمَاعُ . 25583 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ ؛ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا قَالُوا : الْجِمَاعُ . 25584 - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . 25585 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْقُبْلَةِ وَالتَّلَذُّذِ احْتِيَاطًا . 25586 - وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ وَيُبَاشِرَ . 25587 - وَقَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُبَاشِرُ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ حَتَّى يُكَفِّرَ . 25588 - وَكَذَلِكَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِهَا وَلَا إِلَى صَدْرِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْعُوهُ إِلَى خَيْرٍ . 25589 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَأْتِي مِنْهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ كَمَا يَأْتِي الْحَائِضَ . 25590 - وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ : وَلَا يُقَبِّلُ وَلَا يُبَاشِرُ ، وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشَيْءٍ . 25591 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 25592 - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا قَالَ : الْوِقَاعُ . 25593 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَقْرَبُ الْمَظَاهِرُ امْرَأَتَهُ وَلَا يَلْمِسُ وَلَا يُقَبِّلُ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ - حَتَّى يُكَفِّرَ .
25687 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ إِيلَاءٌ فِي تَظَاهُرِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ مِنْ تَظَاهُرِهِ . 25688 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأ عَنْهُ قَالَ : لَا يَدْخُلُ الْإِيلَاءُ عَلَى الظِّهَارِ إِذَا كَانَ مُضَارًّا . 25689 - قَالَ : وَمِمَّا يُعْلَمُ بِهِ ضَرُورَةً أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَلَا يُكَفِّرُ ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ وُقِفَ ، فَإِمَّا كَفَّرَ وَإِمَّا طُلِّقَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ . 25690 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ تَرَكَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مَظَاهِرٌ وَلَا إِيلَاءَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ فِي الظِّهَارِ بِغَيْرِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُضَارًّا بِتَرْكِ الْكَفَّارَةِ أَوْ غَيْرَ مُضَارٍّ . 25691 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ؛ قَالُوا : سَوَاءٌ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا . 25692 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 25693 - وَكَذَلِكَ رَوَى الْأَشْجَعِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ ؛ أَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الظِّهَارِ ، فَتَبِينُ مِنْهُ بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ .
1124 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 25147 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْعُلَمَاءِ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ ، أَشَدُّهَا قَوْلُ مَالِكٍ . 25148 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 25149 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ . 25150 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ؛ قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ ، وَلَا أَسْأَلُهُ عَنْ نِيَّتِهِ . 25151 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَيَنْوِيهِ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا . 25152 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ . 25153 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا وَزَيْدًا فَرَّقَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ - قَالَ : هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ . 25154 - وَقَالَهُ الْحَسَنُ أَيْضًا . 25155 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ . 25156 - وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ قَيْسٍ - أَحَدَ بَنِي كِلَابٍ - جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ حَرَامًا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : هِيَ الثَّلَاثُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ مَسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَكَ لَأَرْجُمَنَّكَ . 25157 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْلَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : قَالَ عَامِرٌ : زَعَمَ أُنَاسٌ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ جَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَاللَّهِ مَا قَالَهَا عَلِيٌّ قَطُّ . 25158 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ فِي الْحَرَامِ ، قَالَ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَتَقَدَّمَ ، وَلَا آمُرُكَ أَنْ تَتَأَخَّرَ . 25159 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ خِلَافُ مَا قَالَ الشَّعْبِيُّ مِنْ وُجُوهٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا - أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْحَرَامَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ . 25160 - وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 25161 - ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ ، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 25162 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ : ثَلَاثٌ . 25163 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ . 25164 - قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : هُوَ مَا نَوَى ، وَلَا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ وَاحِدَةٍ . 25165 - وَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَنَّهَا ثَلَاثٌ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ : نَوَيْتُ وَاحِدَةً . 25166 - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يُنْوَى فِيهَا ثَلَاثٌ ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَالْمَدْخُولِ بِهَا سَوَاءٌ . 25167 - وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : هِيَ وَاحِدَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ : أَرَدْتُ ثَلَاثًا . 25168 - وَالْقَوْلُ الثَّانِي - قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَطَائِفَةٌ : إِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثَلَاثًا فَهِيَ حَرَامٌ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فُرْقَةً وَلَا يَمِينًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ هِيَ كِذْبَةٌ . 25169 - وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ مَا نَوَى ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . 25170 - وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ - مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : لَيْسَ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ عَدَدِهِ ، فَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ ، وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ بِمُؤْلٍ . 25171 - وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ - قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ : إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا . فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ . وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ . وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقَهَا فَهِيَ يَمِينٌ ، وَهُوَ مُؤْلٌ . وَإِنَّ نَوَى الْكَذِبَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ زُفَرُ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ اثْنَتَانِ . 25172 - وَالْقَوْلُ السَّادِسُ - قَالَهُ إِسْحَاقُ وَغَيْرُهُ قَبْلَهُ ، قَالُوا : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ . 25173 وَالْقَوْلُ السَّابِعُ - قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ ، قَالُوا فِي الْحَرَامِ : هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ . إِلَّا أَنَّ غَيْرَهُمْ قَالَ : هِيَ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ . وَمَنْ قَالَ هِيَ يَمِينٌ فَحُجَّتُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَكَانَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَارِيَةَ سُرِّيَّتَهُ ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ . 25174 - وَالْقَوْلُ الثَّامِنُ : أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ كَتَحْرِيمِ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا فِيهِ كَفَّارَةٌ وَلَا طَلَاقٌ ; لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ 25175 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَتُ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ جَمَاعَةِ السَّلَفِ ؛ 25176 - فَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الْحَرَامِ قَالَ : إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ . 25177 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ فِي الْحَرَامِ : هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَهِيَ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا ، وَإِنْ شَاءَ خَطَبَهَا . 25178 - وَرَوَى ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَأَدْنَى مَا تَكُونُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً . 25179 - وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِنْ نَوَى طَلَاقًا فَأَدْنَى مَا تَكُونُ مِنْ نِيَّتِهِ وَاحِدَةٌ فِي ذَلِكَ بَائِنَةٌ - إِنْ شَاءَ وَشَاءَتْ تَزَوَّجَهَا ، إِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ . 25180 - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَرَامِ قَالَ : إِنْ نَوَى طَلَاقَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَمَلَكُ بِرَجْعَتِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . 25181 - وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنْ نَوَى يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَمَا نَوَى . 25182 - وَشُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ قَالَ : الْحَرَامُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ . 25183 - وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَرَامَ يَمِينٌ تُكَفَّرُ 25184 - فَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَأَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الْحَرَامِ : هِيَ يَمِينٌ . 25185 - قَالَ يَحْيَى : وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . 25186 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرَوَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ - مِثْلَهُ . 25187 - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هِيَ يَمِينٌ - وَتَلَا : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ 25188 - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُطَرِّفٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - مِثْلَهُ . 25189 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . 25190 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْحَرَامُ يَمِينٌ . 25191 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : هِيَ يَمِينٌ . 25192 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ قَالَا : هِيَ يَمِينٌ . 25193 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ هِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ بِحَرَامٍ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . 25194 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي الثَّقَفِيُّ عَنْ بُرْدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَا : الْحَرَامُ يَمِينٌ . 25195 - وَمَنْ قَالَ : هِيَ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ أَوْجَبَ فِي كَفَّارَتِهِ تِلْكَ الْيَمِينَ عِتْقَ رَقَبَةٍ . 25196 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . 25197 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، قَالَ : يُعْتِقُ رَقَبَةً . 25198 - قَالَ : وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَعْتَقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ . 25199 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْحَرَامُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ . 25200 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْحَرَامَ طَلَاقًا ، وَيَرَوْنَهَا يَمِينًا تُكَفَّرُ . 25201 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ! قَالَ : يَمِينٌ - ثُمَّ تَلَا : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَوْلِهِ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ قَالَ : وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الطَّلَاقَ قُلْتُ : قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَكَانَ الطَّلَاقِ ، قُلْتُ : وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ هُوَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 25202 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي أَنَّ الْحَرَامَ يَمِينٌ تُكَفَّرُ ، كَقَوْلِ عَطَاءٍ . 25203 - وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي الْحَرَامِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَلْزَمُ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ كَفَّارَةٌ وَلَا طَلَاقٌ وَأَنَّ زَوْجَتَهُ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ مَالِهِ سَوَاءٌ - مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . 25204 - وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مَسْرُوقًا قَالَ : لَا أُبَالِي حَرَّمْتُ امْرَأَتِي أَوْ حَرَّمْتُ حَفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ . 25205 - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أُبَالِي حَرَّمْتُهَا أَوْ حَرَّمْتُ الْفُرَاتَ . 25206 - وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ نَعْلِي . 25207 - وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ كَفَّارَةُ الْحَرَامِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ 25208 - فَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَرَامِ قَالَ : عِتْقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا . 25209 - وَكَذَلِكَ رَوَى خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَمُطَرِّفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 25210 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي قِلَابَةَ وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ - قَالُوا : هِيَ بِمَنْزِلَةِ الظِّهَارِ إِذَا قَالَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ . 25211 - وَاخْتُلِفَ عَنْ قَتَادَةَ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْحَرَامِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ . 25212 - وَرُوِيَ عَنْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ . 25213 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَكُونُ الْحَرَامُ ظِهَارًا عِنْدَ مَنْ قَدَّمْنَا قَوْلَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنْ أَرَادَ قَائِلُهُ الظِّهَارَ . 25214 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْعَسَلَ بَعْدَهَا ! وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : لَنْ أَعُودَ أَشْرَبُ الْعَسَلَ ! وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينًا ، فَكَانَ التَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ دَالًّا عَلَى أَنَّ ثَمَّ يَمِينًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ 25215 - وَقَالَ نَافِعٌ : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَهُ فَأُمِرَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ . 25216 - وَقَالَ مَسْرُوقٌ : آلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَعْلِ الْحَرَامِ حَلَالًا ، فَأُمِرَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ . 25217 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُ يَعْنِي : لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ 25218 - وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِي الْحَرَامِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّلَاثُ تَحْرِيمًا كَانَ تَحْرِيمٌ ثَلَاثًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1174 1125 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . 1126 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ تَحْتَهُ وَلِيدَةٌ لِقَوْمٍ ، فَقَالَ لِأَهْلِهَا : شَأْنُكُمْ بِهَا ! فَرَأَى النَّاسُ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ . 1127 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ بَرِئْتِ مِنِّي ، وَبَرِئْتُ مِنْكِ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَتَّةِ . 25219 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنَةٌ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا ، وَيُدَيَّنُ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوَاحِدَةً أَرَادَ أَمْ ثَلَاثًا ؛ فَإِنْ قَالَ وَاحِدَةً أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ لِأَنَّهُ لَا يُخْلِي الْمَرْأَةَ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَا يُبِينُهَا وَلَا يُبْرِيهَا إِلَّا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ، وَالَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا تُخْلِيهَا وَتُبْرِيهَا وَتُبِينُهَا الْوَاحِدَةُ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 25220 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ . 25221 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي حَرَامٍ وَخَلِيَّةٍ وَبَرِيَّةٍ : وَبَيْنُونَتُهُ كُلُّهَا ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ ، وَلَا يَنْوِي فِي شَيْءٍ مِنْهَا . 25222 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَمَّا الْبَائِنَةُ وَالْبَرِيَّةُ فَثَلَاثٌ ، وَأَمَّا الْخَلِيَّةُ فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : وَاحِدَةٌ ، أَوْ مَا نَوَى . 25223 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ فِي خَلِيَّةٍ وَبَرِيَّةٍ وَبَائِنٍ : إِنْ أَرَادَ طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ . 25224 - وَقَالَ زُفَرُ : إِنْ أَرَادَ اثْنَتَيْنِ كَانَتِ اثْنَتَيْنِ . 25225 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ نَحْوَ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ . 25226 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَائِنِ وَالْبَتَّةِ : هُوَ مَا نَوَى ، فَإِنْ نَوَى أَقَلَّ وَثَلَاث كَانَ رَجْعِيًّا . 25227 - قَالَ : وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً كَانَتْ رَجْعِيَّةً . 25228 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم - فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَائِنِ وَالْبَتَّةِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ . 25229 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ فِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِمَا . 25230 - وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ . 25231 - وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ فِي الْبَرِيَّةِ وَالْبَائِنِ . 25232 - وَقَوْلُهُ بَرِئْتِ مِنِّي وَبَرِئْتُ مِنْكِ هُوَ مِنَ الْبَرِيَّةِ . 25233 - وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَرَى الْمُبَارَأَةَ مِنَ الْبَرِيَّةِ وَيَجْعَلُهَا ثَلَاثًا . 25234 - وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُبَارَأَةَ مِنْ بَابِ الصُّلْحِ وَالْفِدْيَةِ وَالْخُلْعِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاحِدَةٌ عِنْدَهُمْ بَائِنَةٌ . 25235 - وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِأَهْلِ امْرَأَتِهِ شَأْنُكُمْ بِهَا أَنَّ النَّاسَ رَأَوْهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً . 25236 - وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا . 25237 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا ثَلَاثٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَاحِدَةً . 25238 - وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : هِيَ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَوَاحِدَةٌ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا ، وَلَا يَنْوِي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 25239 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ فَهُوَ مَا أَرَادَ مِنَ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَهِو رَجْعِيٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بَائِنٌ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ . 25240 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ هَذَا الْبَابِ فِي كُلِّ كِنَايَةٍ عَنِ الطَّلَاقِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلَّتِي تَزَوَّجَهَا فَقَالَتْ أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ : قَدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ ! الْحَقِي بِأَهْلِكِ . فَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا . 25241 - وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لِامْرَأَتِهِ حِينَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِزَالِهَا : الْحَقِي بِأَهْلِكِ ! فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا ، فَدَلَّ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى النِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا لَا يُقْضَى فِيهَا إِلَّا بِمَا يَنْوِي اللَّافِظُ بِهَا ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ الْمُحْتَمِلَاتِ لِلْفِرَاقِ وَغَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25242 - وَمِنَ الْكِنَايَاتِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ : اعْتَدِّي وَأَنْتِ حُرَّةٌ ، أَوِ اذْهَبِي فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ ، أَوْ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ ، أَوْ قَدْ وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ ، أَوْ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ ، أَوِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ - وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا كُلِّهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلطَّلَاقِ . 25243 - وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِيهَا ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهَا قَائِلُهَا ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا نَوَاهُ وَأَرَادَهُ إِنْ قَصَدَهُ . 25244 - وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَلَا يُكَنَّى بِهَا عَنِ الْفِرَاقِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يُوقِعُونَ شَيْئًا مِنْهَا طَلَاقًا ، وَإِنْ قَصَدَهُ الْقَائِلُ . 25245 - وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ مَنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ بِأَيِّ لَفْظَةٍ كَانَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ ، حَتَّى بِقَولِهِ : كُلِي ، وَاشْرَبِي ، وَقُومِي ، وَاقْعُدِي - وَنَحْوِ هَذَا . وَلَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَصْحَابُهُ . 25246 - وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ لَا تَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِنْ نِيَّةٍ وَقَصْدٍ وَإِجْمَاعٍ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . 25247 - وَهَذَا عِنْدِي وَجْهُ الِاحْتِيَاطِ لِلْمُفْتِي ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 25248 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى . 25249 - وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي الَّذِي يَهَبُ امْرَأَتَهُ لِأَهْلِهَا أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهَا . 25250 - وَالصَّوَابُ عِنْدِي فِيهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى مِنَ الطَّلَاقِ - قَبِلُوهَا أَوْ رَدُّوهَا ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ - قَبِلُوهَا أَوْ رَدُّوهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 2 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ 1123 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كُتِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الْعِرَاقِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ! فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَامِلِهِ أَنْ مُرْهُ يُوَافِينِي بِمَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ . فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ لَقِيَهُ الرَّجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَمَرْتَ أَنْ أُجْلَبَ عَلَيْكَ ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَسْأَلُكَ بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ " حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ " ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَوِ اسْتَحْلَفْتَنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُكَ ! أَرَدْتُ بِذَلِكَ الْفِرَاقَ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : هُوَ مَا أَرَدْتَ . 25124 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا : 25125 - مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ، حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ، حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ! فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ : مَا أَرَدْتَ ؟ فَقَالَ : أَرَدْتُ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا ! فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِ . 25126 - قَالَ : أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى مَا نَوَى . 25127 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : إِذَا قَالَ " حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ " فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، أَوْ مَا نَوَى . وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . 25128 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا خَبَرُ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَلَّفَ الرَّجُلَ هَلْ أَرَادَ الطَّلَاقَ بِقَوْلِهِ " حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ " أَمْ لَمْ يُرِدْ ؟ لِأَنَّهُ قَالَ : هُوَ مَا أَرَدْتَ . 25129 - وَأَمَّا خَبَرُ مُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ فَيَحْتَمِلُ هَذَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ اللَّفْظَ سَأَلَهُ : هَلْ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ طَلَاقًا ، أَوْ أَرَادَ تَأْكِيدًا فِي الْوَاحِدَةِ . 25130 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَالَا فِي " حَبْلِكِ عَلَى غَارِبِكِ " : يُسْتَحْلَفُ ؛ هَلْ أَرَادَ طَلَاقًا أَمْ لَا ؟ وَنِيَّتُهُ فِيمَا أَرَادَ مِنْهُ . 25131 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ! فَكَتَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى عُمَرَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ : مُرْهُ فَلْيُوَافِ بِالْمَوْسِمِ . فَوَافَاهُ بِالْمَوْسِمِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ مَا نَوَيْتَ ؟ قَالَ : فِرَاقَ امْرَأَتِي ! فَفَرَّقَ عُمَرُ بَيْنَهُمَا . 25132 - هَذَا يَخْرُجُ فِيمَنْ طَلَّقَ وَقَالَ : أَرَدْتُ غَيْرَ امْرَأَتِي . 25133 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ " حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ " ؛ فَمَرَّةً قَالَ : يَنْوِي مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الطَّلَاقِ وَيَلْزَمُ مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ . وَمَرَّةً قَالَ : لَا يَنْوِي أَحَدٌ فِي " حَبْلِكِ عَلَى غَارِبِكِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَقَدْ أَبْقَى مِنَ الطَّلَاقِ شَيْئًا ، وَهِيَ ثَلَاثٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 25134 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ أنهُ لَا طَلَاقَ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى نِيَّتِهِ إِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا . 25135 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ فِي " حَبْلِكِ عَلَى غَارِبِكَ " : إِنْ لَمْ يُرِدِ الطَّلَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا غَيْرَ . 25136 - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ . 25137 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ أَرَادَ اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا فَلَيْسَ بشَيْءٌ . 25138 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُهُمْ إِلَّا زُفَرَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ أَرَادَ اثْنَتَيْنِ فَهُمَا اثْنَتَانِ . 25139 - وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ . 25140 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ : هِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ بِهَا الرَّجْعَةَ . 25141 - زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ثَلَاثًا . 25142 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَنَاقَضَ الْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنْ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ " وَأَرَادَ ثَلَاثًا فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ طَلَاقٌ ، وَقَدْ أَوْقَعُوهُ بِالْبَتَّةِ هُنَا . 25143 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : كُلُّ كَلَامٍ يُشْبِهُ الطَّلَاقَ يُرَادُ بِهِ الطَّلَاقُ فَهُوَ مَا نَوَى مِنَ الطَّلَاقِ . 25144 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . 25145 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ لَا يُرَاعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النِّيَّةُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ 25146 - قَالَ : وَأَمَّا الْكِنَايَاتُ كُلُّهَا الْمُحْتَمِلَةُ لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ كَانَ مَا نَوَى مِنَ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا حَلَفَ عَلَى مَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ .
1180 1131 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ! فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ! فَقَالَ : بِفِيكِ الْحَجَرُ ! ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ! فَقَالَ : بِفِيكِ الْحَجَرُ ! فَاخْتَصَمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إِلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا إِلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَكَانَ الْقَاسِمُ يُعْجِبُهُ هَذَا الْقَضَاءُ ، وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ وَأَحَبُّهُ إِلَيَّ . 25298 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْمُمَلِّكِ مِنَ الْمُنَاكَرَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إِلَى قَوْلِهِ وَنِيَّتِهِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعِ مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ . 25299 - وَإِنَّمَا لِلْمُمَلِّكِ أَنْ يُنَاكِرَ امْرَأَتَهُ إِذَا أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَ التَّمْلِيكُ مِنْهُ لَهَا فِي غَيْرِ عَقْدِ نِكَاحِهَا . 25300 - وَأَمَّا إِذَا جُعِلَ لَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ غَابَ عَنْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ فَعَلَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَ مِنَ الطَّلَاقِ - فَلَا تُكْرَهُ لَهُ فِي ذَلِكَ . 25301 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . 25302 - وَأَمَّا قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ لِزَوْجِهَا أَنْتَ الطَّلَاقُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّجُلِ يُخَيِّرُ الْمَرْأَةَ فَتَقُولُ قَدْ طَلَّقْتُكَ وَلَمْ تَقُلْ قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي ، أَوْ يقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ؛ 25303 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : تُطَلَّقُ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ . 25304 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ . 25305 - وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ وَلَمْ يَقِلْ إِلَّا أَنْ طَلَّقَكُنَّ النِّسَاءُ . 25306 - وَبِمِثْلِ هَذَا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ فَإِنَّمَا طَلَّقَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُطَلِّقْ زَوْجَتَهُ . 25307 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي يَحْضُرُنِي فِي هَذَا لِلْحِجَازِيِّينَ أَنَّ الطَّلَاقَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْفِرَاقُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَارَقْتُكِ وَفَارَقَتْنِي ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ فَارَقَتْنِي زَوْجَتِي وَفَارَقْتُهَا ، كَمَا يَصِحُّ بَانَتْ مِنِّي وَبِنْتُ مِنْهَا ، وَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَأَنَا عَلَيْهَا حَرَامٌ ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ لَا عَلَى طَلَّقَتْنِي زَوْجَتِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 4 ) بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ التَّمْلِيكِ 1130 - مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَفَارَقَتْنِي ! فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْقَدْرُ ! فَقَالَ زَيْدٌ : ارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ ، فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ وَأَنْتَ أَمَلَكُ بِهَا . 25290 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - أَنَّ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ فِي التَّمْلِيكِ رَجْعِيَّةٌ ؛ يَمْلِكُ الزَّوْجُ فِيهَا رَجْعَةَ امْرَأَتِهِ . 25291 - وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : الطَّلْقَةُ بَائِنَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا . 25292 - وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنْ يُعَارِضَهَا مِثْلَهَا ، وَلَا أَثَرَ فِيهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ السَّلَفِ فِيهِ . 25293 - وَأَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ طَلْقَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ رَجْعِيَّةً ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا وَلِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَكُونَ ثَلَاثًا ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، إِلَّا أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ مِنَ النِّسَاءِ فِي حِينِ عَقْدِ نِكَاحِهَا أَنَّكَ إِنْ تَزَوَّجْتَ عَلَيَّ أَوْ تَسَرَّيْتَ أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا فَأَمْرِي بِيَدِي - فَالطَّلَاقُ هَاهُنَا بَائِنٌ وَاحِدَةً لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهَا إِلَّا بِرِضَاهَا . 25294 - وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْعَبْدِ أَنَّ طَلَاقَهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ; لِأَنَّ لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمْ تَكُنِ الْأَمَةُ الْمُعْتَقَةُ تَشْفَعُ بِاخْتِيَارِهَا ، وَلَا الْمَرْأَةُ الَّتِي اشْتَرَطَتْ طَلَاقَهَا عِنْدَ عَقْدِ نِكَاحِهَا لَمْ تَكُنْ أَيْضًا تَنْتَفِعُ بِشَرْطِهَا . 25295 - وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلِعَةُ ; لِأَنَّهَا ابْتَاعَتْ عِصْمَتَهَا مِنْ زَوْجِهَا بِمَالِهَا . 25296 - فَلَوْ كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ لَذَهَبَ مَالُهَا وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ . 25297 - وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَسَتَرَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْخُلْعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( 7 ) بَابُ إِيلَاءِ الْعَبْدِ 1140 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ إِيلَاءِ الْعَبْدِ ، فَقَالَ : هُوَ نَحْوُ إِيلَاءِ الْحُرِّ وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ . 25508 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُدَّةِ إِيلَاءِ الْعَبْدِ ؛ هَلْ هُوَ شَهْرَانِ أَمْ أَرْبَعَةٌ ؟ وَهَلْ إِيلَاؤُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَوْ بِامْرَأَتِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي طَلَاقِ الْعَبِيدِ ؟ هَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ أَوْ بِامْرَأَتِهِ ؟ 25509 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَقُولُ ابْنُ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ : إِيلَاؤُهُ شَهْرَانِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ إِيلَاءِ الْحُرِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - قِيَاسًا عَلَى حُدُودِهِ وَطَلَاقِهِ . 25510 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . 25511 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ . 25512 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِيلَاؤُهُ مِثْلُ إِيلَاءِ الْحُرِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ فِي أَنَّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ فِيمَا يَلْزَمُهُمَا مِنَ الْأَيْمَانِ سَوَاءٌ فِي الْحِنْثِ ، وَقِيَاسًا عَلَى صَلَاتِهِمَا وَصِيَامِهِمَا ، وقِيَاسًا عَلَى أَجَلِ الْعِنِّينِ ؛ فَإِنَّ أَجَلَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ عِنْدَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . 25513 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ . 25514 - وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ ، وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ . 25515 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً فَإِيلَاؤُهَا شَهْرَانِ مِنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ . 25516 - فَإِذَا كَانَتْ حُرَّةً فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنَ الْحُرِّ وَمِنَ الْعَبْدِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالزَّوْجِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ عِنْدَهُمْ وَالْعِدَّةَ جَمِيعًا بِالنِّسَاءِ . 25517 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ . 25518 - وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : الطَّلَاقُ بِالنِّسَاءِ يُعْتَبَرُ ، لَا بِالرِّجَالِ . 25519 - وَاخْتَلَفُوا فِي زَوَالِ الرِّقِّ بَعْدَ الْإِيلَاءِ ؛ 25520 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا آلَى وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ عُتِقَ لَمْ تَتَغَيَّرْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ . 25521 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أُعْتِقَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ شَهْرَيْنِ صَارَتْ مُدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . 25522 - وَاخْتَلَفُوا فِي إِيلَاءِ الْعَبْدِ بِالْعِتْقِ ؛ 25523 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَكُونُ مُؤْلِيًا ; لِأَنَّهُ لَوْ حَنِثَ مَنْ أُعْتِقَ لَزِمَهُ الْيَمِينُ . 25524 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا حَلَفَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ مَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَلَوْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صِيَامٍ أَوْ طَلَاقٍ كَانَ مُؤْلِيًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
25322 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُمَلَّكَةِ إِذَا مَلَّكَهَا زَوْجُهَا أَمْرَهَا ثُمَّ افْتَرَقَا وَلَمْ تَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا : فَلَيْسَ بِيَدِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَهُوَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا . 25323 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . 25324 - وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجْلِسِ : الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِذَا خُيِّرَتْ فَخِيَارُهَا عَلَى الْمَجْلِسِ ، فَإِنِ افْتَرَقَا أَوْ قَامَتْ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا بَطَلَ خِيَارُهَا . 25325 - وَلَفْظُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ : فَذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى يَفْتَرِقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا . 25326 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَهُ هَذَا فِي مُوَطَّئِهِ وَقَالَ عَنْهُ : بَلْ أَمْرُهَا بِيَدِهَا مَا لَمْ يُجَامِعْهَا ، وَإِنِ افْتَرَقَا . 25327 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيَّ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ . 25328 - وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا أَنَّ لَهَا أَنْ تَقْضِيَ وَإِنِ افْتَرَقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا ، وَكَانَ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ : إِذَا تَفَرَّقَا فَلَا قَضَاءَ لَهَا إِذَا كَانَ قَدْ أَمْكَنَهَا الْقَضَاءُ قَبْلَ قِيَامِ زَوْجِهَا . 25329 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُمَلِّكِ فِيهِ الرُّجُوعُ عَلَى التَّمْلِيكِ ؛ 25330 - فَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ رَجُلٍ ، قَالَ : إِذَا قَامَ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ بَطَلَ . ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُوقِفْهُ السُّلْطَانُ . 25331 - وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ : أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكَ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ . 25332 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ ، إِلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ : حَتَّى يَقْضِيَ أَوْ يَدَعَ . 25333 - وَقَالَ اللَّيْثُ : حَتَّى تُوقَفَ ؛ أَتَقْضِي بِالْفِرَاقِ أَمْ لَا ؟ 25334 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا . 25335 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ أَمْرَهَا غَيْرَهُ فَهَذِهِ وِكَالَةٌ ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يُوقِعَهُ ، وَمَتَى أَوْقَعَهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ وَقَعَ . 25336 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَكِ أَوْ قَالَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا فَهُوَ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ . 25337 - وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقِ امْرَأَتِي كَانَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ ، وَلَهُ أَنْ يَنْهَاهُ . 25338 - وَلَوْ قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا إِنْ شِئْتَ أَوْ قَالَ لَهُ أَمْرُهَا بِيَدِكَ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ . 25339 - وَقَالَ زُفَرُ : ذَلِكَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا . 25340 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ أَثَرٍ وَلَا يُعَضِّدُهُ قِيَاسٌ وَلَا نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25341 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَابِ نَوَازِلُ فِيمَا بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ وَاضْطِرَابٌ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 25342 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : إِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا حَتَّى تَقُومَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 25343 - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ والشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ - أَنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا قَامَتْ مِنَ الْمَجْلِسِ فَلَا أَمْرَ لَهَا . 25344 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلَيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . 25345 - وَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ - أَنَّهُمْ قَالُوا : ذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى تَقْضِيَ . 25346 - وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ : كَيْفَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ وَأَمْرُ امْرَأَتِهِ بِيَدِ غَيْرِهِ ؟ 25347 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اعْتَرَضَ دَاوُدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْخِيَارَ عَلَى الْمَجْلِسِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا فِي حِينِ تَخْيِيرِهِ لِأَزْوَاجِهِ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . وَلَمْ يَقُلْ فِي مَجْلِسِكِ . 25348 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا حُجَّةَ فِي هَذَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ ، حَتَّى تُشَاوِرَ أَبَوَيْهَا . 25349 - وَلَا خِلَافَ فِيمَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ مُدَّةَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 5 ) بَابُ مَا لَا يَبِيِنُ مِنَ التَّمْلِيكِ 1132 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا خَطَبَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ فَزَوَّجُوهُ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَالُوا : مَا زَوَّجْنَا إِلَّا عَائِشَةَ ! فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَجُعِلَ أَمْرُ قُرَيْبَةَ بِيَدِهَا فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا . 1133 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : وَمِثْلِي يُصْنَعُ هَذَا بِهِ ؟ وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ ؟ فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ الْمُنْذِرُ : فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِيهِ ! فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا . 1134 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَا عَنِ الرَّجُلِ يُمَلِّكُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَتَرُدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَا تَقْضِي فِيهِ شَيْئًا ، فَقَالَا : لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . 1135 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَلَمْ تُفَارِقْهُ وَقَرَّتْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . 25308 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا طَلَاقَ لَهَا وَلَا شَيْءَ . 25309 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَجُمْهُورُهُمْ مِنَ الْمُمَلَّكَةِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَقْضِ شَيْئًا لَمْ يُوجِبْ تَمْلِيكُهَا شَيْئًا إِذَا رَضِيَتِ الْبَقَاءَ مَعَ زَوْجِهَا . 25310 - وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْمُخَيَّرَةِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ غَابَتْ عَنْهُمُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ تَخْيِيرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ . 25311 - قَالَتْ عَائِشَةُ : خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَاهُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا . 25312 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى الْفَقْرِ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ بِدَلِيلِ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ : إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . قَالَتْ : مَا هُوَ ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ ، فَقَالَتْ : أَوَفِيكَ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ بَلَى ، أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَأَسْأَلُكَ أَلَّا تَذْكُرَ ذَلِكَ لِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ مُعَنِّتًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا ، فَلَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا . رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ . 25313 - وَرَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ . 25314 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْحَسَنِ : إِنَّهُنَّ إِنَّمَا خُيِّرْنَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا بَيْنَ فِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكَوْنِ مَعَهُ ، وَالْقَضَاءُ بِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مِنَ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ أَنَّ الْمُمَلَّكَةَ وَالْمُخَيَّرَةَ إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لِمَ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقٌ . 25315 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ طَلَاقٌ . 25316 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَعَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَهُ ، وَإِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَهُ . 25317 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخِيهَا مِنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ " زَوَّجَتْ حَفْصَةَ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا الْخِطْبَةَ وَالْكِنَايَةَ فِي الصَّدَاقِ وَالرِّضَا وَنَحْوَ ذَلِكَ دُونَ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا حَكَمَتْ أَمْرَ الْخِطْبَةِ وَالصَّدَاقِ وَالرِّضَا قَالَتْ : أَنْكِحُوا وَاعْقِدُوا ، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ . 25318 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَحَتِ امْرَأَةً مَنْ بَنِي أَخِيهَا رَجُلًا مَنْ بَنِي أُخْتِهَا ، فَضَرَبَتْ بَيْنَهُمْ بِسِتْرٍ ، ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْدُ أَمَرَتْ رَجُلًا فَأَنْكَحَ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ إِلَى النِّسَاءِ النِّكَاحُ . 25319 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ احْتَجَّ الْكُوفِيُّونَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي جَوَازِ عَقْدِ الْمَرْأَةِ لِلنِّكَاحِ . 25320 - وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَلِأَنَّ عَائِشَةَ آخِرُ الَّذِينَ رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " . 25321 - وَالْوَلِيُّ الْمُطَلِّقُ يَقْتَضِي الْعَصَبَةَ لَا النِّسَاءَ ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
( 3 ) بَابُ مَا يَبِينُ مِنَ التَّمْلِيكِ 1128 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَ امْرَأَتِي فِي يَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : أَرَاهُ كَمَا قَالَتْ . فَقَالَ الرَّجُلُ : لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَنَا أَفْعَلُ ؟ أَنْتَ فَعَلْتَهُ . 1129 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ : لَمْ أُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا . 25251 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - أَنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا وَيَحْلِفَ ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ مَا طَلَّقَتْ بِهِ نَفْسَهَا . 25252 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلسَّلَفِ أَقْوَالٌ ؛ 25253 - أَحَدُهَا : أَنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ ، وَلَا تَنْفَعُهُ مُنَاكَرَتُهُ إِيَّاهَا . 25254 - وَالثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ إِلَى نِيَّتِهِ ، فَإِنْ قَالَ " أَرَدْتُ وَاحِدَةً " كَانَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَلَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا أَنْ تُوقِعَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لِإِرَادَتِهِ لِلْوَاحِدَةِ ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا وَاحِدَةً . 25255 - وَالثَّالِثُ : أَنَّ طَلَاقَهَا لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ أَمَلَكُ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا . 25256 - وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِيَدِ الْمَرْأَةِ طَلَاقُ الرَّجُلِ ، وَلَيْسَ قَوْلُهَا لِزَوْجِهَا " قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي مِنْكَ " بِشَيْءٍ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ لَهُ " أَنْتَ مِنِّي طَالِقٌ " لَمْ يَكُنْ شَيْئًا . 25257 - وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُوسٍ . 25258 - وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ . 25259 - وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَطَائِفَةٌ . 25260 - رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : إِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ ، هِيَ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ . 25261 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يَقُولُ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ جَعَلَ زَوْجُهَا أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ وَلِيِّهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ - فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ . 25262 - وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ ؛ إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً ، وَإِنِ اثْنَتَيْنِ فَاثْنَتَيْنِ ، وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثًا . 25263 - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ - مِثْلُهُ . 25264 - وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ - مِثْلُهُ . 25265 - فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُنَاكَرَةً ! فَالْجَوَابُ أَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ قَدْ فَسَّرَتْ مَا أَجْمَلَ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيَقُولُ لَمْ أُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً . 25266 - فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي . 25267 - وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ فَقَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ . 25268 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ - أَوِ الْأَسْوَدِ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَتْ : لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِكَ مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتَ كَيْفَ أَصْنَعُ ! فَقَالَ : فَإِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِكِ بِيَدِكِ ! قَالَتْ : فَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ! قَالَ : أَرَاهَا وَاحِدَةً ، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ، وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ . ثُمَّ لَقِيَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ : فَعَلَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ وَفَعَلَ ; يَعْمَدُونَ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ فِي أَيْدِي النِّسَاءِ ! بِفِيهَا التُّرَابُ ، مَاذَا قُلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قُلْتُ أَرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ : وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ ، وَلَوْ رَأَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَرَأَيْتُ أَنَّكَ لَمْ تُصِبْ . 25269 - رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْهَا ابْنَ مَسْعُودٍ ; مَاذَا تَرَى فِيهَا ؟ قَالَ : أَرَاهَا وَاحِدَةً ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ عُمَرُ : وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ . 25270 - وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا - قَالَ : هِيَ وَاحِدَةٌ . 25271 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُوسٍ فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا ! قَالَ : خَطَّأَ اللَّهُ نَوْءَهَا ، إِنَّمَا الطَّلَاقُ لَكَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْكَ . 25272 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ - وَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا ؟ أَتَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ؟ فَقَالَ : كَانَ يَقُولُ : لَيْسَ إِلَى النِّسَاءِ طَلَاقٌ . 25273 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ طَاوُسٌ . 25274 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً مَلَّكَهَا زَوْجُهَا أَمْرَ نَفْسِهَا فَقَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، وَأَنْتَ الطَّلَاقُ ، وَأَنْتَ الطَّلَاقُ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : خَطَّأَ اللَّهُ نَوْءَهَا ! أَلَا قَالَتْ : أَنَا طَالِقٌ ، أَنَا طَالِقٌ ! 25275 - وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى قَدْ ذَهَبَ إِلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمُمَلَّكَةِ ، قَالُوا : إِذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا " أَنْتَ طَالِقٌ " لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ حَتَّى يَقُولَ : أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ . 25276 - وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهَا لِزَوْجِهَا " أَنْتَ طَالِقٌ " ، كَمَا يَقَعُ بِقَوْلِهَا " أَنَا طَالِقٌ مِنْكَ " . 25277 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِي التَّمْلِيكِ . 25278 - يَقُولُ مَالِكٌ مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمَذْهَبُهُ فِي التَّخَيُّرِ خِلَافُ مَذْهَبِهِ فِي التَّمْلِيكِ ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَهُنَاكَ نَذْكُرُ مَذَاهِبَ السَّلَفِ مِنَ الْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25279 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : اخْتَارِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ ، سَوَاءٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ الطَّلَاقَ . فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ مَا أَرَادَ مِنَ الطَّلَاقِ . فَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ ، وَلَوْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَقَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي ، فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ . 25280 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي " أَمْرِكِ بِيَدِكِ " : إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، إِلَّا أَنْ تَنْوِيَ ثَلَاثًا فَيَكُونُ ثَلَاثًا . قَالَ : وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَإِنْ نَوَاهُ . 25281 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَمْرُكِ بِيَدِكِ مِثْلُ الْخِيَارِ ، فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ . 25282 - وَكُلُّ هَؤُلَاءِ - التَّمْلِيكُ وَالتَّخْيِيرُ - عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ . 25283 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " : الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ - نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ . 25284 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ . 25285 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " : هِيَ ثَلَاثٌ ، وَلَا يُسْأَلُ الزَّوْجُ عَنْ نَفْسِهِ . 25286 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " : الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ ، وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . 25287 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِذَا مَلَّكَهَا أَمْرَهَا - فَإِنْ قَالَ " لَمْ أُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً " حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِهَا . 25288 - وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ أَنْكَرَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ . 25289 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إِذَا رَدَّتِ الْأَمْرَ إِلَى زَوْجِهَا وَلَمْ تَقْضِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُرِدْ طَلَاقَهَا فَلَا طَلَاقَ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
27660 - قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إِحْدَادٌ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا سَيِّدُهَا . وَلَا عَلَى أَمَةٍ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا - إِحْدَادٌ ، وَإِنَّمَا الْإِحْدَادُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ . 27661 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ . 27662 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : أُمُّ الْوَلَدِ تَخْرُجُ ، وَتَتَطَيَّبُ ، وَتَخْتَضِبُ ، لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . 27663 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ الْمُتَوَفَّى فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَذَلِكَ يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ هَاهُنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
27656 - قَالَ مَالِكٌ : تَدَّهِنُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالزَّيْتِ وَالشِّبْرِقِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ . 27657 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي بَاقِي هَذَا الْبَابِ مَذْهَبَهُ فِي جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مَعَهُ . 27658 - وَذَكَرَ أَيْضًا فِيهِ الْإِحْدَادَ عَلَى الصَّبِيَّةِ كَمَا هُوَ عَلَى الْكَبِيرَةِ ، وَعَلَى الْأَمَةِ شَهْرَيْنِ ، وَخَمْسَ لَيَالٍ ، كَمَا هُوَ عَلَى الْحُرَّةِ . 27659 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
1235 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا ، وَهِيَ حَادٌّ عَلَى زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَصَانِ . 27653 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ صَفِيَّةَ - رَحِمَهَا اللَّهُ - وَرَعٌ يُشْبِهُ وَرَعَ زَوْجِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 27654 - وَمَنْ صَبَرَ عَلَى أَلَمِهِ ، وَتَرَكَ الشُّبُهَاتِ فِي عِلَاجِهِ حُمِدَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُذَمَّ عَلَيْهِ . 27655 - وَمَنْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ ، وَتَأَوَّلَ تَأْوِيلًا غَيْرَ مَدْفُوعٍ ، فَغَيْرُ مَلُومٍ ، وَلَا مُعَنَّفٍ ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُجْتَنَبَ مَحَارِمُهُ .
1236 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ، زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تَقُولُ : تَجْمَعُ الْحَادُّ رَأْسَهَا بِالسِّدْرِ وَالزَّيْتِ . 27664 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ; لِأَنَّ السِّدْرَ ، وَالزَّيْتَ لَيْسَ بِطِيبٍ . 27665 - وَقَدْ جَاءَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْسَانِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَلْيِينِ الشَّعْرِ ، وَتَرْجِيلِهِ . 27665 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ بُدَيْلٍ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ شَيْئًا ، وَلَا تَكْتَحِلُ ، وَلَا تَلْبَسُ حُلِيًّا ، وَلَا تَخْتَضِبُ ، وَلَا تَتَطَيَّبُ . 27667 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَرْفَعُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ رَأْيًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 35 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِحْدَادِ 1228 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ; أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ . قَالَتْ زَيْنَبُ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، فَدَعَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً ، ثُمَّ مَسَحَتْ بِعَارِضَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ ، مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ . غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَقُولُ : " لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " . 1229 - قَالَتْ زَيْنَبُ : ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٌ . غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " . 1230 - قَالَتْ زَيْنَبُ : وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ ، زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . إِنَّ ابْنَتِي تُوَفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا . وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحُلُهُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : " لَا " ، ثُمَّ قَالَ : " إِنَّمَا هِيَ : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ " . قَالَ حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ : فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ : وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ . ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ ، فَتَفْتَضُّ بِهِ . فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ . ثُمَّ تَخْرُجُ . فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا . ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَالْحِفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيّ . وَتَفْتَضُّ تَمسْحُ بِهِ جِلْدَهَا كَالنُّشْرَةِ . 27564 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ مَالِكٌ ، وَلَا الثَّوْرِيُّ ، وَهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْهُ . 27565 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قَالَ شُعْبَةُ : سَأَلْتُ عَاصِمًا الْأَحْوَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تُحِدُّ ؟ فَقَالَ : قَالَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ : كَتَبَ حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ إِلَى حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ : أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ شُعْبَةُ : قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : أَنْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَهُوَ ذَاكَ حَيٌّ . قَالَ شُعْبَةُ : وَكَانَ عَاصِمٌ يَرَى أَنَّهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ . 27566 - وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةَ شُعْبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : أَنْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَمِنْ طُرُقٍ . 27567 - أَمَّا الْإِحْدَادُ : فَتَرْكُ الْمَرْأَةِ لِلزِّينَةِ كُلِّهَا مِنَ اللِّبَاسِ ، وَالطِّيبِ ، الْحُلِيِّ وَالْكُحْلِ ، وَمَا تَتَزَيَّنُ بِهِ النِّسَاءُ مَا دُمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، يُقَالُ لَهَا حِينَئِذٍ : امْرَأَةٌ حَادٌّ ، وَمُحِدٌّ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ : أَحَدَّتِ الْمَرْأَةُ ، وَحَدَّتْ تُحِدُّ ، فَهِيَ حَادٌّ ، وَمُحِدٌّ . 27568 - فَالْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْقُرْآنِ ، وَالْإِحْدَادُ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 27569 - وَقَدْ شَذَّ الْحَسَنُ عنها وَحْدَهُ ، فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا . 27570 - وَمَعْنَى إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ : تَرْكُ الزِّينَةِ الرَّاغِبَةِ إِلَى الْأَزْوَاجِ ، وَذَلِكَ لِبَاسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ لِلزِّينَةِ ، وَلِبَاسُ الرَّقِيقِ الْمُسْتَحْسَنِ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ ، وَلَا تَلْبَسُ خَزًّا ، وَلَا حَرِيرًا ، وَلَا شَيْئًا مِنَ الْحُلِيِّ ، وَلَا تَمَسُّ أَحَدًا مِنْ طِيبٍ . 27571 - وَجَائِزٌ لَهُنَّ لِبَاسُ الْغَلِيظِ الْخَشِنِ مِنْ ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ ، وَتَلْبِسُ الْبَيَاضَ كُلَّهُ ، وَالسَّوَادَ الَّذِي لَيْسَ بِزِينَةٍ ، وَيَبِتْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 27572 - وَلَا بَأْسَ أَنْ تَدَّهِنَ مِنَ الْأَدْهَانِ بِمَا لَيْسَ بِطِيبٍ . 27573 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . 27574 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ وَالْكَافِرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ . 27575 - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِهِ ، إِلَّا ابْنَ نَافِعٍ ، وَأَشْهَبَ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَا إِحْدَادَ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ . 27576 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كَقَوْلِ مَالِكٍ : الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّغِيرَةِ ، وَالْكَافِرَةِ ، كَهُوَ عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْكَبِيرَةِ جَعَلُوهُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ ، وَحَفِظِ النَّسَبَ كَالْعِدَّةِ ، وَقَالُوا : تَدْخُلُ الصَّغِيرَةُ ، وَالْكَافِرَةُ فِي الْإِحْدَادِ ، فَالْمَعْنَى كَمَا دَخَلَتِ الْمُسْلِمَةُ الْكَبِيرَةُ بِالنَّصِّ ، وَكَمَا دَخَلَ الْكَافِرُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَامَ عَلَى سَوْمِهِ ، وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ : " لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ " وَ " لَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ " . 27577 - وَكَمَا يُقَالُ : هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ سَلَكَهُ غَيْرُهُمْ . 27578 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ عَلَى الصَّغِيرَةِ ، وَلَا على الْكَافِرَةِ ، وَلَا عَلَى الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ الْإِحْدَادُ ، كَهُوَ عَلَى الْحُرَّةِ بِالْعِدَّةِ . 27579 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الْأَمَةُ عَلَيْهَا مَا عَلَى الْحُرَّةِ مِنْ تَرْكِ الزِّينَةِ ، وَغَيْرِهَا إِلَّا الْخُرُوجَ . 27580 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ فِي الْخُرُوجِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ عَلَيْهِمَا الْإِحْدَادُ ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ . 27581 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا فِي الصَّغِيرَةِ . 27582 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ قَالَ لَا إِحْدَادَ إِلَّا عَلَى مُسْلِمَةٍ مُطَلَّقَةٍ ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ، فَعُلِمَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ ، فَهُوَ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ دُونَ الْكَافِرَةِ وَالصَّغِيرَةِ . 27583 - وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا وَصَفْنَا مِمَّا نَدْعُو بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِطَابَ فِيهِ تَوَجُّهٌ إِلَى الْمُؤْمِنَاتِ ، وَدَخَلَتِ الذِّمِّيَّةُ فِي ذَلِكَ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ ; لِأَنَّهَا فِي النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَالْعِدَّةِ كَالْمُسْلِمَةِ ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ فِي الْإِحْدَادِ . 27584 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا إِحْدَادَ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . 27585 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : الْإِحْدَادُ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ مُتَوَفَّى عَنْهَا : حُرَّةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ ، مُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ ، صَغِيرَةٍ ، أَوْ كَبِيرَةٍ ، وَالْمُكَاتَبَةِ ، وَالْمُدَبَّرَةِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ نَافِعٍ ، وَأَشْهَبَ . 27586 - وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تُحِدُّ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي عِدَّتِهَا . 27587 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا . 27588 - وَأَجْمَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ . 27589 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَعَطَاءٍ . 27590 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ " . 27591 - فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِحْدَادَ هُوَ عَلَى الْمُتَوَفَّى ، وَالْمُطَلِّقُ حَيٌّ ، فَلَا إِحْدَادَ عَلَى امْرَأَتِهِ . 27592 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ وَاجِبٌ ، وَهِيَ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي عِدَّةٍ يُحْفَظُ بِهَا النَّسَبُ . 27593 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ . 27594 - وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَوْكَدُ وَأَشَدُّ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . 27595 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 27596 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ لِلْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ : الْإِحْدَادَ ، وَأَنْ لَا يَتَبَيَّنَ لِي أَنْ أَوْجِبَهُ عَلَيْهَا . 27597 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا قَوْلُهُ : " لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ " ، وَلَيْسَ فِيهِ : لَا تَحِلُّ لَهَا أَنْ تُحِدَّ عَلَى حَيٍّ . 27598 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَدَخَلَتْ حِفْشًا ، فَقَدْ فَسَّرَهُ مَالِكٌ الْحِفْش : أَنَّهُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ . 27599 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : الْحِفْشُ : الْبَيْتُ الصَّغِيرُ . 27600 - وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ . 27601 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْحِفْشُ : الدُّرْجُ وَجَمْعُهُ أَحْفَاشٌ ، شُبِّهَ بِهَا الْبَيْتُ الصَّغِيرُ . 27602 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : تَمْسَحُ بِهِ كَالنُّشْرَةِ . 27603 - وَقَالَ غَيْرُهُ : تَمْسَحُ بِيَدَيْهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ . 27604 - وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ . 27605 - وَقَالَ غَيْرُهُ : الِافْتِضَاضُ : الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ الْعَذْبَ أَشَدُّ فِي الِإِنْقَاءِ مِنْ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ بِبَابِ أَحَدِكُمْ نَهْرٌ غَمْرٌ عَذْبٌ يَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، مَا تَرَوْنَ ذَلِكَ ، يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ - أَيْ مِنْ وَسَخِهِ ؟ " . 27606 - وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْفَضَضُ مَاءٌ عَذْبٌ ، يَقُولُ : افْتَضَضْتُ بِهِ إِذَا اغْتَسَلْتُ بِهِ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَتَمَسَّحُ بِشَيْءٍ كَالنُّشْرَةِ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدُ فَتَسْتَسْقِي وَتَسْتَنْظِفُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ حَتَّى تَصِيرَ كَالْفِضَّةِ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ ، فَتَرْمِي بِهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا بَعْدَ السَّنَةِ . 27607 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، وَفِيهِ : قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا إِلَى الْحَوْلِ ، فَإِذَا كَانَ الْحَوْلُ ، وَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْهُ بِبَعْرَةٍ ، ثُمَّ خَرَجَتْ ، فَلأَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْر ؟ ! 27608 - قَالَ : وَالْأَحْلَاسُ : جَمْعُ حِلْسٍ ، فَهُوَ كَالْمَسْحِ مِنَ الشَّعْرِ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ الْبَعِيرِ ، فَكَانَتْ تَرْمِي الْكَلْبَ بِالْبَعْرَةِ بَعْدَ اعْتِدَادِهَا عَلَى زَوْجِهَا عَامًا كَامِلًا . 27609 - وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ لَبِيدٌ فِي قَوْلِهِ : وَهُمُ رَبِيعٌ لِلْمُجَاوِرِ فِيهِمُ وَالْمُرْمِلَاتِ إِذَا تَطَاوَلَ عَامُهَا . 27610 - وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ الْآيَةَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا 27611 - وَهَذَا مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ فِيهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَكَيْفَ لَا تَصْبِرُ إِحْدَاكُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَقَدْ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَصْبِرُ حَوْلًا ؟ " . 27612 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَمْكُثُ حَوْلًا " بَيَانٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الْحَوْلَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مَنْسُوخٌ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ . 27613 - وَهَذَا مَعَ وُضُوحِهِ فِي السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الْمَنْقُولَةِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، لَا خِلَافَ فِيهِ . 27614 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَنْسُوخِ فِي الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْحَوْلَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مَنْسُوخٌ إِلَى أَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ . 27615 - وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْآيَةِ ، قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ مَنْسُوخٌ كُلُّهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي نَسْخِ الْوَصِيَّةِ بِالسُّكْنَى لِلزَّوْجَاتِ فِي الْحَوْلِ إِلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً مَهْجُورَةً جَاءَتْ عَنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، لَمْ يُتَابَعِ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ عَلَيْهَا ، وَلَا قَالَ بِهَا - فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ - أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْخَالِفِينَ فِيمَا عَلِمْتُ . 27616 - وَأَمَّا سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ مُقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 27617 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ مِثْلَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ . 27618 - وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ . 27619 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَالَ : كَانَ مِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مَنْ زَوْجِهَا مَنْ رَبْعِهِ أَنْ تَسْكُنَ إِنْ شَاءَتْ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ زَوْجُهَا إِلَى الْحَوْلِ ، ثُمَّ نَسَخَهَا مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ . 27620 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ سُكْنَى الْحَوْلِ ، ثُمَّ نُسِخَ . 27621 - وَبِهِ عَنْ سُنَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَتْ : تُوَفِّيَ زَوْجُ امْرَأَةٍ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا تَسْأَلُهُ عَنِ الْكُحْلِ ، فَقَالَ لَهَا : " قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا إِذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا مَكَثَتْ فِي بَيْتِهَا حَوْلًا ، وَإِذَا مَرَّ بِهَا الْكَلْبُ رَمَتْهُ بِالْبَعْرَةِ ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ؟ ! " . 27622 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَسْوَدُ الْعِجْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ نَسَخَتْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . قَالَ : قُلْنَا لِسِمَاكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ : قَالَ عِكْرِمَةُ : كُلُّ شَيْءٍ أُحَدِّثُكُمْ بِهِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 27623 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ وَنَسَخَ الْوَصِيَّةَ لِلزَّوْجَاتِ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ ; لِمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الرُّبُعِ ، أَوِ الثُّمُنِ ، وَنَسَخَ أَجَلَ الْحَوْلِ بِأَنْ جَعَلَ أَجَلَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 27624 - هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ . 27625 - قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا كَامِلًا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ عِدَّتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَنَسَخَ النَّفَقَةَ فِي الْحَوْلِ ، كَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الثُّمُنِ أَوِ الرُّبُعِ مِيرَاثًا . 27626 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْحَوْلُ ، فَمَنْسُوخٌ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشَرُ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . 27627 - وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالسُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ رَأَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْمِيرَاثِ ، وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ . 27628 - وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ ، فَذَلِكَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُمْ بِالسُّنَّةِ بِأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَمَا فِي الْوَجْهَيْنِ كَانَ النَّسْخُ ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1231 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحْلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ . 27629 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَعَلَى نَافِعٍ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ . 27630 - وَأَمَّا مَعْنَاهُ ، فَقَدْ مَضَى فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ .
1233 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ . وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبْرًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : اجْعَلِيهِ فِي اللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ . 27643 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فَالصَّبْرُ يَصْفَرُّ ، فَيَكُونُ زِينَةً ، وَلَيْسَ بِطِيبٍ ، فَأُذِنَ لَهَا فِيهِ بِاللَّيْلِ ، حَيْثُ لَا يُرَى ، وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ حَيْثُ يُرَى . فَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ . 27644 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ : تَجْتَنِبُ الْمُطَلَّقَةُ ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : الطِّيبَ ، وَالزِّينَةَ ، وَالْكُحْلَ ، فَجَعَلَ الْكُحْلَ كَالزِّينَةِ . 27645 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَخَّصُوا عَنْهُ فِيمَا لَيْسَ بِزِينَةٍ . 27646 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : تَجْتَنِبُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ ، وَالزِّينَةَ كُلَّهَا وَالطِّيبَ .
27634 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبْرًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَاجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ ، وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ . 27635 - وَهَذَا تَفْسِيرُ كُحْلِ الْجِلَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَلَاغِ الْأَوَّلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ صَبْرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27636 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الصَّبْرِ الْإِثْمِدُ ، وَمَا يُتَزَيَّنُ بِهِ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهَا بِمَسْحِهِ بِالنَّهَارِ . 27637 - وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ كُحْلٌ لَا طِيبَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ لَمْ يُبَحْ لَهَا شَيْءٌ مِنْهُ ، لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . 27638 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ سُئِلَتْ عَنِ الْإِثْمِدِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ؟ فَقَالَتْ : لَا ، وَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنَاهَا . 27639 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ . 27640 - فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ : لَا تَكْتَحِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْإِثْمِدِ ، وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ سَوَادٌ ، أَوْ صُفْرَةٌ ، أَوْ شَيْءٌ يُغَيِّرُ الْأَلْوَانَ ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِإِثْمِدِ فِيهِ طِيبٌ وَلَا مِسْكٌ ، وَإِنِ اشْتَكَتْ عيناها عَيْنَيْهَا . 27641 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ كُحْلٍ كَانَ فِيهِ زِينَةٌ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ . 27642 - فَأَمَّا الْفَارِسِيُّ وَمَا أَشْبَهَهُ إِذَا احْتَاجَتْ إِلَيْهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِينَةٍ ، بَلْ يَزِيدُ الْعَيْنَ مُرْهًا وَقُبْحًا ، وَمَا اضْطُرَّتْ إِلَيْهِ فِيهِ مِمَّا فِيهِ زِينَةٌ مِنَ الْكُحْلِ اكْتَحَلَتْ بِهِ لَيْلًا ، فَتَمْسَحُهُ نَهَارًا .
1232 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا ، اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا : اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجِلَاءِ بِاللَّيْلِ ، وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ . 27631 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إِبَاحَةُ الْكُحْلِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِاللَّيْلِ ، وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ . 27632 - وَكُحْلُ الْجِلَاءِ هُوَ الصَّبِرُ هَاهُنَا ، وَهُوَ مِمَّا يَجْلُو الْبَصَرَ . 27633 - وَفِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ لِمَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ ابْنَتِي تُوَفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا ، أَفَتَكْحُلُهُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهَا فِي الْكُحْلِ لَيْلًا ، وَلَا نَهَارًا .
1234 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : إِنَّهَا إِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ ، أَوْ شَكْوٍ أَصَابَهَا : إِنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ كُحْلٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ . 27647 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ . فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ . 27648 - وَرَخَّصَ فِيمَا فِيهِ - مِنَ الْكُحْلِ - طِيبٌ عَلَى الضَّرُورَةِ : عَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ . 27649 - وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ . 27650 - وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ اخْتِيَارٌ ، وَأَخْذٌ بِالْأَحْوَطِ ; لِأَنَّ الطِّيبَ دَاعِيَةٌ مِنْ دَوَاعِي التَّشَوُّفِ إِلَى الرِّجَالِ ، عَلَى أَنَّ الِاكْتِحَالَ عِلَاجٌ ، وَلَيْسَ الْعِلَاجُ بِيَقِينِ بُرْءٍ . 27651 - وَالْأَصْلُ مَا قُلْتُ لَكَ ، فَمَنِ احْتَاطَ كَرِهَ الطِّيبَ لَهَا جُمْلَةً ، وَمَنْ رَخَّصَ بِالضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 27652 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْلُومٌ أَنَّ الْإِحْدَادَ فِي تَرْكِ الزِّينَةِ ، وَالطِّيبِ يَقْطَعُ دَوَاعِيَ التَّشَوُّفِ إِلَى الْأَزْوَاجِ ; لِحِفْظِ الْعِدَّةِ ، فَإِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا ، وَاكْتَحَلَتْ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ مِنْ أَجْلِ شَكْوَاهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي نُهِيَتْ عَنْهُ فِي شَيْءٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 34 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ 1222 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ; أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ . فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ . وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ . فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ؟ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : " مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ " . 27489 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَقَالَ فِيهِ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . 27490 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ بِإِسْنَادِهِ ، فَقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . 27491 - وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ هُمْ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بِهِمْ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ : الْمُرَيْسِيعُ . مِنْ نَحْوٍ فَرِيدٍ ، وَذَلِكَ فِي نَحْوِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَالْغَزْوَةُ تُعْرَفُ بِغَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَغَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ . 27492 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : أَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ أَوْطَاسٍ ، وَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا مِنْهُنَّ ، وَلَا يَحْمِلْنَ ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : " مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَجَعَلَ مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ . 27493 - وَسَبْيُ أَوْطَاسٍ هُوَ سَبْيُ هَوَازِنَ ، وَسَبْيُ هَوَازِنَ إِنَّمَا سُبِيَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَوَهِمَ مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27494 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَلَا هَوَازِنَ ، وَلَا أَوْطَاس ، وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا ، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ ، فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسَمَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا وَهِيَ خَارِجَةٌ . 27495 - فَهَذَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، وَكَانَ مِنْ جِلَّةِ التَّابِعِينَ ، وَكِبَارِ الْفُضَلَاءِ ، مِنْهُمْ سَمِعَهُ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، وَجَمَاعَةٌ . 27496 - وَرَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا السُّؤَالَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَطْ . 27497 - وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : لِمَا أَصَبْنَا سَبْيَ خَيْبَرَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ . 27498 - هَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي سَبْيِ خَيْبَرَ . 27499 - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : أَبُو الْوَدَّاكِ جَبْرُ بْنُ نَوْفٍ ثِقَةٌ . 27500 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَبْيَ خَيْبَرَ يَهُودِيَّاتٌ ، وَسَبْيَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَسَبْيَ أَوْطَاسٍ وَثَنِيَّاتٌ . 27501 - وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فِي تِلْكَ الْغَزاةِ انْطَلَقُوا عَلَى وَطْءِ مَا وَقَعَ فِي سِهَامِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي سَبَوْا وَغَنِمُوا ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهُوَ الشَّأْنُ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ يَحِلُّ وَطْؤُهُ مِنَ الْإِمَاءِ . 27502 - وَالْوَطْءُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فِي الْقُرْآنِ ، فَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الشَّرِيعَةِ بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 27503 - فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَغَيْرِهَا : " لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا توطأ حَامْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً " . 27504 - وَفِي الْقُرْآنِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ وَالشِّرْكِ ، فَمَنْ مَلَكَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَطْأَهَا كَالْبَنَاتِ ، وَالْأُمَّهَاتِ ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ فِي النَّسَبِ ، وَالرَّضَاعِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكَاتُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فَحَرَّمَ وَطْءَ كُلِّ كَافِرَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كِتَابِيَّةً ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ 27505 - وَلِاسْتِيفَاءِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَلَا تَخْلُو نِسَاءُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ أَنْ تَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ ، فَيُوطَأْنَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، إِلَّا أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ جَمَاعَةً دَانُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ ، فَكَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ فِي رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ فِي بَنِي تَغْلِبَ ، وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ ، وَبَنِي عِجْلٍ ، وَخَوَاصٍّ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ . 27506 - وَكَذَلِكَ كَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ أَيْضًا فِي لَخْمٍ ، وَجُذَامَ ، وَغَسَّانَ ، وَقُضَاعَةَ ، وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ، وَطَوَائِفَ مِنْ مُذْحِجٍ . 27507 - وَكَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ فِي خَيْبَرَ ، وَفِي الْأَنْصَارِ : الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَطَوَائِفَ مِمَّنْ سَاكَنَ يَهُودَ خَيْبَرَ ، مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهَا . 27508 - وَكَانَتِ الْمَجُوسِيَّةُ فِي طَوَائِفَ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْعَرَبِ فَأَهْلُ أَوْثَانٍ ، وَعَبَدَةُ أَصْنَامٍ . 27509 - وَرُبَّمَا شَذَّ مِنَ الْقَبِيلِ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ ، فَتَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ . 27510 - فَإِنْ كَانَ بَنُو الْمُصْطَلِقِ يَهُودَا ، أَوْ نَصَارَى ، فَوَطْؤُهُنَّ جَائِزٌ مَعَ السَّبْيِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ . 27511 - وَإِنْ كُنَّ عَبَدَةَ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ ، لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهُنَّ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ لِأُمَّتِهِ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنَ الْمَجُوسِ عَلَى أَنْ لَا تُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحَ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ . 27512 - وَقَدْ رُوِيَ إِجَازَةُ وَطْءِ الْإِمَاءِ الْوَثَنِيَّاتِ ، وَالْمَجُوسِيَّاتِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ : طَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْإِسْنَادُ عَنْهُمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 27513 - وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ . 27514 - وَذَلِكَ كُلُّهُ شُذُوذٌ ، وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْتَفِتُ الْفُقَهَاءُ إِلَيْهِ . 27515 - وَالصَّحِيحُ فِي وَطْءِ الْمَجُوسِيَّاتِ وَالْوَثَنِيَّاتِ مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي غَزْوِهِمُ الْفُرْسَ ، وَسَائِرَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . 27516 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمُ الْجَارِيَةَ مِنَ الْفَيْءِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصِيبَهَا أَمَرَهَا ، فَغَسَلَتْ ثِيَابَهَا ، وَاغْتَسَلَتْ ، ثُمَّ عَلَّمَهَا الْإِسْلَامَ ، وَأَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ ، وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ، ثُمَّ أَصَابَهَا . 27517 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا تحِلُّ لِرَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مُشْرِكَةً أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ ، وَتُصَلِّيَ ، وَتَحِيضُ عِنْدَهُ حَيْضَةً . 27518 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : السُّنَّةُ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا حَتَّى تُصَلِّيَ إِذَا اسْتَبْرَأَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَيَسْتَبْرِئُهَا ، وَتَغْسِلُ نَفْسَهَا ثُمَّ يُصِيبُهَا . 27519 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 27520 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ بَيْعُهَا لَمْ يُرَاعُوا الْعَزْلَ ، وَلَمْ يُبَالُوا بِالْحَمْلِ . 27521 - وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ قَاطِعَةً لَازِمَةً ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ الْمُجْتَمِعَةَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ سَيِّدِهَا ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يُرِيدُوا تَعْجِيلَ الْبَيْعِ وَالْفِدَاءِ ، وَخَشَوْا إِنْ لَمْ يَعْزِلُوا أَنْ يَحْمِلْنَ مِنْهُمْ ، وَأَرَادُوا الْعَزْلَ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا جَوَازَهُ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يُحَرِّمُونَ الْعَزْلَ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 27522 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهَا مِنْ سَيِّدِهَا ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 27523 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَمَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ " ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ : 27524 - فَقِيلَ : مَا عَلَيْكُمْ فِي الْعَزْلِ ، وَلَا فِي امْتِنَاعِكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَاعْزِلُوا ، أَوْ لَا تَعْزِلُوا ، فَقَدْ فُرِغَ مِنَ الْخَلْقِ ، وَإِعْدَادِهِمْ ، وَمَا قُضِيَ وَسَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَا مَحَالَةَ . 27525 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ . 27526 - وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، أَيْ لَا تَفْعَلُوا الْعَزْلَ ، كَأَنَّهُ نَهَى عَنْهُ . 27527 - ذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : ذَكَرْتُ لِلْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْعَزْلِ : لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَقَالَ : لَا عَلَيْكُمْ ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَاجِرٌ . 27528 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الْعَزْلِ عَنِ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ : 27529 - فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِي الْعَزْلِ . 27530 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ . 27531 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُمْ كَرِهُوا الْعَزْلَ . 27532 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَلَوْ أَنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهَا كَانَتْ فِي صَخْرَةٍ لَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ . 27533 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَكْرَهَانِ الْعَزْلَ . 27534 - قَالَ هُشَيْمٌ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ بَعْضَ وَلَدِهِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ . 27535 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ ; فَقَالَ : اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; إِنَّمَا هُوَ حَرْثُكَ إِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ . 27536 - وَاخْتُلِفَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 27537 - فَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ كَرِهَ الْعَزْلَ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْهُ . 27538 - وَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 27539 - وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، قَالَ : فذَاكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ عُمَرَ الْعَزْلَ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ : فَقَالَ عُمَرُ : قَدِ اخْتَلَفْتُمْ ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ بَدْرٍ الْأَخْيَارُ فَكَيْفَ بِالنَّاسِ بَعْدَكُمْ ؟ إِذْ تَنَاجَى رَجُلَانِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا هَذِهِ الْمُنَاجَاةُ ؟ فَقَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ تَزْعُمُ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى . فَقَالَ عَلِيٌّ : إِنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . 27540 - ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ . 27541 - وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَلَسَ إِلَى عُمَرَ : عَلِيٌّ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَسَعْدُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى . فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ : تَكُونُ سُلَالَةً ، ثُمَّ تَكُونُ نُطْفَةً ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةَ ، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً ، ثُمَّ تَكُونُ عَظْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ لَحْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ خَلْقًا آخَرَ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : صَدَقْتَ ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ . 27542 - وَهَذِهِ أَيْضًا رِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الْوَرْقَاءِ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ . 27543 - وَقِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْإِسْلَامِ : أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ ، عُمَرُ لَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي هَذَا الْخَبَرِ . 27544 - وَرَوَاهُ الْمُقْرِي : عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ عُمَرُ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا . 27545 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ عُمَرَ خِلَافُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يَكْرَهَانِ الْعَزْلَ . 27546 - وَسَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ فِي الْعَزْلِ عَلَى الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ ، وَعَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 27547 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ قِدَمِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّ الْخَلْقَ يُجْزَوْنَ فِي عِلْمٍ قَدْ سَبَقَ وَجَفَّ بِهِ الْقَلَمُ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ . 27548 - عَلَى هَذَا أَهْلُ السُّنَّةِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ . 27549 - وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْقَدَرِ أَنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ وَسِرُّهُ لَا يُدْرَكُ بِجَدَلٍ ، وَلَا تُشْفَى مِنْهُ خُصُومَةٌ ، وَلَا احْتِجَاجٌ . 27550 - وَحَسْبُ الْمُؤْمِنِ بِالْقَدَرِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِشَيْءٍ دُونَ إِرَادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ خَلْقُهُ ، وَمِلْكُهُ ، ولَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا شَاءَ ، وَمَا نَشَاءُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ، وَمَا فِي الْأَرْضِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ، وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَشَاءُ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ، ومَنْ عَذَّبَهُ فَبِذَنْبِهِ ، وَيَعْفُو عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُوَفِّقْهُ فَلَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ ، لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ 27551 - رُوِّينَا أَنَّ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ ، قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ : مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ . 27552 - وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّبْيَ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ ، وَلِذَلِكَ يَحِلُّ لِمَنْ وَقَعَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْمَغْنَمِ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَطَأَهَا إِذَا اسْتَبْرَأَ رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ ، وَكَانَتْ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ . 27553 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ : 27554 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَعْزِلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ إِلَّا بِإِذْنِهَا . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا . وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةُ قَوْمٍ فَلَا يَعْزِلْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ . 27555 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْحُرَّةَ لَا يَعْزِلُ عَنْهَا زَوْجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، كَمَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْوَطْءَ جُمْلَةً . 27556 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ . 27557 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إِلَى مَوْلَاهَا ، كَقَوْلِ مَالِكٍ . 27558 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . 27559 - وَقَدْ قِيلَ : أَنْ لَا يَعْزِلَ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ دُونَ إِذْنِهَا ، وَدُونَ إِذْنِ مَوْلَاهَا ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَزْلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . 27560 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَا يَعْزِلُ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . 27561 - وَفِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ . 27562 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . 27563 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
27485 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ طَلَاقًا لَمْ يَبُتَّهَا فِيهِ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ الرَّجْعَةُ ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ : إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ ، وَإِنَّهَا إِنْ عُتِقَتْ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، ثُمَّ لَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ ، حَتَّى يَمُوتَ ، وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ مَا عُتِقَتْ . فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 27486 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ حُكْمُهَا فِيمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الطَّلَاقِ ، وَالْإِيلَاءِ ، وَالظِّهَارِ ، وَفِيمَا لَهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى حُكْمُ الزَّوْجَاتِ . 27487 - فَكَذَلِكَ لَمَّا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا بَعْدَ عِتْقِهَا ، وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ لَهُ فِيهَا الرَّجْعَةُ اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عِدَّةَ الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ إِلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ . 27488 - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَسْأَلَةُ الْأَمَةِ تُعْتَقُ فِي عِدَّتِهَا ، هَلْ تَنْتَقِلُ إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، أَمْ لَا ؟ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ التَّنَازُعِ لِلْعُلَمَاءِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِه هَاهُنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
( 33 ) بَابُ عِدَّةِ الْأَمَةِ إِذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا 27470 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ رُوَاةِ " الْمُوَطَّأِ " ذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ : أَوْ سَيِّدُهَا - إِلَا يَحْيَى بْنَ يَحْيَى ، وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْأَمَةَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ . 1261 1220 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، كَانَا يَقُولَانِ : عِدَّةُ الْأَمَةِ ، إِذَا هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ . 1221 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَ ذَلِكَ . 27471 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وأَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ الْأَمَةِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ إِلَّا أَنْ تَمْضِيَ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ ، فَالسُّنَّةُ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ . 27472 - وَكَذَلِكَ قَالَ الْجَمِيعُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنَ الطَّلَاقِ حَيْضَتَانِ ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا أَنَّ عِدَّتَهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، إِلَّا أَنْ تَمْضِيَ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ . 27473 - وَتَعَلَّقَتْ بِقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ شَذَّتْ ، فَلَمْ يُعَرِّجِ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهَا . 27474 - وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُطَلَّقَةِ ، وَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ الْيَائِسَةِ مِنَ الْمَحِيضِ لِلْمُطَلَّقَةِ . 27475 - فَقَالَ مَالِكٌ : عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ . 27476 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 27477 - وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 27478 - وَرَوَى حَمَّادٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : إِنْ شَاءَتْ شَهْرًا وَنِصْفًا ، وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ . 27479 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : عِدَّتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ . 27480 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 27481 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَعَطَاءُ ابْنُ رَبَاحٍ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . 27482 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ ، ولَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا لَفَعَلْتُ . 27483 - وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ : عِدَّتُهَا شَهْرَانِ بَدَلٌ مِنَ الْحَيْضَتَيْنِ . 27484 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
( 32 ) بَابُ عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا 1217 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : إِنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَرَّقَ بَيْنَ رِجَالٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ رِجَالٍ هَلَكُوا ، فَتَزَوَّجُوهُنَّ بَعْدَ حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ ، حَتَّى يَعْتَدُّونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا مَا هُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ . 1218 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا ، حَيْضَةٌ . 1219 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا ، حَيْضَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحِيضُ ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ . 27440 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ ظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا 27441 - وَقَوْلُهُ : مَا هُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ - احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ ; لِئَلَّا يُضَافَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ . 27442 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ : 27443 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ . 27444 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَكْحُولٍ . 27445 - وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . 27446 - وَقَتَادَةُ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، وَلَا لِقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ . 27447 - وَقَالَ مَالِكٌ : عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ إِذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، وَلَهَا عِنْدَهُ السُّكْنَى فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ . 27448 - قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ . 27449 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ فِي الْمَوْتِ ، وَالْعِتْقِ . 27450 - وَمَرَّةً قَالَ : تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا ، أَوْ أَعْتَقَهَا ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَتُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ . 27451 - فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحِيضُ ، فَشَهْرٌ ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا . 27452 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَقَلُّ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ حَيْضَةٌ ، وَمَا زَادَ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ . 27453 - وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عِدَّتَهَا حَيْضَةٌ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا ، وَهِيَ حَائِضٌ . 27454 - فَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : تُجْزِئُهَا تِلْكَ الْحَيْضَةُ . 27455 - وَقَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ . 27456 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يُجْزِئُهَا حَتَّى تَبْتَدِئَ الْحَيْضَةُ . 27457 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ . 27458 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ; وَابْنِ مَسْعُودٍ . 27459 - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، إِلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ فِي أُمِّ وَلَدٍ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا ، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا مَعًا وَقَعَ الْبَيْتُ عَلَيْهَا ، قَالَ : تَعْتَدُّ أَقْصَى الْعِدَّتَيْنِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 27460 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ ثَلَاثُ حِيَضٍ ; لِأَنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ حُرَّةٌ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً ، فَتَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءُ رَحِمَهَا مِنْ سَيِّدُهَا ، وَالْحُرَّةُ لَا تُسْتَبْرَأُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ ، وَكَانَتْ عِدَّةً وَاجِبَةً عَنْ وَطْءٍ ، فَأَشْبَهَتِ الْحُرَّةَ الْمُطَلَّقَةَ . 27461 - وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَقَتَادَةُ : عِدَّةُ أَمِّ الْوَلَدِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . 27462 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : عِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . 27463 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنِ أَبِي عِيَاضٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ : إِذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ ، وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا ، فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . 27464 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ . 27465 - وَتَقَدَّمَتْ حُجَّةُ مَنْ قَالَ : عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ . 27466 - وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةٍ ، وَلَيْسَتْ زَوْجَةً فَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ ، وَلَا هِيَ مُطَلَّقَةٌ فَتَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا مِنْ وَطْءٍ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَهَا الْعِتْقُ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَمَةِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، وَذَلِكَ حَيْضَةٌ . 27467 - وَقد قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَتْ عِدَّةً ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْتِبْرَاءٌ . 27468 - قَالَ : وَإِنَّمَا سَمَّوْهَا عِدَّةً مَجَازًا وَتَقْرِيبًا . 27469 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَهِيَ عِنْدَهُ عدة تُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْحَيْضَةُ مِنْ أَوَّلِهَا . وَعَلَيْهِ فِيهَا السُّكْنَى ، وَقَدْ سَمَّاهَا الْجَمِيعُ عِدَّةً ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 31 ) بَابُ مُقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ 1213 - مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ; أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَخْبَرَتْهَا : أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفٍ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ . قَالَتْ : فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدْرَةَ ، فَإِنَّه زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " ، قَالَتْ : فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ ، فَقَالَ : " كَيْفَ قُلْتِ ؟ " فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي ، فَقَالَ : " امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجْلَهَ " . قَالَتْ : فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ ؟ فَأَخْبَرَتْهُ . فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ . 27409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَتَابِعَهُ قَوْمٌ ، وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ . 27410 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ . عَنْهُ ، فَقَالَ فِيهِ : سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . 27411 - وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ . 27412 - وَالصَّوَابُ فِيهِ عِنْدَهُمْ : سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27413 - بِذَلِكَ قَالَ فِيهِ مَالِكٌ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَكُلُّهُمْ رَوَى عَنْهُ حَدِيثَهُ هَذَا . 27414 - وَقِيلَ : إِنَّهُ قَدْ رَوَى عنه هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ . 27415 - وَقِيلَ : إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَهَذَا بَعِيدٌ . 27416 - وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ هَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ ، تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ ، وَأَفْتَوْا بِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا الَّذِي كانت تَسْكُنُهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهَا أَوْ لِزَوْجِهَا ، وَلَا تَبِيتُ إِلَّا فِيهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ نَهَارَهَا فِي حَوَائِجِهَا . 27417 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ . 27418 - وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَابْنُ شِهَابٍ .
1255 1214 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ . 1215 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَلَا الْمَبْتُوتَةُ إِلَّا فِي بَيْتِهَا . 27419 - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ قَالُوا : تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَيْثُ شَاءَتْ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا السُّكْنَى بِوَاجِبٍ فِي بَيْتِهَا أَيَّامَ عِدَّتِهَا . 27420 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ . 27421 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، قَالُوا : لِأَنَّ السُّكْنَى إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ، وَلَيْسَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا سُكْنَى . 27422 - قَالُوا : وَالْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ ، وَإِيجَابُ السُّكْنَى إِيجَابُ حُكْمٍ ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ ، أَوَسُنَّةٍ ثَابِتَةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ . 27423 - قَالُوا : وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا تَرْوِيهِ امْرَأَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرُوا مَا رَوَاهُ ابْنَ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَمْ يَقُلْ فِي بُيُوتِهِنَّ . 27424 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ انْتَقَلَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ فِي عِدَّتِهَا حِينَ قُتِلَ عَنْهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 27425 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ : خَرَجَتْ عَائِشَةُ بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ حَيْتُ قُتِلَ عَنْهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ فِي عُمْرَةٍ . 27426 - قَالَ عُرْوَةُ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْخُرُوجِ فِي عِدَّتِهَا . 27427 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : أَبَى ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27428 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَخْبَرَ الْقَاسِمُ أَنَّ النَّاسَ فِي زَمَنِ عَائِشَةَ - يَعْنِي عُلَمَاءَ زَمَانِهَا - أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَجِلَّةِ التَّابِعِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْهُمْ . 27429 - وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِيهَا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَوْلَيْنِ ، مَعَ أَحَدِهِمَا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ ، وَهِيَ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَ بِخِلَافِهَا . 27430 - وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ طَعَنَ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ بِهَا مِمَّا يَجِبُ الِاشْتِغَالُ بِهِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ ، وَنَقَلَتُهُ مَعْرُوفُونَ ، قَضَى بِهِ الْأَئِمَّةُ ، وَعَمِلُوا بِمُوجَبِهِ . وَتَابَعَهُمْ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَأَفْتَوْا بِهِ ، وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ . 27431 - وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا كَانَ السَّكَنُ الَّذِي يَسْكُنُهُ بِكِرَاءٍ : 27432 - فَقَالَ مَالِكٌ : هِيَ أَحَقُّ بِسُكْنَاهُ مِنَ الْوَرَثَةِ ، وَالْغُرَمَاءِ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمُتَوَفَّى ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ عَقْدٌ لِزَوْجِهَا . وَأَرَادَ أَهْلُ الْمَسْكَنِ إِخْرَاجَهَا . 27433 - قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ لِزَوْجِهَا فَبِيعَ فِي دَيْنِهِ ، فَهِيَ أَوْلَى بِالسُّكْنَى فِيهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . 27434 - قَالَ : وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجِيزُ بَيْعَ دَارِ الْمُتَوَفَّى لِلْغُرَمَاءِ ، وَيَسْتَثْنِي لِلْمَرْأَةِ السُّكْنَى فِيهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . 27435 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : الْبَيْعُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَرْتَابُ ، فَتَمْتَدُّ عِدَّتُهَا . 27436 - وَقَالَ سَحْنُونُ : لَوِ ارْتَابَتْ كَانَ كَالْعَيْبِ يَظْهَرُ لِلْمُشْتَرِي . 27437 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ سَحْنُونَ كَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ الِارْتِيَابَ نَادِرٌ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ إِطْلَاقِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْكِرَاءِ ، فَإِنْ طَرَأَ كَانَ كَالْعَيْبِ ، وَالِاسْتِحْقَاقِ يَطْرَأُ عَلَى الْبَيْعِ الصَّحِيحِ .
1216 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ الْبَدَوِيَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : إِنَّهَا تَنْتَوِي حَيْثُ انْتَوَى أَهْلُهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 27438 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ . 27439 - قَالَ : وَقَدْ تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهَا لِلْبِذَاءِ عَنْ أَهْلِ زَوْجِهَا بِخُرُوجِهَا مَعَ أَهْلِهَا إِذَا انْتَقَلُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1251 1212 - عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّتْ . فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ عِنْدَهُ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ ، لَحَلَّتْ . 27395 - وَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُحَدِّثُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَاكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إِنْ وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا ، وَزَوْجُهَا عَلَى السَّرِيرِ ، حَلَّتْ . 27396 - وَعِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ ، رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَمَرَّ بِهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بِعْكَكٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ ، فَقَالَ : قَدْ تَصَنَّعْتِ لِلْأَزْوَاجِ ، إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ ، أَوْ : لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ ، إِنَّكِ قَدْ حَلَلْتِ ، فَتُزَوَّجِي . 27397 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ كُلِّهِ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ . 27398 - وَمَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا ، فَقَدْ حَلَّتْ . 27399 - وَعَلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ سُبَيْعَةَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، وَمِصْرَ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْمَشْرِقِ الْيَوْمَ . 27400 - وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهُ لَا يَبْرَأُهَا مِنْ عِدَّتِهَا إِلَّا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، وَقَالَتْ بِهِ فِرْقَةٌ لَيْسَتْ مَعْدُودَةً فِي أَهْلِ السُّنَّةِ . 27401 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا يَقُولُ : هِيَ لِآخِرِ الْأَجَلَيْنِ - يَعْنِي الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْوى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا 27402 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَآخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا حَامِلًا ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا ، فَآخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ : فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَقَالَ : ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ بِلَا وَفَاةٍ . 27403 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْلَا حَدِيثُ سُبَيْعَةَ بِهَذَا الْبَيَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْآيَتَيْنِ ، لَكَانَ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّهُمَا مُحْدِّثَانِ مُجْتَمِعَانِ بِصِفَتَيْنِ قَدِ اجْتَمَعَتَا فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَلَا تَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ . 27404 - أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ ، وَالْعِرَاقِيِّينَ فِي أُمِّ وَلَدٍ تَكُونُ تَحْتَ زَوْجٍ ، فَيَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَيَمُوتُ سَيِّدُهَا ، فَلَا يَدْرَى أَيُّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا ؟ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَأْتِيَ بِالْعِدَّتَيْنِ ، وَلَا تَبْرَأُ إِلَّا بِهِمَا ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فِيهَا حَيْضَةٌ ; لِأَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ - إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا - حَيْضَةٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ مَوْتِ زَوْجِهَا ، فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْيَقِينِ ، وَلَا يَقِينَ فِي أَمْرِهَا إِلَّا بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِيهَا حَيْضَةٌ ، وَبِذَلِكَ تَنْقَضِي الْعِدَّتَانِ . 27405 - إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتِ الْمُرَادَ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ ; لِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ ، وَلَوْ بَلَغَتِ السَّنَةُ عَلِيًّا مَا عَدَا الْقَوْلَ فِيهَا . 27406 - وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ وَيُصَحَّحُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، أنَّ أَصْحَابَهُ : عَطَاءً ، وَعِكْرِمَةَ ، وَجَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُونَ : إِنَّ الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا وَضَعَتْ ، فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، وَلَوْ كَانَ وَضْعُهَا لِحَمْلِهَا بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ . 27407 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، إِلَّا أَنَّهُ رَوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَحَمَّادٍ : أَنَّهَا لَا تَنْكِحُ مَا دَامَتْ فِي دَمِ نِفَاسِهَا . 27408 - وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ يَشْهَدُ بِأَنَّهَا إِذَا وَضَعَتْ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، أَيْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَخْطُبُوهَا ، وَحَلَّ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ نِفَاسِهَا حَلَّ لِلزَّوْجِ الْعَاقِدِ عَلَيْهَا وَطْؤُهَا .
( 30 ) بَابُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا 1209 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ يتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرُ الْأَجَلَيْنِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ . فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ : وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ . فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ : أَحَدُهُمَا شَابٌّ ، وَالْآخَرُ كَهْلٌ . فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ ، فَقَالَ الشَّيْخُ : لَمْ تَحِلِّي بَعْدُ ، وَكَانَ أَهْلُهُا غَيَبًا ، وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ " . 27388 - وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ ، سِوَى هَذَا : 1210 - ( أَحَدُهُمَا ) : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ " . 1211 - ( وَالْآخَرُ ) : عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ كَانَ الَّذِي اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ جَاءَهُ فَقَالَ : أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - وَأَنَّهُمْ بَعَثُوا كُرَيْبًا - مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَحَدَّثَتْهُ بِقِصَّةِ سُبَيْعَةَ . 27389 - وَحَدِيثُ عَبْدِ رَبِّهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ . 27390 - وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ رِوَايَةُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِسُبَيْعَةَ - وَقَدْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ : " قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ " . 27391 - فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، فَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ " الْمُوَطَّأِ " فِيمَا عَلِمْتُ . 27392 - وَأَمَّا حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَلَيْسَ فِي " الْمُوَطَّأِ " عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ . 27293 - وَأَمَّا حَدِيثُ سَعِيدٍ فَلَيْسَ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ ، وَلَيْسَ لِابْنِ بُكَيْرٍ . 27294 - وَقَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِأَثَرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ; وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا . وَذَكَرَ فِيهِ :
1207 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ ؟ فَقَالَا : إِذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 27334 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَغَيْرُهُمْ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ : 27335 - فَأَجَازَهُ عَلَيْهِ ، وَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُمَيْدِيُّ ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ . 27336 - وَأَمَّا بَلَاغُ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، فَرَوَاهُ عَنْهُ قَتَادَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ . 27337 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، قَالَ : طَلَّقَ جَارٌ لِي سَكْرَانُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَسَالَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، وَيُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً . 27338 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ ، أَوْ أَعْتَقَ جَازَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ ، وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . 27339 - إِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، والثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 27340 - وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : ( إِحْدَاهُمَا ) : مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ طَلَاقَهُ لَازِمٌ فِي حَالِ سُكْرِهِ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ . ( وَالثَّانِيَةُ ) : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّكْرَانَ طَلَاقُهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ . 27341 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فَأَلْزَمُوهُ طَلَاقَهُ . 27342 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . 27343 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : طَلَاقُ السَّكْرَانِ ، وَعُقُودُهُ ، وَأَفْعَالُهُ ، جَائِزَةٌ عَلَيْهِ كَأَفْعَالِ الصَّاحِي ، إِلَّا الرِّدَّةَ ، فَإِنَّهُ إِنِ ارْتَدَّ لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا . 27344 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا فِي سُكْرِهِ . 27345 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِنْ قَذَفَ السَّكْرَانُ حُدَّ ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ ، وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ فِي الْحُدُودِ . 27346 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنِ ارْتَدَّ سَكْرَانٌ فَمَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا ، وَلَا نَقْتُلُهُ فِي سُكْرِهِ ، وَلَا نَسْتَتِيبُهُ فِيهِ . 27347 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَعِتْقُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ . 27348 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلَاقَ ، وَالْعِتْقَ ، وَالْقَوَدَ مِنَ الْجِرَاحِ ، وَالْقَتْلِ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ النِّكَاحَ ، وَالْبَيْعَ . 27249 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ : أَنَّهُ أَجَازَهُ عَلَيْهِ . وَإِسْنَادُهُ فِيهِ لِينٌ . 27350 - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ . 27351 - وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، فَالْحَدِيثُ عَنْهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ ، وَلَا يَرَاهُ شَيْئًا . 27352 - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي كَمَا زَعَمَ ; لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ ، وَلِمَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْهُ أَيْضًا ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ . 27353 - وَمَنْ قَالَ : إِنَّ عُثْمَانَ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ ، تَأَوَّلَ قَوْلَ عَلِيٍّ : أَنَّ السَّكْرَانَ مَعْتُوهٌ بِالسُّكْرِ ، كَمَا أَنَّ الْمُوَسْوَسَ مَعْتُوهٌ بِالْوَسْوَاسِ ، وَالْمَجْنُونَ مَعْتُوهٌ بِالْجُنُونِ . 27354 - وَحَدِيثُ عُثْمَانَ رَوَاهُ وَكِيعٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ : أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ ، وَالْمَجْنُونِ . 27355 - قَالَ : وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُجِيزُ طَلَاقَهُ ، وَيُوجِعُ ظَهْرَهُ حَتَّى حَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ . 27356 - وَبِهِ كَانَ يُفْتِي أَبَانٌ . 27357 - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيِّ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ . 27358 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ ، وَخَالَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ الْكُوفِيِّينَ ، وَقَالَ : لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ شَرِبَ الْبَنْجَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ - أَنَّ طَلَاقَهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَكَذَلِكَ مَنْ سَكِرَ مِنَ الشَّرَابِ . 27359 - قَالَ : وَلَا يَخْتَلِفُ فُقْدَانُ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ مِنَ اللَّهِ ، أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ مَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ مِنَ اللَّهِ ، أَوْ مَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِي بَابِ سُقُوطِ فَرْضِ الْقِيَامِ عَنْهُ . 27360 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ تَشْبِيهُ فِعْلِ السَّكْرَانِ بِالْعَجْزِ عَنِ الصَّلَاةِ بِقِيَاسٍ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَعْجِزُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ آثِمٌ ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ . 27361 - وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فَجَبُنَ عَنِ الْقَوْلِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ ، وَأَبَى أَنْ يُجِيبَ فِيهِ . 27362 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّكْرَانِ . 27363 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : السَّكْرَانُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ ، لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ ، وَلَا عِتْقُهُ ، وَلَا بَيْعُهُ ، وَلَا نِكَاحُهُ ، وَلَا يُحَدُّ فِي قَذْفٍ ، وَلَا زِنًا ، وَلَا سَرِقَةٍ . 27364 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ مَنْطِقِ السَّكْرَانِ ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ ، وَلَا عِتْقٌ ، وَلَا بَيْعٌ ، وَلَا نِكَاحٌ ، وَلَا يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ، وَيُحَدُّ فِي الشُّرْبِ ، وَفِي كُلِّ مَا جَنَتْهُ يَدُهُ ، وَعَمِلَتْهُ جَوَارِحُهُ مِثْلَ الْقَتْلِ ، وَالزِّنَا ، وَالسَّرِقَةِ . 27365 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ اللَّيْثِ حَسَنٌ جِدًّا ; لِأَنَّ السَّكْرَانَ يَلْتَذُّ بِأَفْعَالِهِ ، وَيَشْفِي غَيْظَهُ ، وَتَقَعُ أَفْعَالُهُ قَصْدًا إِلَى مَا قَصَدَهُ مِنْ لَذَّةٍ بِزِنًا ، أَوْ سَرِقَةٍ ، أَوْ قَتْلٍ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْقِلُ أَكْثَرَ مَا يَقُولُ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ . 27366 - فَإِذَا تَبَيَّنَ عَلَى الشَّارِبِ التَّخْلِيطُ الْبَيِّنُ بِالْمَنْطِقِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، وَغَيْرِهَا ، فَقَدْ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ ، وَصَحَّ سُكْرُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ .
1208 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ ، أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 27367 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ قَتَادَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ قَتَادَةُ : سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي يَعْسُرُ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ ؟ فَقَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ . 37368 - وَقَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . 27369 - وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : يُسْتَأْنَى لَهُ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . 27370 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ . 27371 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ ؟ قَالَ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . قَالَ : قُلْتُ : سُنَّةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، سُنَّةٌ . 27372 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيٌّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، عَنِ الرَّجُلِ يَعْجِزُ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ ؟ فَقَالَ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، فَقُلْتُ : سُنَّةٌ ؟ قَالَ : سُنَّةٌ . 27373 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَعْلَى مَا وَجَدْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ سُنَّةٌ . 27374 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ حَبَسُوا عَنْ نِسَائِهِمُ النَّفَقَةَ ، إِمَّا أَنْ يُنْفِقُوا ، وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقُوا . 27375 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 27376 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَاجِزِ عَنِ النَّفَقَةِ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِتَطْلِيقَةٍ رَجْعِيَّةٍ ، فَإِنْ أَيْسَرَ فِي عِدَّتِهَا ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ ، وَلَا يُؤَجَّلُ إِلَّا أَيَّامًا . 27377 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . 27378 - وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : إِنَّهُ سُنَّةٌ . 27379 - قَالَ : وَتَفْرِيقُ الْإِمَامِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ، وَلَوْ شَرَطَ الْإِمَامُ أَنَّهُ إِذَا أَفَادَ مَالًا ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ كَانَ حَسَنًا . 27380 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِهَا . 27381 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَتَلَا الْحَسَنُ : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا . 27382 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَصْحَابِهِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى الْمُوسِرِ لَوْ أَعْسَرَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى قُوتِ يَوْمٍ ، فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا لِأَجَلٍ لَا يَسْقُطُ مِنْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ إِلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ عُسْرُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 27383 - وَذَكَرَ أَنَّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ سُنَّةٌ ، لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهَا سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ لِرَبِيعَةَ فِي إِصَابَةِ الْمَرْأَةِ : هِيَ السُّنَّةُ . 27384 - وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 27385 - وَرُوِيَ عَنْ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ : أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَغَيْرِهِمَا . 27386 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ عَجْزُهُ عَنْ قَلِيلِ النَّفَقَةِ ، وَكَثِيرِهَا كَعَجْزِهِ عَنْ بَعْضِهَا ; لِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ جَمِيعِهَا فِيمَا فِيهِ تَلَفُ النُّفُوسِ ; وَلَا صَبْرَ عَلَى الْجُوعِ الْمُهْلِكِ . 27287 - وقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ عَنْ نِصْفِ قُوتِهِ ، وَمَنْ تَهَيَّأَ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَمِنَ مَعَهُ تَلَفَ النَّفْسِ ، وَكَانَ جَمِيلًا بِهِ الصَّبْرُ ، وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ ، حَتَّى يُعَقِّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّعَةِ وَالْيُسْرِ ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الطَّحَاوِيِّ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1247 1205 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا . حَتَّى إِذَا شَارَفَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجِعَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، ثُمَّ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمِئِذٍ . مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ . 1206 - مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ; أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا ، وَلَا يُرِيدُ إِمْسَاكَهَا . كَيْمَا يُطَوِّلَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ لِيُضَارَّهَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يَعِظُهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ . 27319 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَفَادَ هَذَانَ الْخَبِرَانِ أَنَّ نُزُولَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ كَانَ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ ، وَذَلِكَ حَبْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ ، وَمُرَاجَعَتُهُ لَهَا قَاصِدًا إِلَى الْإِضْرَارِ بِهَا . 27320 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّه قَوْلَه عَزَّ وَجَلَّ : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ هِيَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ وَإِيَّاهَا عَنَى بقَوْلِه تَعَالَى : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [ الْبَقَرَةِ 230 ] . 27321 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً ، أَوْ طَلْقَتَيْنِ ، فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 27322 - فَكَانَ هَذَا مِنْ مُحْكَمِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَأْوِيلِهِ . 27323 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا . 27324 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . 27325 - ورَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ مِثْلَهُ . 27326 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّسْرِيحُ وَالْفِرَاقُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَرَاحِ الطَّلَاقِ . 27327 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ 27328 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ 27329 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ كَمَا لَوْ قَالَ : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ طَلِّقُوهُنَّ . 27330 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ سَرَّحْتُكِ أَنَّهُ يَنْوِي مَا أَرَادَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثْلَ الْإِفْصَاحِ بِالطَّلَاقِ . 27331 - وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ مِمَّنْ لَا يَرَى وُقُوعَ الثَّلَاثِ مُجْتَمِعَاتٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَقَالُوا : قَوْلُهُ مَرَّتَانِ يَقْتَضِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي وَقْتَيْنِ ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مُفْتَرِقًا ، وَالثَّلَاثُ كَذَلِكَ . 27332 - وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هُوَ الطَّلَاقُ الْمُخْتَارُ لِلْعِدَّةِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَنْ خَالَفَهُ لَزِمَهُ فِعْلُهُ ، وَعَصَى رَبَّهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 27333 - وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ : مَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا مُجْتَمِعَاتٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَمَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَمَنْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ ، فَهِيَ اثْنَتَانِ فَقَوْلٌ لَا يَصِحُّ فِي أَثَرٍ ، وَلَا نَظَرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1204 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . 27309 - قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي بِذَلِكَ ، أَنْ يُطْلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً . 27310 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْكَلَامُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ . 27311 - رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَمْ يَرَوِهِ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَا رَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ . 27312 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَقْرَاءِ ، وَطَلَاقِ الْحَائِضِ مَعْنَى قَوْلِهِ : لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ، وَمَا لِمَالِكٍ ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ هَاهُنَا . 27313 - وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُهَا كَقِرَاءَةِ ابْنِ عُمَرَ . 27314 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فَقَالَ : فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . 27315 - وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَبَابَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . 27316 - وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُهَا مُجَاهِدٌ . 27317 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . 27318 - وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْجُمْهُورِ فَعَلَى مَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ .
1244 1202 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ; كُلُّهُمْ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، فَيَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ، ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ ; فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا . قال مالك : وعلى ذلك السنة عندنا التي لا اختلاف فيها . 27268 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، إِلَّا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ . 27269 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّهَا تَعُودُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَهْدِمُ إِلَّا الثَّلَاثَ الَّتِي لَهُ مَعْنًى فِي هَدْمِهَا لِتَحِلَّ بِذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ الَّتِي بُتَّ طَلَاقُهَا ، أَوْ تُوَفِّيَ عَنْهَا النَّاكِحُ لَهَا ، أَوْ طَلَّقَهَا ، وَأَمَّا مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَلَا مَدْخَلَ لِلزَّوْجِ الثَّانِي فِي هَدْمِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْظُرْ رُجُوعَهَا إِلَى الْأَوَّلِ : مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 27270 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . 27271 - وَبِهِ قَالَ كِبَارُ التَّابِعِينَ أَيْضًا : عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . 27272 - وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ ، فَأَصَحُّ شَيْءٍ وَأَثْبَتُهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . 27273 - وَأَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ ، فَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَلَا يَهْدِمُ الزَّوْجُ إِلَّا الثَّلَاثَ . 27274 - وَالرِّوَايَةُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَوَاهَا شُعْبَةُ أَيْضًا عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : تَرْجِعُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا . 27275 - وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ زِيَادًا سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ الحُصَيْنٍ ، وَشُرَيْحًا عَنْهَا ؟ فَقَالَ عِمْرَانُ : هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ . 27276 - وَقَالَ شُرَيْحٌ : طَلَاقٌ جَدِيدٌ ، وَنِكَاحٌ جَدِيدٌ . 27277 - قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَزَيْدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُونَ : تَرْجِعُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ . 27278 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، أَوِ اثْنَتَيْنِ ، وَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ ، فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ ، كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ . 27279 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ . 27280 - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 27281 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ آخَرُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، فَتَزَوَّجَهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ ، قَالَ : هِيَ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثٍ . 27282 - وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : هِيَ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ . 27283 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : إِنْ كَانَ الْآخَرُ دَخَلَ بِهَا فَنِكَاحٌ جَدِيدٌ ، وَطَلَاقٌ جَدِيدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا . 27284 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانُ عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، قَالَا : هِيَ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقٍ جَدِيدٍ مُسْتَقْبَلٍ . 27285 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَوَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ : أَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّلَاثَةَ ، وَلَا يَهْدِمُ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ ؟ ! . 27286 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي حَفْصٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ كَانُوا يَقُولُونَ : يَهْدِمُ الزَّوْجُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَةَ ، إِلَّا عُبَيْدَةَ قَالَ : هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا .
1245 1203 - مَالِكٌ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ ; أَنَّهُ تَزَوَّجَ أَمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ . قَالَ : فَدَعَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَجِئْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ ، وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ ، وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا . فَقَالَ : طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : فَقُلْتُ : هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا . قَالَ : فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ ، فَأَدْرَكْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ . فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي ، فَتَغَيَّظَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . وَإِنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ . فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ . قَالَ : فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ، أَمِيرٌ عَلَيْهَا ، فَأَخْبَرُتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي ، وَبِالَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ ، فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ ، وَكَتَبَ إِلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي . قَالَ : فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتِي ، حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ ، بِعَلَمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، ثُمَّ دَعَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ عُرْسِي لِوَلِيمَتِي فَجَاءَنِي . 27287 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ : 27288 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَلْزَمُ ، وَلَا يَقَعُ ، وَلَا يَصِحُّ . 27289 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَنَفَى الْكُفْرَ بِاللِّسَانِ إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ ، فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ بِقَبْلِهِ ، وَلَمْ يَنْوِهِ ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ . 27290 - وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَجَاوَزَ اللَّهُ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ . 27291 - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا طَلَاقَ ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ ، فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى الْمُكْرَهِ . 27292 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَمر ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ . 27293 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَيُّوبُ ، وَابْنُ عَوْنٍ . 27294 - وَقَالَ عَطَاءٌ : الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الطَّلَاقِ . 27295 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَنِكَاحُهُ ، وَنَذْرُهُ ، وَعِتْقُهُ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ . 27296 - وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْتَقِضُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، وَالْخِيَارِ ، وَلَا يَصِحُّ الْخِيَارُ فِي طَلَاقٍ ، وَلَا عِتْقٍ ، وَلَا نِكَاحٍ . 27297 - وَقَالَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ : التَّجَاوُزُ مَعْنَاهُ : الْعَفْوُ عَنِ الْإِثْمِ . 27298 - قَالَ : وَالْعَفْوُ عَنِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُذْنِبٍ ، فَيُعْفَى عَنْهُ . 27299 - وَذَكَرَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ وَلِأَبِيهِ - حِينَ خَلَعَهُمَا الْمُشْرِكُونَ : نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ . 27300 - قَالَ : وَكَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْإِكْرَاهِ ، فَيَحْرُمُ بِهِ عَلَى الْوَاطِئِ ابْنَةُ الْمَرْأَةِ ، وَأُمُّهَا ، فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عَلَى الْإِكْرَاهِ ، لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ مَا حَلَفَ . 27301 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ يَنْوِيهِ ، وَيُرِيدُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ . 27302 - هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَشْجَعِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ ، وَقَالَ عَنْهُ الْمُعَافَى : لَا نِكَاحَ لِمُضْطَهَدٍ . 27303 - وَكَانَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَشُرَيْحٌ فِي رِوَايَةٍ - يَرَوْنَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ جَائِزًا . 27304 - وقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَوْ وُضِعَ السَّيْفُ عَلَى مَفْرِقِهِ ، ثُمَّ طَلَّقَ لَأَجَزْتُ طَلَاقَهُ . 27305 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ : إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ لَمْ يَجُزْ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ جَازَ . 27306 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اللُّصُوصَ يَقْتُلُونَهُ ، وَالسُّلْطَانَ لَا يَقْتُلُهُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي خَوْفِ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَنَّهُ إِكْرَاهٌ . 27307 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أُخِيفُ ، أَوْ ضُرِبَ ، أَوْ أُوثِقَ . 27308 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا كَانَ يَخَافُ الْقَتْلَ ، أَوِ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ هَذَا ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : الْقَيْدُ إِكْرَاهٌ ، وَالسِّجْنُ إِكْرَاهٌ ، وَالْوَعِيدُ إِكْرَاهٌ .
1243 ( 29 ) بَابُ جَامِعِ الطَّلَاقِ 1201 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ ، أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ أَمْسِكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ . 27247 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ ، مُرْسَلًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . 27248 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ مُرْسَلًا . 27249 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ : خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . 27250 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ بِالْعِرَاقِ ، حَدَّثَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ ، فَوَصَلَ إِسْنَادَهُ ، وَأَخْطَأَ فِيهِ . 27251 - وَرَوَاهُ عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَجَمَاعَةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ ، وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . 27252 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 27253 - وَأَمَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَهْلُ صَنْعَاءَ ، فَلَمْ يَرْوُوهُ عَنْ مَعْمَرٍ إِلَّا مُرْسَلًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . 27254 - ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبُّوبَةَ ، قَالَ : قَالَ لَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : لَمْ يُسْنِدْ لَنَا مَعْمَرٌ حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَسْلَمَ ، وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ . 27255 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ ، وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، أَوْ يُسْلِمُ ، وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ : فَقَالَ مَالِكٌ : يَخْتَارُ مِنَ الْخَمْسِ نِسْوَةٍ ، فَمَا زَادَ أَرْبَعًا ، وَيَخْتَارُ مِنَ الْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً أَيَّتَهُمَا شَاءَ ، الْأُولَى مِنْهُمَا وَالْآخِرَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَكَذَلِكَ الْأَوَائِلُ وَالْأَوَاخِرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ نِسْوَةٍ . 27256 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُدَ . 27257 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْمَذْكُورُ ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْ عَشْرِ نِسْوَةٍ كُنَّ لَهُ - إِذْا أَسْلَمَ - أَرْبَعًا ، ولَمْ يَقُلْ لَهُ : احْتَبِسْ بِالْأَوَائِلِ مِنْهُنَّ ، وَاطْرَحِ الْأَوَاخِرَ ، وَلَوْ كَانَ كذَلِكَ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 27258 - إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأُخْتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى مِنَ الْأُخْتَيْنِ امْرَأَتُهُ . 27259 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : يَخْتَارُ الْأَوَائِلَ ، فَإِنْ تَزَوَّجْنَ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ ، فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ . 27260 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الَّذِي يُقْضَى عَلَيْهِ بِتَحْرِيمِهِ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْخَامِسَةِ ، فَمَا زَادَ . 27261 - وَقَالُوا : حَدِيثُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ لَيْسَ بِثَابِتٍ . 27262 - وَكَذَلِكَ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ فِي الْأُخْتَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ ، لَيْسَ بِثَابِتٍ أَيْضًا عِنْدَهُمْ . 27263 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَخْتَارُ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ الْأُولَى طَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا إِنْ شَاءَ . 27264 - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : إِذَا أَسْلَمَ ، وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ ، فَارَقَهُمَا جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِمَا عَقْدًا وَاحِدًا ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَ إِحْدَاهُمَا ، إِنْ شَاءَ - حَكَاهُ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْهُ - وَلَمْ يَقُلْهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ غَيْرُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27265 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ; قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ ، وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ : إِنَّهُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، أَيَّتَهُنَّ شَاءَ ، أَوَائِلَهُنَّ كُنَّ ، أَوْ أَوَاخِرَهُنَّ هُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ . 27266 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنَ الْأُوَلِ أَرْبَعٌ ، أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ مِنَ الْأَوَاخِرِ أَرْبَعًا ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ مَنْ قَالَ : لَا يَخْتَارُ إِلَّا الْأَوَائِلَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَحْبِسَ الْأَوَاخِرَ إِذَا مَاتَ الْأَوَائِلُ ; لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ فَاسِدٌ ; فِي قَوْلِهِ . 27267 - قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَحْبِسُ الْأَوَائِلَ .
27181 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَنْهَا ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجْلٌ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . 27182 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ - عَلَى تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ سَنَةً ، إِذَا كَانَ حُرًّا . 27183 - وَشَذَّ دَاوُدُ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، فَلَمْ يَرَيَا عَلَيْهِ تَأْجِيلًا ، وَجَعَلَا ذَلِكَ مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِالْمَرْأَةِ . 27184 - وَاحْتَجَّ ابْنُ عُلَيَّةَ بِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ أَلَّا يُؤَجَّلَ ، كَمَا لَا يُؤَجَّلُ إِذَا أَصَابَهَا مَرَّةً . 27185 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ امْرَأَتُهُ أَبَدًا لَا يُؤَجَّلُ . 27186 - وَذَكَرَ الْحَكَمُ أَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ . 27187 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُتَّصِلًا . 27188 - رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ ، قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَتْ : هَلْ لَكَ فِي امْرَأَةٍ لَا أَيِّم ، وَلَا ذَاتَ زَوْجٍ ؟ فَقَالَ : وَأَيْنَ زَوْجُكِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ شَيْخٌ قَدِ اجْتَنَحَ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : صَدَقَتْ ، وَلَكِنْ سَلْهَا هَلْ تَنْعَمُ فِي مَطْعَمٍ ، أَوْ مَلْبَسٍ ؟ فَسَأَلَهَا ، فَقَالَتْ : لَا ، فَقَالَ : هَلْ غَيْرُ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : لَا ، قَالَ : وَلَا مِنَ السَّحَرِ ؟ قَالَ : وَلَا مِنَ السَّحَرِ . قَالَ عَلِيٌّ : هَلَكْتِ ، وَأَهْلَكْتِ ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : بَلِ اصْبِرِي ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَبْتَلِيَكِ بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا فَعَلَ . 27189 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ ، فَذَكَرَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ . 27190 - وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصَابَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27191 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا التَّأْجِيلُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ . 27192 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً ، فَإِنْ أَصَابَهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا . 27193 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : يُؤَجَّلُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَيْهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . 27194 - وَاعْتَلَّ دَاوُدُ بِحَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْمُحَلِّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ، وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 27195 - وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يُرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ . 27196 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . 27197 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . 27198 - وَخَبَرُ عُمَرَ رَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، وَالْبَصْرِيُّونَ ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا عَنْهُ فِيهِ . 27199 - وَخَبَرُ عَلِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ خَاصَّةً ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِيهِ أَيْضًا ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27200 - وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ ، فَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ النُّعْمَانِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّهُ أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً . 27201 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً . 27202 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، أَنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يُرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِأَنَّهُ أَجَّلَهُ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ 27203 - وَإِنَّمَا أَجَّلَهُ سَنَةً فِيمَا ذُكِرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لِتَكْمُلَ لَهُ الْمُدَاوَاةُ وَالْعِلَاجُ فِي أَزْمَانِ السَّنَةِ كُلِّهَا ; لِاخْتِلَافِ أَعْرَاضِ الْعِلَلِ فِي أَزْمِنَةِ الْعَامِ وَفُصُولِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي السَّنَةِ يَئِسُوا مِنْهُ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ . 27204 - وَالْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَالثَّوْرِيِّ . 27205 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْفُرْقَةَ وَاقِعَةٌ لِسَبَبٍ مِنَ الزَّوْجِ ، فَكَانَ طَلَاقًا . 27206 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ ، لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ . 27207 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لِأَنَّ الْفُرْقَةَ إِلَيْهَا دُونَهُ لَا تَقَعُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهَا ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَقَامَتْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَقَعْ فُرْقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ ، فَهُوَ فَسْخٌ ، لَا طَلَاقٌ . 27208 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْعَبْدِ ، فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ إِلَّا مَنْ خَالَفَ أَصْلَهُ وَقِيَاسَهُ . 27209 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِنِّينِ ، وَامْرَأَتِهِ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ إِلَّا أَنْ تَطْلُبَ ذَلِكَ ، وَتَخْتَارَهُ . 27210 - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ أَنْ أَجِّلْهُ سَنَةً ، فَإِنْ أَصَابَهَا ، وَإِلَّا خَيَّرَهَا ، فَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ . 27211 - وَالْعِنِّينُ الَّذِي يُؤَجَّلُ عِنْدَ مَالِكٍ ، هُوَ الْمُعْتَرِضُ عَنِ امْرَأَتِهِ ، وَهُوَ يَطَأُ غَيْرَهَا بِعَارِضٍ عَرَضَ لَهُ . 27212 - وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ بِعَارِضٍ . وَقَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْوَطْءُ ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِذَا كَانَ بِصِفَةِ مَنْ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ . 27213 - وَهَذِهِ الصِّفَاتُ فِي الْمُعْتَرِضِ الَّذِي يُؤَجَّلُ سَنَةً . 27214 - وَأَمَّا الْعِنِّينُ ، وَالْمَجْبُوبُ ، وَالْخَصِيُّ ، فَلَا يُؤَجَّلُونَ ، وَامْرَأَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَتْ رَضِيَتْ ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ . 27215 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَمَذْهَبُهُ فِيمَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ تَامٌّ ، أَوْ مَقْطُوعٌ بَعْضُهُ ، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ لَهُ مَا وَقَعَ مَوْقِعَ الرَّجُلِ الَّذِي يُغَيِّبُ حَشَفَتَهُ فِي الْفَرَجِ . 27216 - وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى ، وَالْعِنِّينُ ، وَالْمُعْتَرِضُ عَنْهَا دُونَ غَيْرِهَا ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِذَا لَمْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا إِلَّا بَعْدَ تَأْجِيلِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ تَطْلُبُ فِرَاقَهُ ، فَإِنْ أَصَابَهَا فِي السَّنَةِ إِصَابَةً يُغَيِّبُ بِهَا الْحَشَفَةَ فِي الْفَرَجِ ، أَوْ مَا بَقِيَ مِنَ الذَّكَرِ ، وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فِرَاقِهِ أَوِ الْمُقَامُ مَعَهُ . 27217 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَصِلُ إِلَى غَيْرِ امْرَأَتِهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا ، وَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . 27218 - وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ ، فَتُخَيَّرُ امْرَأَتُهُ مَكَانَهَا . 27219 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَشْكُو زَوْجَهَا ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ يُصِيبُكِ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ، فَحَسْبُكِ . 27220 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِنِّينِ يَدَّعِي الْجِمَاعَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ . 27221 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا . 27222 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أنهما قَالَا : يَدْخُلُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا ، وَهُنَاكَ امْرَأَتَانِ ، فَإِذَا فَرَغَ نَظَرَتَا فِي فَرْجِهَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَنِيُّ ، فَهُوَ صَادِقٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ . 27223 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِنَّهُ إِذَا ادَّعَى الْعِنِّينُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فِي الْأَصْلِ نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ : هِيَ بِكْرٌ خُيِّرَتْ ، وَإِنْ قُلْنَ : هِيَ ثَيِّبٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَلَا خِيَارَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا . 27224 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا أُرِيهَا أَرْبَع نِسْوَةٍ مِنْ عُدُولِ النِّسَاءِ ، فَإِنْ شَهِدْنَ لَهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَحْلَفَهَا ، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ نَكَلَتْ ، وَحَلَفَ أَقَامَ مَعَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُذْرَةَ تَعُودُ إِذَا لَمْ يُتَابِعْ فِي الْإِصَابَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا . 27225 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَجَائِزٌ عِنْدَهُ - فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ عُيُوبِ النِّسَاءِ - شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ ، وَشَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَتْ عَدْلًا . 27226 - وَرَوَى الْمُعَافَى ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَيَمِينُهُ ، وَتَقَرُّ عِنْدَهُ إِذَا حَلَفَ ، وَلَا يُؤَجَّلُ إِذَا ادَّعَى إِصَابَتَهَا ، وَيُؤَجَّلُ سَنَةً ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، فَإِنْ أَصَابَهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا . 27227 - وَقَالَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَيُسْتَحْلَفُ ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ . 27228 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : عَنِ اللَّيْثِ : يُخْتَبَرَانِ بِصُفْرَةِ الْوَرْسِ ، وَغَيْرِهِ ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ بِكْرًا ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرُ تِلْكَ الصُّفْرَةِ أُقِرَّتْ تَحْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُهَا . 27229 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَحْلِفُ أَنَّهُ يَطَأُ ، وَتَقَرُّ عِنْدَهُ ، وَلَا تَرَى لَهُ عَوْرَةً فِي الْوَرْسِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ . 27230 - وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِنِّينَ إِذَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَلَا تُطَالِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ غَيْبِ الْعُنَّةِ . 27231 - وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا : عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 27232 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا وَطِئَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ عَجَزَ عَنِ الْوَطْءِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ أُجِّلَ سَنَةً ; لِوُجُودِ الْعِلَّةِ . 27233 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا طَرِيقُ الِاتِّبَاعِ ، فَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَأَمَّا طَرِيقُ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ ، فَمَا قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27234 - وَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَلَا كَلَامَ لَهَا ، وَلَا خُصُومَةَ . 27235 - وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِتَأْجِيلِ الْعِنِّينِ ، أَنَّ الْعَبْدَ وَالْحُرَّ فِي أَجَلِ السَّنَةِ سَوَاءٌ ، إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، وَأَصْحَابَهُ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ - إِذَا كَانَ عَبْدًا - نِصْفَ سَنَةٍ . 27236 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ لِامْرَأَةِ الْعِنِّينِ مِنَ الصَّدَاقِ إِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّأْجِيلِ . 27237 - فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا . 27238 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . 27239 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 27240 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ . 27241 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : شُرَيْحٌ ، وَطَاوُسٌ . 27242 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ 27243 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ أَوْجَبَ لها الصَّدَاقَ كَامِلًا ، أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ . 27244 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، قَالَا : أَجَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعِنِّينَ سَنَةً ، فَإِنِ اسْتَطَاعَهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهَا ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ . 27245 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، قَالُوا : تَعْتَدُّ بَعْدَ السَّنَةِ . 27246 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ، قَالَ : لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا ، وَقَدْ قِيلَ : لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ .
1242 1200 - مَالِكٌ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ : مَتَى يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ ؟ أَمِنْ يَوْمِ يَبْنِي بِهَا أَمْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ ؟ فَقَالَ : بَلْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ . 27179 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، لَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ . 27180 - وَرِوَايَةُ يَحْيَى - وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهُمْ ، فَإِنَّهَا مَعْرُوفَةٌ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهِيَ - عِنْدِي - غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ ; لِصِحَّةِ الْإِمْكَانِ فِيهَا .
( 28 ) بَابُ أَجَلِ الَّذِي لَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ 1199 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجْلٌ ; سَنَةً ، فَإِنَّ مَسَّهَا ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . 27176 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْخَبَرَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ النِّكَاحَ يُؤَجَّلُ سَنَةً . 27177 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ يُؤَجَّلُ مِنْ يَوْمِ يُرْفَعُ أَمْرُهَا . 27178 - وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ لِلْعِنِّينِ أَجَلَ سَنَةٍ ، وَأَعْطَاهَا صَدَاقَهَا وَافِيًا .
( 9 ) بَابُ ظِهَارِ الْعَبِيدِ 1146 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ ، فَقَالَ : نَحْوَ ظِهَارِ الْحُرِّ . قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ أَنَّهُ يَقَعُ عليه كما يقع عَلَى الْحُرِّ . 25700 - قَالَ مَالِكٌ : وَظِهَارُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَصِيَامُ الْعَبْدِ فِي الظِّهَارِ شَهْرَانِ . 25701 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنَ امْرَأَتِهِ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلَاءٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ صِيَامَ كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ . 25702 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ " فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلَاءٌ " فَهُوَ أَصْلُ مَذْهَبِهِ ؛ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عِنْدَهُ عَلَى الْمُظَاهِرِ إِيلَاءٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا وَهَذَا لَيْسَ بِمُضَارٍّ إِذَا ذَهَبَ يَصُومُ لِكَفَّارَتِهِ . 25703 - وَأَمَّا قَوْلُهُ لِذَلِكَ " أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ صِيَامَ الْمُتَظَاهِرِ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ " فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ بِانْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ يَقَعُ الطَّلَاقُ ، وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ أَجَلَ إِيلَاءِ الْعَبْدِ شَهْرَانِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِانْقِضَاءِ أَجَلِ إِيلَاءِ الْعَبْدِ - وَهُوَ شَهْرَانِ - لَمْ تَصِحَّ لَهُ كَفَّارَةٌ ، وَهُوَ لَا يُكَفِّرُ إِلَّا بِالصَّوْمِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُكَفِّرًا وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ ؟ هَذَا مُحَالٌ . 25704 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ قَالَ : قُلْتُ لِسَحْنُونٍ : فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْعَبْدِ الْإِيلَاءُ فَمَا تَصْنَعُ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ : تَرْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ ، فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ . 25705 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ ضَرُورَةً وَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ الصَّوْمَ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ . 25706 - قَالَ : وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 25707 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ إِذَا مَنَعَهُ سَيِّدُهُ مِنَ الصِّيَامِ فَلَيْسَ بِمُضَارٍّ . 25708 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الصِّيَامِ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ ، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ النِّكَاحِ . 25709 - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . 25710 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ لَازِمٌ وَأَنَّ كَفَّارَتَهُ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ . 25711 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ ؛ 25712 - فَأَجَازَ لِلْعَبْدِ الْعِتْقَ إِنْ أَعْطَاهُ سَيِّدُهُ مَا يَعْتِقُ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ ، وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ . 25713 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الصَّوْمُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ وَلَا الْإِطْعَامُ . 25714 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي الْعَبْدِ يُظَاهِرُ : الصَّوْمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْإِطْعَامِ . 25715 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذْا طَاقَ الصِّيَامَ صَامَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ يَسْتَكْرِهُ أَهْلَهُ عَلَى الْإِطْعَامِ عَنْهُ . 25716 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : إِنْ أَطْعَمَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ أَعْتَقَ بِإِذْنِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ . 25717 - وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يَصُومَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا أَرَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِلَّا وَهْمًا مِنِّي ; لِأَنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ لَمْ يَجُزِ الْإِطْعَامُ فِي الْحُرِّ ، فَكَيْفَ الْعَبْدُ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ ، وَالصَّوْمُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْإِطْعَامِ ، وَالْإِطْعَامُ يُجْزِئُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى ، وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ . 25718 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ ، وَالِاحْتِجَاجُ لِمَنْ قَالَ " الْعَبْدُ يَمْلِكُ " وَمَنْ قَالَ " لَا يَمْلِكُ " لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، وَقَدْ أَكْثَرُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى مَنْعُ الْعَبْدِ مِنَ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ أَوْجَبَهُ لَهَا النِّكَاحُ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، فَصَارَ كَحَقِّ اللَّهِ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25719 - قَالَ مَالِكٌ : إِطْعَامُ الْعَبْدِ إِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ كَإِطْعَامِ الْحُرِّ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَهَذَا أَيْضًا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 27 ) بَابُ يَمِينِ الرَّجُلِ بِطَلَاقٍ مَا لَمْ يَنْكِحْ 1197 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَابْنَ شِهَابٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ ، إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إِذَا نَكَحَهَا . 1198 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ : إِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً أَوِ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 27098 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا آخِرُ الْبَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاةِ " الْمُوَطَّأِ " . 27099 - وَلِيَحْيَى فِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، فِي بَعْضِهِمْ وَهُمْ . 27100 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ شَيْءٌ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ يَاسِينُ الزَّيَّاتُ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا ، فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، قَالَ : هُوَ كَمَا قَالَ . 27101 - ويسن مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَجْهُولٌ ، وَأَبُو سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ . 27102 - وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَةٍ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يُقَاسَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا الطَّلَاقُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27103 - وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً إِنْ تَزَوَّجَهَا فَسَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : أَعْلِمْهَا بِالطَّلَاقِ ، ثُمَّ تَزَوَّجْهَا . 27104 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَزَوَّجَهَا إِذْ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ ، فَأَجَابَهُ بِهَذَا ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ إِنْ تَزَوَّجَهَا . 27105 - وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ . وَالْأَسْوَدُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ قَالَ : إِذَا تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً ، فَهِيَ طَالِقٌ . قَالَ : هُوَ كَمَا قَالَ . 27106 - وَأَمَّا بَلَاغُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ إلا أَنْ يُعَيِّنَ قَبِيلَةً ، أَوْ يُسَمِّيَ امْرَأَةً ، فَلَا أَحْفَظُهُ عَنْهُ إِلَّا مُنْقَطِعًا غَيْرَ مُتَّصِلٍ . 27107 - وَأَمَّا سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِنْ وُجُوهٍ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُمَا . 27108 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ يَحْيَى وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرَوْنَ : الطَّلَاقَ جَائِزا عَلَيْهِ إِذَا وَقَّتَ . 27109 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ : أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ ، وَسَالِمًا ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ : يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ : لَا يَتَزَوَّجُهَا . 27110 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ - حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ ، قَالَ : طَالِقٌ . 27111 - وَسُئِلَ عُمَرُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، قَالَ : لَا يَتَزَوَّجُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ . 27112 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، وَإِنْ عَمَّ فِي يَمِينِهِ . 27113 - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْ قُدَامَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ ، قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، وَكُلُّ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ . فَقَالَ : أَمَّا أَنَا ، فَلَوْ كُنْتُ ، لَمْ أَنْكِحْ ، وَلَمْ أَشْتَرِ . 27114 - وَأَمَّا ابْنُ شِهَابٍ ، فَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْهُ فِي رَجُلٍ ، قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، وَكُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ . قال : هو كما قال . 27115 - قَالَ مَعْمَرٌ : قُلْتُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ الْمِلْكِ ؟ قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : امْرَأَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ ، أَوْ عَبْدُ فَلَانٍ حُرٌّ . 27116 - وَرَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا قَالَ : فُلَانَةٌ طَالِقٌ ، وَلَا يَقُولُ : إِنْ تَزَوَّجْتُهَا . 27117 - وَأَمَّا إِنْ قَالَ : إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ ، فَهُوَ كَمَا قَالَ . 27118 - وَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : إِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ وَقَعَ الطَّلَاقُ . 27119 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي هَذَا الْبَابِ : 27120 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى فِي " الْمُوَطَّأِ " ، وَقَالَهُ فِي غَيْرِ " الْمُوَطَّأِ " . 27121 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ فِيهِ إِذَا لَمْ يُسَمِّ الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا ، أَوْ قَبِيلَةً أَوْ أَرْضًا ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَعَمَّ فِي يَمِينِهِ ، فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ ، فَإِنْ سَمَّى امْرَأَةً ، أَوْ أَرْضًا ، أَوْ قَبِيلَةً ، أَوْ ضَرَبَ أَجَلًا يَبْلُغُ عُمُرُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ . 27121 م - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَمَّ . 27122 - وَلَوْ خَصَّ جِنْسًا ، أَوْ بَلَدًا ، أَوْ ضَرَبَ أَجَلًا يَبْلُغُ عُمُرُهُ مِثْلَهُ لَزِمَهُ . 27123 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ : إِذَا قَالَ : كُلُّ بِكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ : كُلُّ ثَيِّبٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، فَمَرَّةً قَالَ : لَا يَتَزَوَّجُ ، وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ نَوْعًا بَعْدَ نَوْعٍ ، وَمَرَّةً قَالَ : إِنَّهُ يَتَزَوَّجُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَمَّ فِي الْيَمِينِ الْأُخْرَى . 27124 - وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ عَنْهُ . 27125 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ . 27126 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا عَمَّمَ لَمْ يَقَعْ ، وَإِنْ سَمَّى شَيْئًا بِعَيْنِهِ ، أَوْ جَمَاعَةً بِعَيْنِهَا ، أَوْ جَعَلَ يَمِينَهُ إِلَى أَجَلٍ يَبْلُغُهُ وَقَعَ . 27127 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : كُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا عَلَيْكِ فَهِيَ حُرَّةٌ ، فَيَشْتَرِي عَلَيْهَا جَارِيَةً ، فَإِنَّهَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ : عَلَيْكِ . 27128 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا قَالَ : كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ ، فَهُوَ حُرٌّ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 27129 - وَلَوْ قَالَ : كُلُّ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ ، أَوْ أَرِثُهُ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ; عَتَقَ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ خَصَّ . 27130 - وَلَوْ قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ قَالَ مِنْ بَنِي فَلَانٍ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، أَوْ مُسْلِمَةً ، أَوْ يَهُودِيَّةً ، أَوْ نَصْرَانِيَّةً ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ كَذَا لَزِمَهُ . 27131 - قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مُذْ وَصَلْتُ الْكُوفَةَ أَفْتَى بِغَيْرِ هَذَا . 27132 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فِيمَا خَصَّ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ . 27133 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا قَوْلٌ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 27134 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، فَهُوَ كَمَا قَالَ ، تُطَلَّقُ حِينَ تَتَزَوَّجُ . 27135 - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ . 27136 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، أَنَّهُمَا كَانَا يُوجِبَانِ ذَلِكَ عَلَيْهِ . 27237 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ . 27138 - وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ : فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَمَالِكٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ . 27139 - وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَمَلَ قَوْلَهُ : لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ . 27140 - قَالَ : وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ النَّذْرُ إِذَا مَلَكَهُ . 27141 - قَالُوا : وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ : " لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ " ، وَلَيْسَ فِيهِ لَا عَقْدَ طَلَاقٍ ، وَشَبَّهُوهُ بِعِلَّةِ الْأَجْنَاسِ أَنَّهُ يَسْتَصِحُّ فِيهَا الصَّدَقَةُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَلْحَقَ فِي مِلْكِهِ . 27142 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا كُلُّهُ بِالْقَوِيِّ ، وَلَا الصَّحِيحِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّحَكُّمِ ، وَدَعْوَى مَا لَا يَلْزَمُ دُونَ حُجَّةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) : قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا يَلْزَمُ طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ ، وَلَا عِتْقٌ قَبْلَ مِلْكٍ ، لَا إِذَا خَصَّ ، وَلَا إِذَا عَمَّ . 27143 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، إِلَّا أَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَعْلُولَةٌ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ بَعْضَهَا ، وَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ يُخَالِفُهَا ، وَسَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 27144 - وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقَتَادَةَ ، وَوَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَعِكْرِمَةَ . 27145 - وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . 27146 - وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ ، لَوْ جَاءَنِي لَمْ آمُرْهُ بِالتَّزْوِيجِ ، وَلَوْ تَزَوَّجَ لَمْ آمُرْهُ بِالْفِرَاقِ . 27147 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ . 27148 - وَرَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 27149 - وَرَوَى الْعُتْبِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ أَفْتَى رَجُلًا حَلَفَ : إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ تَزَوَّجَهَا . 27150 - قَالَ : وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَنَزَلَتْ بِالْمَخْزُومِيِّ ، فَأَفْتَاهُ مَالِكٌ بِذَلِكَ . 27151 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ إِنْ تَزَوَّجَهَا ، أَوْ تَزَوَّجَ بِبَلَدِ كَذَا ، فَتَزَوَّجَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ ، أَوْ تَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ ، قَالَ : مَا أَرَاهُ حَانِثًا . 27152 - قَالَ : وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : آمُرُ السُّلْطَانَ أَلَّا يَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ ، وَتَوَقَّفَ فِي الْفُتْيَا بِهِ آخِرَ أَيَّامِهِ . 27153 - قَالَ مُحَمَّدٌ : وَقَدْ كَانَ عَامَّةُ مَشَايِخِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ، مِنْهُمْ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ . 27154 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ . 27155 - قَالَ : وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ ، فَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ . 27156 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَحْسَنُ الْأَسَانِيدِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ . 27157 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ ، قَالَ : لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ . 27158 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَمَّنْ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ " . 27159 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ [ قَالَ : قَالَ ] رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ ، وَلَا عَتَاقَةَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ " . 27160 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ ، وَلَا وِصَالَ ، وَلَا صَمْتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ ، وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ " . فَقَالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ : يَا أَبَا عُرْوَةَ ! إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَنْ عَلِيٍّ ، فَأَبَى عَلَيْهِ مَعْمَرٌ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 27161 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَكُلُّهَا ثَابِتَةٌ صِحَاحٌ مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَكِتَابِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَكِتَابِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ ، وَلَوْلَا كَرَاهَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْنَاهَا . 27162 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ إِلَى عَامِلِهِ بِصَنْعَاءَ : اسْأَلْ مَنْ قِبَلَكَ عَنِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ . قَالَ : فَسَأَلَ ابْنَ طَاوُسٍ ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ . 27163 - وَسُئِلَ أَبُو الْمِقْدَامِ ، وَسِمَاكٌ ، فَحَدَّثَ أَبُو الْمِقْدَامِ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَدَّثَ سِمَاكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ . 27164 - قَالَ : وَقَالَ سِمَاكٌ : إِنَّمَا النِّكَاحُ عُقْدَةٌ تُعْقَدُ ، وَالطَّلَاقُ حَلُّهَا ، فَكَيْفَ تُحَلُّ عُقْدَةٌ قَبْلَ أَنْ تُعْقَدَ ؟ ! فَكَتَبَ بِقَوْلِهِ فَأَعْجَبَهُ ، وَكَتَبَ أَنْ يُبْعَثَ قَاضِيًا . 27165 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَوَاحٍ الضَّبِّيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدًا ، وَعَطَاءً عَنْ رَجُلٍ قَالَ : يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ ، فَقَالُوا : لَيْسَ بِشَيْءٍ . 27166 - وَقَالَ سَعِيدٌ : أَيَكُونُ سَيْلٌ قَبْلَ مَطَرٍ ؟ ! 27267 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي قَبِيصَةُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ آدَمَ مَوْلَى خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا حَتَّى يَكُونَ النِّكَاحُ . 27168 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ . 27169 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَا أُبَالِي أَتَزَوَّجْتُهَا ، أَوْ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ ، يَعْنِي أَنَّهَا حَلَالٌ . 27170 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ مَا لَمْ يَنْكِحْ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 27171 - وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّمَا الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ ، وَكَذَلِكَ الْعَتَاقَةُ . 27172 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنْ طَلَاقِ الرَّجُلِ مَا لَمْ يَنْكِحْ ، فَقَالُوا : لَا طَلَاقَ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ ، سَمَّاهَا ، أَوْ لَمْ يُسَمِّهَا . 27173 - وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ : أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الطَّلَاقَ وَلَا الظِّهَارَ قَبْلَ النِّكَاحِ . 27174 - وَسُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْعَبْسِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَعَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ؟ فَقَالَا : لَيْسَ بِشَيْءٍ . 27175 - وَسُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ : الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ ، وَالْعِتْقُ بَعْدَ الْمِلْكِ .
( 10 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ 1147 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ ؛ فَكَانَتْ إِحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ ؟ فَقَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ . 25720 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنَ التَّمْهِيدِ ، وَأَتَيْنَا مِنْ تَخْرِيجِ وُجُوهِهِ وَتَبْيِينِ مُعَانِيهِ بِمَا فِيهِ الشِّفَاءُ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ ، وَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، فَهُنَاكَ يَأْتِي حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ مَصِيرِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَسَائِلَ خِيَارِ الْأَمَةِ وَغَيْرَهَا مِنْ مَعَانِي الْخِيَارِ الَّذِي لَهُ قَصَدَ مَالِكٌ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ وَإِدْخَالِهِ إِيَّاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ . 25721 - وَكَذَلِكَ نَذْكُرُ هَاهُنَا أَيْضًا خِيَارَ الْأَمَةِ وَغَيْرَهَا مِنْ مَعَانِي الْخِيَارِ وَلَحْمَ بَرِيرَةَ وَالصَّدَقَةَ بِهِ وَالْهَدِيَّةَ ، وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بِمَبْلَغِ وُسْعِنَا ، وَبِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَوْنُنَا وَتَوْفِيقُنَا لَا بِسِوَاهُ . 25722 - فَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا فَكَانَتْ سُنَّةً ، فَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً مُجْتَمَعًا عَلَيْهَا ، وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ . 25723 - فَأَمَّا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ قَدْ كَانَتْ زُوِّجَتْ مِنْهُ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ أَوْ مُفَارَقَتِهِ ، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْبَقَاءَ مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ لَزِمَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِرَاقُهُ بَعْدُ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ مُفَارَقَتَهُ فَذَلِكَ لَهَا . 25724 - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ . 25725 - وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ خِيَارِ الْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ ؛ 25726 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا . 25727 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا إِلَّا مَا قَالَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . 25728 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ وَأَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ لِلْأَمَةِ الْخِيَارَ إِذَا أُعْتِقَتْ مَا لَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا .
1193 1148 - رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتُعْتَقُ : إِنَّ الْأَمَةَ لَهَا الخِيَارٌ مَا لَمْ يَمَسَّهَا . 25729 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ مَسَّهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ ، فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ بِمَا ادَّعَتْ مِنَ الْجَهَالَةِ ، وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا . 1149 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنْ مُوَلَّاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ - وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ - فَعَتَقَتْ ، قَالَتْ : فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَتْنِي ، فَقَالَتْ : إِنِّي مُخْبِرَتُكِ خَبَرًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا ، إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ يَمْسَسْكِ زَوْجُكِ ، فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَكِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . قَالَتْ : فَقُلْتُ هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ! فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا . 25730 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِعَبْدِ اللَّهِ وَحَفْصَةَ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا مَا لَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا . 25731 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِمَا . 25732 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلُ ذَلِكَ ؛ 25733 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ . وَعَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . وَعَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ ، وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهَا : إِنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ . 25734 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ وَبِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فَخِيَارُهَا عَلَى الْمَجْلِسِ . 25735 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا لَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ حَتَّى غَشِيَهَا زَوْجُهَا فَلَهَا الْخِيَارُ . 25736 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ وَقَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يَوْمَ أُعْتِقَتْ ، فَكَأَنِّي - وَاللَّهِ - أَنْظُرُ لَهُ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ يوجهها وَإنَّ دُمُوعَهُ لِتَنْحَدِرُ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتْبَعُهَا يَتَرَاضَّيهَا لِتَخْتَارَهُ ، فَلَمْ تَفْعَلْ . 25737 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ خِيَارُهَا عَلَى الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّ مَشْيَهَا فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يُبْطِلْ خِيَارَهَا . 25738 - وَفِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : لَا خِيَارَ لَهَا تَحْتَ الْحُرِّ ; لِأَنَّ خِيَارَهَا إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهَا زَوْجَهَا عَبْدًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25739 - وَفِيهِ مَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا ، وَهُمْ : عُرْوَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْمَغْرِبِ وَالشَّامِ . 25740 - وَرَوَاهُ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ . 25741 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ - قَالَت : وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، وَلَوْ كَانَ حُرًّا مَا خَيَّرَهَا . 25742 - قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا . 25743 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْحُرِّ ؛ 25744 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَصْحَابُهُمْ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ : إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَلَا خِيَارَ لَهَا . 25745 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . 25746 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . 25747 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهَا لَمْ يَحْدُثْ لَهَا حَالٌ تَرْتَفِعُ بِهَا عَنِ الْحُرِّ ، فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَزَالَا حُرَّيْنِ ، وَلَمَّا لَمْ يَنْقُصْ حَالُ الزَّوْجِ عَنْ حَالِهَا وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ . 25748 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنْ لَا خِيَارَ لِزَوْجَةِ الْعِنِّينِ إِذَا ذَهَبَتِ الْعُنَّةُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى لَهَا بِفِرَاقِهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُيُوبِ زَوَالُهَا يَنْفِي الْخِيَارَ . 25749 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَهَا الْخِيَارُ ، حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا . 25750 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْأَمَةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي إِنْكَاحِ مَوْلَاهَا إِيَّاهَا رَأْيٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً ، فَلَمَّا عُتِقَتْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ . 25751 - أَلَا تَرَى إِلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ يُزَوِّجُهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، فَإِذَا كَانَتْ حُرَّةً كَانَ لَهَا الْخِيَارُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي حَالِ أُمُوَّتِهَا . 25752 - قَالُوا : وَقَدْ وَرَدَ تَخْيِيرُ بَرِيرَةَ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : إِنَّمَا وَجَبَ لَكِ الْخِيَارُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ زَوْجِكِ عَبْدًا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 25753 - قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ ، فَاخْتَارِي . 25754 - قَالُوا : فَكُلُّ مَنْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا اخْتَارَتْ ، تَحْتَ حُرٍّ كَانَتْ أَوْ عَبْدٍ . 25755 - وَرَوَوْا عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا . 25756 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ فَعَتَقَتْهَا ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ حُرٌّ . 25757 - وَرَوَوْا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ . 25758 - وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ؛ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ . 25759 - وَقَالُوا : مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا فَقَوْلُهُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الرِّقَّ ظَاهِرٌ وَالْحُرِّيَّةَ طَارِئَةٌ ، وَمَنْ أَنْبَأَ عَنِ الْبَاطِنِ كَانَ الشَّاهِدُ دُونَ غَيْرِهِ . 25760 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَرِيرَةَ قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ ، فَاخْتَارِي فَإِنَّهُ خِطَابٌ وَرَدَ فِي مَنْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ . 25761 - فَأَمَّا مَنْ أُعْتِقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلَمْ تَمْلِكْ بِذَلِكَ نَفْسَهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حُرِّيَّتِهَا شَيْءٌ يُوجِبُ مِلْكَهَا لِنَفْسِهَا . 25762 - وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا - فَقَدْ عَارَضَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ ، بَلْ هُوَ أَلْصَقُ بِعَائِشَةَ وَأَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ ، وَذَلِكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخِيهَا ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ابْنُ أُخْتِهَا ؛ رَوَيَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا . 25763 - رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ . 25764 - وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ فِي قِصَّةِ زَبْرَاءَ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ عَبْدًا ، وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ رِوَايَتِهَا عَنْ عَائِشَةَ الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ - يُسَمَّى مُغِيثًا - لِبَعْضِ بَنِي مَخْزُومٍ . 25765 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي هَمَّامٌ قَالَ : حَدَّثَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا ، فَقَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ قَضِيَّاتٍ أَنَّ مَوَالِيَهَا اشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ ، فَقَضَى أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَخَيَّرَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ ، وَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ فَأَهْدَتْ مِنْهَا إِلَى عَائِشَةَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ . 25766 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فُرْقَةِ الْمُعَتَقَةِ إِذَا اخْتَارَتْ فِرَاقَ زَوْجِهَا ؛ 25767 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ . 25768 - وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ اخْتِيَارَهَا لِنَفْسِهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ قَتَادَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 25769 - قَالَ مَالِكٌ : هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ إِلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَذَلِكَ لَهَا ، وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ مِنَ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنَةٌ .
25770 - وَفِي الْمُوَطَّأ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ تُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يَمَسَّهَا : إِنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 25771 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا مَعْنَى لِلثَّلَاثِ فِي طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَلَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ ; لِأَنَّ طَلَاقَ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ ، وَطَلَاقَ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ . 25772 - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ لَهَا أَنْ تُوقِعَ إِلَّا وَاحِدَةً فَتَكُونُ بَائِنَةً ، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ، وَهُوَ أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 25773 - وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْعَبْدِ الرَّجْعَةَ إِنْ عَتَقَ . 25774 - قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : وَلَا أَرَى ذَلِكَ ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ وَإِنْ عَتَقَهَا . 25775 - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَلَوْ أُعْتِقَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّ بَعْضَ شُيُوخِنَا يَقُولُ هُوَ أَمْلَكُ بِهَا ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : هِيَ بَائِنَةٌ . 25776 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ; لِأَنَّ زَوْجَهَا لَوْ مَلَكَ رَجْعَتَهَا لَمْ يَكُنْ لِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا مَعْنًى ، وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يُفِيدُهَا اخْتِيَارُهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا . 25777 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ زَوْجَهَا إِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ . 25778 - وَهَذَا أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ قَدِ ارْتَفَعَتْ ، كَالْعِنِّينِ تَزُولُ عُنَّتُهُ قَبْلَ فِرَاقِ امْرَأَتِهِ لَهُ . 25779 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ؛ إِنِ اخْتَارَتِ الْمُعْتِقَةُ نَفْسَهَا فَفُرْقَتُهَا فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ . 25780 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . 25781 - وَفِي تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ مِنْ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ لَهَا . 25782 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي صَدْرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 25783 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ إِلَى آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَفِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ لَّحْمِ وَأَنَّهُ مِنْ آدَامِ الْفُضَلَاءِ الصَّالِحِينَ ، وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ . 25784 - وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَمَرَ : إِيَّاكُمْ وَأَكْلَ اللَّحْمِ ، فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ . 25785 - وَهَذَا مِنْ عُمَرَ قَوْلٌ خَرَجَ عَلَى مَنْ خَشِيَ مِنْهُ إِيثَارَ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَشِفَاءَ النُّفُوسِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَنِسْيَانَ الْآخِرَةِ وَالْإِقْبَالَ عَلَى الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةَ فِيهَا . 25786 - وَكَذَلِكَ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ : إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ ، وَاخْشَوْشِنُوا . 25787 - وَلَمْ يُرِدْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَحْرِيمَ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا يَحْظُرُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْلَى مَا امْتَثَلَ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ ؛ 25788 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ 25789 - يَعْنِي الْحَلَالَ . 25790 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيِّدُ آدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ . 25791 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَكَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ ; لِمَا فِي الْهَدِيَّةِ مِنْ تَآلُفِ الْقُلُوبِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ ، وَجَائِزٌ عَلَيْهَا الثَّوَابُ فَتَرْتَفِعُ الْمِنَّةُ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ . 25792 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَتَرْتَفِعُ الْمِنَّةُ . 25793 - وَالْآثَارُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ التَّمْهِيدِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . 25794 - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ . 25795 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 25796 - وَلَمَّا كَانَتِ الصَّدَقَةُ يَجُوزُ فِيهَا التَّصَرُّفُ لِلْفَقِيرِ لِلْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْعِوَضِ وَغَيْرِ الْعِوَضِ بِصِحَّةِ مِلْكِهِ لَهَا ، وَأَهْدَتْهَا بَرِيرَةُ إِلَى بَيْتِ مَوْلَاتِهَا عَائِشَةَ - حَلَّتْ لَهَا وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالْهَدِيَّةِ إِلَيْهِ ، وَتَحَوَّلَتْ عَنْ مَعْنَى الصَّدَقَةِ بِمِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِهَا إِلَى مَعْنَى الْهَدِيَّةِ الْحَلَالِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . 25797 - وَكَذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، يَعْنِي مِمَّنْ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهَا ، وَهِيَ لَنَا مِنْ قِبَلِهَا هَدِيَّةٌ جَائِزٌ أَنْ يُثِيبَهَا عَلَيْهَا بِمِثْلِهَا وَبِأَضْعَافِهَا عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ شَأْنُ الصَّدَقَةِ .
1150 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ ، فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ . 25798 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي رَدِّ الْمَرْأَةِ بِالْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ ، وَالْقَوْلُ فِي تَخْيِيرِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعُيُوبُ بِالزَّوْجِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ . 25799 - رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَفِي الرَّجُلِ عَيْبٌ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ - جُنُونٌ ، أَوْ جُذَامٌ ، أَوْ بَرَصٌ - خُيِّرَتْ . 25800 - وَقَالَ قَتَادَةُ : تُخَيَّرُ فِي كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ . 25801 - وَقَالَ الْحَكَمُ : لَا خِيَارَ لَهَا فِي الْبَرَصِ ، وَتُخَيَّرُ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ . 25802 - وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ ؛ 25803 - قَالَ مَالِكٌ : وَلِلْمَرْأَةِ مِثْلُ مَا لِلرَّجُلِ إِذَا تَزَوَّجَهَا وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بِرَصٌ أَوْ عُنَّةٌ ، فَلَهَا الْخِيَارُ ؛ إِنْ شَاءَتْ بَقَّتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ ، إِلَّا أَنْ يَمَسَّهَا الْعِنِّينُ . 25804 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْعِنِّينِ بَابٌ يَأْتِي فِيهِ أَحْكَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25805 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى حَالٍ لَا تُطِيقُ الْمَقَامَ مَعَهُ مِنْ جُذَامٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ كَالْعِنِّينِ . 25806 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ رَدَّ الْمَرْأَةِ بِالْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ : وَكَذَلِكَ هِيَ فِيهِ إِنِ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مُتْعَةَ ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ حَتَّى أَصَابَهَا فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ مَعَ الْفِرَاقِ ، وَالَّذِي يَكُونُ بِهِ مِثْلُ الرَّتَقِ بِهَا أَنْ يَكُونَ مَجْبُوبًا فَأُخَيِّرُهَا مَكَانَهَا ، وَأَيُّهُمَا تَرَكَتْهُ أَوْ وَطِئَ فَلَا خِيَارَ . 25807 - وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : إِنْ حَدَثَ فَلَهَا الْفَسْخُ ، وَلَيْسَ لَهُ . 25808 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : أَوْلَى بِقَوْلِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيمَا يَحْدُثُ كَمَا كَانَا سَوَاءً فِيهِ قَبْلَ الْحَدَثِ .
25817 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخَيَّرَةِ : إِذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا لَمْ أُخَيِّرْكِ إِلَّا وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُهُ . 25818 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ قَدْ قَبِلْتُ وَاحِدَةً وَقَالَ لَمْ أُرِدْ هَذَا ، وَإِنَّمَا خَيَّرْتُكِ فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَقْبَلْ إِلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْدَهُ عَلَى نِكَاحِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25819 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالْخِيَارِ ؛ فَقَالَ فِي التَّمْلِيكِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا وَيَحْلِفَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ . 25820 - وَقَالَ فِي الْخِيَارِ : إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ الطَّلَاقُ كُلُّهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ ذلك زَوْجُهَا فَلَا تُكْرَهُ لَهُ وَلَا يَنْفَعُهُ . 25821 - قَالَ : وَإِنِ اخْتَارَتْ وَاحِدَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ . 25822 - قَالَ : وَإِنَّمَا الْخِيَارُ الْبَتَّةُ إِمَّا أَخَذَتْهُ وَإِمَّا تَرَكَتْهُ . 25823 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْخِيَارِ وَالتَّمْلِيكِ ، هَلْ هُمَا عَلَى الْمَجْلِسِ أَمْ ذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى تَقْضِيَ فِيهِ ؟ 25824 - فَقَالَ مَرَّةً - وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الْخِيَارَ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَأَنَّهُمَا إِنِ افْتَرَقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْخِيَارِ فَلَا خِيَارَ لَهَا . 25825 - وَمَرَّةً قَالَ : إِذَا خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَالْأَمْرُ بِيَدِهَا تَخْتَارُ فِيهِ فِرَاقَهُ إِنْ شَاءَتْ وَإِنْ قَامَا مِنَ الْمَجْلِسِ ، وَلَهَا الْخِيَارُ حَتَّى تُوقَفَ أَوْ يُجَامِعَهَا . 25826 - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي التَّمْهِيدِ . 25827 - فَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ . 25828 - وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ : الْخِيَارُ عَلَى الْمَجْلِسِ . 25829 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ؛ كُلُّهُمْ يَقُولُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ : الْخِيَارُ لَهَا مَا لَمْ يَقُومَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا . 25830 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ : الْمُخَيَّرَةُ وَالْمُمَلَّكَةُ أَمْرُهَا بِيَدِهَا حَتَّى تَقْضِيَ فِيهِ . 25831 - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ . 25832 - وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ . 25833 - وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ . 25834 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الْخِيَارَ لَيْسَ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي بَابِ التَّمْلِيكِ . 25835 - وَأَمَّا بَسْطُ أَقْوَالِهِمْ وَحِكَايَةُ أَلْفَاظِهِمْ ؛ 25836 - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهَا لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنَ الْمَجْلِسِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَيْهَا . 25837 - قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِهَذَا إِجْمَاعٌ . 25838 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا خَيَّرَهَا فَلَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي غَيْرِ مَا خَاطَبَهَا بِهِ أَوْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ أَوْ تُمَازِحْهُ . 25839 - قَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَضَتْ سَاعَةٌ قَدْرُ مَا يُقْضَى فِيهِ مَا جَعَلَ لَهَا لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ تَكَلَّمَتْ فَذَلِكَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ شَيْئًا حَتَّى تَقُولَ سَقَطَ الْخِيَارُ ، وَهُوَ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ ، فَإِنْ عَجَّلَ الزَّوْجُ وَقَامَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ كَلَامَهَا فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ أَوْ يَتَفَرَّقَا . 25840 - قَالَ : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُمَلِّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا وَيَجْعَلَ لَهَا الْخِيَارَ إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ ، وَلَا بَأْسَ بِالْيَوْمِ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي خِيَارِهَا ، وَتُوقَفُ حَتَّى تَخْتَارَ أَوْ تَرُدَّ ذَلِكَ إِلَيْهِ . 25841 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ : الْخِيَارُ لَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا وَإِنْ مَكَثَتْ يَوْمًا مَا لَمْ تَقُمْ أَوْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا . 25842 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَى قِيَامِ الزَّوْجِ وَخُرُوجِهِ عَنْهَا . 25843 - قَالَ : وَإِنْ قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ فَهُوَ بِيَدِهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْيَوْمُ . 25844 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا خَيَّرَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَهَا . 25845 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَوْ وَقَعَ عَلَيْهَا بَعْدَمَا مَلَّكَهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25846 - لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَهُ . 25847 - وَقَالَ مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ : إِذَا خَيَّرَهَا فَسَكَتَتْ فَهُوَ رِضًا بِالزَّوْجِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَجْلِسِهَا . 25848 - وَقَالَ رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : إِذَا خَيَّرَهَا فَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ تُحْدِثَ شَيْئًا سَقَطَ الْخِيَارُ . 25849 - وَقَالَ رَبِيعَةُ : فَإِنْ خَيَّرَهَا إِلَى أَجَلٍ فَلَيْسَ لَهَا فِي نَفْسِهَا خِيَارٌ إِلَّا إِلَى الْأَجَلِ ، فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا عِنْدَ الْأَجَلِ فَهِيَ الْبَتَّةَ . 25850 - وَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَهَا ، وَإِنْ خُيِّرَتْ ذَلِكَ بَعْدَ الْأَجَلِ لِتَنْظُرَ فِيهِ . 25851 - وَقَالَ اللَّيْثُ : إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ تَقْضِ شَيْئًا رُدَّ الْأَمْرُ إِلَى الزَّوْجِ . 25852 - وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي الْخِيَارِ إِلَى الْأَجَلِ : لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَغْشِهَا ، وَيَرْجِعُ فِي الْخِيَارِ إِذَا شَاءَ . 25853 - فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخِيَارُ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ لَهَا حَتَّى تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ تَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَا فِيهِ . 25854 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : إِن جُعِلَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَهُوَ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَإِنْ جَعْلَهُ مُرْسَلًا لَمْ أَرْجِعْ لِذَلِكَ غَايَةً ، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْقَضَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَالْأَجْلَ ، كَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهُ بِيَدِهَا . 25855 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى قَوْلُ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ فِي الْخِيَارِ وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الطَّلَاقِ إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا . 25856 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ فِي الطَّلَاقِ خِيَارٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَهُ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ اخْتَارِي ، وَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إِلَيْهِ لَا إِلَيْهَا مَا نَوَى من الطَّلَاقَ وَأَرَادَهُ لَزِمَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ ، وَالتَّخْيِيرُ وَالتَّمْلِيكُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ . 25857 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ يَنْوِي ثَلَاثًا فَهِيَ لَهُ ثَلَاثٌ إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَالَتْ قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا إِلَّا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَسَوَاءٌ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ قَالَتْ قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي . 25858 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ - وَالتَّخْيِيرُ وَالتَّمْلِيكُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ . 25859 - وَقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْخِيَارِ كَقَوْلِ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَقَوْلُهُ فِي التَّمْلِيكِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ . 25860 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ . 25861 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْظُرْ فِيهِ فَهُوَ خِلَافٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِهِ فِي التَّمْلِيكِ ، وفِيهِ نَظَرٌ .
مَسْأَلَةُ التَّخْيِيرِ 1197 1151 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 25809 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَاخْتَرْنَهُ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ طَلَاقٌ ، وَالْخِلَافُ فِي هَذَا شُذُوذٌ . 25810 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ . 25811 - وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا شَيْءَ . 25812 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ أَيْضًا . 25813 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَاهُ ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ شَيْئًا . 25814 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ وَيُونُسُ بْنُ يزَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . قَالَتْ : وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَبَوَايَ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ . قَالَتْ : ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا قَالَ : فَقَالَتْ : أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ . 25815 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَاخْتَرْنَهُ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَكُنْ تَخْيِيرُهُنَّ طَلَاقًا . 25816 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ شِهَابٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ .
( 26 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَكَمَيْنِ 1196 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا ، وَالِاجْتِمَاعَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ . 27068 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : - أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ ، فَمَرْوِيٌّ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ . 27069 - مِنْهَا مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ ، وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : مَا بَالُ هَذَيْنِ ؟ فَقَالُوا : وَقَعَ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ ، قَالَ : فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ : فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، فَقَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ : هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا ، إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا ، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : رَضِيتُ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمَا فِيهِ عَلَيَّ وَلِي ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا وَاللَّهِ ، لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ بِمَا أَقَرَّتْ بِهِ . 27070 - وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مَعَ زَوْجِهَا ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ ، فَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ حَكَمًا وَهَؤُلَاءِ حَكَمًا ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَكَمَيْنِ : أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا ؟ إِنَّ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا ، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجَمَعَا جَمَعْتُمَا ، فَقَالَ الزَّوْجُ : أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : كَذَبْتَ ، وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرْضَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَكَ وَعَلَيْكَ ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ لِي وَعَلَيَّ . 27071 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بُعِثْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ حَكَمَيْنِ ، فَقِيلَ لَنَا : إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجَمَعَا جَمَعْتُمَا ، إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا . فَقَالَ مَعْمَرٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّ الَّذِي بَعَثَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ . 27072 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَقَالَتْ : تَصْبِرُ لِي وَأُنْفِقُ عَلَيْكَ ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا ، قَالَتْ : أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ؟ فَيَسْكُتُ عَنْهَا حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهُوَ بَرِمٌ قَالَتْ : أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ؟ فَقَالَ : عَلَى يَسَارِكِ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلْتِ ، فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا ، وَجَاءَتْ عُثْمَانَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَضَحِكَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَا كُنْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، فَأَتَيَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ أَغْلَقَا عَلَيْهِمَا أَبْوَابَهُمَا ، وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا ، فَرَجَعَا . 27073 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ ، وَالْأُمَرَاءُ ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي " بَيْنِهِمَا " : لِلزَّوْجَيْنِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ . 27074 - ذَكَرُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءُ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا قَالَ : هُمَا الْحَكَمَانِ . 27075 - قَالَ : وحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا قَالَ : هُمَا الْحَكَمَانِ . 27067 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحَكَمَيْنِ لَا يُكُونَانِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ . ( وَالْآخَرُ ) : مَنْ أَهَلِ الرَّجُلِ ، إِلَّا أن يُوجَدَ فِي أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ ، فَيُرْسِلُ مَنْ غَيْرِهِمَا . 27077 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا لَمْ يُنَفَّذْ قَوْلَهُمَا . 27078 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ قَوْلَهُمَا نَافِذٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ . 27079 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا ، هَلْ تَحْتَاجُ إِلَى تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجِ أَمْ لَا ؟ 27080 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : يَجُوزُ قَوْلُهُمَا فِي الْفُرْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَا إِذْنٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ . 27081 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . 27082 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ . 27083 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ : إِنِ اجْتَمَعَ أَمْرُهُمَا عَلَى أَنْ يُفَرِّقَا ، أَوْ يَجْمَعَا جَازَ . 27084 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجُ إِلَيْهِمَا التَّفْرِيقَ . 27085 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ . 27086 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ عَطَاءً ، يُسْأَلُ : أَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمَا الزَّوْجَانِ . 27087 - وَقَالَ الْحَسَنُ : يَحْكُمَانِ فِي الِاجْتِمَاعِ ، وَلَا يَحْكُمَانِ فِي الفْرِقَةِ . 27088 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ . 27089 - وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَحْتَجُّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 27090 - وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : الْحَكَمَانِ بِهِمَا يَجْمَعُ اللَّهُ ، وَبِهِمَا يُفَرِّقُ . 27091 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلزَّوْجِ : لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَرْضَى بِمَا رَضِيَتْ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُمَا لَا يُفَرِّقَانِ إِلَّا بِرِضَاءِ الزَّوْجِ . 27092 - وَالْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الزَّوْجِ ، أَوْ بِيَدِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ . 27093 - وَجَعَلَهُ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي بَابِ طَلَاقِ السُّلْطَانِ عَلَى الْمَوْلَى ، وَالْعِنِّينِ . 27094 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْحَكَمَيْنِ يُطَلِّقَانِ ثَلَاثًا . 27095 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً . 27096 - وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ . 27097 - وَقَالَ الْمُغِيرَةُ ، وَأَشْهَبُ : إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
رَأْيُ ابْنِ عَمِّكِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . 27045 - وَفِي هَذَا الْبَابِ : قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، فَاعْتَدَّتْ بَعْدَ عِدَّتِهَا ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا ، ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا : أَنَّهُا لَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا ، وَأَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَهَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً ، وَقَدْ ظَلَمَ زَوْجُهَا نَفْسَهُ وَأَخْطَأَ ، إِنْ كَانَ ارْتَجِعْهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا . 27046 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فِي النَّفَقَةِ ، وَالسُّكْنَى ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ طُلِّقَتْ . 27047 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَمَكَّةَ ، وَالْمَدِينَةِ ، وَالشَّامِ . 27048 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ . 27049 - وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَفِرْقَةٌ : تَمْضِي فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهَا الْأَوَّلِ . 27050 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 27051 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّ طَلَاقَهُ لَهَا إِذَا لَمْ يَمَسَّهَا فِي حُكْمِ مَنْ طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ، وَبَنَتْ لَمْ تَسْتَأْنِفْ . 27052 - وَقَالَ دَاوُدُ : لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُتِمَّ عِدَّتَهَا ، وَلَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً . 27053 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَشَذَّ فِي ذَلِكَ . 27054 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلَوْ كَانَتْ بَائِنَةً مِنْهُ غَيْرَ مَبْتُوتَةٍ ، فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا : 27055 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَزُفَرُ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَتُتِمُّ بَقِيَّةَ الْعِدَّةِ الْأُولَى . 27056 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَابْنِ شِهَابٍ . 27057 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَهَا مَهْرٌ لِلنِّكَاحِ الثَّانِي ، وَعِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ ، جَعَلُوهَا فِي حُكْمِ الْمَدْخُولِ بِهَا ، لِاعْتِدَادِهَا مِنْ مَائِهِ ، وَلَيْسَ عِنْدِي بِشَيْءٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27058 - وَقَالَ دَاوُدُ : لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الْأَوْلَى ، وَلَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ بِشَيْءٍ أَيْضًا .
27059 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ . فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا . وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا ، وَإِنَّمَا فَسَخَهَا مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ . 27060 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي أَحْكَامِ الْكَافِرِ يُسْلِمُ قَبْلَ زَوْجَتِهِ ، وَالْكَافِرَةِ قَبْلَ زَوْجِهَا فِي بَابِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 27061 - وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ - وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِرَاقًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ - أَنَّ الْفَسْخَ إِذَا عَادَ الزَّوْجَانِ بَعْدَهُ إِلَى النِّكَاحِ ، فَهُمَا عَلَى الْعِصْمَةِ الْأُولَى ، وَتَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ زَوْجِهَا ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، وَلَوْ كَانَ طَلَاقًا ، ثُمَّ رَاجَعَهَا كَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ . 27062 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي إِنَابَةِ الزَّوْجِ مِنَ الْإِسْلَامِ إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ، وَهُمَا ذِمِّيَّانِ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا : 27063 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ : الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ ، وَلَيْسَ طَلَاقٌ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ يَقُولَانِ : إِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمَا فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 27064 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِذَا أَبَى أَنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَمَذْهَبِ أَصْحَابِهِمْ فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَيْضًا . 27065 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يُسْلِمَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ طَلَاقٌ . 27066 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ جَعَلَهُ هُوَ شَيْءٌ دَخَلَ عَلَى الزَّوْجِ ، لَمْ يَقْصِدْهُ ، فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ ، فَاشْتَبَهَ ، أَوْ شَرَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، وَإِنَّمَا الطَّلَاقُ مَا اخْتَصَّ بِهِ الزَّوْجُ طَلَاقًا . 27067 - قَالَ : إِيَابَةُ الزَّوْجِ مِنَ الْإِسْلَامِ اخْتِصَاصٌ مِنْهُ بِالْفُرْقَةِ ، وَاخْتِيَارٌ لَهَا ، فَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا طَلَاقٌ ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ .
1238 1195 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ . 27012 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ : 27013 - فَقَالَ مَالِكٌ : عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ ، الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 27014 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 27015 - قَالَ اللَّيْثُ : عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا سَنَةٌ ، إِذَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً . 27016 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ ، ثَلَاثُ حِيَضٍ إِنْ كَانَتِ الْأَقْرَاءُ مَعْرُوفًا مَوْضِعُهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ كَالْآيِسَةِ . 27017 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا طَبَّقَ عَلَيْهَا الدَّمُ ، فَإِنْ كَانَ دَمُهَا يَنْفَصِلُ ، فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِيًا مُحْتَدِمًا كَثِيرًا ، أَوْ فِيمَا بَعْدُ رَقِيقًا قَلِيلًا ، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ الدَّمِ الْمُحْتَدِمِ الْكَثِيرِ ، وَطُهْرُهَا أَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ الْمَائِلِ إِلَى الصُّفْرَةِ . وَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُشْتَبِهًا كُلُّهُ كَانَ حَيْضَتُهَا بِقَدْرِ عَدَدِ أَيَّامِ حَيْضِهَا فِيمَا مَضَى قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ . 27018 - وَإِنْ بَدَتْ مُسْتَحَاضَةً ، أَوْ قِيسَتْ أَيَّامُ حَيْضَتِهَا ذَكَرَتِ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَاسْتَقْبَلَ عَلَيْهَا الْحَيْضُ مِنْ أَوَّلِ هِلَالٍ يَأْتِي عَلَيْهَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَإِذَا هَلَّ هِلَالُ الشَّهْرِ الرَّابِعِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا . 27019 - وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَحَمَّادٌ : تَعْتَدُّ الْمُسْتَحَاضَةُ بِالْأَقْرَاءِ . 27020 - وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ : تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ . 27021 - وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ . 27022 - وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : إِنْ كَانَتْ أَقَرَاؤُهَا مَعْلُومَةً مُسْتَقِيمَةً فَعِدَّتُهَا أَقَرَاؤُهَا ، وَإِنِ اخْتَلَطَتْ عَلَيْهَا فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ . 27023 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِذَا جَهِلَتْ أَقَرَاءَهَا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، وَإِنْ عَلِمَتْهَا اعْتَدَّتْ بِهَا . 27024 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَقَرَاؤُهَا مَعْلُومَةً ، فَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ . 27025 - فَعِنْدَ جَابِرٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِالشُّهُورِ ، أَلَيْسَتْ عَلَيْهَا حَيْضَتُهَا ، وَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ . 27026 - وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا مِمَّنْ تَحِيضُ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ اعْتَدَّتْ بِأَقْرَائِهَا ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27027 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : إِنِ ارْتَابَتْ مِنْ نَفْسِهَا انْتَظَرَتْ حَتَّى تَذْهَبَ عَنْهَا الرِّيبَةُ ، وَإِنْ لَمْ تَرْتَبْ ، فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . 27028 - وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ . 27029 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا عِبَادَةً مِنَ اللَّهِ فِي الصَّغِيرَةِ ، وَبَرَاءَةً لِلْأَرْحَامِ فِيمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِنَّ الْحَمْلُ ، وَحِفْظًا لِلْأَنْسَابِ . 27030 - وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَنْ تَكُونَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرُ فِيهِنَّ حَيْضَةً أَمْ لَا ؟ 27031 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : إِنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ ; لِتَصِحَّ بِهَا بَرَاءَةُ رَحِمِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ ، فَهِيَ عِنْدُهُمْ سَوَاءٌ بِهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ . 27032 - وَرَوَى أَشْهَبُ ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَأَلَهُ ابْنُ كِنَانَةَ عَلَى الْحُرَّةِ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَمْ تَسْتَرِبْ ، وَذَلِكَ أَنَّ حَيْضَتَهَا مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، أَتَتَزَوَّجُ ؟ قَالَ : لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَحِيضَ ، وَتَبْرَأَ مِنَ الرِّيبَةِ . 27033 - قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : أَرَى أَنْ تَتَزَوَّجَ ، وَلَا تَنْتَظِرَ ، وَأَمَّا الَّتِي لَا تَتَزَوَّجُ فَهِيَ الَّتِي وَفَتْ حَيْضَتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، مِمَّا دُونَ ، فَيَتَجَاوَزُ الْوَقْتُ ، وَلَمْ تَحِضْ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ . 27034 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا فِي حَيْضِتهَا أَكْثَرَ مِنْ أَمْرِ الْعِدَّةِ ، وَلَمْ تَسْتَرِبْ نَفْسَهَا ، وَرَآهَا النِّسَاءُ ، فَلَمْ يَرَوْا بِهَا حَمْلًا تَزَوَّجَتْ إِنْ شَاءَتْ . 27035 - وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِثْلَ ذَلِكَ . 27036 - وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ ، وَابْنِ نَافِعٍ . 27037 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي عَلَيْهِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا بُرْءٌ مَا لَمْ تَسْتَرِبْ نَفْسَهَا رِيبَةً تَنْفِيهَا بِالْحَمْلِ ، فَتَكُونُ عِدَّتُهَا وَضْعَ حَمْلِهَا حِينَئِذٍ دُونَ مُرَاعَاةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ . 27038 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُرْتَفِعَةُ الْحَيْضِ مِنَ الْمَرَضِ كَالْمُرْتَابَةِ فِي الْعِدَّةِ . 27039 - قَالَ : وَالْأَمَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ ، وَالْمُرْتَابَةُ بِغَيْرِ الْحَيْضِ حَالُهُمَا فِي الْعِدَّةِ وَحَالُ الْحُرَّةِ سَوَاءٌ سَنَةٌ . 27040 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنِ ارْتَبْتُمْ مَعْنَاهُ : إِنْ لَمْ تَدْرُوا مَا تَصْنَعُونَ فِي أَمْرِهَا . 27041 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّتِي يَرْفَعُ الرَّضَاعُ حَيْضَتَهَا : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَلَيْسَتْ كَالْمُرْتَابَةِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ . 27042 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ ، فَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِيهَا حَدِيثًا ، فِي كِتَابِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِيهَا عَنْ رَأْيٍ أَنَّهَا تَرِثُ زَوْجَهَا إِذَا لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ . 27043 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ الزُّهْرِيُّ : أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ تُرْضِعُ ابْنًا لَهُ ، فَمَكَثَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ، أَوْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنْ مِتَّ وَرِثَتْكَ ، فَقَالَ : احْمِلُونِي إِلَى عُثْمَانَ ، فَحَمَلُوهُ ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، فَسَأَلَهُمَا ، فَقَالَا : نَرَى أَنْ تَرِثَهُ ، فَقَالَا : لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ اللَّاتِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ، وَلَا مِنَ اللَّاتِي لَمْ يَحِضْنَ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْحَيْضِ الرَّضَاعُ ، فَأَحَذَ الرَّجُلُ ابْنَهُ مِنْهَا فَلَمَّا فَقَدَتْهُ حَاضَتْ حَيْضَةً ، ثُمَّ حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي حَيْضَةً أُخْرَى ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ الثَّالِثَةَ ، فَوَرِثَتْهُ . 27044 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أن جده حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَّهُ طَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ ، وَهِيَ تُرْضِعُ ، وَكَانَتْ إِذَا أَرْضَعَتْ مَكَثَتْ سَنَةً لَا تَحِيضُ ، فَمَاتَ حَبَّانُ عَنْ رَأْسِ السُّنَّةِ ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ ، وَقَالَ لِلْهَاشِمِيَّةِ : هَذَا .
1237 1194 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الطَّلَاقُ لِلرِّجَالِ ، وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ . 27003 - فَقَدَ مَضَى مَعَ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ طَلَاقِ الْعَبِيدِ ، وَنُعِيدُهُ هَاهُنَا كَذِكْرِ مَالِكٍ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ذِكْرًا مُخْتَصَرًا ، فَنَقُولُ : 27003 م - ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ ، وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ . 27004 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ : أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى الرِّجَالِ ; لِقَوْلِهِ : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ 27005 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الطَّلَاقُ ، وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ . 27006 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ . 27007 - وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُظَاهِرِ بْنَ أَسْلَمَ - عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ فَأَضَافَ إِلَيْهَا الطَّلَاقَ ، وَالْعِدَّةَ جَمِيعًا ، إِلَّا أَنَّ مُظَاهِرَ بْنَ أَسْلَمَ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وهُوَ ضَعِيفٌ . 27008 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّهُمَا رَقَّ نَقَصَ طَلَاقُهُ . 27009 - وَقَالَ بِهِ فِرْقَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 27010 - وَقَالَ قَوْمٌ : عِدَّةُ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ ، وَالطَّلَاقُ مِنْ أَزْوَاجِهِمَا لَهُمَا سَوَاءٌ ، فَلَا يَبِينُ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ ، وَلَا عَلَى الْحُرِّ زَوْجَتُهُ إِلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، وَعِدَّةُ كُلِّ أَمَةٍ ، وَكُلِّ حُرَّةٍ سَوَاءٌ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ . وَفِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَعَشْرا . 27011 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ .
26977 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا حِينَ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ; أَنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ . فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ ، اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ . فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ ، اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ، اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتِ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ ، اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتِ الثَّالِثَةَ كَانَتْ قَدِ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْحَيْضِ . فَإِنْ لَمْ تَحِضِ اسْتَقْبَلَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ . ثُمَّ حَلَّتْ وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا . 26978 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا ، وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ : 26979 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ . 26980 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : إِذَا حَاضَتِ الْمُطَلَّقَةُ ، ثُمَّ ارْتَابَتْ ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالتِّسْعَةِ الْأَشْهَرِ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا ، لَا مِنْ يَوْمِ طُلِّقَتْ . 26981 - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي مِنْهُ تَعْتَدُّ . 26982 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّتِي يَرْفَعُ الرَّضَاعُ حَيْضَتَهَا : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَلَيْسَتْ كَالْمُرْتَابَةِ . 26983 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا ذَلِكَ : إنَّ عِدَّتَهَا الْحَيْضُ أَبَدًا حَتَّى تَدْخُلَ فِي السِّنِّ الَّتِي لَا تَحِيضُ فِي مِثْلِهِ مِثْلُهَا مِنَ النِّسَاءِ ، فَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الْآيِسَةِ لِلشُّهُورِ . 26984 - وَقَالَ اللَّيْثُ : تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَقَرْاءٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ ، فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ ، وَرِثَتْهُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَعْرِفُ النِّسَاءُ أَنَّ حَيْضَتَهَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْتُ . 26985 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ شَابَّةٌ ، فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا ، فَلَمْ يَأْتِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سِتَّةً . 26986 - وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 26987 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ يَائِسَةً ، وَلَا صَغِيرَةً إِلَّا بِالْحَيْضِ . 26988 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا سَنَةً ، وَقَالَ : تِلْكَ الرِّيبَةُ . 26989 - وَعَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهَا لَيْسَتْ يَائِسَةً بِارْتِفَاعِ حَيْضِهَا . 26990 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : صَارَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى مَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ فِيهِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ . 26991 - وَهُوَ أَعْلَى مَا رُوِيَ إِلَى ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ عَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَالْعَمَلُ بِبَلَدِهِ ، وَصَارَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدٍ . 26992 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 26993 - وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالشُّهُورِ ، وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ الْيَائِسَةُ ، وَالصَّغِيرَةُ ، فَمَنْ لَمْ تَكُنْ يَائِسَةً ، وَلَا صَغِيرَةً ، فَعِدَّتُهَا الْأَقْرَاءُ ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 26994 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُ الْمُطَلَّقَةِ ، وَقَدْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ اعْتَدَّتْ سَنَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً اعْتَدَّتْ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا ; تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ ، وَاثْنَانِ لِلْعِدَّةِ . 26995 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي بَابِ الْأَقْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، وَهُوَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهِ ، مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ . 26996 - وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الَّتِي لَا تَحِيضُ إِلَّا فِي الْأَشْهُرِ قَالَ : تَعْتَدُّ بِالْحَيْضِ ، وَإِنْ تَطَاوَلَ . 26997 - وَاخْتَلَفَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 26998 - فَقَالَ الْحَسَنُ فِيهَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ . 26999 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ فِيهَا مَذْهَبَ ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّ . 27000 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهَا ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَحَاضَتْ حَيْضَةً ، أَوْ حَيْضَتَيْنِ فِي سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ لَمْ تَحِضِ الثَّالِثَةَ حَتَّى مَاتَتْ ، فَأُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ فَذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِيرَاثَهَا وَوَرِثَهَا . 27001 - وَرَوَى سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ : إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي السَّنَةِ سِتَّةً ، فَأَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ . 27002 - قَالَ عَمْرٌو ، وَقَالَ طَاوُسٌ : يَكْفِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، فَقَوْلُ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ . 27002 م - وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ :
( 25 ) بَابُ جَامِعِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ 1193 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا . فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ بَانَ بها حَمْلٌ فَذَلِكَ . وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ ، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ حَلَّتْ . 26976 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ ، فَحَاضَتْ حَيْضَةً ، أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا ، وَلَمْ تَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى آخِرِهِ سَوَاءً .
26959 - وَفِي هَذَا الْبَابِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا ، وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ ، وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ . وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ . 26960 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ فِي بَابِ طَلَاقِ الْعَبْدِ ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ الْقَوْلِ فِيهَا هَاهُنَا .
26961 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا فَيُعْتِقُهَا : إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ . مَا لَمْ يُصِبْهَا . فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا ، قَبْلَ عِتَاقِهَا ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ . 26962 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى - أَيْضًا - الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا ابْتَاعَهَا زَوْجُهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَحَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ . 26963 - فَإِذَا أَعْتَقَهَا بَعْدَ شِرَائِهِ لَهَا قِبَلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ . 26964 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِدَّتِهَا هَاهُنَا : 26965 - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ : حَيْضَتَيْنِ . 26966 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ : ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ . 26967 - وَرَوَوْا عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ حُرَّةٍ . 26968 - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، قَالَا : أُعْتِقَتْ بِرَيْرَةُ ، فَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ . 26969 - وَأَمَّا مَنْ قَالَ : تَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ ، فَيَقُولُ : لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ حِينَ ابْتَاعَهَا ; وَذَلِكَ حِينَ فُسِخَ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا ، وَهِيَ أَمَةٌ ، فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ أَمَةٍ . 26970 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعِتْقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ، وَالْبَائِنِ ، وَبَعْدَ الْوَفَاةِ أَيْضًا ، وَهَذِهِ وَتِلْكَ سَوَاءٌ . 26971 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ لَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلَّا اسْتِبْرَاءٌ بِحَيْضَةٍ . 26972 - وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ وَطْأَهُ لَهَا يَهْدِمُ عِدَّتَهَا ، فَإِذَا أَعْتَقَهَا بَعْدَ وَطْئِهِ لَهَا لَمْ تَعْتَدَّ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ . 26973 - وَقَالَ : عِدَّتُهَا اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا ، وَذَلِكَ حَيْضَةٌ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ . 26974 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَيَقُولُونَ : هِيَ حُرَّةٌ ، وَلَا يُسْتَبْرَأُ رَحِمُ الْحُرَّةِ فِي الْعِدَّةِ ، وَلَا شُبْهَةَ إِلَّا بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ . 26975 - وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
( 24 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا 1192 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ الْأَمَةَ ، إِذَ طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ ، ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ ، فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ . لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا عِتْقُهَا ، كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ ، ثُمَّ يَعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ . 26937 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ : إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ الْأَمَةَ ، ثُمَّ عَتَقَتْ . 26938 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ طَلَاقِ الْعَبْدِ الْأَمَةَ ، وَبَيْنَ طَلَاقِ الْحُرِّ الْأَمَةَ . 26939 - وَتَرْجَمَةُ الْبَابِ أَضْبَطُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأَمَةِ تَعْتِقُ فِي عِدَّتِهَا ، هَلْ تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا أَمْ لَا ؟ 26940 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا : 26941 - فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . 26942 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ ، إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ; لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ ، وَهِيَ فِي مَعَانِي الْأَزْوَاجِ فِي عَامَّةِ أَمْرِهَا ، وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّتِهَا ، وَقَالَ بِالْحُرِّيَّةِ . 26943 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ أَمَةٌ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ ، انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا لَمْ يَنْتَقِلْ . 26944 - وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 26945 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا طُلِّقَتِ الْأَمَةُ تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ . 26946 - وَهَذَا وَافَقَ مَالِكًا فِي الرَّجْعِيِّ ، وَخَالَفَهُ فِي الْبَائِنِ . 26947 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : ولَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَنْتَقِلِ الْعِدَّةُ . 26948 - وَقَالُوا فِي الْبَائِنِ قَوْلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : تَنْتَقِلُ . ( وَالْآخَرُ ) : لَا تَنْتَقِلُ . 26949 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الْقِيَاسُ أَنْ يَنْتَقِلَ فِي الْبَائِنِ ، وَالرَّجْعِيِّ بَعِيدًا ; كَمَا قَالُوا فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا حَاضَتِ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إِلَى الْحَيْضِ . 26950 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُجَاعٍ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ . 26951 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ تَنْتَقِلَ عِدَّتُهَا فِي الرَّجْعِيِّ دُونَ الْبَائِنِ ، وَدُونَ الْوَفَاةِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ صَادَفَ فِي الرَّجْعِيِّ زَوْجَةً ، وَلَمْ يُصَادِفْ فِي الْبَائِنِ ، وَلَا فِي الْوَفَاةِ زَوْجَةً . 26952 - وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : تَنْتَقِلُ . ( وَالْآخَرُ ) : لَا تَنْتَقِلُ . 26953 - وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُعَدَّلَةِ بِالشُّهُورِ ; لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ حُرَّةً ، وَهِيَ تَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ ، كَمَا لَا تَكُونُ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ ، وَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ . 26954 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُغَيِّرُ عِتْقُهَا عِدَّتَهَا فِي الطَّلَاقِ ، وَلَا فِي الْوَفَاةِ . 26955 - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : تُكْمِلُ عِدَّةَ حُرٍّ فِي الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ إِذَا عَتَقَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ . 26956 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ . 26957 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الَّذِي يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَتَعْتِقُ فِي الْعِدَّةِ : إِنَّهَا تُكْمِلُ عِدَّةَ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 26958 - وَرُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ طَلَّقَ أَمَتَهُ طَلْقَتَيْنِ ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ ، قَالَ : إِنْ كَانَتِ اعْتَدَّتْ مِنْهُ قَبْلَ الْعِتْقِ حَيْضَةً اعْتَدَّتْ إِلَيْهَا أُخْرَى .
1234 ( 23 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ 1190 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : أَنَّ أَبَا عَمْرِو ابْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ ، وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ ، فَسَخِطَتْهُ . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ . فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي . اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى . تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي قَالَتْ : فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ . وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ . انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ : فَكَرِهْتُهُ . ثُمَّ قَالَ : انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَنَكَحْتُهُ . فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا ، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ . 1191 - مَالِكٌ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : الْمَبْتُوتَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ ، وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ . إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيُنْفَقَ عَلَيْهَا ، حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 26861 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ فَاطِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ ، فَفِيهِ جَوَازُ طَلَاقِ الْبَتَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 26862 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 26863 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ . 26864 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ . 26865 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ . 26866 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ : أَنَّ جَدَّهُ طَلَّقَ فَاطِمَةَ الْبَتَّةَ . 26867 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُجْتَمِعَاتٍ . 26868 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ طَلَاقَهُ ذَلِكَ كَانَ آخَرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ . 26869 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُجَوَّدَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 26870 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَصٌّ ثَابِتٌ : أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي بَتَّ طَلَاقَهَا ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَإِنْ كَانَتِ الْمَبْتُوتَةُ حَامِلًا ، فَالنَّفَقَةُ لَهَا بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْمُطَلَّقَاتِ الْمَبْتُوتَاتِ : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ 26871 - وَهَذَا لَا شَكَّ فِي الْمَبْتُوتَاتِ ; لِأَنَّ اللَّوَاتِي لِأَزْوَاجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ الرَّجْعَةُ ، لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ النَّفَقَةَ لَهُنَّ ، وَسَائِرَ الْمُؤْنَةِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، حَوَامِلَ كُنَّ ، أَوْ غَيْرَ حَوَامِلَ ; لِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ فِي النَّفَقَةِ ، وَالسُّكْنَى وَالْمِيرَاثِ مَا كُنَّ فِي الْعِدَّةِ . 26872 - وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أَنَّهُنَّ الْمَبْتُوتَاتُ . 26873 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّفَقَةِ لِلْمَبْتُوتَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا . 26874 - فَأَبَاهَا قَوْمٌ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، والشَّافِعِيُّ . 26875 - وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 26876 - وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ . 26877 - وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مُتَوَاتِرَةٍ عَنْ فَاطِمَةَ . 26878 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا نَفَقَةَ لَهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا : عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . 26879 - وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى . 26880 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ - وَهِيَ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَأَمَرَ وَكِيلُهُ لَهَا بِنَفَقَةٍ ، رَغِبَتْ عَنْهَا ، فَقَالَ وَكِيلُهُ : مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ نَفَقَةٍ ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهَا : صَدَقَ ، وَنَقَلَهَا إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 26881 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنَى ، وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ ، مَبْتُوتَةً أَوْ رَجْعِيَّةً . 26882 - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ . 26883 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ . 26884 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ . 26885 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، قَالَتْ : طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا ، فَجِئْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : لَا نَفَقَةَ لَكِ ، وَلَا سُكْنَى . قال : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : قال عمر بن الخطاب : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة . 26886 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلُ امْرَأَةٍ ، وَكَانَ يَجْعَلُ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا : السُّكْنَى ، وَالنَّفَقَةَ . 26887 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُرَيْحٍ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ، قَالَ : لَهَا النَّفَقَةُ ، وَالسُّكْنَى . 26888 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا لَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ، مِنْهُمُ : الشَّعْبِيُّ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَسَنِ . 26889 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . 26890 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 26891 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ عَنِ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَتْ : طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى ، وَلَا نَفَقَةً ، فَقِيلَ لِعَامِرٍ : إِنَّ عُمَرَ لَمْ يُصَدِّقْهَا ، فَقَالَ عَامِرٌ : أَلَّا تُصَدِّقَ امْرَأَةً فَقِيهَةً نَزَلَ بِهَا هَذَا ؟ 26892 - وَرَوَى مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، فَزَادَ فِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : لَا سُكْنَى لَكِ ، وَلَا نَفَقَةَ ، إِنَّمَا السُّكْنَى ، وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ . 26893 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُ سُؤَالَ رَجُلٍ قَدْ تَبَحَّرَ فِي الْعِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنِّي بِأَرْضٍ أُسْأَلُ بِهَا ، قَالَ : فَكَيْفَ وَجَدْتَ مَا أَفْتَيْتُكَ بِهِ مِمَّا يُفْتِيكَ بِهِ غَيْرِي مِمَّنْ سَأَلْتَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؟ قُلْتُ : وَافَقْتَهُمْ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : سَأَلْتُكَ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ، أَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا أَمْ تَنْتَقِلُ إِلَى أَهْلِهَا ؟ فَقُلْتَ : تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ شَأْنِهَا : إِنَّهَا لَمَّا طُلِّقَتِ اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا ، وَآذَتْهُمْ بِلِسَانِهَا ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، قَالَ : قلت : لَئِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِذَلِكَ ، إِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةً حَسَنَةً مَعَ أَنَّهَا أَحَرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، وَلَا بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ . 26894 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْقَوْلِ ، وَغَيْرِهِ فِي التَّمْهِيدِ مَا فِيهِ شِفَاءٌ لِمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ 26895 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : اعْتَدِّي فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي : اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . 26896 - فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُتَجَالَّةَ الْعَجُوزَ الصَّالِحَةَ جَائِزٌ أَنْ يَغْشَاهَا الرِّجَالُ فِي بَيْتِهَا ، وَيَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهَا ، وَكَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَغْشَاهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ ، وَيَرَوْنَهَا ، وَتَرَاهُمْ فِيمَا يَحِلُّ ، وَيَجْمُلُ ، وَيَنْفَعُ ، وَلَا يَضُرُّ . 26897 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ 26898 - وَالْغَشَيَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْإِلْمَامُ وَالْوُرُودُ . 26899 - قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ 26900 - فَمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي أَنْ يُلِمُّونَ بِهَا ، وَيَرِدُونَ عَلَيْهَا ، وَيَجْلِسُونَ عِنْدَهَا . 26901 - وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي أُمِّ شَرِيكٍ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يُتَحَدَّثُ عِنْدَهَا . 26902 - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ أَنَّ بَيْتَ أُمِّ شَرِيكٍ يُغْشَى . 26903 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ بَيْتَ أُمِّ شَرِيكٍ يُوطَأُ . 26904 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي التَّمْهِيدِ . 26905 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِالْمَعَانِي . 26906 - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَتْ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَتَرَ مِنِّي ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ . 26907 - وَفِي حَدِيثِ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ فِي قُدُومِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ خَلْفَهُ ، وَقَالَ - وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ : يَا مِسْكِينَةُ عَلَيْكِ السَّكِينَةُ . 26908 - وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى ، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ . 26909 - وَقَالَ جَرِيرٌ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ ؟ فَقَالَ : غُضَّ بَصَرَكَ . 26910 - وَهَذِهِ الْآثَارُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي مَعْنَاهَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ، وَلَا يَرَاكِ . أَرَادَ بِهِ الْإِعْلَانَ بِأَنَّ نَظَرَ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ ، وَتَأَمُّلَهُ لَهَا ، وَتَكْرَارَ بَصَرِهِ فِي ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ دَاعِيَةِ الْفِتْنَةِ . 26911 - وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ ، فَإِنْ وَضَعْتِ شَيْئًا مِنْ ثِيَابِكِ لَمْ يَرَ شَيْئًا . 26912 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ الْأَعْمَى ، وَكَوْنِهَا مَعَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، وَبَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَرُدُّ حَدِيثَ نَبْهَانَ - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كُنْتُ أَنَا وَمَيْمُونَةُ جَالِسَتَيْنِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، فَقَالَ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ بِأَعْمَى ، وَلَا يُبْصِرُنَا ؟ قَالَ : فَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟ 26913 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُهُ عَنْ نَظَرِهِمَا إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ إِبَاحَةُ نَظَرِهَا إِلَيْهِ . 26914 - وَيَشْهَدُ لِحَدِيثِ نَبْهَانَ هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ كَمَا قَالَ : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ 26915 - وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْغَيْرَةِ أَنَّ نَظَرَهَا إِلَيْهِ كَنَظَرِهِ إِلَيْهَا . 26916 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ : لِأَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَلِيَّتِي عَشَرَةُ رِجَالٍ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَنْظُرَ هِيَ إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ . 26917 - وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ احْتَجَّ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ ، وَأَنَّهُ لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِيهِ ، وَقَالَ : إِنْ نَبْهَانَ - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ إِلَّا حَدِيثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) : هَذَا . ( وَالْآخَرُ ) : عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَكَاتَبِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ كِتَابَتَهُ ، احْتَجَبَتْ مِنْهُ سَيِّدَتُهُ . 26918 - وَمَنْ صَحَّحَ حَدِيثَ نَبْهَانَ ، قَالَ : إِنَّهُ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَلَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ . 26919 - وَزَعَمَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحِجَابِ لَسْنَ كَسَائِرِ النِّسَاءِ . 26920 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ الْآيَةَ . 26921 - وَقَالَ : إِنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُكَلَّمْنَ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مُتَجَالَّاتٍ كُنَّ ، أَوْ غَيْرَ مُتَجَالَّاتٍ . 26922 - وَقَالَ : السِّتْرُ وَالْحِجَابُ عَلَيْهِنَّ أَشَدُّ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِنَّ ; لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَحَدِيثِ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 26923 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : إِنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ ، وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي ، فَقَدْ وَهِمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى صَاحِبُنَا ، وَغَلَطَ غَلَطًا سَمْحًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا غَيْرِ مَالِكٍ . وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو جَهْمٍ هَكَذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَهُوَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِهِ ، وَأَظُنُّ يَحْيَى شُبِّهَ عَلَيْهِ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26924 - وَفِي تَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِنْكَارَ عَلَى فَاطِمَةَ ، وَقَوْلِهَا : إِنَّ مُعَاوِيَةَ ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي ، وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، بَلْ خَطَبَهَا مَعَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةٍ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ عَنْ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ الرُّكُونُ ، وَالْمَيْلُ وَالْمُقَارَبَةُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ; لَمْ يَجُزْ حِينَئِذٍ أَنْ يَخْطُبَ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَهَذَا فِي مَعْنَى نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ . 26925 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَلَى أَخِيهِ لِمَنْ يَسْتَنْصِحُهُ فِيهِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ ; لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْمَذْمُومِ الْمَعِيبِ ، فَلَيْسَ بِمُغْتَابٍ . 26926 - وَأَمَّا قَوْلُهُ ذَلِكَ لَيْسَ بِغِيبَةٍ ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ حَسَنٌ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ . 26927 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ، فَلْيَنْصَحْ لَهُ ، فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلِكِتَابِهِ ، وَلِرَسُولِهِ ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَامَّتِهِمْ . 26928 - وَفِي هَذَا الْبَابِ سُؤَالُ الْحَاكِمِ عَنِ الشَّاهِدِ عِنْدَهُ ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْمَسْئُولِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ الْحَقَّ الَّذِي يَعْلَمُهُ لِيَنْفُذَ الْقَضَاءُ فِيهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ مِنْ رَدِّ شَهَادَتِهِ لِلْفِسْقِ ، أَوْ قَبُولِهَا لِلْعَدَالَةِ . 26929 - وَفِي قَوْلِهِ : صُعْلُوكٌ ، لَا مَالَ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ مِنْ وَاجِبَاتِ النِّكَاحِ ، وَخِصَالِ النَّاكِحِ ، وَأَنَّ الْفَقْرَ مِنْ عُيُوبِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ، أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَرَضِيَ بِهِ لَجَازَ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ . 26930 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُفْرِطَ فِي الْوَصْفِ لَا يَلْحَقُهُ الْكَذِبُ ، وَالْمُبَالِغَ فِي النَّعْتِ بِالصِّدْقِ لَا يُدْرِكُهُ الذَّمُّ . 26931 - أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أَبِي جَهْمٍ : لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، وَهُوَ قَدْ يَنَامُ ، وَيُصَلِّي ، وَيَأْكُلُ ، وَيَشْرَبُ ، وَيَشْتَغِلُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ شُغْلِهِ فِي دُنْيَاهُ . 26932 - وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي أَدَبِ النِّسَاءِ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ ، وَرُبَّمَا يَحْسُنُ الْأَدَبُ بِمِثْلِهِ ، كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِي فِي رَعِيَّتِهِ . 26933 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَوْصَاهُ : لَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ ، وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ 26934 - وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : عَلِّقْ سَوْطَكَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ . 26935 - وَالْعَرَبُ تُكَنِّي بِالْعَصَاةِ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا : الطَّاعَةُ ، وَالْأُلْفَةُ ، وَمِنْهَا : الْإِخَافَةُ ، وَالشِّدَّةُ . 26936 - وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَتَيْنَا بِمَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْعَصَا ، أَوْ وُجُوهِهَا بِالشَّوَاهِدِ فِي الشِّعْرِ ، وَغَيْرِهِ هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى .
1231 1187 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَطَلَّقَهَا الْبَتَّةَ ، فَانْتَقَلَتْ . فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . 1188 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ ، فِي مَسْكَنِ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ طَرِيقَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ . فَكَانَ يَسْلُكُ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى ، مِنْ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا . حَتَّى رَاجَعَهَا . 1189 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ ، عَلَى مِنَ الْكِرَاءُ ؟ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : عَلَى زَوْجِهَا . قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ زَوْجِهَا ؟ قَالَ : فَعَلَيْهَا ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا ؟ قَالَ : فَعَلَى الْأَمِيرِ . 26813 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى ابْنَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ انْتِقَالَهَا مِنْ بَيْتِهَا حِينَ طَلَّقَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، فَهُوَ مَذْهَبُهُ ، وَمَذْهَبُ أَبِيهِ : عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ; لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ 26814 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيه زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ بَيْتِهَا . 26815 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَبْتُوتَةِ هَلْ عَلَيْهَا السُّكْنَى ؟ وَهَلْ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُسْكِنَهَا أَمْ لَا ؟ 26816 - وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا . 26817 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ ، وَسَائِرِ الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ يَقُولُونَ : لَا تَعْتَدُّ إِلَّا فِي بَيْتِهَا . 26818 - وَاخْتَلَفُوا فِي إِحْدَادِ الْمُطَلَّقَةِ ، وَسَنَذْكُرُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذَا فِي مَوْضِعِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26819 - وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي سُلُوكِهِ مِنْ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ; كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا حَتَّى رَاجَعَهَا ، فَهُوَ مِنْ وَرَعِهِ . 26820 - وَغَيْرُهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ أَنْ تَتَزَيَّنَ ، وَتَتَشَوَّفَ لِزَوْجِهَا ، وَتَتَعَرَّضَ لَهُ . 26821 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ . 26822 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : تَتَشَوَّفُ لَهُ . 26823 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَرَى شَعْرَهَا . 26824 - وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَكَانَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا . 26825 - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ . 26826 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا ، وَتَلْبَسُ مَا شَاءَ مِنَ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ ، فَلْيَجْعَلَا بَيْنَهُمَا سِتْرًا ، وَيُسَلِّمُ إِذَا دَخَلَ . 26827 - وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ قَالَا : تَتَشَوَّفُ لَهُ . 26828 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا يَكُونُ مَعَهَا فِي بَيْتِهَا ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ . 26829 - وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : يُشْعِرُهَا بِالتَّنَحْنُحِ ، وَالتَّنَخُّمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . 26830 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ : لَا يَخْلُو مَعَهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا إِلَّا وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِهَا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهَا إِذَا كَانَ مَعَهَا غَيْرُهُمَا وَلَا يَبِيتُ مَعَهَا فِي بَيْتٍ ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا . 26831 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلَا يَرَى شَعْرَهَا ، وَلَا يَأْكُلُ مَعَهَا . 26832 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ تَتَشَوَّفَ لَهُ ، وَتَتَزَيَّنَ ، وَتُسَلِّمَ ، وَلَا يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا ، وَلَا يُؤْذِنُهَا ، وَيُؤْذِنُهَا بِالتَّنَحْنُحِ ، وَلَا يَرَى لَهَا شِعْرًا ، ولَا مُحَرَّمًا . 26833 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ . 26834 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَتَتَشَوَّفُ لَهُ ، وَتَتَزَيَّنُ وَتُبْدِي الْبَنَانَ ، وَالْكُحْلَ . 26835 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَتَزَيَّنَ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ لِزَوْجِهَا ، وَتَتَطَيَّبَ . 26836 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مَرَّةً : يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذَنٍ إِلَّا أَنَّهُ يَتَنَحْنَحُ ، وَيَخْفِقُ نَعْلَيْهِ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَلَا يَرَى شَيْئًا مِنْ مَحَاسِنِهَا حَتَّى يُرَاجِعَهَا . 26837 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : فِي أَنَّهَا تَتَزَيَّنُ لَهُ ، وَتَتَطَيَّبُ ، وَتَلْبَسُ الْحُلِيَّ ، وَتَتَشَوَّفُ . 26838 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَعْتَزِلُهَا ، وَلَا يَرَى شَعْرَهَا ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، وَيَبِيتَانِ ، وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ، وَتَتَعَرَّضُ لَهُ ، وَتَتَزَيَّنُ . 26839 - وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا يَرَى شَيْئًا مِنْ مَحَاسِنِهَا حَتَّى يُرَاجِعَ . 26840 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا - يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا - مُحَرَّمَةٌ عَلَى مُطَلِّقِهَا تَحْرِيمَ الْمَبْتُوتَةِ حَتَّى يُرَاجِعَ ، قَالَ : وَلَا تَكُونُ رَجْعَةً إِلَّا بِالْكَلَامِ ، فَإِنْ جَامَعَهَا يَنْوِي الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَنْوِي ، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ ، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ . 26841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَيْهِ مَهْرَ الْمِثْلِ إِلَّا الشَّافِعِيَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ تَرِثُهُ وَيَرِثُهَا . فَكَيْفَ يَجِبُ مَهْرٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ حُكْمُهَا فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ ؟ ! لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي قَوْلِهِ فِرْيَةٌ ; لِأَنَّهَا عَلَيْهِ مُحَرَّمَةٌ إِلَّا بِرَجْعَتِهِ لَهَا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا . 26842 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : إِذَا وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ ، وَجَهِلَ أَنْ يُشْهِدَ ، فَهِيَ رَجْعَةٌ ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِرَجْعَةٍ . 26843 - وَقَالَ : يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَهُ الْوَطْءَ حَتَّى يُشْهِدَ . 26844 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ وَطِئَهَا ، أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ ، فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ . 26845 - وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ : يَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ . 26846 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا رَاجَعَ ، وَلَمْ يُشْهِدْ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ إِذَا أَقَرَّتْ . 26847 - وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ . 26748 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ الْقُبْلَةَ ، وَالنَّظَرَ إِلَى الْفَرَجِ لَا تَقَعُ بِهِ رَجْعَةٌ . 26849 - وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ . 26850 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : الْجِمَاعُ ، وَاللَّمْسُ بِعَدَدٍ ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْفَرْجِ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ . 26851 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَتَهُ بِالْخِيَارِ لَهُ ، ثُمَّ وَطِئَهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَدِ ارْتَجَعَهَا بِذَلِكَ إِلَى مِلْكِهِ . وَاخْتَارَ نَقْضَ الْبَيْعِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ، وَلِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ حُكْمٌ مِنْ ذَلِكَ . 26852 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُسَافِرُ بِهَا حَتَّى يُرَاجِعَهَا . 26853 - وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، إِلَّا زُفَرَ ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ . 26854 - وَرَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ : لَا يُسَافِرُ بِهَا حَتَّى يُرَاجِعَ . 26855 - وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : إِذَا طَلَّقَهَا فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ ، فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ، فَعَلَى الْأَمِيرِ ، فَالْمَعْنَى عِنْدِي فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْكِرَاءَ عَلَيْهِ وَالْإِسْكَانَ كَمَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِسْكَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26856 - وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ إِذَا أَدَّتِ الْكِرَاءَ أَنْ تَنْصَرِفَ بِهِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ شَيْءٌ فِي الْيُسْرِ لَزِمَ ذِمَّتَهُ فِي الْعُسْرِ . 26857 - وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا لَمْ يَجِدْ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ فَفَرَضَ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ ، كَمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَيْهَا وُجُوبُ غُرْمِ الْكِرَاءِ لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَزِمَهُ فِي حَالِ الْيَسَارِ . 26858 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَامِلِ الْمَبْتُوتَةِ : أَنَّ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا النَّفَقَةَ إِنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ . 26859 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَعَلَى الْأَمِيرِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ لِلْفُقَرَاءِ ، وَالْغَارِمِينَ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ فِي الصَّدَقَاتِ ، فَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْآيَةَ . 26860 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ تَرَكَ مَالَا ، فَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا أَوْ عِيَالًا ، فَعَلَيَّ .
1230 ( 22 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا إِذَا طُلِّقَتْ فِيهِ 1186 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَتَّةَ . فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ . فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ . فَقَالَتْ : اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا . فَقَالَ مَرْوَانُ - فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ - : إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي ، وَقَالَ مَرْوَانُ - فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ - : أَوَمَا بَلَغَكَ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ . 26796 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سُكْنَى الْمَبْتُوتَةِ ، وَنَفَقَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ لَهَا السُّكْنَى ، وَالنَّفَقَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّ لَهَا السُّكْنَى ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ . ( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّهَا لَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ، وهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَطَائِفَةٍ . 26797 - فَمِنْ هَنَا أَبَى مَرْوَانُ أَنْ يَرُدَّ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26798 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا تَنْتَقِلُ عَنْ دَارِهَا ، وَلَا تَبِيتُ إِلَّا فِي بَيْتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ . 26799 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ : أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ . 26800 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 26801 - وَسَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ ، وَالْآثَارَ الْمَرْفُوعَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26802 - وَأَمَّا قَوْلُ مَرْوَانَ لِعَائِشَةَ : إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ ، فَحَسْبُكُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ ، وَتَذْهَبُ إِلَى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ لَمْ يَبُحْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهَا الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ إِلَّا لِمَا كَانَتْ طُلِّقَتْ فِيهِ مِنَ الْبِذَاءِ بِلِسَانِهَا عَلَى قَرَابَةِ زَوْجِهَا السَّاكِنِينَ مَعَهَا فِي دَارٍ وَحْدَةٍ ; وَلِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَهُمْ فِي شَرٍّ لَا يُطَاقُ . 26803 - وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَتَأَوَّلُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أَنَّ الْفَاحِشَةَ هُنَا أَنْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِ الزَّوْجِ ، فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ : إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ أَيْ كُنْتِ تَذْهَبِينَ إِلَى أَنَّ الشَّرَّ النَّازِلَ بَيْنَ فَاطِمَةَ وَأَحْمَائِهَا هُوَ كَانَ السَّبَبَ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دَارِهَا ، فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَزَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ إِذَا طَلَّقَهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ بَعْضِ أَحْمَائِهَا أَيْضًا ، فَنَقُولُ : فَيَجُوزُ لَهَا مَا جَازَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مِنَ الِانْتِقَالِ مِنْ أَجْلِ الشَّرِّ الَّذِي نَزَلَ بَيْنَهُمَا . 26804 - ذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَيْنَ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ ؟ قَالَ : فِي بَيْتِهَا ، قُلْتُ : أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَتَنَتِ النَّاسَ ، اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا بِلِسَانِهَا ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَكَانَ مَكْفُوفَ الْبَصَرِ . 26805 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، فَانْتَقَلَهَا أَبُوهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا ، تَعْتَدُّ فِيهِ . فَقَالَ مَرْوَانُ : إِنَّ أَبَاهَا غَلَبَنِي عَلَى ذَلِكَ . قَالَ يَحْيَى : فَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ حِينَ بَعَثَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا : أَمَا بَلَغَكِ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : دَعْ عَنْكَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ مَرْوَانُ : أَبِكِ الشَّرُّ ، فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنَ مِنَ الشَّرِّ . 26806 - قَالَ مَالِكٌ : لَا تَنْتَقِلُ الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ ، وَلَا الرَّجْعِيَّةُ ، وَلَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَيَخْرُجْنَ بِالنَّهَارِ ، وَلَا يَبِتْنَ إِلَّا فِي بُيُوتِهِنَّ . 26807 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 26808 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَنْتَقِلُ الْمَبْتُوتَةُ ، وَلَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا عَنْ بَيْتِهَا الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ ، وَتَخْرُجُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالنَّهَارِ وَلَا تَبِيتُ ، وَلَا تَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . 26809 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لِلْمُطَلَّقَةِ السُّكْنَى فِي مَنْزِلِ زَوْجِهَا حَيْثُ كَانَتْ مَعَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ بِكِرَاءٍ ، فَهُوَ عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ لَهَا . 26810 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَرْدِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : لَا يَحْلُّ لِامْرَأَةٍ مُطَلَّقَةٍ أَنْ تَبِيتَ عَنْ بَيْتِهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا . 26811 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ بَقِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِامْرَأَتِهِ : اذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ ، وَيُطَلِّقُهَا فِي أَهْلِهَا ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ . 26812 - وَنَهَى عَبْدُ الْحَكَمِ - يَعْنِي بِذَلِكَ : الْعِدَّةَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا .
1228 1184 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ . وَإِنْ تَبَاعَدَتْ . 26753 - هَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، وَلَمْ تَكُنْ مُرْتَابَةً ، وَلَا مُسْتَحَاضَةً . 26754 - فَإِنْ كَانَتْ مُرْتَابَةً ، أَوْ مُسْتَحَاضَةً ، فَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ جَامِعِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
1183 - أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ . 26752 - بَعْدَ ذِكْرِهِ فِي بَابِ طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا ، وَذَكَرَ أَيْضًا هُنَاكَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا هُنَالِكَ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
1220 21 بَابُ مَا جَاءَ فِي الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ وَطَلَاقِ الْحَائِضِ 1176 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ . وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . 26601 - هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ بِهِ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ . 26602 - كَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَيُّوبُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 26603 - وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَدٌ عَنْ نَافِعٍ . 26604 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ فِيهِ ، كَمَا قَالَ نَافِعٌ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ . 26605 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلْقَمَةُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ فِيهِ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ . 26606 - وَكَذَلِكَ رَوَى عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ . 26607 - وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُرْهُ ، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ لَمْ يَقُولُوا : ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ . 26608 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 26609 - وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ الْحَامِلِ ، فَقَالَ فِيهِ : إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، أَوْ حَامِلًا . 26610 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 26611 - وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ طَلَاقَ الْحَامِلِ إِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا طَلَاقُ سُنَّةٍ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، وَأَنَّ الْحَمْلَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلطَّلَاقِ . 26612 - قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : حَمْلُهَا كُلُّهُ وَقْتٌ لِطَلَاقِهَا . 26613 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ . 26614 - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مُرْهُ ، فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا ، أَوْ حَامِلًا . 26615 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ نَافِعٌ : فُقَهَاءُ الْحِجَازِيِّينَ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فَقَالُوا فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا : إِنَّهُ يُرَاجِعُهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ . 26616 - وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَى مَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالُوا : يُرَاجِعُهَا ، فَإِنْ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إِنْ شَاءَ . 26617 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ - صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ - فَقَالُوا : إِنَّمَا أُمِرَ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ بِالْمُرَاجَعَةِ ; لِأَنَّ طَلَاقَهُ ذَلِكَ أَخْطَأَ فِيهِ السُّنَّةَ ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِيُخْرِجَهَا مِنْ أَسْبَابِ الطَّلَاقِ الْخَطَأِ ، ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا إِنْ شَاءَ طَلَاقًا صَوَابًا . 26618 - وَلَمْ يَرَوْا لِلْحَيْضَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنًى ، وَصَارُوا إِلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 26619 - وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِمَا رَوَاهُ نَافِعٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي أَنَّهَا تَطْهُرُ ، ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ : مِنْهُمْ : أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ ، فَقَالُوا : الطُّهْرُ الثَّانِي وَالْحَيْضَةُ الثَّانِيَةُ وُجُوهٌ وَمَعَانٍ حِسَانٌ مِنْهَا : 26620 - أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ لِئَلَّا تَطُولَ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ أُمِرَ بِمُرَاجَعَتِهَا ، لِيُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى سُنَّتِهِ ، وَلَا يُطَوِّلَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَلَوْ أُتِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى ، فَأَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَنْ يَقْطَعَ صَلَاةَ الْحَائِضِ بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ لَمْ تَتَهَيَّأْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا . 26621 - وَفِيهِ : أَنَّهُ قَدْ نُهِيَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ حَتَّى تَحِيضَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ تَطْهُرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّتَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ تَبْنِ . 26622 - وَقِيلَ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي : جُعِلَ لِلْإِصْلَاحِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَجِعِ ، أَنْ لَا يَرْجِعَ رَجْعَةَ ضِرَارٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا 26623 - قَالُوا : فَالطُّهْرُ الْأَوَّلُ فِيهِ الْإِصْلَاحُ بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ إِنْ أَرَادَ طَلَاقَهَا . 26624 - وَقِيلَ : إِنَّ مُرَاجَعَتَهُ لَهَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهَا إِلَّا بِالْوَطْءِ ; لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِي مِنَ النِّكَاحِ وَالْمُرَاجَعَةِ فِي الْأَغْلَبِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ مَوْضِعًا لِلْوَطْءِ الَّذِي تَسْتَعِينُ بِهِ الْمُرَاجَعَةُ ، فَإِذَا مَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سُبُلٌ إِلَى طَلَاقِهَا فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّهَا فِيهِ ; لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ; وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ كَانَ مُطَلِّقًا لِغَيْرِ الْعِدَّةِ ، فَقِيلَ لَهُ : دَعْهَا ، حَتَّى تَحِيضَ أُخْرَى ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ تُطَلِّقَ ، وَإِنْ شِئْتَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ . 26625 - وَقَدْ جَاءَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ مَنْصُوصًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . 26626 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ فِي دَمِهَا حَائِضٌ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ آخِرًا ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا . 26627 - وَقِيلَ : إِنَّهُ لَوْ أُتِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أَمِنَ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِيُطَلِّقَهَا ، فَاشْتَبَهَ النِّكَاحَ إِلَى أَجَلٍ ، وَنِكَاحَ الْمُتْعَةِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَطَأَ . 26628 - وَقِيلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ مُرَادُ مَعْنَى تَوْجِيهَاتِهِمْ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 26629 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ أَوْقَعَهُ ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهُ لَمْ يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، تَغَيُّظُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ عُمَرَ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ . 26630 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26631 - وَاخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُطْلِّقَ فِي الْحَيْضِ بِالرَّجْعَةِ : 26332 - فَقَالَ قَوْمٌ : عُوقِبَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَعَدَّى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَمْ يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ ، فَعُوقِبَ بِإِمْسَاكِ مَنْ لَمْ يُرِدْ إِمْسَاكَهُ حَتَّى يُطَلِّقَ كَمَا أُمِرَ لِلْعِدَّةِ . 26632 م - وقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ قَطْعًا لِلضَّرَرِ فِي التَّطْوِيلِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ، فَقَدْ طَلَّقَهَا فِي وَقْتٍ لَا تَعْتَدُّ بِهِ مِنْ قُرْئِهَا الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ ; فَتَطُولُ عِدَّتُهَا ; فَنَهَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْهَا ، وَأَمَرَ أَلَّا يُطَلِّقَهَا إِلَّا عِنْدَ اسْتِقْبَالِ عِدَّتِهَا . 26633 - وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْرَأُ : فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . 26634 - وَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِمُرَاجَعَةِ امْرَأَتِهِ الَّتِي طَلَّقَهَا حَائِضًا دَلِيلٌ يُبَيِّنُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ وَاقِعٌ لَازِمٌ ; لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الطَّلَاقِ ، وَلُزُومِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ وَاقِعًا لَازِمًا مَا قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ لَا يُقَالُ لَهُ رَاجِعْ ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ امْرَأَتُهُ فِي عِصْمَتِهِ لَمْ يُفَارِقْهَا : رَاجِعْهَا ، بَلْ كَانَ يُقَالُ لَهُ : طَلَاقُكَ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، وَامْرَأَتُكَ بَعْدَهُ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ ، وَنَحْوُ هَذَا . 26635 - أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ يَعْنِي : فِي الْعِدَّةِ . وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ فِي الزَّوْجَاتِ غَيْرِ الْمُطَلَّقَاتِ . 26636 - وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فِي الْحَيْضِ مَكْرُوهًا ، بِدْعَةً ، غَيْرَ سُنَّةٍ . 26637 - وَلَا يُخَالِفُ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، وَالْجَهْلِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الطَّلَاقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ غَيْرَ وَاقِعٍ ، وَلَا لَازِمٍ . 26638 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ . 26639 - وَهَذَا شُذُوذٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِمَا رُوِيَ ; وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ الَّذِي عُرِضَتْ لَهُ الْقَضِيَّةُ احْتَسَبَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ وَأَفْتَى بِذَلِكَ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِقِصَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ . 26640 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي - وَهِيَ حَائِضٌ - فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ إِذَا طَهُرَتْ . فَقَالَ لَهُ أُنْسٌ : أَفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ ; قَالَ : نَعَمْ . 26641 - وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَسِّرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ سَالْمُ بْنُ جُنَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : مَا فَعَلَ تِلْكَ التَّطْلِيقَةُ ؟ فَقَالَ : اعْتَدَّ بِهَا . 26642 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ : قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى نَافِعٍ لِيَسْأَلَهُ : هَلْ حَبَسَ التَّطْلِيقَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . 26643 - وَرَوَى أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَسَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي غَلَّابٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : فَسَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ : قُلْتُ لِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَةً وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ الْخَبَرَ ، وَفِيهِ : فَقُلْتُ : فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ ، فَقَالَ : فَمَهْ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ ، فَاسْتَحْمَقَ . 26644 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ مَنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ ، وَاسْتَحْمَقَ ، أَيْ : وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ بُدٌّ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ تَعَاجَزَ عَنْ فَرْضٍ آخَرَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يُقِمْهُ أَوِ اسْتَحْمَقَ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ ، أَكَانَ يُعْذَرُ فِيهِ ؟ وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ شَذَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا . 26645 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي الْحَيْضِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 26646 - وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ غَيْرَ جَائِزٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ، ثَلَاثًا كَانَتْ أَوْ وَاحِدَةً . 26647 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَخَلَفُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . 26648 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ : إِذَا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ ، وَهِيَ حَائِضٌ مَرَّةً ، أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَذَا ، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ، وَعَصَيْتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ . 26649 - وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - كَالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَغَيْرِهِمَا ، فَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ زَوَالُ عِصْمَةٍ فِيهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَكَيْفَمَا أَوْقَعَهُ عَلَى سُنَّتِهِ ، أَوْ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِهِ وَقَعَ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِهِ أَثِمَ ، وَلَزِمَهُ مَا أَوْقَعَ مِنْهُ . 26650 - وَمُحَالٌ أَنْ يَلْزَمَ الْمُطِيعَ الْمُتَّبِعَ لِلسُّنَّةِ طَلَاقُهُ ، ولَا يَلْزَمُ الْعَاصِيَ الْمُخَالِفَ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْمُطِيعَ لَمْ يَكُنِ الْعَاصِي لَكَانَ الْعَاصِي أَحْسَنَ حَالًا ، وَأَحَقَّ مِنَ الْمُطِيعِ . 26651 - وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَازِمٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يَقُولُ : عَصَى رَبَّهُ ، وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ . 26652 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ حَائِضًا ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا إِنْ أَبَى ذَلِكَ ؟ 26653 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا إِذَا طَلَّقَهَا ، وَفِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي دَمِ النِّفَاسِ ، حَمَلُوا الْأَمْرَ ، وَذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَقَاسُوا النِّفَاسَ عَلَى الْحَيْضِ . 26654 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : يُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ . 26655 - وَقَالَ دَاوُدُ : كُلُّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا وَاحِدَةً ، أَوِ اثْنَتَيْنِ أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا ، وَإِنْ طَلَّقَهَا نُفَسَاءَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا . 26656 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إِذَا انْقَضَتْ عَدَّتُهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمُرَاجَعَتِهَا نَدْبٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26657 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : يُجْبَرُ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا ، وَفِي الطُّهْرِ بَعْدَهَا ، وَفِي الْحَيْضَةِ بَعْدَ الطُّهْرِ ، وَفِي الطُّهْرِ بَعْدَهَا ، مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، إِلَّا أَشْهَبَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْحَيْضَةِ الْأُولَى مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْهَا ، فَإِذَا صَارَتْ فِي حَالٍ يَجُوزُ لَهُ طَلَاقُهَا فِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا . 26658 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ يَمَسُّهَا فِيهِ ، فَإِذَا حَاضَتْ بَعْدَهُ ، ثُمَّ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إِنْ شَاءَ . 26659 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ وَيُؤْمَرُ إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا . 26660 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ : الْأَطْهَارُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي طُهْرٍ تَعْتَدُّ بِهِ ، وَمَوْضِعٌ يَحْتَسِبُ بِهِ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَيَسْتَقْبِلُهَا مِنْ حِينِئِذٍ . 26661 - وَكَانَ هَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ . 26662 - وَقَدْ قُرِئَتْ : لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ، أَيْ لِاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ . 26663 - وَنَهَى عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقْبِلُ الْعِدَّةَ فِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ ، لَا يُجْزِئُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنَ الثَّلَاثِ حِيَضٍ عِنْدَهُ حَتَّى تَسْتَقْبِلَ حَيْضَةً بَعْدَ طُهْرٍ . 26664 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالْمُرَاجَعَةِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرَارِهِ . 26665 - وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ، وَالْخَلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْأَقْرَاءِ الَّتِي عَنَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 26666 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ : الْأَطْهَارُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْحِيَضُ . 26667 - وَقَالَ آخَرُونَ ، وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مَعْنَاهُ : الْأَطْهَارُ ، وَالطُّهْرُ : مَا بَيْنَ الْحَيْضَةِ وَالْحَيْضَةِ . 26668 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعِلْمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْقُرْءَ يَكُونُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ حَيْضَةً ، وَيَكُونُ طُهْرًا . 26669 - وَلَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . 26670 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ : الطُّهْرُ . 26671 - وَيَدُلُّ مِنَ السُّنَّةِ أَيْضًا أَنَّهُ الْحَيْضُ ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ : اتْرُكِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَتْرُكُهَا إِلَّا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا . 26672 - وَقَدْ أَوْرَدْنَا مِنْ شَوَاهِدِ أَشْعَارِ الْعَرَبِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا مَا فِيهِ بَيَانٌ وَكِفَايَةٌ فِي التَّمْهِيدِ . 26673 - وَذَكَرْنَا - أَيْضًا - قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْءَ الْوَقْتُ ، وَشَاهِدَهُ مِنَ الشِّعْرِ أَيْضًا . 26674 - وَاجْتَلَبْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُنَاكَ فِي الْأَقْرَاءِ ، وَمَا لَوَّحْنَا بِهِ هَاهُنَا كَافٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 26675 - فَمِنْ شَاهِدِ الشِّعْرِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ قَوْلُ الْأَعْشَى : وَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةٍ مَالًا وَفِي الْحَمْدِ رِفْعَةٌ لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا 26676 - يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْ نِسَاءَهُ فِي أَقْرَائِهِنَّ ، يَعْنِي أَطْهَارِهِنَّ . 26677 - وَمِنْ شَاهِدِ هَذَا الشِّعْرِ فِي أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضُ ، قَوْلُ الْآخَرِ : يَا رُبَّ ذِي ظَعْنٍ عَلَى فَارِضٍ لَهُ قُرْءٌ كَقُرْءِ الْحَائِضِ 26678 - وَقَدْ رُوِيَ : يَا رُبَّ ذِي ضَبِّ . 26679 - وَالضَّبُّ الْعَدَاوَةُ ، وَالظَّعْنُ مِثْلُهُ . 26680 - يَقُولُ : إِنَّ عَدَاوَتَهُ تَهِيجُ حِينًا بَعْدَ حِينٍ . كَمَا يَهِيجُ الْحَيْضُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ . 26681 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْءَ وَقْتُ الْحَيْضِ ، وَوَقْتُ الطُّهْرِ ، اسْتَشْهَدَ بَقَوْلِ الْهُذَلِيِّ : كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ 26682 - يَعْنِي لِوَقْتِهَا . 26683 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ حَسَّانَ النَّحْوِيُّ : قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ يَقُولُ : الْعَرَبُ تُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا . وَتُسَمِّي الْحَيْضَ قُرْءًا ، وَتُسَمِّي الْحَيْضَ مَعَ الطُّهْرِ جَمِيعًا قُرْءًا . 26684 - وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَصْلُ الْقُرْءِ الْوَقْتُ ، يُقَالُ : أَقَرَأَتِ النُّجُومُ إِذَا طَلَعَتْ لِوَقْتِهَا . 26685 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْءَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ الْقُرْءَ مَهْمُوزٌ ، وَهَذَا غَيْرُ مَهْمُوزٍ . 26686 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْأَقْرَاءِ ، فَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ :
1221 1177 - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ; أَنَّهَا انْتَقَلَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . فَقَالَتْ : صَدَقَ عُرْوَةُ . وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ نَاسٌ ، فَقَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : صَدَقْتُمْ ، تَدْرُونَ مَا الْأَقْرَاءُ ؟ إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ . 1178 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا . يُرِيدُ قَوْلَ عَائِشَةَ . 1179 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّ الْأَحْوَصَ هَلَكَ بِالشَّامِ ، حِينَ دَخَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا . فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدٌ : إِنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ، وَبَرِئَ مِنْهَا ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا . 26687 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ الْأَحْوَصَ - رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَمَاتَ وَهِيَ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فَسَأَلَ عَنْهَا فُضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ، وَمَنْ هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ فِيهَا عِلْمٌ ، فَبَعَثَ فِيهَا رَاكِبًا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : لَا تَرِثُهُ ، وَلَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْبَابِ :
1229 1185 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ; أَنَّ امْرَأَتُهُ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ . فَقَالَ لَهَا : إِذَا حِضْتِ فَآذِنِينِي . فَلَمَّا حَاضَتْ آذَنَتْهُ . فَقَالَ : إِذَا طَهُرْتِ فَآذِنِينِي . فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ . فَطَلَّقَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 26755 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا هُوَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ طَلَاقَ السُّنَّةِ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً . 26756 - قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ - لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ - تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً . 26757 - وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ : طَلَاقُ السُّنَّةِ . 26758 - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ . 26759 - وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي وُجُوهِ طَلَاقِ السُّنَّةِ جَامَعَهُمْ فِي ذَلِكَ . 26760 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : طَلَاقُ السُّنَّةِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لِلْعِدَّةِ هُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا لَمْ يَمَسَّهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، وَلَا حَائِضًا ، وَلَا نُفَسَاءَ ، وَسَوَاءٌ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، أَوِ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ . 26761 - قَالَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ ، وَهِيَ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا مَعًا لِلسُّنَّةِ . 26762 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَتْ مُجَامَعَةً ، أَوْ حَائِضًا ، أَوْ نُفَسَاءَ ، وَقَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ - وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنَ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ ، وَحِينَ تَطْهُرُ مِنَ الْمُجَامَعَةِ مِنْ أَوَّلِ الْحَيْضِ بَعْدَ قَوْلِهِ . 26763 - وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ ، وَأَنَّ مَنْ لَهُ أَنْ يُوقِعَ وَاحِدَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ ثَلَاثًا . 26764 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهِ ، وَلَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 26765 - وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : طَّلَاقُ السُّنَّةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَلَمْ يَقُلْ : وَاحِدَةً ، ولا أَكْثَرَ . 26766 - وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ فِيهِ : أَوْ يُرَاجِعُهَا إِنْ شَاءَ . 26767 - فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ طَلَاقٌ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ . 26768 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : وَمَنْ طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ . 26769 - وَالثَّوْرِيُّ عِنْدَهُمْ أَحْفَظُ مِنْ شُعْبَةَ ، وَقَدْ قَالَ : الطَّلَاقُ لِلسُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ . 26770 - وَلَمْ يَشْتَرِطْ وَاحِدَةً ، وَلَا أَكْثَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمُ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ . 26771 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : أَحْسَنُ الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْجِمَاعِ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . 26772 - وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا طَلَّقَهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً قَبْلَ الْجِمَاعِ . وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 26773 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كِلَا هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ - طَلَاقُ سُنَّةٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ عِنْدَهُمْ . 26774 - وَقَالَ أَشْهَبُ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ، قَالَ : مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ إِذَا حَاضَتْ ، وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ، ثُمَّ إِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا ثَالِثَةً ، فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ . 26775 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ ، وَالطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُعْتَدُّ مِنْهَا إِلَّا بِقُرْأَيْنِ ، وَالطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ لَا يُعْتَدُّ مِنْهَا إِلَّا بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ؟ 26776 - وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ فِي الْعِدَّةِ . 26777 - وَمَنْ طَلَّقَ لِلسُّنَّةِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ - شَهِدَ لَهُ الْجَمِيعُ ; لِأَنَّهُ طَلَّقَ لِلسُّنَّةِ . 26778 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَلَّا يَزِيدُوا فِي الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً . 26779 - وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لِأَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً ، وَيَتْرُكَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ . 26780 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً ، وَيَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . 26781 - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . 26782 - قَالَ : وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ كَانَ أَيْضًا مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ . وَإِنْ كَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ . 26783 - وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 26784 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . 26785 - وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ سُنَّةٌ ، وَلَا بِدْعَةٌ . 26786 - وَإِنَّمَا السُّنَّةُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ وَمَوْضِعِهِ ، فَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ مَا شَاءَ مِنَ الطَّلَاقِ ، فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ . 26787 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً ، وَهِيَ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ . 26788 - فَإِذَا حَاضَتْ ، وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ . 26789 - قَالَ الْأَعْمَشُ : وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . 26790 - رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ عَنْ عَلِيٍّ . 26791 - وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ ، مِنْهُمْ : شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، فَرَوَوْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا ، أَوْ يُرَاجِعَهَا إِنْ شَاءَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الطَّلَاقَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ . 26792 - وَهَؤُلَاءِ مُقَدَّمُونَ فِي حِفْظِ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُمْ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَرِوَايَتِهِ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ . 26793 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ مَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْأُمَّةِ ، قَالَ : مَا طَلَّقَ أَحَدٌ طَلَاقَ السُّنَّةِ فَنَدِمَ . 26794 - قِيلَ لَهُ : وَمَا طَلَاقُ السُّنَّةِ ؟ مَا هُوَ ؟ 26795 - قَالَ : أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا ، وَلَمْ يُجَامِعْهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا حِينَ تَطْهُرُ ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا رَاجَعَهَا ، وَإِلَّا شَاءَ خَلَّى سَبِيلَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَوْ يُطَلِّقَهَا حَامِلًا ، قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا .
1226 1180 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا دَخَلَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا . 1181 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1182 - مَالِكٌ ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، مَوْلَى الْمَهْرِيِّ ; أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا طُلِّقَتِ الْمَرْأَةُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ ، مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ . 26688 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي لِلْأَزْوَاجِ . 26689 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ; لِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، فَهِيَ تَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا ، سَوَاءً طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِهِ ، أَوْ فِي آخِرِهِ ; لِأَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ ذَلِكَ الطُّهْرِ ، وَدُخُولَهَا فِي دَمِ الْحَيْضِ بَعْدَهُ قُرْءٌ ، ثُمَّ إِذَا طَهُرَتْ مِنْهُ ، وَدَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ قُرْءًا ثَابِتًا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ، وَانْقَضَى طُهْرُهَا ، وَدَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ كَمُلَ لَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَبَانَتْ مَنْ زَوْجِهَا ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ . 26690 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ . 26691 - وَتَقَدَّمَهُمْ إِلَى الْقَوْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةُ . 26692 - إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدٍ أَنَّهُمَا قَالَا : عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ . 26693 - وَزَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ قَوْلَهُمَا مُخَالِفٌ لِمَا رُوِيَ عَنْهُمَا ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَذَلِكَ . 26694 - وَمِنَ التَّابِعِينَ : الْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ . 26695 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ، يَقُولُ غَيْرَ هَذَا إِلَّا ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : تَلْغِي الطُّهْرَ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 26696 - وَاخْتَلَفَ فِي الْآخَرِ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ مَرَّةً : وَالْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ ، قَالَ : الْأَطْهَارُ ، وَقَالَ : الْأَسَانِيدُ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ أَصَحُّ . 26697 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، فِي أَنَّهَا الْحِيَضُ . 26698 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ فِيهَا . 26699 - وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ . 26700 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ . 26701 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ . 26702 - وَرَوَى وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ أَحَدَ عَشَرَ ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالُوا : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَةً تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . 26703 - وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ خَالِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، فَقَالَ فِيهِ : أَحَدَ عَشَرَ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَمُعَاذٌ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ . 26704 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : مَكْحُولٌ ، وَرَبِيعَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ ، وَجَمْعٌ . 26705 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ . 26706 - وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ - مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ - فِي وَقْتِ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْحَيْضِ : 26707 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إِذَا كَانَ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشْرِ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، أَوْ يَذْهَبَ وَقْتُ صَلَاةٍ . 26708 - وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ . 26709 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْمُسْلِمَةِ . 26710 - قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ جَعَلَ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضَ ، غَيْرَ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 26711 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَزُفَرُ : هُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ ، مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . 26712 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ . 26713 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 26714 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ . وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ عَنْهُمَا . 26715 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَعُبَادَةَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ . 26716 - وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 16713 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَانَتْ ، وَبَطَلَتِ الرَّجْعَةُ ، وَلَمْ يُعْتَبَرِ الْغُسْلُ . 26718 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . 26719 - وَرُوِيَ عَنْ شَرِيكٍ قَوْلٌ شَاذٌّ : أَنَّهَا لَوْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عَشْرَ سِنِينَ ، لَكَانَ زَوْجُهَا أَحَقَّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ . 26720 - وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا طَعَنَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، بَانَتْ ، وَانْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ لِلزَّوْجِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْ حَيْضَتِهَا . 26721 - وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 26722 - وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ، وَبُلُوغُ الْأَجَلِ هُنَا انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِدُخُولِهَا فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهَا فِيمَا فَعَلَتْ مِنْ ذَلِكَ . 26723 - وَالْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَلَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَنَّ ثَوْرَ بْنَ زَيْدٍ الدِّيلِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا حَاضَتِ الْمُطَلَّقَةُ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَطْهُرَ . 26724 - وَهَذَا - لَوْ صَحَّ - احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ . 26725 - وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَا : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ ; لِأَنَّهُمَا رويَا عَنْهُمَا : عِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ ، وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدُهَا حَيْضَةٌ . 26726 - وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 26727 - وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ . 26728 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُمَا الَّذِي قَدَّمْنَا صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ عَنْهُمَا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إِذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ، وَبَرِئَ مِنْهَا ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا . 26729 - وَقَوْلُهُمَا هَذَا فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ تَقْرِيبٌ عَلَى السَّائِلِ فِي الْعِبَارَةِ ; لِأَنَّ الطُّهْرَ لَا يُعْرَفُ بِتَقَدُّمِ الْحَيْضِ قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26730 - وَاحْتَجُّوا فِي أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ ; لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَهُمْ يَقُولُ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْضَةٌ ، لَا بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ بِهَا . 26731 - وَاحْتَجُّوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً ، وَالْمُطَلَّقَةُ فِي طُهْرٍ قَدْ مَضَى لَمْ تَأْتِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِدُخُولِهَا فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . 26732 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ . 26733 وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ : وَصَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ ، وَبِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا . 26734 - وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي أُمِّ الْوَلَدِ بِأَنَّهَا لَا تُنْكَحُ عِنْدَنَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضَةُ . 26735 - فَقَدْ أَجَازَ إِسْمَاعِيلُ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأُمِّ الْوَلَدِ أَنْ تَتَزَوَّجَ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ ; لِأَنَّ ظُهُورَ الدَّمِ بَرَاءَةٌ لِلرَّحِمِ فِي الْأَغْلَبِ . 26736 - وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَمَنْ طَلَّقَ فَقَدْ مَضَى مِنَ الطُّهْرِ بَعْضُهُ ، فَلَمْ يَكْمُلْ لَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ بِدُخُولِهَا فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، بَلْ هِيَ قُرْآنِ ، وَبَعْضُ الثَّالِثِ . 26737 - فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُبْتَغَى مِنَ الْأَقْرَاءِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الدَّمِ ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ هُوَ الْمُبْتَغَى ، وَهُوَ الْمُرَاعَى ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ كَامِلَةٍ لِدُخُولِهَا مِنَ الدَّمِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . 26738 - وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ : دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ . فَإِنَّهُ أَرَادَ الْقُرْءَ الَّذِي هُوَ الْحَيْضُ ، وَتَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يُرِدِ الْقُرْءَ الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ وَهُوَ الطُّهْرُ ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَكَرِّرِ . 26739 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ الْحَيْضَ يُسَمَّى قُرْءًا ، كَمَا أَنَّ الطُّهْرَ يُسَمَّى قُرْءًا ، إِلَّا أَنَّ الْقُرْءَ الَّذِي هُوَ الدَّمُ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ بَلِ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْأَطْهَارُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، وَلَا حَيْضٍ ، فَتَبْتَدِئُ عِدَّتُهَا مِنْ سَاعَةِ طَلَاقِهِ لَهَا . 26740 - وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) أَيْ لِاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ . 26741 - وَأَجْمَعُوا فِي كُلِّ امْرَأَةٍ عَلِمَتْ بِطَلَاقِ زَوْجِهَا لَهَا فِي حِينِ طَلَّقَهَا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَبْتَدِئَ عِدَّتُهَا مِنْ سَاعَةِ وُقُوعِ طَلَاقِهَا . 26742 - وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ لِتَعْتَدَّ مِنْ سَاعَتِهَا . 26743 - وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ ، يَقُولُ : إِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي طُلِّقَتْ فِيهَا ، وَلَا تَعْتَدُّ إِلَّا بِحَيْضَةٍ تَسْتَأْنِفُهَا بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّهَا قَبْلَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ فِي غَيْرِ عِدَّةٍ . 26744 - وَحَسْبُكَ بِهَذَا خِلَافًا مِنَ الْقَوْلِ ، وَخِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . 26745 - هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 26746 - وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . 26747 - وَلِلْكُوفِيِّينَ حُجَجٌ وَمُعَارِضَاتٌ ذَكَرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ ، مِنْهَا : 26748 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ فَجَعَلَ الْأَشْهُرَ لِمَنْ يَئِسَن مِنَ الْمَحِيضِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعِدَّةُ حَتَّى يَئِسْنَ مِنْهُ ، فَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ . 26749 - وَقَالُوا : وَالطُّهْرُ جَائِزٌ أَنْ تُطَلَّقَ فِيهِ إِلَى آخِرِهِ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهَا قُرْآنِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 26750 - وَإِذَا ذَكَرَ عِدَّةَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ لَمْ يَجُزْ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَدَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَصِيَامُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ، أَوْ بِأَشْيَاءَ فِيهَا تَشْعِيبٌ لَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 26751 - وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مالك فِي هَذَا الْبَابِ .
26564 - وَفِي هَذَا الْبَابِ قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ثُمَّ يُرَاجِعُهَا فَلَا يَبْلُغُهَا رَجَعَتُهُ وَقَدْ بَلَغَهَا طَلَاقُهُ إِيَّاهَا فَتَزَوَّجَتْ - أنَّهُ إِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الْآخَرُ أَوْ لَمَ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا إِلَيْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذَا وَفِي الْمَفْقُودِ . 26565 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَلَاغُ مَالِكٍ هَذَا عَلَى آحَادِ قَوْلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَعْنَى قَوْلِهِ الثَّانِي فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ عُمَرَ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَوْلُهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ الِاخْتِلَافَ عَنْ عُمَرَ ، وَقَوْلُهُ هَذَا فِي مُوَطَّئِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ . 26566 - وَقَدْ شَهِدَ يَحْيَى مَوْتَهُ ، وَهُوَ مِنْ آخِرِ أَصْحَابِهِ عَرْضًا لِلْمُوَطَّأ عَلَيْهِ . 26567 - وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ فَقَالَ : الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ الثَّانِي . 26568 - وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ . 26569 - وَقَالَ الْمَدَنِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمَا فِي الْمُوَطَّأ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَجِعِ وَمَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهُ إِذَا عَقَدَ الثَّانِي فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ إِلَيْهَا ، دَخَلَ الثَّانِي بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ . 26570 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ . 26571 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سُئِلَ عُمَرُ عَنْ رَجُلٍ غَابَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَبَلَغَهَا أَنَّهُ مَاتَ ، ثُمَّ جَاءَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ ، فَقَالَ عُمَرُ : يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَامْرَأَتِهِ ، فَإِنِ اخْتَارَ الصَّدَاقَ تَرَكَهَا مَعَ الْآخَرِ ، وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ امْرَأَتَهُ . 26572 - قَالَ : وَقَالَ عَلِيٌّ : لَهَا الصَّدَاقُ مِنَ الْآخَرِ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، ثُمَّ تَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَاضٍ ثُمَّ تُرَدُّ عَلَى الْأَوَّلِ . 26573 - وَأَمَّا بَلَاغُ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ فِي الَّذِي طَلَّقَ فَأَعْلَنهَا فَارْتَجَعَ ، وَلَمْ يُعْلِمْهَا حَتَّى رَجَعَتْ نَكَحَتْ - فَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ عَنْ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ . 26574 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمَعْمَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا كَنَفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مُسَافِرًا ، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجَعَتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَلَا أَعْلَمُ لَهَا بِذَلِكَ حَتَّى تَزَوَّجَتْ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ امْرَأَتُكَ إِنْ أَدْرَكْتَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا . 26575 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادٍ وَمَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : طَلَّقَ أَبُو كَنَفٍ - رَجُلٌ مِنْ نَجْدٍ - امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ ، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى الرَّجْعَةِ فَلَمْ يُبَلِّغْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ، فَجَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ لَهُ : إِلَى أَمِيرِ مِصْرَ ، إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا الْآخَرُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ امْرَأَةُ الْأَوَّلِ . 26576 - وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هِيَ لِلْأَوَّلِ ، دَخَلَ بِهَا الْآخَرُ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . 26577 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَكَمِ أَنَّ أَبَا كَنَفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُعْلِمْهَا وَأَشْهَدَ عَلَى عِدَّتِهَا فَلَمْ يُعْلِمْهَا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا أَدْرَكْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا . 26578 - هَكَذَا قَالَ أَنْ تَتَزَوَّجَ ، الْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ . 26579 - وَأَمَّا قَوْلُهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُعْلِمْهَا فَخَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26580 - وَإِنَّمَا هُوَ طَلَّقَ وَأَعْلَمَهَا ، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَلَمْ يُعْلِمْهَا . 26581 - وَكِيعٌ ، عَنْ شُهْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، أَعْلَمَهَا أَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا . 26582 - وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثْنَاهُ عَبْدَةُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلِيٍّ كَانَ يَقُولُ : هُوَ أَحَقُّ بِهَا ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . 26583 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ . 26584 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَطَائِفَةٌ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 26585 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا فَيَكْتُمُهَا رَجْعَتَهَا ثُمَّ تَحِلُّ فَتَنْكِحُ زَوْجًا غَيْرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ أَمْرِهَا شَيْءٌ ، وَلَكِنَّهَا مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ . 26586 - وَهَذَا الْخَبَرُ إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ مَضَتِ السُّنَّةُ ، لَا أَذْكُرُ فِيهَا سَعِيدًا . 26587 - وَيَرْوِيهِ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ ، لَا ذِكْرَ فِيهِ لِلسُّنَّةِ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ ذِكْرُ السُّنَّةِ . 26588 - وَهُوَ عَنْ عُمَرَ مَعَ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . 26589 - وَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ . 26590 - وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ غَرَّرَ الشُّهُودَ الَّذِينَ شَهِدُوا فِي الرَّجْعَةِ وَاسْتَكْتَمُوا وَاتَّهَمَهُمْ فَجَلَدَهُمْ ، وَأَجَازَ الطَّلَاقَ ، ولَمْ يَرُدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ . 26591 - وَهِيَ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ ، وَلَوْ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ فِي الرَّجْعَةِ مَا جَلَدَهُمْ ، وَلَا يَصِحُّ جَلْدُ الشُّهُودِ عَنْهُ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ . وَالْمَعْرُوفُ عَنْ عَلِيٍّ مَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ عَنْهُ . 26592 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَرَاسِيلَ إِبْرَاهِيمَ صِحَاحٌ . 26593 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَفُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 26594 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ - كُلُّهُمْ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ : الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا ، دَخَلَ الثَّانِي أَمْ لَا . 26595 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِهَا ، لَوْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ كَانَتِ امْرَأَتَهُ لِرَجْعَتِهِ إِيَّاهَا . 26596 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ مَعَ جَهْلِ الْمَرْأَةِ بِهَا . 26597 - وَإِذَا صِحَّتِ الرَّجْعَةُ كَانَتِ امْرَأَةَ الْأَوَّلِ وَفُسِخَ نِكَاحُ الْآخَرِ وَأُمِرَ بِفِرَاقِهَا ، وَرُدَّتْ إِلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ الْعِدَّةِ مِنَ الْآخَرِ لِوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، وَاسْتَحَقَّتْ مَهْرَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا . 26598 - وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ وَقَدْ فَعَلَ . 26599 - وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْيَسُ . 26600 - وَقَوْلُ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الِاتِّبَاعِ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 20 ) بَابُ عِدَّةِ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا 1175 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَحِلُّ . 26497 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَيْهَا . 26498 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . 26499 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَدْرَكْتُ النَّاسَ يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إِذَا جَاءَ فِي صَدَاقِهَا أَوْ فِي امْرَأَتِهِ . 26500 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي الْمَفْقُودِ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ بَعْدَ شَكْوَاهَا إِلَى السُّلْطَانِ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَنْكِحُ إِنْ شَاءَتْ . 26501 - وَإِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ . 26502 - وَالْمَفْقُودُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ عَلَى وُجُوهٍ سَنَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26503 - وَقَالَ اللَّيْثُ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ضَرْبِ الْأَجَلِ لِامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ . 26504 - وَخَالَفَهُ فِيمَا نَذْكُرُهُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26505 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ الْأَشْهَرَ وَالْأَكْثَرَ عَنْ عَلَيٍّ خِلَافُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ لَا تُنْكَحُ عِنْدَهُ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ مَوْتَهُ . 26506 - وَعَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فِي أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ لَا يُضْرَبُ لَهَا أَجْلُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ وَأَنَّهَا لَا تُنْكَحُ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ وَتَسْتَحِقَّ مِيرَاثَهُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 26507 - وَرَوَى خِلَاسٌ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تَتَرَبَّصُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 26508 - وَأَحَادِيثُ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ مُنْقَطِعَةٌ ضِعَافٌ ، وَأَكْثَرُهَا مُنْكَرَةٌ . 26509 - وَأَصَحُّ مَا فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ : هِيَ امْرَأَتُهُ - يَعْنِي أَبَدًا - حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ . 26510 - وَرَوَاهُ الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وُجُوهٍ سَنَذْكُرُهَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26511 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ " أَدْرَكْتُ النَّاسَ يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إِذَا جَاءَ فِي صَدَاقِهَا أَوْ فِي الْمَرْأَةِ " فَهُوَ عَنْ عُمَرَ مَنْقُولٌ بِنَقْلِ الْعُدُولِ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ . 26512 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَضَيَا فِي الْمَفْقُودِ أَنَّ امْرَأَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ تُزَوَّجُ ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ . 26513 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : يَعْزِمُهُ الزَّوْجُ . 26514 - وَقَالَ مَعْمَرٌ : وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ تَعْزِمُهُ الْمَرْأَةُ . 26515 - وَهَذَا أَحَبُّ الْقَوْلَيْنِ إِلَيْنَا . 26516 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : شَهِدْتُ عُمَرَ خَيَّرَ مَفْقُودًا تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَهْرِ الَّذِي سَاقَهُ إِلَيْهَا . 26517 - وَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا : إِنْ جَاءَ زَوْجُهَا خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ . 26518 - وَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ خَيَّرَ الْمَفْقُودَ وَقَدْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ فَاخْتَارَ الْمَالَ ، فَجَعَلَهُ عَلَى زَوْجِهَا الْأَحْدَثِ . قَالَ حُمَيْدٌ : فَدَخَلْتُ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي قَضَى فِيهَا فَقَالَتْ : أَعَنْتُ زَوْجِي الْأَحْدَثَ بِوَلِيدَةٍ . 26519 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي مَلِيحٍ ، عَنْ سُهَيْمَةَ بِنْتِ عُمَيْرٍ الشَّيْبَانِيَّةِ قَالَ : نُعِيَ إِلَيَّ زَوْجِي مَنْ قَنْدَابِلَ فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهَ الْعَبَّاسَ بْنَ طَرِيفٍ أَخَا بَنِي قَيْسٍ ، فَقَدِمَ زَوْجِي الْأَوَّلُ ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ ، فَقَالَ : كَيْفَ أَقْضِي بَيْنَكُمْ وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ؟ قُلْنَا : قَدْ رَضِينَا بِقَضَائِكَ . فَخَيَّرَ الزَّوْجَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُثْمَانُ انْطَلَقْنَا إِلَى عَلِيٍّ وَقَصَصْنَا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَخَيَّرَ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ فَاخْتَارَ الصَّدَاقَ ، فَأَخَذَ مِنِّي أَلْفَيْنِ وَمِنَ الزَّوْجِ الْآخَرِ أَلْفَيْنِ . 26520 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26521 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : كَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ سَلْ مَنْ قَبْلَكَ عَنِ الْمَفْقُودِ إِذَا جَاءَ وَقَدْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ ، فَسَأَلَ الْحَجَّاجُ أَبَا مَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ ، فَقَالَ أَبُو الْمَلِيحِ : حَدَّثَنِي بنيْهمَةُ بِنْتُ عُمَيْرٍ الشَّيْبَانِيَّةُ أَنَّهَا فَقَدَتْ زَوْجَهَا فِي غُزَاةٍ غَزَاهَا ، فَلَمْ تَدْرِ أَهَلَكَ أَمْ لَا ، فَتَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ، فَجَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ . قَالَتْ : فَرَكِبَ زَوْجَايَ إِلَى عُثْمَانَ فَوَجَدَاهُ مَحْصُورًا ، فَسَأَلَاهُ وَذَكَرَا لَهُ أَمْرَهُمَا ، فَقَالَ عُثْمَانُ : أَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ ؟ قَالَا : إِنَّهُ أَمْرٌ قَدْ وَقَعَ ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ . فَقَالَ عُثْمَانُ : يُخَيَّرُ الْأَوَّلُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ صَدَاقِهَا . قَالَ : فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ ، فَرَكِبَا بَعْدَهُ حَتَّى أَتَيَا عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ ، فَسَأَلَاهُ فَقَالَ : أَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ ؟ فَقَالَا : قَدْ كَانَ مَا تَرَى ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ . قَالَتْ : وَأَخْبَرَاهُ بِقَضَاءِ عُثْمَانَ ، إِلَّا مَا قَالَ عُثْمَانُ ، فَاخْتَارَ الْأَوَّلُ الصَّدَاقَ . قَالَتْ : فَأَغنْتُ زَوْجِ الْآخَرَ بِأَلْفَيْنِ ، وَكَانَ الصَّدَاقُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ - وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 26522 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمْضَى قَضَاءَ مَنْ قَبْلَهُ إِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةَ اجْتِهَادٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْمَعْرُوفِ فَعَلَ غَيْرِ ذَلِكَ . 26523 - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عُمَرَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ أَرْبَعَ سِنِينَ . 26524 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 26525 - وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ فَعَلَتْ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فَفَعَلَتْ ، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 26526 - وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ أَمَرَ وَلِيَّ زَوْجِهَا الْمَفْقُودِ فَطَلَّقَهَا . 26527 - وَهَذَا اضْطِرَابٌ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَشْبَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26528 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تَتَرَبَّصُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ حَتَّى تَعْلَمَ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ . 26529 - وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْحَكَمِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : هِيَ امْرَأَةٌ ابْتُلِيَتْ ، فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ . 26530 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَافَقَ عَلِيًّا أَنَّهُ تَنْتَظِرُهُ أَبَدًا . 26531 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا فَقَدَتْ زَوْجَهَا لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى يُقْتَلَ ; أَنْ يَمُوتَ . 26532 - وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ مُرْسَلِ الْحَكَمِ حَدِيثُ الْمَنْصُورِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيٍّ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ قَالَ : هِيَ امْرَأَتُهُ - يَعْنِي حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ . 26533 - وَبِهَذَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ . 26534 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِي الْمَفْقُودِ ؛ 26535 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ . 26536 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : تَنْتَظِرُهُ امْرَأَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَحِلُّ ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . 26537 - قَالَ : وَيُضْرَبُ الْأَجَلُ أَرْبَعَ سِنِينَ مِنْ حِينِ يُرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ لَا مِنْ يَوْمِ فُقِدَ ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَلِلْمَرْأَةِ - إِنْ لَمْ يَرْجِعِ - الْمَهْرُ كَامِلًا . 26538 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْأَسِيرِ يُعْرَفُ خَبَرُهُ ثُمَّ انْقَطَعَ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَوْتٌ وَلَا حَيَاةٌ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ . 26539 - قَالَ : وَالْعَبْدُ إِذَا غَابَ أَجَلُهُ سَنَتَانِ ، وَمَالُ الْمَفْقُودِ لَا يُحَرَّكُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ ، وَالْمَفْقُودُ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ عَقْدِ الثَّانِي فَلَا سَبِيلَ لِلْأَوَّلِ إِلَيْهَا . ثُمَّ سَمِعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَدْخُلِ الثَّانِي . 26540 - وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ إِذَا عَقَدَ الثَّانِي وَلَمْ يَدْخُلْ فَلَا سَبِيلَ لِلْأَوَّلِ إِلَيْهَا ، ثُمَّ وَقَفَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍّ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَدْخُلِ الثَّانِي . 26541 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ . 26542 - وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ دِينَارٍ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ . 26543 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي الْمُوَطَّأ : فَأَرَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ مَاتَ . 26544 - وَقَالَ اللَّيْثُ : إِذَا قَدِمَ الْمَفْقُودُ بَعْدَ الْأَجَلِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْأَجَلِ ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا فَاخْتَارَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَاقٌ . 26545 - وقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي امْرَأَةِ الْغَائِبِ : أَفِي غَيْبَةٍ كَانَتْ ؟ لَا تَعْتَدُّ ، وَلَا تُنْكَحُ أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَهَا بِيَقِينِ وَفَاتِهِ . 26546 - قَالَ : وَلَوِ اعْتَدَّتْ - بِأَمْرِ حَاكِمٍ - بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَوْ نُكِحَتْ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ كَانَ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا بِحَالِهِ . 26547 - قَالَ : إِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ فَرْجِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ نَكَحَهَا ، وَلَا فِي عِدَّتِهَا مِنَ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ أَنَّهَا مُخْرِجَةٌ نَفْسَهَا مِنْ يَدِهِ . 26548 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةٌ حَتَّى تَثْبُتَ وَفَاتُهُ . 26549 - قَالَ : الْمَفْقُودُ يَخْرُجُ فِي وَجْهٍ فَيُفْقَدُ فَلَا يُعْرَفُ مَوْضِعُهُ وَلَا يَسْتَبِينُ أَمْرُهُ ، أَوْ يَأْسِرُهُ الْعَدُوُّ فَلَا يَسْتَبِينُ مَوْتُهُ . 26550 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَقَوْلُ صَالِحٍ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 26551 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي الْمَفْقُودِ تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ فَيَجِيءُ وَهِيَ مُتَزَوِّجَةٌ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا ، وَيُرَدُّ عَلَى الزَّوْجِ الْأَخِيرِ بِهَذِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ . 26552 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ لَا تَنْكِحُ أَبَدًا حَتَّى تَعْلَمَ وَفَاتَهُ أَوْ طَلَاقَهُ . 26553 - وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِيهَا بِبَغْدَادَ بِقَوْلِ مَالِكٍ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . 26554 - وَالْمَفْقُودُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : 26555 - مَفْقُودٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ ، وَيُعَمَّرُ مِنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ . 26556 - وَالْأَسِيرُ الَّذِي تُعْرَفُ حَيَاتُهُ وَقْتًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ خَبَرُهُ فَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَوْتٌ وَلَا حَيَاةٌ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَيُعَمَّرُ أَيْضًا . 26557 - وَمَفْقُودٌ يَخْرُجُ فِي وَجْهِهِ لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا يُعْرَفُ مَوْضِعُهُ وَلَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ ، فَذَلِكَ تَتَرَبَّصُ زَوْجَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ . 26558 - وَمَفْقُودٌ فِي مَعْرَكَةِ الْفِتْنَةِ يُنْعَى إِلَى زَوْجَتِهِ يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ . 26559 - وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي الَّذِي يَظْهَرُ فِي صَفِّ الْقِتَالِ ثُمَّ يُفْقَدُ قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ أَقْوَالِ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 26560 - وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُرَى فِي صَفِّ الْقِتَالِ ثُمَّ لَا يُعْلَمُ أَقُتِلَ أَمْ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ خَبَرٌ ، 26561 - قَالَ مَالِكٌ : يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ يَنْظُرُ فِيهِ السُّلْطَانُ ثُمَّ تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ . 26562 - وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : إِذَا فُقِدَ فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ وَرُئِيَ فِي الْمُعْتَرَكِ أَوْ لَمْ يُرَ أَنَّهُ يُنْتَظَرُ يَسِيرًا قَدْرَ مَا يَرْجِعُ الْخَارِجُ وَالْمُنْهَزِمُ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ - ذَكَرَهُ الْعُتْبِيُّ . 26563 - قَالَ : وَقَالَ سَحْنُونٌ : أُرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْقُودِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ .
( 19 ) بَابُ نَفَقَةِ الْأَمَةِ إِذَا طُلِّقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ 26467 - قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى حُرِّ وَلَا عَبْدٍ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَ حُرَّةً طَلَاقًا بَائِنًا نَفَقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ . 26468 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ; لِأَنَّ الْمَمْلُوكَةَ لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إِلَّا بِالْمَعْنَى تَسْتَحِقُّهُ بِهِ الْحُرَّةُ وَهُوَ تَسْلِيمُ سَيِّدِهَا لَهَا ، لِأَنَّ الْحُرَّةَ إِذَا دُعِيَ زَوْجُهَا إِلَى الْبِنَاءِ بِهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ لَهَا . 26469 - وَكَذَلِكَ إِذَا دَعَا الزَّوْجُ إِلَى الْبِنَاءِ وَكَانَتْ مِمَّنْ تُوطَأُ لَزِمَ إِسْلَامُهَا إِلَيْهِ وَوَجَبَتْ بِذَلِكَ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْهُ لَمْ تَجِبْ لَهَا نَفَقَةٌ كَالنَّاشِزِ . 26470 - وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكَةُ إِذَا لَمْ يُسَلِّمْهَا زَوْجُهَا إِلَى سَيِّدِهَا وَيُبَوِّءْهَا مَعَهُ بَيْتًا لَمْ يَلْزَمْهُ لَهَا نَفَقَةٌ لِمَنْعِهِ لَهَا ; لِأَنَّ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَا يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَمْلُوكَةُ لَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ إِلَّا لِمَا وَصَفْنَا فَأَحْرَى أَلَّا تَجِبَ لَهَا نَّفَقَةُ إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً . 26471 - وَإِنَّمَا سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَمْلُوكَةِ الْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ أَنْ وَلَدَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ، فَلَا تَلْزَمُ أَحَدٌ نَفَقَةً عَلَى عَبْدِهِ لِغَيْرِهِ . 26472 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَعْنَاهُ . 26473 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْأَمَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَإِنْ لَمْ يُبَوِّءْهَا مَعَهُ بَيْتًا إِذَا لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . 26474 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَعَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ إِذَا بُوِّئَتْ مَعَهُ بَيْتًا وَإِذَا احْتَاجَ سَيِّدُهَا إِلَى خِدْمَتِهَا ، فَكَذَلِكَ لَهُ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا . 26475 - قَالَ : وَنَفَقَتُهُ لَهَا نَفَقَةُ الْمُعْتَمِرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَهُوَ يَقْتُرُ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ . 26476 - قَالَ : وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ مَمَالِيكَ . 26477 - قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ حُرَّةٍ وَأَبُوهُ مَمْلُوك فَأُمُّهُمْ أَحَقُّ بِهِمْ ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَبِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ زَوْجِة لَهُ حُرَّةٍ . 26478 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ طَلَاقًا بَائِنًا وَقَدْ كَانَ بَوَّأَهَا مَعَهُ بَيْتًا وَضَمَّهَا إِلَيْهِ وَقَطَعَهَا عَنْ خِدْمَتِهِ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَهَا عَلَى مُطَلِّقِهَا . 26479 - وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى مُطَلِّقِهَا إِذَا كَانَ مَوْلَاهَا لَمْ يُبَوِّئهَا مَعَهُا بَيْتًا . 26480 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَوْجَبَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ نَفَقَتَهُ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ الْحَامِلِ . 26481 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ تَحْتَ الْحَرِّ فَيُطَلِّقَانِ وَهُمَا حَامِلَانِ : لَهُمَا النَّفَقَةُ . 26482 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ ، قَالَ : عَلَيْهِ النَّفَقَةُ حَتَّى تَضَعَ . 26483 - قَالَ : وحَدَّثَنِي حَفْصٌ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حُرَّةٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ ، فَإِذَا وَضَعَتْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا . 26484 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْحُرِّ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَطَلَّقَهَا حَامِلًا ، قَالَ : عَلَيْهِ النَّفَقَةُ حَتَّى تَضَعَ . 26485 - قَالَ : وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرُ الرَّضَاعِ . 26486 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ فِي الْحُرَّةِ يُطَلِّقُهَا الْعَبْدُ حَامِلًا ، قَالَا : النَّفَقَةُ عَلَى الْعَبْدِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرُ الرَّضَاعِ . 26487 - وَقَالَ فِي الْحُرِّ تَحْتَهُ الْأَمَةُ كَذَلِكَ ، وَفِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ الْأَمَةُ كَذَلِكَ . 26488 - قَالَ : وَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ فِي الْأَمَةِ الْحُبْلَى الْمُطَلَّقَةِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا . 26489 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنِي أَنَّ الْحُرَّةَ إِذَا طَلَّقَهَا الْعَبْدُ حَامِلًا لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَالْأَمَةُ كَذَلِكَ . 26490 - قَالَ : وَإِذَا وَضَعَتْ فَلَا يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ . 26491 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا لَمْ تَجِبْ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا حَقُّ الرَّضَاعِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْحَامِلِ الْمَبْتُوتَةِ لَا تَجِبُ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهَا . 26492 - وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَالْعَبْدُ فِيهَا كَهُوَ فِي زَوْجَتِهِ سَوَاءٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 26493 - وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْأَمَةِ إِذَا زُوِّجَتْ لَزِمَ زَوْجَهَا أَوْ سَيِّدَهَا النَّفَقَةُ إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً تَأْوِي بِاللَّيْلِ عِنْدَ الزَّوْجِ وَبِالنَّهَارِ عِنْدَ الْمَوْلَى اتَّفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّةَ مَقَامِهَا عِنْدَهُ . 26494 - فَإِنْ كَانَ لَهَا أُمُّ وَلَدٍ لَمْ تَلْزَمِ الزَّوْجَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً . 26495 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ الْحَامِلِ عَلَى الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ أَوْجَبَهَا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ 26496 - وَمَنْ أَخْرَجَ الْعَبْدَ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ أَخْرَجَهُ بِالدَّلِيلِ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ مِنَ الْحُقُوقِ فِي الْأَمْوَالِ ، فَلَمَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ وَلَا أَنْ يُتْلِفَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ مِمَّا بِيَدِهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فِي إِنْفَاقِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ ، وَسَنُوَضِّحُ أَقْوَالَهُمْ فِي السُّنَّةِ بِإِذْنِ الْعَبْدِ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ يَجِبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1218 1174 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَنْكِحَ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ ، لَيْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ طَلَاقِهِ شَيْءٌ ، فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَمَةَ غُلَامِهِ أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ . 26443 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ فَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . 26444 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ ؛ كُلُّهُمْ يَقُولُ : الطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ لَا بِيَدِ السَّيِّدِ ، وَكُلُّهُمْ لَا يُجِيزُ النِّكَاحَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ . 26445 - وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ : الطَّلَاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ . 26446 - وَأَعْلَى مَنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . 26447 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : طَلَاقُ الْعَبْدِ بِيَدِ سَيِّدِهِ ؛ إِنْ طَلَّقَ جَازَ وَإِنْ فَرَّقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ . 26448 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَيْضًا - مَعْنَاهُ . 26449 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ : سَيِّدُهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقُ . 26450 - وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ : لَا طَلَاقَ لِعَبْدٍ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ . 26451 - فَهَؤُلَاءِ قَالُوا بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ السَّيِّدِ . 26452 - وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ فَهُوَ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ ؛ مِنْهُمْ : عُمَرُ ، وَعَلَيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . 26453 - وَمِنَ التَّابِعَيْنِ : سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُوسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَكْحُولٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ . 26454 - وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَذْهَبُ فِي هَذَا الْبَابِ مَذْهَبًا خِلَافَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَعْضِ هَذَا الْمَعْنَى وَخِلَافَ هَذَا الْجُمْهُورِ فِي بَعْضِهِ أَيْضًا . 26455 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : سَأَلْنَا عُرْوَةَ عَنْ رَجُلٍ أَنْكَحَ عَبْدَهُ امْرَأَةً ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ إِذَا ابْتَاعَهُ وَقَدْ أَنْكَحَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ أَمَلَكُ بِذَلِكَ ؛ إِنْ شَاءَ فَرَّقَهُمَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا . 26456 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَ عُرْوَةُ الْفِرَاقَ إِلَى السَّيِّدِ الْمُبْتَاعِ وَمَنَعَ مِنْهُ الْبَائِعَ . 26457 - وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ الْمُبْتَاعَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي أَذِنَ فِي النِّكَاحِ لِلْعَبْدِ كَانَ عِنْدَهُ كَسَيِّدِهِ نَكَحَ عَبْدُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يُجِيزَ النِّكَاحَ أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا . 26458 - وَهَذَا عِنْدِي لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ إِنَّمَا يَمْلِكُ مِنَ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْبَائِعُ يَمْلِكُ مِنْهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيمَا كَانَ الْبَائِعُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَبْدِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِإِذْنِهِ فِي النِّكَاحِ كَانَ كَذَلِكَ الْمُبْتَاعُ إِذَا دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ . 26459 - وَإِنَّمَا هُوَ عَيْبٌ مِنَ الْعُيُوبِ إِذَا رَضِيَ بِهِ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ثُمَّ عَلِمَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ أَوِ الرِّضَا بِالْعَيْبِ . 26460 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَمَةَ غُلَامِهِ أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ السَّيِّدَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بِيَدِ عَبْدِهِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي تِجَارَةِ مُدَايَنَةِ النَّاسِ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ . 26461 - وَالْعَبْدُ عِنْدَهُ يَمْلِكُ كُلَّمَا مَلَكَهُ سَيِّدُهُ أَوْ غَيْرُهُ ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْهُ مَالَهُ كُلَّهُ أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ ، وَمُلْكُهُ عَبْدَهُ لَيْسَ كَمُلْكِكَ الْحُرَّ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا مَالُ الْعَبْدِ مَالٌ مُسْتَقِرٌّ بِيَدِهِ مَا لَمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ ، وَلَهُ أَنْ يَتَسَرَّى فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْذَنُ لِعَبِيدِهِ أَنْ يَتَسَرُّوا فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَالِ . 26462 - وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السَّلَفِ . 26463 - وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى الزَّكَاةَ عَلَى الْعَبْدِ مِمَّا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ ، وَلَا عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ - قِيَاسًا عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ . 26464 - وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ يَقُولَانِ : الْعَبْدُ يَمْلِكُ مِلْكًا صَحِيحًا كَمِلْكِ الْحُرِّ ، وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيمَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ إِذَا حَالَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي يَدِهِ حَوْلٌ كَامِلٌ ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ يُجِيزَانِ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَ ذَلِكَ الْمَالِ مِنْهُ إِذَا شَاءَ . 26465 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْا : الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَكُلُّ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ فَإِنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ مَا لَهُ مِنَ الْمَالِ مِنْ كَسْبِهِ وَغَيْرِ كَسْبِهِ . 26466 - وَقَالُوا : لَوْ كَانَ يَمْلِكُ لَوَرِثَ بَنِيهِ وَقَرَابَتَهُ وَوَرِثَتْهُ بَنَوْهُ وَقَرَابَتُهُ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَجٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَلِمُخَالِفِيهِمْ أَيْضًا حُجَجٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا لَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا مَوْضِعًا لِذِكْرِهَا .
1217 1173 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ . 26442 - وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ ، وَمَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 18 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ 1170 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنْ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَبْدًا لَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ ، فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرْجِ آخِذًا بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَسَأَلَهُمَا فَابْتَدَرَاهُ جَمِيعًا فَقَالَا : حَرُمَتْ عَلَيْكَ ، حَرُمَتْ عَلَيْكَ . 1171 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنْ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَاسْتَفْتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ : حَرُمَتْ عَلَيْكَ . 1172 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنْ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَفْتَى زَيْدَ ابْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ ! فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : حَرُمَتْ عَلَيْكَ . 26417 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا ، وَأَنَّ عُثْمَانَ وَزَيْدًا كَانَا يَرَيَانِهِ كَذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْمُكَاتَبِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26418 - وَفِيهِ أَنَّ الْحَرَامَ ثَلَاثٌ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّلَاثُ عِنْدَهُمْ فِي الْحُرِّ وَاثْنَتَانِ فِي الْعَبْدِ تَحْرُمُ امْرَأَتُهُ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ . 26419 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ " حَرُمَتْ عَلَيْكَ " ، فَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّ الْحَرَامَ ثَلَاثٌ مَعَ اتِّبَاعِهِ فِي ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَيْضًا . 26420 - وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ لَهَا إِذَا كَانَ عَبْدًا تَطْلِيقَتَيْنِ فَإِنَّ هَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَيُرَاعِي الْحُرِّيَّةَ فِي ذَلِكَ وَالْعُبُودِيَّةَ ، فَيَجْعَلُ طَلَاقَ الْعَبْدِ عَلَى نِصْفِ طَلَاقِ الْحُرِّ قِيَاسًا عَلَى حَدِّهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَصِفِ الطَّلَاقُ كَانَ طَلَاقُهُ تَطْلِيقَتَيْنِ كَمَا أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ إِذْ لَا يَتَنصِفُ الْحَيْضُ . 26421 - وَأَمَّا مَنْ قَالَ " الطَّلَاقُ بِالنِّسَاءِ " فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَا تَحْرُمُ الْحُرَّةُ عَلَى زَوْجِة الْعَبْدِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا ، وَإِنَّ الْأَمَةَ تَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا الْحُرِّ وَالْعَبْدِ إِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ . 26422 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ : 26423 - فَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ . 26424 - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . 26425 - وَبِهِ قَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ . 26426 - وَهَذَا أَصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ الطَّلَاقَ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ . 26427 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ . 26428 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ . 26429 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ . 26430 - وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَائِفَةٌ - كُلُّهُمْ يَقُولُ : الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ . 26431 - وَلَمْ تَخْتَلِفْ هَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ أَنَّ الْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الطَّلَاقِ هَلْ هُوَ بِالرِّجَالِ أَوْ بِالنِّسَاءِ . 26432 - وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهَا رِقٌّ نَقَصَ طَلَاقُهُ . 26433 - قَالَهُ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَغَيْرُهُ . 26434 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 26435 - فَعَلَى هَذَا طَلَاقُ الْعَبْدِ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ ، وَتَبِينُ الْأَمَةُ مِنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بتَطْلِيقَتَيْنِ . 26436 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُ ذَلِكَ . 26437 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إِذَا كَانَتِ الْحُرَّةُ تَحْتَ الْعَبْدِ بَانَتْ بِطَلْقَتَيْنِ بتَطْلِيقَتَيْنِ وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ . 26438 - فَهَذَا نَصٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ . 26439 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا . 26440 - قَالَ أَحْمَدُ : إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ . 26441 - وَقَوْلُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ أَحْمَدَ .
1212 1168 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ ، إِلَّا الَّتِي تُطَلَّقُ وَقَدْ فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ تُمَسَّ فَحَسْبُهَا نِصْفُ مَا فُرِضَ لَهَا . 1169 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ . 26372 - قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 26373 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ ؛ 26374 - فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ . 26375 - وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَنَافِعٌ - كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : لَا مُتْعَةَ لِلَّتِي طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ كَانَ فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ . وَيَقُولُونَ : حَسْبُهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ . 26376 - وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي الَّتِي طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَدْ كَانَ فُرِضَ لَهَا . 26377 - وَقَالَ آخَرُونَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ ، دُخِلَ بِهَا أَوْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا ، فُرِضَ لَهَا أَوْ لَمْ يُفْرَضْ لَهَا - مِنْهُمُ : الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ . 26378 - إِلَّا أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : إِذَا لَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَالْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ ، وَإِنْ فُرِضَ لَهَا وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَالْمُتْعَةُ حِينَئِذٍ يُنْدَبُ إِلَيْهَا . 26379 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . 26380 - ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . 26381 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ 26382 - فَكَانَ شُرَيْحٌ يُجْبِرُ عَلَيْهَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ . 26383 - رَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ وَلَمْ يَفْرِضْ وَلَمْ يَدْخُلْ ، فَأَجْبَرَهُ شُرَيْحٌ عَلَى الْمُتْعَةِ . 26384 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ طَلَّقَ : مَتِّعْ ! فَلَمْ أَدْرِ مَا رَدَّ عَلَيْهِ ، فَسَمِعْتُ شُرَيْحًا يَقُولُ : مَتِّعْ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ . 26385 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَاهُ فِي الَّتِي فُرِضَ لَهَا وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، كَقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ ، فَلَا يُعَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ خِلَافًا . 26386 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ : إِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُتْعَةِ مَنْ طَلَّقَ وَلَمْ يَفْرِضْ وَلَمْ يَدْخُلْ . 26387 - وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ . 26388 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ ؛ 26389 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى الْمُتْعَةِ ، سَمَّى لَهَا أَوْ لَمْ يُسَمِّ ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَيْسَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا . 26390 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْمُلَاعِنَةِ مُتْعَةٌ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 26391 - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْمُتْعَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ، لَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَيْهَا . 26392 - وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَبَيْنَ مَنْ سَمَّى لَهَا وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا . 26393 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَوْ كَانَتْ فَرْضًا وَاجِبًا يُقْضَى بِهِ لَكَانَتْ مَقَدَّرَةً مَعْلُومَةً كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ فِي الْأَمْوَالِ ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْفُرُوضِ إِلَى حَدِّ النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ وَالِاخْتِيَارِ وَصَارَتْ كَالصِّلَةِ وَالْهَدِيَّةِ . 26394 - هَذَا أَحْسَنُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُهُ لَهُ . 26395 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ لَمَ يَتِمَّ إِلَّا بِهِ ، إِلَّا الَّتِي سَمَّى لَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ . 26396 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهَا قَدْ جَعَلَ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَلَمْ يَسْتَمْتِعْ مِنْهَا بِشَيْءٍ . 26397 - قَالَ : وَلِامْرَأَةِ الْعِنِّينِ مُتْعَةٌ . 26398 - وَقَالَ بِهِ سَائِرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي امْرَأَةِ الْعِنِّينِ ; لِأَنَّ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ دَاءِ الْعُنَّةِ كَانَ سَبَبَ الْفُرْقَةِ ، إِلَّا الْمُزَنِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا مُتْعَةَ لَهَا ; لِأَنَّ الْفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا . 26399 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ فَلَمْ يَخُصَّ . 26400 - وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ 26401 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ . 26402 - وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ . 26403 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ نَصًّا . 26404 - وَيَحْتَمِلُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ . 26405 - وَحُجَّتُهُمْ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي إِيجَابِ الْمُتْعَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا الْأَزْوَاجَ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ 26406 - وَفِي آيَةٍ أُخْرَى : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ 26407 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَجَبَ عَلَى الْفُجَّارِ وَالْمُسِيئِينَ ، لَيْسَ فِي تَرْكِ تَحْدِيدِهَا مَا يُسْقِطُ وُجُوبَهَا كَنَفَقَاتِ الْبَنِينَ وَالزَّوْجَاتِ . 26408 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ 26409 - وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا مُقَدَّرًا فِيمَا أَوْجَبَ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ الْآيَةَ ، كَمَا قَالَ فِي الْمُتْعَةِ : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ 26410 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ إِذْ شَكَتْ إِلَيْهِ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَا سُفْيَانَ لَا يُعْطِيهَا نَفَقَةً لَهَا وَلَا لَبَنِيهَا : خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ - فَلَمْ يُقَدِّرْ . 26411 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلَّتِي طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ يُسَمَّ لَهَا ، هَذِهِ وَحْدَهَا الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لَهَا . 26412 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَإِنَّهُ يُمَتِّعُهَا ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُتْعَةِ هَاهُنَا . 26413 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 26414 - إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ : إِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا لَمْ تَجِبِ الْمُتْعَةُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا . 26415 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ . 26416 - وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ لَا مُتْعَةَ وَاجِبَةً إِلَّا لِلْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، وَلَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ وُجُوبُ مُتْعَةٍ وَوُجُوبُ شَيْءٍ مِنَ الْمَهْرِ ، وَأَدْنَى الْمُتْعَةِ عِنْدَهُمْ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَإِزَارٌ ، وَهِيَ لِكُلِّ حُرَّةٍ وَذِمِّيَّةٍ وَمَمْلُوكَةٍ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْ جِهَتِهِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
( 17 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ 1167 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ . 26351 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ أَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ وَلَا مَحْدُودَةٍ ولَا مَعْلُومٍ مَبْلَغُهَا ، وَلَا مَعْرُوفٍ قَدْرُهَا مَعْرِفَةَ وُجُوبٍ لَا يَتَجَاوَزُهُ ، بَلْ هِيَ عَلَى الْمُوسِعِ بِقَدْرِهِ وَعَلَى الْمُقْتِرِ أَيْضًا بِقَدْرِهِ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26352 - لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا وَهَلْ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُطَلِّقٍ أَوْ عَلَى بَعْضِ الْمُطَلِّقِينَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26353 - فَأَمَّا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ 26354 - فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَمَتَّعَهَا بِخَادِمٍ . 26355 - وَمَعْمَرٌ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَتَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِهِ : فَثَمَنُهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا . 26356 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَمَتَّعَهَا بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ . 26357 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : كَانَ يُمَتِّعُ بِالْخَادِمِ أَوِ النَّفَقَةِ أَوِ الْكِسْوَةِ . قَالَ : وَمَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِمَالٍ كَثِيرٍ - أَحْسَبُهُ قَالَ : عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ . 26358 - وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ مَتَّعَ امْرَأَتَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ . 26359 - وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ امْرَأَتَيْنِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا وَزِقَّيْنِ مِنْ عَسَلٍ ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا - أُرَاهَا الْجُعْفِيَّةَ : مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ . 26360 - وَإِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : مَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَلَمَّا أُتِيَتِ الْمُرَأةُ بِهَا وضعته بين يديها فَقَالَتْ : مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ . 26361 - وَمَتَّعَ شُرَيْحٌ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ . 26362 - وَمَتَّعَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ . 26363 - وَمَتَّعَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِخَادِمٍ . 26364 - فَقَالَ قَتَادَةُ : الْمُتْعَةُ جِلْبَابٌ وَدِرْعٌ وَخِمَارٌ . 26365 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ الْمُطَلِّقَ كَانَ يُمَتِّعُ بِالْخَادِمِ وَالْحُلَّةِ وَالنَّفَقَةِ . 26366 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَقَبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَدْنَى مَا أَرَى أَنَّهُ يُجْزِئُ مِنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا . 26367 - وَأَبُو مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ . 26368 - وَمَتَّعَ ابْنُ عُمَرَ بِوَلِيدَةٍ . 26369 - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنِ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 26370 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ : لَيْسَ لِلْمُتْعَةِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي قَلِيلِهَا وَلَا كَثِيرِهَا . 26371 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
( 11 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ 1152 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ! لِزَوْجِهَا ، فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ حُبَيْبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ . فَقَالَتْ حَبِيبَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ : خُذْ مِنْهَا . فَأَخَذَ مِنْهَا ، وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا . 1153 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . 25862 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . 25863 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ أَنَّ الْخُلْعَ وَالْفِدْيَةَ وَالصُّلْحَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي قَطْعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَتْهُ عَلَى ذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ إِذَا كَانَ مِقْدَارَ الصَّدَاقِ فَمَا دُونَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ مِنْهُ بِهَا وَلَا إِسَاءَةٍ إِلَيْهَا . 25864 - إِلَّا بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ فَإِنَّهُ شَذَّ فَقَالَ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 25865 - وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا إِلَى قَوْلِهِ مِيثَاقًا غَلِيظًا 25866 - وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ مَا أَعْطَاهَا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهَا . 25867 - وَلَا يَنْبَغِي لِعَالِمٍ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا إِلَّا بِتَدَافُعٍ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ وَتَخْصِيصِهِ . 25868 - وَإِذَا جَهِلَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أَنْ يَرْضَى مِنْهُمَا ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَعَلَى كُرْهٍ مِنْهَا وَإِضْرَارٍ بِهَا - صَحَّ اسْتِعْمَالُ الْآيَتَيْنِ . 25869 - وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ قِصَّةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَامْرَأَتِهِ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ وَهُمْ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْإِطْبَاقُ وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى تَحْرِيفِ الْكِتَابِ وَجَهْلِ تَأْوِيلِهِ ، وَيَنْفَرِدُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَاحِدٌ غَيْرُهُمْ . 25870 - وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ امْرَأَتِهِ لِاخْتِلَاعِهَا مِنْهُ ؛ 25871 - فَقَالَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ثَابِتٍ وَقَوْلِ امْرَأَتِهِ " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي " ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهَا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهَا . 25872 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . 25873 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِنَ الْفِدْيَةِ حَتَّى يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا بِأَنْ يُظْهِرَ لَهَا الْبَغْضَاءَ وَتُسِيءَ عِشْرَتَهُ وَتُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهَةَ وَتَعْصِيَ أَمْرَهُ ، فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاهَا . 25874 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا وَلَا يَزْدَادَ . 25875 - قَالُوا : وَالزِّيَادَةُ فِي الْقَضَاءِ جَائِزَةٌ ، وَإِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا ، فَإِنْ فَعَلَ جَازَ فِي الْقَضَاءِ . 25876 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُمْ " لَا يَجُوزُ ، وَيَجُوزُ فِي الْقَضَاءِ " قَوْلُ الْمُحَالِ وَالْخَطَأ . 25877 - وَكَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا . 25878 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ . 25879 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ الْقُضَاةُ لَا يُجِيزُونَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا سَاقَ إِلَيْهَا . 25880 - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَاهَا ، وَلَكِنْ لِيَدَعْ لَهَا شَيْئًا . 25881 - وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا إِذَا كَانَ النُّشُوزُ وَالْإِضْرَارُ مِنْ قِبَلِهَا . 25882 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ . 25883 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . 25884 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 25885 - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ . 25886 - وَهُوَ مَذْهَبُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
25887 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا أنهَ إِذَا عُلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا أَضَرَّ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَعُلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا مَضَى الطَّلَاقُ وَرَدَّ عَلَيْهَا مَالَهَا . 25888 - قَالَ : فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا .
25889 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا . 25890 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ مَثَلَهُ وَزَادَ ؛ قَالَ : إِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ حَلَّ لَهُ مَا أَعْطَتْهُ عَلَى الْخُلْعِ إِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْهُ بِهَا . 25891 - وَقَالَ اللَّيْثُ : إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِشْرَةِ جَازَ الْخُلْعُ بِالنُّقْصَانِ مِنَ الْمَهْرِ وَالزِّيَادَةِ . 25892 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا جَاءَ الْخُلْعُ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا - وَلَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ مِنَ الْمَهْرِ وَلَا أَقَلَّ . قَالَ : وَإِنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا . 25893 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَتْ نَاشِزًا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَاشِزًا رَدَّ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ . قَالَ : وَلَوِ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ وَهِيَ مَرِيضَةٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهَا . 25894 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا كَانَتِ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِهَا وَالتَّعْطِيلُ لَحِقَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَبْغَضَتْهُ . 25895 - وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ . 25896 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمَانِعَةَ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِزَوْجِهَا حَلَّتِ الْفِدْيَةُ لِلزَّوْجِ . قَالَ : وَإِذَا أحَلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسًا عَلَى غَيْرِ فِرَاقٍ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا طَابَتْ نَفْسًا وَيَأْخُذَ عِوَضًا بِالْفِرَاقِ . 25897 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ 25898 - وَلِهَذَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْخُلْعُ حَتَّى يَجِدَ عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا . 25899 - وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْفَاحِشَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْبِذَاءِ وَالْجَفَاءِ . 25900 - وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَذِيءِ فَاحِشٌ وَمُتَفَاحِشٌ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى الْفَاحِشَةِ كَانَ لَهُ لِعَانُهَا وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَأَمَّا أَنْ يُضَارَّ بِهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَالِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ . 25901 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَهُ أَنْ يُضَارَّهَا وَيُسِيءَ إِلَيْهَا حَتَّى تَخْتَلِعَ مِنْهُ إِذَا وَجَدَهَا تَزْنِي غَيْرَ أَبِي قِلَابَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25902 - وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ؛ يَعْنِي فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الزَّوْجِ وَقِيَامِهِ بِحَقِّهَا ، فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . 25903 - وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا 25904 - فَهَذِهِ الْآيَاتُ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ ، وَمِنْهَا قامت مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 25905 - وَالْخُلْعُ وَالصُّلْحُ وَالْفِدْيَةُ ؛ كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ الْعِصْمَةُ مِنَ الزَّوْجِ لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا صُلْحًا عَلَى ذَلِكَ وَافْتِدَاءً وَاخْتِلَاعًا مِنْهُ ، وَهِيَ أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَانٍ مُتَّفَقَةٌ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُوقِعُ الْخُلْعَ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَالصُّلْحَ عَلَى الْبَعْضِ وَالْفِدْيَةَ عَلَى الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أُصُولَ مَذَاهِبِهِمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 16 ) بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ 1162 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ . قَالَ : وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ . وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا . 1163 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَرَّثَ نِسَاءَ ابْنِ مُكْمِلٍ مِنْهُ ، وَكَانَ طَلَّقَهُنَّ وَهُوَ مَرِيضٌ . 26274 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِي قِصَّةِ ابْنِ مُكْمِلٍ صِفَةَ الطَّلَاقِ هَلْ كَانَ الْبَتَّةَ أَوْ ثَلَاثًا ؟ وَهَلْ مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ 26275 - وَقَدْ رُوِيَتْ قِصَّةُ ابْنِ مُكْمِلٍ بَأَبْيَنَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ . 26276 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُكْمِلٍ كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ إِحْدَاهُنَّ ابْنَةُ قَارِظٍ ، فَطَلَّقَ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ طَلَاقِهِ سَنَتَيْنِ ، وَأَنَّهُمَا وَرِثَتَاهُ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ . 26277 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ امْرَأَةَ ابْنِ مُكْمِلٍ وَرَّثَهَا عُثْمَانُ بَعْدَ مَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .
26332 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ وَالْمِيرَاثُ ، وَإِنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ . 26333 - وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي عِدَّتِهَا ؛ 26334 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : عِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ دُونَ الْوَفَاةِ . 26335 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ . 26336 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا مَاتَ فِي الْعِدَّةِ وَالطَّلَاقُ بَاتٌّ فَعِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ . 26337 - وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ . 26338 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَتَلْغِي مَا كَانَتِ اعْتَدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ . 26339 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَشُرَيْحٍ ، وَعِكْرِمَةَ . 26340 - وَقَالَ شُرَيْحٌ : كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ; تَسْتَأْنِفُهَا . 26341 - وَقَالَ عِكْرِمَةُ : لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عِدَّتِهَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ ثُمَّ مَاتَ وَرِثَتْهُ وَاسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا .
1211 1165 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ أَنَّهَا تَرِثُهُ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ بِأَنَّ السَّلَفَ عَلَى هَذَا إِلَّا ابْنَ الزُّبَيْرِ . 26330 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ : فَإِنْ طَلَّقَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، فَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ . 26331 - وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ .
1209 1164 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَقَالَ : إِذَا حِضْتِ ثُمَّ طَهُرْتِ فَآذِنِينِي . فَلَمْ تَحِضْ حَتَّى مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ فَطَلَّقَهَا الْبَتَّةَ أَوْ تَطْلِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ عَلَيْهَا مِنَ الطَّلَاقِ غَيْرُهَا ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا . 26278 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ أَنَّهَا تَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ . 26279 - وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ . 26280 - وَلَا أَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا أَرَى أَنْ تَرِثَ الْمَبْتُوتَةُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 26281 - وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي تَوْرِيثِ الزَّوْجَاتِ ، وَلَيْسَ الْمَبْتُوتَةُ بِزَوْجَةٍ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرِثُهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْ مَاتَتْ ، قَالُوا : وَكَذَلِكَ لَا تَرِثُهُمْ ، وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَوَرِثَهَا كَمَا تَرِثُهُ . 26282 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 26283 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ . 26284 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ ، فَقَالَ : قَدْ وَرَّثَ عُثْمَانُ ابْنَةَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَانَتْ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا وَمَاتَ فِي عِدَّتِهَا ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ . 26285 - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ . 26286 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَنْ عُثْمَانَ هَلْ وَرَّثَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ 26287 - فَرِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ وَرَّثَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ . 26288 - وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . 26289 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عُثْمَانَ وَرَّثَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ . 26290 - وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُثْمَانَ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَكَانَ طَلَاقُهَا ثَلَاثًا . 26291 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي الْأَمْصَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ؛ 26292 - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ طَلَّقَ فِي مَرَضِهِ فَمَاتَ وَرِثَتْهُ امْرَأَتُهُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَ الْعِدَّةِ ، تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ . 26293 - قَالَ : وَلَوْ تَزَوَّجَتْ عَشَرَةَ أَزْوَاجٍ كُلَّهُمْ طَلَّقَ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْهُمْ كُلَّهُمْ . 26294 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ وَنِصْفُ الْمَهْرِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا . 26295 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ صِحَّةٌ مَعْرُوفَةٌ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَرِثْهُ . 26296 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ . 26297 - وَذَكَرَ اللَّيْثُ أَنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنِ الْمَرِيضِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ : تَرِثُهُ ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ عَشَرَةَ أَزْوَاجٍ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ شُبْرُمَةَ . 26298 - قَالَ اللَّيْثُ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِيعَةَ . 26299 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا زُفَرَ : إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْهُ ، وَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضٍ غَيْرِهِ لَمْ تَرِثْهُ ، وَلَوْ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ - إِلَّا عِنْدَ زُفَرَ خَاصَّةً ، فَإِنَّهُ قَالَ : تَرِثُهُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ . 26300 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ مِثْلَ قَوْلِ زُفَرَ . 26301 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَهَا الْمِيرَاثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ . 26302 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 26303 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ وَإِنْ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ . 26304 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : هَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِهِ . 26305 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ . 26306 - وَخَرَّجَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مَذْهَبَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَرِثُ . وَالثَّانِي أَنَّهَا لَا تَرِثُ . أَحَدُهُمَا اتِّبَاعُ السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ ، وَالثَّانِي عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْأُصُولُ وَالْقِيَاسُ . 26307 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : أَتَانِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ بِكِتَابِ عُمَرَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ أَنَّهَا تَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَا يَرِثُهَا . 26308 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُوَرِّثُونَ الْمَبْتُوتَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ؛ 26309 - أَحَدُهَا : أَنَّهَا تَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ تَرِثْهُ . 26310 - وَالْآخَرُ : أَنَّهَا تَرِثُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَنْكِحْ ، فَإِنْ نَكِحَتْ فَلَا تَرِثُهُ . 26311 - وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا فُرْقَةٌ لَا تَرِثُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ . 26312 - فَمِنَ الْقَائِلِينَ أَنَّهَا تَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَائِشَةُ ، وَعُثْمَانُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . 26313 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ . 26314 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ . 26315 - وَمِنَ الْقَائِلِينَ أَنَّهَا تَرِثُ بَعْدَ الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَنْكِحْ غَيْرَهُ : عُثْمَانُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَيُّوبُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 26316 - وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا تَرِثُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِنْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ وَأَزْوَاجًا : رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ . 26317 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ قَالَ أنَّهَا لَا تَرِثُهُ إِلَّا فِي الْعِدَّةِ اسْتَحَالَ عِنْدَهُ أَنْ تَرِثَهُ وَهِيَ مَبْتُوتَةٌ فِي مَوْضِعِ أَنْ تَرِثَهُ فِيهِ الرَّجْعِيَّةُ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ صَحِيحًا طَلْقَةً يَمْلِكُ فِيهَا رَجْعَتَهَا ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ مَوْتِهِ أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ لَيْسَتْ مِنْهُ وَلَا هُوَ مِنْهَا ، وَلَا تَكُونُ الْمَبْتُوتَةُ الْمُخْتَلَفُ فِي مِيرَاثِهَا فِي الْعِدَّةِ بِالْمِيرَاثِ بِأَقْوَى مِنَ الْمُجْتَمَعِ عَلَى مِيرَاثِهَا فِي الْعِدَّةِ . 26318 - وَمَنْ قَالَ أَنَّهَا تَرِثُهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَنْكِحْ اعْتَبَرَ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ امْرَأَةً لَا تَرِثُ زَوْجَيْنِ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُ أَنْ تَرِثَهُ وَهِيَ امْرَأَةٌ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 26319 - وَمَنْ قَالَ أَنَّهَا تَرِثُهُ وَإِنْ نَكَحَتْ أَزْوَاجًا قَالَ : لَمَّا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لَهَا يَمْنَعُهُ مِيرَاثَهُ فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا عَلَى الثَّابِتِ عِنْدَهُ عَنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ وَرَّثَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَكَانَ طَلَاقُهُ لَهَا فِي نَفْيِ الْمِيرَاثِ كَالطَّلَاقِ عُقُوبَةً لِإِخْرَاجِهِ لَهَا مِنْ مِيرَاثِهِ بِأَنْ بَتَّ طَلَاقَهَا فِي مَرَضِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ تَزْوِيجُهَا . 26320 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بِإِذْنِهَا أَوْ يُمَلِّكُهَا أَمْرَهَا فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ ؛ 26321 - فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنِ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهِ فَطَلَّقَهَا أَوْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا - فَإِنَّهَا تَرِثُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً دُونَ أَنْ تَسْأَلَهُ ذَلِكَ . 26322 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ طَلَّقَهَا بِإِذْنِهَا وَرِثَتْهُ ، وَإِنْ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَرِثْهُ . 26323 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا أَوْ خَالَعَهَا أَوْ قَالَ لَهَا : إِنْ شِئْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَسَأَلَتْهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْهُ . 26324 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ شِئْتِ فَشَاءَتْ فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْهُ عِنْدِي فِي قِيَاسِ جَمِيعِ الْأَقَاوِيلِ . 26325 - وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَجِيءُ الْوَقْتُ وَهُوَ مَرِيضٌ ؛ 26326 - فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَرِثُهُ . 26327 - وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ زُفَرَ أَنَّهَا تَرِثُهُ . 26328 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ : إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَدِمَ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ فَمَاتَ - وَرِثَتْهُ . 26329 - وَقَالَ : كُلُّ طَلَاقٍ يَقَعُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ فَمَاتَ وَرِثَتْهُ .
1210 1166 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ : كَانَتْ عِنْدَ جَدِّي حَبَّانَ امْرَأَتَانِ ؛ هَاشِمِيَّةٌ وَأَنْصَارِيَّةٌ ، فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ ، فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ عَنْهَا وَلَمْ تَحِضْ ، فَقَالَتْ : أَنَا أَرِثُهُ ، لَمْ أَحِضْ . فَاخْتَصَمَتَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ ، فَلَامَتِ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ : هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّكَ ، هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . 26342 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ . 26343 - كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى وَالْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ . 26344 - وَأَمَّا مَوْضِعُهُ فَفِي بَابِ جَامِعِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، وَسَنَذْكُرُ فِيهِ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26345 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهَا مِمَّنِ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ لَا مِنْ أَجْلِ رِيبَةٍ ارْتَابَتْهَا - أَنَّ عِدَّتَهَا الْأَقْرَاءُ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ إِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، وَهُوَ قَضَاءُ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَاتِ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، وَأَنَّ عِدَّةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ إِذَا كَانَتْ حُرَّةً أَوْ قُرْءًا إِنْ كَانَتْ أَمَةً . 26346 - وَأَمَّا الَّتِي تَرْتَابُ بِحَيْضَتِهَا فَتَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ تَخْشَى أَنْ تَنْقَطِعَ حَيْضَتُهَا لِمُفَارَقَةِ سِنِّهَا لِذَلِكَ فَتَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الشُّهُورِ . 26347 - فَقَدْ رُوِيَ فِيهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26348 - قَالَ مَالِكٌ فِي الَّتِي تَرْفَعُ الرَّضَاعُ حَيْضَتَهَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَلَيْسَتْ كَالْمُرْتَابَةِ وَلَا الْمُسْتَحَاضَةِ . 26349 - قَالَ : وَالْمُرْتَفِعَةُ الْحَيْضِ مِنَ الْمَرَضِ كَالْمُرْتَابَةِ فِي الْعِدَّةِ . 26350 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَأْتِي مَسْأَلَةُ الْمُرْتَابَةِ فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( 15 ) بَابُ طَلَاقِ الْبِكْرِ 26245 - قال أبو عمر : يريد بالبكر هنا التي لم يدخل بها زوجها ، ثيبا كانت أو بكرا . 1159 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ أَنَّهُ قَالَ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا ، فَجَاءَ يَسْتَفْتِي ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ لَهُ ، فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَا : لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ . قَالَ : فَإِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ . 26246 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ لُزُومُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ . 26247 - وَفِيهِ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا كَالْمَدْخُولِ بِهَا فِي ذَلِكَ . 26248 - وَعَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَغَيْرِ الْبِكْرِ ، وَالْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا - أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُهَا عَلَى مُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 26249 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الثَّلَاثَ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا وَاحِدَةً . 26250 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ أَبِي الصَّهْبَاءِ . 26251 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ : إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ . 26252 - قَالَ عَلِيٌّ : قُلْتُ لِسُفْيَانَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ نَافِعٍ قَالَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : هِيَ وَاحِدَةٌ . قَالَ سُفْيَانُ : حَفِظْتُهُ عَنْ عَمْرٍو وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ . 26253 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ عَنْهُمْ فَهُوَ كَانَ حَافِظًا أَيْضًا . 26254 - وَقَالَتْ بِذَلِكَ فِرْقَةٌ شَذَّتْ عَنِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ اجْتِمَاعُهُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَقَالُوا : لَنْ يَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مَا رَوَاهُ عَنْهُ كُتَّابُ أَصْحَابِهِ ; طَاوُسٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَلَى حَسَبِ حَدِيثِ أَبِي الصَّهْبَاءِ عَنْهُمْ . 26255 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ كَالْمَدْخُولِ بِهَا سَوَاءً عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَنَسٌ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ التَّابِعِينَ عَمَّنْ ذَكَرْنَا . 26256 - وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْأَمْصَارِ : ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَيِّ ، وَمَالُكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الطَّبَرِيُّ . 26257 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي أَوَّلِ بَابِ الطَّلَاقِ ، وَذَكَرْنَا مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنَ الشُّذُوذِ الَّذِي لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حَدِيثَ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي الصَّهْبَاءِ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ طَاوُسٌ ، وَأَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوُونَ عَنْهُ خِلَافَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ فِيمَا مَضَى . 26258 - وَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِيَرْوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَيْئًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ إِلَى رَأْيِ نَفْسِهِ ، بَلِ الْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَنَا أَقُولُ لَكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ! قَالَهُ فِي فَسْخِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ . 26259 - وَمِنْ هُنَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أنَّ حَدِيثَ طَاوُسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي الصَّهْبَاءِ لَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ . 26260 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ بِمَبْلَغِ وُسْعِنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 26261 - وَمِنَ الْأَسَانِيدِ فِي حَدِيثِ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . 26262 - وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ بُكَيْرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ : " فَإِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةٌ " فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ أُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً ، فَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ : أَرْسَلْتَ مَنْ يَتْرُكُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ فَضْلٍ . وَالْآخَرُ : أَنَّ قَوْلَهُ : " إِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةٌ " أَيْ أَنَّ الثَّلَاثَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَاحِدَةٌ عِنْدَ غَيْرِكَ ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ .
26269 - وَفِي هَذَا الْبَابِ قَالَ مَالِكٌ : وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، إِنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ ، الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا ، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 26270 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : مَلَكَهَا أَيُّ مَلَكَ عِصْمَتَهَا بِالنِّكَاحِ . 26271 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا فَحُكْمُهُمَا إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الدُّخُولُ بِهَا وَبِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . 26272 - وَمَنْ شَذَّ فَجَعَلَ طَلَاقَ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا ثَلَاثًا وَاحِدَةً عَلَى رِوَايَةِ طَاوُسٍ فِي حَدِيثِ أَبِي الصَّهْبَاءِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ . 26273 - وَالْبِكْرُ أَيْضًا عِنْدَهُ وَالثَّيِّبُ سَوَاءٌ ، وَلَوْلَا كَرَاهَةُ التَّطْوِيلِ لَأَعَدْنَا الْقَوْلَ هَاهُنَا بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1161 - وَفِيهِ : مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِيَاسِ بْنِ بُكَيْرٍ سَأَلَهُمَا عَنْ رَجُلٍ مَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَقَالَا : الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا ، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - مُخْتَصَرًا أَيْضًا . 26266 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ أَخَوَانِ . 26267 - وَالنُّعْمَانُ أَسَنُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ ، وَأَبُوهُمَا أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ . 26268 - وَالْقَوْلُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ .
1205 1160 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ - إِلَّا أَنَّ يَحْيَى وَقَعَ فِي كِتَابِهِ : النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، وَهُوَ وَهْمٌ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ ؛ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا ، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 26263 - لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ . 26264 - وَأَنْكَرَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ إِدْخَالَ مَالِكٍ فِيهِ بَيْنَ بُكَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ ، وَقَالَ : لَمْ يَتْبَعْ مَالِكًا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَلَى ذَلِكَ . 26265 - وَالنُّعْمَانُ أَقْدَمُ مِنْ عَطَاءٍ ، أَدْرَكَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ .
( 14 ) بَابُ مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ 26244 - ذَكَرَ مَالِكٌ هَذَا الْبَابَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَذَكَرَهُ هُنَا ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَاكَ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
1202 1157 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ . 26072 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى انْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا ، وَقَالَ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ، وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ . 26073 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حَيًّا ظَاهِرًا فِي حِينِ اللِّعَانِ فَانْتَفَى مِنْهُ ; إِمَّا لِغَيْبَةٍ غَابَهَا ، أَوْ لِاسْتِبْرَاءٍ ادَّعَاهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَمْلِهَا حَتَّى وَضَعَتْهُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا يَنْفِي عَنْهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ وَقْتًا مَا ثُمَّ جَحَدَهُ وَنَفَاهُ بَعْدُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا وهُوَ حَمْلٌ ظَاهِرٌ بِهَا . 26074 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ نَفْيِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ ؛ 26075 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا رَأَى الْحَمْلَ فَلَمْ يَنْفِهِ حَتَّى وَضَعَتْهُ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ نَفَاهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، فَإِنِ انْتَفَى مِنْهُ حِينَ وَلَدَتْهُ وَقَدْ رَآهَا حَامِلًا فَلَمْ يَنْتِفِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ إِذَا كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً لِأَنَّهُ صَارَ قَاذِفًا لَهَا ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْحَمْلِ فَقَدِمَ وَقَدْ وَلَدَتْهُ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ . 26076 - وَقَالَ اللَّيْثُ فِيمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْتُهَا تَزْنِي : لَاعَنَ فِي الرُّؤْيَةِ وَلَزِمَهُ الْحَمْلُ . 26077 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْحَمْلِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ إِمْكَانًا بَيِّنًا فَتَرَكَ اللِّعَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ ، كَالشُّفْعَةِ . 26078 - هَذَا قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : إِنْ لَمْ يَنْفِهِ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ . 26079 - وَقَالَ بِمِصْرَ : لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَهُ نَفْيُهُ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ عَلِمَ بِهِ يَأْتِي فِيهَا الْحَاكِمَ أَوْ يَشْهَدُ كَانَ مَذْهَبًا . 26080 - قَالَ : وَأَيُّ مُدَّةٍ إِنْ قَلَّتْ لَهُ نَفْيُهُ فِيهَا فَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِمَا يَخَافُ فَوْتَهُ بِمَرَضٍ أَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَأَشْهَدَ وَلَمْ يُسِرَّ فَهُوَ عَلَى نَفْيِهِ . 26081 - وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ إِذَا قَالَ لَمْ أُصَدِّقْ حَمْلَهَا ، أَوِ الْحَاضِرُ إِنْ قَالَ لَا أَعْلَمُ . 28082 - قَالَ : ولَوْ رَآهَا حُبْلَى فَلَمَّا وَلَدَتْ نَفَاهُ وَقَالَ : لَمْ أَدْرِ أَنَّهُ حَمْلٌ - كَانَ لَهُ نَفْيُهُ . 26083 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا وَلَدَتْ فَنَفَى وَلَدَهَا مِنْ يَوْمِ يُولَدُ أَوْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ لَاعَنَ وَانْتَفَى الْوَلَدَ ، فَإِنْ لَمْ يَنْفِهِ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ أَوْ سَنَتَانِ ثُمَّ نَفَاهُ لَاعَنَ وَلَزِمَهُ الْوَلَدُ . 26084 - وَلَمْ يُؤَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ لِذَلِكَ وَقْتًا ، وَوَقَّتَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِقْدَارَ النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . 26085 - قَالَ : وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِمَ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْدَارِ النِّفَاسِ مُنْذُ يَوْمِ قَدِمَ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يَنْتِفِ عَنْهُ أَبَدًا . 26086 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَنْفِيهُ الزَّوْجُ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رُؤْيَةِ الزِّنَا ، وَلَا يَنْتَفِي الْحَمْلُ إِلَّا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ وَأَنَّهُ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَ . 26087 - وَالِاسْتِبْرَاءُ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ حَيْضَةٌ . 26088 - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا تُسْتَبْرَأُ الْحُرَّةُ فِي ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ . 26089 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . 26090 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَمْلُ ظَاهِرًا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ لَمْ يَنْفِهِ لِعَانُهُ وَلَحِقَ بِهِ . 26091 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَادَّعَى الْوَلَدَ لَحِقَ بِهِ ، وَهُوَ أَدْنَى اللِّعَانِ نَفَيْنَاهُ عَنْهُ ، وَصَارَ قَاذِفًا لَهَا بِنَفْيِهِ وَلَدَهَا . 26092 - وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ : إِنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ وَادَّعَى رُؤْيَتَهُ لَاعَنَ ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ فَهُوَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ اللِّعَانُ ، فَإِنِ ادَّعَاهُ لَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ . 26093 - قَالَ الْمُغِيرَةُ : وَيُلَاعِنُ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَدَّعِي الِاسْتِبْرَاءَ . 26094 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى الْحَمْلَ وَقَالَ لَيْسَ مِنِّي لَاعَنَ وَانْتَفَى عَنْهُ الْوَلَدُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فَسَكَتَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ قَوْلِهِ فِي تَوْقِيتِ الْمُدَّةِ فِي ذَلِكَ . 26095 - وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 26096 - وَلَا مَعْنَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلِاسْتِبْرَاءِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَحْمِلُ مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ وَتَلِدُ مَعَ الِاسْتِبْرَاءِ . 26097 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمُ اللِّعَانُ عَلَى الْحَمْلِ . 26098 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا قَالَ لَيْسَ هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا لَهَا ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَوْ بَعْدَ يَوْمٍ لَمْ يُلَاعَنْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ . 26099 - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 26100 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَاعَنَ . 26101 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ . 26102 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ كُلُّهُمْ يَقُولُ : يُلَاعِنُ عَلَى الْحَمْلِ الظَّاهِرِ . 26103 - وَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُلَاعِنُهَا حَتَّى تَلِدَ . 26104 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ قَالَ : وَلَوْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ عَنْ قَذْفِهَا لَمْ يَنْتِفِ وَلَدُهَا عَنْهُ حَتَّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ وَضْعِهَا وَيُلَاعِنَ . 26105 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمُلَاعَنَةِ عَلَى الْحَمْلِ . 26106 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يُلَاعَنُ عَلَى الْحَمْلِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَشُ فَيَكُونُ قَوْلًا عَلَى رِيحٍ . 26107 - وَمَنْ نَفَى حَمْلَ امْرَأَتِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ لَيْسَ مِنِّي لَاعَنَهَا ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لَهَا . 26108 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُلَاعِنُهَا إِلَّا أَنْ يَقْذِفَهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي حَمْلُهَا فَيَنْتَفِي قَذْفُهَا عَنْهُ . 26109 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْكَارُ الْحَمْلِ مِنْ أَشَدِّ الْقَذْفِ . 26110 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْقَذْفُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ الْبَيِّنِ . 26111 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمَنْ لَمْ يَرَ اللِّعَانَ عَلَى الْحَمْلِ حَتَّى تَلِدَ زَعَمَ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَشُ وَيَضْمَحِلُّ . 26112 - قَالَ : فَلَا وَجْهَ لِلِعَانٍ بِغَيْرِ اسْتِيقَانٍ . 26113 - وَمَنْ رَأَى اللِّعَانَ عَلَى الْحَمْلِ إِذَا نَفَاهُ فَحُجَّتُهُ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ هَذَا فَمَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا . 26114 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَهِيَ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْمُصَنَّفَاتِ وَالْمَسَانِيدِ . 26115 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ وَبَانَ لَهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يَنْفِهِ ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَيُجْلَدُ الْحَدَّ ، إِلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ فَإِنَّهُ يُلَاعَنُ وَلَا يُجْلَدُ عَلَى أَصْلِهِمْ . 26116 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا يَعْنِي بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ؛ 26117 - فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ : إِذَا فَرَغَا جَمِيعًا مِنَ اللِّعَانِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ . 26118 - وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ . 26119 - وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّهُ قَالَ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ . 26120 - قَالَ : وَلَوِ الْتَعَنَ الزَّوْجُ ثُمَّ مَاتَ فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ ، وَيَتَوَارَثَانِ . 26121 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ الْخَامِسَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا . 26122 - قَالَ : وَلَوْ لَمْ يُكْمِلِ الْخَامِسَةَ وَمَاتَ وَرِثَهُ ابْنُهُ وَزَوْجَتُهُ . 26123 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنَ اللِّعَانِ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا . 26124 - وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ . 26125 - قَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا تَلَاعَنَا وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا . 26126 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 26127 - وقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ - أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ : إِذَا تَلَاعَنَا فَلَا أَرَى اللِّعَانَ يَنْقُصُ شَيْئًا ؛ يَعْنِي مِنَ الْعِصْمَةِ . 26128 - قَالَ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُطَلِّقَ . 26129 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : اللِّعَانُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ . 26130 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ اللِّعَانَ أَوْجَبَ الْفُرْقَةَ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ لِعَانِهِمَا ، وَقَالَ لَهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا - إِعْلَامًا مِنْهُ بِأَنَّ اللِّعَانَ رَفَعَ سَبِيلَهُ عَنْهَا . 26131 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يُونُسَ . 26132 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ؛ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ ، فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ : اسْتَأْذِنْ لِي . قَالَ : إِنَّهُ قَائِلٌ . فَسَمِعَ صَوْتِي ، قَالَ : ابْنُ جُبَيْرٍ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قال : ادْخُلْ ، فَوَاللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ ! فَدَخَلْتُ ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ ، قُلْتُ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، الْمُتَلَاعِنَانِ ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! نَعَمْ ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ ، كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ! قَالَ : فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ . قَالَ : لَا ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ! ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ . قَالَتْ : لَا ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لِكَاذِبٌ ! فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . 26133 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ : حِسَابُكُمْا عَلَى اللَّهِ ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَالِي ! قَالَ : مَالُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ . 26134 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : تَفْرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ تَفْرِيقُ حُكْمٍ لَيْسَ لِطَلَاقِ الزَّوْجِ فِيهِ مَدْخَلٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقٌ أَوْجَبَهُ اللِّعَانُ ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِ . 26135 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِهِ . 26136 - وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّ اللِّعَانَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا يَنْفُذُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يَكُنْ تَفْرِيقُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اسْتِئْنَافًا مِنْ حُكْمٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ تَنْفِيذًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَهُمَا . 26137 - وَهُوَ مَعْنَى اللِّعَانِ فِي اللُّغَةِ . 26138 - فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُعْلِمَهَا بِأَنَّ اللِّعَانَ فِرَاقٌ بَيْنَهُمَا وَإِنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُلْ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا ، فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ بِتَمَامِ اللِّعَانِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . 26139 - وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الْتِعَانَهُ عَلَيْهَا إِلَى آخِرِ الْخَامِسَةِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَزَالَ فِرَاشُهُ ، الْتَعَنَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ لَمْ تَلْتَعِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْتِعَانُ الزَّوْجِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ عَنْ فِرَاشِهِ إِنْ نَفَاهُ فِي الْتِعَانِهِ كَانَ كَذَلِكَ قَطْعُ الْعِصْمَةِ وَرَفْعُ الْفِرَاشِ وَوُجُوبُ الْفُرْقَةِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْفِرَاقِ وَقَطْعِ الْعِصْمَةِ وَرَفْعِ الْفِرَاشِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِيَدِ الزَّوْجِ ، وَلَا مَعْنَى لِالْتِعَانِ الْمَرْأَةِ إِلَّا فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ الْآيَةَ . 26140 - وَلَمَّا اتَّفَقُوا أَنَّ الزَّوْجَ بِالْتِعَانِهِ يَنْتَفِي عَنْهُ الْوَلَدُ إِنْ نَفَاهُ كَانَ كَذَلِكَ بِرَفْعِ عِصْمَةِ النِّكَاحِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْنَى الْتِعَانِ الزَّوْجِ وَالْتِعَانِ الْمَرْأَةِ مُتَضَادَّانِ ; لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي مَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ ، وَالْمَرْأَةَ تَنْفِي الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِوُقُوعِ الْفِرَاقِ ، فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي رَفْعِ الْعِصْمَةِ الْتِعَانُهَا وَهِيَ مُكَذِّبَةٌ لِزَوْجِهَا فِي وُقُوعِ النَّسَبِ الْمُوجِبِ لِلْفِرَاقِ ؟ أَمْ كَيْفَ يَرْتَفِعُ النَّسَبُ وَيُنْفَى النِّكَاحُ ؟ 26141 - وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَقَعُ بِتَمَامِ اللِّعَانِ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، فَأَضَافَ الْفُرْقَةَ إِلَيْهِ لَا إِلَى اللِّعَانِ ، فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يَقُولَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا وَيُعْلِمَ مَنْ حَضَرَهُ بِذَلِكَ وَيُشْهِدَهُمْ . 26142 - قَالُوا : وَلَمَّا كَانَ اللِّعَانُ مُفْتَقِرًا إِلَى حُضُورِ الْحَاكِمِ كَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى تَفْرِيقِهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَقِيَاسًا عَلَى الْعِنِّينِ ; لِأَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ . 26143 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ - أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى طَلَاقٍ ، وَأَنَّ حُكْمَهُ وَسُنَّتَهُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِمَّا بِاللِّعَانِ وَإِمَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ . 26144 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : لَا يُنْقِصُ اللِّعَانُ شَيْئًا مِنَ الْعِصْمَةِ حَتَّى يُطَلِّقَ الزَّوْجُ . 26145 - وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمِ الْبَتِّيَّ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَا لَهُ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالسُّنَنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ طَلَاقَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْتِعَانِهَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحْسَنْتَ ، وَلَا فَعَلْتَ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ وَاجِبًا وَمُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ مُعَلِّمًا ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ، وَقَدْ قَالَ لَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا عِنْدَ تَمَامِ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا ، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ طَلَاقَ الْعَجْلَانِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إِلَّا قَوْلَهُ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عِنْدَ نَفْسِهِ عَلَى صِدْقِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَدْخُلُ دَاخِلُهُ فِي حُكْمِهِ ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَلَا نَهَاهُ وَلَا أَمَرَهُ ; لِأَنَّ طَلَاقَهُ كَانَ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ بِإِثْرِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ فَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِنَّمَا أَرَادَ الْفُرْقَةَ وَأَلَّا يَجْتَمِعَا أَبَدًا . 26146 - كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهَبٍ عَنْ عِيَاضٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ فِي اللِّعَانِ ، وَسَاقَهُ كَنَحْوِ سِيَاقَةِ مَالِكٍ لَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَمَضَتْ سُنَّةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ولَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . 26147 - ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي اللِّعَانِ . 26148 - وَعِيَاضٌ هَذَا قَدْ رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ مِصْرَ . 26149 - وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ تَقَعُ السُّنَّةُ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي طَلَاقِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : لَوْ كَانَ وُقُوعُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُجْتَمِعَاتِ لَا يَجُوزُ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ كَيْفَ تُطَلِّقُ ثَلَاثًا فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي دِينِنَا وَشَرِيعَتِنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ . 26150 - وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا تَقَعُ السُّنَّةُ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِدْعَةٌ لَازِمَةٌ لِمَوْقِعِهَا فَإِنَّهُ قَالَ : لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ طَلَاقٍ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ أَقْوَى مِنْ فُرْقَةِ الطَّلَاقِ لَمْ يَحْتَجْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا لَا مَعْنَى لَهُ . 26151 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاجْتَلَبْنَا أَقْوَالَ الْقَائِلِينَ فِيهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ . 26152 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ - فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُمَّ لَا يَنْتَفِي عَنْهَا وَلَدُهَا أَبَدًا وَأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِوِلَادَتِهَا لَهُ ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَضَى بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ عَنْ أَبِيهِ بِلِعَانِهِ أَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ خَاصَّةً كَأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ ، فَلَا يَرِثُ أَبَاهُ وَلَا يَرِثُهُ أَبُوهُ وَلَا أَحَدٌ بِسَبَبِهِ . وَقِيلَ : بَلْ أَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ ، فَجَعَلَ أُمَّهُ لَهُ كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ . 26153 - وَلِهَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ ، وَسَنُورِدُ هَذَا فِي بَابِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
26154 - قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَدًا . 26155 - وَقَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى هَذَا السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ . 26156 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَاللَّيْثُ . 26157 - وَبِهِ قَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ - كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ : إِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا سَوَاءٌ كَذَّبَ نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يُكَذِّبْهَا ، وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ لَحِقَ بِهِ ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ . 26158 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُقَلْ لَهُ : إِلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ، فَصَارَ كَالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ فِي الْأُمَّهَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ تَحْرِيمٍ مُطْلَقِ التَّأْبِيدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا لَمَّا لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً أَوْقَعَ فِيهِ الشَّرْطَ بِنِكَاحِ زَوْجِ غَيْرِهِ ، وَلَوْ قَالَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ - لَكَانَ نَهْيًا مُطْلَقًا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا . 26159 - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ فِي الْمُلَاعَنَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ فَهُوَ مُؤَبَّدٌ ، فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ حَقٌّ جَحَدَهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ فَلَزِمَهُ ، وَلَيْسَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ يَتَهَيَّأُ لَهُ إِبْطَالُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26160 - وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا أَكْذَبَ الْمَلَاعِنُ نَفْسَهُ ضُرِبَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ إِنْ شَاءَ . 26161 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . 26162 - وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُمَا الْقَوْلَانِ جَمِيعًا . 26163 - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ : إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَرُدَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ . 26164 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُهُ . 26165 - وَهُوَ عِنْدِي قَوْلٌ تَالِفٌ خِلَافَ مَنْ قَالَ : يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ . 26166 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا . 26167 - وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَيْضًا . 26168 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عَادَ إِلَى نِكَاحِهِ أَوْ حَلَّ لَهُ نِكَاحُهَا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، قَالُوا : فَيَعُودُ النِّكَاحُ حَلَالًا كَمَا عَادَ الْوَلَدُ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 26169 - وَالْحُجَجُ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنْ جِهَةِ الْمُقَايَسَاتِ وَالنَّظَرِ فِيهَا تَشْعِيبٌ ، وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَثَرٌ مُسْنَدٌ .
26170 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقًا بَاتًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنُهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِذَا ادَّعَتْهُ مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ . قَالَ : فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . 26171 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْهَا ، وَإِنْ أَنْكَرْ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لَاعَنَهَا . قَالَ : وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ . 26172 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ إِذَا قَذَفَهَا بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ ، وَيَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ لَهُ بِمَا رَمَاهَا بِهِ كَمَا يَلْزَمُ الْأَجْنَبِيَّ . 26173 - وَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ بَتَّ طَلَاقَهَا وَكَانَ إِنْكَارُهُ لِحَمْلِهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ فِي مُدَّةٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُهَا ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ بِهِ فِيهَا وَلَدُهَا ، وَذَلِكَ خَمْسُ سِنِينَ عِنْدَهُمْ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ سَنَذْكُرُهُ عَنْهُمْ وَعَنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26174 - وَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقْذِفُهَا فِي عِدَّتِهَا وَيَقُولُ رَأَيْتُهَا تَزْنِي فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ لَا يُلَاعَنُ . 26175 - وَهَذَا خِلَافُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأ . 26176 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِنْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ إِنْ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ مَا لَوْ أَبتْ فِيهِ يوَلَدٍ مِنْ يَوْمِ رَمَاهَا لَزِمَهُ الْوَلَدُ فَإِنَّهُ يُلَاعَنُ ، وَإِنْ كَانَ وَقْتًا لَوْ أَتَتْ فِيهِ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعَنُ . 26177 - وَقَالَ يَحْيَى : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِلَى أَقْصَى مَا تَلِدُ لَهُ النِّسَاءُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ ، إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ . 26178 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا شَكَّ وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِيهِ - أَعْنِي مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ . 26179 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي الْمَبْتُوتَةِ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا ثُمَّ يَقْذِفُهَا الزَّوْجُ الْمُطَلِّقُ لَهَا وَيَقُولُ رَأَيْتُهَا تَزْنِي أَنَّهَا تُحَدُّ وَلَا يُلَاعَنُ . 26180 - وَأَمَّا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ ؛ 26181 - فَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ حَمْلًا فِي عِدَّتِهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الَّذِي تَعْتَدُّ مِنْهُ لَاعَنَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ عِدَّةٍ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ . 26182 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ سَنَةٍ فَنَفَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَيُضْرَبُ الْحَدَّ ; لِأَنَّهُ قَذَفَهَا . 26183 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يَثْبُتُ الْحَدُّ وَالنَّسَبُ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ كَانَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَيُحَدُّ لِأَنَّ الْقَذْفَ وَقَعَ وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ . 26184 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ : يُحَدُّ وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ . 26185 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : إِذَا نَفَى وَلَدًا أَوْ حَمْلًا الْتَعْنَ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَى الْوَلَدَ بَعْدَ مَوْتِهَا الْتَعْنَ ، وَإِذَا لَمْ يَنْفِ حَمْلًا وَلَا وَلَدًا وَقَذَفَهَا وَهِيَ مَبْتُوتَةٌ حُدَّ . 26186 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ؛ 26187 - فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ اللِّعَانَ وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْحَدَّ إِنْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ ، وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى أَنَّ شُهُودًا لَوْ شَهِدُوا بِزِنًا فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا لَكَانَ رُجُوعُ الشُّهُودِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَكَذَلِكَ حُدُوثُ الْفُرْقَةِ قَبْلَ اللِّعَانِ مُسْقِطًا . 26188 - وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ : يُلَاعَنُ ; لِأَنَّ الْقَذْفَ كَانَ وَهِيَ زَوْجَةٌ . 26189 - وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 26190 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ . 26191 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ قَذَفَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُلَاعِنْهَا كَانَ كَذَلِكَ إِذَا قَذَفَهَا وَهِيَ زَوْجَةٌ ثُمَّ بَانَتْ لَمْ يَبْطُلِ اللِّعَانُ . 26192 - وَقَالُوا : لَوْ قَذَفَهَا بَعْدَ أَنْ بَانَتْ مِنْهُ بِزِنًا نَسَبَهُ إِلَيْهَا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ وَهِيَ زَوْجَةٌ حُدَّ ، وَلَا لِعَانَ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ وَلَدًا . 26193 - وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بَعْدَ الْقَذْفِ ؛ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعَنُ . 26194 - قَالَهُ مَكْحُولٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَقَتَادَةُ . 26195 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ قَاذِفٌ غَيْرَ زَوْجِهِ فِي حِينِ الْمُطَالَبَةِ بِالْقَذْفِ .
26196 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ ، يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَةً حَدٌّ . 26197 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا . 26198 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوِ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا . 26199 - هَذَا قَوْلُهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 26200 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرَةِ لِعَانٌ إِذَا قَذَفَهَا ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُهَا تَزْنِي فَيُلَاعِنُ ، سَوَاءٌ ظَهَرَ الْحَمْلُ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ : أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ فَيَلْحَقُ بِي نَسَبُ وَلَدِهَا . 26201 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنَّمَا يُلَاعِنُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَةَ فِي دَفْعِ الْحَمْلِ ، وَلَا يُلَاعِنُهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ . 26202 - وَكَذَلِكَ زَوَّجْتُهُ الْأَمَةُ لَا يُلَاعِنُهَا إِلَّا فِي نَفْيِ الْحَمْلِ . 26203 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ يُلَاعَنُ . 26204 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ جَمِيعًا كَافِرَيْنِ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْنَا . 26205 - قَالَ : وَالْمَمْلُوكَانِ الْمُسْلِمَانِ بَيْنَهُمَا اللِّعَانُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ الْوَلَدَ . 26206 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَجِبُ لِعَانٌ إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا ، وَيُحَدُّ إِنْ كَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ . 26207 - وَقَالَ الْحَسَنُ : لَيْسَ بَيْنَ الْمَمْلُوكَيْنِ وَالْمُشْرِكَيْنِ حَدٌّ فِي قَذْفٍ وَلَا لِعَانٍ ، وَلَا يُلَاعَنُ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ . 26208 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا لِعَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَا بَيْنَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَامْرَأَتِهِ . 26209 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَى قَاذِفِهَا حَدٌّ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إِذَا قَذَفَهَا . 26210 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يُلَاعِنُ الْمُسْلِمُ زَوْجَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ إِذَا قَذَفَهَا . 26211 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : كُلُّ مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِأَمْرٍ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ ولَا يُبَيَّنُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ . 26212 - وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الْعَبْدِ إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ وَادَّعَى أَنَّهُ رَأَى عَلَيْهَا رَجُلًا لَاعَنَهَا ; لِأَنَّهُ يُحَدُّ لَهَا إِذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً لَاعَنَهَا فِي الْوَلَدِ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ، وَلَا يُلَاعِنُهَا الرُّؤْيَةَ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ لَهَا فِي الْقَذْفِ . 26213 - قَالَ : وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ . 26214 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ زَوْجٍ جَازَ طَلَاقُهُ وَلَزِمَهُ الْفَرْضُ يُلَاعِنُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَلْزَمُهَا الْفَرْضُ . 26215 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَحْدُودًا أَوْ مَحْدُودَةً فِي الزِّنَا إِذَا رَمَاهَا بِذَلِكَ الزِّنَا ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ لِأَنَّهُ آذَى الْمُسْلِمَةَ . 26216 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَ اللِّعَانَ إِلَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْبَالِغَيْنِ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ ذِمِّيَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً حَدٌّ ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ مِثْلَ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ذِمِّيَّةً وَلَا أَمَةً . قَالُوا : وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ . 26217 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ اللِّعَانُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ لَمْ يَخُصَّ حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ وَلَا مُسْلِمَةً مِنْ ذِمِّيَّةٍ ، فَوَاجِبٌ أَلَّا يَخُصَّ نَفْسَهُ إِلَّا بِزَوْجٍ بِإِجْمَاعٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا حُمِلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ وَ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ عَلَى الْعُمُومِ . 26218 - وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ إِنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ لَا يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَاللَّهُ قَدْ قَالَ : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ . 26219 - وَقَدْ أَجَابَهُمُ الشَّافِعِيُّ بِأَنْ قَالَ : هَذَا جَهْلٌ بِلِسَانِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا يَمِينٌ ، وَالْيَمِينُ تَكُونُ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَمِمَّنْ لَا يَجُوزُ ، وَكَيْفَ تَكُونُ شَهَادَةُ مَنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ مَرَّةً وَيَدْرَأُ الْحَدَّ أُخْرَى فِي الْحُرِّ ! ! 26220 - وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي اللِّعَانِ بَيْنَ الْفَاسِقِينَ فَسَقَطَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الشَّهَادَةِ ، فَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ فِي الْفَاسِقِينَ . 26221 - وَالْكَلَامُ فِي هَذَا طَوِيلٌ .
26222 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ : إِنَّهُ إِذَا نَزَعَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا . 26223 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدَّ عَلَى مَا وَصَفَهُ مَالِكٌ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ . 26224 - وَظَاهِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُوَطَّأ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا الْتَعْنَ الْخَامِسَةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ . 26225 - وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ . 26226 - وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبٍ لِمَالِكٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، بَلْ مَذْهَبُهُ عِنْدَ جَمَاعَتِهِمْ أَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِتَمَامِ الْتِعَانِهِمَا . 26227 - وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَصْبَغَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُوَطَّأ هَذِهِ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَيَنْفِي الْوَلَدَ - أَنَّهُ يَلْتَعِنُ وَلَا تَلْتَعِنُ الْمَرْأَةُ ; لِأَنَّ وَلَدَهَا رَاجِعٌ إِلَى فَرَاشِ الثَّانِي إِذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ يَوْمِ نَكَحَهَا ، فَإِنْ فَارَقَهَا الثَّانِي لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ الْمُلْتَعِنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا . 26228 - وَهَذَا نَحْوُ مَا وَصَفْنَا . 26229 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : تَقَدَّمَ ، وَتَحِلُّ لَهُ . 26230 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هُنَا .
26231 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ أَنَا حَامِلٌ ، قَالَ : إِنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا لَاعَنَهَا . 26232 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَنْ قَالَ يُلَاعِنُ عَدَدَ الْحَمْلِ وَمَنْ أَبَى مَنْ ذَلِكَ لَمْ يُلَاعِنْ حَتَّى تَضَعَ . 26233 - وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ وَمَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ .
26234 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهُ لَا يَطَؤُهَا وَإِنْ مَلَكَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَدًا . 26235 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَحْرِيمِ فِرَاقِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَبَدِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ . 26236 - وَقَدْ مَضَى الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ وَوُجُوهُهُ ، وَأَصْلُهَا أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَمَّا لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُلَاعِنَةُ لَا تَحِلُّ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ .
26237 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ . 26238 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ; لِأَنَّهُ فِرَاقٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ قِيَاسًا عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ . 26239 - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ : لَا ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا ; لِأَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ . 26240 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا صَدَاقَ لَهَا ، كَأَنَّهُ جَاءَ الْفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهَا ، وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 26241 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللِّعَانُ مَعْنَاهُ قَذَفُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ، وَلَا يُوجِبُ الْقَذْفُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ . 26242 - وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ إِلَّا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ تَقُولُ : إِنَّ زَوْجَتَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ أَوِ اللِّعَانِ . 26243 - وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلٌ مَهْجُورٌ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَاسْتَحْسَنَهُ ، وَهُوَ ضَعْفٌ مِنَ الْقَوْلِ ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْسِيرٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
( 13 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ 1156 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ؛ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا . فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا . فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا . قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ! فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ بَعْدُ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . 25997 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ تَوْجِيهِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِ اللِّعَانِ مَا ظَهَرَ لَنَا ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وَأَحْكَامِ اللِّعَانِ أَيْضًا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى . 25998 - زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالتَّعْرِيضِ فِي الْقَذْفِ ; لِقَوْلِ عُوَيْمِرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ 25999 - وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُعَرَّضَ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا جَاءَ طَالِبًا ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَرَّضَ بِقَذْفِ رَجُلٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ أَوْ يُسَمِّيهِ فِي مُشَاتَمَةٍ أَوْ مُنَازَعَةٍ ، وَيَطْلُبُ الْمُعَرَّضُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْحَدِّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْمُعَرِّضِ أَنَّهُ قَصَدَ الْقَذْفَ لِلْمُعَرَّضِ بِهِ ، وَزَوْجَةُ عُوَيْمِرٍ لَمْ يَمَسَّهَا وَلَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَلَا جَاءَتْ طَالِبَةً . 26000 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا وَوُجُوهُ مَعَانِي أَقْوَالِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26001 - وَفِي قَوْلِ عُوَيْمِرٍ " أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ " وَسُكُوتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ " لَا نَقْتُلُهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِزِنَاهُ بِهَا . 26002 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُجَوَّدَةً فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26003 - وَفِيهِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوقِعَهُ حَيْثُ شَاءَ . 26004 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 26005 - وَيَسْتَحِبُّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَجْزَأَ عِنْدَهُمْ . 26006 - وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ قَاضٍ وَسَائِرِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ يَقُومُ فِي اللِّعَانِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِيهِ مَقَامَ الْإِمَامِ . 26007 - وَفِي قَوْلِ عُوَيْمِرٍ " أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَجِبُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ رَجُلًا مِنْ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةً مِنَ امْرَأَةٍ . 26008 - وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ فَقَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ زَوْجًا مَن زَوْجٍ . 26009 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ سَنَذْكُرُهَا حَيْثُ ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26010 - وَفِيهِ أَنَّ الْحَكَمَ يُحْضِرُ مَعَ نَفْسِهِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ قَوْمًا يَشْهَدُونَ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! 26011 - وَفِي شُهُودِ سَهْلٍ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شُهُودِ الشَّبَابِ مَعَ الشُّيُوخِ عِنْدَ الْحُكَّامِ ; لِأَنَّ سَهْلًا كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . 26012 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : ابْنُ كَمْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ يَعْنِي يَوْمَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، قَالَ : ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . 26013 - وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَشَبَابًا غَيْرَهُ مَعَ الشُّيُوخِ ، وقَدْ أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 26014 - وَفِي قَوْلِهِ " أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا " وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَنُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ " يَعْنِي آيَاتِ اللِّعَانِ - دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ؛ 26015 - فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ " رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ " ، أَوْ يَنْفِي حَمْلًا بِهَا أَوْ وَلَدًا مِنْهَا ، إِلَّا أَنَّ الْأَعْمَى عِنْدَهُ يُلَاعِنُ إِذْا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ يُدْرِكُهُ بِالْحِسِّ وَاللَّمْسِ . 26016 - وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَجِبُ بِالْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِادِّعَاءِ رُؤْيَةِ الزِّنَا وَنَفْيِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ . 26017 - وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ " يَا زَانِيَةُ " جُلِدَ الْحَدَّ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ 26018 - وَسَتَأْتِي أَحْكَامُ نَفْيِ الْحَمْلِ وَمَا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26019 - وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِيمَا يُوجِبُ اللِّعَانُ . 26020 - وَعِنْدَهُ قَائِمَةٌ مِنَ الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 26021 - مِنْهَا حَدِيثُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ ؟ 26022 - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ ، رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا ! فَقَالَ عَاصِمٌ : مَا ابْتُلِيتَ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي . فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعْرِ ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ ! فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ : أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ " ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا ، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ . 26023 - وَحَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا يَتَفَخَّذُهَا ، لَمْ أَهْجُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي ! فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ الْآيَةَ . 26024 - وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلُّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 26025 - قَالُوا : فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَقَضَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَةِ الزِّنَا ، فَلَا يَجِبُ أَنْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ حِفْظُ النَّسَبِ ، وَلَا يَصِحُّ فَسَادُ النَّسَبِ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ ، وَبِهَا يَصِحُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بِنَفْسِ الْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ ، وَقِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ فِي الزِّنَا إِلَّا بِرُؤْيَةٍ . 26026 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ " يَا زَانِيَةُ " وَجَبَ اللِّعَانُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ . 26027 - وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ قَالَ لَهُمَا " يَا زَانِيَةُ " أَوْ " رَأَيْتُكِ تَزِنِينَ " أَوْ " زَنَيْتِ " . 26028 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 26029 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . 26030 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ؛ فَأَوْجَبَ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ الْحَدَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَأَوْجَبَ اللِّعَانَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَسَوَّى بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . 26031 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ الرُّؤْيَةُ . 26032 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ ؛ 26033 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ . 26034 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْطَلِقُ لِسَانُهُ فَيُنْكِرُ الْقَذْفَ وَاللِّعَانَ فَلَا يُمْكِنُنَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ . 26035 - وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ إِذَا أَبَى من اللِّعَانِ بَعْدَمَا ادَّعَاهُ مِنْ رُؤْيَةِ الزِّنَا أَوْ بَعْدَ قَذْفِهِ لَهَا ؛ 26036 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ . 26037 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللِّعَانَ لِلزَّوْجِ بَرَاءَةٌ كَالشَّهَادَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بَرَاءَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْأَجْنَبِيُّ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حُدَّ ، فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ . 26038 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ : إِنْ قَتَلْتُ قُتِلْتُ ، وَإِنْ نَطَقْتُ جُلِدْتُ ، وَإِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ . 26039 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ولامرأته : عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ . 26040 - وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْآثَارَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26041 - وَاخْتَلَفُوا ؛ هَلْ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ إِذَا أَقَامَ شُهُودَهُ بِالزِّنَا ؟ 26042 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ ، كَانَ لَهُ شُهُودٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا عَمَلَ لَهُمْ إِلَّا دَرْءُ الْحَدِّ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْفِرَاشِ وَنَفْيُ الْوَلَدِ فَلَا بُدَّ مِنَ اللِّعَانِ لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَعْمِلُ شَهَادَتُهُمْ فِي دَرْءِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ وَإِيجَابِهِ عَلَيْهَا . 26043 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ اللِّعَانُ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهَدَاءُ غَيْرَ نَفْسِهِ . 26044 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . 26045 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَبَتْ مِنَ اللِّعَانِ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ ؛ 26046 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَكْثَرُ السُّلَفِ : إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُدَّتْ ، وَحَدُّهَا الرَّجْمُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، أَوِ الْجَلْدُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . 26047 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ الْآيَةَ . 26048 - وَرَوَى يَزِيدُ النَّحْوِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُتَلَاعِنَانِ أُقِيمَ الْجَلْدُ أَوِ الرَّجْمُ . 26049 - وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ الْآيَةَ ، قَالَ : إِنْ أَبَتْ أَنْ تُلَاعِنَ رُجِمَتْ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، وَجُلِدَتْ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا . 26050 - وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . 26051 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ : أَرَيْتَ إِنْ لَمْ تَلْعَنْ ؟ قَالَ : إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُبِسَتْ أَبَدًا حَتَّى تَلْتَعِنَ . 26052 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ جَنَبُوا عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِدَعْوَى زَوْجِهَا وَيَمِينِهِ دُونَ إِقْرَارٍ مِنْهَا وَلَا بَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهَا ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً دَرَأُوا بِهَا الْحَدَّ عَنْهَا . 26053 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ " ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْمُلَاعَنَةُ إِذَا أَبَتْ مِنَ اللِّعَانِ . 26054 - وَقَدْ نَقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ هَاهُنَا أَصْلَهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ . 26055 - وَلَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا . 26056 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُ فِي كَيْفِيَّةِ اللِّعَانِ فَاخْتِلَافٌ مُتَقَارِبٌ . 26057 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : يَحْلِفُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ؛ يَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي ! وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ! وَتَحْلِفُ هِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ؛ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي ! وَالْخَامِسَةُ : غَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 26058 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يَشْهَدُ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةً عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَتَشَهُّدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 26059 - وَنَحْوُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ . 26060 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ زَوْجَتِي فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ مِنَ الزِّنَا - وَيُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ الْإِمَامُ وَيُذَكِّرُهُ اللَّهَ ، وَيَقُولُ لَهُ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَادِقًا . فَإِنْ رَآهُ يُرِيدُ الْمُضِيَّ أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيَقُولُ : إِنَّ قَوْلَكَ " وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ " مُوجِبَةٌ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ! فَإِنْ أَبَى إِلَّا اللِّعَانَ تَرَكَهُ الْإِمَامُ ، فَيَقُولُ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ فُلَانَةَ بِنْتِ فَلَانٍ مِنَ الزِّنَا . 26061 - وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : فَإِنْ رَمَاهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ قَالَ : مِنَ الزِّنَا مَعَ فُلَانٍ . 26062 - وَإِنْ نَفَى وَلَدَهَا قَالَ مَعَ كُلِّ شَهَادَةٍ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَإِنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَوَلَدُ زِنًا ؛ مَا هُوَ مِنِّي . 26063 - فَإِنْ كَانَ حَمْلًا قَالَ : وَإِنَّ الْحَمْلَ - إِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ مِنَ زِنًا - مَا هُوَ مِنِّي . 26064 - فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذَا فَقَدْ فَرَغَ مِنَ الِالْتِعَانِ . 26065 - ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ أَنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا . 26066 - فَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ قَالَتْ : وإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ . 26067 - وَإِنْ كَانَ وَلَدًا قَالَتْ : وَإِنَّ هَذَا لِوَلَدِهِ ، وَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَمَانِي بِهِ . 26068 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَالْخَامِسَةَ اللَّعْنُ ، وَتَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعًا ، وَالْخَامِسَةَ الْغَضَبُ ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ نَفَاهُ شَهِدَ أَرْبَعًا أَنَّهُ لِصَادِقٌ فِيمَا رَمَاهَا مِنَ الزِّنَا وَنَفْيِ الْوَلَدِ ، يَذْكُرُ الْوَلَدَ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ نَفَاهُ حَتَّى يَلْزَمَ أُمَّهُ . 26069 - وَقَالَ زُفَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ يُخَاطِبُهَا وَتُخَاطِبُهُ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا . وَتَقُولُ هِيَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنَ الزِّنَا . 26070 - وَرَوَى مِثْلَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . 26071 - وَكَانَ زُفَرُ يَقُولُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِهَا هَذَا ، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِهَا . ثُمَّ تَقُولُ الْمَرْأَةُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِكَ ، وَالْخَامِسَةُ : عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِي هَذَا .
( 12 ) بَابُ طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ 1154 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رُبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ جَاءَتْ هِيَ وَعَمُّهَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ . 25906 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ جَمَاعَةٌ - مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَيُّوبُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - فَذَكَرُوا فِيهِ أَحْكَامًا لَمْ يَذْكُرْهَا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ . 25907 - وَهَذَا صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ إِلَّا لِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ . 25908 - وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ تُخْبِرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ، فَجَاءَ مَعَهَا عَمُّهَا مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ : إِنَّ ابْنَةَ مُعَوِّذٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، أَفَتَنْتَقِلُ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : تَنْتَقِلُ ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عُثْمَانُ أَخْبَرُنَا وَأَعْلَمُنَا . 25909 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ . 25910 - وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : الْخُلْعُ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ . 25911 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَأَلَهُ فَقَالَ : رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ ، أَيَتَزَوَّجُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لِيَنْكِحَهَا ، لَيْسَ الْخُلْعُ بِطَلَاقٍ . 25912 - وَذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَآخِرِهَا ، وَالْخُلْعُ فِيهِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ الْخُلْعُ بِشَيْءٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَقَرَأَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ 25913 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَهُ عُثْمَانُ وَجَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا : الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَكْثَرَ فَيَكُونُ مَا أَرَادَ بِهِ وَسَمَّى . 25914 - وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جُمْهَانَ - مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ - عَنْ أُمِّ بَكْرَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسِيدٍ ، فَأَتَيَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : هِيَ تَطْلِيقَةٌ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَمَّيَتْ شَيْئًا فَهُوَ مَا سَمَّيَتْ . 25915 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ خَبَرُ جُمْهَانَ هَذَا عِنْدَ يَحْيَى فِي الْمُوطَّأ ، وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ . 25916 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا وَلَا نَوَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَلَوْ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ مَا احْتَاجَ أَنْ يُقَالَ لَهُ : الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ . 25917 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُلْعِ ؛ هَلْ هُوَ طَلَاقٌ إِذَا لَمْ يُسَمَّ طَلَاقًا أَمْ لَا ؟ 25918 - فَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَكْثَرَ فَيَكُونُ عَلَى مَا أَرَادَ . 25919 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالْأَصَحُّ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ . 25920 - وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . 25921 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يُسَمِّيَهُ . 25922 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : قَدْ قُطِعَ فِي بَابِ الْكَلَامِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ ، فَلَا يَقَعُ بِهِ إِلَّا بِمَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ إِرَادَةِ الطَّلَاقِ ، فَإِنْه سَمَّى عَدَدًا أَوْ نَوَى عَدَدًا فَهُوَ عَدَدُ مَا سَمَّى أَوْ نَوَى . 25923 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا جَعَلْتَهُ طَلَاقًا فَاجْعَلْ لَهُ فِيهِ الرَّجْعَةَ . قِيلَ : لَمَّا أَخَذَ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ عِوَضًا وَكَانَ مَنْ مَلَكَ عِوَضَ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ رَجْعَةٌ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ الْمُخْتَلِعَةُ . 25924 - وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : خُلْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ، فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي عَدَدٍ مِنْهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا تَكُونُ اثْنَتَيْنِ . 25925 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا . 25926 - فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الْخُلْعَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ . 25927 - وَقَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ . 25928 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ . 25929 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ مِثْلُهُ . 25930 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ . 25931 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 25932 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : الْخُلْعُ مَعَ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَتَانِ . 25933 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُخْتَلِعَةِ ؛ هَلْ يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ أَمْ لَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ؟ 25934 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ طُلِّقَتْ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُكُوتٌ لَمْ تُطَلَّقْ . 25935 - وَهَذَا يُشْبِهُ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 25936 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ إِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ . 25937 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ . 25938 - وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 25939 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ والْأَوْزَاعِيُّ : يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ . 25940 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَطَاوُوسٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ . 25941 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ طَرِيقَيْنِ مُنْقَطِعَيْنِ لَيْسَا بِثَابِتَيْنِ . 25942 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا فِيهِ . 25943 - وَمَعْنَى الْبَيْنُونَةِ انْقِطَاعُ الْعِصْمَةِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَكَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ بَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا . 25944 - وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ . 25945 - وَاخْتَلَفُوا فِي مُرَاجَعَةِ الْمُخْتَلِعَةِ فِي الْعِدَّةِ ؛ 25946 - فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِرِضًى مِنْهَا وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ مَعْلُومٍ . 25947 - وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ . 25948 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوزاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 25949 - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُمَا قَالَا : إِنْ رَدَّ إِلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ أَشْهَدَ عَلَى رَجَعَتِهَا وَصَحَّتْ لَهُ الرَّجْعَةُ . 25950 - رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : لَا يَتَزَوَّجُهَا بِأَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ مِنْهَا . 25951 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ فِي الْخُلْعِ طَلَاقًا فَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا يَمْلِكُ فِيهَا رَجْعَةً . 25952 - وَإِنْ سَمَّى طَلَاقًا فَهُوَ أَمَلَكُ بِرَجْعَتِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ . 25953 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ . 25954 - وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَمَاهَانَ الْحَنَفِيِّ . 25955 - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمُخْتَلِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا . 25956 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ : لَا يَتَزَوَّجُهَا هُوَ وَلَا غَيْرَهَا فِي الْعِدَّةِ - فَشَذُّوا عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْهُورِ .
25986 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ : إِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنَ الطَّلَاقِ الْآخَرِ ، وَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 25987 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا . 25988 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ ، وَأَنَّهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ - فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَتُتِمُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا . 25989 - وَهَذَا أَصْلُ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ أَنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ عِدَّتُهَا وَلَا تَنْتَقِلُ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَلَا فِي الْبَائِنِ ، كَالْحَدِّ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْعِتْقِ . 25990 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25991 - وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ - مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ - فِي الْمُخْتَلِعَةِ يَتَزَوَّجُهَا زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةً كَامِلَةً ، كَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّهَا تَعْتَدُّ مِنَ الْعِدَّةِ . 25992 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا 25993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ عِنْدَهُمْ . 25994 - وَمَنْ قَالَ بِقَولِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا .
25995 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا افْتَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ صُمَاتٌ فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْدَ الصُّمَاتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 25996 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَضَى فِيهَا الْقَوْلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَحَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
25957 - وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ . 1155 - وَمَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ شِهَابٍ كَانُوا يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ . فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ ؛ 25958 - فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ . 25959 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا خِلَافُ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا . 25960 - وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ مَخَافَةَ الْحَمْلِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ . 25961 - وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ . 25962 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ ، وحُجَّتُهُمْ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَمَلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ ، قَضَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ . 25963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ جَمِيلَةَ ابْنَةَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ . 25964 - كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ . 25965 - وَرَوَى هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّتَهَا حَيْضَةً . 25966 - ورَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا . 25967 - وَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ رُبَيِّعٍ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَنْ تَعْتَدَّ حَيْضَةً . 25968 - وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآثَارُ بِالْقَوِيَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسَانِيدَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 25969 - وَأَمَّا الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ 25970 - فَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، فَأَتَى عَمُّهَا عُثْمَانَ فَقَالَ : تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : تَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ - حَتَّى قَالَ هَذَا عُثْمَانُ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِهِ وَيَقُولُ : عُثْمَانُ خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا . 25971 - قَالَ : وحَدَّثَنِي عَبْدَةُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ . 25972 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ . 25973 - وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ بِثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ . 25974 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلَيٍّ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . 25975 - وَالْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ وَعَلَيٍّ مِنْ قَوْلِهِمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ . 25976 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَخِلَاسُ بْنُ عُمَرَ ، وَقَتَادَةُ . 25977 - وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ . 25978 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَمَرَ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ حِينَ اخْتَلَعَتْ مَنْ زَوْجِهَا يَنْتَقِلُ مَنْ بَيْتِهَا . 25979 - وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانَتْ تَدُورُ عَلَيْهِمْ بِالْأَمْصَارِ الْفَتْوَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ . 25980 - وَلَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا فِي حِينِ الْخُلْعِ أَلَّا سُكْنَى لَهَا كَانَ الشَّرْطُ لَاغِ ، وَلَهَا السُّكْنَى كَالْعِدَّةِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الشَّرْطُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ . 25981 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ : لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ . 25982 - وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ وَهِيَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَسَتَأْتِي أَقْوَالُهُمْ فِيهَا فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 25983 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ إِلَّا الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ ، فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ : لَا يَكُونُ الْخُلْعُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ . 25984 - وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنَّمَا أَخَذَهُ الْحَسَنُ عَنْ زِيَادٍ . 25985 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ يَجُوزُ دُونَ السُّلْطَانِ ، فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ ، وَلَيْسَ كَاللِّعَانِ الَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَ السُّلْطَانِ .
1250 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ; أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَأَنَا مَعَهُ عِنْدَ دَارِ الْقَضَاءِ ، يَسْأَلُهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . فَقَالَ : إِنِّي كَانَتْ لِي وَلِيدَةٌ ، وَكُنْتُ أَطَؤُهَا . فَعَمَدَتِ امْرَأَتِي إِلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهَا . فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا . فَقَالَتْ : دُونَكَ . فَقَدَ وَاللَّهِ أَرْضَعْتُهَا . فَقَالَ عُمَرُ : أَوْجِعْهَا وَأْتِ جَارِيَتَكَ ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ . 27822 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَبُو عُمَيْسِ بْنُ جَبْرٍ الْأَنْصَارِيُّ ، ثُمَّ الْحَارِثِيُّ . 27823 - رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ أَبَا عُمَيْسِ بْنَ جَبْرٍ الْأَنْصَارِيَّ ، ثُمَّ الْحَارِثِيَّ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا - كَانَتْ لَهُ وَلِيدَةٌ يَطَؤُهَا ، فَانْطَلَقَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى الْوَلِيدَةِ ، فَأَرْضَعَتْهَا ، فَلَمَّا دَخَلَت عَلَيْهَا ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : دُونَكَ ، فَقَدَ وَاللَّهِ أَرْضَعْتُهَا ، فَخَرَجَ مَكَانَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَعَزَمَ عُمَرُ عَلَيْهِ لَيُوجِعَنَّ ظَهْرَ امْرَأَتِهِ ، وَلْيَطَأَّنَ وَلِيدَتَهُ ، فَفَعَلَ . 27824 - وَرَوَى اللَّيْثُ أَيْضًا ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ . 27825 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ شَيْئًا فِيمَنْ ذَكَرْنَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْبَابِ .
1251 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ : إِنِّي مَصَصْتُ عَنِ امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا فَذَهَبَ فِي بَطْنِي ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : انْظُرْ مَاذَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ . فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ ، مَا كَانَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ . 27826 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا مُوسَى رَجَعَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ رَضَاعِ الْكَبِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ بَانَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا رَجَعَ إِلَيْهِ ، وَلَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا انْصَرَفُوا إِلَى الْحَقِّ إِذْ بَانَ لَهُمْ . 27827 - وَخَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ مُنْقَطِعٌ . 27828 - وَهُوَ حَدِيثٌ كُوفِيٌّ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا : مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ : أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فَجَرَى لَبَنُهَا ، فَأَمَرَتْ زَوْجَهَا أَنْ يَمُصَّ عَنْهَا ، فَجَعَلَ يَمُصُّهُ ، وَيَمُجُّهُ ، فَرَأَى أَنَّهُ سَبَقَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَدَخَلَ فِي بَطْنِهِ ، فَأَتَى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَرِهَهَا لَهُ ، وَقَالَ : ائْتِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ أَبِي مسعود ، فإنه أعلم بذلك ، فأتاه فأخبره بقول أبي مُوسَى ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّهَا لَمْ تُحَرِّمْ عَلَيْكَ امْرَأَتَكَ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ! لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ . يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ .
( 2 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ 1249 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَكَانَ تَبَنَّى سَالِمًا الَّذِي يُقَالُ لَهُ : سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ . كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ سَالِمًا ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ ابْنُهُ ، أَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ . وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ ، فَقَالَ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ رَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ . فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوْلَاهُ . فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ . وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ . وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ . إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ . وَأَنَا فُضُلٌ . وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ . فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَرَضِعَيْهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا " . وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ . فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ . فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ، وَبَنَاتِ أَخِيهَا . أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ، وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَقُلْنَ : لَا وَاللَّهِ ، مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ ، إِلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ ، لَا وَاللَّهِ ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ . فَعَلَى هَذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ . 27787 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ لِلِقَاءِ عُرْوَةَ وَعَائِشَةَ ، وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلِقَائِهِ سَهْلَةَ بْنَ سُهَيْلٍ أَيْضًا . 27788 - وَقَدْ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ مُخْتَصَرَ اللَّفْظِ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ . 27789 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ ، وَكَانَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْبَيْنَ ذَلِكَ ، وَيَقُلْنَ : إِنَّمَا كَانَتِ الرُّخْصَةُ فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ . 27790 - وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ رَوْحٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، كَمَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ . 27791 - وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عن عروة ، وَابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ربيعة ، عن عائشة ، وأم سَلَمَةَ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي " مَوْطَّئِهِ " ، وَمَعْنَاهُ سَوَاءٌ إِلَى آخِرِهِ . 27792 - وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ أَيْضًا . 27793 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِأَسَانِيدِهَا فِي " التَّمْهِيدِ " . 27794 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ : يَدْخُلُ عَلَيَّ ، وَأَنَا فُضُلٌ ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ قَالَ : رَجُلٌ مُتَفَضِّلٌ وَفُضُلٌ : إِذَا تَوَشَّحَ بِثَوْبٍ ، فَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ . 27795 - قَالَ : وَيُقَالُ : امْرَأَةٌ فُضُلٌ ، وَثَوْبٌ فُضُلٌ ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدِي : أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مُنْكَشِفَةٌ بَعْضُهَا جَالِسَةٌ ، كَيْفَ أَمْكَنَهَا . 27796 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : فُضُلٌ : مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ . 27797 - وَقِيلَ : الْفُضُلُ الَّتِي عَلَيْهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ ، وَلَا إِزَارَ تَحْتَهُ . 27798 - وَهَذَا أَصَحُّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ انْكِشَافَ الصَّدْرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى ذَوِي الدِّينِ عِنْدَ ذِي مَحْرَمٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْحُرَّةَ عَوْرَةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا . 27799 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ فِي " التَّمْهِيدِ " ، وَاقْتَصَرْنَا فِي هَذَا الْكَلَامِ عَلَى الْكَلَامِ فِي فِقْهِهِ خَاصَّةً ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ بِرَضَاعَةِ الْكَبِيرِ . 27800 - وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ مِنْ بَيْنِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 27801 - حَمَلَتْ عَائِشَةُ حَدِيثَهَا هَذَا فِي سَالِمٍ عَلَى الْعُمُومِ ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ ، وَبَنَاتِ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا . 27802 - وَرَأَى غَيْرُهَا هَذَا الْحَدِيثَ خُصُوصًا فِي سَالِمٍ ، وَسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ . 27803 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ : 27804 - فَذَهَبَ اللَّيْثُ إِلَى أَنَّ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تُحَرِّمُ ، كَمَا تُحَرِّمُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ . 27805 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . 27806 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ : أَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ . 27807 - وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُفْتِي بِهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 27808 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً يُسْأَلُ ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ : سَقَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَمَا كُنْتُ رَجُلًا أَفَأَنْكِحُهَا ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : ذَلِكَ رَأْيُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 27809 - قَالَ عَطَاءٌ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بِهِ بَنَاتِ أَخِيهَا . 27810 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَضَاعُ الْكَبِيرِ ، كَمَا ذَكَرَ عَطَاءٌ ، يُحْلَبُ لَهُ اللَّبَنُ ، وَيَسْقَاهُ . 27811 - وَأَمَّا أَنْ تُلْقِمَهُ الْمَرْأَةُ ثَدْيَهَا كَمَا تَصْنَعُ بِالطِّفْلِ فَلَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . 27812 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّحْرِيمِ بِمَا يَشْرَبُهُ الْغُلَامُ الرَّضِيعُ مِنْ لَبَنِ الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَمُصَّهُ مِنْ ثَدْيِهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي السَّعُوطِ بِهِ وَفِي الْحُقْنَةِ ، وَالْوُجُورِ ، وَفِي حِينِ يُصْنَعُ لَهُ مِنْهُ . 27813 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَكْرَهُ رَضَاعَ الْكَبِيرِ أَنْ أُحِلَّ مِنْهُ شَيْئًا . 27814 - وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ : أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ فَقَالَتْ : إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، وَلَيْسَ لِي مَحْرَمٌ ، فَقَالَ : اذْهَبِي إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ تُرْضِعُكِ ، فَيَكُونُ زَوْجُهَا أَبًا لَكِ ، فَتَحُجِّينَ مَعَهُ . 27815 - وَقَالَ بِقَوْلِ اللَّيْثِ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ ابْنُ عُلَيَّةَ . 27816 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ - مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَعَمَلُهَا بِهِ . 27817 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ سَالِمًا مَعَنَا فِي الْبَيْتِ ، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ ، وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرَّجُالُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ " . قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ رَهْبَةً لَهُ ، ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ ، فَقُلْتُ لَهُ : لَقَدْ حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا مَا حَدَّثْتُ بِهِ بَعْدُ ، فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ : حَدِّثْ بِهِ عَنِّي ، فَإِنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ . 27818 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ تُرِكَ قَدِيمًا ، وَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ ، وَلَا تَلَقَّاهُ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ عَلَى عُمُومِهِ ، بَلْ تَلَقَّوْهُ بِالْخُصُوصِ . 27819 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَائِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ ، وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِنْهُمُ : اللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ . 27820 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ ، وَلَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ " . 27821 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ " .
1292 1253 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ; أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَةِ ; أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا : أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . 27833 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَجَعَلُوهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ : أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ . 27834 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا هُوَ عِنْدَ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ جُدَامَةَ . 27835 - وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ لَهُ عَنْ جُدَامَةَ دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهَا عَلَى الْعِلْمِ ، وَبَحْثِهَا عَنْهُ ، وَأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يُرْسِلُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْأَغْلَبِ إِلَّا مَا يَسْتَوْفِيهِ الْمُحَدِّثُ لَهُمْ بِهَا ، أَوْ لِوُجُوهٍ غَيْرِ ذَلِكَ . 27836 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . 27837 - وَأَمَّا الْغِيلَةُ ، فَكَمَا فَسَّرَهَا مَالِكٌ ، وَعَلَى تَفْسِيرِ ذَلِكَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ . 27838 - وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْغِيلَةُ وَالْغِيلُ سَوَاءٌ ، وَهِيَ أَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ ، فَيَغْشَاهَا زَوْجُهَا وَهِيَ تُرْضِعُ ، فَتَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ ; لِأَنَّهَا إِذَا حَمَلَتْ فَسَدَّ اللَّبَنُ عَلَى الطِّفْلِ الْمُرْضَعِ ، وَيَفْسُدُ بِهِ جِسْمُهُ ، وَتَضْعُفُ بِهِ قُوَّتُهُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ . 27839 - قَالَ : وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ لِيُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ قَالَ : عَنْ سَرْجِهِ ، أَيْ يَضْعُفُ ، فَيَسْقُطُ عَنِ السَّرْجِ . 27840 - قَالَ الشَّاعِرُ : فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي الرَّضَاعِ فَتَنْبُو فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ . 27841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا ، يَرُدُّ كُلَّ مَا قَالَهُ الْأَخْفَشُ ، وَحَكَاهُ عَنِ الْعَرَبِ . 27842 - وَذَلِكَ مِنْ تَكَاذِيبِ الْعَرَبِ ، وَظُنُونِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا ; لَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِهَةِ الْإِرْشَادِ وَالْأَدَبِ ، فَإِنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَرِيصًا عَلَى نَفْعِ الْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا بِهِمْ ، وَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ إِلَّا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 27843 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : الْغِيلَةُ : أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ . 27844 - وَقَالَ غَيْرُهُ : الْغِيلُ نَفْسُهُ الرَّضَاعُ . 27845 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا بِشَوَاهِدِ الشِّعْرِ فِي التَّمْهِيدِ . 27846 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَيُصِيبُهَا وَهِيَ تُرْضِعُ أَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ لَهُ ، وَلِلزَّوْجِ قَبْلَهُ ؟ لِأَنَّ الْمَاءَ يُغَيِّرُ اللَّبَنَ ، وَيَكُونُ مِنْهُ الْغِذَاءُ . 27847 - وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ . 27848 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ : إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ ، فَاللَّبَنُ مِنْهُ بَعْدَ الْفِصَالِ وَقَبْلَهُ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ، فَتَزَوَّجَتْ ، وَحَمَلَتْ مِنَ الثَّانِي ، فَاللَّبَنُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ انْقِطَاعُهُ مِنَ الْأَوَّلِ . 27849 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ اللَّبَنَ يُغَيِّرُهُ وَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي . 27850 - وَلِوَطْئِهِ فِيهِ تَأْثِيرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا نَظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ مِنَ السَّبْيِ ، فَسَأَلَ : هَلْ يَطَأُ هَذِهِ صَاحِبُهَا ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، أَيُوَرِّثُهُ ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَمْ يَسْتَعْبِدُهُ ؟ وَهُوَ قَدْ عَدَاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ . 27851 - وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ . 27852 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : اللَّبَنُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَضَعَ الْمَرْأَةُ ، فَيَكُونُ مِنَ الْآخَرِ . 27853 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ . 27854 - وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْهُمَا حَتَّى تَلِدَ ، فَيَكُونُ مِنَ الثَّانِي . 27855 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الرَّضَاعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
1293 1254 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أُنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ : عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، ثُمَّ نُسِخْنَ : بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ . 27856 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ ذِكْرُ مَنْ رَأَى الْعَمَلَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ السَّلَفِ ، وَمَنْ قَالَ بِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، وَمَنْ تَرَكَهُ ، فَلَمْ يَقُلْ بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 27857 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ، ثُمَّ صِرْنَ إِلَى خَمْسٍ . 27858 - وَرَوَى سُفْيَانُ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : لَا يُحَرِّمُ دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ . 27859 - قَالَ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى ذَلِكَ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ . 27860 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَدَّ حَدِيثَ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ هَذَا أَصْحَابُنَا ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَهُمْ ، وَدَفَعُوهُ فَقَالُوا : هَذَا حَدِيثٌ أُضِيفَ إِلَى الْقُرْآنِ وَلَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا . 27861 - وَعَائِشَةُ الَّتِي قَطَعَتْ بِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهَا فِي الْعَمَلِ بِهِ ، فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ . 27862 - وَرَدُّوا حَدِيثَ الْمَصَّةِ ، وَالْمَصَّتَيْنِ ; بِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَرَّةً يَرْوِيهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَرَّةً عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : وَمِثْلُ هَذَا الِاضْطِرَابِ يُسْقِطُهُ . 27863 - وَضَعَّفَهُ حَدِيثُ أَمِّ الْفَضْلِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ . 27864 - وَرَدُّوا حَدِيثَ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ بِأَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُفْتِي بِخِلَافِهِ ، وَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ مَا خَالَفَهُ . 27865 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنِ الرَّضَاعَةِ ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ قَطْرَةً وَاحِدَةً ، فَهُوَ يُحَرِّمُ . 27866 - قَالَ : ثُمَّ سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . 27867 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْفَكَّ الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا ; بِأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْهُ مَا نُسِخَ خَطُّهُ وَرُفِعَ ، وَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ وَالْعَمَلُ ، مِنْ ذَلِكَ الرَّجْمُ ، خَطَبَ بِهِ عُمَرُ عَلَى رُءُوسِ الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ : الرَّجْمُ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَحَدٌ ، فَمِثْلُهُ الْخَمْسُ رَضَعَاتٍ ، بَلْ هِيَ أَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ ; لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَلةَ بْنِ سُهَيْلٍ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا . 27868 - وَبِحَدِيثِ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَجَّاجِ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ اسْتَفْتَى أَبَا هُرَيْرَةَ : مَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ ؟ فَقَالَ : لَا يُحَرِّمُ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ . 27869 - وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ رَأْيًا ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا . 27870 - قَالُوا : وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى أَنْ نُثْبِتَ قُرْآنًا ; لِأَنَّا لَا نُرِيدُ قَطْعَ الْعُذْرِ بِهِ ، إِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ إِيجَابَ الْحُكْمِ ، وَالْعَمَلِ كَالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ فِي أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ عُرْوَةُ ، وَلَا يُفْتِي بِهِ مَذْهَبٌ ; لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ ، رَأَى فِيهَا عُرْوَةُ غَيْرَ رَأْيِ عَائِشَةَ كَسَائِرِ مَا خَالَفَهَا فِيهِ مِنْ رَأْيِهِ ، وَقَدْ أَخْبَر عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُفْتِي بِهِ ، وَتَعْمَلُ بِهِ ، وَقَوْلُهَا أَوْلَى لِمَنْ يَسُوغُ لَهُ التَّقْلِيدُ مِنْ قَوْلِهِ ، وَحَدِيثُ : الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ ، وَالرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ - ثَابِتٌ ، لَيْسَ فِيهِ عِلَّةٌ يَجِبُ بِهَا دَفْعُهُ ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُمْ مِمَّا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ بِالصَّوَابِ أَعْلَمُ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
( 3 ) بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ 1252 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ; عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ " . 27829 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَنْ عُرْوَةَ جَعَلَهُمَا رِوَايَتَيْنِ لِلْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ . 27830 - وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " وَغَيْرِهِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 27831 - وَهَذَا مِمَّا يُعَدُّ مِنْ غَلَطِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ " الْمُوَطَّأِ " . 27832 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَاهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
27752 - وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ : 1246 - عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ; أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنِ الرَّضَاعَةِ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً ، فَهُوَ يُحَرِّمُ . وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ : ثُمَّ سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ . 1247 - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ ، وَإِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ . 1248 - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا تُحَرِّمُ ، وَالرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ تُحَرِّمُ . 22753 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ يَخُصَّ قَلِيلَ الرَّضَاعَةِ مِنْ كَثِيرِهَا . 27754 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : قَضَى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِأَلَّا تُحَرِّمَ الْمَصَّةُ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ . فَقَالَ : قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، حَرَّمَ الْأُخْتَ مِنَ الرَّضَاعَةِ . 27755 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأُمُّ الْفَضْلِ ، وَعَائِشَةُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهَا : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ ، وَلَا الرَّضْعَةُ ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ ، وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ . 27756 - وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ . 27757 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 27758 - وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ ، وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ . 27759 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ : الرَّضْعَةُ ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ . 27760 - قَالُوا : فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَرَّمَ . 27761 - وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الثَّلَاثَ رَضَعَاتٍ . فَمَا فَوْقَهَا تُحَرِّمُ ، وَلَا تُحَرِّمُ مَا دُونَهَا . 27762 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ . 27763 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ ، وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ . 27764 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ . 27765 - وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ . 27766 - وَمِمَّا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الرَّضَاعِ ؟ فَقَالَ : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ ، وَلَا الثَّلَاثُ . 27767 - قَالَ أَصْحَابُهُ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ تُحَرِّمُ الثَّلَاثُ أَيْضًا ، وَأَفْتَى بِهِ . 27768 - وَذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ ، وَفَتَقَ الْأَمْعَاءَ . 27769 - وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ مُفْتَرِقَةٌ ، جَمَعْتُهَا . 27770 - وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ . 27771 - وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِإِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 27772 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ : عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ مِمَّا نَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ . 27773 - فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَعَاتِ ، وَكَانَ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ، وَالرَّضْعَتَانِ . 27774 - فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ ، وَلَا الرَّضْعَةُ ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ - خَرَجَ عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ سَأَلَهُ عَنِ الرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ ، هَلْ تُحَرِّمَانِ ؟ فَقَالَ : لَا ; لِأَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ وَشَرِيعَتِهِ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ ، وَأَنَّهَا نَسَخَتِ الْعَشْرَ الرَّضَعَاتِ ، كَمَا لَوْ سَأَلَ سَائِلٌ : هَلْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي دِرْهَمٍ ، أَوْ دِرْهَمَيْنِ ؟ كَانَ الْجَوَابُ : لَا يُقْطَعُ فِي دِرْهَمٍ وَلَا دِرْهَمَيْنِ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَكَذَلِكَ بَيَانُهُ فِي الْخَمْسِ الرَّضَعَاتِ . 27775 - فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَتْ نَاسِخَةً لِلْعَشْرِ رَضَعَاتٍ عِنْدَ عَائِشَةَ كَمَا رَوَتْ عَنْهَا عَمْرَةُ مَا كَانَتْ عَائِشَةُ لِتَأْمُرَ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا ، فَتَسْتَعْمِلُ الْمَنْسُوخَ ، وَتَدَعُ النَّاسِخَ . 27776 - وَكَذَلِكَ حَفْصَةُ أَمَرَتْ أُخْتَهَا فَاطِمَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي عَاصِمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ . 27777 - وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْحَابَ عَائِشَةَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِهَا مِنْ نَافِعٍ ، وَهُمْ : عُرْوَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعَمْرَةُ ، رَوَوْا عَنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَشْرَ رَضَعَاتٍ . 27777 م - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا سَبْعُ رَضَعَاتٍ . 27778 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا عَشْرُ رَضَعَاتٍ . 27779 - وَالصَّحِيحُ عَنْهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ . 27780 - وَمَنْ رَوَى عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ ، فَقَدْ وَهِمَ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّ الْخَمْسَ الرَّضَعَاتِ الْمَعْلُومَاتِ نَسَخْنَ الْعَشْرَ الْمَعْلُومَاتِ ، فَمُحَالٌ أَنْ نقُولَ بِالْمَنْسُوخِ . 27781 - وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهَا عِنْدَ ذِي فَهْمٍ . 27782 - وَفِي حَدِيثِهَا الْمُسْنَدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ - امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ - أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ . 27783 - وَقَالَ عُرْوَةُ : فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ . 27784 - وَسَنَذْكُرُهُ مُسْنَدًا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ فَكَيْفَ يَقْبَلُ أَحَدٌ عَنْهَا أَنَّهَا أَفْتَتْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ ؟ هَذَا لَا يَقْبَلُهُ مَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ ، وَوُفِّقَ لِرُشْدِهِ ، وَلَوْ صَحَّ عَنْهَا حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ سَالِمٍ فِي الْعَشْرِ كَانَ غَيْرُهُ مُعَارِضًا لَهُ بِالْخَمْسِ ، فَسَقَطَتْ ، وَثَبَتَتِ الْخَمْسُ . 27785 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : لَا يُحَرِّمُ دُونَ الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ . 27786 - وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ .
1285 1241 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا ، وَبَنَاتُ أَخِيهَا . وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا . 27719 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعَ صِحَّةِ إِسْنَادِهِ تُرِكَ مِنْهَا لِلْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ . 27720 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهَا حَدِيثُ أَبِي الْقُعَيْسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : هُوَ عَمُّكِ ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . بَعْدَ قَوْلِهَا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ عَمُّكِ ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . 27721 - وَهَذَا نَصُّ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، فَخَالَفَتْ دَلَالَةَ حَدِيثِهَا هَذَا ، وَأَخَذَتْ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ أَخَوَاتُهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا . 27722 - فَلَوْ ذَهَبَ إِلَى التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، لَكَانَ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا مِنْ أَجْلِ لَبَنِ إِخْوَتِهَا حُكْمُهُنَّ مِنَ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِهِنَّ كَحُكْمِ أَخَوَاتِهِنَّ فِي التَّحْرِيمِ بِلَبَنِهِنَّ ، وَفِي الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ سَوَاءٌ . 27723 - وَالْحُجَّةُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي قَوْلِهَا .
30 - كِتَابُ الرَّضَاعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَهْلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ( 1 ) بَابُ رَضَاعَةِ الصَّغِيرِ 1237 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عِنْدَنَا ، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُرَاهُ فُلَانًا . لِعَمٍّ لِحَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا - لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - دَخَلَ عَلَيَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ . 27668 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ نَقْلَهُ الْعُدُولُ . 27669 - وَهُوَ يُبَيِّنُ كِتَابَ اللَّهِ فِي الزِّيَادَةِ فِي مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ إِنَّمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعَةِ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ ، فَقَالَ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ 27670 - وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ كُلَّ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ، فَمِثْلُهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ . 27671 - وَإِذَا كَانَتِ الْأُمُّ مِنَ الرَّضَاعِ مُحَرَّمَةً كَانَ كَذَلِكَ الْأَبُ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْهُمَا جَمِيعًا . 27672 - وَإِذَا كَانَ زَوْجُ الَّتِي أَرْضَعَتْ أَبًا كَانَ أَخُوهُ عَمًّا ، وَكَانَتْ أُخْتُ الْمَرْأَةِ خَالَةً فَحَرَّمَ بِالرَّضَاعَةِ الْعَمَّاتِ ، وَالْخَالَاتِ ، وَالْأَعْمَامَ ، وَالْأَخْوَالَ ، وَالْأَخَوَاتِ ، وَبَنَاتِهِنَّ ، كَمَا يحَرَّمَ بِالنَّسَبِ . 27673 - هَكَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ . 27674 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ الذَّكَرَ الْعَمَّ ، وَلَوْلَا لَبَنُ الْفَحْلِ مَا ذُكِرَ الْعَمُّ ; لِأَنَّ بِمُرَاعَاةِ لَبَنِ الرَّجُلِ صَارَ أَبًا ، فَصَارَ أَخُوهُ عَمًّا . 27675 - فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ عَمُّ حَفْصَةَ الْمَذْكُورُ قَدْ أَرْضَعَتْهُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَصَارَ عَمًّا لِحَفْصَةَ . 27676 - فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ ، يَقْضِي بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْأَبَ لَمْ يَلِدْ أَوْلَادَهُ بِالْحَمْلِ وَالْوَضْعِ كَمَا صَنَعَتِ الْأُمُّ ، وإِنَّمَا وَلَدَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ مَائِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ الْحَمْلُ وَاللَّبَنُ ، فَصَارَ بِذَلِكَ وَالِدًا كَمَا صَارَتِ الْأُمُّ بِالْحَمْلِ وَالْوِلَادَةِ أُمًّا . فَإِذَا أَرْضَعَتْ بِلَبَنِهَا طِفْلًا كَانَتْ أُمَّهُ ، وَكَانَ هُوَ أَبَاهُ . 27677 - وَهَذَا يُوَضِّحُ ، وَيَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِيهِ . 27678 - وَبَعْدَ هَذَا جَعَلَهُ مَالِكٌ بَعْدَهُ فِي الْبَابِ مُفَسِّرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1281 1240 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَامًا ، وَأَرْضَعَتِ الْأُخْرَى جَارِيَةً ، فَقِيلَ لَهُ : هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ ؟ فَقَالَ : لَا ؛ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ . 27702 - وَهَذَا تَصْرِيحُ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ . 27703 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 27704 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ . 27705 - وَأَمَّا الْقَائِلُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 27706 - فَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَخُوهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . 27707 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ . 27708 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ . 27709 - وَقَضَى بِهِ عَبْدُ الملك بْنُ مَرْوَانَ ، وَقَالَ : لَيْسَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فِي شَيْءٍ . 27710 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي التَّمْهِيدِ . 27711 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي الْقُعَيْسِ اخْتُلِفَ عَنْهَا فِي أَلْفَاظِهِ ، وَفِي الْعَمَلِ بِهِ . 27712 - وَلَمْ تَثْبُتْ سُنَّةٌ يُرَادُ بِهَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ . 27713 - وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَمْرِ الرَّضَاعَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَنَزَلَ بِرِجَالٍ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَزْوَاجِهِمْ ، مِنْهُمْ : مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ، فَاسْتَفْتَوْا فِي ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ . 27714 - فَأَمَّا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ فَفَارَقُوا نِسَاءَهُمْ . 27715 - وَرَوَى سَحْنُونُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا شَدِيدًا . 27716 - وَذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : أَوَّلُ مَا سَمِعْتُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَجَعَلَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : وَمَا بَأْسٌ بِهَذَا ؟ وَمَنْ يَكْرَهُ هَذَا ؟ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ سِيرِينَ ، فَقَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ : 27717 - فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ . 27718 - وَمَنْ كَرِهَهُ فِي أَنْفُسِنَا أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَكْرَهْهُ .
1278 1238 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ; أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ . فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَذَلِكَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ . 27679 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا أَوْضَحُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَشَدُّ بَيَانًا ، وَرَفْعًا لِلْإِشْكَالِ . 27680 - أَلَا تَرَى لِقَوْلِ عَائِشَةَ : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، فَيَكُونُ أَبِي ، وَيَكُونُ أَخُوهُ عَمِّي ، فَأَجَابَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا أَرْضَعَتْكِ صَارَتْ أُمَّكِ وَصَارَ زَوْجُهَا الَّذِي كَانَ سَبَبَ لَبَنِهَا أَبَاكِ ، فَصَارَ أَخُوهُ عَمَّكِ ، فَفَهِمَتْ عَائِشَةُ هَذَا ، وَلَمْ تَكُنْ تَعَرِفُهُ قَبْلُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ ، لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَالْعَمِّ قَدْ رَضَعَ مَعَ أَبِيهَا أَبِي بَكْرٍ امْرَأَةً وَاحِدَةً لَمَا احْتِيجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ . 27861 - وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي مَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ سَوَاءٌ . وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ هِشَامٍ أَبْيَنُ ; لِأَنَّهُ رَفَعَ الْإِشْكَالَ .
1279 1239 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ; أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ، أَنْ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ ، جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ . قَالَتْ : فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ . فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ . 27682 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ عَمَّهَا ، كَمَا زَعَمَ مَنْ أَبَى أَنْ يُحَرِّمَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ شَيْئًا قَدْ أَرْضَعَتْهُ وأباها امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَكَانَ يَخْفَى عَلَى عَائِشَةَ ، أَوْ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهَا بِأَنَّهُ عَمُّهَا فَكَانَتْ تَحْتَجِبُ مِنْ عَمِّهَا ، وَإِنَّمَا خَفِيَ عَنْهَا أَمْرُ لَبَنِ الْفَحْلِ حِينَ أَعْلَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 27683 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، وَعُقَيْلٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَهَا : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ . 27684 - وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، إِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ . 27685 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ، يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَرِبَتْ يَدَاكِ ، إِنَّهُ عَمُّكِ ، فَأْذَنِي لَهُ . 27686 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَوْلَهَا : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ . 27687 - وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَفْظٌ مَجْمُوعٌ لِعُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَهِشَامٍ ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ فِي أَحَدِهِمَا ، وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ . 27688 - وَلَفْظُ حَدِيثِ عُقَيْلٍ : إِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي أَرْضَعَنِي وَإِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ . 27689 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتِ : اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ فَقَالَ : إِنِّي عَمُّكِ ، أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقَ ، هُوَ عَمُّكِ ، فَأْذَنِي لَهُ . 27690 - وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 27691 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ فِي أَحَادِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى مُسْنَدَةً فِي بَابِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مِنَ التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 27692 - وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; قَالَ عُرْوَةُ : فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : حَرَّمْنَا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَنَرَى ذَلِكَ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ . 27693 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَكَانَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ الْوَارِدَةُ مِنْ نَقْلِ الْعُدُولِ تُبَيِّنُ مَوْضِعَ الصَّوَابِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 27694 - وَمَعْنَى اللَّبَنِ لِلْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ أَبًا لِلطِّفْلِ الْمُرْضَعِ ، وَتَكُونَ أَوْلَادُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا إِخْوَةً لَهُ ، كَمَا يَكُونُ أَوْلَادُ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ إِخْوَةً لَهُ مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجِ وَمِنْ غَيْرِهِ . 27695 - وَفِي هَذَا الْمَعْنَى تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا ، وَلَوْ وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْحَدِيثُ مَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27696 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُمْ ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَالْأَوْزَاعِيَّ ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبَا ثَوْرٍ ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ ، ذَهَبُوا كُلُّهُمْ إِلَى التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ . 27697 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ . 27698 - وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَالْحَسَنُ . 27699 - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ . 27700 - وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . 27701 - وَيَأْتِي الِاخْتِلَافُ عَنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
27735 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا إِذَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ تُحَرِّمُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَإِنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا . وإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ . 27736 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : الرَّضَاعُ حَوْلَانِ وَشَهْرٌ أَوْ شَهْرَانِ ، بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُنْظَرُ إِلَى إِرْضَاعِ أُمِّهِ إِيَّاهُ ، إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى الْحَوْلَيْنِ وَشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ . 27737 - قَالَ : وَإِنْ فَصَلَتْهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ وَأَرْضَعَتْهُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ ، وَهُوَ فَطِيمٌ يَرْضَعُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رَضَاعًا إِذَا كَانَ اسْتَغْنَى قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ الرَّضَاعِ . 27738 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ : مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَهُوَ مِنَ الْحَوْلَيْنِ . 27739 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَانَ مِنْ رَضَاعٍ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَبَعْدَهُمَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ سَوَاءٌ فُطِمَ أَوْ لَمَ يُفْطَمْ ، فَهُوَ يُحَرِّمُ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُ ، فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ . 27740 - وَقَالَ زُفَرُ : مَا دَامَ يَجْتَرِي بِاللَّبَنِ ، وَلَمْ يُفْطَمْ ، فَهُوَ رَضَاعٌ ، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثُ سِنِينَ . 27741 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُحَرِّمُ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَلَا يُحَرِّمُ بَعْدَهُمَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْفِصَالُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ . 27742 - وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ . 27743 - وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْأَوْزَاعِيِّ . 27744 - وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 27745 - ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : إِذَا فُطِمَ لِسَنَةٍ ، وَاسْتَمَرَّ فِطَامُهُ ، فَلَيْسَ بَعْدَهُ رَضَاعٌ ، وَلَوْ أُرْضِعَ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَكُنْ رَضَاعًا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ . 27746 - وَذَكَرَ ابْنُ خُوَازِ مَنْدَادَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : إِذَا فُطِمَ الْغُلَامُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَمَا رَضَعَ بَعْدَ ذَلِكَ رَضَاعًا ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ ثَلَاثَ سِنِينَ كَانَ رَضَاعًا . 27747 - ( وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ) فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : عَنْ ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَلَا يُحَرِّمُ ، وَلَوْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ أَيْضًا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ : وَهُوَ مَنْ رَضَعَ مِقْدَارَ مَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ . 27748 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالطَّبَرِيُّ : قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ ، وَلَوْ مَصَّةً وَاحِدَةً إِذَا وَصَلَتْ إِلَى حَلْقِهِ وَجَوْفِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ . 27749 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ . 27750 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِي الْمَهْدِ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ . 27751 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقِفِ اللَّيْثُ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ .
1242 - مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً ، فَهُوَ يحَرِّمٌ . 1243 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ أُرْضِعَ فِي الصِّغَرِ ، وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ . 1244 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَرْسَلَتْ بِهِ وَهُوَ يَرْضَعُ ، إِلَى أُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ . فَقَالَتْ : أَرَضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيَّ . قَالَ سَالِمٌ : فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ مَرِضَتْ فَلَمْ تُرْضِعْنِي غَيْرَ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ ، فَلَمْ أَكُنْ أَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ . 1245 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى أُخْتِهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ ، فَفَعَلَتْ . فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا . 27724 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بَيْنَهُمَا عِكْرِمَةُ . 27725 - وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِعِكْرِمَةَ ، وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 27726 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ . 27727 - قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ : أَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ . 27728 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ . 27729 - وَعَنْ عَلِيٍّ : لَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ . 27730 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ مَعْنًى وَاحِدٌ مُتَقَارِبٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَعَسِّفِينَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ . 27731 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ . 27732 - وَالْجُمْهُورُ فِي أَنَّهُ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ . 27733 - وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَجْهَانِ : 27734 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ الرَّضَاعَ فِي الْحَوْلَيْنِ يُحَرِّمُ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَا يُحَرِّمُ ، وَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ .
29600 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ سَلَّفَ فِي سِلْعَةٍ إِلَى أَجَلٍ . وَتِلْكَ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ . بِنَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ . قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ . وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ . إِلَّا بِعَرَضٍ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ لَمْ تَحِلَّ . فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ لَهَا بَيِّنٍ خِلَافُهُ . يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ . 29601 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْعَرَضُ الْمُخَالِفُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ : وَمَا لَمْ يَجُزْ سَلَمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ مِنَ الْعُرُوضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَضِيَ مِنَ السَّلَمِ فِي عَرَضٍ . 29602 - وَمَنْ سَلَّمَ فِي عَرَضٍ لَا يُؤْكَلُ ، وَلَا يُشْرَبُ ، فَلَا يَأْخُذُ عَرَضًا ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي صِفَتِهِ وَوَزْنِهِ ، أَوْ كَيْلِهِ ، أَوْ عَدَدِهِ ، أَوْ زَرْعِهِ ، وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ كُلِّهَا ، فَيَكُونُ قَدْ أَقَالَ ، وَأَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ بِعَيْنِهِ ، أَوْ يَكُونُ عَرْضًا مُخَالِفًا بَيِّنًا خِلَافُهُ ، فَيَأْخُذُ الْفَضْلَ مِمَّا أَعْطَى أَوْ أَدْوَنَ إِنْ شَاءَ ، كَمَا يَكُونُ لَهُ لَوْ سَلَّفَهُ فِيهِ يَقِفُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَهُوَ فِي الْكَافِي مَبْسُوطٌ مَعَ سَائِرِ مَعَانِي مَالِكٍ ، وَأَغْرَاضِهِ فِي الْبُيُوعِ . وَالْحَمْدُ اللَّهِ .
29603 - قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ سَلَّفَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَاضَى صَاحِبَهَا ، فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ . وَوَجَدَ عِنْدَهُ ثِيَابًا دُونَهَا مِنْ صِنْفِهَا . فَقَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَثْوَابُ : أُعْطِيكَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ مِنْ ثِيَابِي هَذِهِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِذَا أَخَذَ تِلْكَ الْأَثْوَابَ الَّتِي يُعْطِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا . فَإِنَّ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَيْضًا ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَهُ ثِيَابًا لَيْسَتْ مِنْ صِنْفِ الثِّيَابِ الَّتِي سَلَّفَهُ فِيهَا . 29604 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذا عِنْدَهُ مِنْ بَابٍ مَنْ سَلَّفَ فِي قَمْحٍ قَبْلَ الْأَجَلِ جَازَ لَهُ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ فَيْئَهُ شَعِيرًا ؛ لِأَنَّهُ تَجَاوَزَ عَنْهُ . 29605 - وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّفَ فِي شَعِيرٍ فَتَفَضَّلَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ قَمْحًا عِنْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ جَازَ عِنْدَهُ ، لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُ بَيْعًا ؛ لِأَنَّ الشَّعِيرَ وَالْقَمْحَ عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، فَكَذَلِكَ الثِّيَابُ الثَّمَانِيَةُ الدُّونُ إِذَا كَانَتْ مِنْ صِنْفِ الثِّيَابِ الْأَرْبَعَةِ وَجِنْسِهَا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، أَوْ دَخَلَهُ الْأَجَلُ ، كَانَ كَذَلِكَ بَيْعًا لِلْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ مِنْ أَكْلِ الْبَغْلِ ، لِأَنَّهُ إِذَا أَعْطَاهُ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ شَعِيرًا فِي الْقَمْحِ ، فَقَدْ بَاعَ مِنْهُ الْأَجَلَ ، يَفْصِلُ مَا بَيْنَ الشَّعِيرِ ، وَالْقَمْحِ ، وَأَخَذُ شَيْءٍ مِنَ الزِّيَادَةِ ، أَوِ النُّقْصَانِ مِنْ أَجْلِ الْأَجَلِ رِبًا ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ ، فَهُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ ، فَذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، لِطَرْحِ الضَّمَانِ فِي بَقِيَّةِ الْأَجَلِ ، وهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ : ضَعْ وَتَعَجَّلْ . 29606 - فَهَذَا أَصْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ . 29607 - وَأَصْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمَا . 29608 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ سَلَّمَ فِي ثَوْبٍ وَسَطَةٍ ، فَجَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهَا ، وَزَادَهُ دِرْهَمًا : أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي أَجْوَدَ مِنْهَا ، وَلَا فِي أَطْوَلَ . 29609 - وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ دِرْهَمًا فِي أَدْوَنَ ، وَلَا أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ . 29610 - وهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابٍ يَتَعَيَّنُ فِي بَيْعِهِ . 29611 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الثَّوْبِ ، وَلَوْ كَانَ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا لَمْ يَجُزْ . 29612 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَلَا الْمَوْزُونِ أَيْضًا . 29613 - وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ فِي الثَّوْبِ أَنْ يُؤْخَذَ أَطْوَلَ ، وَيَزِيدُهُ دِرْهَمًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ دُونَ ثَوْبِهِ ، وَيَسْتَرْجِعَ شَيْئًا . 2964 - وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ عِنْدَهُ كَالثِّيَابِ . 29615 - وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْأَطْوَلِ وَالزِّيَادَةِ ، وَبَيْنَ الْأَدْوَنِ وَالنُّقْصَانِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْجِنْسِ مِنَ الْجِنْسِ صَفْقَةٌ أُخْرَى ، فَهُمَا صَفْقَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ جَائِزَتَانِ . 29616 - وَأَمَّا إِذَا أَخَذَ الْأَدْوَنَ ، وَاسْتَرْجَعَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ ، فَيَدْخُلُهُ عِنْدَهُ ذَهَبٌ ، وَعِوَضٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ . 29617 - وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ . 29618 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : هُمَا جَمِيعًا مَكْرُوهَانِ ؛ لِأَنَّهُ صَرْفُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِهِ ، وَبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ . 29619 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِأَنْ يَأْخُذَ ابْنَةَ لَبُونٍ عَنِ ابْنَةِ مَخَاضٍ ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَيَأْخُذَ النَّاقِصَ وَزِيَادَةَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا . 29620 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ فِي الزَّكَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا . 29621 - وَمِنْ كَرِهَ ذَلِكَ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا اشْتَرَى قَبْلَ قَبْضِهِ . 29622 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ ، ثُمَّ زَادَهُ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِي طُولِهِ : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْأَجَلِ ، وَبَعْدَهُ . 29623 - وَهُوَ عِنْدُهُ صَفْقَتَانِ . 29624 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا أَرَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ ، فَإِنْ زَادَهُ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ أَرْفَعَ مِنَ الصِّفَةِ الْأُولَى لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْلَ الْأَجَلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ جَازَ عِنْدَهُمْ إِذَا تَعَجَّلَهُ ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ .
29594 - قَالَ مَالِكٌ : منْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا ، فِي حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ حكم بيعه قبل قبضه . إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ . 29595 - كَذَا رَوَى يَحْيَى : ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ . وَلَيْسَ فِي سَائِرِ الْمُوَطَّأِ .
29589 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ . فَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْصُوفًا ، فَسَلَّفَ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ ، فَحَلَّ الْأَجَلُ . فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، مِنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ . قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سَلَّفَهُ فِيهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ ، فَهُوَ الرِّبَا . صَارَ الْمُشْتَرِي إِنْ أَعْطَى الَّذِي بَاعَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَانْتَفَعَ بِهَا . فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي ، بَاعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا سَلَّفَهُ فِيهَا ، فَصَارَ أَنْ رَدَّ إِلَيْهِ مَا سَلَّفَهُ ، وَزَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ . 29590 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ أَوْضَحَ مَالِكٌ فِيهَا مَذْهَبَهُ ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي قَطْعِ الذَّرَائِعِ . 29591 - وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، فَلَا يُجِيزُونَ بَيْعَ شَيْءٍ سَلَّمَ فِيهِ لِأَحَدٍ حَتَّى يَقْبِضَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي أَنَّ الْعُرُوضَ فِي ذَلِكَ كَالطَّعَامِ . 29592 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ السَّلَمِ مِنَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ ، فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ . 29593 - وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى لِتَكْرِيرِ مَالِكٍ لَهُ .
1365 ( 31 ) بَابُ السُّلْفَةِ فِي الْعُرُوضِ . 1327 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ : عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ فَأَرَادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ . وَكَرِهَ ذَلِكَ . 29558 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ، وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ . 29559 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السَّبَائِبُ عَمَائِمُ الْكَتَّانِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : شَفَقُ الْكَتَّانِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : الْمَلَاحِفُ . 29560 - وَأَمَّا بَيْعُ مَا سُلِّفَ فِيهِ مِنَ الْعُرُوضِ قَبْلَ قَبْضِهَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 29561 - فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْعُرُوضَ وَالطَّعَامَ فِي ذَلِكَ سَوَاءً . 29562 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِذَلِكَ كَرِهَ بَيْعَ السَّبَائِبِ لِلَّذِي سَلَّفَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مَحْفُوظٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنَّهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . 29563 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 29564 - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . 29565 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ . 29566 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ . 29567 - وَمَعْنَاهُ مَا كَانَ فِي ضَمَانِ غَيْرِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، فَصَارَ الرِّبْحُ ، وَغَيْرُ الرِّبْحِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً ؛ لِأَنَّهُ مَا جَازَ بَيْعُهُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَدُونِهِ . 29568 - وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَأَغْنَى عَنِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . 29569 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ . 29570 - وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى ، وَكَانَ يَقِفُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بيع حَتَّى يُقْبَضَ ، فَدَلَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ مَا فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ . 29571 - وَرَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا ، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ . 29572 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ - أَئِمَّةِ الْفَتْوَى - فِي هَذَا الْبَابِ : 29573 - فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ نَحْوِ الثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ لِكُلِّ مَنْ سَلَّمَ فِيهَا ، أَوِ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ، فَمَنِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا سَلَّفَ فِيهَا ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنَ الَّذِي نَهَى عَلَيْهِ إِلَّا بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ ، أَوْ أَقَلَّ ، لَا يَزِيدُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ مَالِهِ ، وَلَا يُؤْخَذُ ، لِأَنَّهُ إِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ فِضَّةً ، أَوْ ذَهَبًا بِأَزْيَدَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَّرَهُ كَانَ أَيْضًا عِنْدَهُ دَيْنًا فِي دَيْنٍ ، فَإِنْ بَاعَ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُسَلَّمُ فِيهِ إِلَيْهِ مِنَ الْعُرُوضِ بِعَرَضٍ ، وَكَانَ قَدْ سَلَّمَ فِيهِ إِلَيْهِ عَيْنًا جَازَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، وَبَعْدَهُ إِذَا قَبَضَ الْعَرَضَ ، وَلَمْ يُؤْخِّرْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ عَرَضًا ، وَبَاعَهُ مِنْهُ بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ خِلَافًا بَيِّنًا لِعَرَضِهِ الَّذِي سَلَّمَ فِيهِ ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ أَسْلَمَ فِيهِ إِلَيْهِ بِأَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ إِذَا انْتَقَدَ الثَّمَنَ . 29574 - وَقَدْ بَيَّنَّا مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَغَيْرِهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنَ الْكِتَابِ الْكَافِي . 29575 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ الطَّعَامَ أَلَّا يَبِيعَهُ كُلَّ مَنِ ابْتَاعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَيَقْبِضَهُ ، فَإِدْخَالُ غَيْرِ الطَّعَامِ فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِغَيْرِ نَصٍّ . 29576 - وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ الْبَيْعَ مُطْلَقًا إِلَّا مَا خَصَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ . 29577 - وَأَمَّا حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا ابْتَعْتَ بَيْعَةً ، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّعَامَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا ، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ . 29578 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ . 29579 - قَالَ : وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ ، وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا ، وَكُلُّ مَا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ خُلْعٍ ، أَوْ نِكَاحٍ . 29580 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ ، يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، إِلَّا الْعَقَارَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . 29581 - قَالَ : وَجَائِزٌ بَيْعُ مَا مُلِكَ بِعَقْدٍ لَا يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَالْمَهْرِ ، وَالْجُعْلِ فِي الْخُلْعِ . 29582 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، إِلَّا فِي الْعَقَارِ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ ، وَبَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا مُلِكَ كَالشِّرَاءِ . 29583 - ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 29584 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْمُسْلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ . 29585 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنِ اشْتَرَى ثَمَرَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ . 29586 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ . 29587 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْبَتِّيِّ خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُلِ ، وَخِلَافُ الْجُمْهُورِ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ ، ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى صِحَاحٍ كُلُّهَا . 29588 - وَرَوَى أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السِّلَعِ حَيْثُ تُبَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ .
29596 - فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنَ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ ، أَوْ بَعْدَ مَا يَحِلُّ ، بِعَرَضٍ مِنَ الْعُرُوضِ ، يُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ذَلِكَ الْعَرَضُ ، إِلَّا الطَّعَامَ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ ، بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ مِنَ الْعُرُوضِ ، يَقْبِضُ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ ذَلِكَ قَبُحَ . وَدَخَلَهُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ تعريفه أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ . 29597 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكَلَامُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَغْنَى عَنِ الْكَلَامِ فِيهَا ، لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ . 29598 - وَإِذَا كَانَ طَعَامًا جَازَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ طَعَامًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَ طَعَامٍ بِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَلَمٌ عِنْدَهُ صُرِفَ فِي غَيْرِهِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ بِيعَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ . 29599 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
( 32 ) بَابُ بَيْعِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُوزَنُ . 1328 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ النُّحَاسِ وَالشَّبَهِ وَالرَّصَاصِ وَالْآنُكِ وَالْحَدِيدِ وَالْقَضْبِ وَالتِّينِ وَالْكُرْسُفِ . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُوزَنُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ رِطْلُ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ . وَرِطْلُ صُفْرٍ . بِرِطْلَيْ صُفْرٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا خَيْرَ فِيهِ ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ . إِلَى أَجَلٍ . فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْ ذَلِكَ ، فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ مِنْهُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الْآخَرَ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ فِي الِاسْمِ ، مِثْلَ الرَّصَاصِ وَالْآنُكِ وَالشَّبَهِ وَالصُّفْرِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ إِذَا قَبَضْتَ ثَمَنَهُ ، إِذَا كُنْتَ اشْتَرَيْتَهُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا ، فَإِنِ اشْتَرَيْتَهُ جِزَافًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ بِنَقْدٍ ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ جِزَافًا . وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ وَزْنًا ، حَتَّى تَزِنَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ . وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا . 29625 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصُّفْرُ : النُّحَاسُ الْمَصْنُوعُ الْأَصْفَرُ . 29626 - وَالشَّبَهُ : ضَرْبٌ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ اللَّاطُونُ ، وَالْآنُكُ : الْقَزْدِيرُ . 29627 - وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْآنُكُ : الْأَسْرَبُ ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهَا أَنْكَةٌ . 29628 - وَالْقَضْبُ : هُوَ الْقَضْقَضَةُ . 29629 - وَالْكُرْسُفُ : الْقُطْنُ . 29630 - فَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا . فَلَا رِبَا فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَصْنَافُهَا لَا مِنْ تَفَاضُلٍ ، وَلَا فِي نَسِيئَةٍ . 29631 - وَأَمَّا الصِّنْفُ الْوَاحِدُ إِذَا بِيعَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى الْأَجَلِ مما يوزن أو يكال ، فَذَلِكَ عِنْدَهُ سَلَفٌ أَسْلَفَهُ لِيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ شَرَطَ ذَلِكَ ، وَأَظْهَرَ فِيهِ لَفْظَ الْبَيْعِ لِيُجِيزَ بِذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ فِي الزِّيَادَةِ ، فَلَا يَجُوزُ . 29632 - فَإِنْ بَاعَ الصِّنْفَ الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ جَازَ ، لِأَنَّهُ ارْتَفَعَتْ فِيهِ التُّهْمَةُ ، وَبَعُدَتْ مِنْهُ الظِّنَّةُ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ مِنَ الْقَرْضِ ، وَهُوَ السَّلَفُ . 29633 - هَذَا أَصْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي كُلِّ مَا عَدَا الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْفُلُوسَ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَخَالَفَ أَصْلَهُ فِي ذَلِكَ ، وَرَآهَا كَالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَحَمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، فَلَا . 29634 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَا رِبَا عِنْدَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 29635 - وَجَائِزٌ عِنْدَهُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ يَدًا بِيَدٍ ، وَنَسِيئَةً كَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، وَأَكْثَرَ . 29636 - وَلَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ ذَكَرَ بَيْعًا ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ سَلَفًا كَمَا لَوْ قَالَ : أُسَلِّفُكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِمَعْنَى بِعْتُكَ . 29637 - وأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْكَيْلَ ، وَالْوَزْنَ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ ، وَلَا يُشْرَبُ كَالْجِنْسِ مِنَ الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ يَحْرُمُ النَّسِيئَةُ فِيهِ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ حَرُمَتِ النَّسِيئَةُ فِيهِمَا دُونَ التَّفَاضُلِ ، وَأَمَّا التَّفَاضُلُ ، فَلَا يَحْرُمُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجِنْسِ ، أَوِ الْكَيْلِ ، أَوِ الْوَزْنِ . 29638 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ ، وَلَا الصُّفْرُ بِالصُّفْرِ ، وَلَا النُّحَاسُ بِالنُّحَاسِ إِلَّا وَاحِدًا بِوَاحِدٍ ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً . 29639 - وَأَجَازُوا سِكِّينًا بِسِكِّينٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يُبَاعَ وَزْنًا . 29640 - وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ حُكْمُ كُلِّ آنِيَةٍ تُصْنَعُ مِنَ الْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ . 29641 - وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ . 29642 - وَهَذَا تُرِكَ مِنْهُمْ لِلْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا انْعَقَدَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالْعَيْنِ ، وَالتِّبْرُ مِنَ الذَّهَبِ وَآنِيَةُ الْفَضَّةِ كَالتِّبْرِ ، وَالْعَيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا خَرَجَ مِنَ الصَّنْعَةِ فِي الْحَدِيدِ ، وَمِنَ النُّحَاسِ ، وَمِنَ الصُّفْرِ ، وَكَالْحَدِيدِ ، وَكَالنُّحَاسِ ، وَكَالصُّفْرِ ، وَخِلَافُ هَؤُلَاءِ فِي آنِيَةِ الْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ ، كَخِلَافِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْفُلُوسِ . 29643 - وَنَذْكُرُ هَاهُنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي الْفُلُوسِ مُلَخَّصًا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى . 29644 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَجَعَلَ الْفُلُوسَ هَاهُنَا كَالذَّهَبِ ، أَوْ كَالْفِضَّةِ ، وَقَالَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْفُلُوسِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَايَضَا جَمِيعًا حَتَّى افْتَرَقَا ، فَأَكْرَهُهُ ، وَأَفْسَخُ الْبَيْعَ فِيهِ ، وَلَا أُرَاهُ كَتَحْرِيمِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ . 29645 - وَقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي بَيْعِ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ كَقَوْلِ مَالِكٍ . 29646 - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . 29647 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ فَلْسٍ ، بِفَلْسَيْنِ . 29648 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 29649 - وَزَادَ الشَّافِعِيُّ ، فَأَجَازَ السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ ، وَلَا رِبَا عِنْدَهُ فِي عيْن الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَالْمَأْكُولِ كُلِّهِ ، وَالْمَشْرُوبِ لَا فِي نَسِيئَةٍ ، وَلَا فِي تَفَاضُلٍ . 29650 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ . 29651 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنِ ابْتَاعَ الْفُلُوسَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَقَبَضَ أَحَدَهُمَا ، فَافْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ الْآخَرِ لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ . 29652 - قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ وَاحِدًا مِنْهُمَا حَتَّى افْتَرَقَا بَطُلَ الْعَقْدُ ، لَيْسَ لِأَنَّهُ فَرْقٌ ، وَلَكِنْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنٌ ، فَصَارَ دَيْنًا بِدَيْنٍ . 29653 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ النُّحَاسِ ، وَالصُّفْرِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالْمِسْكِ ، وَالْعَنْبَرِ ، وَالزَّعْفَرَانِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْزُونَاتِ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ نَقْدًا ، وَنَسِيئَةً ، دَلَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى فَسَادِ مَا أَحَلَّهُ الْكُوفِيُّونَ فِي أَنَّ الْوَزْنَ جِنْسٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَلَا النَّسَأُ . 29654 - وَلَهُمْ ، وَلِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي أُصُولِ هَذَا الْبَابِ اعْتِرَاضَاتٌ ، وَتَنَازُعٌ وَاحْتِجَاجَاتٌ ، يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا مَوْضِعًا لَهَا . 29655 - وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ بِيعِ الزَّعْفَرَانِ ، وَالْقُطْنِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَكُلِّ مَا يُوزَنُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ . 29656 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ نَسِيئَةً ، فَدَلَّ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ . 29657 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا قِيَمٌ لِلْمُتْلَفَاتِ وَالْمُسْتَهْلَكَاتِ دُونَ غَيْرِهَا ، فَدَلَّ عَلَى خُصُوصِهَا ، وَخُرُوجِهَا عَلَى سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ . 29658 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهَا مُكَرَّرًا ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ .
29665 - قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَصْبَاءَ وَالْقَصَّةَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ ، فَهُوَ رِبًا . وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ ، وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَجَلٍ ، فَهُوَ رِبًا . 29666 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَهُ رِبًا ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً اشْتَرَطَهَا ، وَازْدَادَهَا عَلَى مَا أَعْطَى إِلَى أَجَلٍ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ . 29667 - وَلَمْ يَلْتَفِتْ مَالِكٌ إِلَى ذِكْرِ الْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مَا يَصِيرُ الْفِعْلُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا ، فَإِذَا حَصَلَ بِيَدِ الْآخَرِ شَيْءٌ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ فِي صَفْقَةٍ ، وَزِيَادَةَ مِثْلِهِ أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي السَّلَفِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي السَّلَفِ مُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا . 29668 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَالْقَرْضُ عِنْدَهُ مَا اسْتَقْرَضَهُ الْمُسْتَقْرِضُ ، وَلَا نَظُنُّ بِالْبَائِعِ ، وَلَا بِالْمُبْتَاعِ أَنَّهُ مُقْرِضٌ ، وَلَا مُسْتَقْرِضٌ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ مَعْنًى ، وَالْقَرْضَ مَعْنًى آخَرُ . 29669 - أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَرْضَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ حَالًّا ، وَلَا يَكُونُ يَدًا بِيَدٍ . 29670 - وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْبَيْعِ ، وَلَا يُشْبِهُهُ فِي شَيْءٍ ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ بِهِ حُكْمٌ ، وَإِنَّمَا الْأَحْكَامُ الدُّنْيَا بَيْنَنَا عَلَى مَا ظَهَرَ لَنَا ، وَلَا رِبَا عِنْدَهُ إِلَّا فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ . 29671 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَأُصُولُهُمْ قَدْ وَصَفْنَاهَا ، وَمَذْهَبُهُمْ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ وَأَضْيَقُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 29672 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، فَهُمْ لَا يُجِيزُونَهُ نَسِيئَةً الْبَتَّةَ ، اخْتَلَفَ أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُرُوضِ . 29673 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : أَعْيَانِي أَنْ أَعْرِفَ مَا الْعُرُوضُ إِذَا بِيعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ نَظِرَةً .
29659 قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ، مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، مِثْلَ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى وَالْخَبَطِ وَالْكَتَمِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ . أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ . وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . فَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ ، فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ، إِذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ . 29660 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْعُصْفُرُ نَوَّارٌ مَعْرُوفٌ ، وَصَبْغٌ مَعْلُومٌ . 29661 - وَأَمَّا النَّوَى ، فَنَوَى التَّمْرِ يُرْضَخُ بِالْمَرَاضِخِ ، فَتُعْلَفُهُ الْإِبِلُ . 29662 - وَأَمَّا الْخَبَطُ ، فَهُوَ وَرَقُ الشَّجَرِ يُجْمَعُ ، وَيُدَقُّ ، وَتُعْلَفُهُ الْإِبِلُ . 29663 - وَأَمَّا الْكَتَمُ ، فَشَجَرَةٌ يُخَضْبُ بِهَا الشَّعْرَ مَعَ الْحِنَّاءِ . 29664 - وَكُلُّ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْعَبًا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ كُلُّهُ .
1330 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ : ابْتَعْ لِي هَذَا الْبَعِيرَ بِنَقْدٍ ، حَتَّى أَبْتَاعَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلٍ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، فَكَرِهَهُ وَنَهَى عَنْهُ . 29682 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيهِ وَجْهَانِ . 29683 - أَحَدُهُمَا : الْعِينَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَغَيْرِهِ . 29684 - ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ جَمَعَتْ بَيْعَتَيْنِ ، أَصْلُهَا الْبَيْعَةُ الْأُولَى .
29687 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا ، أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، قَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الْعَشَرَةَ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ نَقَدَ الْعَشَرَةَ كَانَ إِنَّمَا اشْتَرَى بِهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي إِلَى أَجَلٍ . 29688 - قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِدِينَارٍ ، نَقْدًا ، أَوْ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ ، إِلَى أَجَلٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ : إِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَنْبَغِي ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 29689 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ : أَشْتَرِي مِنْكَ هَذِهِ الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، أَوِ الصَّيْحَانِيَّ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ ، أَوِ الْحِنْطَةَ الْمَحْمُولَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، أَوِ الشَّامِيَّةَ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ ، قَدْ وَجَبَتْ لِي إِحْدَاهُمَا : إِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لَهُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ صَيْحَانِيًّا ، فَهُوَ يَدَعُهَا وَيَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنَ الْعَجْوَةِ ، أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنَ الْحِنْطَةِ الْمَحْمُولَةِ ، فَيَدَعُهَا وَيَأْخُذُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ مِنَ الشَّامِيَّةِ ، فَهَذَا أَيْضًا مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ ، وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُبَاعَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الطَّعَامِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ . 29690 - وَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : 29691 - ( أَحَدُهَا ) : الْعِينَةُ . 29692 - ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ يَدْخُلُهُ مَعَ الطَّعَامِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُتَفَاضِلًا . 29693 - ( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّهُ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . 29694 - فَسَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . 29695 - قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ تَفْسِيرِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، فَقَالَ لِي : بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَبْلُغَ لَكَ تَفْسِيرُهُ ، وَأَصْلُ مَا بَنَيْنَا عَلَيْهِ ، وَتَعْرِفُ بِهِ مَكْرُوهَهُمَا أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا بِأَمْرٍ يَكُونُ إِذَا فُسِخَتْ إِحْدَاهُمَا فِي صَاحِبِهِ كَانَ حَرَامًا ، أَوْ يَكُونُ إِذَا فُسِخَتْ إِحْدَاهُمَا فِي صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا ، وَكَانَ غَرَرًا لَا يَدْرِي مَا عَقَدَ بِهِ بَيْعَ سِلْعَتِهِ ، وَلَا مَا وَجَبَ لَهُ ، وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَأَصْلُهَا الْغَرَرُ ، وَالْمُخَاطَرَةُ ، وَهُوَ فَسْخٌ إِنْ وَقَعَ إِلَّا أَنْ تَفُوتَ السِّلْعَةُ عِنْدَ مُبْتَاعِهَا ، فَيَكُونُ لَهُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ ابْتَاعَهَا . 29696 - قَالَ عِيسَى : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ : سِلْعَتِي هَذِهِ لَكَ - إِنْ شِئْتَ - بِدِينَارٍ نَقْدًا وَإِنْ شِئْتَ بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ ، قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ الْأَخْذُ بِأَحَدِهِمَا ، فَهُوَ إِنْ أَخَذَهَا بِالدِّينَارِ ، كَانَ نَقْدًا قَدْ فَسَخَ دِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ فِي دِينَارٍ نَقْدًا ، وَإِنْ أَخَذَهَا بِدِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، كَانَ قَدْ فَسَخَ دِينَارًا نَقْدًا بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ . 29697 - فَهَذَا الَّذِي إِنْ فَسَخَهُ فِي صَاحِبِهِ لَمْ يَحِلَّ ، وَأَمَّا الَّذِي إِنْ فَسَخَهُ مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ حَلَالًا ، وَكَانَ غَرَرًا ، لَا يَدْرِي مَا عَقَدَ بِهِ بَيْعَ سِلْعَتِهِ ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ : خُذْهَا بِدِينَارٍ نَقْدًا ، أَوْ بِشَاةٍ قَائِمَةٍ نَقْدًا ، فَذَلِكَ مِلْكُ الْآخَرِ يَأْخُذُهَا ، فَهُوَ الَّذِي إِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا فِي صَاحِبِهِ كَانَ حَلَالًا وَكَانَ غَرَرًا ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا عَقَدَ عَلَيْهِ بَيْعَهُ . 29698 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا زَادَ عِيسَى عَلَى أَنْ أَتَى بِمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا أَنَّهُ سَمَّى الْغَرَرَ حَلَالًا ، وَذَهَبَ إِلَى تَفْسِيرِ ظَنِّهِ فِي الدِّينَارِ نَقَدًا فِي الشَّاةِ ، وَجَعَلَ الْوَجْهَ مِنَ الْآخَرِ حَرَامًا ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ فِي ظَنِّهِ دِينَارٌ بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ أَنَّ بَيْعَ الْغَرَرِ لَيْسَ بِحَلَالٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ كَمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَكَيْفَ صَارَ فِعْلُ مَنْ وَاقَعَ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ حَلَالًا ، وَصَارَ فِعْلُ مَنْ وَاقَعَ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ حَرَامًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَاعِلَيْنِ لَمْ يَقْصِدْ فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِ مَا نَهَى عَنْهُ وَلَكِنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا يُشْبِهُهُ . 29699 - وَحَصَلَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي حُكْمِ مَنْ فَعَلَهُ قَاصِدًا إِلَيْهِ ، فَلَمَّا صَارَ فِعْلُ مَنْ وَاقَعَ أَحَدَ النَّهْيَيْنِ قَاصِدًا ، أَوْ جَاهِلًا حَلَالًا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ وَاقَعَ النَّهْيَ الثَّانِي مِثْلَهَا ، وَكِلَاهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ إِنْ أَدْرَكَ ، وَإِصْلَاحُهُ بِالْقِيمَةِ إِنْ فَاتَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 29700 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ . 29701 - وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ . 29702 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ مَعْنَى نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ : أَنْ أَبِيعَكَ عَبْدًا بِأَلْفٍ نَقْدًا ، أَوْ أَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ ، وَلَا أَعْقِدُ الْبَيْعَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَهَذَا تَفَرُّقٌ عَنْ ثَمَنٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ . 29703 - قَالَ : الْمُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ : أَبِيعُكُ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِأَلْفٍ إِذَا وَجَبَ لَكَ عَبْدِي وَجَبَتْ لِي دَارُكَ ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ بِثَمَنٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ ؛ لِأَنِّي مَا نَقَصْتُ فِي الْعَبْدِ أَدْرَكْتُهُ بِمَا ازْدَدْتُ فِي الدَّارِ فَتَكُونُ الدَّارُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، إِنِّي مَا ازْدَدْتُ فِي الدَّارِ أَدْرَكْتُ فِي الْعَبْدِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعٌ مُشْتَرٍ بِثَمَنٍ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، فَبَيْعُهُمَا مَفْسُوخٌ ، وَهُوَ يُشْبِهُ مَا نهى عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 29704 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ بَيْعًا مِنْ رَجُلٍ إِلَى أَجَلَيْنِ ، فَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَى أَجَلَيْنِ إِلَّا عَنْ ثَمَنَيْنِ . 29705 - فَإِنْ قَالَ : هُوَ بِالنَّقْدِ بِكَذَا وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا ، ثُمَّ افْتَرَقَا عَلَى قَطْعِ أَحَدِ الْبَيْعَتَيْنِ ، فَهُوَ جَائِزٌ . 29706 - قَالُوا : وَمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ عَبْدَهُ بِثَمَنٍ ذَكَرَهُ لَمْ يَجُزْ . 29707 - فَمَعْنَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 29708 - وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ : أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا ، أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى أَجَلٍ : إِذَا كَانَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ الْبَيْعَ تَرَكَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 29709 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ إِنِ افْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ بِالِالْتِزَامِ حَتَّى يَفْتَرِقَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ . 29710 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 29711 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنِ افْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ ، وَقَبَضَ السِّلْعَةَ ، فَهِيَ بِأَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ إِلَى أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ . 29712 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إِذَا فَارَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَضَاعَ ، فَعَلَيْهِ أَقَلُّ الثَّمَنَيْنِ نَقْدًا . 29713 - وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا افْتَرَقَ عَلَى إِلْزَامِ إِحْدَى الْبَيْعَتَيْنِ بِغَيْرِ عَيْنِهِمَا ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَافْتَرَقَا عَلَى غَيْرِ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، فَإِنِ افْتَرَقَا عَلَى الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا عَلَى غَيْرِ الْتِزَامٍ بِثَمَنٍ يَلْزَمُ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْخِيَارِ . 29714 - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ إِذَا افْتَرَقَا عَلَى غَيْرِ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَلَا بِالْتِزَامٍ ، وَلَا بِغَيْرِ الْتِزَامٍ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدِ افْتَرَقَا عَلَى ثَمَنٍ مَجْهُولٍ ، وَدَخَلَا تَحْتَ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 29715 - وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِدِينَارِ نَقْدًا ، أَوْ بِدِينَارَيْنِ إِلَى شَهْرٍ فُسِخَ ذَلِكَ ، وَرُدَّتْ إِلَى قِيمَتِهَا نَقْدًا ، وَلَا يُعْطَى أَقَلَّ الثَّمَنَيْنِ إِلَى أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ . 29716 - وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ حَدِيثِهِمْ لَا تَحِلُّ السَّوْمَتَانِ هُوَ بِكَذَا نَقْدًا ، أَوْ بِكَذَا نَسِيئَةً ؟ قَالَ : يَأْخُذُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . 29717 - قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِإِحْدَى الْبَيْعَتَيْنِ ، قُلْتُ : فَإِنَّهُ ذَهَبَ بِالسِّلْعَةِ عَلَى ذَيْنِكَ الشَّرْطَيْنِ . 29718 - قَالَ : هِيَ بِأَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ إِلَى أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ . 29719 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ بِعْتَ بَيْعًا ، فَقُلْتَ هُوَ لَكَ بِالنَّقْدِ بِكَذَا ، وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا ، فَذَهَبَ بِهِ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْبَيْعَتَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ بَيْعُكَ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَهُوَ بَيْعَانِ فِي بَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَتَاعَكَ بِعَيْنِهِ أَخَذْتَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتُهْلِكَ ، فَلَكَ أَوْكَسُ الثَّمَنَيْنِ ، وَأَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ ، وَإِذَا ذَهَبَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ نَقْدًا كَانَ أَوْ نَسِيئَةً ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 29720 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : الصَّفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا . 29721 - قَالَ سُفْيَانُ : يَقُولُ إِنْ يَأْخُذْ سِلْعَةً بَيْعًا ، فَقَالَ : أَبِيعُكَ هَذِهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَتُعْطِينِي بِهَا صَرْفَ دِرْهَمٍ . 29722 - وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : هُوَ رِبًا . 29723 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 29724 - وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ جَائِزٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ . 29725 - وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ ، أَوْ بِعِشْرِينَ إِلَى شَهْرَيْنِ إِذَا بَاعَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَهُ . 29726 - وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا فَهُوَ بِأَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ إِلَى أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ .
1331 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا ، أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ . 29685 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِذَا افْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ وَجَبَتِ الْكَرَاهَةُ ، وَالتَّحْرِيمُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29686 - فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ بِأَثَرِ هَذَا الْحَدِيثِ .
( 33 ) بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ 1329 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 29674 - هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكُلُّهَا صِحَاحٌ مِنْ نَقْلِ الْعُدُولِ ، وَقَدْ تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ إِلَّا أَنَّهُمُ اتَّسَعُوا فِي تَخْرِيجِ وُجُوهِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ ، وَكُلٌّ يَتَأَوَّلُ فِيهِ عَلَى أَصْلِهِ مَا يُوَافِقُهُ ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ هُنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29675 - وَمِنْ أَحْسَنِ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ : مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 29676 - وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29677 - وَرَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29678 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ فِي " التَّمْهِيدِ " . 29679 - وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا ، وقَالَ : هُوَ رِبًا . 29680 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَا تَصْلُحُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : هُوَ رِبًا . 29681 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ ، وَمَذَاهِبُهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَنَذْكُرُ أَوَّلًا مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " ، ثُمَّ نُتْبِعُهُ بِأَقْوَالِ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
1302 ( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَمَرِ الْمَالِ يُبَاعُ أَصْلُهُ 1263 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ . 28263 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ صَحِيحٌ . 28264 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ; فَالْأَبَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ لَقَاحُ النَّخْلِ ، يُقَالُ مِنْهُ : أَبَّرَ النَّخْلَ ، يُؤَبِّرُهَا ، أَبَرًا ، أَوْ تَأَبَّرَتْ تَأَبُّرًا . 28265 - قَالَ الْخَلِيلُ : الْأَبَارُ : لِقَاحُ النَّخْلِ . 28266 - قَالَ : وَالْأَبَارُ أَيْضًا عِلَاجُ الزَّرْعِ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ السَّقْيِ ، وَالتَّعَاهُدِ . 28267 - قَالَ الشَّاعِرُ : وَلِيَ الْأَصْلُ الَّذِي فِي مِثْلِهِ يُصْلِحُ الْآبِرُ زَرْعَ الْمُؤْتَبِرِ . 28268 - وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا أَنَّ التَّلْقِيحَ هُوَ أَنْ يُؤْخَذَ طَلْعُ ذُكُورِ النَّخْلِ ، فَيُدْخَلُ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ طَلْعِ الْإِنَاثِ . 28269 - وَأَمَّا مَعْنَى الْأَبَارِ فِي سَائِرِ ثِمَارِ الْأَشْجَارِ : فَابْنُ الْقَاسِمِ يُرَاعِي ظُهُورَ الثَّمَرَةِ لَا غَيْرَ ، وَمَعْنَاهُ انْعِقَادُ الثَّمَرَةِ ، وَثُبُوتُهَا . 28270 - وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : كُلُّ مَا لَا يُؤَبَّرُ مِنَ الثِّمَارِ ، فَاللَّقَاحُ فِيها بِمَنْزِلَةِ الْأَبَارِ فِي النَّخْلِ ، وَاللَّقَاحُ أَنْ تُنَوَّرَ الشَّجَرَةُ ، وَيُعْقَدَ ، فَيَسْقُطُ مِنْهُ مَا يَسْقُطُ ، وَيَثْبُتُ مَا يَثْبُتُ ، فَهَذَا هُوَ اللَّقَاحُ فِيمَا عَدَا النَّخِيلِ مِنَ الْأَشْجَارِ . 28271 - قَالَ : وَأَمَّا أَنْ يُورِقَ ، أَوْ يُنَوِّرَ قَط ، فَلَا . هَذَا فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ ثِمَارِ الْأَشْجَارِ ، وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ مِنْ ثِمَارِ شَجَرِ التِّينِ ، وَغَيْرِهَا ، فَإِنَّ إِبَارَهُ التَّذْكِيرُ . 28272 - وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ . 28273 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْحَائِطَ إِذَا تَشَقَّقَ طَلْعُ إِنَاثِهِ ، فَأَخَذَ إِبَارَهُ ، وَقَدْ أَبَّرَ غَيْرَهُ مِمَّا حَالُهُ مِثْلُ حَالِهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا قَدْ أُبِّرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْأَبَارِ ، وَظَهَرَتْ إِبْرَتُهُ بَعْدَ مَغِيبِهَا فِي الْخفِّ . 28274 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ثِمَارِ النَّخِيلِ يُبَاعُ أَصْلُهُ . 28275 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . 28276 - قَالُوا : إِذَا كَانَ فِي النَّخْلِ ثَمَرٌ ، وَقَدْ أُبِّرَ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، فَإِنِ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ النَّخْلُ لَمْ يُؤَبَّرْ ، فَالثَّمَرُ لِلْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ . 28277 - وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْحَائِطِ مُؤَبَّرًا ، أَوْ بَعْضُهُ لَمْ يُؤَبَّرْ كَانَ مَا أُبِّرَ مِنْهُ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ ، أَوْ غَيْرُهُ الْأَقَلَّ كَانَ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ مِنْهُمَا . 28278 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ . 28279 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمُؤَبَّرَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِلْبَائِعِ ، وَالَّذِي لَمَّ يُؤَبَّرْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِلْمُبْتَاعِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ ، أَوْ غَيْرُ الْمُؤَبَّرِ مُتَسَاوِيَيْنِ . 28280 - وَأَجَازَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلْمُشْتَرِي أُصُولَ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الثَّمَرَةَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا هُوَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَهَا فِي صَفْقَةٍ . 28281 - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِي مَالِ الْعَبْدِ . 28282 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِيهَا لَا لَهُ ، وَلَا لِغَيْرِهِ . 28283 - وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا الثَّوْرِيُّ ، وَلَا أَحْمَدُ ، وَلَا إِسْحَاقُ ، وَلَا أَبُو ثَوْرٍ ، وَلَا دَاوُدُ ، وَلَا الطَّبَرِيُّ . 28284 - وَكَذَلِكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ ، وَابْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . 28285 - فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ ، فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكَةٌ فِي النَّخْلِ إِلَى الْجُذَاذِ . 28286 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَعْقُولٌ إِذَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكَهَا فِي شَجَرِهَا إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ الْجُذَاذَ ، وَالْقِطَافَ مِنَ الشَّجَرِ ، فَإِذَا كَانَ لَا يَصْلُحُ بِهَا إِلَّا السِّقَاءُ ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَخْلِيَةُ الْبَائِعِ ، وَمَا يَكْفِي مِنَ السَّقْيِ ، وَإِنَّمَا مِنَ الْمَاءِ مَا تَصْلُحُ بِهِ الثَّمَرَةُ مِمَّا لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ . 28287 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا بَاعَ الرَّجُلُ نَخْلًا ، أَوْ شَجَرًا فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ ظَهَرَ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي ، وَعَلَيْهِ قَلْعُهُ مِنْ شَجَرِ الْمُشْتَرِي وَمِنْ نَخْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ إِلَى الْجِذَاذِ ، وَلَا إِلَى غَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ أُبِّرَ ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ إِذَا كَانَ قَدْ ظَهَرَ فِي النَّخْلِ . 28288 - فَإِنِ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ فِي الْبَيْعِ تَرْكَ الثَّمَرَةِ إِلَى الْجِذَاذِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَبَا يُوسُفَ قَالَا : الْبَيْعُ فَاسِدٌ . 28289 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا كَانَ صَلَاحُهَا لَمْ يَبْدُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إِنِ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ بَقَاءَهَا إِلَى جِذَاذِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا فَالْبَيْعُ ، وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ . 28290 - وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ . 28291 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَ الْكُوفِيُّونَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ إِلَى قِيَاسٍ ، وَلَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ . 28291 م - وَمِنْ حُجَّتِهِمُ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ حَتَّى تَنَاهَتْ ، وَصَارَتْ بَلَحًا ، أَوْ بُسْرًا ، وَبِيعَ النَّخْلُ أَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَدْخُلُ فِيهِ . 28292 - قَالُوا : فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذِكْرِ التَّأْبِيرِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ ، فَاعْتَبَرُوا ظُهُورَ الثَّمَرَةِ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا بَيْنَ الْمُؤَبَّرِ وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرِ . 28293 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : سَوَاءٌ أُبِّرَ النَّخْلُ ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ ، إِذَا بِيعَ أَصْلُهُ ، فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهَا ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا كَسَعَفِ النَّخْلِ . 28294 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَشَدُّ خِلَافًا لِلْحَدِيثِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 28295 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : مَنِ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، فَالزَّرْعُ لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي . 28296 - وَبُدُوُّ صَلَاحِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَبْرُزَ ، وَيَظْهَرَ ، وَيَسْتَقِلَّ . 28297 - وَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ ، وَالْبِذْرُ لَمْ يَنْبُتْ ، فَهُوَ لِلْمُبْتَاعِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْطٍ . 28298 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لِلْبَائِعِ . 28299 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَمَنِ ابْتَاعَ أَرْضًا ، وَفِيهَا زَرْعٌ قَدْ أُلْقِحَ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُلَقَّحْ ، فَهُوَ لِلْمُبْتَاعِ . 28300 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ أُلْقِحَ أَكْثَرُهُ كَانَ لِلْبَائِعِ كُلُّهُ دُونَ الْمُبْتَاعِ . 28301 - وَقَالَ : وَلَقَاحُ الْقَمْحِ ، وَالشَّعِيرِ أَنْ يُحَبِّبَ ، وَيُسَنْبِلَ حَتَّى لَوْ يَبِينُ - حِينَئِذٍ - لَمْ يَكُنْ فَسَادًا . 28302 - وَقَوْلُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ نِصْفِ الثَّمَرَةِ ، وَغَيْرِهَا كَقَوْلِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ نِصْفِ مَالِ الْعَبْدِ ، أَوْ بَعْضِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1354 ( 25 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَالسَّلَفِ فِيهِ . 1316 - مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ . 29328 - هَكَذَا هَذَا الْخَبَرُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ بِالْمُوَطَّأِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . 29329 - وَرَوَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ ، فَوَهِمَ فِيهِ وَأَخْطَأَ . 29330 - وَالصَّحِيحُ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَأَمَّا إِسْنَادُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، فَإِنَّمَا هُوَ فِي حَدِيثِ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْإِسْنَادُ وَلَمْ يُقِمْهُ .
29341 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الْبَعِيرَ النَّجِيبَ بِالْبَعِيرَيْنِ أَوْ بِالْأَبْعِرَةِ مِنَ الْحَمُولَةِ مِنْ مَاشِيَةِ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَعَمٍ وَاحِدَةٍ . فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . إِذَا اخْتَلَفَتْ فَبَانَ اخْتِلَافُهَا ، وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ . فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . 29342 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ يُؤْخَذَ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ فِي نَجَابَةٍ وَلَا رِحْلَةٍ . فَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ ، فَلَا يُشْتَرَى مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ، مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ ، إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ . 29343 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَقُولُ - رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّ النَّجَابَةَ ، وَالْفَرَاهَةَ فِي الرِّحْلَةِ ، وَالسُّرْعَةَ إِذَا كَانَ فِي الْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الثَّانِيَةِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ السَّلَفُ . وَصَحَّ أَنَّهُ بَيْعٌ ، لِأَنَّ السَّلَفَ إِنَّمَا عَلَى الْمُسْتَلَفِ لَهُ أَنْ يَرُّدَ مِثْلَهُ ، فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِثْلُهُ إِلَّا بِزِيَادَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَيْعٌ ، وَلَا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ فِي الْبُيُوعِ . 29344 - وَجَائِزٌ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ اخْتَلَفَتْ أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ ، وَاثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، إِلَى أَجَلٍ إِذَا اخْتَلَفَتْ ، فَبَانَ اخْتِلَافُهُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ، وَبَانَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 29345 - وَحُكْمُ الْعَبِيدِ ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ فِي الِاخْتِلَافِ نَحْوُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَبِيدِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ وَالْجَارِيَةُ لَهُمَا صِفَةٌ ظَاهِرَةٌ كَالطَّبْخِ ، وَالرَّقْمِ ، وَالتِّجَارَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الصِّنَاعَاتِ . 29346 - وَلَيْسَ الْجَمَالُ ، وَالْفَرَاهَةُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِاخْتِلَافٍ . 29347 - وَقَالَ أَصْبَغُ : ذَلِكَ اخْتِلَافٌ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْجَارِيَةِ الْكَاتِبَةِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِاثْنَتَيْنِ لَا يَكْتُبَانِ نَسِيئَةً . 29348 - وَهُوَ رَأْيُ أَصْبَغَ . 29349 - وَمَعْنَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ الْفَصَاحَةَ ، وَالتِّجَارَةَ ، وَالنَّفَاذَ ، وَالْمَعْرِفَةَ جَائِزٌ أَنْ يُسَلَّمَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنَ الْعَبِيدِ فِيمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَاحِدٌ فِي اثْنَيْنِ وَأَكْثَرَ . 29350 - وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مِنْهُ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ، فَقَدْ مَضَى مَذْهَبُهُ أَنَّ الطَّعَامَ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ عِنْدَهُ مَا عَدَا الطَّعَامَ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ فَقَدْ خَصَّ الطَّعَامَ ، وَمَضَى قَوْلُ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . 29351 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْهُ ، فَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ كَانَتِ الدَّرَاهِمُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، وَكَانَ الْجَمَلُ مُحَلِّلًا لِمَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ فِي صِفَتِهِ وَحَالِهِ جَازَ ، وَارْتَفَعَتْ فِيهِ التُّهْمَةُ . 29352 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ نَقْدًا ، وَلَا يَجُوزُ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْحَوَالَةِ . 29353 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَنَسِيئَةً : 29354 - فَقَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَذْهَبِهِ فِيهِ . 29355 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَا رِبَا عِنْدَهُ فِي الْحَيَوَانِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَقْدًا وَنَسِيئَةً ، اخْتَلَفَ أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ ، وَلَا رِبَا عِنْدَهُ إِلَّا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، أَوْ مَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ عَلَى مَذْهَبِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 29356 - وَحُجَّتُهُ فِي جَوَازِ بِيعَ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ الزُّبَيْدِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِنَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ ، إِنَّمَا نَبِيعُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ ، وَالْبَقَرَةَ بِالْبَقَرَتَيْنِ ، وَالشَّاةَ بِالشَّاتَيْنِ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا ، فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ ، وَالشَّاةَ بِالشَّاتَيْنِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ . 29357 - قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ : قَالَ : قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : أَبُو سُفْيَانَ الْمُزَنِيُّ رَوَى عَنْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مَا حَالُهُ ؟ قَالَ : مَشْهُورٌ ثِقَةٌ . قَالَ : قُلْتُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ الزُّبَيْدِيِّ : قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ . 29358 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي هَذَا الْبَابِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 29359 - وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ : وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ ، وَأَقْيَسُهَا . 29360 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ . 29361 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً ؟ فَقَالَ : سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْحَيَوَانِ ؟ فَقَالَ : لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ . 29362 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثِ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ شِهَابٍ . 29363 - وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ خِلَافُ ذَلِكَ . 29364 - رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ بَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ نَظِرَةً ، فَقَالَ : لَا ، قَالَ : فَسَأَلَ أَبِي ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : قَدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْرًا مِنَ الْبَعِيرَيْنِ . 29365 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَرِهَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئَةً . 29366 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَلِيٍّ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا ، وَالْأَسْلَمِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . 29367 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا حُمِلَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ عَلَى مَعْنَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ، وَصَحَّ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ تَضَادٍّ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 29368 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً ، اخْتَلَفَ أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ . 29369 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . 29370 - أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ بيع الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . 29371 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . 29372 - هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا . 29373 - وَذَكَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ يَكْرَهُ بَيْعَ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . 29374 - وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ . 29375 - وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : إِذَا اخْتَلَفَا إِلَى أَجَلٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ يَقُولُ : الْغَنَمُ بِالْبَقَرِ ، وَالْبَقَرُ بِالْإِبِلِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا . 29376 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْكُوفِيِّينَ ، وَالْحِجَازِيِّينَ ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مُتَفَاضِلًا ، يَدًا بِيَدٍ . 29377 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْتَجَّ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَرْفُوعَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَحَدِيثِ سَمُرَةَ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَغْرَاضُ ، وَالْمَنَافِعُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ . 29378 - وَيَكُونُ مَعْنَى حَدِيثِ سَمُرَةَ إِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامِهَا يَقَعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ نَسِيئَةً ، فَيُسْتَعْمَلُ الْحَدِيثَانِ عَلَى هَذَا إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّهَا حَلَالٌ إِذَا كَانَتْ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّصِّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ ، وَإِنْ تَرَاضَى بِهِ الْمُتَبَايِعَانِ . 29379 - وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْآثَارُ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً سَقَطَتْ ، وَكَانَتِ الْحُجَّةُ فِي عُمُومِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّها تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
29380 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَوَصَفَهُ وَحَلَّاهُ ، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَهُوَ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ عَلَى مَا وَصَفَا وَحَلَّيَا ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الْجَائِزِ بَيْنَهُمْ ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 29381 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ ، وَالْخَلَفُ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَوْصُوفِ . 29382 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : السَّلَفُ فِي الْحَيَوَانِ الْمَوْصُوفِ جَائِزٌ كَسَائِرِ الْمَوْصُوفَاتِ . 29383 - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 29384 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ السَّلَفُ فِي الْحَيَوَانِ . 29385 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ . 29386 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزِ السَّلَفَ فِي الْحَيَوَانِ بِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ ضَبْطًا صَحِيحًا بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ السِّنَّ ، وَاللَّوْنَ يَتَبَايَنَانِ تَبَايُنًا بَعِيدًا ، لِأَنَّ الْفَارِهَ الْقَوِيَّ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا فِي الثَّمَنِ ، وَالْقِيمَةِ ، وَالْجَوْدَةِ ، وَالْفَرَاهَاتِ ، وَنَحْوِ هَذَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ . 29387 - وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْحِجَازِ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِالصِّفَةِ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الذِّمَّةِ مِنَ الْإِبِلِ كَبِنْتِ مَخَاضٍ ، وَبِنْتِ لَبُونٍ ، وَجَذَعَةٍ ، وَحِقَّةٍ ، وَخَلِفَةٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ ، وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ فِي الدِّيَاتِ بِثُبُوتِهَا فِي ذِمَّةِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ . 29388 - وَاحْتَجُّوا - أَيْضًا - بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْرَضَ بَكْرًا عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ . 29389 - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو قُدَامَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ يَحْيَى ابْنَ سَعِيدٍ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ ، عَنِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ؟ فَقَالَا : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا . 29390 - وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي حَدِيثِ ابْنِ رَافِعٍ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
1355 1317 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ ، يُوَفِّيهَا صَاحِبُهَا بِالرَّبَذَةِ . 1318 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ ، اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 29331 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ ، الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ يَدًا بِيَدٍ . وَالدَّرَاهِمُ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ وَلَا خَيْرَ فِي الْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ ، وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ . الدَّرَاهِمُ نَقْدًا ، وَالْجَمَلُ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ أَخَّرْتَ الْجَمَلَ وَالدَّرَاهِمَ ، لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . 29332 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا رِبَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا عَدَا الْمَطْعُومَ وَالْمَشْرُوبَ إِذَا مَا كَانَ ، أَوْ قُوتًا ، وَالذَّهَبَ ، وَالْفِضَّةَ إِلَّا فِيمَا دَخَلَ مَعْنَاهُ الزِّيَادَةُ ، وَالسَّلَفُ ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي السَّلَفِ رِبًا عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَسْلُوفًا مَعْلُومًا ، مَقْصُودًا إِلَيْهِ مُشْتَرَطًا . 29333 - وَعِنْدَ مَالِكٍ : مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَلَهُ حُكْمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ ، وَلَا ذَكَرَ إِذَا آلَ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ الْجَمَلُ مِثْلُهُ ، وَزِيَادَةُ دَرَاهِمَ ، يَدًا بِيَدٍ ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى السَّلَفِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ السَّلَفَ بِنَسِيئَةٍ أَبَدًا كَانَ حَالًّا ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ . 29334 - وَكَذَلِكَ الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ يَدًا بِيَدِ ، وَالدَّرَاهِمُ إِلَى أَجَلٍ ، لِأَنَّ الْجَمَلَ بِالْجَمَلِ قَدْ حَصَلَ يَدًا بِيَدٍ ، فَيَبْطُلُ أَنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ السَّلَفُ وَعُلِمَ أَنَّهُ بَيْعٌ . 29335 - وَلَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِهَةِ الْبَيْعِ إِلَّا مَا ظَنَّ بِهِ أَنَّ فَاعِلَهُ قَصَدَ بِهِ اسْتِسْلَافَهُ ، وَالزِّيَادَةَ عَلَى الْمِثْلِ فِيهِ لِمَوْضِعِ الْأَجَلِ . كَمَا وَصَفْنَا . 29336 - وَأَمَّا الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةُ دَرَاهِمَ : الدَّرَاهِمُ نَقْدًا ، وَالْجَمَلُ إِلَى أَجَلٍ ، فَهَذَا لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهُ جَمَلٌ بِجَمَلٍ مِثْلِهِ فِي صِفَتِهِ يَأْخُذُهُ إِلَى أَجَلٍ ، وَزِيَادَةَ دَرَاهِمَ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ إِيَّاهُ قَرْضًا إِلَى أَجَلٍ ، عَلَى أَنْ زَادَهُ دَرَاهِمَ مُعَجَّلَةً . 29337 - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْجَمَلُ ، وَالدَّرَاهِمُ جَمِيعًا إِلَى أَجَلٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتَسْلَفَ الْجَمَلَ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ بِصِفَتِهِ ، وَيَرُدَّ مَعَهُ إِلَيْهِ دَرَاهِمَ لِمَوْضِعِ السَّلَفِ ، فَهَذَا سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ عَلَى مِثْلِ مَا أَخَذَ الْمُسْتَسْلِفُ ، هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ . 29338 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ بِالْحَيَوَانِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسِيئَةُ إِلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْأَغْرَاضُ فِيهِ ، وَالْمَنَافِعُ بِالنَّجَابَةِ ، وَالْفَرَاهَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَاعَاةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَأْخِيرُ أَحَدِ الْجَمَلَيْنِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الدَّرَاهِمُ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَأَخَّرَ أَحَدُ الْجَمَلَيْنِ صَارَ جَمَلًا بِجَمَلٍ نَسِيئَةً ، وَزِيَادَةَ دَرَاهِمَ ، فَلَا يَجُوزُ . 29339 - وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْجَمَلِ بِالْجَمَلِ : مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةُ . 29340 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَا : لَا بَأْسَ بِبَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ وَدِرْهَمٍ ، الدِّرْهَمُ نَسِيئَةٌ ، قَالَا : فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْبَعِيرَيْنِ نَسِيئَةً ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ .
29757 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ، وَلَا الْجُلْجُلَانِ بِدُهْنِ الْجُلْجُلَانِ ، وَلَا الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ تَدْخُلُهُ ، وَلِأَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي الْحَبَّ وَمَا أَشْبَهَهُ ، بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَكْثَرُ ، فَهَذَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ . 29758 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا ، اشْتِرَاءُ حَبِّ الْبَانِ بِالسَّلِيخَةِ ، فَذَلِكَ غَرَرٌ ، لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَبِّ الْبَانِ هُوَ السَّلِيخَةُ . وَلَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيَّبِ ؛ لِأَنَّ الْبَانَ الْمُطَيَّبَ قَدْ طُيِّبَ وَنُشَّ وَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِ السَّلِيخَةِ . 29759 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ يَدْخُلُهُ الْمُزَابَنَةُ وَالْغَرَرُ . 29760 - وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِيعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ عَلَى حَالٍ ، وَلَا الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ ، وَلَا نَبِيذِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ . 29761 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ شِرَاءُ زَيْتُونَةٍ فِيهَا زَيْتُونَةٌ بِإمْدَادٍ مِنْ زَيْتُونٍ ، وَكَذَلِكَ شَاةٌ بِهَا لَبَنٌ بِأَقْسَاطٍ مِنْ لَبَنٍ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الشَّجَرَةِ ، وَالضَّرْعِ لَغْوٌ . 29762 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ عَلَيْهَا صُوفٌ بِصُوفٍ ، وَلَا بَأْسَ بِالشَّاةِ اللَّبُونِ بِاللَّبَنِ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ لَبُونٍ جَازَ الْأَجَلُ . 29763 - قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِالشَّاةِ اللَّبُونِ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنَ الشَّاةِ وَلَيْسَ الطَّعَامُ مِنْهَا . 29764 - قَالَ : وَكَذَلِكَ التَّمْرُ بِالنَّوَى لَا بَأْسَ بِهِ إِلَى أَجَلٍ . 29765 - قَالَ : وَالشَّاةُ يُرِيدُ ذَبْحَهَا بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ جَائِزٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ شَاةَ لَحْمٍ ، وَكَانَتْ تُقْتَنَى ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ ، فَلَا . 29766 - قَالَ : وَكَذَلِكَ السَّمْنُ إِلَى أَجَلٍ بِشَاةٍ لَبُونٍ حكم بيعها ، وَلَا يَجُوزُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا لَبَنٌ جَازَ ، وَيَجُوزُ الْجَمِيعُ يَدًا بِيَدٍ . 29767 - وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اللَّبَنُ بِالشَّاةِ أَيَّهُمَا عَجَّلَ ، وَأَخَذَ صَاحِبُهُ حكم بيعها . 29768 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : الَّذِي أَعْرِفُهُ مِنَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقَالَهُ لِي غَيْرَ مَرَّةٍ ، أَنَّهُ إِذَا قَدَّمَ اللَّبَنَ فِي الشَّاةِ اللَّبُونِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَتِ الشَّاةُ مُعَجَّلَةً ، وَاللَّبَنُ إِلَى أَجَلٍ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الشَّاةُ اللَّبُونُ مُعَجَّلَةً ، وَاللَّبَنُ إِلَى أَجَلٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ ، لَا يَجُوزُ . 29769 - وَرَوَى يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُحَرِّمْ مَالِكٌ الشَّاةَ اللَّبُونَ بِاللَّبَنِ إِلَى أَجَلٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ الْمُزَابَنَةِ . 29770 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُزَابَنَةِ وَشَبَهِهَا كَثِيرٌ جِدًّا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ . 29771 - وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ بَيْعُ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ ، وَبَيْعُ الصُّوفِ بِالشَّاةِ ، وَالنَّوَى بِالتَّمْرِ عَلَى الِاعْتِبَارِ . 29772 - وَكَذَلِكَ الشَّاةُ الَّتِي فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بِلَبَنٍ حكم بيعها ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ الَّذِي فِي ضَرْعِ الشَّاةِ أَقَلَّ مِنَ اللَّبَنِ ، فَيَكُونُ مَا زَادَ عَلَى مِقْدَارِهِ ثَمَنًا لِلشَّاةِ . 29773 - وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ يَكُونُ أَقَلَّ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ مِنَ الزَّيْتِ . 29774 - وَكَذَلِكَ الصُّوفُ ، وَالشَّاةُ . 29775 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ مَذْهَبِهِمْ وَاضِحًا فِي الصَّرْفِ ، وَذَكَرْنَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُزَابَنَةِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ . 29776 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهُ لَا بَأْسَ تَجِبُ أَلْبَانُ الْمُطَيَّبِ ، فَهُوَ مَذْهَبُهُ فِي اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالْمَطْبُوخِ ، وَكُلِّ مَا غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ ، وَخَالَفَتْهُ فِي الْغَرَضِ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، لَا بَأْسَ عِنْدَهُ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِالْإِنَاءِ ، بَلْ بِاللَّحْمِ النِّيءِ مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يُبَاعُ - عِنْدَهُ - اللَّحْمُ الرَّطْبُ بِالْقَدِيدِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا مُتَفَاضِلًا . 29777 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَطْبُوخًا مِنْهُ بِنَيِّئٍ مِنْهُ بِحَالٍ إِذَا كَانَ إِنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا ، وَكَذَلِكَ الْمَطْبُوخُ بِالْمَطْبُوخِ ، لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى التَّسَاوِي فِيهِمَا ، وَلَا مَا أَخَذَتِ النَّارُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . 29778 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ النِّيِّئُ بِالْمَشْوِيِّ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنَ التَّوَابِلِ ، فَيَكُونُ الْفَصْلُ فِي الْآخِرِ لِلتَّوَابِلِ . 29779 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْبُرِّ الْمَقْلُوِّ بِالْبُرِّ ، وَيَجِيءُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ فِي جَوَازِ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْيَابِسَةِ جَوَازُ ذَلِكَ ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ فِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
29755 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي بَيْعُ الْإِنَاثِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِي بُطُونِهَا . وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : ثَمَنُ شَاتِي الْغَزِيرَةِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ ، فَهِيَ لَكَ بِدِينَارَيْنِ ، وَلِي مَا فِي بَطْنِهَا ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ . 29756 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ .
1370 ( 34 ) بَابُ بَيْعِ الْغَرَرِ . 1332 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . 29727 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 29728 - رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29729 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 29730 - وَأَمَّا بُيُوعُ الْغَرَرِ ، فَإِنَّهَا لَا يُحَاطُ بِهَا ، وَلَا تُحْصَى ، وَلَكِنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَيَأْتِي فِي ذَلِكَ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَا سِوَاهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
29731 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِنَ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ ، أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ ، أَوْ أَبَقَ غُلَامُهُ ، وَثَمَنُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُونَ دِينَارًا فَيَقُولُ رَجُلٌ : أَنَا آخُذُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا . فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ ، ذَهَبَ مِنَ الْبَائِعِ ثَلَاثُونَ دِينَارًا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ذَهَبَ الْبَائِعُ مِنَ الْمُبْتَاعِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا . 29732 - قَالَ مَالِكٌ : وَفِي ذَلِكَ عَيْبٌ آخَرُ . أَنَّ تِلْكَ الضَّالَّةَ إِنْ وُجِدَتْ لَمْ يُدْرَ أَزَادَتْ ، أَمْ نَقَصَتْ ، أَمْ مَا حَدَثَ بِهَا مِنَ الْعُيُوبِ ، فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُخَاطَرَةِ . 29733 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ الْآبِقِ : 29734 - فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُشْتَرِيهِ مَعْرِفَتَهُ ، فَيَشْتَرِيَهُ وَيَتَوَاضَعَانِ الثَّمَنَ ، فَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُ قَبَضَهُ ، وَجَازَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ تَغَيَّرَ ، أَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ إِلَى الْمُشْتَرِي . 29735 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا اشْتَرَيْتَ عَبْدًا فِي إِبَاقِهِ ، فَضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ ، فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَى الْعَبْدِ ، فَقَبَضْتَهُ ، لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ . 29736 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ حَالَهُ جَازَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ ، وَيَنْقُصُ ، فَجَائِزٌ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ الْبَائِعُ حَالَهُ كَمَا يَعْرِفُ الْمُشْتَرِي . 29737 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ عَلَى حَالٍ . 29738 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ ، لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْيَانِ غَائِبُهُ لَا يَجُوزُ ، وُصِفَتْ أَوْ لَمْ تُوصَفْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْمَوْصُوفِ إِلَّا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ . 29739 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ مُعَيَّنًا ، وَاشْتَرَطَ أَلَّا يُسَلِّمَهُ إِلَّا بَعْدَ شَهْرٍ ، أَوْ نَحْوِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ . 29740 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ مُشْتَرِيهِ . 29741 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ ، وَإِنْ هَلَكَ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي هَلَاكِهِ ، فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ هَلَكَ قَبْلَ عَقْدِ الشِّرَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْمُبْتَاعُ كُلُّهُ عِنْدَهُ . 29742 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ مَرْدُودٌ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ فِي جَهْلِ السُّنَّةِ ، وَلَا فِي خِلَافِهَا ، وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مُبْتَاعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَإِنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الثَّمَنَ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْهُ قَدَرَ عَلَى الْعَبْدِ ، أَوِ الْجَمَلِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ . 29743 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ ، وَهُوَ آبِقٌ ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي ضُرُوعِهَا إِلَّا بِكَيْلٍ ، وَعَنْ شِرَاءِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقْسَمَ . 29744 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفُوا مِمَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَيْعِ لَبَنِ الْغَنَمِ أَيَّامًا : 29745 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا عَرَفَ حِلَابَهَا ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ . 29749 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا بِكَيْلٍ . 29747 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُجِيزُوا بَيْعَ لَبَنِ الْغَنَمِ فِي ضُرُوعِهَا ، لِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ عَيْنٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ ، وَلَا مَعْلُومٍ مَبْلَغُهَا ، وَقَدْرُهَا ، لِأَنَّهَا قَدْ تَزِيدُ ، وَتَنْقُصُ عَلَى قَدْرِ الْمَرْعَى ، وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ ، وَإِنْ كَانَ أَيَّامًا ، فَهُوَ بَيْعُ شَيْءٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ الطَّاوِي مِنَ اللَّبَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ . 29748 - وَأَجَازَهُ مَالِكٌ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَعْلُومِ فِي الْأَغْلَبِ حِلَابُ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا قَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهَا ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي الْأَيَّامِ ، فَذَلِكَ يَسِيرٌ . 29749 - وَالْغَرَرُ بِالْيَسِيرِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ .
29750 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ اشْتِرَاءَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ مِنَ النِّسَاءِ وَالدَّوَابِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيَخْرُجُ أَمْ لَا يَخْرُجُ . فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يُدْرَ أَيَكُونُ حَسَنًا أَمْ قَبِيحًا ، أَمْ تَامًّا أَمْ نَاقِصًا ، أَمْ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَفَاضَلُ . إِنْ كَانَ عَلَى كَذَا ، فَقِيمَتُهُ كَذَا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى كَذَا ، فَقِيمَتُهُ كَذَا . 29751 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ بَيْعَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَخَطَرٌ وَمَجْهُولٌ . 29752 - وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَعَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَصَى ، وَعَنْ بَيْعِ حَبَلِ حَبَلَةٍ . 29753 - وَهَذَا كُلُّهُ بَيْعُ مَا لَا يُتَأَمَّلُ ، وَبَيْعُ مَا لَا يُرَى وَيُجْهَلُ . 29754 - وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ حَتَّى تَضَعَ .
29780 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ، عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ : إِنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ . وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِرِبْحٍ ، إِنْ كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ ، وَإِنْ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ . وَذَهَبَ عَنَاؤُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَلِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا أُجْرَةٌ بِمِقْدَارِ مَا عَالَجَ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَا كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ رِبْحٍ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ ، إِذا فَاتَتِ السِّلْعَةُ وَبِيعَتْ ، فَإِنْ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا . 29781 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً . يَبُتُّ بَيْعَهَا ، ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لِلْبَائِعِ ضَعْ عَنِّي ، فَيَأْتِي الْبَائِعُ وَيَقُولُ : بِعْ فَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ . وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَضَعَهُ لَهُ . وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَا بَيْعَهُمَا . وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 29782 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْبَيْعُ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِيهِ مَجْهُولُ الشَّرْطِ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ أَنَّهُ مَا خَسِرَ فِيهِ ، وَانْحَطَّ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ ، وَذَلِكَ فِي عَقْدِ صَفْقَتِهِ ، فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَالُ إِلَى ثَمَنٍ مَجْهُولٍ . 29783 - وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ : بِعْ ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ ، فَهِيَ عِدَةٌ وَعَدَهُ بِهَا . 29784 - وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي وُجُوبِهَا ، وَالْقَضَاءِ بِهَا . 29785 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يُرْضِيهِ بِحَسَبِ مَا يُشْبِهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَنْ يُقْبِضَهُ الْبَيِّعُ مِنْ ثَمَنِهَا . 29786 - وَقَالَ أَشْهَبُ : يُرْضِيهِ بِحَسَبِ مَا أَرَادَ ، وَنَوَى . 29787 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، فَلَا يَرَيَانِ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنَ الْعِدَاتِ ، وَيَسْتَحِبَّانِ الْوَفَاءَ بِهَا ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
1303 ( 8 ) بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا 1264 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ . 28303 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ مَالِكًا فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ . 28304 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ ، وَيُؤْمَنَ الْعَاهَةُ نَهَى الْبَائِعَ ، وَالْمُشْتَرِيَ .
28387 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْجَزَرِ ، إِنَّ بَيْعَهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ حَلَالٌ جَائِزٌ ، ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا يَنْبُتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ ثَمَرُهُ ، وَيَهْلِكَ . وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ يُؤَقَّتُ . وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ ، وَرُبَّمَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ ، فَقَطَعَتْ ثَمَرَتَهُ ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ ، بِجَائِحَةٍ تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ . 28388 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 28389 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، بِمَا رَسَمَهُ فِي كِتَابِ الْمُوَطَّأِ ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَإِذَا بَدَا صَلَاحُ أَوَّلِهَا جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِطِيبِ أَوَّلِهَا ، وَلَوْلَا طِيبُ أَوَّلِهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، فَكَذَلِكَ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ فِي الْمَقَاثِي مِنَ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ يَكُونُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا كَانَ مَا لَمْ يَطِبْ مِنَ الثَّمَرَةِ تَبَعًا لِمَا طَابَ ، وَحُكْمُ الْبَاذِنْجَانِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْيَاسَمِينِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كُلَّهُ حُكْمُ الْمَقَاثِي عِنْدَهُمْ . 28390 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ شَيْءٍ لَمْ يُخْلَقْ ، وَلَا بَيْعُ مَا خُلِقَ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَبْضِهِ ، فِي حِينِ الْبَيْعِ ، وَلَا بَيْعُ مَا خُلِقَ ، وَقَدَرَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ كُلِّ مَعيبٍ فِي الْأَرْضِ مِثْلِ الْجَزَرِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْبَصَلِ . 28391 - وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجَزَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَكْثَرِ الْمُوطَّآتِ ; لِأَنَّهُ بَابٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَالْمَعيبِ فِي الْأَرْضِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28392 - وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي بَيْعِ الْمَقَاثِي ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ . وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ; أَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ عِنْدَهُمْ ، وَبَيْعُ الْغَرَرِ .
1304 1265 - مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ . فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا تُزْهِي ؟ فَقَالَ : حِينَ تَحْمَرُّ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ . 1266 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ . 28305 - قَالَ مَالِكٌ : وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . 1267 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ; أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا . 28306 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا جَازَ بَيْعُهَا فِي رُؤوسِ الْأَشْجَارِ ، وَإِنْ لَمْ تُضرَمْ ، وَعَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ فِي رُءؤوسِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ تُضرَمَ . 28307 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَعْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو شَيْبَةَ ; دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الثَّمَرَ عَلَى رُءؤوسِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَضرِمَهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ . 28308 - قَالَ يَحْيَى : وَكَرِهَهُ عِكْرِمَةُ . 28309 - وَرَخَّصَ فِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ . 28310 - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَحَدَّثَنِي خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ يَعْنِي مِثْلَ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ . 28311 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا . 28312 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، يُرِيدُ حَتَّى تَحْمَرَّ ، أَوْ تَصْفَرَّ . 28313 - وَكَذَلِكَ جَعَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُفَسِّرًا لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28314 - وَذَلِكَ أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ . 28315 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشْقِحَ ، أَوْ تَصْفَرَّ ، وَيُؤْكَلَ مِنْهَا . 28316 - وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : حَتَّى تُزْهِيَ وَحَتَّى تَزْهُوَ ، يُقَالُ مِنْهُ : زَهَتِ النَّخْلَةُ ، وَأَزْهَتْ إِذَا طَابَ ثَمَرُهَا . 28317 - فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تُزْهِيَ بِصُفْرَةٍ ، أَوْ حُمْرَةٍ . 28318 - وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الْحَائِطُ كُلُّهُ ، إِذَا زَهَتْ مِنْهُ النَّخْلَةُ الْوَاحِدَةُ ، وَكَانَ الطِّيبُ مُتَتَابِعًا . 28319 - وَأَمَّا سَائِرُ الثِّمَارِ مِنَ التِّينِ ، وَالْعِنَبِ ، وَالْفَوَاكِهِ كُلِّهَا ، فَلَا يُبَاعُ صِنْفٌ مِنْهَا حَتَّى يَطِيبَ أَوَّلُهُ ، وَيُؤْكَلَ مِنْهُ . 28320 - وَإِذَا كَانَ الْعِنَبُ أَسُودَ ، فَجُنِيَ ، فَبَدَا فِيهِ السَّوَادُ ، وَظَهَرَ ، وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ ، فَحَتَّى يَتَمَزَّجَ ، وَيَصْلُحَ لِلْأَكْلِ . 28321 - وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ فِي الشَّجَرِ بِطِيبِ الْبُكُورِ مِنْهُ حَتَّى يَطِيبَ أَوَّلُ زَيْتُونِ الْعَصِيرِ ، وَيَكُونَ طِيبُهُ مُتَتَابِعًا . 28322 - وَإِنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ ، فَلَا يُبَاعُ صِنْفٌ مِنْهَا بِطِيبِ غَيْرِهِ ، حَتَّى يَطِيبَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَوَّلُهُ ، فَيُبَاعَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِطِيبِ أَوَّلِهِ . 28323 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ . 28324 - وَأَجَازُوا بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لَهَا مَكَانَهَا ، كَالْفَصِيلِ وَالْبَقْلِ وَالْبَلَحِ ، وَالْبُسْرِ ، وَسَنُبَيِّنُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28325 - وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ : لَا تُبَاعُ الثِّمَارُ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ ، فَالْمَعْنَى : حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْجَائِحَةِ ، وَهَذَا فِي الْأَغْلَبِ . 28326 - وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا ؛ لِأَنَّ طُلُوعَ الثُّرَيَّا صَبَاحًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي زَمَانِ طِيبِ ثِمَارِ النَّخِيلِ ، وَبَعْدَ الْآفَةِ ، وَالْعَاهَةِ عَلَيْهَا فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَمْرِهَا . 28327 - وَرَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ . قَالَ عُثْمَانُ : فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، مَتَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : طُلُوعَ الثُّرَيَّا . 28328 - وَقَدْ رَوَى عَسَلُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ . 28329 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 28330 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : طُلُوعُ الثُّرَيَّا صَبَاحًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَرُبَّمَا يَكُونُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً تَمْضِي مِنْ شَهْرِ أَيَارَ ، وَهُوَ مَايْ ، وَالنَّجْمُ : الثُّرَيَّا . لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . 28331 - وَقَوْلُهُ : لِلْبَلَدِ يَجُوزُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْبِلَادَ الَّتِي فِيهَا النَّخْلُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْحِجَازَ خَاصَّةً . 28332 - وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ، وَالْخَلْفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَوْلِ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَفِي اسْتِعْمَالِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا . 28333 - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يَبِيعَانِ ثِمَارَهُمَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَأَنَّهُمَا كَانَ يَبِيعَانِ ثِمَارَهُمَا الْعَامَ ، وَالْعَامَيْنِ ، وَالْأَعْوَامَ . 28334 - رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ سَمِعَهُ يَقُولُ : وَلِيتُ صَدَقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ ، فَسَأَلْتُهُ ؟ فَقَالَ : قَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلِيَ يَتِيمًا ، فَكَانَ يَبِيعُ مَالَهُ سِنِينَ . 28335 - وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَاعَ مَالَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ثَلَاثَ سِنِينَ . 28336 - وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : نَهَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ مُعَاوَمَةً ، يَعْنِي سَنَتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ، وَأَكْثَرَ . 28337 - وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَا يَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ تَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . 28338 - وَإِذَا كَانَ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَبَعْدَ خَلْقِهَا ، فَمَا ظَنَّكَ بِبَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْهَا . 28339 - وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ . 28340 - وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُعَاوَمَةِ . 28341 - وَعَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْهَا . 28342 - وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ . 28343 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ لِلثِّمَارِ سِنِينَ - إِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا - أَنَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ سَنَةٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهَا فَيَكُونُ - حِينَئِذٍ - كَمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28344 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَهَبَا إِلَى نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا كَانَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بعد فِي هَذَا الْبَابِ بِعَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 28345 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ . 28346 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُعَاوَمَةِ . وَقَالَ أَيُّوبٌ : وَقَالَ أَحَدُهُمَا : عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ . 28347 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ ، وَأَمَّا السَّلَمُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ بِالصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ ، فَجَائِزٌ عَامًا ، وَأَعْوَامًا ; لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي السَّنَتَيْنِ ، وَالثَّلَاثِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَلَّفَ فَلْيُسَلِّفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ . 28348 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 28349 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبِيعُ مِنْ غِلْمَانِهِ النَّخْلَ السَّنَةَ ، وَالسَّنَتَيْنِ ، وَالثَّلَاثَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَابِرٌ : أَفَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخيلِ سِنِينَ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا . 28350 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . 28351 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْسَانِ ، لَيْسَ بِنَهْيِ وُجُوبٍ وَتَحْرِيمٍ ، فَأَجَازُوا بَيْعَهَا إِذَا خَلَقَتْ ، وَظَهَرَتْ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا . 28352 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ . قَالُوا : فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتِرَاطَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْأَبَارِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي صَفْقَةِ بَيْعِ أُصُولِهَا ، فَلَمْ يَجْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَعًا لَهَا ، فَيُدْخِلْهَا فِي الصَّفْقَةِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهَا فِي حِينِ تَبعِ الْأُصُولِ لِلْبَائِعِ ، وَأَجَازَ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَهَا فِي صَفْقَةٍ ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّفْقَةِ إِلَّا بِالِاشْتِرَاطِ جَازِ بَيْعُهُ مُنْفَرِدًا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْأَبَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِيجَابِ ، وَالتَّحْرِيمِ . 28353 - وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الزِّنَادِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ خَيْثَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَايَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ ، وَحَضَرَ قَاضِيَهُمْ ، قَالَ الْمُبْتَاعُ : قَدْ أَصَابَ الثَّمَرَةَ الدُّمَانُ وَأَصَابَهُ قُشَامٌ ، وَمُرَاضٌ ؛ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا ، فَلَمَّا كَثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ أَمَّا لَا ، فَلَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ; لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ . 28354 - قَالُوا : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ . 28355 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَجِيءُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَظَاهِرُهُ الِانْقِطَاعُ ، لَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ غَيْرِهِ . 28356 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ . 28357 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا 28358 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُوسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَا يُبَاعُ الثَّمَرُ حَتَّى يُطْعَمَ . 28359 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا إِذَا ظَهَرَتْ فِي النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ ، وَاسْتَبَانَتْ ، سَوَاءٌ أُبِّرَ النَّخْلُ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَجُذَّهَا ، وَيَقْطَعَهَا ، وَلَا يَتْرُكَهَا عَلَى أُصُولِ الْبَائِعِ ، وَسَوَاءٌ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ قَطْعَهَا ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ تَرْكَهَا إِلَى جِذَاذِهَا ، فَإِنِ ابْتَاعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، أَوْ بَعْدَهُ ، وَاشْتَرَطَ تَرْكَهَا إِلَى الْجِذَاذِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَبَا يُوسُفَ قَالَا : الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ فَاسِدٌ . 28360 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِنْ كَانَ صَلَاحُهَا لَمْ يَبْدُ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا ، وَاحْمَرَّتْ ، أَوِ اصْفَرَّتْ ، وَتَنَاهَى عَظْمُهَا ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ . 28361 - وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . 28362 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَجُوزُ إِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ عَلَى الْقَطْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جَازَ . 28363 - وَكَذَلِكَ الْفَصِيلُ ، وَالْفَوَاكِهُ كُلُّهَا ، جَائِزٌ عِنْدَهُمْ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مَكَانَهَا ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْقَطْعَ مَكَانَهَا ، فَسَدَ الْبَيْعُ . 28364 - فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فُسِخَ ، وَأَخَذَ صَاحِبُ الثَّمَرَةِ ثَمَرَتَهَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ جَذَّهَا رَدَّهَا إِلَى الْبَائِعِ ، وَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِهِ غُرِّمَ مَكِيلَتَهَا ، وَإِنْ أَخَذَهَا رُطَبًا غُرِّمَ قِيمَتُهَا . 28365 - وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ يُجِيزُونَ بَيْعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْقَطْعَ مَا لَمْ يَشْتَرِطِ التَّرْكَ لَهَا إِلَى الْجِذَاذِ ، وَيُؤَخِّرُ لِقَطْعِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِنِ اشْتَرَطَ التَّرْكَ فَسَدَ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا كَانَ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ أَوْ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا . 28366 - وَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا وَاللَّيْثِ : مَنِ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا : فَسَوَاءٌ شَرَطَ تَبْقِيَتَهَا ، أَوْ تَرْكَهَا إِلَى الْجِذَاذِ ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، الْبَيْعُ صَحِيحٌ . 28367 - قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى الْبَائِعِ سَقْيُ الثَّمَرِ حَتَّى يَتِمَّ جِذَاذُهُ وَقِطَافُهُ . 28368 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، اشْتَرَطَ قَطْعَهَا ، أَوْ لَمْ يِشْتَرِطْ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْعُهَا عَلَى الْقَطْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا كَالْفَصِيلِ . 28369 - وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الْحَائِطُ ، وَإِنْ لَمْ يُرهِ إِذَا أَزْهي مَا حَوْلَهُ مِنَ الْحِيطَانِ ، وَكَانَ الزَّمَانُ قَدْ أُمِنَتْ فِيهِ الْعَاهَةُ . 28370 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَبِيعَهُ حَتَّى يُزْهِيَ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا . 28371 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مِنْ ذَهَابِ الْعَاهَةِ بِأَوَّلِ طُلُوعِ الثُّرَيَّا ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَزْهي حَائِطُهُ . 28372 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ ، كَالتِّينِ وَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ ، فَطَابَ أَوَّلُ جِنْسٍ مِنْهَا ، تَبِعَ ذَلِكَ وَجَذَّهُ ، وَلَمْ يَبِعْ مِنْهُ غَيْرَهُ ، مَا لَمْ يَطِبْ شَيْءٌ مِنْهُ . 28373 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 28374 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، فَيمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ، فَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي إِذَا أَصَابَتِ الثَّمَرَ جَائِحَةٌ ، وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهَا ، بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا . 28375 - فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَضَاءِ بِوَضْعِهَا ، احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا . 28376 - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ . 28377 - وَسَنَذْكُرُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ ، وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28378 - وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا مَعْنَى نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ; لأَن بَيْعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ : 28379 - قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعِ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ فِي الْأَغْلَبِ بِقَوْلِهِ مَعَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، مَعْنَاهُ : إِذَا بِعْتُمُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَمَنَعَهَا اللَّهُ ، كُنْتُمْ قَدْ رَكِبْتُمُ الْغَرَرَ ، وَأَخَذْتُمْ مَالَ الْمُبْتَاعِ بِالْبَاطِلِ ، فَلَا تَبِيعُوهَا ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ سَلِمْتُمْ مِنَ الْغَرَرِ ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ - حِينَئِذٍ - مِنْ أَمْرِهَا السَّلَامَةُ ، فَإِنْ لِحَقَتْهَا جَائِحَة ، فَهِيَ نَادِرَةٌ ، لَا حُكْمَ لَهَا ، وَكَانَتْ كَالدَّارِ تُبَاعُ فَتُهْدَمُ ، قَبْلَ انْتِفَاعِ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ يَمُوتُ بِإِثْرِ قَبْضِ الْمُبْتَاعِ لَهُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُرُوضِ تَهْلِكُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُبْتَاعُ بِهَا . 28380 - قَالُوا : كُلُّ مَنِ ابْتَاعَ ثَمَرَةً مِنْ نَخْلٍ أَوْ زَرْعٍ ، أَوْ سَائِرِ الْفَوَاكِهِ فِي حَالٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهِ ، فَقَبَضَ ذَلِكَ بِمَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَهُ ، فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ ، فَأَهْلَكَتْهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ ثَلَاثًا كَانَ أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَالْمُصِيبَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْمُبْتَاعِ . 28381 - وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، ثُمَّ رَجَعَ بِمِصْرَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَهُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ . 28382 - وَضَعَّفَ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، وَقَالَ : كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُنَا بِهِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَلَا يُذْكَرُ فِيهِ : وَضْعُ الْجَوَائِحِ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِيه بَعْدُ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : هُوَ فِيهِ أَيْ : هَذَا اللَّفْظُ فِيهِ يَعْنِي قَوْلَهُ ; وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، وَاضْطَرَبَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ على شَيْء فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ . 28383 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ لَمْ أَعْدُهُ . 28384 - قَالَ : وَلَوْ كُنْتُ قَائِلًا بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، لَوَضَعْتُهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . 28385 - وَمِمَّنْ لَمَّ يَقُلْ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ فِي قَلِيلٍ ، وَلَا كَثِيرٍ مَعَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ . 28386 - وَيَأْتِي تَلْخِيصُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي جَوَائِحِ الثِّمَارِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
29809 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي السَّاجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ ، أَوِ الثَّوْبِ الْقِبْطِيِّ الْمُدْرَجِ فِي طَيِّهِ حكم بيعه : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهما حَتَّى يُنْشُرَا ، وَيُنْظَرَ إِلَى مَا فِي أَجْوَافِهِمَا . وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُمَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . وَهُوَ مِنَ الْمُلَامَسَةِ . 29810 - قَالَ مَالِكٌ : وَبِيعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ ، مُخَالِفٌ لِبَيْعِ السَّاجِ فِي جِرَابِهِ ، وَالثَّوْبِ فِي طَيِّهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَرَقَ ، بَيْنَ ذَلِكَ ، الْأَمْرُ الْمَعْمُولُ بِهِ ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِي صُدُورِ النَّاسِ . وَمَا مَضَى مِنْ عَمَلِ الْمَاضِينَ فِيهِ . وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ الْجَائِزَةِ ، وَالتِّجَارَةِ بَيْنَهُمُ الَّتِي لَا يَرَوْنَ بها بَأْسًا ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ ، عَلَى غَيْرِ نَشْرٍ ، لَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ ، وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْمُلَامَسَةَ . 29811 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29812 - وَأَمَّا بَيْعُ الثَّوْبِ فِي طَيِّهِ دُونَ أَنْ يُنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بِيعَ الْمُلَامَسَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى فِيهِ إِلَّا طَاقَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ عَرَفَ ذَرْعَهُ فِي طُولِهِ ، وَعَرْضِهِ ، وَنَظَرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ ، فَاشْتَرَى عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ، فَإِنْ خَالَفَ كَانَ ذَلِكَ عَيْنًا كَسَائِرِ الْعُيُونِ ، إِنْ شَاءَ قَامَ بِهِ ، وَإِنْ شَاءَ رَضِيَهُ .
1371 ( 35 ) بَابُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ . 1333 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ : وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ . 29788 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُلَامَسَةُ تعريفها أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرُهُ ، وَلَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهِ ، أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا وَلَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ ، وَالْمُنَابَذَةُ تعريفها أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ ، وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ عَلَى غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْهُمَا ، وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذَا بِهَذَا ، فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ . 29789 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ ، وَبَيْعُ الْمُنَابَذَةِ ، وَبَيْعُ الْحَصَى بُيُوعًا يَتَبَايَعُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ . 29790 - وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ . 29791 - فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، وَمَعْنَاهَا يَجْمَعُ الْخَطَرَ وَالْغَرَرَ ، وَالْقِمَارَ ، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ ، وَلَا نَظَرٍ ، وَلَا تَقْلِيبٍ ، وَلَا يَدْرِي حَقِيقَةَ مَا اشْتَرَى . 29792 - وَتَفْسِيرُ مَالِكٍ لِذَلِكَ ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا . 29793 - وَكَذَلِكَ بِيعُ الْحَصَى ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ ثِيَابٌ مَبْسُوطَةٌ ، فَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ لِلْبَائِعِ : أَيُّ ثَوْبٍ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَى الَّتِي أَرْمِي بِهَا ، فَهِيَ لِي ، فَيَقُولُ لَهُ الْبَائِعُ : نَعَمْ . 29794 - فَهَذَا كُلُّهُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ شِرَاءِ مَا لَا يَقِفُ الْمُبْتَاعُ عَلَى عَيْنِهِ وُقُوفَ تَأَمُّلٍ لَهُ ، وَعِلْمٍ بِهِ ، وَلَا يَعْرِفُ مَبْلَغَهُ هُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ فِي مَعْنَى مَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ . 29795 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسَتَيْنِ ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ ، وَنَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ ، وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ . 29796 - وَالْمُلَامَسَةُ تعريفها : أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ ، أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ . 29797 - وَالْمُنَابَذَةُ تعريفها : أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ ، وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَلَى غَيْرِ نَظَرٍ ، وَلَا تَأَمُّلٍ . 29798 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي أَلْفَاظِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 29799 - وَسَيَأْتِي ذِكْرُ اللُّبْسَتَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ اللُّبْسَةِ الصَّمَّاءِ مِنَ الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29800 - وَتَفْسِيرُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ عَلَى نَحْوِ تَفْسِيرِ مَالِكٍ لِذَلِكَ . 29801 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَعْنَى الْمُلَامَسَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِالثَّوْبِ مَطْوِيًّا ، فَيَلْمِسُهُ الْمُشْتَرِي أَوْ يَأْتِيَ بِهِ فِي ظُلْمَةٍ ، فَيَقُولُ رَبُّ الثَّوْبِ : أَبِيعُكَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْبَيْعُ ، فَنَظَرْتَ إِلَيْهِ ، فَلَا خِيَارَ لَكَ . 29802 - وَالْمُنَابَذَةُ : أَنْ يَقُولَ : أَنْبِذُ إِلَيْكَ ثَوْبِي هَذَا ، وَتَنْبِذُ إِلَيَّ ثَوْبَكَ ، عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، ولَا خِيَارَ لَنَا إِذَا عَرَفْنَا الطُّولَ ، وَالْعَرْضَ . 29803 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ، وَمَا رَوَى عَنْهُ الرَّبِيعُ فِي أَنَّهُ يُجِيزُ الْبَيْعَ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ . 29804 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْمُلَامَسَةُ ، وَالْمُنَابَذَةُ بَيْعَانِ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا سَاوَمَ بِهِ ، فَقَدْ مَلَكَهُ ، وَإِذَا نَبَذَهُ إِلَيْهِ ، فَقَدْ مَلَكَهُ ، وَوَجَبَ الثَّمَنُ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَطِبْ بِذَلِكَ نَفْسُهُ فَذَلِكَ قِمَارٌ ، لَا يُتَابَعْ . 29805 - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ : الْمُلَامَسَةُ كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ السِّلَعَ ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا ، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا . 29806 - وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يُنَابِذَ الْقَوْمُ السِّلَعَ ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا ، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا . 29807 - وَقَالَ رَبِيعَةُ : الْمُلَامَسَةُ ، وَالْمُنَابَذَةُ مِنْ أَبْوَابِ الْقِمَارِ . 29808 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُلَامَسَةِ : بَيْعُ الْأَعْمَى وَالْمَسُّ بِيَدِهِ ، أَوْ بَيْعُ الْبَزِّ وَسَائِرِ السِّلَعِ لَيْلًا دُونَ صِفَةٍ .
( 24 ) بَابُ الْحُكْرَةِ وَالتَّرَبُّصِ . 1313 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا . لَا يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ مِنْ أَذْهَابٍ ، إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا ، فَيَحْتَكِرُونَهُ عَلَيْنَا ، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبِدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ ، فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ . وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ . 1314 - مَالِكٌ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ، وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ . وَإِمَّا أَنْ تُرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا . 1315 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْحُكْرَةِ . 29297 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْحُكْرَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النهي عَنِ الْحُكْرَةِ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهَا الطَّعَامُ الَّذِي يَكُونُ قُوتًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ . 29298 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ " . 29299 - وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَزَادَ قَالَ : وَكَانَ مَعْمَرُ مُحْتَكِرًا . 29300 - وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : " لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ " 29301 - قَالَ : فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ ، فَقِيلَ لَهُ : فَقَالَ : كَانَ مَعْمَرٌ يَحْتَكِرُ . 29302 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَمَعْمَرٌ يَحْتَكِرَانِ الزَّيْتَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ . 29303 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أُمَامَةَ ، قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعَامُ . 29304 - قَالَ : وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ جِرَارَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الَّتِي كَانَ يَحْتَكِرُ فِيهَا الزَّيْتَ قَدْ أُخْرِجَتْ ، وَأُقِيمَتْ فِي الطَّرِيقِ . 29305 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ ، فَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ جَاءَ أَرْضًا بِسِلْعَةٍ ، فَلْيَبِعْهَا كَيْفَ شَاءَ ، وَهَذَا سُوقُنَا ، وَلَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا مُحْتَكِرٌ . 29306 - وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، وَذَكَرَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ : إِمَّا أَنْ يَبِيعَ بِسِعْرِ السُّوقِ ، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ سُوقِنَا ، فَقَالُوا جَمِيعًا : قَدْ سَمِعْنَا هَذَا ، قَالُوا : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَقَالَ لِي ابْنُ سَمْعَانَ : مَنْ فَعَلَ هَذَا مِنَ الْوُلَاةِ لَا أَصْلَ أَصَابَ ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى النَّاسِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ السِّلَعِ جَهِلَ السُّنَّةَ ، وَأَثِمَ فِي الْقِيمَةِ ، وَأَطْعَمَ الْمُشْتَرِيَ بِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ ، وَإِنَّمَا السِّعْرُ يَدًا بِيَدٍ ، هُوَ يُخَفِّضُهُ ، وَيَرْفَعُهُ لَيْسَ إِلَى النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ . 29307 - قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : لَا يُسَعَّرُ عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ عَشْرَةُ أَصْوُعٍ ، فَحَطَّ هَذَا صَاعًا أُمِرَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ السُّوقِ . 29308 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا تُقَوِّمْ عَلَى أَحَدٍ سِلْعَتَهُ ، وَإِنَّمَا يُصْنَعُ فِي ذَلِكَ كَمَا صَنَعَ ابْنُ الْخَطَّابِ بِحَاطِبٍ . 29309 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْفَوَاكِهُ كُلُّهَا ، وَالْآدَامُ ، وَالطَّعَامُ ، وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ لَا يَقُومُ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ الْحَوَانِيتِ ، وَلَا غَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ : إِمَّا أَنْ تَلْحَقَا بِأَسْعَارِ النَّاسَ ، وَإِمَّا قُومَا مِنَ السُّوقِ . 29310 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا ، وَاثْنَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةً رَفَعُوا فِي السِّعْرِ فَحَطُّوا مِمَّا يَبِيعُ النَّاسُ لَمْ يُقَمْ لَهُمْ أَهْلُ السُّوقِ ، وَلَا يُقَامُ الْكَثِيرُ لِلْقَلِيلِ . 29311 - وَأَمَّا الْحُكْرَةُ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : إِذَا قَلَّ الطَّعَامُ فِي السُّوقِ ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، فَمَنِ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا لِلْحُكْرَةِ ، فَهُوَ مُضِرٌّ لِلْمُسْلِمِينَ مُعْتَدٍ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ ، فَمَنْ فَعَلَهُ ، فَلْيُخْرِجْهُ إِلَى السُّوقِ ، وَلْيَبِعْهُ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ بِمَا ابْتَاعَهُ ، وَلَا يَزْدَدْ فِيهِ ، وَأَمَّا إِذَا كَثُرَ الطَّعَامُ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَبَارُوا ، اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ ، فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ بِالِابْتِيَاعِ لِلْحُكْرَةِ ، قَالَ : وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ فِي ذَلِكَ كَالطَّعَامِ . 29312 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِحَاطِبٍ ، وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : كَيْفَ تَبِيعُ ؟ فَذَكَرَ لَهُ سِعْرًا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ ، فَرَفَعَ ، فَجَاءَ عُمَرُ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَاطِبٍ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّمَا أُخْبِرْتُ أَنَّ عِيرًا مُقْبِلَةً مِنَ الطَّائِفِ بِزَبِيبٍ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَعْتَبِرَ بِسِعْرِكَ ، فَبِعْ كَيْفَ شِئْتَ . 29313 - هَكَذَا رَوَاهُ طَائِفَةٌ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ مِنْهُمُ : ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ . 29314 - وَعَنْهُ دَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمَّارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَدَاوُدُ هَذَا مَدَنِيٌّ مَوْلًى لِلْأَنْصَارِ وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . 29315 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَرَوَى عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ غِرَارَتَانِ ، فِيهِمَا زَبِيبٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ : إِمَّا أَنْ تَرْفَعَ فِي السِّعْرِ ، وَإِمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبِيبَكَ بَيْتَكَ ، فَتَبِيعَهُ كَيْفَ شِئْتَ ، فَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ حَاسَبَ نَفْسَهُ ، ثُمَّ أَتَى حَاطِبًا فِي دَارِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ مِنِّي ، وَلَا قَضَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَرَدْتُ بِهِ الْخَيْرَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ ، فَحَيْثُ شِئْتَ ، وَكَيْفَ شِئْتَ فَبِعْ . 29316 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، لِأَنَّ مَالِكًا رَوَى بَعْضَ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا الْعَصَاةُ . 29317 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالنَّاسُ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَحَدٍ لَهُمْ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهَا ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِيهَا الْحُقُوقَ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا . 29318 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْحُكْرَةُ الْمَكْرُوهَةُ فِيمَا هُوَ قُوتٌ ، وَعَنِ النَّاسِ قَوَامٌ لِأَبْدَانِهِمْ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا . فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحُكْرَةُ فِي حَاجَةِ النَّاسِ حَتَّى لَا يَجِدُوا مِنْهُ إِلَّا مَا يَتَبَلَّغُونَ بِهِ . فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ ذَهَبَهُ ، وَوَرِقَهُ ، فَيُزَاحِمَ النَّاسَ عَلَى شَرِّ الطَّعَامِ لِيَحْتَكِرَهُ ، وَيُغْلِيَ عَلَى النَّاسِ أَسْعَارَهُمْ ، وَلْيُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُؤَدَّبْ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْفَاكِهَةُ ، وَالْآدَامُ كُلُّهُ ، فَلَا بَأْسَ بِحُكْرَتِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ . 29319 - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ فِي الْحُكْرَةِ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ التَّسْعِيرُ عَلَى النَّاسِ ، وَلَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ 29320 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : لَا بَأْسَ بِالتَّسْعِيرِ عَلَى الْبَائِعِينَ لِلطَّعَامِ إِذَا خِيفَ مِنْهُمْ أَنْ يُفْسِدُوا أَسْوَاقَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُغْلُوا أَسْعَارَهُمْ ، وَحَقٌّ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَنْظُرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ ، وَيَعُمُّهُمْ نَفْعُهُ . 29321 - قَالَ اللَّيْثُ : وَقَالَ رَبِيعَةُ : السُّوقُ مَوْضِعُ عِصْمَةٍ ، وَمَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يَتْرُكَ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ ، وَمَا أَرَادُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ فَسَادٌ لِغَيْرِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ إِخْرَاجُهُمْ مِنَ السُّوقِ ، وَإِدْخَالُ غَيْرِهِمْ فِيهِ ، وَالْقِيمَةُ حَسَنَةٌ وَلَا بُدَّ مِنْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا مِمَّا لَا يَكُونُ فَسَادًا يَنْفِرُ بِهِ الْجَالِبُ ، وَيَمْتَنِعُ بِهِ التَّاجِرُ مِنَ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا بَابُ فَسَادٍ لَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ ، وَلَمْ يَكُنْ رَأْيُ الْوَالِي إِقَامَةَ السُّوقِ ، وَإِصْلَاحَهَا . 29322 - قَالَ رَبِيعَةُ : وَإِصْلَاحُ الْأَسْوَاقِ حَلَالٌ . 29323 - وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَمْنَعُ مِنَ التَّسْعِيرِ مِنْ وُجُوهٍ صَحِيحَةٍ لَا بَأْسَ بِهَا . 29324 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دُوَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! سَعِّرْ ، فَقَالَ : بَلْ أَدْعُو اللَّهَ ، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! سَعِّرْ ، فَقَالَ : بَلِ اللَّهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ . 29325 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ ، وَقَتَادَةُ ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : غَلَا السِّعْرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! سَعِّرْ لَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ ، الْقَابِضُ ، الْبَاسِطُ ، الرَّازِقُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ ، وَلَا أَرَى أَحَدًا يَطْلُبُنِي بِالْمَظْلَمَةِ فِي مَالٍ ، وَلَا دَمٍ . 29326 - وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 29327 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ أَنَّهُ سُئِلَ التَّسْعِيرَ ، وَأَنْ يُقَوِّمَ السُّوقَ ، فَأَبَى وَكَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى عُرِفَتِ الْكَرَاهَةُ فِيهِ ، وَقَالَ : السُّوقُ بِيَدِ اللَّهِ يَخْفِضُهَا ، وَيَرْفَعُهَا .
( 36 ) بَابُ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ . 1334 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْبَزِّ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ . ثُمَّ يَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا آخَرَ . فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً : إِنَّهُ لَا يَحْسِبُ فِيهِ أَجْرَ السَّمَاسِرَةِ . وَلَا أَجْرَ الطَّيِّ وَلَا الشَّدِّ . وَلَا النَّفَقَةَ . وَلَا كِرَاءَ بَيْتٍ . فَأَمَّا كِرَاءُ الْبَزِّ فِي حُمْلَانِهِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ . وَلَا يُحْسَبُ فِيهِ رِبْحٌ . إِلَّا أَنْ يُعْلِمَ الْبَائِعُ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ . فَإِنْ رَبَّحُوهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الْقِصَارَةُ وَالْخِيَاطَةُ وَالصِّبَاغُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ ، يُحْسَبُ فِيهِ الرِّبْحُ ، كَمَا يُحْسَبُ فِي الْبَزِّ . فَإِنْ بَاعَ الْبَزَّ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِمَّا سَمَّيْتُ إِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ رِبْحٌ . فَإِنْ فَاتَ الْبَزُّ ، فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ رِبْحٌ . فَإِنْ لَمْ يَفُتِ الْبَزُّ ، فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا . 29813 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ لِمَنْ بَاعَ مُرَابَحَةً لِلْعَشَرَةِ : أَحَدَ عَشَرَ ، أَوْ لِلدِّينَارِ : دِرْهَمٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . 29814 - وَمَنْ بَاعَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ فِي جَمِيعِ ثَمَنِهَا كُلًّا ، فَإِنَّهُ يَحْسِبُ فِيهَا مَا كَانَ لِدَنَانِيرِهِ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ ، كَالصَّبْغِ ، وَالْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ ، وَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِكُلِّ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ مِنْ كِرَاءٍ ، فَأَخَذَهُ سِمْسَارٌ ، وَطَيٍّ وَشَدٍّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنْ رَضِيَ ، فَأَخَذَ السِّلْعَةَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَرْبَحَهُ عَلَيْهِ طَابَ ذَلِكَ لَهُ . 29815 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَمْ أَجِدْ فِي كُتُبِهِ جَوَابًا فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ ، لَا فِي كِتَابِ الْمُزَنِيِّ ، وَلَا فِي كِتَابِ " الْبُوَيْطِيِّ " ، إِلَّا أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ صَلَاحًا لِلْمُبْتَاعِ مِمَّا هُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فِيهِ ، أَوْ أَمْرٌ لَهُ قِيمَةٌ ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ نَفْسِ الْمُبْتَاعِ ، وَقَوْلُهُ مِثْلُ مَا قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29816 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا ، فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ فِي الْقِصَارَةِ ، وَالْخِيَاطَةِ ، وَالْكِرَاءِ ، وَيُلْحِقُ بِالرَّقِيقِ الْكِسْوَةَ ، وَالنَّفَقَةَ ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ السِّمْسَارِ ، وَيَقُولُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ : قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا . 29817 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ . 29818 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَرْفَعُ فِيهِ كِرَاءَهُ ، وَنَفَقَتَهُ ، ثُمَّ يَبِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُرَابَحَةً . 29819 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الَّذِي نَقُولُ بِهِ : أَنَّ الْمُرَابَحَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا عَلَى الثمن الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْسِبَ جَمِيعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، وَمَا لَزِمَهُ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ : قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا ، وَكَذَا ، فَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَلَا يَقُلِ اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا ، فَيَكُونُ ، فَإِنْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِكَذَا ، وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ . فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَإِنِ اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَتَاعَ كَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ ، وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ . 29820 - قَالَ : وَمَا أَنْفَقَ عَلَى الْمَتَاعِ ، وَعَلَى الرَّقِيقِ فِي طَعَامِهِمْ ، وَمُؤْنَتِهِمْ ، وَكِسْوَتِهِمْ حُسِبَ عَلَيْهِ قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا ، أَوْ كَذَا ، وَلَا يَحْسِبُ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً ، وَلَا كِرَاءً .
29821 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ . وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ . فَيَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً . أَوْ يَبِيعُهُ حَيْثُ اشْتَرَاهُ . مُرَابَحَةً عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ابْتَاعَهُ بِدَرَاهِمَ وَبَاعَهُ بِدَنَانِيرَ ، أَوِ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ ، وَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ . وَكَانَ الْمَتَاعُ لَمْ يَفُتْ ، فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ . فَإِنْ فَاتَ الْمَتَاعُ ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ الْبَائِعُ . وَيُحْسَبُ لِلْبَائِعِ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، عَلَى مَا رَبَّحَهُ الْمُبْتَاعُ . 29822 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ جِدًّا . 29823 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 29824 - وَهُوَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ ، وَالْخِيَانَةِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي ذَلِكَ بَعْدُ . 29825 - وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ ، فَأَعْطَى فِي الدَّنَانِيرِ عُرُوضًا ، أَوْ دَرَاهِمَ : إِنَّهُ لَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ مَا نَفِذَ ، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَى بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يُبَيِّنَ . 29826 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 29827 - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ عَيْبًا لَمْ يَرْجِعْ إِلَّا مَا أَعْطَى . 29828 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا اشْتَرَى سِلْعَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ بَاعَهُ بِالْأَلْفِ الدِّرْهَمِ عُرُوضًا ، أَوْ أَعْطَى فِيهَا ذَهَبًا ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَلَا يُبَيِّنُ . 29829 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 29830 - وَقَالُوا : لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا ، وَرَدَّ السِّلْعَةَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي عَقَدَ سِلْعَتَهُ عَلَيْهِ . 29831 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً عَلَى مَا عَقَدَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُضَ ، ثُمَّ يُعْطِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ عُرُوضًا ، أَوْ ذَهَبًا أَوْ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ . 29832 - وَقَدِ اخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِطَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ ، هَلْ يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً ؟ . 29833 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَى مِنَ الْعُرُوضِ ، وَالطَّعَامِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا عَلَى قِيمَتِهَا . 29834 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَجُوزُ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ . 29835 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَوِ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِنَسِيئَةٍ ، وَبَاعَهَا مُرَابَحَةً ، وَلَمْ يُبِنْ ، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ أَجَلِهِ . 29836 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَهُوَ كَالْعَيْبِ . 29837 - وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ هُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ لَهُ مِثْلُ نَقْدِهِ ، وَأَجَلِهِ . 29838 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .
29839 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ دِينَارًا ، وَقَدْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ ، خُيِّرَ الْبَائِعُ ، فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِهِ الْبَيْعُ أَوَّلَ يَوْمٍ . فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ مِائَةُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَإِنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى التِّسْعِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ مِنَ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنَ الْقِيمَةِ . فَيُخَيَّرُ فِي الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ . وَفِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ ، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَارًا . 29840 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مُرَابَحَةً . فَقَالَ : قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا ، خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى حِسَابِ مَا رَبَّحَهُ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَقِّصَ رَبَّ السِّلْعَةِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رِضَى بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا جَاءَ رَبُّ السِّلْعَةِ يَطْلُبُ الْفَضْلَ ، فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْبَائِعِ ، بِأَنْ يَضَعَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ . 29841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قَالَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ عِنْدَهُ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَالْمَعْهُودُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ دَهْ دُوَازْدَهْ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ . 29842 - وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، فَقَالَ : إِذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ كَذَبَ فِي الشِّرَاءِ ، وَزَادَ ، وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ عِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : تُحَطُّ عَنِ الْمُشْتَرِي الزِّيَادَةُ الَّتِي كَذَبَ فِيهَا الْبَائِعُ ، وَمَا أَصَابَهَا مِنَ الرِّبْحِ . 29843 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ . 29844 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا اشْتَرَى إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِهِ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى لَهُ ، أَوْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ . 29845 - وَرَوَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَانَةِ ، وَالْكَذِبِ فِي الْمُرَابَحَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى بِهِ الْبَائِعُ ، أَوْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ . 29846 - قَالَ : وَلَا تُرَدُّ عَنْهُ الْخِيَانَةُ ، فَيَرْجِعُ إِلَى ثَمَنٍ مَجْهُولٍ ، لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِهِ . 29847 - وَالْقَوْلَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولَانِ . 29848 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ أَنَّ الْبَائِعَ لَوِ ادَّعَى الْغَلَطَ ، وَذَكَرَ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ فَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْهَا ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا ، وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَيُخَيِّرُ الْمُبْتَاعُ عَلَى حِسَبِ مَا ذَكَرَ . 29849 - وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ بَيْعًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي : اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَتَيْنِ ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِرِبْحِ خَمْسِينَ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ دَفَعَ لِلْمُشْتَرِي الزِّيَادَةَ ، وَمَا أَصَابَهَا مِنَ الرِّبْحِ . قَالَ : وَإِنِ ابْتَاعَهُ بِذَهَبٍ أَوْ : دَهْ دُوَازْدَهْ . 29850 - وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَالَ : فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَتَيْنِ ثُمَّ بَاعَهُ مُسَاوَمَةً بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَأَكْثَرَ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَلَهُ مَا بَاعَهُ بِهِ . 29851 - وَذَكَرَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، قَالَ : إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ رَدِّ الْمَتَاعِ ، وَأَخْذِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا . 29852 - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدِ اسْتَهْلَكَ الْمَتَاعَ ، أَوْ بَعْضَهُ ، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ لَهُ ، لَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . 29853 - وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِخِيَانَتِهِ فِي الزِّيَادَةِ ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَنِ . 29854 - وَذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ . 29855 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحَطُّ فِي التَّوْلِيَةِ ، وَلَا يُحَطُّ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَلَهُ الْخِيَارُ . 29856 - قَالَ : وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُحَطُّ فِيهِمَا ، وَلَهُ الْخِيَارُ . 29857 - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ . 29858 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ : يُحَطُّ مِنْهُمَا . 29859 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . 29860 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فِي الْمُرَابَحَةِ : لَهُ الْخِيَارُ . 29861 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ . 29862 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا دَخَلَهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ حَالَتِ الْأَسْوَاقُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، فَلَا يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ . 29863 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ ، وَكَانَتْ قِيمَتُهَا نِصْفَ مَا وَزَنَ مِثْلَ مَا وَزَنَ الْمُبْتَاعُ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَلَا شَيْءَ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ تَمَامُ الْقِيمَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا وَزَنَ ، فَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَخَذَ الْجَمِيعَ ، أَوْ رَدَّ . 29864 - قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُحَطُّ فِي الْمُرَابَحَةِ . 29865 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي مِثْلَ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ . 29866 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . 29867 - قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا خَانَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي ؛ حُطَّ عَنْهُ مِنَ الثَّمَنِ الزِّيَادَةُ ، وَرِبْحُ الزِّيَادَةِ . 29868 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِذَا قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْخِيَانَةِ بَيْنَ أَنْ يَنْتَقِصَ الْبَيْعَ ، وَيَرُدَّ السِّلْعَةَ ، وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ بِمَا ابْتَاعَهَا بِهِ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا خَانَهُ فِيهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَرَبِحَهُ . 29869 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ لَمْ يَرَ أَنْ يُحَطَّ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا كَذَبَ فِيهِ الْبَائِعُ وَخَيَّرَهُ قَاسَهُ عَلَى الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ نَقْضٌ دَخَلَ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، وَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ ، وَمَنْ رَأَى أَنْ يُحَطَّ عَنْهُ ، فَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنَّمَا رِبْحُهُ عَلَى مَا ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَمَّا خَانَهُ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّ مَا خَانَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ خَانَهُ فِي الْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ وَجَبَ رَدٌّ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ .
( 37 ) بَابُ الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ . 1335 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ السِّلْعَةَ ، الْبَزَّ أَوِ الرَّقِيقَ . فَيَسْمَعُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لِرَجُلٍ مِنْهُمُ : الْبَزُّ الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْ فُلَانٍ قَدْ بَلَغَتْنِي صِفَتُهُ وَأَمْرُهُ ، فَهَلْ لَكَ أَنْ أُرْبِحَكَ فِي نَصِيبِكَ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُرْبِحُهُ وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْقَوْمِ مَكَانَهُ ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ رَآهُ قَبِيحًا وَاسْتَغْلَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ ، إِذَا كَانَ ابْتَاعَهُ عَلَى بَرْنَامَجٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ . قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ لَهُ أَصْنَافٌ مِنَ الْبَزِّ ، وَيَحْضُرُهُ السُّوَّامُ ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَرْنَامَجَهُ ، وَيَقُولُ : فِي كُلِّ عِدْلٍ كَذَا وَكَذَا مِلْحَفَةً بَصْرِيَّةً ، وَكَذَا وَكَذَا رَيْطَةً سَابِرِيَّةً ذَرْعُهَا كَذَا وَكَذَا ، وَيُسَمِّي لَهُمْ أَصْنَافًا مِنَ الْبَزِّ بِأَجْنَاسِهِ ، وَيَقُولُ : اشْتَرُوا مِنِّي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَيَشْتَرُونَ الْأَعْدَالَ عَلَى مَا وَصَفَ لَهُمْ ، ثُمَّ يَفْتَحُونَهَا فَيَسْتَغْلُونَهَا وَيَنْدَمُونَ . قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامَجِ الَّذِي بَاعَهُمْ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا ، يُجِيزُونَهُ بَيْنَهُمْ إِذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامَجِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَهُ . 29870 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَيْعُ الْبَرْنَامَجِ هُوَ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ . 29871 - وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ . 29872 - فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَأَبْطَلَ فِيهِ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ إِذَا وُجِدَ عَلَى الصِّفَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ . 29873 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لِلْمُشْتَرِي فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَبِهِ قَالَ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 29874 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ ، لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ مَرْئِيَّةٌ ، وَلَا صِفَةَ مَضْمُونَةٌ ، وَأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ عَلَى غَيْرِ تَمَامِ بَيْعٍ ، وَلَا صَفْقَةٍ . 29875 - وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُجَزْ بَيْعُ السَّاجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ وَلَا الثَّوْبِ الْقِبْطِيِّ فِي طَيِّهِ حَتَّى يُنْشَرَ ، وَيُنْظَرَ إِلَى مَا فِي أَجْوَافِهِمَا ، قَالَ : وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمَا دُونَ نَشْرِهِمَا لِصِفَةِ الْبَرْنَامَجِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، قَالَ : وَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، وَغَرَرُهُ أَقَلُّ ، كَانَ الْغَرَرُ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الثِّيَابِ أَكْثَرَ . 29876 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ وَقَفَ مَالِكٌ عَلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ : فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَعْمُولِ بِهِ ، وَمَا فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بَيْعُ الْبَرْنَامَجِ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الْجَائِزِ بَيْنَهُمْ ، وَلَا يُشْبِهُ الْمُلَامَسَةَ . 29877 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْكَ شَيْئًا عَلَى صِفَةٍ ، فَلَمْ تُخَالِفْ مَا وَصَفْتَ لَهُ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ . 29878 - قَالَ أَيُّوبُ : وَقَالَ الْحَسَنُ : لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ . 29879 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَدِدْنَا لَوْ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تِبَايَعَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمَا أَعْظَمُ جَدًّا فِي التِّجَارَةِ قَالَ : فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ فَرَسًا مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، أَوْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، إِنْ أَدْرَكَتْهَا الصَّفْقَةُ وَهِيَ سَالِمَةٌ ، ثُمَّ أَجَازَ قَلِيلًا فَرَجَعَ ، فَقَالَ : أَزِيدُكَ سِتَّةَ آلَافٍ إِنْ وَجَدَهَا رَسُولِي سَالِمَةً ، قَالَ : نَعَمْ ، فَوَجَدَهَا رَسُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ هَلَكَتْ ، وَخَرَجَ مِنْهَا بِالشَّرْطِ الْآخَرِ . قَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ : فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ . 29880 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَذَكَرَ الْخَبَرَ بِمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ . 29881 - وَفِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ جَوَازُ بَيْعِ الْغَائِبِ إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ لَيْسَ فِيهِ صِفَةٌ ، فَهُوَ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يُجِيزُ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ ، فَإِذَا رَآهُ ، وَرَضِيَهُ صَارَتِ الصَّفْقَةُ ، وَتَمَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَهُ ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا . 29882 - وَالصِّفَةُ ، وَغَيْرُ الصِّفَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ الْكُوفِيِّينَ فِي بَابِ بَيْعِ الْغَائِبِ سَوَاءٌ ، لِأَنَّهُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ . 29883 - وَمَالِكٌ لَا يُجِيزُهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَتَوَاصَفَاهُ ، فَإِنْ وَجَدَ الْبَيْعَ عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَ الْمُشْتَرِي ، وَلَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَأَى . 29884 - وَأَمَّا بَيْعُ الْبَرْنَامَجِ ، فَهُوَ أَيْضًا مِنْ بُيُوعِ الْمُرَابَحَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ بَيْعُ " دَهْ دُوَازْدَهْ " ، وَهُوَ بَيْعُ الْبَزِّ وَالْمَتَاعِ عَلَى الصِّفَاتِ الْعَشَرَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَحَدَ عَشَرَ بِالرِّبْحِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . 29885 - وَقَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ . 29886 - فَمَنْ كَرِهَهُ يُوَجِّهُ كَرَاهِيَتَهُ أَنَّهُ بَيْعُ غَيْرِ حَاضِرَةٍ ، لَمْ يُنْظَرْ إِلَيْهَا ، فَدَخَلَتْ مِنْ بَابِ الْمُلَامَسَةِ ، وَالْمُنَابَذَةِ ، وَالْغَرَرِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ إِلَى الصّفةِ ؛ لِأَنَّ الصّفةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي بَيْعِ الْمَضْمُونَاتِ عَلَى الصِّفَةِ فِي الذِّمَّةِ ، وَهُوَ بَيْعُ السَّلَمِ . 29887 - وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مِنَ الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَسَبَ فِي بَرْنَامَجِهِ كُلَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَجَازَهُ ، فَلِمَا وَصَفْنَا مِنْ تَبَايُعِ الصَّحَابَةِ الْأَشْيَاءَ الْغَالِيَةَ إِمَّا عَلَى الصِّفَةِ ، وَإِمَّا عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ . 29888 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : " لَا بَأْسَ بِبَيْعِ " دَهْ دُوَازْدَهْ " وَتُحْسَبُ النَّفَقَةُ عَلَى الثِّيَابِ " . 29889 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ مُرَابَحَةً : إِذَا أَرْبَحَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الثَّمَنَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا عَلِمَ . 29890 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا اشْتَرَى مِنْهُ مَتَاعًا ، بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ وَاحِدًا ، وَلَمْ يَعْلَمْ رَأْسَ الْمَالِ كَمْ هُوَ ؟ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الرِّبْحُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالثَّمَنِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ . 29891 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَنْ جَعْدَةَ بْنِ ذَكْوَانَ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ " دَهْ دُوَازْدَهْ " وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ . 29892 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : أُنْبِئْتُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا . 29893 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ عَشَرَةٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَأْخُذْ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا . 29894 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ " دَهْ دُوَازْدَهْ " مَا لَمْ يَحْسِبِ الْكِرَاءَ . 29895 - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا . 29896 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ سُفْيَانُ : رِبْحُ النَّفَقَةِ أَجْرُ الْغِسَالِ وَأَشْبَاهِهِ . 29897 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : بَيْعُ " دَهْ دُوَازْدَهْ " رِبًا . 29898 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ " دَهْ دُوَازْدَهْ " . 29899 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَكْرَهُ بَيْعَ " دَهْ دُوَازْدَهْ " وَقَالَ : ذَلِكَ بَيْعُ الْأَعَاجِمِ . 29900 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ الضَّبِّيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُرَقِّمَ عَلَى الثَّوْبِ أَكْثَرَ مَا قَامَ بِهِ ، وَيَبِيعَهُ مُرَابَحَةً ، لَا بَأْسَ بِالْبَيْعِ عَلَى الرَّقْمِ . 29901 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَجْلَانَ ، قَالَ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ ، قُلْتُ : الرَّجُلُ يَشْتَرِي الثَّوْبَ ، فَيُرَقِّمُهُ ، فَيَزِيدُ فِي رَقْمِهِ كِرَاءَهُ وَغَيْرَهُ ، ثُمَّ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى الرَّقْمِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ يَنْظُرُ الْمَتَاعَ وَيَنْشُرُهُ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 29902 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فِي تَجْوِيزِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ فِي الرَّقْمِ الْكِرَاءَ ، وَالنَّفَقَةَ ، فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ . 29903 - وَاخْتَلَفُوا : هَلْ يَأْخُذُ لِذَلِكَ رِبْحًا أَمْ لَا ؟ وَلا قَوْلُهُ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُرَقِّمَ عَلَى الثَّوْبِ أَكْثَرَ مَا قَامَ بِهِ ، وَيَبِيعَهُ مُرَابَحَةً ، فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ رَبِحْتُ عَلَى ثَوْبِي ، وَرَبِحْتُ كَذَا ، وَكَذَا ، وَأَنَا لَا أَبِيعُهُ إِلَّا بِكَذَا وَكَذَا زِيَادَةً عَلَى مَا رَقَّمَهُ بِهِ ، فَهَذَا كَالْمُسَاوَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ لَهُ : مُقَامٌ عَلَيَّ بِكَذَا ، وَلَا أَشْتَرِيهِ بِكَذَا . 29904 - وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ . 29905 - وَالْكَذِبُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ لَهُ : لَا أَرْضَاهُ بِرَأْسِ مَالِهِ ، فَكَيْفَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، وَبِمَا كَسَبْتَهُ فِيهِ . 29906 - وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بَابٌ مِنَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ ، وَلَيْسَ كُلُّ الْعَامَّةِ يَعْرِفُ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ بِذَلِكَ : اشْتَرَيْتُ ، أَوْ بِكَذَا قَامَ عَلَيَّ . 29907 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، وَقَالَ : أَخْبَرَنِي وَاصِلُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : لَا أَبِيعَنَّ سِلْعَتِي بِالْكَذِبِ . 29908 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : أَرْبِحْنِي عَلَى هَذَا الرَّقْمِ ، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَقُولَ : زِدْنِي عَلَى الرَّقْمِ بِكَذَا ، وَكَذَا . 29909 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لِمَا ذَكَرْتُ لَكَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُ : رَبِّحْنِي عَلَى الرَّقْمِ ، كَذَا أَوْهَمَهُ أَنَّ الرَّقْمَ هُوَ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، أَوْ مَا قَامَ عَلَيْهِ بِهِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 29910 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ مُرَابَحَةً : إِذَا أَرْبَحَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الثَّمَنَ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا عَلِمَ .
1374 ( 38 ) بَابُ بَيْعِ الْخِيَارِ . 1336 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بِيعَ الْخِيَارِ . 29911 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ . 1337 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدِّثُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا بَيِّعَيْنَ تَبَايَعَا ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ ، أَوْ يَتَرَادَّانِ . 29912 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا كَالْمُفَسِّرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، يَقُولُ : إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَدْ يَخْتَلِفَانِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ لَمْ تَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ يَمِينٌ ، وَلَا تَرَادٌّ ؛ لِأَنَّ التَّرَادَّ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا قَدْ تَمَّ مِنَ الْبُيُوعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 29913 - فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَرْدَفَهُ بِقَوْلِ الْقَاسِمِ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَفِيمَا أُعْطُوا . 29914 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ، وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَقَالَ : قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا قَدْ تُرِكَ ، فَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ . 29915 - وَقَالَ فِي رَجُلٍ وَقَفَ سِلْعَتَهُ لِلسَّوْمِ ، فَأُعْطِيَ بِهَا مَا طَلَبَ فِيهَا ، فَقَالَ : لَا أَبِيعُهَا ، فَالْبَيْعُ لَهُ لَازِمٌ ، فَإِنْ قَالَ : إِنَّمَا كُنْتُ لَاعِبًا ، وَأَرَدْتُ اعْتِبَارَ ثَمَنِهَا ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ . 29916 - قَالَ الطَّحَاوِيُّ : كُلُّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِحَدِيثِ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا مِنْ مَكَانِهِمَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى يَمِينِهِ فِي قَوْلِهِ : كُنْتُ لَاعِبًا ، وَمَنْ يَقُولُ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا أَحْرَى أَلَّا يَقُولَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . 29917 - قَالَ : وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ ، وَقَدْ أُعْطِيَ مَا طَلَبَ فِي سِلْعَتِهِ الَّتِي وَقَفَهَا لِلْبَيْعِ ، وَسَاوَمَ النَّاسَ فِيهَا . 29918 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ ، لَا يَكَادُ يَتَّصِلُ ، وَإِنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ قَدْ عَمِلُوا بِهِ كُلٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ فِيهِ . 29919 - فَمِنْ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : اشْتَرَى الْأَشْعَثُ رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمْسِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِعِشْرِينَ أَلْفًا ، فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِ فِي ثَمَنِهِمْ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَخَذْتُهُمْ بِعَشَرَةِ آلَافٍ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَاخْتَرْ رَجُلًا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ . قَالَ الْأَشْعَثُ : أَنْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِكَ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ . 29920 - هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ رِوَايَتُنَا فِي مُصَنَّفِهِ مِنَ السُّنَنِ . 29921 - وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَارُودِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ ، وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ ، فَهُوَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ، وَلَا مُسْنَدٍ . 29922 - وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ بَاعَ مِنَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ رَقِيقًا ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ . 29923 - وَهَذَا لَا يَتَّصِلُ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ . 29924 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ . 29925 - وَرَوَاهُ الْقَطَّانُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ . 29926 - وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ مُتَّصِلٍ ، بَلْ هُوَ بَيِّنُ الِانْقِطَاعِ . 29927 - وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقَوْلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29928 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا مِنْ أَثْبَتِ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِهِ ، وَادِّعَاءِ النَّسْخِ فِيهِ ، وَتَخْرِيجِ مَعَانِيهِ . 29929 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي أَلْفَاظِهِ : 29930 - فَرِوَايَةُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ . 29931 - وَرِوَايَةُ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ . 29931 م - هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ . 29932 - وَرَوَاهُ شُعْبَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَمَعْنَاهُ . 29933 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا ، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ . 29934 - قَالَ : وَرُبَّمَا قَالَ فِيهِ نَافِعٌ ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ . 29935 - وَلَفْظُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلٌّ بَيْعٌ ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ . 29936 - وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا ، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهَمَا عَنْ خِيَارٍ ، وَإِذَا كَانَ عَنْ خِيَارٍ ، فَقَدْ وَجَبَ . 29937 - قَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلُ ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ قَامَ ، فَمَشَى هُنَيْهَةً ، ثُمَّ وَقَعَ . 29938 - وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مَعْنَاهَا وَاحِدٌ ، وَلَا تَدَافُعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا . 29939 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ . وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسَانِيدَهَا ، وَطُرُقَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 29940 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْقَوْلِ : 29941 - فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَمَذْهَبُهُ فِي جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُتَبَايِعْيَنِ إِذَا عَقَدَا بَيْعَهُمَا بِالْكَلَامِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا . 29942 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 29943 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ . 29944 - قَالَ سُفْيَانُ : الصَّفْقَةُ بِاللِّسَانِ . 29945 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَعْنَى الْحَدِيثِ : إِذَا قَالَ الْبَائِعُ قَدْ بِعْتُكَ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَقُلِ الْمُشْتَرِي قَبِلْتُ . 29946 - وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . 29947 - وَقَالَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ : الْمُتَبَايِعَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُمَا الْمُتَسَاوِيَانِ ، فَإِذَا قَالَ : بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ ، فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَلِلْبَائِعِ خِيَارُ الرُّجُوعِ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي . 29948 - وَعَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانٍ نَحْوُهُ . 29949 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : التَّفَرُّقُ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِالْبَيْعِ ، فَإِذَا تَرَاضَيَا ، فَقَدْ تَفَرَّقَا . 29950 - قَالَ : وَالتَّفَرُّقُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ ، كَمَا يُقَالُ لِلْمُتَنَاظِرِينَ إِذَا قَامُوا عَنِ الْمَجْلِسِ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ افْتَرَقْتُمْ . 29951 - وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ 29952 - وَأَمَّا افْتِرَاقُهُمَا بِالْكَلَامِ ، قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلِ الْآخَرُ : قَدْ قَبِلْتُ ، فَهَذَا مَوْضِعُ خِيَارِ الْبَائِعِ ، فَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي : قَدْ قَبِلْتُ : فَقَدِ افْتَرَقَا ، وَتَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا . 29953 - وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ : التَّفَرُّقُ أَنْ يَقْبَلَ فِي الْمَجْلِسِ ، فَإِذَا قَامَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ صَاحِبُهُ بَطَلُ الْخِيَارُ . 29954 - قَالَ : وَفَائِدَةُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا لَمْ يُجِبِ الْبَائِعَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ قَدْ قَبِلْتُ ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا . 29955 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فَاسِدَانِ مُخَالِفَانِ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ وَظَاهِرِهِ ، لِأَنَّ الْخِيَارَ فِيهِمَا لِلْبَائِعِ خَاصَّةً ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ الْبَابِ يَقْتَضِي بِفَسَادِهِمَا ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا . وَسَنُبَيِّنُ ضَعْفَ تَأَوُّلِهِمَا فِي الْحَدِيثِ فِيمَا بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29956 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِالِاعْتِبَارِ كَفِعْلِهِ فِي سَائِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ ، يَعْرِضُهَا عَلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ، وَلَا يَقْبَلُهَا إِذَا خَالَفَهَا ، وَيَقُولُ : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ ، أَوْ قَيْدٍ : مَتَى يَفْتَرِقَانِ ، وَهَذَا أَكْثَرُ عُيُوبِهِ ، وَأَعْظَمُ ذُنُوبِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِمَذْهَبِهِمْ فِي رَفْعِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ طَوِيلٌ أَكْثَرُهُ تَشْعِيبٌ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ لَا يُرَدُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 29957 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ : إِذَا عَقَدَ الْمُتَبَايِعَانِ بَيْعَهُمَا ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ فِي إِتْمَامِهِ وَفَسْخِهِ مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا ، لَمْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا ، وَالتَّفَرُّقُ فِي ذَلِكَ كَالتَّفَرُّقِ فِي الصَّرْفِ سَوَاءٌ . 29958 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَوْلُ سَوَّارٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ . 29959 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٍ ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ ، وَالدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ . 29960 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا فِي بُيُوعٍ ثَلَاثَةٍ : بَيْعِ السُّلْطَانِ فِي الْغَنَائِمِ ، وَبَيْعِ الشُّرَكَاءِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَبَيْعِ الشَّرِكَةِ فِي التِّجَارَةِ ، فَإِذَا صَافَقَهُ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَلَيْسَا فِيهِ بِالْخِيَارِ . 29961 - قَالَ : وَحَّدُ الْفُرْقَةِ مَا كَانَا فِي مَكَانِهِمَا ذَلِكَ حَتَّى يَتَوَارَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، قَالَ : وَإِذَا خَيَّرَهُ فَاخْتَارَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا . 29962 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ أَوْجَبَ الْخِيَارَ يَقُولُ : إِذَا خَيَّرَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَاخْتَارَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ . 29963 - وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَالْعَالَمُ بِمَخْرَجِهِ ، وَمَعْنَاهُ . 29964 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : التَّفَرُّقُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا . 29965 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مُتَبَايِعَيْنِ فِي بَيْعِ عَيْنٍ حَاضِرَةٍ ، أَوْ سَلَمٍ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ دَيْنٍ ، أَوْ صَرْفٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، تَبَايَعَا ، وَتَرَاضَيَا ، وَلَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا ، أَوْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - إِنْ شَاءَ - فَسَخَ الْبَيْعَ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ مَا دَامَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ بَيْعَهُمَا ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ إِنْ شِئْتَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ ، أَوْ رَدَّهُ ، فَإِنِ اخْتَارَ وَجْهًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى خِيَارِ مُدَّةٍ يَجُوزُ الْخِيَارُ إِلَيْهَا كَانَا عَلَى مَا عَقَدَا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَضُرَّهُمَا التَّفَرُّقُ . 29966 - وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي مُدَّةِ أَيَّامِ الْخِيَارِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29967 - وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْجَمِيعِ . 29968 - وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ فِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِأَكْثَرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا : قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ : 29969 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دَفَعَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَعْنَى الْخِلَافِ بِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِهِ ، قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، وَإِجْمَاعُهُمْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : إِذَا رَأَيْتَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . 29970 - قَالَ : وَإِجْمَاعُهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ . 29971 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا مَوْجُودٌ بِهَا . 29972 - قَالَ : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ ، أَيْ لَيْسَ لِلْخِيَارِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ عِنْدَهُ لَيْسَ مَحْدُودًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا حَدَّهُ الْكُوفِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، بَلْ هُوَ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمَبِيعِ ، فَمَرَّةً يَكُونُ ثَلَاثَةً ، وَمَرَّةً أَقَلَّ ، وَمَرَّةً أَكْثَرَ ، وَلَيْسَ الْخِيَارُ فِي الْعَقَارِ ، كَهُوَ فِي الدَّوَابِّ ، وَالثِّيَابِ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ذَلِكَ . 29973 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ دَعْوَى إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ مَعْلُومٌ . 29974 - وَأَيُّ إِجْمَاعٍ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الْمُخَالِفُ فِيهَا مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَغَيْرُهُمْ ؟ وَهَلْ جَاءَ فِيهَا مَنْصُوصًا الْخِلَافُ إِلَّا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَمَنْ تَبِعَهُ ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيِّينَ . 29975 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَهُوَ مِنْ جِلَّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ : مَنْ قَالَ : إِنَّ الْبَيِّعَيْنِ لَيْسَا بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا اسْتُتِيبَ ، وَجَاءَ بِقَوْلٍ فِيهِ خُشُونَةٌ ، تَرَكْتُ ذِكْرَهُ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . 29976 - وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْكُوفِيِّينَ ، وَغَيْرِهِمْ ، بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قَالُوا : وَهَذَانِ قَدْ تَعَاقَدَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبْطَالُ الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ ، فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنَ الْوَفَاءِ بِهِ مِنَ الْعُقُودِ مَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ ، كَمَا لَوْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى رِبًا ، أَوْ سَائِرِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا . 29977 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، قَالُوا : فَقَدْ أَطْلَقَ بَيْعَهُ إِذَا اسْتَوْفَاهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، وَبَعْدَهُ . 29978 - وَهَذَا عِنْدَ مَنْ خَالَفَهُمْ مُرَتَّبٌ عَلَى خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ اسْتِعْمَالُهُمَا مَعًا ، فَكَيْفَ يُدْفَعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ مَعَ إِمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِمَا . 29979 - وَاحْتَجُّوا بِكَثِيرٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ ، وَالْعُمُومِ ، مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ فِي الْعُمُومِ بِالْخُصُوصِ ، وَلَا بِالظَّوَاهِرِ عَلَى النُّصُوصِ . 29980 - وَقَالُوا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى النَّدْبِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَقَالَ نَادِمًا فِي بَيْعٍ ، أَوْ قَالَ : فِي بَيْعَتِهِ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ . 29981 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ ، فَهَذَا عَلَى النَّدْبِ ، لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . 29982 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ ، وَقَضَاءٌ ، وَشَرْعٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ بِرَأْيِهِ . 29983 - قَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ، فَلَفْظٌ مُنْكَرٌ ، لِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ لِيُتِمَّ بَيْعَهُ ، وَلَهُ أَنْ لَا يُقِيلَهُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ، وَقَوْلُهُ : لَا يَحِلُّ ، لَفْظة مُنْكَرة بِإِجْمَاعٍ ، وَبَانَ أَنَّ الْإِقَالَةَ نَدْبٌ وَحَصْرٌ ، لَا إِيجَابٌ وَفَرْضٌ . 29984 - وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْبَيْعُ مَشَى حَتَّى يُفَارِقَ صَاحِبَهُ ، وَيَغِيبَ عَنْهُ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ ، وَعَلِمَ مَعْنَاهُ وَمَخْرَجَهُ . 29985 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُطَّلِبُ ابْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ ، عَنْ سَالِمٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : كُنَّا إِذَا تَبَايَعْنَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ نَفْتَرِقْ ، فَتَبَايَعْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ مَالًا بِالْوَادِ بِمَالٍ كَثِيرٍ ، فَلَمَّا بَايَعْتُهُ طَفِقْتُ الْقَهْقَرَى عَلَى عَقِبِي خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي عُثْمَانُ البيع قَبْلَ أَنْ أُفَارِقَهُ . 29986 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا إِذَا تَبَايَعْنَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ نَفْتَرِقْ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِافْتِرَاقَ عَنِ الْمَجْلِسِ كَانَ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَهُمْ فِي بِيَعَاتِهِمْ . 29987 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مَشَى سَاعَةً قَلِيلًا لِيَتِمَّ لَهُ الْبَيْعُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ . 29988 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اشْتَرَى السِّلْعَةَ ، فَأَرَادَ أَلَّا يُقِيلَ صَاحِبَهُ مَشَى شَيْئًا قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ . 29989 - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ ، ثُمَّ أَقَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا ، وَلَيْلَتِهِمَا لَمْ يَفْتَرِقَا ، وَنَدِمَ أَحَدُهُمَا ، فَلَمْ يَرُدَّ الْآخَرُ إِقَالَتَهُ ، فَاخْتَصَمَا إِلَى أَبِي بَرْزَةَ ، فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا . 29990 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 29991 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا ذَهَبَا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ . 29992 - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ شَهِدَهُ يَخْتَصِمُ إِلَيْهِ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا ، فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَرْضَهُ فَقَالَ الْآخَرُ : بَلْ قَدْ رَضِيتَهُ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : بَيِّنَتُكَ أَنَّكُمَا تَصَادَرْتُمَا عَنْ رِضًا بَعْدَ الْبَيْعِ ، أَوْ خِيَارٍ ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ بِاللَّهِ مَا تَصَادَرْتُمَا بَعْدَ الْبَيْعِ عَنْ رِضًا ، وَلَا خِيَارٍ . 29993 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا . 29994 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ - قَاضِي صَنْعَاءَ : إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ . 29995 - وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ خِيَارًا فِي الْمَجْلِسِ أَنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ ، أَوْ كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ : فِرَاقًا . 29996 - قَالُوا : وَالتَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ في خيار المجلس فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ كَمَا هُوَ بِالْأَبْدَانِ . 29997 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَفْتَرِقُ أُمَّتِي وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَمْ يُرَدْ بِهِ الِافْتِرَاقُ بِالْأَبْدَانِ . 29998 - فَيُقَالُ لَهُمْ : أَخْبَرُونَا عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْإِجْمَاعُ فِي الْبَيْعِ ، وَتَمَّتْ بِهِ الصَّفْقَةُ ، أَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِافْتِرَاقُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، أَوْ غَيْرِهِ ؟ ، فَإِنْ قَالُوا : هُوَ غَيْرُهُ ، فَقَدْ أَحَالُوا وَجَاءُوا بِمَا لَا يُعْقَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ كَلَامٌ غَيْرُهُ ، وَإِنْ قَالُوا : هُوَ ذَلِكَ الْكَلَامُ بِعَيْنِهِ ، قِيلَ لَهُمْ : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي بِهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ ، وَبِهِ تَمَّ بَيْعُهُمَا لَهُ افْتَرَقَا ، وَهَذَا مَا لَا يَفْهَمُهُ ذُو عَقْلٍ وَإِنْصَافٍ . 29999 - وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ هُمَا الْمُتَسَاوِمَانِ ، فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُولٌ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي مَالِهِ وَسِلْعَتِهِ بِالْخِيَارِ قَبْلَ السَّوْمِ ، وَمَا دَامَ قَبْلَ الشِّرَاءِ مُتَسَاوِمًا حَتَّى يُمْضِيَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَهُ وَيَرْضَاهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ قَبْلَ الشِّرَاءِ ، وَفِي حِينِ الْمُسَاوَمَةِ أَيْضًا ، هَذَا مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ ، وَالْفِطْرَةِ ، وَالشَّرِيعَةِ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا كَذَلِكَ ، بَطُلَتْ فَائِدَةُ الْخَبَرِ ، وَقَدْ جَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ . 30000 - وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ :
30027 - قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً . فَقَالَ الْبَائِعُ عِنْدَ مُوَاجَبَةِ الْبَيْعِ : أَبِيعُكَ عَلَى أَنْ أَسْتَشِيرَ فُلَانًا . فَإِنْ رَضِيَ فَقَدْ جَازَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَرِهَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا . فَيَتَبَايَعَانِ عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَشِيرَ الْبَائِعُ فُلَانًا : إِنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ ، وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ ، إِنْ أَحَبَّ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ أَنْ يُجِيزَهُ . 30028 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بِاشْتِرَاطِ خِيَارِ الْبَيْعِ الْمُسْتَشَارِ إِذَا رَضِيَ الْمُسْتَشَارُ الَّذِي اشْتَرَطَ رِضَاهُ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ ، وَالْخِيَارُ لِفُلَانٍ الَّذِي اشْتَرَطَ رِضَاهُ . 30029 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ : يَجُوزُ عِنْدَهُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ ، فَإِنْ أَمْضَى الْبَيْعَ جَازَ ، وَإِنْ نَقَضَهُ انْتَقَضَ ، فَإِنْ رَضِيَهُ الْمُشْتَرِي ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ : لَا أَرْضَى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ رَضِيَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ : لَا أَرْضَى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ رَضِيَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي . 30030 - وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ : 30031 - ( إِحْدَاهُمَا ) : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتَرَاطُ الْخِيَارِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ وَكِيلًا . 30032 - وَالْأُخْرَى كَقَوْلِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَطَ رِضَا غَيْرِهِ فَالرِّضَا لِلْغَيْرِ ، وَإِنْ قَالَ : عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَ فُلَانًا لَمْ يُرِدْ إِلَّا أَنْ يَقُولَ : اسْتَأْمَرْتُهُ فَأَمَرَنِي بِالرَّدِّ . 30033 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ وَالَّذِي لَهُ الْخِيَارُ وَالْإِمْسَاكُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي اشْتَرَطَ خِيَارَهُ ، وَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ . 30034 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَكِيلِ يَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِلْآمِرِ : 30035 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ رِضَا الْوَكِيلِ إِذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَرْضَى الْمُوَكِّلُ . 30036 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا اشْتَرَطَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الْخِيَارَ لِلْآمِرِ وَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْآمِرَ قَدْ رَضِيَ وَادَّعَى لَمْ يُصَدَّقْ ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ ، وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي : قَدْ رَضِيَ الْآمِرُ ، تَمَّ الْبَيْعُ ، وَلَوْ قَالَ الْآمِرُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ أَرْضَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ الْوَكِيلَ الْمُشْتَرِي . 30037 - وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِهِ قَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 30038 - أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ مَالِكٍ . 30039 - وَالْآخَرُ : أَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّ إِذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِي الْآمِرِ دُونَ اسْتِثْمَارِ الْآمِرِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ دُونَ الْآمِرِ . 30040 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ مِنَ الْمُدَّةِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ : 30041 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ اشْتِرَاطُ شَهْرٍ ، وَأَكْثَرَ . 30042 - وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ : فَيَشْتَرِطُ مَا شَاءَ مِنَ الْخِيَارِ ، مَا لَمْ يَطُلْ جِدًّا . 30043 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي طُولُ الْخِيَارِ . 30044 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ : يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي بَيْعِ الثَّوْبِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ . 30045 - وَفِي الْجَارِيَةِ تَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا : الْخَمْسَةَ الْأَيَّامِ ، وَالْجُمُعَةَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . 30046 - وَفِي الدَّابَّةِ الْيَوْمَ ، وَمَا أَشْبَهَهُ لِرَكْبِهَا الْمُعَرِّفِ ، وَيُخَيَّرُ ، وَيَسْتَشِيرُ فِيهَا ، وَمَا بَعُدَ مِنْ أَجَلِ الْخِيَارِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ . 30047 - وَلَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْنَ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي . 30048 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ : اذْهَبْ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ أَبَدًا ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَبَدًا حَتَّى يَقُولَ : قَدْ رَضِيتُ وَلَا أَدْرِي مَا الثَّلَاثُ . 30049 - قَالَ : وَالْوَطْءُ فِي الْجَارِيَةِ رِضًا . 30050 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ جُمْلَةً بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ فِيمَا بَعْدُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ . 30051 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَحَبُّ الْأَجَلِ إِلَيْنَا فِي الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، لِلَّذِي جَازَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُحَفَّلَةِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 30052 - وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُ . 30053 - وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ جَوَازَ شَرْطِ الْخِيَارِ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ بين المتبايعين . 30054 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ ، وَذَلِكَ لَازِمٌ عِنْدَهُمْ إِلَى الْوَقْتِ الْمُشْتَرَطِ الْمَحْدُودِ . 30055 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . 30056 - وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَجْنَاسِ الْمَبِيعَاتِ ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ . 30057 - وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ . 30058 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَجُوزُ الْخِيَارُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، وَمَا بَلَغَنَا فِيهِ وَقْتٌ ، إِلَّا أَنَّا نُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . 30059 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ بِحَالٍ . 30060 - قَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنِ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ الْخِيَارَ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ . 30061 - قَالَ : وَلَا يَجُوزُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ . 30062 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، فَإِنِ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُبْتَاعُ الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ ثَلَاثًا ، فَمَا دُونَهَا جَازَ لِلْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ . 30063 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْلَا أَنَّ الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَازَ الْخِيَارُ أَصْلًا فِي الثَّلَاثِ وَلَا فِي غَيْرِهَا . 30064 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَجُوزُ الْخِيَارُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَتِهِمْ فِيمَا يَجِبُ تَعْدِيلُهُ فِي الْمَجْلِسِ ، مِثْلَ الصَّرْفِ ، وَالسَّلَمِ ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 30065 - وَمِنَ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْبَائِعِ فِي عَقْدِ الصَّفْقَةِ مَنْعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثَمَنِ مَا بَاعَهُ ، وَلَا عَلَى الْمُبْتَاعِ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا ابْتَاعَهُ . 30066 - وَشَرْطُ الْخِيَارِ يُوجِبُ جَوَازَ مَا مَنَعَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا قَبْلَ جَوَازِهِ ، فَلَمَّا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَادَ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ فِي الْعَرَايَا . 30067 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدُّ الْخِيَارِ ثَلَاثٌ مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ . 30068 - رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 30069 - وَمِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ وَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ : إِذَا بِعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 30070 - هَكَذَا يَرْوِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 30071 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ : إِلَّا بِيعَ الْخِيَارِ ، وَفِي قَوْلِهِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ : 30072 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : هُوَ الْخِيَارُ الْمَشْرُوطُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا يَجُوزُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ . 30073 - هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَجَمَاعَةٍ . 30074 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ، قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ ، هُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ إِنْفَاذَهُ أَوْ فَسْخَهُ ، فَإِنِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا ، وَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ . 30075 - هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . 30076 - وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا عَنِ الشَّافِعِيِّ . 30077 - وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ طَاوُسٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ . 30078 - وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : هُمَا بِالْخِيَارِ أَبَدًا ، قَالَا هَذَا الْقَوْلَ أَوْ لَمْ يَقُولَا حَتَّى يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ مَكَانِهِمَا لِلِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ الزَّائِدِ . 30079 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ قَبْلَ أَنْ يَفْسَخَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْبَيْعَ ، تُمَّ الْبَيْعُ ، وَلَزِمَهُمَا جَمِيعًا سَاعَةَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ . 30080 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَأَتَى بِهِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ ، أَوْ مِنَ الْغَدِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ ، وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ . 30081 - وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : إِنِ اشْتَرَطَ أَنَّهُ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ ، فَلَمْ يَأْتِ بِالثَّوْبِ ، لَزِمَ الْبَيْعُ ، فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ ، لَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضُ أَصْحَابِهِ . 30082 - وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ إِلَى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ : 30083 - فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَيَجْعَلُ السُّلْطَانُ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِيَارِ مَا يَكُونُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ . 30084 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا جَعَلَ الْخِيَارَ بِغَيْرِ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَسَدَ الْبَيْعُ ، كَالْجُعْلِ الْفَاسِدِ ، وَالثَّمَنِ الْفَاسِدِ ، وَإِنْ أَجَازَهُ فِي الثَّلَاثِ ، جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ حَتَّى مَضَتِ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ . 30085 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَهُ أَنْ يَخْتَارَ بَعْدَ الثَّلَاثِ . 30086 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِيمَنِ اشْتَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ أَنَّهُ إِذَا أَجَازَهُ فِي الثَّلَاثِ ، جَازَ . 30087 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ أَجَازَهُ فِي الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ قَدْ فَسَدَ بِاشْتِرَاطِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ فِيمَنِ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِمُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ أَجَازَهُ فِي الثَّلَاثِ . 30088 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمُ : الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَغَيْرُهُ : جَائِزٌ إِذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ بِغَيْرِ مُدَّةٍ مَذْكُورَةٍ ، وَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ أَبَدًا . 30089 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِذَا لَمْ يَذْكُرْ لِلْخِيَارِ وَقْتًا مَعْلُومًا ، كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا ، وَالثَّمَنُ حَالًّا ، وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْوَقْتِ ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ . 30090 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْخِيَارِ ، هَلْ يُورَثُ ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ : يُورَثُ ، وَيَقُومُ وَرَثَةُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَقَامَهُ إِلَى انْقِضَاءِ الْأَمْرِ . 30091 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ، وَيَتِمُّ الْبَيْعُ . 30092 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ : 30093 - فَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ : هَلَاكُهُ مِنَ الْبَائِعِ ، وَالْمُشْتَرِي أَمِينٌ . 30094 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ خَاصَّةً . 30095 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْهُ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ ، وَلَا يَجُوزُ . 30096 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَالْمُشْتَرِي ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ، وَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِالْهَلَاكِ . 30097 - وَحَكَى الرَّبِيعُ مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ . 30098 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ ، إِذَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، فَالْمُشْتَرِي ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ ، إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ لَهُ . 30099 - فَهَذه أُصُولُ مَسَائِلِ الْخِيَارِ ، وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلَا تَكَادُ تُحْصَى ، وَلَيْسَ فِي مِثْلِ كِتَابِنَا هَذَا نَتَقَصَّى .
الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ . فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ . فَيَقُولُ الْبَائِعُ : بِعْتُكَهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ ابْتَعْتُهَا مِنْكَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ ، إِنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ : إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِهَا لِلْمُشْتَرِي بِمَا قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ فَاحْلِفْ بِاللَّهِ مَا بِعْتَ سِلْعَتَكَ إِلَّا بِمَا قُلْتَ . فَإِنَّ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي : إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتَهَا إِلَّا بِمَا قُلْتَ ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ . 30001 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السِّلْعَةَ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي ، فَسَوَاءٌ وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ . 30002 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ قَبَضَهَا الْمُبْتَاعُ وَفَاتَتْ عِنْدَهُ بِتَمَامٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ ، أَوْ تَغَيُّرِ سُوقٍ ، أَوْ بَيْعٍ ، أَوْ كِتَابَةٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ هَلَالٍ ، أَوْ تَقْطِيعٍ فِي الثِّيَابِ ، أَوْ كَانَتْ دَارًا فَبَنَاهَا ، أَوْ طَالَ الزَّمَانُ فَتَغَيَّرَتِ الْمَسَاكِنُ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ . 30003 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً عِنْدَ الْبَائِعِ ، وَأَمَّا إِذَا بَانَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَلَى نَفْسِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ . 30004 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ . 30005 - قَالَ : وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا تَحَالَفَ رَدَّ الْبَيْعَ ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُبْتَاعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا قَالَ الْبَائِعُ قَبْلَ الْفَسْخِ . 30006 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : بَلْ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ . 30007 - قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ : إِذَا تَحَالَفَا تَرَادَّا ، وَإِنْ نَكَلَا تَرَادَّا ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ ، تُرِكَ الْبَيْعُ ، يُرِيدُ عَلَى قَوْلِ الْحَالِفِ . 30008 - وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَ قَوْلِ شُرَيْحٍ . 30009 - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : إِنْ حَلَفَا فُسِخَ ، وَإِنْ نَكَلَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ ، وَذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ . 30010 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ عَنْ شُرَيْحٍ مِنْ طُرُقِهِ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فِي الْبَيْعِ ، حَلَفَا جَمِيعًا ، فَإِنْ حَلَفَا رُدَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْآخَرُ ، فَهُوَ لِلَّذِي حَلَفَ ، فَإِنْ نَكَلَا رُدَّ الْبَيْعُ . 30011 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ ، تَحَالَفَا ، وَتَرَادَّا الْبَيْعَ ، وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي : إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى دَعْوَاكَ وَتَبْرَأَ ، فَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا رُدَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا رُدَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ كَانَ الْبَيْعُ لِمَنْ حَلَفَ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ كَانَتِ السِّلْعَةُ حَاضِرَةً قَائِمَةَ الْعَيْنِ بِيَدِ الْبَائِعِ ، أَوْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ ، فَإِنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي وَهَلَكَتْ وَذَهَبَ عَيْنُهَا ، فَإِنَّ الثَّوْرِيَّ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَبَا يُوسُفَ ، وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، وَمَالِكًا ، وَأَصْحَابَهُ ، إِلَّا أَشْهَبَ - قَالُوا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ . 30012 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، الْقِيَاسُ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا ، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَلْفًا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ ، وَلَا يَتَرَادَّانِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أَجْمَعَا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ . 30013 - وَاخْتَلَفَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ مَا لَا يُقِرُّ بِهِ الْمُشْتَرِي ، فَهُمَا كَرَجُلَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةٍ ، وَأَقَرَّ هُوَ بِأَلْفٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلْأَثَرِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ ، فَإِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ عَادَ الْقِيَاسُ . 30014 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُ يَقُولُ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : أَوْ يَتَرَادَّانِ ، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ رَدَّ الْأَعْيَانِ ، فَإِذْ ذَهَبَتِ الْأَعْيَانُ خَرَجَ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ مَا قَدْ فَاتَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهِ ، وَصَارَ الْبَائِعُ مُدَّعِيًا لِثَمَنٍ لَا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ ، وَقَدْ أَقَرَّ لَهُ الْمُشْتَرِي بِبَعْضِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلَا فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ . 30015 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ - قَاضِي الْبَصْرَةِ - وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ صَاحِبِ مَالِكٍ : إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ ، وَيَتَفَاسَخَانِ أَبَدًا ، كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً بِيَدِ الْبَائِعِ ، أَوِ الْمُبْتَاعِ ، أَوْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً تَرَادَّاهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً تَرَادَّا قِيمَتَهَا . 30016 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ : مَعْنَى قَوْلِهِمْ إِنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُقِرَّ بِخُرُوجِ السِّلْعَةِ مِنْ مِلْكِهِ إِلَّا بِصِفَةٍ قَدْ ذَكَرَهَا أَوْ ثَمَنٍ قَدْ وَصَفَهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ الْمُبْتَاعُ بِهِ . 30017 - وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لَمْ يُقِرَّ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ إِلَّا بِصِفَةٍ لَمْ يَصْدُقْهُ الْبَائِعُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ ثَمَنَهَا كَذَّبَهُ الْبَائِعُ فِيهِ . 30018 - وَالْأَصْلُ أَنَّ السِّلْعَةَ لِلْبَائِعِ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا بِيَقِينٍ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ ، وَإِقْرَارُهُ مَنُوطٌ بِصِفَةٍ لَمْ تَقُمْ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ بِتَكْذِيبِهَا ، فَحَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ . 30019 - وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِأَنْ يَبْدَأَ الْبَائِعُ بِالْيَمِينِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ السِّلْعَةَ لَهُ ، فَلَا يُعْطَاهَا أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ ، فَإِذَا حَلَفَ خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ فِي أَخْذِهَا بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ إِنْ شَاءَ ، وَإِلَّا حَلَفَ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَ إِلَّا بِمَا ذَكَرَ ، كَدَعْوَى الْبَائِعِ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَ ، ثُمَّ يُفْسَخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، وَبِهَذَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ مُجْمَلَةً لَمْ تَخُصَّ كَوْنَ السِّلْعَةِ بِيَدِ وَاحِدٍ دُونَ الْآخَرِ ، وَلَا فَوْتَهَا ، وَلَا قِيَامَ عَيْنِهَا . 30020 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّرَادَّ إِذَا وَجَبَ بِالتَّحَالُفِ وَالسِّلْعَةُ حَاضِرَةٌ ، وَجَبَ أَيْضًا بَعْدَ هَلَاكِهَا ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَهَا ، كَسَائِرِ مَا فَاتَ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَدْ وَجَبَ رَدُّهُ ، كَانَتِ الْقِيمَةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِيهِ بَدَلًا مِنْهُ . 30021 - وَقَالَ زَفَرُ : إِنِ اتَّفَقُوا أَنَّ الثَّمَنَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ الْقَوْلُ فِي الثَّمَنِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِهِ تَحَالَفَا ، وَتَرَادَّا قِيمَةَ الْمَبِيعِ إِنْ فَاتَتْ عَيْنُهُ . 30022 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَبَدًا مَعَ يَمِينِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ فَاتَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ ، أَوْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي . 30023 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . 30024 - وَضَعَّفَا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَمْ يَقُولَا بِشَيْءٍ مِنْ مَعْنَاهُ . 30025 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْبَائِعُ مُقِرٌّ بِزَوَالِ مِلْكِهِ لِلسِّلْعَةِ مُصَدِّقٌ لِلْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مُدَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ مَا لَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا بَيِّنَةَ مَعَهُ ، فَصَارَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 30026 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ .
1309 ( 9 ) بَابُ الْجَائِحَةِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ 1268 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ : ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ ، فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ أَوْ يُقِيلَهُ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ، فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ لَهُ . 1269 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَائِحَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي ، الثُّلُثُ فَصَاعِدًا ، وَلَا يَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ جَائِحَةً . 28393 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ عَمْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّدْبُ إِلَى الْوَضْعِ . 28394 - وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : أُصِيبَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا ، وَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنْ لَيْسَ إلا غَيْرُ مَا وَجَدُوا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ يَأْخُذُونَهُ ، فَلَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ مَا وَجَدُوا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَيْءٌ يَأْخُذُونَهُ ، وَقَدْ أَنْظَرَ اللَّهُ الْمُعْسِرَ إِلَى الْمَيْسَرَةِ . 28395 - وَأَمَّا اعْتِبَارُ مَالِكٍ فِي مِقْدَارِ الْجَائِحَةِ الثُّلُثَ ، فَلِأَنَّ مَا دُونَهُ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ التَّافِهِ الَّذِي لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بِهَذِهِ . 28396 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ فِي ذَلِكَ . 28397 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْهُ فِي بَيْعِ الْبِطِّيخِ ، وَالْقِثَّاءِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ جَازَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَنْبُتُ مِنْهُ حَتَّى تَنْقَطِعَ ثَمَرَتُهُ ; لِأَنَّ وَقْتَهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَقَطَعَتْ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ، فَبَلَغَ الثُّلُثَ ، أَوْ أَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ . 28398 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَزَادَ ، قَالَ : يُنْظَرُ إِلَى الْمِيقَاتِ كَمَا لَوْ أَنَّها مِنْ أَوَّلِ مَا يَشْتَرِي إِلَى آخِرِ مَا يَنْقَطِعُ ثَمَرَتُهَا فَيُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى قَدْرِ ارْتِفَاعِ الْأَسْوَاقِ ، وَالْأَرْضِينَ ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ يَمْتَثِلُ فِيهِ أَنْ يُقَسِّمَ الثَّمَنَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَمْتَثِلُ مَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ عِنْدَ الْجَوَائِحِ . 28399 - وَكَذَلِكَ الْوَرْدُ ، وَالْيَاسَمِينُ ، وَالتُّفَّاحُ ، وَالْمَوْزُ ، وَالْأُتْرُجُّ ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُجْنَى بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ . 28400 - فَأَمَّا مَا يُخْرَصُ مِنَ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ ، وَمَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى ثُلُثِ الثَّمَرَةِ ، إِذَا أَصَابَتْهَا الْجَائِحَةُ وُضِعَ عَنِ الْمُشْتَرِي ثُلُثُ الثَّمَنِ ، فَلَا تَقْوِيمَ . 28401 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى ثُلُثِ الْثَمَرَةِ ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى الْقِيمَةِ يَوْمَ وَقَفَتِ الصَّفْقَةُ . 28402 - وَبَيْنَ أَشْهَبَ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ ، قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ . 28403 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْبُقُولُ ، وَالْكُرَّاثُ ، وَالْجَزَرُ ، وَالْبَصَلُ ، وَالْفُجْلُ ، وَمَا أَشْبَهَه إِذَا اشْتَرَاهُ رَجُلٌ ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي بِكُلِّ شَيْءٍ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ ، قَلَّ ، أَوْ كَثُرَ ، وَكُلُّ مَا يَيْبَسُ وَيَصِيرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَأَمْكَنَ قِطَافُهُ ، فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ . 28404 - وَقَالَ أَشْهَبُ : الْمَقَاثِي بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ يُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي قَلِيلُ الْجَائِحَةِ وَكَثِيرُهَا . 28405 - قَالَ : وَالْجَرَادُ ، وَالنَّارُ ، وَالْبَرَدُ ، وَالْمَطَرُ ، وَالطَّيْرُ الْغَالِبُ ، وَالْعَفَنُ ، وَالسُّمُومُ ، وَانْقِطَاعُ مَاءِ الْعُيُونِ كُلُّهُ مِنَ الْجَوَائِحِ إِلَّا الْمَاءَ فَإِنَّهُ يُوضَعُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ ، لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ سَبَبِ مَا يُبَاعُ . 28406 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : الْجَائِحَةُ مِنَ الْبَائِعِ كُلُّهَا قَلِيلُهَا ، وَكَثِيرُهَا ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الثُّلُثِ . 28407 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : مَنِ اشْتَرَى ثَمَرَةً مِنْ نَخْلٍ ، أَوْ مِنْ سَائِرِ الشَّجَرِ كَانَتْ أَوْ زَرْعًا فِي أَرْضِ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي حَالٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ فَقَبَضَهُ بِمَا يُقْبَضُ بِهِ مِثْلُهُ ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَهْلَكَتْهُ كُلَّهُ ، أَوْ بَعْضَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي . 28408 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَالطَّبَرِيِّ .
29528 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى الثَّوْبُ مِنَ الْكَتَّانِ ، أَوِ الشَّطَوِيِّ ، أَوِ الْقَصَبِيِّ ، بِالْأَثْوَابِ مِنَ الْإِتْرِيبِيِّ ، أَوِ الْقَسِّيِّ ، أَوِ الزِّيقَةِ ، أَوِ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ ، أَوِ الْمَرْوِيِّ بِالْمَلَاحِفِ الْيَمَانِيَّةِ وَالشَّقَائِقِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . الْوَاحِدُ بِالِاثْنَيْنِ ، أَوِ الثَّلَاثَةِ . يَدًا بِيَدٍ أَوْ إِلَى أَجَلٍ . وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ . فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ نَسِيئَةٌ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيَبِينَ اخْتِلَافُهُ . فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْهَرَوِيِّ بِالثَّوْبِ مِنَ الْمَرْوِيِّ ، أَوِ الْقُوهِيِّ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْفُرْقُبِيِّ ، بِالثَّوْبِ مِنَ الشَّطَوِيِّ . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ . فَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ . مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ . إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ . 29529 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا - يَعْنِي الثِّيَابَ - قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ ، وَإنَّ مَالِكًا لَا يَرَى غَيْرَ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ كَالطَّعَامِ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِأَبْسَطَ مِمَّا مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29530 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : الْإِتْرِيبِيُّ ثِيَابٌ تُعْمَلُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ ، يُقَالُ لَهَا : إِتْرِيبُ ، وَأَمَّا الْقَسِّيُّ ، فَثِيَابٌ تُعْمَلُ فِي الْقَسِّ ؛ نَاحِيَةٌ مِنْ نَوَاحِي مِصْرَ ، وَأَمَّا الزِّيقَةُ ، فَثِيَابٌ تُعْمَلُ بِالصَّعِيدِ غِلَاظٌ رَدِيَّةٌ . وَأَمَّا الشَّقَائِقُ ، فَالْأُزُرُ الضَّيِّقَةُ الرَّدِيَّةُ . 29531 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْعُرُوضَ كُلَّهَا مِنَ الثِّيَابِ ، وَغَيْرِ الثِّيَابِ ، لَا بَأْسَ بِالْعَرَضِ الْمُعَجَّلِ مَنْ جِنْسِهِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إِذَا اخْتَلَفَا فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، فَكَيْفَ شِئْتَ ، وَلَا يَضُرُّهُ اتِّفَاقُ أَجْنَاسِهِمَا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَعْرَاضُ فِيهِمَا ، وَاخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا ، فَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَعْرَاضُ وَالْمَنَافِعُ لَمْ يَجُزْ ، فَلَا يَجُوزُ ثَوْبٌ شَطَوِيٌّ بِثَوْبَيْنِ مَنَ الشَّطَوِيِّ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ الشَّطَوِيِّ نَقْدًا بِالثَّوْبَيْنِ مِنَ الْمَرْوِيِّ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الْكَتَّانِ . 29532 - وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَسْلِيمُ غَلِيظِ الْكَتَّانِ فِي رَقِيقِهِ ، وَرَقِيقِهِ فِي غَلِيظِهِ اثْنَيْنِ فِي وَاحِدٍ ، وَوَاحِدٍ فِي اثْنَيْنِ ، وَكَذَلِكَ ثِيَابُ الْقُطْنِ ، وَالصُّوفِ ، رَقِيقُهَا فِي غَلِيظِهَا ، وَغَلِيظُهَا فِي رَقِيقِهَا ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى اتِّفَاقِ أَسْمَائِهَا وَلَا إِلَى أَصْلِهَا إِذَا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا وَأَغْرَاضُ النَّاسِ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الصَّانِعُ الْعَامِلُ ، أَوِ الْكَاتِبُ ، أَوِ الْفَصِيحُ يُسْلَمُ فِي الْأَعْبُدِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِثْلَهُ ، وَإِنْ كَانُوا أَصْلُهُمْ كُلِّهِمُ الْعَجَمُ ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مُخْتَلِفٌ . 29533 - هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي الْكِتَابِ الْكَافِي ، وَأَتَيْنَا فِيهِ بِالْبَيَانِ الشَّافِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 2953 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يَصْلُحُ ثَوْبٌ بِثَوْبَيْنِ دَيْنًا إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَا . 29535 - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : لَا يَصْلُحُ ثَوْبٌ بِثَوْبَيْنِ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . 29536 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ : لَا يَجُوزُ النَّسَأُ فِي الشَّيْءِ يُبَاعُ فِي صِنْفِهِ إِلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الصِّفَةُ ، وَالتَّسْمِيَةُ . 29537 - وَقَالَ رَبِيعَةُ : الَّذِي يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ : الثَّوْبُ بِالثَّوْبَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ ، كَالسَّائِرِيَّةِ بِالسَّائِرتَيْنِ ، وَالْقُبْطِيَّةِ بِالْقُبْطتَيْنِ ، وَالرَّيْطَةِ بِالرَّيْطَتَيْنِ مِنْ نَسْجِ الْوَلَائِدِ . 2953 - وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، فَقَالَ : نَسِيجُ مِصْرَ كُلِّهَا كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسَأُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ . 29539 - قَالَ : وَيَجُوزُ نَسِيجُ مِصْرَ كُلُّهُ بِنَسِيجِ الْعِرَاقِ نَسِيئَةً . 29540 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَمَذْهَبُهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 29541 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الثِّيَابِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسِيئَةً إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ فِيهَا نَحْوَ الْهَرَوِيِّ بِالْقُوهِيِّ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا بِهِ ، وَنَحْوُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ . 29542 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالثَّوْبِ بِالثَّوْبَيْنِ نَسِيئَةً إِذَا اخْتَلَفَتْ ، وَيَكْرَهُهُ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ . 29543 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَن منْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ الْعُرُوضِ . 29544 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : أَكْرَهُ النَّسَأَ فِي الثِّيَابِ إِذَا كَانَ أَصْلُهَا وَاحِدًا . 29545 - قَالَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قُطْنًا ، وَالْآخَرُ كَتَّانًا ، أَوْ صُوفًا ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّسِيئَةِ فِيهِمَا . 29546 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، فَجَائِرٌ فِيهِ النَّسِيئَةُ ، وَالتَّفَاضُلُ كَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ ، وَلَا رِبَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ . 29547 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 29548 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ . 29549 - قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : لَا بَأْسَ بِقَبْضَةٍ بِقَبْضَتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ ، وَكَذَلِكَ سَائِرٌ الثِّيَابِ . 29550 - قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَخَالَفَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ فِي هَذَا . 29551 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى عَشَرَةَ أَثْوَابٍ . 29552 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كُلُّ مَا لَا يُكَالُ ، وَلَا يُوزَنُ ، فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً . 29553 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ . 29554 - وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قُبْطِيَّةٍ بِقُبْطِيَّتَيْنِ نَسِيئَةً كَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . 29555 - وَزَادَ مَعْمَرٌ فِي حَدِيثِهِ : إِنَّمَا الرِّبَا فِيمَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ . 29556 - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ بْنُ أَبِي زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ الْبَشِيرِ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ يُخَالِفُونَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، فَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْهَا ، قَوْلُهُ : لَا بَأْسَ بِقُبْطِيَّةٍ بِقُبْطِيَّتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ . 29557 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ ، قَالَ : طُفْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا أَطْلُبُ الْعِلْمَ ، فَمَا لَقِيتُ رَجُلًا أَعْلَمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ .
( 30 ) بَابُ السَّلَفِ وَبَيْعِ الْعُرُوضِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ . 1326 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ . 29506 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : آخُذُ سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا ، عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَإِنْ تَرَكَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ ، مَا اشْتَرَطَ مِنْهُ ، كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ جَائِزًا . 29507 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ ، وَسَلَفٍ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ . 29508 - مِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَحِلُّ بَيْعٌ ، وَسَلَفٌ " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 29509 - وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَقْبُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا رَوَى عَنْهُ الثِّقَاتُ ، وَإِنَّمَا الْوَاهِي مِنْ حَدِيثِهِ مَا يَرْوِيهِ الضُّعَفَاءُ عَنْهُ . 29510 - وَأَمَّا الصَّحِيفَةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَصَحِيفَةٌ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ مَعْلُومٌ مَا فِيهَا . 29511 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْكِتَابِ عَنْهُ . 29512 - رُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحْفَظَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَإِنَّهُ كَتَبَ ، وَلَمْ أَكْتُبْ . 29513 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا " . 29514 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . 29515 - وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ ، يُحْتَجُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ، وَسَمِعَ شُعَيْبٌ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . 29516 - وَقَوْلُ عَلِيٍّ هَذَا مَعَ إِمَارَتِهِ وَعِلْمِهِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَشْرُوعٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 29517 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ أَنَّ الْبَيْعَ إِذَا انْعَقَدَ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَ الْمُبْتَاعُ الْبَائِعَ سَلَفًا مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ ، أَوْ سَلَّفَ الْبَائِعُ الْمُبْتَاعَ مَعَ سِلْعَتِهِ الْمَبِيعَةِ سَلَفًا ، يَنْعَقِدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالصَّفْقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ عِنْدَهُمْ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ الثَّمَنُ بِالسَّلَفِ مَجْهُولًا ، وَالسُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْه أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الثَّمَنُ إِلَّا مَعْلُومًا . 29518 - أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ أَسْلَفَهُ خَمْسَةً ، أَوْ عَشَرَةً ، فَلَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ عَشَرَةً إِلَّا بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ السَّلَفِ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَلِذَلِكَ صَارَ الثَّمَنُ غَيْرَ مَعْلُومٍ . 29519 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : فَإِنْ تَرَكَ السَّلَفَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا ، فَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ . 29520 - وَكَانَ سَحْنُونٌ يَقُولُ : إِنَّمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِذَا لَمْ يَقْبِضِ السَّلَفَ ، وَتَرَكَ ، وَأَمَّا إِذَا قَبَضَ السَّلَفَ فَقَدْ تَمَّ الرِّبَا بَيْنَهُمَا ، وَالْبَيْعُ - حِينَئِذٍ - مَفْسُوخٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 29521 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : " فَإِنْ رَدَّ السَّلَفَ " ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ جَاءَ فِي " الْمُوَطَّأِ " : " تَرَكَ السَّلَفَ " ، لِأَنَّ رَدَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَإِذَا قَبَضَ السلف ، فَهُوَ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ . 29522 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةٍ ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يُسْلِفَهُ سَلَفًا كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا . إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي ، لَا حَاجَةَ لِي فِي السَّلَفِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ ، فَيَجُوزُ الْبَيْعُ . 29523 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْبَيْعِ ، وَالسَّلَفِ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ فَسَخَ ، وَإِنْ فَاتَ تَرَكَ الَّذِي قَبَضَ السَّلَفَ السَّلَفَ ، وَكَانَ لِلْبَائِعِ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهَا الْمُبْتَاعُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا بَاعَهَا بِهِ ، فَأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي أَسْلَفَ الْمُبْتَاعَ سَلَفًا ذَهَبًا ، أَوْ وَرِقًا مُعَجَّلًا ، فَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ مَعَهُ سَلَفًا ، وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ هُوَ الَّذِي أَسْلَفَ الْبَائِعَ فُسِخَ الْبَيْعُ أَيْضًا بَيْنَهُمَا ، وَرَجَعَ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ سِلْعَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ إِلَّا أَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهَا مِنَ الثَّمَنِ ، فَلَا يَنْقُصُ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ مَعَهُ سَلَفًا . 29524 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ ، وَإِنْ رَضِيَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ بِتَرْكِهِ . 29525 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْبَيْعَ إِذَا وَقَعَ فَاسِدًا لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ أُجِيزَ حَتَّى يُفْسَخَ ، وَيُسْتَأْنَفَ فِيهِ عَقْدٌ آخَرُ ، وَالْقِيمَةُ عِنْدَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسَلِّفُ الْبَائِعَ ، أَوِ الْمُشْتَرِيَ . 29526 - وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ : قَدْ رَوَى بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ تَرَكَ السَّلَفَ ، قَالَ : وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْبَيْعِ فَاسِدًا فِي اشْتِرَاطِ السَّلَفِ كَالْبَيْعِ فِي الْخَمْرِ ، وَالْخِنْزِيرِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَقَعَ فَاسِدًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ ، إِلَّا أَنْ يَفُوتَ ، فَيَرُدُّ السَّلَفَ ، وَيَصْلُحُ بِالْقِيمَةِ . 29526 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْبُرْكَانِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ ، وَالسَّلَفِ ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَزِقِّ خَمْرٍ أَوْ شَيْءٍ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا أَدَعُ الْزِّقَّ أَوِ الشَّيْءَ الْحَرَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ جَائِزٍ . فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ ، وَتَرْكِهِ ، وَلَيْسَ مَسْأَلَتُكَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ يَكُونُ مِثْلَ مَسْأَلَتِكَ لَوْ قَالَ : أَبِيعُكَ غُلَامِي بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنِّي إِنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَنِي زِقَّ خَمْرٍ زِدْتَنِي وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ ، ثُمَّ تَرَكَ زِقَّ الْخَمْرِ فَجَازَ الْبَيْعُ ، وَلَوْ أَخَذَهُ فُسِخَ الْبَيْعُ . 29527 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَصْنَعْ إِسْمَاعِيلُ شَيْئًا ، لِأَنَّ مُشْتَرِيَ الْزِّقِّ مِنَ الْخَمْرِ إِذَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ تَرَكَهُ كَصَاحِبِ السَّلَفِ سَوَاءً ، وَلَمْ تَقَعْ مَسْأَلَةُ السَّلَفِ الْمُشْتَرَطِ ، وَلَا مَسْأَلَةُ الْزِّقِّ مِنَ الْخَمْرِ الْمُشْتَرَطِ أَيْضًا فِي أَصْلِ الْبَيْعِ ، وَعَقْدُ الصَّفْقَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، لَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَ ، وَلَا إِنْ شِئْتَ أَنْ تُسْلِفَنِي ، فَاعْتَلَّ إِسْمَاعِيلُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ ، وَاحْتَجَّ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، وَالْأَصْلُ مَا قَدَّمْتُ لَكَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ لَا يَقَعُ مِنْ مَجْهُولٍ ، وَكَذَلِكَ الْزِّقُّ مِنَ الْخَمْرِ يَقَعُ بِهِ الثَّمَنُ مَجْهُولًا ، لِسُقُوطِ بَيْعِ الْخَمْرِ فِي الشَّرِيعَةِ ؛ ولِأَنَّهَا صِفَةٌ جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا ، فَلَوْ صَحَّحْنَا الْحَلَالَ مِنْهَا رَجَعَ الثَّمَنُ إِلَى الْقِيمَةِ ، وَالْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ .
30197 - وَعَلَى هَذَا أَوْ نَحْوِهِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : وَتَفْسِيرُ مَنْ كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ ، أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعَ بَاطِلًا . 30198 - قَالَ مَالِكٌ : وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ ؛ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ . 30199 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ ، وَأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلُهُ ، أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا ، فَيَقُولُ : هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا ؟ فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخْلَةُ وَالدُّلْسَةُ . 30200 - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْعِينَةِ مُجَوَّدًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ الْمُجَلَّدُ الْعِشْرُونَ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ وَسَنُقَفِّي مِنْ بَعْدِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُجَلَّدِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ ، وَأَوَّلُهُ ( 41 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
1379 ( 40 ) بَابُ جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحَوْلِ . 1341 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . 30140 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا يَكُونُ الْمَطْلُ مِنَ الْغَنِيِّ متى يكون إِذَا كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ طَالِبًا لِدَيْنِهِ رَاغِبًا فِي أَخْذِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيئًا غَنِيًّا وَمَطَلَهُ وَسَوَّفَ بِهِ ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ ، وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ . 30141 - وَقَدْ أَتَى الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي الظَّالِمِينَ بِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ فَقِهَهُ عَنْ قَلِيلِ الظُّلْمِ وَكَثِيرِهِ مُنْتَهِيًا ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ يَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ ، بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ . 30142 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَعْظَمُهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 30143 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 30144 - وَقَالَ : وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا 30145 - أَيْ خَابَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ بَعْضِهَا ، أَوْ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهَا عَلَى حَسَبِ مَا ارْتَكَبَ مِنَ الظُّلْمِ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ . 30146 - وَقَالَ : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا 30147 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ الظُّلْمَ فَلَا تَظَالَمُوا . 30148 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 30149 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اسْتِحْلَالِ عِرْضِهِ ، وَالْقَوْلِ فِيهِ ، وَلَوْلَا مَطْلُهُ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ مِنْهُ . 30150 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ 30151 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ . 30152 - فَمَعْنَى قَوْلِهِ : يُحِلُّ عِرْضَهُ : أَيْ يُحِلُّ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَوْلَا مَطْلُهُ وَلَيَّهُ . 30153 - وَمَعْنَى : وَعُقُوبَتَهُ : قَالُوا : السِّجْنُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يُثْبِتَ عُسْرَتَهُ ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ نَظِرَةٌ . 30154 - حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : إِذَا مَطَلَ الْغَنِيُّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ ظَالِمًا . 30155 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ ، فَلْيَتْبَعْ فَمَعْنَاهُ الْحَوَالَةُ . 30156 - يَقُولُ : إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحِلْ عَلَيْهِ . 30157 - وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، إِرْشَادٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا . 30158 - وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ إِذَا رَضِيَ بِذِمَّةِ غَرِيمِهِ ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، أَوْ عَلِمَ مِنْهُ غِنًى أَلَّا يَسْتَحِيلَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ . 30159 - وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَأَوْجَبُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَرْضًا إِذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا . 30160 - وَأَمَّا الْحَوَالَةُ فَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِيهَا ، فِي بَابِهَا مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
30194 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ ، إِنْ عِلْمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ ، لَا يُدْرَى أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ . 30195 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ كَمَا قَالَ عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ رُبَّمَا يُنْكِرُ الدَّيْنَ ، أَوْ أَتَى بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ إِذَا حَضَرَ . 30196 - وَكَذَلِكَ الْحَاضِرُ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ ، وَالْمَيِّتُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ تَسْتَغْرِقُ مَالَهُ ، أَوْ أَكْثَرَهُ .
30177 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ، ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ ، فَيُخْبِرُ الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدِ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ ، فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ : إِنَّ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ . حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ . 30178 - وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَهٌ إِلَى الرِّبَا ، وَتَخَوُّفٌ أَنْ يُدَارَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ، فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . 30179 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْعِ كَهَذَا فِي السَّلَمِ . 30180 - وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا قَالَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ : هَذَا قَدْ كِلْتُهُ ، وَصَدَّقَهُ الْمُسْلَمُ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ . 30181 - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَبَضَهُ ، جَازَ لِلْمُسْلَمِ أَخْذُهُ بِذَلِكَ . 30182 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي كَرِهَهُ مَالِكٌ ، فِي الْبَيْعِ إِلَى أَجَلٍ ، وَجَعَلَهُ ذَرِيعَةً إِلَى الرِّبَا ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْهُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْأَجَلِ . فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الْأَجَلَ ثَمَنًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دُونَ مَا قَالَهُ لَهُ مِنَ الْكَيْلِ ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَصَارَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ رِبًا ، لِمَا وَصَفْنَا ، وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الرِّبَا فِي الدَّيْنِ . 30183 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا اكْتَالَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ كِرَاءً لِنَفْسِهِ مِنْ بَائِعِهِ ثُمَّ سَلَّمَهُ إِلَى الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ كَيْلٍ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِأَكْلٍ وَلَا غَيْرِهِ ، حَتَّى يَكْتَالَهُ . 30184 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُهُمْ فِي هَذَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُصَدِّقُ الْقَابِضُ لَمَّا ابْتَاعَهُ مِنَ الطَّعَامِ مِنْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ . 30185 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ تَفْسِيرُ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ . 30186 - وَالِاسْتِيفَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَيْلٍ فِيمَا بِيعَ كَيْلًا كَانَ كَذَلِكَ سَائِرُ التَّصَرُّفِ . 30187 - وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْتَلْ وَلَمْ يَسْتَوْفِ عَلَى ذَلِكَ ، لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ مَعْلُومًا لِإِمْكَانِ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ . 30188 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ هَلَكَ الطَّعَامُ فَذَلِكَ الطَّعَامُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَكِيلَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْكَيْلِ مَعَ يَمِينِهِ . 30189 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِنِ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي وَتَصَادَفَا أَنَّهُ كِرَاءٌ كَانَ مُسْتَوْفِيًا . 30190 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنِ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ . 30191 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ ، وَإِنْ بَاعَهُ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا . 30192 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سألَ عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا ، وَأَخَذَهُ بِكَيْلِهِ الْأَقَلِّ وَصَدَّقَهُ فِيهِ ، فَلَمَّا جَازَ بِهِ كَالَهُ ، فَوَجَدَ فِيهِ زِيَادَةَ إِرْدَبٍّ ، أَوْ إِرْدَبَّيْنِ ، أَتَرَى أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا بَيِّنًا ، فَنَعَمْ . 30193 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي أَنَّهُ مَا زَادَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَمَا كَانَ مَعْهُودًا مِثْلُهُ بَيْنَ الْأَكْيَالِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَأَمَّا إِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عِنْدَ مَالِكٍ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي إِذَا قَبَضَهُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ .
1380 1342 - مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ . 30161 - هَذَا خَبَرٌ فِيهِ مِنَ الْفِقَةِ النَّهْيُ عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِمَا .
30162 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى . إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهَا فِيهِ . وَإِمَّا لِحَاجَةٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ . فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ . إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي . وَإِنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ . وَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا . 30163 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لَوْ أَنَّ الْبَائِعَ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا . فَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ أَعْرَاضَ النَّاسِ وَمَنَافِعَهُمْ تَخْتَلِفُ فِي الِاحْتِيَالِ لِلسِّلَعِ الَّتِي يَبْتَاعُونَهَا ، وَلَيْسَتِ السِّلْعَةُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمَ الَّتِي تَلْزَمُ مَنْ عُجِّلَتْ لَهُ قَبْلَ مَحِلِّ أَجَلِهَا أَخَذَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا مُؤْنَةَ لَهَا ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْعَرْضُ فِيهَا ، وَإِنِ اخْتَلَفَ مَا يُصْرَفُ فِيهِ . 30164 - وَأَمَّا مَنْ سَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَأْكُولِ ، أَوِ الْحَيَوَانِ إِلَى أَجَلٍ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِذَا قَبَضَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ . 30165 - فَرَوَى أَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَلَّمَ فِي كِبَاشٍ يُؤْتَى بِهَا فِي الْأَضْحَى ، فَلَمْ يَأْتِهِ بِهَا حَتَّى مَضَى الْأَضْحَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَخْذُهَا ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ فِي وَصَائِفَ فِي الشِّتَاءِ فَأَتَى بِهَا الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ فِي الصَّيْفِ ، أَوْ سَلَّمَ فِي قَمْحٍ لِإِبَّانٍ فَعَلُوا فِيهِ فَيَأْتِيهِ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ . 30166 - وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ . 30167 - قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ . 30168 - وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يَلْزَمُهُ أَحَدُهَا - يَعْنِي الضَّحَايَا - إِذَا أَتَاهُ بِهَا بَعْدَ الْأَضْحَى بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ . 30169 - قَالَ أَشْهَبُ : قِيلَ لَهُ : فَالرَّجُلُ يَتَكَارَى إِلَى الْحَجِّ فَيَأْتِيهِ بِهِ بَعْدَ إِبَّانِ الْحَجِّ ، أَيَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ ، يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الضَّحَايَا ، وَالْوَصَائِفِ . 30170 - قَالَ : وَلَيْسَ الْحَجُّ مِنْ هَذَا فِيمَا أَرَى ، وَلَا هُوَ مِثْلُهُ . 30171 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَلْزَمَهُ مَالِكٌ أَخْذَ الضَّحَايَا بَعْدَ الْأَضْحَى ، وَالْوَصَائِفَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الشِّتَاءِ ، قِيَاسًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى غَيْرِهَا مِنَ السِّلَعِ الْمُسْلَمِ فِيهَا ، وَعَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يَشْتَرِطُ فِيهَا أَجَلًا ، فَلَا يُوَفِّيهِ إِلَّا بَعْدَ الْأَجَلِ ، وَمَنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : لَمْ أَدْفَعْ فِي ثَمَنِ مَا سَلَّمْتُ إِلَيْكَ فِيهِ مِنَ الضَّحَايَا وَشِبْهِهَا إِلَّا لِيَأْتِيَ بِهِ بِهَا فِي وَقْتٍ أَدْرَكَ سُوقَهَا ، فَلِذَلِكَ اشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ ، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ . 30172 - وَقَاسَهُ عَلَى الْمُكْتَرِي إِلَى الْحَجِّ لَا يَأْتِيهِ كَرْيُهُ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ ، أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُ ذَلِكَ . 30173 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ فَجَاءَهُ بِهِ الْمُسَلِّفُ إِلَيْهِ خِلَافَ جِنْسِهِ ، أَوْ صِفَتِهِ ، أَوْ خَالَفَ فِي مَنْفَعَتِهِ ، أَوْ ثَمَنٍ كَانَ أَلَّا يَقْبَلَهُ . 30174 - قَالَ : وَلَوْ جَاءَهُ بِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، فَإِنْ كَانَ نُحَاسًا أَوْ تِبْرًا ، أَوْ عَرَضًا غَيْرَ مَأْكُولٍ ، وَلَا مَشْرُوبٍ ، وَلَا ذِي زَوْجٍ ، أَجْبَرْتُهُ عَلَى أَخْذِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ مَشْرُوبًا فَقَدْ يُرِيدُ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ جَدِيدًا ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا فَلَا غِنَى بِهِ عَنِ الْعَلَفِ وَالرَّعْيِ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ مُؤْنَةٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى وَقْتِهِ . 30175 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ هَذَا إِذَا كَانَ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ لِمَا فِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الْمُؤْنَةِ إِلَى وَقْتٍ مِثْلِهِ أَلَّا يَلْزَمَهُ أَخْذُهُ أَيْضًا إِذَا فَاتَتِ السُّوقُ وَالْمَوْسِمُ الَّذِي لَهُ قَصَدَ بِالشِّرَاءِ كَالضَّحَايَا وَشِبْهِهَا ؛ لِأَنَّ مَا يَفُوتُهُ هُنَا مِنَ الْفَائِدَةِ ، كَالَّذِي يَلْحَقُهُ فِيهِ مِنَ الْمُؤْنَةِ قَبْلَ الْأَجَلِ إِلَى وَقْتِ حُلُولِهِ . 30167 - وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمَةٍ لَهُ فِي الْمَطْلِ وَالتَّأْخر عَنِ الْوَقْتِ تُبْطِلُ صَفْقَتَهُ ، وَيُفْسِدُ مَا كَانَ صَحِيحًا مِنْ بَيْعِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1307 ( 10 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ 1270 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا . 28409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ طَائِفَةٌ لَا تَذْكُرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخَرْصِهَا .
1308 1271 - مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا . فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . 28410 - يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ : خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ .
28411 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ ، يُتَحَرَّى ذَلِكَ وَيُخْرَصُ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ ، وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالشِّرْكِ ، وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوعِ ، مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أَحَدًا فِي طَعَامِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ . وَلَا وَلَّاهُ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ . 28412 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْعَرَايَا : جَمْعُ عَرِيَّةٍ ، وَالْعَرِيَّةُ مَعْنَاهَا عَطِيَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ دُونَ الرِّقَابِ . 28413 - كَانَ الْعَرَبُ إِذَا دَهَمَتْهُمْ سَنَةٌ ، تَطَوَّعَ أَهْلُ النَّخْلِ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ لَا نَخْلَ لَهُ فَيُعْطِيهِ مِنْ ثَمَرِ نَخْلِهِ مَا سَمَحَتْ بِهِ نَفْسُهُ ، فَمِنْهُمُ الْمُقِلُّ ، وَمِنْهُمُ الْمُكْثِرُ . 28414 - وَالْمَصْدَرُ مِنْ ذَلِكَ الْأعْرَاءُ ، وَهُوَ مِثْلُ الْأقْفَارِ ، وَالْأحْبَالِ ، وَالْمِنْحَةِ . 28415 - وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ أَصْحَابِنَا : الْعُمْرَى وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْعُمْرَى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28416 - قَالَ الْخَلِيلُ : الْعَرِيَّةُ مِنَ النَّخْلِ الَّتِي تُعَرَّى عَنِ الْمُسَاوَمَةِ عِنْدَ بَيْعِ النَّخْلِ ، وَالْفِعْلِ الْأعْرَاءُ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَرَتَهَا لِمُحْتَاجٍ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَمْتَدِحُ بِهَا . 28417 - قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْأَمْصَارِ يَصِفُ نَخْلَةً : لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ ، وَلَا رَجَبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْمَوَاحِلِ 28418 - وَالسَّنْهَاءُ مِنَ النَّخْلِ الَّتِي تَحْمِلُ سَنَةً وَتَحُولُ سَنَةً ، وَالرَّجَبِيَّةُ الَّتِي تَمِيلُ بِضَعْفِهَا ، فَتُدَعَّمُ مِنْ تَحْتِهَا ، وَكِلَاهُمَا عَيْبٌ ، فَمَدَحَ الشَّاعِرُ نَخْلَةً بِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ . 28419 - وَأَمَّا مَعْنَى الْعَرِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا أَصِفُهُ لَكَ بِعَوْنِ اللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28420 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْعَرِيَّةُ : الرجل يُعْرِي الرَّجُلُ النَّخْلَةَ ، أَوِ النَّخَلَاتِ يُسَمِّيهَا لَهُ مِنْ مَالِهِ : لِيَأْكُلَهَا فَيَبِيعُهَا بِتَمْرٍ . 28421 - قَالَ : لَمْ يَقُلْ : يَبِيعُهَا مِنَ الْمُعْرَى ، وَلَا خَصَّ أَحَدًا . 28422 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هَنَّادٌ ، عَنْ عَبْدَةَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : الْعَرَايَا أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخَلَاتِ ، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا ، فَيَبِيعُهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا . 28423 - وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ الِاقْتِضَاءُ عَلَى الْمُعْرِي فِي الْبَيْعِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ . 28424 - فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذَا ، وَجَعَلُوا الرُّخْصَةَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا ، يَبِيعُهَا الْمُعْرِي مِمَّنْ شَاءَ رِفْقًا بِهِ ، وَرُخْصَةً لَهُ . 28425 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى الْبَائِعَ ، وَالْمُشْتَرِيَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ . 28426 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أُرْخِصَ فِي الْعَرَايَا ، النَّخْلَةُ وَالنَّخْلَتَانِ تُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ ، فَيَبِيعُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا . 28427 - قَالُوا : فَقَدْ أَطْلَقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْمُعْرِي ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ قُصِدَ بِهَا الْمُعْرِي الْمِسْكِينُ لِحَاجَتِهِ . 28428 - قَالُوا : وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْمُعْرى قَدْ مَلَكَ مَا قَدْ وُهِبَ لَهُ ، فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنَ الْمُعْرِي ، وَمِنْ غَيْرِهِ ، إِذ أَرْخَصَتْ لَهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ وَخَصَّتْهُ مِنْ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ فِي الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ . 28429 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 28430 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ; يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا ، فَقَالَ : أَنَا لَا أَقُولُ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَقُولُ : إِنَّ الْعَرَايَا أَنْ يُعَرِيَ الرَّجُلُ جَارَهُ ، أَوْ قَرَابَتَهُ ، لِلْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، فَإِذَا أَعْرَاهُ إِيَّاهَا ، فَلِلْمُعْرَى أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ ، إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَأَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا فَرَخَّصَ فِي شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ ، فَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ أَنْ تُبَاعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَيَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ . 28431 - ثُمَّ قَالَ : مَالِكٌ يَقُولُ : يَبِيعُهَا مِنَ الَّذِي أَعْرَاهَا ، وَلَيْسَ هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي ، بَلْ يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ . 28432 - قَالَ : وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ لِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ . 28433 - قَالَ الْأَثْرَمُ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : الْعَرِيَّةُ فِيهَا مَعْنَيَانِ ، لَا يَجُوزَانِ فِي غَيْرِها ، مِنْهَا أَنَّها رُطَبٌ بِتَمْرٍ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَفِيهَا أَنَّهَا تَمْرٌ بِثَمَرٍ ، يُعْلَمُ كَيْلُ التَّمْرِ ، وَلَا يُعْلَمُ كَيْلُ الثَّمَرِ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الْعَرِيَّةِ . 28434 - قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِذَا بَاعَ الْمُعْرَى الْعَرِيَّةَ أَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ التَّمْرَ السَّاعَةَ أَوْ عِنْدَ الْجِذَاذِ ؟ . قَالَ : بَلْ يَأْخُذُهُ السَّاعَةَ . 28435 - قُلْتُ لَهُ : إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ التَّمْرَ السَّاعَةَ حَتَّى يَجُذَّ . قَالَ : بَلْ يَأْخُذُهُ السَّاعَةَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . 28436 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَمَعْنَى الْعَرَايَا عِنْدَهُ إِبَاحَةُ بَيْعِ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَجَعَلَ هَذَا الْمِقْدَارِ مَخْصُوصًا مِنَ الْمُزَابَنَةِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ خَاصَّةً . 28437 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْعَرِيَّةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِي الْعَرَايَا أَلَّا تَبْلُغَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي الْجَارِ وَالْقَرِيبِ ، وَلِلْحَاجَةِ ، فَقَدْ دَخَلَ فِي تِلْكَ الرُّخْصَةِ كُلُّ مَنْ أَرَادَ بَيْعَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْ ثَمَنِ الْعَرَايَا ، وَغَيْرِ الْعَرَايَا . 28438 - وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ . 28439 - حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ - مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ - أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ : التَّمْرِ بِالثَّمَرِ إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا . 28440 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ بَيْعُ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الرُّطَبِ بِالثَّمَرِ يَدًا بِيَدٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِيمَنْ وُهِبَ لَهُ تَمْرُ نَخْلَةٍ ، أَوْ نَخَلَاتٍ ، أَوْ فِيمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ مِنْ حَائِطِهِ ، لِعِلَّةٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ . 28441 - وَالرُّخْصَةُ عِنْدَهُ إِنَّمَا وَرَدَتْ بِهِ فِي الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ ، فَخَرَجَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُزَابَنَةِ ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ ، فَهُوَ مُزَابَنَةٌ ، لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالثَّمَرِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَرَايَا ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، لَا مُتَمَاثِلًا وَلَا مُتَفَاضِلًا . 28442 - وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ; مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، أَوْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ - شَكَّ دَاوُدُ . 28443 - وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، إِلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا . 28444 - وَحَدِيثُ سَهْلٍ ، وَنَافِعٍ الْمَذْكُورَيْنِ . 28445 - وَقَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ إِلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ لِلْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُها أَهْلُهَا رُطَبًا ، قَالَ : يَعْنِي يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا الَّذِينَ يَبْتَاعُونَهَا رُطَبًا . 28446 - وَروى بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَإِمَّا غَيْرُهُ : مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ ؟ قَالَ : فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي ، وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ ، وَعِنْدَهُمْ فَضْلٌ مِنْ قُوتِهِمْ مِنَ التَّمْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَها رُطَبًا . 28447 - وَرَوَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَرِيَّةِ إِذَا بِيعَتْ ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، قَالَ : فِيهَا قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ جَائِزٌ . ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . 28448 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : يَلْزَمُهُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ; لِأَنَّهُ شَكَّ ، وَأَصْلُ بَيْعِ التَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ حَرَامٌ ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهُ إِلَّا مَا اسْتُوْفِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ ، وَذَلِكَ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . 28449 - وَالْعَرِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيمَا دُونَ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الْخَرْصَ فِي ثِمَارِهَا ، وَأَنَّهُ لَا حَائِلَ دُونَ الْإِحَاطَةِ بِهِمَا . 28450 - وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ بِالْعَرَايَا : 28451 - فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَةَ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَنَةً ، أَوْ سَنَتَيْنِ ، أَوْ مَا عَاشَ ، فَإِذَا طَابَ الثَّمَرُ وَأَرْطَبَ ، قَالَ صَاحِبُ النَّخْلِ : أَمَا أَكْفِيكُمْ سَقْيَهَا ، وَضَمَانَهَا تَمْرًا عِنْدَ الْجِذَاذِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعْرُوفَا كُلَّهُ ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ . 28452 - قَالَ : وَتَجُوزُ الْعَرِيَّةُ فِي كُلِّ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ نَحْوَ الزَّبِيبِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَلَا أَرَى صَاحِبَ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا إِلَّا مِمَّنْ فِي الْحَائِطِ مِمَّنْ لَهُ تَمْرٌ يَخْرُصُهُ . 28453 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا حَتَّى يَحِلَّ بَيْعُهَا ، وَلَا يَجُوزَ بَعْدَ مَا حَلَّ بَيْعُهَا أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا إِلَّا إلى الْجِذَاذَ . 28454 - قَالَ : وَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ ، فَلَا ، وَإِمَّا بِالطَّعَامِ ، فَلَا يَصْلُحُ أَيْضًا إِلَّا أَنْ يَجُذَّ مَا فِي رُؤوسِهِمَا مَكَانَهُ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَا بِتَمْرٍ نَقْدًا بِأَيْدِيهِمْ ، وَإِنْ جَذَّهَا فِي الْوَقْتِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنَ الَّذِي أُعْرِيَهَا بِالدَّرَاهِمِ ، وَالدَّنَانِيرِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَقْطَعَهَا . وَأَمَّا عَلَى أَنْ يَتْرُكَهَا فَلَا يَجُوزُ . 28455 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا حَمَلَ مَالِكًا عَلَى أَنَّ يَقُولَ هَذَا كُلَّهُ فِي الْعَرِيَّةِ ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَخْصُوصَةٌ بِنِسْبَتِهَا ، فَلَا يَتَعَدَّى بِهَا مَوْضِعَهَا ، وَالسُّنَّةُ عِنْدَهُ فِيهَا مَا أَدْرَكَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْفَتْوَى بِبَلَدِهِ . 28456 - وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَرِيَّةَ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ فِي حَائِطِهِ مِقْدَارَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَمَا دُونَهَا ، لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنَ الْمُعْرى عِنْدَ طِيبِ التَّمْرِ ، فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ عِنْدَ جِذَاذِ التَّمْرِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، فَإِنَّ عَجَّلَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ مِنْ حَائِطِهِ مَا شَاءَ ، وَلَكِنَّ الْبَيْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَمَا دُونَ ، وَلَا يَبِيعُهَا الْمُعْرَى بِمَا وَصَفْنَا إِلَّا مِنَ الْعُرُوضِ خَاصَّةً ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا ، إِلَّا عَلَى سُنَّةِ بَيْعِ الثِّمَارِ إِلَّا مِنَ الْمُعْرِي ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا ، إِلَّا عَلَى سُنَّةِ بَيْعِ الثِّمَارِ فِي غَيْرِ الْعَرَايَا فِي حُجَّةِ مَالِكٍ ، فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ . 28457 - مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ - مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ - قَالَ : سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا . 28458 - حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فَذَكَرَهُ . 28459 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ بَيْعِهَا مِمَّنْ كَانَ أَعَرَاهَا دُونَ غَيْرِه ; لِأَنَّهُ لَا أَهْلَ لَهَا سِوَاهُمْ . 28460 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْعَرَايَا هِيَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ الْمَسَاكِينَ يُمْنَحُونَ النَّخَلَاتِ ، فَتُرْطِبُ فِي الْيَوْمِ : الْقَفِيزُ وَالْقَفِيزَانِ ، فَلَا يَكُونُ فِيها مَا يَسَعُهُمْ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا ثَمَرَ نَخْلِهِمْ بِأَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَلَمْ يُقْصِرْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى بَيْعِهَا مِنَ الْمُعْرِي . 28461 - قَالَ : وَسَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الْعَرِيَّةِ ، وَالْوَطِيَّةِ ، وَالْأَكْلَةِ ، قَالَ : الْعَرِيَّةُ : النَّخْلَةُ يَمْنَحُهَا الرَّجُلُ أَخَاهُ ، وَالْوَطِيَّةُ : مَا يَطَأُهُ النَّاسُ ، وَالْأَكْلَةُ : مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ . 28462 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الْعَرِيَّةَ النَّخْلَةُ ، وَالنَّخْلَتَانِ لِلرَّجُلِ فِي حَائِطٍ لِغَيْرِهِ . 28463 - وَالْعَادَةُ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ بِأَهْلِيهِمْ فِي وَقْتِ الثِّمَارِ إِلَى حَوَائِطِهِمْ ، فَيَكْرَهُ صَاحِبُ النَّخْلِ الْكَثِيرِ دُخُولَ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : أَنَا أُعْطِيكَ خَرْصَ نَخْلَتِكَ تَمْرًا ، فَأُرْخِصَ لَهُمَا ذَلِكَ . 28464 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالَفَةٌ لِأَصْلِ مَالِكٍ فِي الْعَرِيَّةِ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنْهُ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِيَ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ ، ثُمَّ يُرِيدُ شِرَاءَهَا مِنْهُ ، فَأُرْخِصَ لَهُ فِي ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ . 28465 - وَرِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ هَذِهِ نَحْوُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَرِيَّةِ . 28466 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي نَخْلَةٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ لِآخَرَ لَهُ أَصْلُهَا ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بَعْدَمَا أَزْهَتْ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجِذَاذِ . 28467 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْكِفَايَةَ لِصَاحِبِهِ ، وَالرِّفْقَ بِهِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا ذَلِكَ لِدُخُولِهِ ، وَخُرُوجِهِ ، وَضَرَرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ . 28468 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الْعَرِيَّةِ . 28469 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ تُضَارِعُ رِوَايَةَ ابْنِ نَافِعٍ ، وَلَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْعَرِيَّةِ ، يُرِيدُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ . 28470 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي الْعَرِيَّةِ بِمَا يَرُدُّ سُنَّتَهَا ، وَيُبْطِلُ حُكْمَهَا ، وَأَخْرَجُوهَا مِنْ بَابِ الْبَيْعِ ، وَلَمْ يَجْعَلُوهَا مُسْتَثْنَاةً مِنَ الْمُزَابَنَةِ . 28471 - وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، قَالَ : الْعَرِيَّةُ هِيَ النَّخْلَةُ يَهَبُ صَاحِبُهَا ثَمَرَهَا لِرَجُلٍ ، وَيَأْذَنُ لَهُ فِي أَخْذِهَا ، فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَبْدُوَ لِصَاحِبِ النَّخْلَةِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُعَوِّضَهُ مِنْهُ خَرْصَهُ تَمْرًا ، فَأُبِيحَ ذَلِكَ لَهُ ، وَرُخِّصَ ; لِأَنَّ الْمُعْرى لَمْ يَكُنْ مَلَّكَهُ أَوْ مَلَكَهُ . 28472 - وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ : الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ لِلْمُعْرى أَنْ يَأْخُذَ تَمْرًا بَدَلًا مِنْ رُطَبٍ لَمْ يَمْلِكْهُ . 28473 - وَقَالَ غَيْرُهُ : الرُّخْصَةُ فِيهِ لِلْمُعْرِي ; لِأَنَّهُ كَانَ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَأُخْرِجَ مِنْ إِخْلَافِ الْوَعْدِ . 28474 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ يَرُدُّهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
30203 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ، قَبَضَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ وَلَا وَضِيعَةٌ وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ ، وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ ، وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ . 30204 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِقَالَةَ إِذَا كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ أَوْ زِيَادَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ أَنَّهَا بَيْعٌ ، وَكَذَلِكَ التَّوْلِيَةُ ، وَالشَّرِكَةُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى . 30205 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْإِقَالَةِ عَلَى وَجْهِهَا بِلَا زِيَادَةٍ ، وَلَا نُقْصَانٍ ، لَا نَظِرَةٌ ، وَلَا هِيَ بَيْعٌ ، فَيَحِلُّ فِيهَا ، وَيَحْرُمُ مَا يَحِلُّ فِي الْبَيْعِ وَيَحْرُمُ ، أَمْ هِيَ مَعْرُوفٌ ، وَإِحْسَانٌ ، وَفِعْلُ خَيْرٍ ، لَيْسَتْ بِبَيْعٍ ، وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ ، وَالتَّوْلِيَةُ . 30206 - وَكَذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ ، وَالتَّوْلِيَةَ ، وَالْإِقَالَةَ جَائِزٌ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَفِي الطَّعَامِ كُلِّهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَصُنْعِ الْمَعْرُوفِ . 30207 - وَالْحُجَّةُ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ 30208 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ . 30209 - وَقَدْ لَزِمَ الْإِقَالَةَ ، وَالتَّوْلِيَةَ وَالشَّرِكَةَ اسْمٌ غَيْرُ اسْمِ الْبَيْعِ ، فَكَذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ ، وَالطَّعَامِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَالْقَبْضِ . 30210 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا تَجُوزُ التَّوْلِيَةُ ، وَالشَّرِكَةُ فِي السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَلَا فِي الطَّعَامِ الْمَأْخُوذِ بِعِوَضٍ قَبْلَ الْقَبْضِ . 30211 - وَأَمَّا الْإِقَالَةُ ، فَاخْتِلَافُهُمْ هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَمْ فَسْخٌ عَلَى مَا أُضِيفَ لَكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّهَا مَعْرُوفٌ ، وَإِحْسَانٌ . 30212 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : الْإِقَالَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ . 30213 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَسْخٌ أَيْضًا ، وَلَا تَقَعُ إِلَّا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ لَا زِيَادَةَ ، وَلَا نُقْصَانَ ، سَوَاءٌ تَقَابَلَا بِزِيَادَةٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ ، أَوْ ثَمَنٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ . 30214 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 30215 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هِيَ بَيْعٌ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَتَجُوزُ بِالزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ ، وَبِثَمَنٍ آخَرَ . 30216 - وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ ، قَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . 30217 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ أَقَالَهُ عَلَى زِيَادَةٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ بَعْدَ الْقَبْضِ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ ، وَلَيْسَتْ بِبَيْعٍ . 30218 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ جَائِزٌ فِي السَّلَفِ بِرَأْسِ الْمَالِ ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا دَخَلَهَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ، وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا فَسْخُ بَيْعٍ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا زِيَادَةٌ ، أَوْ نُقْصَانٌ ، وَإِنَّمَا يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، إِلَّا أَنَّ حُكْمَهَا عِنْدَ حُكْمِ الْبَيْعِ الْمُسْتَأْنَفِ ، وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا قَبَضَ وَبَانَ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدِهِ . 30219 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ ، وَلَا قَوْلُ أَصْحَابِهِ فِي الْجَارِيَةِ الْمُوَاضَعَةِ لِلْحَيْضَةِ إِذَا وَقَعَتِ الْإِقَالَةُ بَعْدَ قَبْضِ سَتْرِهَا لَهَا وَعَيْنُهُ عَلَيْهَا أَنَّ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِ ، وَالْمُصِيبَةَ مِنْهُ . 30220 - وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ : لَوْ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ ، وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَمْلٌ . 30221 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ : الْمُصِيبَةُ فِيهَا عَلَى الْمُشْتَرِي . 30222 - وَقَالَ أَشْهَبُ : الْمُصِيبَةُ فِيهَا مِنَ الْبَائِعِ الْمُقَالِي ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ بِمَوْضِعٍ لِذِكْرِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِي الْبَابِ مَعْنَاهُ دُونَ مَا سِوَاهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 30223 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ : أَقِلْنِي ، وَلَكَ دَرَاهِمُ ، وَيَقُولُ لَهُ الْبَائِعُ : أَقِلْنِي ، وَأُعْطِيكَ كَذَا بِكَذَا دِرْهَمًا ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 30224 - وَقَالَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى طَعَامًا ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى قَالَ : أَقِلْنِي ، وَأُعْطِيكَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 30225 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى فِي صَدْرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنَ الْإِقَالَةِ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ هَذَا فِيهِ . 30226 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِالتَّوْلِيَةِ ، إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفُ . 30227 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . 30228 - قَالَ : وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا حَتَّى يُقْبَضَ وَيُكَالَ . 30229 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، قَالَ : التَّوْلِيَةُ ، وَالْإِقَالَةُ ، وَالشَّرِكَةُ سَوَاءٌ ، لَا بَأْسَ بِهِ . 30230 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا مُسْتَفَاضًا بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ ، إِلَّا أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ ، أَوْ يُقِيلَهُ . 30231 - وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : كُلُّ بَيْعٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُقْبَضَ إِلَّا التَّوْلِيَةَ ، وَالشَّرِكَةَ ، وَالْإِقَالَةَ . 30232 - قَالَ دَاوُدُ : وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . 30233 - وَأَمَّا الَّذِينَ جَعَلُوا ذَلِكَ بَيْعًا ، فَلَمْ يُجِيزُوا أَشْيَاءَ مِنْهُ . 30234 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : التَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فِي الطَّعَامِ ، وَغَيْرِهِ . 30235 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَنْ فِطْرٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، قَالُوا : التَّوْلِيَةُ بَيْعٌ . 20236 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَلَا يُؤْلِهِ ، وَلَا يُشْرِكْ فِيهِ ، وَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّ هَذَا عِنْدَنَا بَيْعٌ .
30237 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بَزًّا أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ ، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ ، وَنَقَدَا الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا ، ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا ، فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ يَأْخُذُ مِنَ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ ، وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيْعَهُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ ، وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ ، أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتَ مِنْهُ ، وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ ، وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ ، فَشَرْطُ الْآخَرِ بَاطِلٌ ، وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ . 30238 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى مَنْ تَكُونُ الْعُهْدَةُ فِي التَّوْلِيَةِ ، وَالشَّرِكَةِ فِي السَّلَمِ ، وَغَيْرِهِ . 30239 - فَرَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : الْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ أَبَدًا عَلَى الْبَائِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الثَّمَنُ . 30240 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِذَا كَانَ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ ، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ نَسَقٍ ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ . 30241 - وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : إِنْ وَلَّى ، أَوْ أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ ، فَتَبِعَهُ الْمُوَكِّلُ ، أَوِ الْمُشَرِّكُ عَلَى الْبَائِعِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا ، فَالتِّبَاعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، أَوْ يَكُونُ قَرِيبًا فَيَلْزَمُهُ . 30242 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّجُلُ مَا شَاءَ فِي كُلِّ مَا يَشْتَرِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ . 30243 - وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ . 30244 - ذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُ قَالَ : لَا بَأْسَ إِنْ أَنْتَ اشْتَرَيْتَ سِلْعَةً ، فَسَأَلَكَ رَجُلٌ أَنْ تُشْرِكَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ السِّلْعَةِ وَبَعْدَهُ ، فَيَكُونُ عَلَيْكَ ، وَعَلَيْهَا الرِّبْحُ ، وَالْوَضِيعَةُ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَعْرُوفَةٌ ، وَلَوْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ بَيْعًا لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُشْرَكَ فِيهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا . 30245 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي شِرَاءٍ اشْتَرَاهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . 30246 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ . 30247 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، إِلَّا فِي الْعَقَارِ ، فَإِنَّهُ أَجَازَ فِيهِ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ ، فَبَطَلَ الْقَبْضُ . 30248 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ . 30249 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي شَيْءٍ يُؤْكَلُ ، أَوْ يُشْرَبُ مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَهُوَ مَأْكُولٌ مَكِيلٌ ، وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ ، وَالشَّرِكَةُ فِيهِ ، وَالتَّوْلِيَةُ جَائِزَةٌ . 30250 - وَأَمَّا الْعُهْدَةُ فِي الشَّرِكَةِ ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا عَلَى الْمُشَرِّكِ دُونَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُشْتَرِي عُهْدَتُكَ عَلَى الْبَائِعِ كَعَهْدِي ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ تَفَاوَتَ كَانَ شَرْطُهُ بَاطِلًا ، وَكَانَتْ عُهْدَةُ الشَّرِيكِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الشَّرِكَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ بَعْدَهُ . 30251 - وَمَعْنَى الْعُهْدَةُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالْقِيَامُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَالْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ : هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَالَّذِي أَشْرَكَهُ ، وَبَيْنَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَيَكُونَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً ؟ 30252 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ فَالشَّرِكَةُ عِنْدَهُمْ جَائِزَةٌ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَالْخِصَامُ فِي كُلِّ مَا يَنْزِلُ فِيهَا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ، وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ إِلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ سَبِيلٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعَامِلْهُ فِي شَيْءٍ ، وَأَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَلَا شَرِكَةَ وَلَا خِصَامَ ، وَلَا عُهْدَةَ عِنْدَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
30253 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، وَانَقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، حِينَ قَالَ : انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ ، عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ ، وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ ، أَوْ فَاتَتْ ، أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ ، فَهَذَا مِنَ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً . 30254 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً ، فَوَجَبَتْ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ ، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا ، كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ ، بَاعَهُ نِصْفُ السِّلْعَةِ ، عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ . 30255 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَجْهَ الَّذِي لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ ، قَوْلُهُ الَّذِي يُشْرِكُهُ انْقُدْ عَنِّي ، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً . 30256 - وَهُوَ إِذَا صَحَّ ، وَصَرَّحَ بِهِ مُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَأَجَازَ الْوَجْهَ الْآخِرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ عِنْدَهُ إِلَّا بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ ، وَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ جَائِزٌ عِنْدَهُ فِي أَصْلِ مَذْهَبِهِ ، وَعِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ . 30257 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعٌ ، وَإِجَارَةٌ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ - حِينَئِذٍ - يَكُونُ مَجْهُوَلًا عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَبْلَغُهُ مِنْ مَبْلَغِ حَقَّ الْإِجَارَةِ فِي عَقْدِ السِّلْعَةِ ، وَالْإِجَارَةُ أَيْضًا بَيْعُ مَنَافِعَ ، فَصَارَ ذَلِكَ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ . 30258 - وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَيْضًا غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ ; لِمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَلِأَنَّهَا إِجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ انْعَقَدَتْ مَعَ الشَّرِكَةِ ، وَالشَّرِكَةُ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهَا بَيْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَهَا مَا تَجْهَلُ بِهِ مَبْلَغَ ثَمَنِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا . 30259 - وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُسَلِّفُ رَجُلًا سَلَفًا لِمُشَارَكَه ، فَمَرَّةً أَجَازَهُ ، وَمَرَّةً كَرِهَهُ ، وَقَالَ : لَا يَجُوزُ عَلَى حَالٍ . 30260 - وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَازَ ذَلِكَ ، فَرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَسْلَفَهُ لِيُقَادَهُ وَيَضُرَّهُ بِالتِّجَارَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ مِثْلَ مَا أَسْلَفَهُ وَتَشَارَكَا عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ جَرَّ إِلَى نَفْسِهِ بِسَلَفِهِ مَنْفَعَةً ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ ، وَالْمَعْرُوفِ . 30261 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : فَمَرَّةً أَجَازَهُ ، وَمَرَّةً كَرِهَهُ .
( 41 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ . 1343 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ . وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا : إِنَّهُ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ ، الرَّقْمِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ يَشْتَرَطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى ، فَإِنِّي أَرَاهُ شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءٌ ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوَتٌ فِي الثَّمَنِ . 30201 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الثُّنْيَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ لَا يُجِيزُونَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ جُمْلَةِ الثِّيَابِ ، وَالْغَنَمِ ، وَالدَّوَابِّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ شَيْئًا يَخْتَارُهُ الْبَائِعُ ; لِأَنَّ مَا عَدَا الْمُخْتَارَ لَيْسَ بِزَائِدٍ عِنْدَهُمْ ، وَكَذَلِكَ مَنِ اسْتَثْنَى مِنَ التَّمْرِ ، أَوِ الصُّبَرِ كَيْلًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِهِ . 30202 - وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا عَلَى أَصْلِهِ وَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَ قَوْلِهِ .
30330 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا مَا بِيعَ مِنَ السِّلَعِ الَّتِي لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا الْمُبْتَاعُ شَيْئًا ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ نَفَقَتْ وَارْتَفَعَ ثَمَنُهَا ، فَصَاحِبُهَا يَرْغَبُ فِيهَا وَالْغُرَمَاءُ يُرِيدُونَ إِمْسَاكَهَا ، فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا رَبَّ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ ، وَلَا يُنْقِصُوهُ شَيْئًا ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ سِلْعَتَهُ ، وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَدْ نَقَصَ ثَمَنُهَا ، فَالَّذِي بَاعَهَا بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَلَا تِبَاعَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ ، فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ غَرِيمًا مِنَ الْغُرَمَاءِ ، يُحَاصُّ بِحَقِّهِ ، وَلَا يَأْخُذُ سِلْعَتَهُ ، فَذَلِكَ لَهُ . 30331 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا نَقَصَتِ السِّلْعَةُ فَلَا خَلافَ فِيمَا حَكَاهُ مَالِكٌ عِنْدَ كُلِّ مَنِ اسْتَعْمَلَ حَدِيثَ التَّفْلِيسِ ، جَمِيعُهُمْ يَقُولُ بِذَلِكَ ، فَأَمَّا إِذَا زَادَتِ السِّلْعَةُ فِي سُوقِهَا لِزِيَادَةٍ فِي سِعْرِهَا ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافَ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَبِعَهُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ لِلْغُرَمَاءِ خِيَارًا فِي السِّلْعَةِ ، كَمَا لَيْسَ لِلْمُفْلِسِ خِيَارٌ وَوَجْهُ أَقْوَالِهِمْ بَيِّنَةٌ يُسْتَغْنَى عَنِ الْقَوْلِ فِيهَا .
1382 ( 42 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْلَاسِ الْغَرِيمِ 1344 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا ، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا ، فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . 1345 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ ، فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ . 30262 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّإِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ عِنْدَ مَالِكٍ . 30263 - وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ الْمُوَطَّأِ سَوَاءٌ . 30264 - وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ : فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْنَدَهُ ، فَجَعَلَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرُّوَاةَ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 30265 - وَأَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَمُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ : وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، لَيْسَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 30266 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ ، فَوَجَدَ غَرِيمُهُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، لَمْ يَذْكُرِ الْمَوْتَ ، وَلَا حُكْمَهُ . 30267 - كَذَلِكَ رَوَاهُ قَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 30268 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ ، فَوَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا دُونَ الْغَيْرِ لَمْ يَذْكُرِ الْمَوْتَ وَلَا حُكْمَهُ . 30269 - وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ ، قَالَ : أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ ، أَوْ أَفْلَسَ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَسَوَّى فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ الْمَوْتِ ، وَالْفَلَسِ . 30270 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ التَّفْلِيسِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ نَقْلِ الْحِجَازِيِّينَ ، وَالْبَصْرِيِّينَ ، رَوَاهُ الْعُدُولُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَفَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ ، مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ ، وَرَدُّوهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا مِمَّا عُيِّبُوا بِهِ ، وَعُدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي رَدُّوهَا بِغَيْرِ سُنَّةٍ صَارُوا إِلَيْهَا ; لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا الْقِيَاسَ ، وَالنَّظَرَ حَيْثُ لَا مَدْخَلَ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاعْتِبَارُ ، وَالنَّظَرُ عِنْدَ عَدَمِ الْآثَارِ . 30271 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ السِّلْعَةَ مِنَ الْمُشْتَرِي وَثَمَنُهَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهَا كَسَائِرِ مَالِهِ ، وَهَذَا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ ، وَلَكِنَّ الِانْقِيَادَ إِلَى السُّنَّةِ أَوْلَى بِمُعَارَضَاتِهَا بِالرَّأْيِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَعَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ . 30272 - ذَكَرَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ كَثِيرًا إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُقَالُ لَهُ : مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ أَوْ مَا رَأْيُكَ ؟ فَيَقُولُ : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ 30273 - وَمِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ الشَّافِعِيِّ كَثِيرٌ . 30274 - وَمِمَّنْ قَالَ بِحَدِيثِ التَّفْلِيسِ جُمْلَةً ، وَاسْتَعْمَلَهُ - وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي أَشْيَاءَ مِنْ فُرُوعِهِ - : فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّامِ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 30275 - وَلَا أَعْلَمَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ سَلَفًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : وَفِيهِ إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا . 30276 - وَأَحَادِيثُ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، لَا يَرَوْنَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا انْفَرَدَ بِهَا حُجَّةً . 30277 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : هُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ شَرْعٌ سَوَاءٌ . 30278 - وَلَيْسَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ حُجَّةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ . 30279 - وَيُشْبِهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَهُ فِي الْمُسْكِرِ .
30280 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ مَتَاعًا ، فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ بِعَيْنِهِ ، أَخَذَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ ، وَفَرَّقَهُ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، لَا يَمْنَعُهُ مَا فَرَّقَ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ ، أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ بِعَيْنِهِ ، فَإِنِ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا ، فَأَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ ، وَيَكُونَ فِيمَا لَمْ يَجِدْ إِسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ، فَذَلِكَ لَهُ . 30281 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ بِغَيْرِ مَالِهِ فِي الْفَلَسِ أَنَّهُ أَحَقُّ أَيْضًا بِمَا وَجَدَ عَنْهُ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ ذَلِكَ أَوْ فَوَّتَهُ بِوُجُوهِ الْفَوْتِ ; لِأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْ سِلْعَتِهِ هُوَ عَيْنُ مَالِهِ ، لَا شَكَّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْهُ . 30282 - قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ وَجَدَ نِصْفَ سِلْعَتِهِ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ ، قَالَ : أَرَى أَنْ يَأْخُذَهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَيُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي . 30283 - وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : لَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ ، فَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ ، وَبَقِيَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ لَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ ، أَوِ النِّصْفُ الَّذِي قَبَضَ ، ثَمَنَ الْهَالِكِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُمَا بِمِائَةٍ ، فَقَبَضَ تِسْعِينَ ، فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْآخَرُ رَهْنًا بِعَشَرَةٍ . 30284 - هَكَذَا رَوَى الْمُزَنِيُّ . 30285 - وَرَوَى الرَّبِيعُ عَنْهُ ، قَالَ : لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ ، أَوْ ثَوْبَيْنِ فَبَاعَهُمَا بِعِشْرِينَ قَبَضَ عَشَرَةً ، وَبَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِمَا عَشَرَةٌ كَانَ شَرِيكًا فِيهَا بِالنِّصْفِ ، يَكُونُ نِصْفُهُمَا لَهُ ، وَالنِّصْفُ لِلْغُرَمَاءِ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ . 30286 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ فِي التَّفْلِيسِ دِرْهَمٌ لَمْ يَرْجِعْ مِنَ السِّلْعَةِ إِلَّا بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ . 30287 - وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْمُفْلِسِ عَيْنُ مَالِ الْبَائِعِ وَقِيمَتُهُ بِمِقْدَارِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ جُعِلَ لَهُ أَخْذُهُ ، فَلَهُ أَخْذُهُ دُونَ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ . 30288 - وَقَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدَيْنِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَانْتَقَدَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسِينَ ، وَبَقِيَتْ عَلَى الْغَرِيمِ خَمْسُونَ ، ثُمَّ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَحَدَ عَبْدَيْهِ ، وَفَاتَهُ الْآخَرُ ، فَأَرَادَ أَخْذَهُ بِالْخَمْسِينَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ ، وَقَالَ : الْخَمْسُونَ الَّتِي أَخَذْتُ ثَمَنُ الْعَبْدِ الذَّاهِبِ ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ : بَلِ الْخَمْسُونَ الَّتِي أَخَذْتَ ثَمَنُ هَذَا . فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْعَبْدَانِ سَوَاءً ، رَدَّ نِصْفَ مَا قَبَضَ ، وَلَكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا ، وَأَخَذَ الْعَبْدَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنما اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ كُلِّ عَبْدٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا . 30289 - قَالَ : وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ عَبْدًا وَاحِدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَاقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ خَمْسِينَ رَدَّ الْخَمْسِينَ إِنْ أَحَبَّ وَأَخَذَ الْعَبْدَ . 30290 - قَالَ أَشْهَبُ : وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي رَوَايَا الزَّيْتِ ، وَغَيْرِهَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ . 30291 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ : الْعَبْدُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ إِذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ سَوَاءً ; لِأَنَّهُ مَالُهُ بِعَيْنِهِ وَجَدَهُ عِنْدَ غَرِيمِهِ ، وَقَدْ أَفْلَسَ ، وَالَّذِي قَبَضَهُ ، وَثَمَنَ مَا فَاتَ إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ سَوَاءً كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَاحِدًا ، وَقَبَضَ نِصْفَ لُبِّهِ ، كَانَ ذَلِكَ النِّصْفُ لِلْغُرَمَاءِ وَكَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي لَهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ ; لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِمَا أَخَذَ . 30292 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ : فَإِنِ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا ، فَأُحِبُّ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى آخَرَ قَوْلِهِ . فَقَدْ خَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالُوا : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُ مَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ ، لَا غَيْرَ ذَلِكَ ; لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَ ثَمَنَهَا كُلَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَيْهَا سَبِيلٌ ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ ثَمَنَ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ إِلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ سَبِيلا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بَعْضَ الثَّمَنِ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ ، لَوْ قَبَضَهُ . 30293 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، قَوْلُهُ : وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا . 20294 - وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا قَبَضَ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهَا ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا . 30295 - وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا : دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ أَيْضًا ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 30296 - وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْمُفْلِسِ يَأْبَى غُرَمَاؤُهُ دَفْعَ السِّلْعَةِ إِلَى صَاحِبِهَا ، وَقَدْ وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا ، وَيُرِيدُونَ دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ لِمَا لَهُمْ فِي قَبْضِ السِّلْعَةِ مِنَ الْفَضْلِ : 30297 - فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَهُمْ ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ أَخْذُهَا إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهُا . 30298 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ هَذَا مَقَالٌ : قَالَ : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُفْلِسِ ، وَلَا لِوَرَثَتِهِ أَخْذُ السِّلْعَةِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ صَاحِبَهَا أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ ، فالْغُرَمَاءُ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا ، وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِثَمَنِهَا . 30299 - وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَجَمَاعَةٌ . 30300 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي الْمُفْلِسِ يَمُوتُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، وَقَبْلَ تَوْقِيفِهِ : 30301 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ حُكْمُ الْفْلِسِ كَحُكْمِ الْمَوْتِ ، وَبَائِعُ السِّلْعَةِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْفَلَسِ . 30302 - وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 30303 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوْتِ ، وَالْفَلَسِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ . 30304 - وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ آخَرُ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفْلِسَ يُمْكِنُ أَنْ تَطْرَأَ لَهُ ذِمَّةٌ ، وَلَيْسَ الْمَيِّتُ كَذَلِكَ . 30305 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَوْتُ وَالْفَلْسُ سَوَاءٌ ، وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا . 30306 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِيهِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ . 30307 - فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ ذِكْرَ الْمَوْتِ زِيَادَةً مَقْبُولَةً ، وَرَدَتْ فِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الصَّحِيحُ فِيهِ الْإِرْسَالُ . 30308 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَلَى نَصِّ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَذَكَرَ فِيهِ الَّذِي ذَكَرُوا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حُكْمَ الْمُفْلِسِ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْتِ ، وَالْفَلَسِ ، فَيَنْبَغِي أَلَّا تَكُونَ زِيَادَةُ أَبِي الْمُعْتَمِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَلْدَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَيِّتِ ، وَالْمُفْلِسِ مَقْبُولَةً ; لِأَنَّهَا قَدْ عَارَضَهَا مَا يَدْفَعُهَا . 30309 - وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مُبْتَاعٍ أَحَقُّ بِمَا ابْتَاعَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْزُونٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ لَا مَعَارِضَ لَهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ . 30310 - هَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ وَمَا عَدَاهَا ، فَمَصْرُوفٌ إِلَى الْأَصْلِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
30311 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ ; غَزْلًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ بُقْعَةً مِنَ الْأَرْضِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَى عَمَلًا ، بَنَى الْبُقْعَةَ دَارًا ، أَوْ نَسَجَ الْغَزَلَ ثَوْبًا . ثُمَّ أَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَبُّ الْبُقْعَةِ : أَنَا آخُذُ الْبُقْعَةَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْبُنْيَانِ : إِنَّ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَكِنْ تُقَوَّمُ الْبُقْعَةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا أَصْلَحَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ يُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُ الْبُقْعَةِ ؟ وَكَمْ ثَمَنُ الْبُنْيَانِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ ؟ ثُمَّ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي ذَلِكَ ، لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْبُنْيَانِ . 30312 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَتَكُونُ قِيمَةُ الْبُقْعَةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الْبُنْيَانِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ الثُّلْثُ ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ الثُّلُثَانِ . 30313 - قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الْغَزْلُ ، وَغَيْرُهُ ، مِمَّا أَشْبَهَهُ ، إِذَا دَخَلَهُ هَذَا ، وَلَحِقَ الْمُشْتَرِي دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ عِنْدَهُ ، وَهَذَا الْعَمَلُ فِيهِ . 30314 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا رَوَى الرَّبِيعُ ، وَغَيْرُهُ عَنْهُ : وَلَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ دَارًا فَبُنِيَتْ ، أَوْ بُقْعَةً ، فَغُرِسَتْ ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ رُدَّتْ لِلْبَائِعِ الدَّارُ كَمَا كَانَتْ ، وَالْبُقْعَةُ حِينَ بَاعَهَا ، وَلَمْ أَجْعَلْ لَهُ الزِّيَادَةَ ، ثُمَّ خَيَّرْتُهُ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ ، وَالْغِرَاسِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ ، أَوْ يَكُونُ لَهُ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ لَا عِمَارَةَ فِيهَا ، وَتَكُونُ الْعِمَارَةُ الْحَادِثَةُ فِيهَا تُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ سَوَاءً بَيْنَهُمْ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ وَالْغَرِيمُ : أَنْ يَقْلَعُوا الْبُنْيَانَ ، وَالْغَرْسَ ، وَيَضْمَنُوا لِرَبِّ الْأَرْضِ مَا نَقَصَ الْأَرْضَ الْقَطْعُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ . 30315 - قَالَ : وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا ، فَغَرَسَهَا الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَأَبَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِقِيمَةِ الْغَرْسِ الَّذِي فِيهَا ، وَأَبَى الْغُرَمَاءُ ، أَوِ الْغَرِيمُ أَنْ يَقْلَعُوا الْغَرْسَ ، وَيُسَلِّمُوا الْأَرْضَ إِلَى رَبِّهَا ، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ إِلَّا الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَ بِهِ الْأَرْضَ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ . 30316 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَلْخِيصُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ أَنَّ لِلْبَائِعِ مَا فِيهِ مِنْ الْأَرْضِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ بِنَاءٌ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَعْطَى قِيمَةَ الْبِنَاءِ ، وَأَخَذَ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءَ ، وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ . 30317 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَعَلَى مَا قَدَّمْتُ لَكَ ، مَالُ الْمُفْلِسِ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ لِلْغُرَمَاءِ ، الَّذِي فَلَّسَهُ الْقَاضِي لَهُمْ دُونَ صَاحِبِ الْمُسَاقَاةِ ، وَهُوَ فِيهَا كَأَحَدِهِمْ . 30318 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَنْ بَاعَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ فَلَسَ ، قِيلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ : إِنْ شِئْتَ ، فَلَكَ الْأَرْضُ إِذَا حُصِدَ الطَّعَامُ ، وَإِنْ شِئْتَ ، فَاضْرِبْ مَعَ الْغُرَمَاءِ . 30319 - قَالَ : وَالْغَرِيمُ يَأْخُذُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ إِذَا وَجَدَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ ، قَدْ وَقَفَ الْقَاضِي مَالَهُ ، يَأْخُذُهُ نَاقِصًا فِي بَدَنِهِ إِنْ شَاءَ ، وَزَائِدًا ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِهُ بِعَيْنِهِ لِسِمَنٍ ، وَلَا لِهُزَالٍ إِنْ أَرَادَ أَخْذَ سِلْعَتِهِ بِعَيْنِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرْكَهَا ، وَالضَّرْبَ بِثَمَنِهَا مَعَ الْغُرَمَاءِ ، فَذَلِكَ لَهُ وَكُلُّ مَا اسْتَغَلَّهُ الْمُشْتَرِي فِيهَا قَبْلَ تَوْقِيفِ الْقَاضِي مَا لهُ ، فَهُوَ لَهُ بِضَمَانِهِ عَلَى سُنَّةِ الْغَلَّةِ ، وَالْخَرَاجِ فِي الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ . 30320 - قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَمْحًا ، فَطَحَنَهُ ، أَخَذَ الْغَرِيمُ الدَّقِيقَ ، وَغَرِمَ ثَمَنَ الطَّحْنِ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدَّقِيقَ ، وَيَكُونُ الْغُرَمَاءُ شُرَكَاءَهُ فِي قِيمَةِ الطَّحْنِ . 30321 - وَالطَّحَّانُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . 30322 - وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ ، رَوَاهُ الرَّبِيعُ : أَنَّ لِلطَّحَّانِ حَبْسَ الدَّقِيقِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ كَالرَّهْنِ . 30323 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا ، فَصَبَغَهُ ، أَوْ خَاطَهُ ، أَوْ قَصَّرَهُ ، فَالْغُرَمَاءُ شُرَكَاءُ فِي قِيمَةِ الصَّبْغِ ، وَأَمَّا الْقَصَّارُ ، وَالْخَيَّاطُ ، فَإِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَائِمٍ بِعَيْنِهِ مِثْلَ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ . 30324 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحَائِكِ يَجِدُ الثَّوْبَ الَّذِي نَسَجَهُ بِيَدِ رَبِّهِ مُفْلِسًا : 30325 - فَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كُلَّ صَانِعٍ يَجِدُ صَنْعَتَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُ عَمَلِ يَدِهِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . 30326 - وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ شَرِيكٌ بِالنَّسْجِ ، كَمَا يَكُونُ الصَّبَّاغُ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ . 30327 - قَالَ سَحْنُونٌ : وَالْخَيَّاطُ شَرِيكٌ لِخِيَاطَتِهِ . 30328 - وَخَالَفَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْأَجِيرِ عَلَى السَّقْيِ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ إِذَا أَفْلَسَ صَاحِبُهَا ; قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هُوَ إِسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : بَلْ هُوَ كَالصَّبَّاغِ ، هُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ . 30329 - وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ بَيْنَهُمْ ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ ، وَذَكَرْنَا مَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ فِي الْكِتَابِ الْكَافِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
30332 - وَقَالَ مَالِكٌ ، فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً ، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ أَفْلَسَ ( الْمُشْتَرِي ) : فَإِنَّ الْجَارِيَةَ أَوِ الدَّابَّةَ وَوَلَدَهَا لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْغُرَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَيُعْطُونَهُ حَقَّهُ كَامِلًا ، وَيُمْسِكُونَ ذَلِكَ . 30333 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْبَائِعِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَالْغَلَّةِ وَالْخَرَاجِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ دُونَ الْبَائِعِ . 30334 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ بَاعَهُ أَمَةً ، فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَفْلَسَ كَانَتْ لَهُ الْأَمَةُ إِنْ شَاءَ ، وَالْوَلَدُ لِلْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى كَانَتْ لَهُ حُبْلَى ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْآبَاءَ كَالْوِلَادَةِ . 30335 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى أَصْلِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ . 30336 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْغُرَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَيُعْطُونَهُ حَقَّهُ كَامِلًا ، وَيُمْسِكُونَ ذَلِكَ . 30337 - وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى خِلَافِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْبَابِ .
30364 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبِضَ مَنْ أَسْلَفَ شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ أَوِ الطَّعَامِ أَوِ الْحَيَوَانِ ، مِمَّنْ أَسْلَفَهُ ذَلِكَ ، أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفَهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ مِنْهُمَا ، أَوْ عَادَةٍ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ ، أَوْ أْيٍ ، أَوْ عَادَةٍ ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى جَمَلًا رَبَاعِيًا خِيَارًا مَكَانَ بَكْرٍ اسْتَسْلَفَهُ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اسْتَسْلَفَ دَرَاهِمَ ، فَقَضَى خَيْرًا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى طِيبِ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْتَسْلِفِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ وَلَا وَأْيٍ وَلَا عَادَةٍ ، كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ . 30365 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمَ خِلَافًا فِيمَنِ اشْتَرَطَ لِلزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ أَنَّهُ رِبًا حَرَامٌ ، لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، وَأَمَّا الْعَادَةُ ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ ، وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ حَرَامًا ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ ، إِذَا وَقَعَ ، وَلَا تُعْلَمُ صِحَّتُهُ مَا لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْطَعُ دُونَهَا وَأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَمْوَالِ ، وَمَنْ حَكَمَ بِذَلِكَ اسْتَعْمَلَ الظَّنَّ ، وَحَكَمَ بِغَيْرِ الْيَقِينِ ، فَالْأَحْكَامُ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْحَقَائِقِ ، لَا عَلَى الظُّنُونِ ، وَمَنْ تَوَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ نَالَ فَضْلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30366 - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَكْلُ هَدِيَّةِ الْغَرِيمِ ، وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا . 30367 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةَ تَحْرِيمِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا مَعْرُوفًا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ هَدِيَّتُهُ إِلَيْهِ لِمَكَانِ دَيْنِهِ . 30368 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ . 30369 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِنِ اشْتَرَطَ فِي السَّلَفِ زِيَادَةً كَانَ حَرَامًا ، وَإِنِ اشْتَرَطَ عَلَى الْغَرِيمِ هَدِيَّةً كَانَ حَرَامًا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ . 30370 - قَالُوا : وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً ، لَا خَيْرَ فِيهِ . 30371 - وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ . 30372 - قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهَذَا عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مَشْرُوطَةً ، وَأَمَّا إِذَا أَهْدَى إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُ ، فَلَا بَأْسَ به عِنْدَهُمْ . 30373 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَكْرَهُ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ ، أَوْ يَأْكُلَ عِنْدَهُ . 30374 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ هَدِيَّةَ غَرِيمِهِ . 30375 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَهُ أَجْوَدَ مِنْ دَيْنِهِ ، أَوْ دُونِهُ إِذَا تَرَاضَيَا ذَلِكَ . 30376 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ كَانَ اخْتِلَافُ الْخَلَفِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا . 30377 - فَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا كُلَّ هَدِيَّةِ الْغَرِيمِ . 30377 م - وَرَوَى نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ له صَدِيقٌ يُسْلِفُهُ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُهْدِي لَهُ . 30378 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : إِذَا أَقْرَضْتَ رَجُلًا قَرْضًا ، فَلَا تَرْكَبُ دَابَّتَهُ ، وَلَا تَقْبَلْ هَدِيَّتَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَرَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مُخَالَطَةٌ . 30379 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا رُخْصَةٌ . 30380 - وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ جَيِّدٌ وَهُوَ حُجَّةٌ ، وَمَلْجَأٌ لِمَنْ قَالَ بِهِ . 30381 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ ; جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ، عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ ، قَالَ : لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ خَرَجْنَا فِي رَكْبٍ ، وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا ، حَتَّى نَزَلْنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَبَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ إِذْ أَتَى رَجُلٌ عَلَيْها ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ ؟ فَقُلْنَا لَهُ : مِنَ الرَّبَذَةِ ، وَمَعَنَا جَمَلٌ أَحْمَرُ أَتَبِيعُونِي الْجَمَلَ ؟ قَالَ : قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : بِكَمْ ؟ قُلْنَا : بِكَذَا أَوْ كَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، فَأَخَذَهُ وَلَمْ يُعْطِنَا شَيْئًا ، قَالَ : قَدْ أَخَذْتُهُ ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ الْجَمَلِ حَتَّى تَوَارَى بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ . قَالَ : فَتَلَاوَمْنَا فِيمَا بَيْنَنَا ، قُلْنَا : أَعْطَيْتُمْ جَمَلَكُمْ رَجُلًا لَا تَعْرِفُونَهُ ، فَقَالَتِ الظَّعِينَةُ : لَا تَلَاوَمُوا ، لَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مَا كَانَ لِيَحْقِرَكُمْ ، مَا رَأَيْتُ رُجَلًا أَشْبَهَ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ وَجْهِهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ أَتَانَا رَجُلٌ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْكُمْ ، وَهُوَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا حَتَّى تَشْبَعُوا ، وَأَنْ تَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا ، وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا ، وَاكْتَلْنَا حَتَّى اسْتَوْفَيْنَا . 30382 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ أَكْلِ طَعَامِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُطْعِمَ مَا لَا يَحِلُّ . 30383 - وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . 30384 - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 30385 - وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْ دَيْنٍ أَقْرَضَهُ ، أَوْ بَيْعٍ بَاعَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ مَا زَادَ بِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ ، شُكْرًا لَهَا ، وَأَنْ يَأْكُلَ طَعَامَهُ ، وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ . 30386 - وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمِثْلِهِ ، فَلَيْسَ بِرِبًا . 30387 - وَقَضَى الْإِجْمَاعُ أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ رِبًا ، فَكَانَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنَ الْحَلَالِ الْبَيِّنِ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنَ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
1384 ( 43 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ 1346 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . 1347 - مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَضَاهُ دَرَاهِمَ خَيْرًا مِنْهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي أَسْلَفْتُكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَدْ عَلِمْتُ وَلَكِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ . 30338 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْمَكْتُوبِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي ; فَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ - اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الصَّدَقَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، لَا تَحِلُّ لَهُ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِسْلَافَهُ الْجَمَلَ الْبَكْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ; وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَهُ الْجَمَلَ لِمَسَاكِينَ بَلْدَةٍ ; لَمَّا رَأَى مِنْ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ ، فَاسْتَقْرَضَهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، كَمَا يَسْتَقْرِضُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ مِنْ مَالِهِ إِذَا طَرَأَ لَهُ مَالٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا تَنَازُعَ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 30339 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَالِ الْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ الْجَمَلُ الْبَكْرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : 30340 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَقْرَضُ مِنْهُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَلَا تَلْزَمُهُ زَكَاةٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ ، إِمَّا لِجَائِحَةٍ لَحِقَتْ مَالَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَصَارَ الْمَالُ لِغَيْرِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لِلزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ صَدَقَتَهُ وَلَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِهَا ، وَكَانَ وَقْتُ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَخُرُوجِ السَّعَاةِ وَقْتًا وَاحِدًا يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهِ ، وَاسْتَوْفَى مِنْهُ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي ، فَلَمَّا لَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ صَدَقَةً عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ممن تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ فِي مَاشِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ الَّذِي لَهُ أُخِذَتْ صَدَقَتُهُ ، إِمَّا لِقُصُورِ نِصَابِهِ بِالْآفَةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى مَاشِيَتِهِ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ وَصَفْنَا بَعْضَهُ فَوَجَبَ رَدُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ إِلَيْهِ . 30341 - وَمِثَالُ الِاسْتِسْلَافِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِلرَّجُلِ : أَقْرِضْنِي عَلَى زَكَاتِكِ لِأَهْلِهَا ، فَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ بِتَمَامِ مِلْكِكِ النِّصَابَ حَوْلًا ، فَذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ دَيْنٌ لَكَ أَرُدُّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصَّدَقَةِ . 30342 - وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا بِحَوْلٍ وَاحِدٍ . 3 4 303 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 30344 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحِكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى . 30345 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِمَا فِي يَدِهِ ، وَلِمَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْحَوْلِ وَبَعْدَهُ لِسِنِينَ . 30346 - وَقَالَ : التَّعْجِيلُ عَمَّا فِي يَدِهِ جَائِزٌ ، وَلَا يَجُوزُ عَمَّا يَسْتَفِيدُهُ . 30347 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِسِنِينَ . 30348 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ إِلَّا بِيَسِيرٍ . 30349 - وَالشَّهْرُ وَنَحْوُهُ عِنْدَهُمْ يَسِيرٌ . 30350 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحَلِّهَا بِيَسِيرٍ ، وَلَا كَثِيرٍ ، وَمَنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا كَالصَّلَاةِ . 30351 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 30352 - وَرَوَى خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ . 30353 - وَاخْتُلِفَ عَلَى أَشْهَبَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِقَلِيلٍ ، وَلَا كَثِيرٍ كَالصَّلَاةِ . وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 30354 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا : قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَهَا ، وَقَوْلِ مَنْ لَمْ يُجِزْ . 30355 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا ، فَالْقِيَاسُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَى سَائِرِ مَا يَجِبُ مُؤَقَّتًا كَالْحَجِّ ، وَعَرَفَةَ ، وَرَمَضَانَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَقَّتَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَمَلُهَا قَبْلَ أَوْقَاتِهَا ، وَأَزْمَانِهَا . 30355 م - وَمَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَهَا قَبْلَ سَنَتِهَا قَاسَهَا عَلَى الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ تَعْجِيلِهَا قَبِلَ إِحَالِهَا إِذَا تَبَرَّعَ بِذَلِكَ . 30356 - وَفَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ; بِأَنَّ الصَّلَاةَ يَسْتَوِي النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي وَقْتِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَوْقَاتُ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ حَوْلَ زَيْدٍ فِي الزَّكَاةِ غَيْرُ حَوْلِ عَمْرٍو ، وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَمْ تُشْبِهِ الصَّلَاةَ ; لِمَا وَصَفْنَا . 30357 - وَأَمَّا مَنْ أَبَى جَوَازَ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ فَقَدْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى آلِهِ ، وَعَلَى الْأَغْنِيَاءِ . 30358 - وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْتَقْرَضَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ يَرُدَّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ لَهُمْ . 30359 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : أَنَّ الْمُسْتَقْرَضَ مِنْهُ غَنِيٌّ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَقْرَضَ مِنْهُ ، وَهُوَ غَنِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ؟ 30360 - وَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِجَاجَ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا ذَهَبَ كُل واحد مِنْهُمَا إِلَيْهِ وَتَأْوِيلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . 30361 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِثْبَاتُ الْحَيَوَانِ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِقْرَاضِ ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَافُ . 30362 - وَإِذَا جَازَ اسْتِقْرَاضُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِقْرَاضِ - وَهُوَ الِاسْتِسْلَافُ - جَازَ السَّلَمُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ عَرَضٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ . 30363 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1349 - مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ . فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلًا سَلَفًا ، وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَذَلِكَ الرِّبَا . قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ ; سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ ، فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ ; لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ ، فَذَلِكَ الرِّبَا ، قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ ، فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ ، وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ ، شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ . 1350 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إِلَّا قَضَاءَهُ . 1351 - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ ، فَهُوَ رِبًا . 30389 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا رِبًا فِي الزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرَطَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مَا كَانَتْ ، فَهَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ رِبًا ، وَالْوَأْيُ وَالْعَادَةُ مِنْ قَطْعِ الذَّرَائِعِ . 30390 - وَمَنْ تَرَكَ مَا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ مَخَافَةَ مُوَاقَعَةِ مَا بِهِ بَأْسٌ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : وَاتْرُكْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُ ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْ مَا يَرِيبُكَ لِمَا لَا يَرِيبُكَ . 30391 - وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : اتْرُكُوا الرِّبَا ، وَالرِّيبَةَ ، وَالْوَأْيَ . وَالْعَادَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ الرِّيبَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
30392 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ مَنِ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْوَلَائِدِ ، فَإِنَّهُ يَخَافُ فِي ذَلِكَ الذَّرِيعَةَ إِلَى إِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ فَلَا يَصْلُحُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ يَسْتَسْلِفَ الرِّجْلُ الْجَارِيَةَ ، فَيُصِيبُهَا مَا بَدَا لَهُ ، ثُمَّ يَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا بِعَيْنِهَا ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَلَا يَحِلُّ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَلَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِأَحَدٍ . 30393 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا ، وَحَدِيثًا فِي اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ ، وَاسْتِسْلَافِهِ ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ ، وَأَبَاهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ ، وَرَخَصَّ فِيهِ آخَرُونَ . 30394 - فَمَنْ كَرِهَهُ ، وَلَمْ يُجِزْهُ ، وَلَا أَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ . 30395 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ . 30396 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ صِفَتِهِ ; لِأَنَّ مِشْيَتَهُ ، وَحَرَكَتَهُ ، وَجَرْيَهُ ، وَمَلَاحَتَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ ، وَلَا يُدْرَكُ ذَلِكَ بِوَصْفٍ ، وَلَا يُضْبَطُ بِنَعْتٍ ; لِأَنَّ قَارِحًا أَخْضَرَ غَيْرُ قَارِحٍ غَيْرِ أَخْضَرَ ، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ صِفَاتِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَادَّعَوُا النَّسْخَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِقْرَاضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَكْرَ ، وَرَدِّهِ الْجَمَلَ الْخِيَارَ . 30397 - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَادَّعَوُا النَّسْخَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ نِصْفَ عَبْدٍ مِثْلِهِ . 30398 - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ خَاصَّةً ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، فَالسَّلَمُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ سَلَّمَ ، فَلْيُسَلِّمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، وَيَخُصُّ الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ مِنْ سَائِرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، فَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا ، وَلَا مَوْزُونًا قَدْ دَخَلَ فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ . 30399 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ نَقَضَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ مَا أَصَّلُوا فِي قَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ : كُلُّ بَيْعٍ جَائِزٌ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا إِلَّا بَيْعٌ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِتَحْرِيمِهِ ، وَبِالنَّهْيِ عَنْهُ ، أَوِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى فَسَادِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ أَنْ يُجِيزُوا السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ ، بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ غَيْرُ مَدْفُوعٍ بِمَا قَالَهُ الْحِجَازِيُّونَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ مِنَ الْأَعْيَانِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ مَوْصُوفًا ، فَلَا . 30400 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : اسْتِقْرَاضُ الْحَيَوَانِ جَائِزٌ وَالسَّلَمُ فِيهِ جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ فِي الْأَغْلَبِ . 30401 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ ، وَاسْتِقْرَاضُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَكْرَ . 30402 - وَفِي اسْتِقْرَاضِهِ الْحَيَوَانَ إِثْبَاتُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ بِالصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ . 30403 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا إِيجَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ الْخَطَأِ فِي ذِمَّةِ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهَا ، وَدِيَةَ الْعَمْدِ الْمَقْبُولَةَ ، وِدِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ الْمُغَلَّظَةَ ، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى ثُبُوتِهَا . 30404 - وَذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْحَيَوَانِ بِالصِّفَةِ فِي الذِّمَّةِ ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِقْرَاضُ ، وَالسَّلَمُ . 30405 - وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجِيزُ السَّلَمَ فِي الْوَصْفِ . 30406 - وَأَجَازَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى مَمْلُوكٍ بِصِفَةٍ ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ تَنَاقُضٌ عَلَى مَا أَصَّلُوهُ . 30407 - وَأَجَازَ الْجَمِيعُ النِّكَاحَ عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ . 30408 - وَذَكَرَ اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : قُلْتُ لِرَبِيعَةَ : إِنَّ أَهْلَ أَنْطَابُلُسَ حَدَّثُونِي أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مَعِينٍ كَانَ يَقْضِي عِنْدَهُمْ بِأَنْ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ ، وَقَدْ كَانَ يُجَالِسُكَ ، وَلَا أَحْسَبُهُ قَضَى بِهِ إِلَّا عَنْ رَأْيِكَ . فَقَالَ رَبِيعَةُ : قَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : وَمَا لَكَ وَلِابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا ؟ وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَعَلَّمُ مِنَّا ، وَلَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ ، وَقَدْ كَانَ يَقْضِي فِي بِلَادِهِ بِأَشْيَاءَ ، فَإِذَا جَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدَ الْقَضَاءَ عَلَى غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ . 30409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا يُؤْخَذُ هَذَا عَلَى صِحَّةٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِي مَسْأَلَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ ، كَانَ قَدْ أَفْتَى بِالْكُوفَةِ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْأُمِّ ، وَالرَّبِيبَةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ : إِنَّ الشَّرْطَ فِي الرَّبِيبَةِ ، وَالْأُمُّ مُهْمَلَةٌ ، فَرَجَعَ إِلَى ذَلِكَ . 30410 - وَهَذَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ أَحَدٌ قَدْ كَانَ عُمَرُ بِالْمَدِينَةِ يَعْرِضُ لَهُ مِثْلُ هَذَا فِي أَشْيَاءَ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ، وَغَيْرِهِ عَلَى جَلَالَةِ عُمَرَ وَعِلْمِهِ . 30411 - وَابْنُ مَسْعُودٍ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الْأَخْيَارِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ بِصَاحِبِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ : آذْنُكَ عَلَى أَنْ ترْفَعَ الْحِجَابُ ، وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ . 30412 - وَفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ السِّوَادَ هَاهُنَا بِالسِّرَارِ . 30413 - وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ : لَمَّا أَمَرَ عُثْمَانُ بِالْمَصَاحِفِ أَنْ تُشَقَّقَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي . قَالَ أَبُو وَائِلٍ : فَقُمْتُ إِلَى الْخَلْقِ لِأَسْمَعَ مَا يَقُولُونَ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ . 30414 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي بِمَنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ يَوْمَئِذٍ ، وَنَزَلَهَا مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ . 30415 - وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ : أَبُو مَسْعُودٍ : مَا أَرَى رَجُلًا أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . 30416 - وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ : لَيَوْمٌ أَوْ سَاعَةٌ أُجَالِسُ فِيهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ ، كَانَ يَسْمَعُ حِينَ لَا نَسْمَعُ ، وَيَدْخُلُ حِينَ لَا نَدْخُلُ . 30417 - وَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ . 30418 - وَأَخْبَارُهُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 30419 - وَأَمَّا اعْتِلَالُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُمْكِنُ صِفَتُهُ بِغَيْرٍ مُسَلَّمٍ لَهُمْ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ فِي الْحَيَوَانِ أَنْ يَأْتِيَ الْوَاصِفُ فِيهَا بِمَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَيُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ ، وَغَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْمَوْصُوفَاتِ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، وَحَسْبُ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِ إِذَا جَاءَ بِمَا تَقَعُ عَلَيْهِ تِلْكَ الصِّفَةُ إِنْ بِعْتَهُ مِنْهُ . 30420 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِقْرَاضِ الْإِمَاءِ : 30421 - فَقَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : اللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ إِلَّا الْإِمَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُنَّ . 30422 - وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ ; لِأَنَّ رَدَّ الْمِثْلِ لَا يُمْكِنُ لِعُذْرِ الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَهُمْ فِي الْحَيَوَانِ . 30423 - وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ فِيمَنِ اسْتَقْرَضَ أَمَةً ، فَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ يَرُدُّهَا بِعَيْنِهَا وَيَنْفَسِخُ اسْتِقْرَاضُهُ . 30424 - وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا إِنْ وَطِئَهَا . 30425 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ بِالْقِيمَةِ ، وَلَمْ تُرَدَّ بِرَدِّهَا . 30426 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا عُقْرَهَا ، وَإِنْ حَمَلَتْ أَيْضًا رَدَّهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، وَقِيمَةَ وَلَدِهَا إِنْ وَلَدَتْ أَحْيَاءً يَوْمَ سَقَطُوا مِنْ بَطْنِهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ ، وَإِنْ مَاتَتْ لَزِمَهُ مِثْلُهَا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا ، فَقِيمَتُهَا . 30427 - وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ - صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ - وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : اسْتِقْرَاضُ الْإِمَاءِ جَائِزٌ . 30428 - قَالَ الطَّبَرِيُّ ، وَالْمُزَنِيُّ : قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهَا ، وَأَنَّ مِلْكَ الْمُسْتَقْرِضِ صَحِيحٌ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ كُلُّهُ . وكل ما جاز بيعه جاز قرضه في القياس . 30429 - وَقَالَ دَاوُدُ : لَمْ يَحْظُرِ اللَّهُ اسْتِقْرَاضَ الْإِمَاءِ ، وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَيْهِ ، وَأُصُولُ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ . 30430 - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ اسْتِسْلَافَ الْحَيَوَانِ ، وَالْإِمَاءُ مِنَ الْحَيَوَانِ . 30431 - وَحَجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزِ اسْتِقْرَاضَ الْإِمَاءِ ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْفُرُوجَ مَحْظُورَةٌ ، لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِنِكَاحٍ ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ بِعِقْدٍ لَازِمٍ ، وَالْقَرْضُ لَيْسَ بِعِقْدٍ لَازِمٍ ; لِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَرُدُّهُ مَتَى شَاءَ ، فَأَشْبَهَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَاةَ بِالْخِيَارِ ، فَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِإِجْمَاعٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ ، فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ فِيهَا ، وَهَذِهِ قِيَاسٌ عَلَيْهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 44 ) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ 1348 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا طَعَامًا ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَقَالَ : فَأَيْنَ الْحَمْلُ ؟ يَعْنِي حُمْلَانَهُ . 30388 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا بَيَّنٌ ; لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيمَا أَسْلَفَهُ زِيَادَةٌ يَنْتَفِعُ بِهَا ، وَهِيَ مُؤْنَةُ حَمْلِهِ ، وَكُلُّ زِيَادَةٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ ، يَشْتَرِطُهَا الْمُسَلِّفُ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ ، فَهِيَ رِبًا ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .
1312 ( 11 ) بَابُ مَا يَجُوزُ فِي اسْتِثْنَاءِ الثَّمَرِ 1272 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ . 1273 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ; أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْأَفْرَقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ تَمْرًا . 1274 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ ; أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وَتَسْتَثْنِي مِنْهَا . 28475 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرِ . لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ . وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 28476 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِي مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ ، ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا ، وَيُسَمِّي عَدَدَهَا . فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ; لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ إِنَّمَا اسْتَثْنَى شَيْئًا مِنْ ثَمَرِ حَائِطِ نَفْسِهِ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ احْتَبَسَهُ مِنْ حَائِطِهِ . وَأَمْسَكَهُ لَمْ يَبِعْهُ . وَبَاعَ مِنْ حَائِطِهِ مَا سِوَى ذَلِكَ . 28477 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا ، وَأُلِّفَتِ الْكُتُبُ عَلَى مَذاهَبِهِمْ ، فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِيَ مِنْهُ كَيْلًا مَعْلُومًا قَلَّ ، أَوْ كَثُرَ ، بَلَغَ الثُّلُثَ ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ ، فَالْبَيْعُ ذَلِكَ بَاطِلٌ إِنْ وَقَعَ ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مُدًّا وَاحِدًا ; لِأَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْمُدِّ ، وَنَحْوِهِ مَجْهُولٌ إِلَّا مَالِكَ ابْنَ أَنَسٍ ، فَإِنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَا اسْتَثْني مِنْهُ مَعْلُومًا ، وَكَانَ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ فِي مِقْدَارِهِ وَمَبْلَغِهِ . 28478 - فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، فَعَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ . 28479 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْتَثْنِي عَلَى بَيْعِهِ إِذَا بَاعَ التَّمْرَ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ أَنَّ لِي مِنْهُ كَذَا بِحِسَابِ كَذَا . 28480 - قَالَ : وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا الْبَيْعِ . 28481 - وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَسْتَثْنِيَ الثُّلُثَ ، فَمَا دُونَهُ ، قَالَ : وَأَنَا أُحِبُّ أَدْنَى مِنَ الثُّلُثِ ، وَلَا أَرَى بِالثُّلُثِ بَأْسًا إِذَا بَلَغَ . 28482 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْفٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : لَوْلَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَرِهَ الثُّنْيَا ، وَكَانَ عِنْدَنَا مَرْضِيًّا مَا رَأَيْنَا بِذَلِكَ بَأْسًا . 28483 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، وَالْإِسْنَادُ الْمُتَقَدِّمُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ - مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَلَا أَدْرَكَ زَمَانَهُ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . 28484 - وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ قَالُوا : ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي اسْتِثْنَاءِ الْكَثِيرِ مِنَ الْكَثِيرِ ، أَوِ اسْتِثْنَاءِ الْكَثِيرِ مِمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ مِنَ الْكَثِيرِ ، فَلَا ، وَجَعَلُوا الثُّلُثَ ، فَمَا دُونَهُ قَلِيلًا . 28485 - قَالُوا : وَبَيْعُ مَا عَلَى الْمُسْتَثْنَى كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ كَيْلِهَا . 28486 - قَالُوا : وَاسْتِثْنَاءُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ وَبِهِ وَرَدَ الْقُرْآنُ ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكَثِيرِ ، فَلَا . 28487 - فَهَذَا عِنْدَهُمْ مَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الثُّنْيَا . 28488 - وَاسْتَغْنَوْا بِمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَبِمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ : عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ : أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِيَ كِرَاءً أَوْ كِرَاءَيْنِ . 28489 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنِ الثُّنْي ، فَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْي ( مُخْتَصَرًا ) . 28490 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا ( مُخْتَصَرًا ) . 28491 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَبِيعُ ثَمَرَةَ أَرْضِي ، وَأَسْتَثْنِي مِنْهَا ؟ قَالَ : لَا تَسْتَثْنِ إِلَّا شَجَرًا مَعْلُومًا . 28492 - قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ شَيْئًا مِنَ النَّخيلِ بِكَيْلٍ . 28493 - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ ثَمَرَ أَرْضِهِ ، وَيَسْتَثْنِي الْكِرَءَ وَالْكِرَئَيْنِ ، كَانَ لَا يُعْجِبُهُ إلا أَنْ يُعَلِّمَ نَخْلًا . 28494 - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ كَيْلًا ، أَوْ سُلَالًا أَوْ كِرَارًا .
1390 ( 45 ) بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ 1352 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ . 30432 - هَكَذَا رَوَى يَحْيَى بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ ، لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَجَمَاعَةٌ . 30433 - وَرَوَاهُ قَوْمٌ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلْعَةَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ . 30434 - وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بُرْدٍ . 30435 - وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِغَيْرِهِمْ عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30436 - وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 30437 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ بِمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِهِ . 30438 - رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ : لَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ . 30439 - وَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ قَوْلَهُ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ .
1390 30440 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ ، وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الْعُيُوبِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ ، فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30441 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ ، تُوقَفُ لِلْبَيْعِ ، فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ . 30442 - قَالَ : وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا . أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ ، فِي سِلَعِهِمُ الْمَكْرُوهُ ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا . 30443 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ أَنْ يَقُولَ : عِنْدِي خَيْرٌ مِنْهُ . 30444 - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ . 30445 - قَالُوا : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إِذَا جَنَحَ الْبَائِعُ إِلَى بَيْعِهِ . 30446 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ سِلْعَةً ، فَيَقْبِضَهَا ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا ، وَهُوَ مُغْتَبِطٌ بِهَا غَيْرُ نَادِمٍ عَلَيْهَا ، فَيَأْتِيَهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ مَنْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مِثْلَ سِلْعَتِهِ ، أَوْ خَيْرًا مِنْهَا بِأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ فَيَفْسَخُ بَيْعَ صَاحِبِهِ ; لِأَنَّ الْخِيَارَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فَيَكُونُ هَذَا فَسَادًا . 30447 - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ نَحْوُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 30448 - وَمَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَةٌ مُتَدَاخِلَةٌ ، وَكُلُّهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسُومَ الرَّجُلَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، أَوْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِهِ بَعْدَ الرُّكُونِ ، وَالرِّضَا عَلَى نَحْوِ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ . وَالْبَيْعُ عِنْدَهُمْ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ سَوْمَ الْمُسَاوِمِ لَمْ يَتِمَّ بِهِ عَقْدُ بَيْعٍ ، وَقَدْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلَّا يُتِمَّهُ إِنْ شَاءَ . 30449 - وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَفْسَخُونَهُ . 30450 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَسْخُهُ أَيْضًا مَا لَمْ يَفُتْ . وَفَسْخُ النِّكَاحِ مَا لَمْ يَفُتْ بِالدُّخُولِ . 30451 - وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْبَيْعِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ فِي الَّذِي يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ . 30452 - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ بَعْدَ الرُّكُونِ إِلَيْهِ ، وَنَكَحَ عَلَى ذَلِكَ فِي صَدْرِ كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 30453 - وَأَمَّا دُخُولُ الذِّمِّيِّ فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا يَسُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ : 30454 - فَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي سَوْمِهِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا خَاطَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ لَا يَبِعْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، فَقَالَ : لَا يَبِعْ أَحَدٌ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ يَعْنِي الْمُسْلِمَ . 30455 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْمُسْلِمُ عَلَى بَيْعِ الذِّمِّيِّ . 30456 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّهُ كَمَا دَخَلَ الذِّمِّيُّ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا الذِّمِّيُّ فِيهِ تَبَعُ الْمُسْلِمِ ، فَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي هَذَا . 30457 - وَقَدْ يُقَالُ : هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ سُلُوكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِيَّاهُ . 30458 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ سَوْمِ الذِّمِّيِّ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ ، وَعَلَى سَوْمِ الذِّمِّيِّ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1391 1353 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، إِنْ رَضِيَهَا ، أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا ، رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ . 30459 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ ، فَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِ . 30460 - فَرَوَى الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَرَى : لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ . 30461 - وَرَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ . 30462 - وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَدْخُلَ الْأَسْوَاقَ . 30463 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَسْتَقْبِلُوا السُّوقَ ، وَلَا يَتَلَقَّ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ . 30464 - وَالْمَعْنَى فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحِدٌ . 30465 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ لا يَشْتَرِيَ أَحَدٌ مِنَ الْجَلَبِ ، وَالسِّلَعِ الْهَابِطَةِ إِلَى الْأَسْوَاقِ شَيْئًا حَتَّى تَصِلَ السِّلْعَةُ إِلَى سُوقِهَا ، هَذَا إِذَا كَانَ التَّلَقِّي فِي أَطْرَافِ الْمِصْرِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ . 30466 - وَقِيلَ لِمَالِكٍ : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَالْحَيَوَانُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 30467 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي الْأَضْحَى إِلَى مِثْلِ الْإِصْطَبْلِ ، وَهُوَ نَحْوٌ مَنْ مِيلٍ يَشْتَرِي ضَحَايَا ، وَهُوَ مَوْضِعٌ فِيهِ الْغَنَمُ ، وَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِمْ ، يَشْتَرُونَ مِنْهُمْ هُنَاكَ ؟ 30468 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ ، فَلَا أَرَى أَنْ يُشْتَرَى شَيْءٌ مِنْهَا حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ . 30469 - قَالَ مَالِكٌ : وَالضَّحَايَا أَفْضَلُ مَا احْتِيطَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا نُسُكٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ . 30470 - وَسُئِلَ عَنِ الَّذِي يَتَلَقَّى السِّلْعَةَ ، فَيَشْتَرِيهَا ، وَتُوجِدُ مَعَهُ ، أَتَرَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ ، فَتُبَاعَ لِلنَّاسِ ؟ 30471 - فَقَالَ مَالِكٌ : أَرَى أَنْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ وُجِدَ قَدْ عَادَ نُكِّلَ . 30472 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ تَلَقِّي السِّلَعِ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ ، وَالْيَوْمَيْنِ . 30473 - وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَلَقِّي السِّلَعَ وَالرُّكْبَانَ ، وَمَنْ تَلَقَّاهُمْ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ سِلْعَةً شَرِكَة فِيهَا أَهْلُ سُوقِهَا إِنْ شَاءُوا وَكَانَ فِيهَا وَاحِدًا مِنْهُمْ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ السِّلْعَةُ طَعَامًا ، أَوْ بَزًّا . 30474 - وَرَوَى عِيسَى ، وَسَحْنُونٌ ، وَأَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السِّلْعَةَ إِذَا تَلَقَّاهَا مُتَلَقٍّ ، وَاشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يُهْبَطَ بِهَا إِلَى سُوقِهَا ، فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِي السُّوقِ بِهَا ، فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ لَا زِيَادَةً إِنْ شَاءُوا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ سُوقٌ ، عُرِضَتْ عَلَى النَّاسِ فِي الْمِصْرِ ، فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا إِنْ أَحَبُّوا ، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ لَزِمَتِ الْمُشْتَرِي الْمُتَلَقِّي لَهَا . 30475 - قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَالَ لِي غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ . 30476 - وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : يُؤَدَّبُ مُتَلَقِّي السِّلَعِ إِذَا كَانَ مُعْتَادًا لِذَلِكَ . 30477 - وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُؤَدَّبُ إِلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِالْجَهَالَةِ . 30478 - وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 30479 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَقْوَالِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى . 30480 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَكْرَهُ تَلَقِّيَ السِّلَعَ ، وَشِرَاءَهَا فِي الطَّرِيقِ ، وَلَوْ عَلَى بَابِكَ حَتَّى تَقِفَ السِّلْعَةُ فِي سُوقِهَا الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا ، فَإِنْ تَلَقَّى أَحْدٌ سِلْعَةً فَاشْتَرَاهَا ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ بَائِعُهَا لَمْ يَذْهَبْ رُدَّتْ إِلَيْهِ حَتَّى تُبَاعَ فِي السُّوقِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ أُخِذَتْ مِنْ مُشْتَرِيهَا ، وَبِيعَتْ فِي السُّوقِ ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ ثَمَنُهَا . 30481 - قَالَ : فَإِنْ كَانَ عَلَى بَابِهِ ، أَوْ فِي طَرِيقِهِ ، فَمَرَّتْ بِهِ سِلْعَةٌ يُرِيدُ صَاحِبُهَا سُوقَ تِلْكَ السِّلْعَةِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إِذَا لَمْ يَقْصِدِ التَّلَقِّيَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَلَقٍّ ، وَإِنَّمَا التَّلَقِّي أَنْ يَعْمَدَ إِلَى ذَلِكَ . 30482 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَتَّفِقُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ فِي أَنَّ النَّهْيَ أُرِيدَ بِهِ نَفْعُ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ ، لَا رَبِّ السِّلَعِ . 30483 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ تَلَقِّي السِّلْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَمَنْ تَلَقَّاهَا ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إِذَا قَدِمَ إِلَى السُّوقِ ، فِي إِنْفَاذِ الْبَيْعِ ، أَوْ رَدِّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَهُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ بِانْكِسَارِ سِلَعِهِمْ ، وَكَسَادِ سُوقِهِمْ ، وَهُمْ أَهْلُ غِرَّةٍ ، فَيَبِيعُونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ . 30484 - حَكَى ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ الزَّعْفَرَانِيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالْمُزَنِيُّ . 30485 - وَتَفْسِيرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَخْرُجَ أَهْلُ السُّوقِ ، فَيَخْدَعُونَ أَهْلَ الْقَافِلَةِ ، وَيَشْتَرُونَ مِنْهُمْ شِرَاءً رَخِيصًا ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُمْ غَرُّوهُمْ . 30486 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ نَفْعُ رَبِّ السِّلْعَةِ ، لَا نَفْعُ أَهْلِ سُوقِهَا فِي الْحَاضِرَةِ . 30487 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ التَّلَقِّي فِي أَرْضٍ لَا يَضُرُّ بِأَهْلِهَا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِأَهْلِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ . 30488 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ شِبَاعًا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ ، فَلَا يَقْرَبُوا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ . 30489 - وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَوْزَاعِيُّ الْقَاعِدَ عَلَى بَابِهِ تَمُرُّ بِهِ السِّلَعُ ، لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهَا ، فَيَشْتَرِيهَا مُتَلَقِّيًا ، وَالْمُتَلَقِّي عِنْدَهُ التَّاجِرُ الْقَاصِدُ إِلَى ذَلِكَ الْخَارِجُ إِلَيْهِ . 30490 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَجُوزُ تَلَقِّي السِّلَعِ ، وَلَا شِرَاؤُهَا فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ . 30491 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ : لَا بَأْسَ بِتَلَقِّي السِّلَعِ فِي أَوَّلِ السُّوقِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ خَارِجَ السُّوقِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . 30492 - وَقَالَ ابْنُ خُوَازِ بِنْدَادُ : الْبَيْعُ فِي تَلَقِّي السِّلَعِ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَفُوزُ بِالسِّلْعَةِ ، وَيَشْرَكُهُ فِيهَا أَهْلُ السُّوقِ ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ ، أَوْ أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إِذَا هَبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ . 30493 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ ، يُفْسَخُ ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّ ابْنَ خُوَازِ بِنْدَادُ ، وَافَقَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهُ خِلَافًا لِمُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ . 30494 - وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 30495 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ ، فَمَنْ تَلَقَّى مِنْهُ شَيْئًا ، فَاشْتَرَاهُ ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ . 30496 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 30497 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو تَوْبَةَ ; الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبِيدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبَ ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ مُتَلَقٍّ فَاشْتَرَاهُ ، فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إِذَا وَرَدَتِ السُّوقَ . 30498 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَا تَنَاجَشُوا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ، فَـ :
1392 1354 - قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ . 30499 - قَالَ مَالِكٌ : وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا . فَيَقْتَدِي بِكَ غَيْرُكَ . 30500 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَفْسِيرُ الْعُلَمَاءِ لِمَعْنَى النَّجْشِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ فِيهِ ، بَلِ الْمَعْنَى فِيهِ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ . 30501 - قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ ، قَالَ : وَالنَّجْشُ خَدِيعَةٌ ، وَلَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدِّينِ ، وَهُوَ أَنْ يَحْضُرَ السِّلْعَةَ تُبَاعُ ، فَيُعْطِيَ بِهَا الشَّيْءَ ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا ; لِيَقْتَدِيَ بِهِ السُّوَّامُ ، فَيُعْطُوا بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا سَوْمَهُ . 30502 - وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِارْتِكَابِهِ مَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ ، وَعَقْدُ الشِّرَاءِ نَافِذٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ النَّجْشِ . 30503 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَحِلُّ النَّجْشُ ، وَفَسَّرُوهُ بِنَحْوِ مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . 30504 - وَتَفْسِيرُ النَّجْشِ عَنْهُمْ فِي تَحْصِيلِ مَذَاهِبِهِمْ أَنْ يَدُسَّ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ; لِيُعْطِيَ فِي سِلْعَتِهِ الَّتِي عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ عَطَاءً هُوَ أَكْثَرُ مَنْ ثَمَنِهَا ، وَهُوَ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى شِرَائِهَا ، وَلَكِنْ لِيَغْتَرَّ بِهِ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَهَا ، فَيَرْغَبَ فِيهَا ، وَيَغْتَرَّ بِعَطَائِهِ ، فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا لِذَلِكَ ، أَوْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْبَائِعُ نَفْسُهُ ; لِيَغُرَّ النَّاسَ بِذَلِكَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ رَبُّهَا . 30505 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَاصٍ بِفِعْلِهِ . 30506 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَيْعِ عَلَى هَذَا إِذَا صَحَّ : 30507 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ النَّجْشُ فِي الْبَيْعِ ، فَمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنَجُوشَةٍ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا عَلِمَ ، وَهُوَ عَيْبٌ مِنَ الْعُيُوبِ . 30508 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي هَذَا لِمَالِكٍ ، وَمِنْ تَابَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ ، وَالتَّحْصِيلِ فِي الشَّاةِ ، وَالْبَقَرَةِ ، وَالنَّاقَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، إِذَا عَلِمَ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُحَفَّلَةً ، وَلَمْ يَقْضِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ . 30509 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّصْرِيَةَ غِشٌ وَخَدِيعَةٌ ، فَكَذَلِكَ النَّجْشُ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ ، وَيَكُونُ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قِيَاسًا ، وَنَظَرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30510 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : بَيْعُ النَّجْشِ مَكْرُوهٌ ، وَالْبَيْعُ لَازِمٌ ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ، وَإِنَّمَا هِيَ خَدِيعَةٌ فِي الثَّمَنِ . 30511 - وَقَدْ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَحَفَّظَ وَيُحْضِرَ مَنْ يَمِيزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَمِيزُ . 30512 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ : الْبَيْعُ فِي النَّجْشِ مَفْسُوخٌ مَرْدُودٌ عَلَى بَائِعِهِ ; لِأَنَّهُ طَابَقَ النَّهْيَ فَفَسَدَ . 30513 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَاهِلًا ، أَوْ مُخْتَارًا فَسَدَ الْبَيْعُ إِنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ إِلَّا أَنْ يُحِبَّ الْمُشْتَرِي التَّمَسُّكَ بِالسِّلْعَةِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ ، فَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ . هَذَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ النَّاجِشُ ، وَلَوْ كَانَ بِأَمْرِهِ ، وَإِذْنِهِ ، أَوْ بِسَبَبِهِ . 30514 - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ أَجْنَبِيًّا لَا يُعْرَفُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ ، وَأَمَّا الْبَيْعُ ، فَهُوَ صَحِيحٌ 30515 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ : 30516 - فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : تَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَهْلُ الْبَادِيَةِ ، وَأَهْلُ الْقُرَى . 30517 - وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ مِنْ أَهْلِ الرِّيفِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْبَيْعِ لَهُمْ بَأْسٌ مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ يَعْرِفُ السَّوْمَ ، إِلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُشْبِهُ أَهْلَ الْبَادِيَةِ ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَبِيعَ لَهُمْ حَاضِرٌ . 30518 - وَقَالَ فِي الْبَدَوِيِّ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ ، فَيَسْأَلُ الْحَاضِرَ عَنِ السِّعْرِ أَكْرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ . 30519 - قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ، إِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ ، وَأَمَّا مَا أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ ، فَلَا بَأْسَ . 30520 - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَلَا يَبِعْ مِصْرِيٌّ لِمَدَنِيٍّ ، وَلَا مَدَنِيٌّ لِمِصْرِيٍّ ، وَلَكِنْ يُشِيرُ عَلَيْهِ . 30521 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : لَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي ، وَلَا لِأَهْلِ الْقُرَى . 30522 - وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قُرَّةَ ; مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، قَالَ : قَلْتُ لِمَالِكٍ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ مَا تَفْسِيرُهُ ؟ 30523 - قَالَ : لَا يَبِعْ أَهْلُ الْقُرَى لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ سِلَعَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ بِعْتُ بِالسِّلْعَةِ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ، وَلَمْ يَقْدَمْ مَعَ سِلْعَتِهِ . قَالَ : لَا يَنْبَغِي لَهُ ، قُلْتُ : وَمَنْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ ؟ قَالَ : أَهْلُ الْعَمُودِ ، قُلْتُ لَهُ : الْقُرَى الْمَسْكُونَةُ الَّتِي لَا يُفَارِقُهَا أَهْلُهَا يُقِيمُونَ فِيهَا تَكُونُ قُرًى صِغَارًا فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ ، فَيَقْدَمُ بَعْضُ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى الصِّغَارِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالسِّلْعَةِ ، فَيَبِيعُهُمَا لَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ أَهْلُ الْعَمُودِ . 30524 - وَرَوَى أَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي أَنَّهُ يُفْسَخُ . 30525 - وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ ، قَالَ : وَإِنْ فَاتَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 30526 - وَرَوَى سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُمْضِي الْبَيْعَ . 30527 - قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَالَ لِي غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَرُدُّ الْبَيْعَ . 30528 - وَرَوَى زُونَانُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ ، عَالِمًا كَانَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، أَوْ جَاهِلًا . 30529 - وَرَوَى عِيسَى ، وَسَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ الْحَاضِرُ إِذَا بَاعَ لِلْبَادِي . 30530 - زَادَ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ إِنْ كَانَ مُعْتَادًا لِذَلِكَ . 30531 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي . 30532 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي شِرَائِهِ لَهُ ، فَمَرَّةً قَالَ : لَا يَشْتَرِي لَهُ ، وَلَا يُشِيرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَبِيعُهُ . 30533 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ . 30534 - قَالَ : الشِّرَاءُ لِلْبَادِي مِثْلُ الْبَيْعِ . 30535 - قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، أَيْ لَا يَشْتَرِي عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَلَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ . 30536 - قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْبَدَوِيِّ ، وَلَا يَبِيعَ لَهُ ، وَلَا أَنْ يَبْعَثَ الْحَضَرِيُّ لِلْبَدَوِيِّ مَتَاعًا ، فَيَبِيعَهُ لَهُ ، وَلَا يُشِيرَهُ فِي الْبَيْعِ إِنْ قَدِمَ عَلَيْهِ . 30537 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالسِّعْرِ . 30538 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي . 30539 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ . 30540 - قَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . 30541 - وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سَبْعٌ ، فَذَكَرَ مِنْهَا أَنْ يَنْصَحَ لَهُ . 30542 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَإِنْ بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَهُوَ عَاصٍ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ ، وَيَجُوزُ الْبَيْعُ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 30543 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ عَامٌّ ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ خَاصٌّ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ الْخُصُوصَ اسْتِثْنَاءٌ ، كَمَا قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْصَحَ أَخَاهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثَانِ يُسْتَعْمَلُ الْعَامُّ مِنْهُمَا فِي مَا عَدَا الْمَخْصُوصَ . 30544 - وَمَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْحَاضِرَةِ . 30545 - وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ . 30546 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَى عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ أَنَّهُ فِي صَاحِبِ السِّلْعَةِ الْجَالِبِ لَهَا إِلَى الْمِصْرِ أَلَّا يَخْدَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى السُّوقِ . 30547 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، ذَرُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 30548 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِالْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ فِي التَّمْهِيدِ . 30549 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ فِي زَمَانِهِ ، أَرَادَ أَنْ يُصِيبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . 30550 - قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ . 30551 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْخَيَّاطِ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَنْهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ . 30552 - قَالَ مُسْلِمٌ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ . 30553 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ : لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ ، وَالْغَنَمَ ، فَهُوَ مَنْ صَرَّيْتُ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ ، وَالْمَاءَ فِي الْحَوْضِ ، فَالشَّاةُ مُصَرَّاةٌ . 30554 - وَكَذَلِكَ النَّاقَةُ ، وَهِيَ الْمُحَفَّلَةُ ، سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً ; لِأَنَّ اللَّبَنَ صُرِّيَ فِي ضَرْعِهَا أَيَّامًا حَتَّى اجْتَمَعَ ، وَكَثُرَ . 30555 - وَمَعْنَى صَرَّى حَبَسَ ، وَجَمَعَ ، وَلَمْ يَحْلُبْ حَتَّى عَظُمَ ضَرْعُهَا ; لِيَظُنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ لَبَنُ لَيْلَةٍ ، وَنَحْوِهَا ، فَيَغْتَرَّ بِمَا يَرَى مِنْ عِظَمِ ضَرْعِهَا . 30556 - وَقِيلَ لِلْمُصَرَّاةِ مُحَفَّلَةٌ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ اجْتَمَعَ فِي ضَرْعِهَا ، فَصَارَتْ حَافِلَةً . وَالْحَافِلُ : الْكَثِيرَةُ اللَّبَنِ الْعَظِيمَةُ الضَّرْعِ ، وَمِنْهُ قِيلَ : مَجْلِسٌ حَافِلٌ إِذَا كَثُرَ فِيهِ الْقَوْمُ . 30557 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُقْرِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : وَأَشْهَدُ عَلَى الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خِلَابَةٌ ، وَلَا تَحِلُّ خِلَابَةُ الْمُسْلِمِ . 30558 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَوَى : لَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ ، وَلَا الْغَنَمَ ، فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَلَوْ كَانَتْ تَصُرُّوا لَكَانَتْ مَصْرُورَةً ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ . 30559 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ ، وَالْغَنَمَ ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ; فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ ، وَاسْتَعْمَلَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ . 30560 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ . 30561 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 30562 - ذَكَرَ أَسَدٌ ، وَسَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا قَالَا لَهُ : أَيَأْخُذُ مَالِكٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 30563 - قَالَ مَالِكٌ : أَوَفِي الْأَخْذِ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ ؟ ! 30564 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَنَا آخُذُ بِهِ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي : أَرَى لِأَهْلِ الْبُلْدَانِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ هَذَا أَنْ يُعْطُوا الصَّاعَ مِنْ عَيْشِهِمْ . 30565 - قَالَ : وَأَهْلُ مِصْرَ عَيْشُهُمُ الْحِنْطَةُ . 30566 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، وَأَتَوْا بِأَشْيَاءَ لَا يَصِحُّ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى . 30567 - وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ نَحْوَ ذَلِكَ . 30568 - ذَكَرَ الْقَعْنَبِيُّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنِ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ . 30569 - وَقَالَ : سَمِعْتُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ ، وَلَا الْمُوَطَّإِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَهُ اللَّبَنُ بِمَا أَعْلَفَ ، وَضَمِنَ ، قِيلَ لَهُ : نَرَاكَ تُضَعِّفُ الْحَدِيثَ ، قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ مَوْضِعُهُ ، وَلَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ ، وَلَا الثَّابِتِ ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ . 30570 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ رِوَايَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا عَنْ مَالِكٍ ، وَمَا رَوَاهَا عَنْهُ إِلَّا ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ اخْتِلَافٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ . 30571 - وَهُوَ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِشِّ ، وَالدُّلْسَةِ بِالْعُيُوبِ ، وَأَصْلٌ أَيْضًا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِمَنْ وَجَدَ فِيمَا يَشْتَرِيهِ مِنَ السِّلَعِ . 30572 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَعِيبِ بَيْعٌ يَقَعُ صَحِيحًا بِدَلِيلِ التَّخْيِيرِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ رَضِيَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ جَازَ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ بَيْعُ الْمَعِيبِ فَاسِدًا ، أَوْ حَرَامًا ، لَمْ يَصِحَّ الرِّضَا بِهِ . 30573 - وَهَذَا أَصْلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا سَائِرُ مَا فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ . 30574 - أَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْهُمْ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، فَقَدِ اسْتَعْمَلُوهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَعُمُومِهِ ، وَظَاهِرِهِ ، وَقَالُوا : إِذَا بَانَ لَهُ - أَيْ مُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ - إِذَا بَانَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ مُحَفَّلَةٌ رَدَّهَا فِي الثَّلَاثِ أَوْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ . 30575 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً ، فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَحَبَّهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ أَسْخَطَهَا رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ . 30576 - هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ بَيْعَ الْمُصَرَّاةِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 30577 - وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْخِيَارِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِهَذَا الْخَبَرِ . 30578 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً ، فَاحْتَلَبَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنَّ سَخِطَهَا لِاخْتِلَافِ لَبَنِهَا رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ قُوتِ ذَلِكَ الْبَلَدِ تَمْرًا كَانَ ، أَوْ بُرًّا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ . 30579 - وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ . 30580 - وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : إِنْ عَلِمَ مُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ ، فَرَدَّهَا قَبْلَ أَنْ يَحْلُبَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلُبِ اللَّبَنَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ يَلْزَمُ غُرْمُ الصَّاعِ . 30581 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَقِفْ عَلَيْهِ . 30582 - قَالَ عِيسَى : وَلَوْ حَلَبَهَا مَرَّةً ، ثُمَّ حَلَبَهَا ثَانِيَةً ، فَنَقَصَ لَبَنُهَا رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لِحَلْبَتِهِ الْأُولَى ، وَلَوْ جَاءَ بِاللَّبَنِ بِعَيْنِهِ كَمَا حَلَبَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَزِمَهُ غُرْمُ الصَّاعِ ; لِأَنَّ الصَّاعَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ لَبَنًا ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 30583 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُصَرَّاةِ : يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا يَرُدُّ غَيْرَ التَّمْرِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا . 30584 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . 30585 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَيَحْيَى عَلَى أُصُولِهِمْ أَنَّ التَّمْرَ إِذَا عُدِمَ وَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ ، لَا قِيمَةِ اللَّبَنِ . 30586 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يُعْطِي مَعَ الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ إِذَا رَدَّهَا قِيمَةَ اللَّبَنِ . 30587 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَرُدُّ إِلَّا التَّمْرَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قال : حدثني ابن حمدان ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا سَمْرَاءَ . 30588 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَهِشَامٌ ، وَحَبِيبٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ . 30589 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا سَمْرَاءَ . 30590 - وَالسَّمْرَاءُ عِنْدَهُمُ الْبُرُّ ، يَقُولُ : تَمْرٌ ، لَا بُرٌّ . 30591 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ; فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُبْتَاعَ الْمُصَرَّاةِ إِذَا حَلَبَهَا مَرَّةً ، وَثَانِيَةً بَعْدَ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ ; لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ مُصَرَّاةً ، لَمْ يَكُنْ فِي حَلْبَتِهِ الثَّالِثَةِ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِهِ إِذَا قَامَ طَالِبًا لِرَدِّهَا بِمَا قَامَ لَهُ مِنْ تَصْرِيَتِهَا ، فَلَوْ حَلَبَهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ كَانَ مِنْهُ رِضًى بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا . 30592 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحَلْبَةَ الثَّالِثَةَ رِضًا مِنْهُ بِهَا . 30593 - وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ . وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ . 3594 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ لَمَّا كَانَ لَبَنُهَا مَغِيبًا لَا يُوقَفُ عَلَى مَبْلَغِهِ لِاخْتِلَاطِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِهِ ، وَجَهِلَ مِقْدَارَهُ ، وَأَمْكَنَ التَّدَاعِي فِي قِيمَةِ قَطْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّهُ فِيهِ مِنَ الصَّاعِ الْمَذْكُورِ ، كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دِيَةِ الْجَنِينِ قَطَعَ فِيهِ بِالْغُرَّةِ حَسْمًا لِتَدَاعِي الْمَوْتِ فِيهِ وَالْحَيَاةِ ; لِأَنَّ الْجَنِينَ لَمَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي حِينِ ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ ، فَتَكُونَ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّنَازُعَ فِيهِ وَالْخِصَامَ ، بِأَنْ جَعَلَ فِيهِ غُرَّةَ عَبْدٍ ، أَوْ أَمَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا رَمَتْهُ مَيِّتًا . 30595 - وَفِي اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْجَنِينِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ ، وَتَسْلِيمًا لَهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 30596 وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ ، وَالْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ . 30597 - قَالُوا : وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّبَنَ الْمَحْلُوبَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى - وَهُوَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ ، وَقَدْ خَالَطَهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّبَنِ الْحَادِثِ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ . 30598 وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَبَهَا ثَالِثَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، غَلَّةٌ طَارِئَةٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَكَيْفَ يَرُدُّ لَهُ شَيْئًا ؟ 30599 قَالُوا : وَالْأُصُولُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَهْلَكَاتِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالْمِثْلِ ، أَوْ بِالْقِيمَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي ضَمَانِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ الَّذِي حَلَبَهُ الْمُشْتَرِي فِي أَوَّلِ حَلْبَةٍ ، وَهُوَ مِلْكُ الْبَائِعِ فِي حِينِ الْبَيْعِ ، لَمْ يُضْمَنْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ لَمْ يَفُتْ ، وَهُوَ مِمَّا قَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ ، كَمَا وَقَعَتْ عَلَى الْمُصَرَّاةِ نَفْسِهَا . 30600 - وَقَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُصَرَّاةِ مَنْسُوخٌ كَمَا نُسِخَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي غَرَامَةِ مِثْلَيِ الشَّيْءِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ الَّتِي لَا قَطْعَ فِيهَا غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ نَسَخَهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ . 30601 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَنْسُوخٌ أَيْضًا بِتَحْرِيمِ الرِّبَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ رِبًا ، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وجَعَلَ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ طَعَامًا طَعَامًا مِثْلَهُ ، قَالَ : فَإِنْ فَاتَ ، فَقِيمَتُهُ ذَهَبًا ، أَوْ وَرِقًا . 30602 - قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ مَنْسُوخٌ . 30603 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ ، لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ لَمَّا اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِئِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْدِيرُ مَا لِلْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ ; لِأَنَّ تَقْوِيمَ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنَ اللَّبَنِ ، وَكَانَا جَمِيعًا عَاجِزَيْنِ عَنْ تَحْدِيدِهِ حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَائِعِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ الْغَالِبَ فِي قُوتِهِمْ يَوْمَئِذٍ . 30604 - وَفِي الْأُصُولِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِثْلُ حُكْمِهِ فِي الْجَنِينِ ، وَفِي الْأَصَابِعِ ، وَالْأَسْنَانِ ، جَعَلَ الصَّغِيرَ مِنْهَا كَالْكَبِيرِ . 30605 - وَكَذَلِكَ الْمُوضِحَةُ ، حَكَمَ فِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّةِ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْجَمَالِ ، وَالْمَنْفَعَةِ . 30606 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ الْمُزَنِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا ، فَاسْتَغَلَّهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ ، فَخَاصَمَ فِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لَهُ بِرَدِّهِ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّهُ قَدْ أَخَذَ خَرَاجَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ . 30607 - هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ . 30608 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنَّهُ قَدِ اسْتَغَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ . 30609 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ . 30610 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ إِذَا رَدَّهَا مُشْتَرِيهَا بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ ، أَوْ بِعَيْبٍ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ ، لَمْ يَرُدَّ اللَّبَنَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ غَلَّةٌ طَرَأَتْ فِي مِلْكِهِ ، وَكَانَ ضَامِنًا لِأَصْلِهَا ، وَلَمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَبَنِ التَّصْرِيَةِ . الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ مَعَ الشَّاةِ ، أَوِ النَّاقَةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لَيْسَ بِقِيمَةٍ . 30611 - وَلَمَّا كَانَ لَبَنُ الشَّاةِ يَخْتَلِفُ ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ الْبَقَرَةِ ، وَالنَّاقَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ : كَيْفَ كَانَتْ إِلَّا الصَّاعَ الْمَذْكُورَ ، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ قَطْعِ شِعْبِ الْخُصُومَةِ ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ . 30612 - وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ فِي لَبَنِ شَاةٍ غُرَّةٌ ، أَوْ بَقَرَاتٍ غُرَّةٌ ، أَوْ نُوقٍ غُرَّةٌ إِلَّا الصَّاعَ عِبَادَةً ، وَتَسْلِيمًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ سَائِرِ الْبُيُوعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30613 - وَيَشْهَدُ لِمَا وَصَفْنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ ، وَلَا الْغَنَمَ ، فَمَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً - يَعْنِي مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى شَاةً مُصَرَّاةً ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنَّ سَخِطَهَا رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، فَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْغَنَمِ الْمُصَرَّاةِ إِلَّا مَا جَعَلَ فِي الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ ، وَلَمْ يَخُصَّ الْمُصَرَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ ، وَلَا الْبَقَرِ ، وَلَا الْإِبِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، وَيَتَبَايَنُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1348 ( 23 ) بَابُ جَامِعِ بِيعِ الطَّعَامِ 1310 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ الطَّعَامَ يَكُونُ مِنَ الصُّكُوكِ بِالْجَارِ . فَرُبَّمَا ابْتَعْتُ مِنْهُ بِدِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ ، فَأَعْطَى بِالنِّصْفِ طَعَامًا ، فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا ، وَلَكِنْ أَعْطِ أَنْتَ دِرْهَمًا ، وَخُذْ بَقِيَّتَهُ طَعَامًا . 29218 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : يَكُونُ مِنَ الصُّكُوكِ بِالْجَارِ لَيْسَ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ ، وَلَا ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَلَا أَكْثَرِ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ الطَّعَامَ ، فَرُبَّمَا ابْتَعْتُ مِنْهُ . 29219 - وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقَعْبَنِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ لَيْسَ فِيهِ عِنْدَهُ . 29220 - وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ . 29221 - وَفِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ دَرَاهِمُ مَكْسُورَةٌ ، ولَا دَنَانِيرُ مَقْطُوعَةٌ . 29222 - وَلِذَلِكَ قَالَ سَعِيدٌ : قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مُبْتَاعُ الطَّعَامِ بِدِينَارٍ ، وَنِصْفِ دِرْهَمٍ نِصْفَ دِرْهَمٍ أَمَرَهُ سَعِيدٌ أَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا ، وَيَأْخُذَ بِبَقِيَّتِهِ طَعَامًا . 29223 - وَالْمَالُ يَعْنِي فِي دَرَاهِمِ سَعِيدٍ أَنْ يُعْطِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ طَعَامًا ، فَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى وَجْهَيْنِ : 29224 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ الَّذِي يُعْطِيهِ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ ، فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29225 - ( وَالْآخَرُ ) : أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ ، فَيَكُونَ حِنْطَةً ، وَذَهَبًا بِطَعَامٍ ، وَفِضَّةٍ ، فَيَدْخُلَهُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا تَمَّ لَهُ الدِّرْهَمُ ، وَأَخَذَ بِهِ حِنْطَةً ، كَانَ حِينَئِذٍ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ فِي حِنْطَةٍ ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ . 29226 - وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ فِي نِصْفِ الدِّرْهَمِ طَعَامًا مِنْ غَيْرِ مَا ابْتَاعَ ، وَمِمَّا ابْتَاعَ مِنْهُ إِذَا قَبَضَهُ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِيعُ الطَّعَامِ بِإِزَاءِ مِثْلِهِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَسَائِرِهِ بِالدِّينَارِ . 29227 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِي الدِّرْهَمِ إِنْ أَرَادَ ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا مَا قَالَهُ سَعِيدٌ .
29273 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ طَعَامًا بِرُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ كَسْرٍ مِنْ دِرْهَمٍ ، عَلَى أَنْ يُعْطَى بِذَلِكَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ . 29274 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : يُعْطَى بِذَلِكَ طَعَامًا يُرِيدُ الْكَسْرَ . 29275 - كَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ . 29276 - وَهَذَا بَيِّنٌ فِي مَذْهَبِهِ وَاضِحٌ ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ بِبَعْضِ دِرْهَمٍ طَعَامًا قَبَضَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ بِالْكَسْرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ طَعَامًا ، وَالدِّرْهَمُ لَمْ يَكُنْ يَتَبَعَّضُ عِنْدَهُمْ وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوْضِعِهِ ، فَلَمْ يَدْفَعْهُ ، وَشَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ فِي ذَلِكَ الْكَسْرِ طَعَامًا عِنْدَ الْأَجَلِ ، بِهَذَا لَا يُجِيزُكَ أَحَدٌ ، لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَذِكْرُ الْكَسْرِ مِنَ الدِّرْهَمِ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ فيه طعاما عِنْدَ الْأَجَلِ ، فَكَانَ ذِكْرُهُ لَغْوًا ، وَكَانَ فِي مَعْنَى الْحِيلَةِ ، أَوِ الذَّرِيعَةِ إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً . 29277 - هَذَا كُلُّهُ أَصْلُ مَالِكٍ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي الَّذِي يَبِيعُ سِلْعَتَهُ بِدَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِالدَّنَانِيرِ ، كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنْ يَبِيعَهُ لِسِلْعَتِهِ إِنَّمَا هُوَ بِالدَّرَاهِمِ . 29278 - وَذِكْرُ الدِّينَارِ لَغْوٌ ، فَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْكَسْرِ مِنَ الدِّرْهَمِ هُنَا لَغْوٌ ، وَهُوَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ . 29279 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، فَهُوَ عِنْدَهُما مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا عِنْدَهُمَا بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً .
29282 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ دِرْهَمًا ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ بِرُبْعٍ ، أَوْ بِثُلْثٍ أَوْ بِكَسْرٍ مَعْلُومٍ سِلْعَةً مَعْلُومَةً ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ سِعْرٌ مَعْلُومٌ ، وَقَالَ الرَّجُلُ : آخُذُ مِنْكَ بِسِعْرِ كُلِّ يَوْمٍ ، فَهَذَا لَا يَحِلُّ ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ ، يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً . وَلَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى بَيْعٍ مَعْلُومٍ . 29283 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِلْجَهْلِ بِمَبْلَغِ مَا يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ بِسِعْرِهِ ، لِانْخِفَاضِ الْأَسْعَارِ ، وَارْتِفَاعِهَا .
29280 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ طَعَامًا بِكَسْرٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يُعْطَى دِرْهَمًا وَيَأْخُذَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِرْهَمِهِ سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ ، لِأَنَّهُ أَعْطَى الْكَسْرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِضَّةً وَأَخَذَ بِبَقِيَّةِ دِرْهَمِهِ سِلْعَةً ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ . 29281 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ لَا يَدْخُلُهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْمَكْرُوهِ .
29254 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ مِنْهُ ، وَلِغَرِيمِهِ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ : أُحِيلُكَ عَلَى غَرِيمٍ ، لِي عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ ، بِطَعَامِكَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ . 29255 - قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ إِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يُحِيلَ غَرِيمَهُ بِطَعَامٍ ابْتَاعَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ سَلَفًا حَالًّا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحِيلَ بِهِ غَرِيمَهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ . 29256 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنْزَلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، وَلَمْ يُنْزِلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُسَلِّفُ الدَّرَاهِمَ النُّقَّصَ ، فَيُقْضَى دَرَاهِمَ وَازِنَةً فِيهَا فَضْلٌ ، فَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ دَرَاهِمَ نُقَّصًا ، بِوَازِنَةٍ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ ، ولَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ حِينَ أَسْلَفَهُ وَازِنَةً ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ نُقَّصًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ . 1312 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ : أَنَّ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ بَيْعٌ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَالتِّجَارَةِ ، وَأَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، لَا مُكَايَسَةَ فِيهِ . 29257 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَنَّ الْحَوَالَةَ بِالطَّعَامِ إِذَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ لَا يَجُوزُ ، وَإِذَا كَانَ مَنْ قَرْضَ جَازَ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى مَنِ ابْتَاعَهُ لَا مِنْ مِلْكِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، أَوْ قَالَ : حَتَّى يَقْبِضَهُ ، فَخَصَّ مُبْتَاعَ الطَّعَامِ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِ غَيْرِهِ ، لَا فِي ضَمَانِهِ ، وَجَازَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى غَيْرِهِ . 29258 - وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي الْقَرْضِ ، فَلَمْ يَرَ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُسْتَقْرِضِ . 29259 - وَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِهِ ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ الْحَوَالَةَ إِنْ كَانَتْ نَقْلَ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ ، وَتُحَوِّلُ مَا عَلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِرِضَا الْمُسْتَحِيلِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ كُلُّ مَا تَعَاوَضَ عَلَيْهِ الْمُتَعَاوِضَانِ ، فَلَمْ تَجُزِ الْحَوَالَةُ فِي الطَّعَامِ لِمَنِ ابْتَاعَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ . 29260 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ . 29261 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلِرَجُلٍ عَلَيْهِ طَعَامٌ ، فَأَحَالَ بِهِ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ مَا كَانَ لَهُ بَيْعٌ ، وَإِحَالَتُهُ بِهِ بَيْعٌ مِنْهُ لَهُ بِالطَّعَامِ الَّذِي عَلَيْهِ بِطَعَامٍ عَلَى غَيْرِهِ . 29262 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَلَا بَأْسَ عِنْدِهِمْ بِالْحَوَالَةِ ، فِي السَّلَمِ كُلِّهِ طَعَامًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَهُ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الْكَفَالَةِ ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ لِلْمُسَلَّمِ أَنْ يَسْتَحِيلَ بِمَا سَلَّمَ فِيهِ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ كَمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ رَهْنًا ، وَكَفَلًا ، وَأَخْرَجُوا الْحَوَالَةَ مِنَ الْبَيْعِ ، كَمَا أَخْرَجَهَا الْجَمِيعُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَمِنْ بَابِ الْبَيْعِ أَيْضًا . 29263 - وَلَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ مِنَ الْبَيْعِ مَا جَازَ أَنْ يَسْتَحِيلَ أَحَدٌ بِدَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرَ ، أَوْ بِدَرَاهِمَ مِنْ دَرَاهِمَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاءَ وَهَاءَ . 29264 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٌ ، بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ ، وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ ، وَغَيْرِهِ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ . 29265 - وَأَحْسَبُهُ أَرَادَ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي عَصْرِهِ ، أَوْ شُيُوخَهُ الَّذِينَ أَخَذَ عَنْهُمْ . 29266 - وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الشَّرِكَةَ ، وَلَا التَّوْلِيَةَ فِي الطَّعَامِ لِمَنِ ابْتَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ ، وَالتَّوْلِيَةَ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ . 29267 - وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ . 29268 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29269 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَنْزِلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، قَالَ : الْمَعْرُوفُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ ، وَلَا بَدَلٍ فِي غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِحْسَانٌ لَا عِوَضَ مِنْهُ إِلَّا الشُّكْرُ وَالْأَجْرُ . 29270 - وَأَمَّا السَّلَفُ الَّذِي هُوَ الْقَرْضُ ، فَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا فِيهِ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ إِذَا اشْتُرِطَتْ رِبًا ، وَلَيْسَ هَكَذَا سَبِيلُ الْبُيُوعِ ، وَالْعَرَايَا بَيْعٌ مَخْصُوصٌ فِي مِقْدَارٍ لَا يُتَعَدَّى . 29271 - وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْبُيُوعِ . 29272 - وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْعَرَايَا ، مِمَّا أَغْنَى عَنْ تَكْرَارِهِ هَاهُنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
29248 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِصَاحِبِهِ : لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ ، فَبِعْنِي الطَّعَامَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَقُولُ صَاحِبُ الطَّعَامِ : هَذَا لَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى ، فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ : فَبِعْنِي طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ حَتَّى أَقْضِيَكَهُ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ طَعَامًا ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ ، فَيَصِيرُ الذَّهَبُ الَّذِي أَعْطَاهُ ثَمَنَ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَيَصِيرُ الطَّعَامُ الَّذِي أَعْطَاهُ مُحَلِّلًا فِيمَا بَيْنَهُمَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ ، إِذَا فَعَلَاهُ ، بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29249 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفَهُ مَالِكٌ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَكْشُوفٌ ، فَقَدْ عَقَدَا عَلَيْهِ غَرِيمَتَهَا ، وَظَهَرَ ذَلِكَ فِي فِعْلِهِمَا إِذَا قَالَ لَهُ لَا أَبِيعُكَ الطَّعَامَ الَّذِي سَلَّمْتُ فِيهِ إِلَيْكَ ، وَحَتَّى أَقْبِضَهُ ، فَقَالَ لَهُ : بِعْنِي طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ أَصْرِفُهُ إِلَيْكَ فَضَامِنٌ طَعَامَكَ ، وَيَبْقَى ثَمَنُهُ عَلَى مَكَانِهِ ، إِنَّمَا بَاعَهُ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي عَقَدَهُ فِي الطَّعَامِ الْآخَرِ ، فَصَارَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ إِلَى سَائِرِ مَا يَدْخُلُهُ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا ، لِأَنَّهُ قَدْ صَرَفَ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ إِلَيْهِ ، وَصَارَ فِعْلُهُمَا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى تَحْلِيلِ مَا لَا يَحِلُّ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29250 - وَأَمَّا إِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ طَعَامًا مِنْ غَرِيمٍ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَا إِعَادَةٍ مَعْرُوفَةٍ ، ثُمَّ قَضَاهُ مِنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَعِنْدَ كُلِّ مَنْ لَا يَقُولُ بِإِعْمَالِ الظَّنِّ ، لِقَطْعِ الذَّرِيعَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْ غَرِيمِهِ سِلْعَةً بَعْدَ سِلْعَةٍ ، وَأَنْ يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةً بَعْدَ مُعَامَلَةٍ إِذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ السَّلَامَةِ ، فَإِذَا مَلَكَ الطَّعَامَ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَا كَلَامٍ هُوَ كَالشَّرْطِ ، وَقَبَضَهُ ، وَجَائِزٌ فِيهِ تَصَرُّفُهُ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ مِنْهُ ذَلِكَ الْغَرِيمُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ ، كَمَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا أَحَبَّ . 29251 - وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ ، لِأَنَّ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ قَدْ شَرَطَهُ ، وَقَصَدَهُ ، وَلَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْحَسَنُ فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ قَبِيحًا ، كَمَا لَا يَضُرُّهُ عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْقَبِيحُ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ حَسَنًا . 29252 - أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجِيزُ مَا لَا يُجِيزُهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ : أَبِيعُكَ سِلْعَتِي هَذِهِ بِكَذَا ، وَكَذَا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي فِي تِلْكَ الدَّرَاهِمِ دِينَارًا ، فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ مَعَ قُبْحِ الْكَلَامِ ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بِيَقِينٍ فِي بَيْعِهِ ، وَصَرْفًا مُتَأَخِّرًا عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا عِنْدَهُ ، فَإِنَّمَا بَاعَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ بِالدِّينَارِ ، وَكَانَ ذِكْرُ الدَّرَاهِمِ عِنْدَهُ لَغْوًا ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ . 29253 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ لَا يُرَاعِي فِيمَا يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ مِنَ الْبُيُوعِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِلَّا مَا اشْتَرَطَا ، وَذَكَرَا بِأَلْسِنَتِهِمَا ، وَظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِمَا لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُ : أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ أُنْظِرُكَ بِهَا حَوْلًا ، أَوْ شَهْرًا لَمْ يَحِلَّ ، وَلَوْ قَالَ : أَسْلِفْنِي دَرَاهِمَ ، وَأَمْهِلْنِي بِهَا حَوْلًا ، أَوْ شَهْرًا جَازَ ، وَلَيْسَ بَيْنَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ لَفْظُ الْقَرْضِ ، وَلَفْظُ الْبَيْعِ .
29284 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا جِزَافًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا ، إِلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ ذَلِكَ إِلَى الْمُزَابَنَةِ وَإِلَى مَا يُكْرَهُ ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا ، إِلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ إِلَّا الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . 29285 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ التَّمْرِ ، لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ فِي اسْتِثْنَاءِ التَّمْرِ . 29286 - وَقَالَ آخَرُ : إِنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ . 29287 - وَالصُّبْرَةُ عِنْدَهُ ، وَالْجِزَافُ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ كَثَمَرَةِ الْحَائِطِ ، سَوَاءٌ فِي بَيْعِ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْعُرُوضِ . 29288 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ بما لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 29289 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ إِلَى الْمُزَابَنَةِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَائِعَ الطَّعَامِ جِزَافًا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ طَعَامًا بِطَعَامٍ مِثْلِهِ كَيْلًا ، فَرَآهُ مِنَ الْخَطَرِ ، وَالْقِمَارِ ، وَالْمُزَابَنَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمِ الْبَاقِي الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ الْأُولَى . 29290 - وَهَذَا مَا كَرِهَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَ ، وَلَمْ يُجِزْهُ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَالِكَ . 29291 - وَقَدْ سَأَلَ يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ عِيسَى بْنَ دِينَارٍ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا ؟ فَقَالَ عِيسَى : مَعْنَى هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ أَنْ يَعِيبَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُعَاوَضَةً مِنَ الثَّمَنِ ، فَإِذَا بَانَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ ، قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ قَدْ غَابَ عَلَيْهِ ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ كُلَّهُ مُعَاوَضَةً بِنَقْدِ الثَّمَنِ ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : قُلْتُ : وَلِمَ ؟ قَالَ ، لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي السَّلَفِ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي غَابَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ ، وَيَزِيدُهُ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ . 29292 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِمَنِ اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ بِمَا يَقْبِضُ لَهُ مِثْلَهُ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ . 29293 - فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَازَ عِنْدَهُمَا لِمَنِ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مَا شَاءَ عَلَى سُنَّةِ الْبُيُوعِ إِنْ كَانَ بِطَعَامٍ يَدًا بِيَدٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَإِنْ كَانَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَكَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى سُنَّةِ الْبُيُوعِ وَمَا عابَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ مَعَ مَا وَصَفْنَا ، وَمَا لَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ . 29294 - وَقَدِ اخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ فِي بَيْعِ التَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِطَعَامٍ حَاضِرٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ . 29295 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا . 29296 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِذا يَبِسَ التَّمْرُ ، فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَائِهِ بِالطَّعَامِ نَقْدًا ، وَإِنْ تَفَرَّقَ قَبْلَ الْجَذِّ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهَا قَبْضٌ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا جَائِحَةٌ إِذَا يَبِسَتْ . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ لِي أَشْهَبُ .
1311 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ : لَا تَبِيعُوا الْحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ . 29228 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مُسْنَدًا . 29229 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تُزْهِيَ ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ ، وَيَأْمَنَ مِنَ الْعَاهَةِ ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ . 29230 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تُزْهِيَ ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ . 29231 - وَفِي نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ابْيَضَّ جَازَ بَيْعُهُ . 29232 - وَفِي مِثْلِ هَذَا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . 29233 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ . 29234 - وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ ، وَابْيَضَّ السُّنْبُلُ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ حَصَادِهِ . 29235 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ : 29236 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ إِذا يَبِسَ ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَاءِ ، وَابْيَضَّ السُّنْبُلُ جَائِزٌ . 29237 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ عَلَيْهِ حَصَادُهُ ، وَدَرْسُهُ . 29238 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يُسَلِّمَ الْحَبَّةَ إِلَى الْمُشْتَرِي مُمَيَّزًا مِنَ التِّبْنِ . 29239 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . 29240 - وَقَالَ غَيْرُهُمْ : حَصَادُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي . 29241 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَحْصُودًا ، فِي تِبْنِهِ ، إِلَّا أَنْ يَجُوزَ شِرَاءُ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ عَلَيْهَا جِلْدُهَا الْحَائِلُ دُونَ لَحْمِهَا . 29242 - قَالَ : وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْخُذُ عُشْرَ الْحُبُوبِ فِي أَكْمَامِهَا ، وَلَا يُجَوِّزُ بَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا . 29243 - قَالَ : وَمَنْ أَجَازَ بِيعَ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ فِي تِبْنِهَا . 29244 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : وَقِيلَ لَهُ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ إِذَا ابْيَضَّ ، وَاشْتَدَّ فِي سُنْبُلِهِ خَبَرٌ بِإِجَازَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : مَنْ رَوَاهُ ؟ قِيلَ لَهُ : رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الزَّرْعِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَشْتَدَّ . قَالَ : مَا أَحْفَظُ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، لِأَنَّهُ شَيْءٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ، وَبَيْعُهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَإِنْ صَحَّ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مَا وَسِعَنَا إِلَّا اتِّبَاعُهُ وَالْقَوْلُ بِهِ ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ اسْتِعْمَالُ قِيَاسٍ ، وَلَا مَعْقُولٍ مَعَ ثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِهِ . وَقَالَ : اضْرِبُوا عَلَيْهِ ، وَكَثِيرُهُ مِنْ بَيْعِ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ جَائِزٌ ، كَمَا جَاءَ الْخَبَرُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29245 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ كَالْمَقَاثِي ، وَالْمَوْزِ ، وَالْبَاذِنْجَانِ ، وَالْيَاسَمِينِ . وَلَا بَيْعُ مَا خُلِقَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي حِينِ الْبَيْعِ ، وَلَا بَيْعُ مَا خُلِقَ ، وَقَدَرُوا عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْأَرْضِ ، أَوْ غَيْرِهَا ، أَوْ حَالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ حَائِلٌ ، وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ خُلِطَ بِغَيْرِهِ خَلْطًا ، يَمْنَعُ أَنْ يُعْرَفَ مِقْدَارُهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِيهِ أَبْطَلَهُ . 29246 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29247 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَيْعُ الْجَزَرِ مَا دَامَ عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ ، حَتَّى تَزُولَ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا ، وَتَبْقَى فِي الْقِشْرَةِ السُّفْلَى الَّتِي فِيهَا بَقَاؤُهُ وَيَصِحُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ .
1314 ( 12 ) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ 1275 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَقِيلَ لَهُ : إِنْ عَامِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ يَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ادْعُوهُ لِي فَدُعِيَ لَهُ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا يَبِيعُونَنِي الْجَنِيبَ بِالْجَمْعِ صَاعًا بِصَاعٍ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ . ثُمَّ ابْتَعْ بِالدِّراهَمِ جَنِيبًا . 28495 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلًا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ ، رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَنَّ يَحْيَى ، وَطَائِفَةً مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا فِيهِ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ فِيهِ : عَبْدُ الْمَجِيدِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28496 - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَبْدَ الْحَمِيدِ ، وَنَسَبْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 28497 - وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 28498 - وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 28499 - وَرَوَاهُ أَيْضًا بِذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا . 28500 - حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا مِنَ التَّمْرِ مُخْتَلِفًا ، بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ . قَالَ : فَذَهَبْنَا نَتَزَايَدُ فِيهِ بَيْنَنَا ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ .
1316 1277 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ; أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ ، أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ؟ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْبَيْضَاءُ . فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ سَعْدٌ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنِ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ . فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . 28522 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : كُلُّ رُطَبٍ بِيَابِسٍ مِنْ نَوْعِهِ حَرَامٌ . 28523 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ يَحْيَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَرَوِهِ أَحَدٌ فِي الْمُوَطَّأِ غَيْرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ فِي مَذْهَبِهِ ، وَهَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ . 28524 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، لَمْ يَنْسِبْهُ ، فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ الْفَارِسِيُّ الْفَقِيهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ : وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرِهِمْ . 28525 - وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ حَدِيثًا ، وَلَا مَسْأَلَةً ، يَقُولُونَ : إِنَّهُ خرَّجَ عَلَى مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يُحَدِّثُوا بِشَيْءٍ مِنْ رِوَايَةٍ عَنْهُ ، أَوْ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَغَيْرِهِ . 28526 - وَأَمَّا زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ مَجْهُولٌ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، وَقَدْ قِيلَ : رَوَى عَنْهُ أَيْضًا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ . 28527 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ هَذَا هُوَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ اسْمُهُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ . 28528 - وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ ، وَمِمَّنْ حَفِظَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَى عَنْهُ ، وَشَهِدَ مَعَهُ بَعْضَ مَشَاهِدِهِ . 28529 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعْدًا عَنِ السُّلْتِ بِالشَّعِيرِ ؟ فَقَالَ : تَبَايَعَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ وَرُطَبٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا إِذَنْ . 28530 - وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلِ الزُّرَقِيَّ فِي أَبِي عَيَّاشٍ . 28531 - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ ، قَالَ : تَبَايَعَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِسُلْتٍ وَشَعِيرٍ ، فَقَالَ سَعْدٌ : تَبَايَعَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ ، وَرُطَبٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا إِذَنْ . 28532 - فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَيْضَاءَ هِيَ الشَّعِيرُ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ مَذْهَبِ سَعْدٍ أَنَّ الْحِنْطَةَ ، وَالشَّعِيرَ ، وَالسُّلْتَ عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ . 28533 - وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي أَنَّ الْبَيْضَاءَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الشَّعِيرُ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ وَكِيعٌ فَإِنَّهُ وَهِمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَالِكٍ : فَقَالَ فِيهِ عَنْهُ : لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ سَعْدًا عَنِ السُّلْتِ بِالذُّرَةِ ، فَكَرِهَهُ ، فَقَالَ سَعْدٌ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَوَهِمَ فِيهِ وَكِيعٌ ، إِذْ جَعَلَ الذُّرَةَ مَوْضِعَ الْبَيْضَاءِ . 28534 - وَالْبَيْضَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّعِيرُ ، وَالسَّمْرَاءُ عِنْدَهُمُ الْبُرُّ ، وَالذُّرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ صِنْفٌ مُنْفَرِدٌ . 28535 - وَسَنُذْكُرُ أَصْنَافَ الطَّعَامِ ، وَأَجْنَاسَهُ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ، وَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28536 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : أَيَّتُهُمَا أَكْثَرُ فِي الْكَيْلِ ، وَالْوَزْنِ . 28537 - ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنِي الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ، فَقَالَ : بَيْنَهُمَا فَضْلٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : فَلَا إِذَنْ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَسَأَلَ مَنْ حَوْلَهُ عَنِ الرُّطَبِ : أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا إِذَنْ . 28538 - وَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . 28539 - فَأَكْثَرُهُمْ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمُزَابَنَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَمَعْنَاهَا كُلُّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ . 28540 - حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَعَنْ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالزَّرْعِ كَيْلًا . 28541 - وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الفقهاء ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، لَا مُتَفَاضِلًا وَلَا مُتَمَاثِلًا . 28542 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 28543 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا . 28544 - وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ دُونَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَقَالَ : الرُّطَبُ بِتَمْرٍ وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ الرَّطْبَةُ بِالْيَابِسَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . 28545 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ بَيْعَ التِّينِ الْأَخْضَرِ بِالْيَابِسِ جَائِزٌ مُتَمَاثِلًا ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ . 28546 - وَهَذَا خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَقْلِ الْعُدُولِ ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ . 28547 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ ، فَأَمَّا الرَّطْبَةُ مِنَ الْأَصْلِ ، فَلَا تَجُوزُ بِالْيَابِسَةِ . 28548 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَجُوزُ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا مُتَفَاضِلَةً . 28549 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّهُ أَجَازَ الْعَجِينَ بِالْعَجِينِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . 28550 - وَرَوَاهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّقِيقِ بِالْعَجِينِ : لَا يَجُوزُ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا مُتَفَاضِلًا ، وَلَا على التَّحَرِّي ، قَالَ : ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : إِنْ تَحَرَّى فَلَا بَأْسَ بِهِ . 28551 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالْيَابِسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا عَلَى التَّحَرِّي ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . 28552 - وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ . 28553 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . 28554 - وَبِهِ قَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ أَبِي الْغَمْرِ . 28555 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَجُوزُ الْعَجِينُ بِالْعَجِينِ ، وَلَا الدَّقِيقُ بِالدَّقِيقِ ، وَلَا اللَّحْمُ الطَّرِيُّ بِالْيَابِسِ ، لَا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا مُتَفَاضِلًا ، اسْتِدْلَالًا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ; لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ . 28556 - فَالتَّقْدِيرُ لِلِاسْتِفْهَامِ ، يَقُولُ : أَلَيْسَ الرُّطَبُ يَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ ، فَكَيْفَ يُبَاعُ بِالتَّمْرِ ؟ وَالْمُمَاثَلَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا فِيهِمَا ، لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهَا ، وَالتَّفَاضُلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِيهِمَا لَا يُؤْمِنُ . 28557 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ لَا يُبَاعُ مِنْهُ كَيْلٌ بِجُزَافٍ ، وَلَا مَعْلُومٌ بِمَجْهُولٍ ، وَلَا مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، كَذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1315 1276 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ . وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ . بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ . ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا . 28501 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ : عَبْدُ الْمَجِيدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . 28502 - وَأَمَّا عَامِلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْبَرَ الَّذِي جَاءَهُ بِالتَّمْرِ الْجَنِيبِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ هَذَا ، وَحَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَيْضًا ، فَهُوَ سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ الْبَلَوِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَا بَدْرًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . 28503 - رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَوَّارَ بْنَ غَزِيَّةَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَّرَهُ عَلَى خَيْبَرَ ، فَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا فَقَالَ : لَا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، هَذَا سَوَاءً . 28504 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ التَّمْرَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، رَدِيئُهُ وَجَيِّدُهُ ، وَرَفِيعُهُ وَوَضِيعُهُ ، لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . 28505 - وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ : جَمِيعُ الطَّعَامِ ، فَلَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ الزِّيَادَةُ ، وَلَا النَّسِيئَةُ ، فَإِنْ كَانَ جِنْسَيْنِ وَصِنْفَيْنِ مِنَ الطَّعَامِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّشْبِيهُ ، وَجَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ . 28506 - فَهَذَا حُكْمُ الطَّعَامِ الْمُقْتَاتُ الْمُدَّخَرُ كُلُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ . 28507 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَالطَّعَامُ كُلُّهُ مُقْتَاتٌ ، وَغَيْرُ مُقْتَاتٍ مُدَّخَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُدَّخَرٍ عِنْدَهُ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، مُتَفَاضِلًا ، وَلَا نَسِيئَةً . 28508 - وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ الطَّعَامُ الْمَكِيلِ كُلُّهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَوْزُونُ عِنْدَهُمْ ، وَسَنُبَيِّنُ مَذَاهِبَهُمْ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28509 - وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ يَدْخُلُهُ الرِّبَا مِنْ وَجْهَيْنِ ، لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً ، إِلَّا أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي الِاقْتِيَاتِ وَغَيْرِهِ ، وَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَغَيْرِهِمَا . 28510 - وَالْجِنْسُ الْوَاحِدُ مِنَ الطَّعَامِ كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا نَسِيئَةً . 28511 - وَكَذَلِكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ ذَهَبًا بِوَرِقٍ جَازَ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا تَحِلُّ فِيهِمَا النَّسِيئَةُ . 28512 - وَهَكَذَا الطَّعَامُ ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي أَصْنَافِهِ فِي مَوْضِعِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28513 - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِتَحْرِيمِ الشَّيْءِ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَابُ مِمَّا يُعْذَرُ الْإِنْسَانُ بِجَهْلِهِ مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ . 28514 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا 28515 - وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ 28516 - وَالْبَيْعُ إِذَا وَقَعَ مُحَرَّمًا ، فَهُوَ مَفْسُوخٌ مَرْدُودٌ ، وَإِنْ جَهِلَهُ فَاعِلُهُ . 28517 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ . 28518 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَدِّ هَذَا الْبَيْعِ مِنْ حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا . 28519 - وَرَوَى مَنْصُورٌ ، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ : كَانَ عِنْدِي تَمْرٌ دُونٌ ، فَابْتَعْتُ أَجْوَدَ مِنْهُ فِي السُّوقِ بِنِصْفِ كَيْلِهِ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ، وَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا ؟ فَحَدَّثْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ ، فَقَالَ : هَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ ، انْطَلِقْ ، فَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَخُذْ تَمْرَكَ ، وَبِعْهُ بِحِنْطَةٍ ، أَوْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ اشْتَر مِنْ هَذَا التَّمْرِ ثُمَّ ائْتِنِي بِهِ ، فَفَعَلْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، فَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ ، فَهُوَ رِبًا ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَخُذُوا وَاحِدًا بِعَشَرَةٍ . 28520 - وَفِي اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ إِذَا وَقَعَ بِالرِّبَا ، فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنِّهْيِ عَنِ التَّفَاضُلِ في ذَلِكَ ، وَلِهَذَا سَأَلَهُ عَنْ فِعْلِهِ لِيُعْلِمَهُ بِمَا أَحَدَثَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ حُكْمِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ بِفَسْخِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إِلَيْهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28521 - وَقَدِ احْتَجَّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ أَجَازَ أَنْ يَبَيْعَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ مِنْ رَجُلٍ بِالنَّقْدِ ، وَيَبْتَاعَ مِنْهُ بِذَلِكَ النَّقْدِ طَعَامًا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، وَبَعْدَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ فِيهِ بَائِعَ الطَّعَامِ ، وَلَا مُبْتَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ .
30682 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ يُعْطَى السِّلْعَةَ ، فَيُقَالُ لَهُ : بِعْهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا ، فِي كُلِّ دِينَارٍ ، لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّهُ كُلَّمَا نَقَصَ دِينَارٌ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ ، نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي سَمَّى لَهُ ، فَهَذَا غَرَرٌ ، لَا يَدْرِي كَمْ جَعَلَ لَهُ . 30683 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُ : لَكَ مَنْ كُلِّ دِينَارٍ دِرْهَمٌ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَلَا يَدْرِي كَمْ مَبْلَغُ الدَّنَانِيرِ مَنْ ثَمَنِ تِلْكَ السِّلْعَةَ ، فَتِلْكَ أُجْرَةٌ مَجْهُولَةٌ ، وَجُعْلٌ مَجْهُولٌ . 30684 - وَمَنْ جَعَلَ الْإِجَارَةَ بَيْعًا مِنَ الْبُيُوعِ ، وَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعَ ، لَمْ يُجِزْ فِيهَا الْبَدَلَ الْمَجْهُولَ ، كَمَا لَا يُجِيزُهُ الْجَمِيعُ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ . 30685 - وَهَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ . 30686 - وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى جَوَازِ الْمَجْهُولَاتِ فِي الْإِجَارَاتِ مِنَ الْبَدَلِ ، فَأَجَازُوا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ حِمَارَهُ لِمَنْ يَسْتَقِي عَلَيْهِ الْمَاءَ ، وَيَنْتَقِلُ ، وَيَعْمَلُ بِنِصْفِ مَا يُهَيِّئُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ ، وَسَعْيِهِ عَلَى ظَهْرِهِ . 30687 - وَكَذَلِكَ الْحَمَامُ يُعْطِيهِ لِمَنْ يُنْظَرُ لَهُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَحْصُلُ بِيَدَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ قِيَاسًا مِنْهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاضِ . 30688 - وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ يُجِيزُونَ إِجَارَتَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا . 30689 - وَكَذَلِكَ لَفْظُ الزَّيْتُونِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَجْمَعُ مِنْهُ فِي يَوْمِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ . 30690 - وَاعْتَلُّوا بِالْقِرَاضِ ، وَالْمُسَاقَاةِ وَبِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَبَاحَ إِجَارَةَ الْمُرْضِعِ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ لَبَنَ الظِّئْرِ ، وَمَا يَأْخُذُ مِنْهُ الصَّبِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الصِّبْيَانِ فِي الرِّضَاعِ ، وَاخْتِلَافِ أَلْبَانِ النِّسَاءِ ، كُلُّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مُتَبَايِنٌ ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِجَوَازِ ذَلِكَ . 30691 - وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ يَطُولُ ، وَفِيمَا جِئْنَا بِهِ مِنْهُ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
30677 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ السِّلْعَةَ يَبِيعُهَا لَهُ ، وَقَدْ قَوَّمَهَا صَاحِبُهَا قِيمَةً ، فَقَالَ : إِنْ بِعْتَهَا بِهَذَا الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ ، فَلَكَ دِينَارٌ ، أَوْ شَيْءٌ يُسَمِّيهِ لَهُ ، يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا ، فَلَيْسَ لَكَ شَيْءٌ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِذَا سَمَّى ثَمَنًا يَبِيعُهَا بِهِ ، وَسَمَّى أَجْرًا مَعْلُومًا ، إِذَا بَاعَ أَخَذَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلَا شَيْءَ لَهُ . 30678 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى غُلَامِي الْآبِقِ ، أَوْ جِئْتَ بِجَمَلِي الشَّارِدِ ، فَلَكَ كَذَا ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجُعْلِ ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ ، لَمْ يَصْلُحْ . 30679 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْجُعْلِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ 30680 - وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ جَوَازِ الْجُعْلِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْآبَاقِ ، وَالضَّوَالِّ . 30681 - وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهُ : إِنْ بِعْتَ لِي سِلْعَتِي هَذِهِ بِكَذَا ، فَلَكَ كَذَا ، أَوْ إِلَّا ، فَلَا شَيْءَ لَكَ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ ، وَنَصَبَهُ ، وَتَعَبَهُ فِي طَلَبِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي سِلْعَةٍ كَنَصَبِهِ فِي طَلَبِ الْآبِقِ ، وَالضَّالَّةِ فَإِنْ وَجَدَهُ حَصَلَ عَلَى مَا جُعِلَ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَا .
1395 1358 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ، ثُمَّ يُكْرِيهَا بِأَكْثَرِ مِمَّا تَكَارَاهَا بِهِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 30692 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْخَلَفُ وَالسَّلَفُ فِيمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ : 30693 - فَقَالَ مَالِكٌ : قَدْ مَلَكَ الْمُكْتَرِي بِالْعَقْدِ مَنَافِعَ الْأَصْلِ الَّذِي اكْتَرَى ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ ، وَيَمْلِكُ الْمُكْتَرِي ثَمَنَ مَا يَقْبِضُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ بِلَا اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ . فَكَذَلِكَ الْمُكْتَرِي ، وَالْمُسْتَأْجِرُ ; لِمَا يَسْتَأْجِرُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَيُكْرِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ . 30694 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْإِجَارَاتِ صِنْفٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَجِبُ لَهُ بِالْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ فِي الدَّارِ ، وَالْعَبْدِ ، وَالدَّابَّةِ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي اشْتَرَطَ ، وَيَكُونُ أَحَقُّ بِهَا مَنْ مَلَكَ أَصْلَهَا ، فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ الْمَقْبُوضَةِ إِذَا قَبَضَ الْأَصْلَ الَّذِي تَطْرَأُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا خَالَفَ الْعَيْنَ كَانَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُكْتَرَى بِالدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ دَيْنًا بِدَيْنٍ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ . 30695 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا مَنْ كَرِهَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الدَّارَ ، أَوِ الدَّابَّةَ ، ثُمَّ يُؤَاجِرَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا بِهِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ; لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَصْلِ مِنَ الْمُؤَاجِرِ صَاحِبِ الْأَصْلِ ، لَا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ . 30696 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا ، أَوْ دَابَّةً ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ إِيَّاهَا أَنْ يُؤَاجِرَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا بِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتِ الْأُجْرَةُ لَهُ ، وَأَمَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِفَضْلِهَا عَمَّا اسْتَأْجَرَهَا بِهِ . 30697 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ لِمَعْمَرٍ : مَا كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ اكْتَرِي شَيْئًا ، ثُمَّ رَبِحَ فِيهِ ؟ فَقَالَ مَعْمَرٌ : أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ سِيرِينَ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : كَانَ إِخْوَانُنَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَكْرَهُونَهُ . 30698 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : كَرِهَهُ مِنْهُمُ اثْنَانِ ، وَرَخَّصَ فِيهِ اثْنَانِ ، قُلْتُ : مَنْ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . 30699 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَسَأَلْتُ الثَّوْرِيَّ عَنْهُ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَحُصَيْنٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَرَجُلٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ إِلَّا أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ عَمَلًا . 30700 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ فِي الدَّارِ أَوِ الْحَانُوتِ مَا يَزِيدُهُ فِي أُجْرَتِهَا ، أَوْ بِحَدِّ الْقَدُومِ ، أَوْ بِصَقْلِ السَّيْفِ ، أَوْ يُصْلِحَ الْإِكَافَ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَيَجُوزُ لهِ مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْكِرَاءِ فِيهِ . 30701 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ . 30702 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الشَّيْءَ ، فَيُؤَاجِرُهُ بِأَكْثَرَ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 30703 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 30704 - وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيْحٌ ، وَحَمَّادٌ . 30705 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ أَجَازَهُ . 30706 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : الْعِلَّةُ الَّتِي وَصَفْنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . تَمَّ كِتَابُ الْبُيُوعِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ .
1393 ( 46 ) بَابُ جَامِعِ الْبُيُوعِ 1355 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ قَالَ : فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ : لَا خِلَابَةَ . 30614 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُقَالُ : إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ جَدُّ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ مُنْقِذًا سُفِعَ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَخَبَلَتْ لِسَانَهُ ، فَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِعْ ، وَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ بَيْعِكَ . 30615 - قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِذَا بَايَعَ : لَا خِلَابَةَ لَا خِلَابَةَ . 30616 - وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ مُنْقِذٍ هَذَا إِسْنَادٌ آخَرُ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ أَنَّ جَدَّهُ مُنْقِذًا كَانَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً ، فَكَانَ إِذَا بَاعَ غُبِنَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِذَا بِعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ . 30617 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الْإِسْنَادَيْنِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 30618 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ حَبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ هُوَ الَّذِي كَانَ يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، وَفِيهِ جَاءَ الْحَدِيثُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَأَثْبَتُ فِيهِ أَنَّهُ مُنْقِذٌ أَبُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 30619 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : 30620 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : هُوَ خُصُوصٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ ، وَجَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخِيَارَ فِي الْبُيُوعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا ، شَرَطَ الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ; لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ ضَعْفٍ كَانَ فِيهِ ، يَقُولُونَ فِي عَقْلِهِ وَلِسَانِهِ وَكَانَ يُخْدَعُ كَثِيرًا ، فَجَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخِيَارَ ثَلَاثًا فِيمَا بَاعَ ، أَوِ ابْتَاعَ ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ خُدِعَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَيْبًا إِلَّا الْغَبْنَ وَحْدَهُ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ . 30621 - وَقِيلَ : إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِنَفَسِهِ الْخِيَارَ ثَلَاثًا مَعَ قَوْلِهِ : لَا خِلَابَةَ ، لَا خِلَابَةَ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لِمَنْ بَايَعَهُ : إِذَا بَانَ لِي فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَنِّي خُدِعْتُ فَلِي الرَّدُّ إِنْ شِئْتُ ، أَوِ الْإِمْسَاكُ . وَإِنْ لَمْ أَجِدْ عَيْبًا كَسَائِرِ مُشْتَرِطِي الْخِيَارِ . 30622 - وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْتَعْمَلًا ، مَعْنَاهُ فِي كُلِّ مِنَ اشْتَرَى وَبَاعَ إِذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ ثَلَاثًا ، وَظَهَرَ إِلَيْهِ فِيهَا أَنَّهُ غُبِنَ ، وَخُدِعَ . 30623 - وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَمُدَّتِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ . 30624 - وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّ الْوَكِيلَ ، وَالْمَأْمُونَ بِبَيْعِ شَيْءٍ ، أَوْ شِرَائِهِ إِذَا بَاعَ ، أَوِ اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ . 30625 - وَكَذَلِكَ فِعْلُ الْوَصِيِّ فِي مَالِ يَتِيمِهِ إِذَا فَعَلَ فِي الْبَيْعِ لَهُ ، أَوِ الشِّرَاءِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ لِمَالِ غَيْرِهِ وَاسْتِهْلَاكٌ ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مَالَ غَيْرِهِ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . 30626 - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ هُوَ الثُّلُثُ ، فَمَا فَوْقَهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ ، أَوْ قِيمَتِهَا ، وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُرَدَّ فِيهِ الْبَيْعُ إِذْ لَمْ يُقْصَدْ إِلَيْهِ ، وَيَمْضِي فِيهِ اجْتِهَادُ الْوَصِيِّ ، وَالْوَكِيلِ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمَا . 30627 - وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي بَيْعِهِ ، وَشِرَائِهِ أَنَّهُ إِنْ غُبِنَ غَبْنًا بَيِّنًا فِيمَا بَاعَ ، أَوِ ابْتَاعَ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، وَهُوَ مَالِكٌ لِنَفْسِهِ ، جَائِزُ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ في سماع عيسى منه في كتاب الرهون من المستخرجة ، باب سماع ابن القاسم ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السَّفَهِ جَارِيَةً بِخَمْسِينَ دِينَارًا قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ ، أَوْ بَاعَهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَقِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا جَازَ ذَلِكَ لَهُ . 30628 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمَ خِلَافًا فِي بَيْعِ الْمَالِكِ لِنَفَسِهِ الْجَائِزِ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَسْئِلًا مُسْتَنْصِحًا لِلَّذِي عَامَلَهُ أَنَّهُ حَلَالٌ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بَيْعًا بِأَكْثَرَ مَا يُسَاوِي أضِعَافًا إِذَا لَمْ يُدَلِّسْ لَهُ بِعَيْبٍ ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ أَوْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا مِنَ السِّلَعِ ، قَدْ جَهِلَهَا مُبْتَاعُهَا ، أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ تِلْكَ الْعَيْنِ ، كَرَجُلٍ بَاعَ قَصْدِيرًا ، أَوِ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ فِضَّةٌ ، أَوْ رُخَامًا ، أَوْ نَحْوَهُ عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ . 30629 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلِلْمُشْتَرِي ذَلِكَ رَدُّهُ ، وَلِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ إِذَا بَاعَ لُؤْلُؤًا عَلَى أَنَّهُ عَظْمٌ ، أَوْ فِضَّةً عَلَى أَنَّهُ قَصْدِيرٌ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ . 30630 - وَأَمَّا أَثْمَانُ السِّلَعِ فِي الرُّخْصِ ، وَالْغَلَاءِ ، وَارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ ، وَانْخِفَاضِهَا ، فَجَائِزٌ التَّغَابُنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَالِكًا لِأَمْرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا . 30631 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ 30632 - وَكُلُّ بَيْعٍ كَانَ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَمْ يَنْهَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْهُ ، وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا 30633 - وَدَلِيلُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَقَوْلُهُ : دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 30634 - وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْفَرَسِ الَّذِي جَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ وَجَدَهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ ، لَا يَشْتَرِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ . 30635 - وَقَالَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ في الرَّابِعَةِ : بِيعُوهَا ، وَلَوْ بِضَفِيرٍ - يَعْنِي - حَبْلَ الشَّعْرِ . 30636 - وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُقَاسَمَةَ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الْمَرْضَاةِ بِغَيْرِ تَقْوِيمٍ ، فَلَا خِيَارَ فِي الْغَبْنِ لَهَا كَثُرَ ، أَوْ قَلَّ ، وَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَةُ وَالْبَيْعُ ، وَأَمَّا الْغَبْنُ وَالْخِلَابَةُ ، فَحَرَامٌ ، وَكَذَلِكَ خَدِيعَةُ الْمُسْتَسْئِلِ الْمُسْتَنْصِحِ حَرَامٌ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ مُنْقِذٍ . 30637 - وَقَوْلُهُ : لَا خِلَابَةَ كَأَنْ يَقُولُ : انْصَحْ لِي ، وَلَا تَخْدَعْنِي ، فَإِنْ فَعَلْتَ ، فَأَنَا بِالْخِيَارِ إِذَا بَانَ ذَلِكَ لِي . 30638 - وَقَدِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مَنْ لَمْ يَرَ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ الْمُتْلِفِ لِمَالِهِ . 30639 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 30640 - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنْ رَجُلًا كَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ ، وَكَانَ يُبَايِعُ ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، احْجُرْ عَلَيْهِ . فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَهَاهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ ؟ فَقَالَ : إِذَا بَايَعْتَ ، فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ .
30658 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْإِبِلَ أَوِ الْغَنَمَ أَوِ الْبَزَّ أَوِ الرَّقِيقَ ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْعُرُوضِ جِزَافًا : إِنَّهُ لَا يَكُونُ الْجِزَافُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُعَدُّ عَدًّا . 30659 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كُرِهَ الْجِزَافُ فِي الْمَعْدُودَاتِ ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنَ الْغَرَرِ الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ ، كَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ . 30660 - وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَبِيدِ ، وَالدَّوَابِّ ، وَالْأَنْعَامِ ، وَالثِّيَابِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ الْجِزَافُ ; لِأَنَّهُ غَرَرٌ بَيِّنٌ إِذَا تَرَكَ عَدَّهُ ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَأَوُّلُهُ ، وَتَقْلِيبُهُ ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِ كَانَ مِنَ الْمُلَامَسَةِ ، وَكَانَ أَشَدَّ فَسَادًا . 30661 - وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْجِزَافُ ; لِأَنَّهُ غَرَرٌ بَيِّنٌ . 30662 - وَقَدِ اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ، وَالْبَيْضِ عَدًّا ، وَصَغِيرُ ذَلِكَ ، وَكَبِيرُهُ سَوَاءٌ . 30663 - وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ زُفَرَ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْجَوْزِ وَالْبَيْضِ . 30664 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الرُّمَّانُ ، وَالْبَيْضُ ، لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِمَا ; لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا نَصَفٌ ، فَإِنْ ضُبِطَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ جَازَ فِيهِ السَّلَمُ . 30655 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْجَوْزِ ، وَلَا في الْبَيْضِ ، وَلَا فِي الرُّمَّانِ إِلَّا أَنْ يُضْبَطَ بِكَيْلٍ ، أَوْ وَزْنٍ . 30666 - وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ إِذَا سَمَّى جِنْسًا مِنَ الْحِيتَانِ ، وَيُشْتَرَطُ الطُّولُ ، أَوْ يَكُونُ وَزْنًا . 30667 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ وَزْنًا ، وَيَصِفُ صَغِيرًا ، أَوْ كَبِيرًا . 30668 - وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : فَالْأَشْهُرُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ ، وَالْمَالِحِ وَزْنًا مَعْلُومًا . 30669 - وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ ، وَلَا الْمَالِحِ . 30670 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ فِي الْمَالِحِ ، وَالصِّغَارِ الَّتِي تُكَالُ . 30671 - وَاخْتُلِفَ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الْعَدَدِ وَالْجِزَافِ صَفْقَةً وَاحِدَةً : 30672 - فَرَوَى أَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مَعَ الْجِزَافِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، لَا كَيْلَ وَلَا وَزْنَ ، وَلَا عَرَضَ ، وَلَا غَيْرَهُ . 30673 - وَقَالَ أَصْبَغُ : وَأَجَازَهُ لَنَا أَشْهَبُ . 30674 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يُجِيزُ ذَلِكَ . 30675 - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مَعَ الْجِزَافِ عَدَدٌ ، وَلَا غَيْرُهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مَعَ الْجِزَافِ شَيْءٌ مِنَ الْكَيْلِ ، وَالْوَزْنِ . 30676 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَائِرُ الْعُلَمَاءِ يُجِيزُونَ بَيْعَ كُلِّ مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ ، وَيَتَّفِقُونَ عَلَى مَبْلَغِهِ جِزَافًا كَانَ أَوْ عَدَدًا ، وَلَا يَضُرُّ الْجِزَافُ الْجَائِزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْضَافَ إِلَيْهِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1395 1357 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ : أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ، سَمْحًا إِنْ بَاعَ ، سَمْحًا إِنِ ابْتَاعَ ، سَمْحًا إِنْ قَضَى ، سَمْحًا إِنِ اقْتَضَى . 30655 - وَهَذَا اللَّفْظُ قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرِقِ صَالِحٍ ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ . 30656 - وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثٌ حَسَنٌ جَدًا صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ : 30657 - مِنْهَا مَا رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خِدَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَتَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ لِرُوحِ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَلْ عَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : مَا أَذْكُرُ أَنِّي عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا قَطُّ ، فَقِيلَ لَهُ : اذْكُرْ ، فَقَالَ : مَا أَذْكُرُ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا أُدَايِنُ النَّاسَ ، فَكُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ ، وَيَتَجَاوَزَوا عَنِ الْمُعْسِرِ ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : تَجَاوَزُوا عَنْهُ ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّجَاوُزِ .
1394 1356 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : إِذَا جِئْتَ أَرْضًا يُوفُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، فَأَطِلِ الْمُقَامَ بِهَا ، وَإِذَا جِئْتَ أَرْضًا يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، فَأَقْلِلِ الْمُقَامَ بِهَا . 30641 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْمُقَامُ بِأَرْضٍ يَظْهَرُ مِنْهَا الْمُنْكِرُ ظُهُورًا ، لَا يُطَاقُ تَغْيِيرُهُ ، وَأَنَّ الْمُقَامَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الْحَقُّ ، وَالْعَدْلُ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الْأَغْلَبِ مَحْمُودٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ إِذَا وُجِدَ . 30642 - وَأَمَّا بَخْسُ الْمِكْيَالِ ، وَالْمِيزَانِ ، فَمِنَ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ ، وَالْمُنْكَرِ . 30643 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَقَالَ : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 30644 - قَالَ قَتَادَةُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ : ابْنَ آدَمَ ! أَوْفِ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُوَفَى لَكَ ، وَاعْدِلْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُعْدَلَ عَلَيْكَ . 30645 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي ! إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ هَذَا الْمِكْيَالُ ، وَهَذَا الْمِيزَانُ . 30646 - وَمَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ يَكِيلُ كَيْلًا يَعْتَدِي فِيهِ ، فَقَالَ له : وَيْلَكَ ! مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَنَهَى عَنِ الْعُدْوَانِ . 30647 - وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : بَخْسُ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ سَوَادُ الْوَجْهِ غَدًا فِي الْقِيَامَةِ . 30648 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَّانَ بْنَ خَثْعَمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْبَقِيعِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ ! إِنَّ التُّجَّارَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ . 30649 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمُرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : التُّجَّارُ هُمُ الْفُجَّارُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ، وَحَرَّمَ الرِّبَا ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ . فَيَأْثَمُونَ ، وَيَحْزَنُونَ ، وَيَكْذِبُونَ . 30650 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحَلِفُ منفِقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ . 30651 - وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ، مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ . 30652 - رَوَاهُ عَنِ الْعَلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 30653 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبَانُ ابْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي غَرَزَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ ! إِنِ الشَّيْطَانَ ، وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ بَيْعَكُمْ ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ . 30654 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي غَرَزَةَ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ : إِنِ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ وَاللَّغْوُ ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ .
1300 ( 6 ) بَابُ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَلَهَا زَوْجٌ 1261 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَهْدَى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ جَارِيَةً ، وَلَهَا زَوْجٌ ، ابْتَاعَهَا بِالْبَصْرَةِ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : لَا أَقْرَبُهَا حَتَّى يُفَارِقَهَا زَوْجُهَا ، فَأَرْضَى ابْنُ عَامِرٍ زَوْجَهَا ، فَفَارَقَهَا . 28245 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 28246 - وَفِيهِ يَقُولُ ابْنُ أُذَيْنَةَ : وَإِنَّ الَّذِي أَعْطَى الْعِرَاقَ ابْنُ عَامِرٍ لِذِي الَّذِي أَجْرَى السُّنَّةَ مَعَافِرِي
1301 1262 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا . 28247 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ، فَأُخْبِرَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا ، فَرَدَّهَا . سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو . 28248 - قَالَ : سُئِلَ شُرَيْحٌ عَنِ الْأَمَةِ تُشْتَرَى ، وَلَهَا زَوْجٌ ؟ فَقَالَ : لَا يَصْلُحُ سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ ، نَقُولُ : لَا يَصْلُحُ أَنْ يُصِيبَهَا وَلَهَا زَوْجٌ . 28249 - سُفْيَانُ عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَطَأَ امرأة لَوْ وَجَدْتُ عِنْدَهَا رَجُلًا لَمْ نُقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ . 28250 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي خَبَرِ ابْنِ شِهَابٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عَامِرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ لَا يَرَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا ، وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ ، وَامْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلَا احْتَاجَ إِلَى مُفَارَقَةِ زَوْجِهَا لَهَا . 28251 - وَمَذْهَبُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ . 28252 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَارِيَةِ تُبَاعُ ، وَلَهَا زَوْجٌ ، أَوِ الْعَبْدِ يُبَاعُ ، وَلَهُ زَوْجَةٌ ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 28253 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ لِلْأَمَةِ زَوْجٌ ، أَوْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا تُرَدُّ مِنْهُ . 28254 - وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ ، أَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا وَلَدٌ . 28255 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ امْرَأَةٌ ، أَوْ أَمَةً لَهَا زَوْجٌ ، ثُمَّ عَلِمَ ، فَهَذَا عَيْبٌ ، تُرَدُّ مِنْهُ . 28256 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ . 28257 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ . 28258 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : هُوَ عَيْبٌ تُرَدُّ مِنْهُ . 28259 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : الزَّوْجُ لِلْجَارِيَةِ عَيْبٌ ، وَإِنْ وُجِدَ لِلْعَبْدِ امْرَأَةٌ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى طَلَاقِهَا ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُطَلِّقَهَا ، وَلَزِمَتْهُ نَفَقَةٌ لَهَا ، فَهِيَ عَلَى الْبَائِعِ . 28260 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ كَانَ يُنْقِصُ كَوْنُهَا ذَاتَ زَوْجٍ مِنَ الثَّمَنِ ، فَهُوَ عَيْبٌ ، وَإِلَّا فَلَا . 28261 - وَلَيْسَ عِنْدَهُ بِعَيْبٍ مَا لَمْ يُنْقِصْ مِنَ الثَّمَنِ ، وَمَا نَقَصَ مِنْهُ قَلَّ ، أَوْ كَثُرَ فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ مِنْهُ . 28262 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ بَاعَ أَمَتَهُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، أَوِ الْمَوْتِ ، أَوْ حَائِضًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَيْبا تُرَدُّ مِنْهُ .
1363 ( 29 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ . 1325 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ . وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . يَعْنِي بِمَهْرِ الْبَغِيِّ مَا تُعْطَاهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ رُشْوَتَهُ ، وَمَا يُعْطَى عَلَى أَنْ يَتَكَهَّنَ . 29475 - قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ . 29476 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ حَرَامٌ ، وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . 29477 - وَالْبَغِيُّ : الزَّانِيَةُ ، وَالْبِغَاءُ : الزِّنَا . 29478 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا يَعْنِي زَانِيَةً . 29479 - وَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ أَيْ عَلَى الزِّنَا . 29480 - وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي حُلْوَانِ الْكَاهِنِ أَنَّهُ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كَهَانَتِهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ . 29481 - وَالْحُلْوَانُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ : الْعَطِيَّةُ . 29482 - قَالَ الشَّاعِرُ : فَمَنْ رَجُلٌ أَحْلُوهُ رَحْلِي وَنَاقَتِي يُبَلِّغُ عَنِّي الشِّعْرَ إِذَا مَاتَ قَائِلُهُ . 29483 - وَأَمَّا بَيْعُ الْكِلَابِ ، وَأَثْمَانُهَا ، وَقِيمَتُهَا عَلَى مَنْ قَتَلَهَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَالْحُجَّةُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ صَحِيحَةٌ . 29484 - مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ ، أَوْ مَاشِيَةٍ . 29485 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِذَا كَانَ غَيْرَ الضَّارِي مِنَ الْكِلَابِ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ ، فَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ الْمُبَاحِ اتِّخَاذُهُ لَا الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِ ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ مَعْدُومٌ ، وَلِأَنَّهُ مُحَالٌ أَلَّا يُطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ قَتْلِهِ . 29486 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عِنْدَهُ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ الَّذِي أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ فَأَجَازَ مَرَّةً ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي ، وَمَنَعَ مِنْهُ أُخْرَى . 29487 - وَوَجْهُ إِجَازَةِ بَيْعِ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْكِلَابِ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، فَمَنْ نَذَرَ مَعَهُ حُلْوَانَ الْكَاهِنِ ، وَمَهْرَ الْبَغِيِّ ، وَهَذَا لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ الْكَلْبُ الَّذِي لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لِأَنَّ مِنَ الْكِلَابِ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ بَيْعُهُ . 29488 - وَلَا خِلَافَ عَنْهُ مَنْ قَتَلَ كَلْبَ صَيْدٍ ، أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ ، فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ . 29489 - وَمَنْ قَتَلَ كَلْبَ الدَّارِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسْرَحُ مَعَ الْمَاشِيَةِ . 29490 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ ، وَاخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ . 29491 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْكَلْبِ الضَّارِي ، وَلَا غَيْرِ الضَّارِي ، وَلَا يَحِلُّ عِنْدَهُ ثَمَنُ كَلْبِ الصَّيْدِ وَلَا كَلْبِ الْمَاشِيَةِ ، وَلَا كَلْبِ الزَّرْعِ ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَ كَلْبَ الصَّيْدِ ، أَوْ لِغَيْرِ صَيْدٍ قِيمَةٌ عِنْدَهُمْ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 29492 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ . وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . 29493 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ - يَعْنِي الْجَزَرِيَّ - عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَقَالَ : إِذَا أَتَاكَ صَاحِبُ الْكَلْبِ ، وَطَلَبَ ثَمَنَهُ ، فَامْلَأْ كَفَّيْهِ تُرَابًا . 29494 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ الَّتِي لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَبَيْعُ الْهِرِّ ، وَعَلَى مَنْ قَتَلَ أَوْ أَتْلَفَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا قِيمَتُهُ . 29495 - وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْكُوفِيِّينَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا لِي وَلِلْكَلْبِ ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ مَاشِيَةٍ . 29496 - قَالَ : فَأُخْبِرَ أَنَّ كَلْبَ الصَّيْدِ كَانَ مَقْتُولًا ، فَكَانَ بَيْعُهُ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَرَامًا ، وَكَانَ قَاتِلُهُ مُؤَدِّيًا لِفَرْضٍ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَأَبَاحَ الِاصْطِيَادَ بِهِ ، فَصَارَ كَسَائِرِ الْجَوَارِحِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ . 29497 - قَالَ : وَمِثْلُ ذَلِكَ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، وقَالَ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ ثُمَّ أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ نَاسِخًا لِمَنْعِهِ ، وَتَحْرِيمِهِ ، وَنَهْيِهِ . 29498 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ هَذَا . حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَبَابَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُطَرِّفًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ مَا لَهُمْ وَالْكِلَابِ ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ . 29499 - وَقَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوا الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ . 29500 - وَرَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ أَكْرَهُ أَنْ أُفْنِيَهَا لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا ، أَلَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ ، قَالَ : وَأَيُّمَا أَهْلُ دَارٍ حَبَسُوا كَلْبًا ، لَيْسَ كَلْبَ صَيْدٍ ، أَوْ زَرْعٍ ، أَوْ مَاشِيَةٍ ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ . 29501 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : بَيْعُ الْكِلَابِ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا ، وَمَنْ قَتَلَهُ ، وَهُوَ مُعَلَّمٌ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ . 29502 - قَالَ : وَبَيْعُ الْفَهْدِ ، وَالصَّقْرِ جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الْهِرِّ ، وَكُلِّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 29503 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ فِي بَيْعِ كُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ مِلْكُهُ ، وَشِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ . 29504 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْقِرْدِ ، وَالْفَأْرِ وَكُلِّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَا شِرَاؤُهُ وَلَا أَكْلُ ثَمَنِهِ . 29505 - وَقَدْ رُوِيَ فِي ثَمَنِ الْهِرِّ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ فَذَكَرْنَاهُ وَعِلَّتَهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَاللَّهُ يُوَفِّقُنَا أَفْضَلَ مَا رَضُوهُ ، وَبِهِ الْعَوْنُ .
( 28 ) بَابُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ . 1324 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي لَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ أَنْهُ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ . إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ . وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ إِذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ . يَدًا بِيَدٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ ، بِلَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ كُلِّهَا ، اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، يَدًا بِيَدٍ . فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَرَى لُحُومَ الطَّيْرِ كُلَّهَا مُخَالِفَةً لِلُحُومِ الْأَنْعَامِ وَالْحِيتَانِ ، فَلَا أَرَى بَأْسًا بِأَنْ يُشْتَرَى بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ ، مُتَفَاضِلًا ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَى أَجَلٍ . 29462 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 29463 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرُهُ فِي الْأَلْبَانِ مِثْلَ ذَلِكَ . 29464 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي اللُّحُومِ ، وَالْأَلْبَانِ سَوَاءٌ . 29465 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ ، قَالَ : اللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَحْشِيُّهُ ، وَإِنْسِيُّهُ ، وَطَائِرُهُ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ . 29466 - وَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى قَوْلَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) : مَا ذَكَرْنَا . ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّ لَحْمَ الْبَقَرِ صِنْفٌ غَيْرُ لَحْمِ الْإِبِلِ ، وَغَيْرُ لَحْمِ الْغَنَمِ . 29467 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : قَدْ قُطِعَ بِأَنَّ أَلْبَانَ الْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ، وَالْإِبِلِ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ ، قَالَ فَلُحُومُهَا الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْأَلْبَانِ أَوْلَى بِالِاخْتِلَافِ . 19468 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْإِمْلَاءِ " إِذَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُ الْحِيتَانِ ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ لُحُومُ الطَّيْرِ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا . 29469 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَحْمُ الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ الْبُخْتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ مَعَ الْقُوهِيِّ ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ مَعَ الْجَوَامِيسِ فَلَا يُبَاعُ الْجِنْسُ مِنْهَا مُتَفَاضِلًا ، وَيُبَاعُ لَحْمُ الْبَقَرِ بِلَحْمِ الْغَنَمِ مُتَفَاضِلًا ، وَكَذَلِكَ الْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ . 29470 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 29471 - وَالْقَوْلُ عِنْدَهُمْ فِي الْأَلْبَانِ كَالْقَوْلِ فِي اللُّحْمَانِ . 29472 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : اللُّحْمَانُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ رَطْبًا ، وَيَجُوزُ إِذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ . 29473 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ ، وَلَا فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَالزِّيَادَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 29474 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصْلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَلَا سُنَّةٌ يَصْدُرُ عَنْهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ الرَّأْيُ وَالِاجْتِهَادُ ، وَالْقِيَاسُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
1359 ( 27 ) بَابُ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ . 1321 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ . 1322 - مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بِيعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ . 1323 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا اشْتَرَى شَارِفًا بِعَشَرَةِ شِيَاهٍ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا لِيَنْحَرَهَا ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ . 29431 - قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ النَّاسِ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ . 29432 - قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكَانَ ذَلِكَ يُكْتَبُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ ، فِي زَمَانِ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ . 29433 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ يَتَّصِلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ ، وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ . 29434 - وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ إِسْنَادٌ مُنْكَرٌ ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 29435 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ الْحَيَّةِ . قَالَ مَعْمَرٌ ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : نَظِرَةً ، وَيَدًا بِيَدٍ . 29436 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَالْمُرَادِ مِنْهُ . 29437 - فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ حَيَوَانِهِ بِلَحْمِهِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْغَرَرِ ، وَالْقِمَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ فِي الْحَيَوَانِ مِثْلُ اللَّحْمِ الَّذِي أَعْطَى ، أَوْ أَقَلُّ ، أَوْ أَكْثَرُ ، وَبَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا ، فَكَانَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ كَبَيْعِ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ فِي جِلْدِهِ بِلَحْمٍ إِذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَالْجِنْسُ الْوَاحِدُ عِنْدَهُ : الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ ، وَالْغَنَمُ وَالظِّبَاءُ ، وَالْوُعُولُ وَسَائِرُ الْوُحُوشِ ، وَذَوَاتُ الْأَرْبَعِ الْمَأْكُولَاتُ . 29438 - هَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانِ هَذَا الصِّنْفِ وَالْجِنْسِ كُلِّهِ بِشَيْءٍ مِنْ لَحْمِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ ، كَأَنَّهُ الزَّبِيبُ بِالْعِنَبِ ، وَالزَّيْتُ بِالزَّيْتُونِ ، وَالشَّيْرَجُ بِالسِّمْسِمِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . 29439 - وَالطَّيْرُ كُلُّهُ عِنْدَهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ : الدَّجَاجُ ، وَالْإِوَزُّ ، وَالْبَطُّ ، وَالْحَمَامُ ، وَالْيَمَامُ ، وَالنَّعَامُ ، وَالْحَدَأُ ، وَالرَّخَمُ ، وَالنُّسُورُ ، وَالْعُقْبَانُ ، وَالْبُزَاةُ ، وَالْغِرْبَانُ ، وَطَيْرُ الْمَاءِ ، وَطَيْرُ الْبَرِّ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَكْلَ الطَّيْرِ كُلِّهِ ، سِبَاعِهِ ، وَغَيْرِ سِبَاعِهِ ، ذِي الْمِخْلَبِ مِنْهُ ، وَغَيْرِ ذِي الْمِخْلَبِ . 29440 - وَالْحِيتَانُ عِنْدَهُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِي الْأَنْهَارِ ، وَالْبِحَارِ مِنَ السَّمَكِ وَغَيْرِ السَّمَكِ . 29441 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَرَادَ وَحْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ . 29442 - وَمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ أَصْلِهِ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ هُوَ مَذْهَبُهُ الْمَعْرُوفُ عَنْهُ ، وَعَنْ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبَ ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، وَمَالَ فِيهِ إِلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ بِمَا رُوِيَ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، هَذَا فِيمَا أَحْسَبُ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ ، عَنْ أَشْهَبَ . 29443 - وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ اللَّحْمَ الَّذِي لَا حَيَاةَ فِيهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَإِنَّمَا مَا يُقْتَنَى مِنَ الْحَيَوَانِ ، لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ كُلُّهُ ، فَخَالَفَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فِي الشَّارِفِ بِعَشْرِ شِيَاهٍ ، وَخَالَفَ مَالِكًا ، وَابْنَ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ . 29444 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ ، فَلَا خِلَافَ عِنْدِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ حِينَئِذٍ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ بَيْعُ مَا شِئْتَ مِنَ الْأَنْعَامِ بِمَا شِئْتَ مِنَ الطَّيْرِ وَالْحِيتَانِ ، وَبَيْعُ مَا شِئْتَ مِنَ الطَّيْرِ ، وَالْأَنْعَامِ بِمَا شِئْتَ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . 29445 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ - إِلَّا أَشْهَبَ - أَنْ يُبَاعَ الدَّجَاجُ بِطَيْرِ الْمَاءِ ، لِأَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ لَا يُقْتَنَى ، فَهُوَ كَاللَّحْمِ . 29446 - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الشَّارِفِ إِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا ، لِيَنْحَرَهَا ، فَلَا يَجُوزُ - يَعْنِي بَيْعَهَا - بِغَنَمٍ أَحْيَاءَ . 29447 - وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجِيزُ حَيَّ مَا يُقْتَنَى بِحَيِّ مَا لَا يُقْتَنَى لَا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ بِلَحْمٍ ، وَأَجَازَ حَيَّ مَا لَا يُقْتَنَى عَلَى التَّحَرِّي . 29448 - وَأَمَّا حَيُّ مَا يُقْتَنَى بِحَيِّ مَا لَا يُقْتَنَى ، فَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ مُتَفَاضِلًا ، يَدًا بِيَدٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أُصُولِهِمْ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ . 29449 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ . 29450 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا بَأْسَ بِاللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَغَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِغَيْرِ اعْتِبَارٍ . 29451 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى الِاعْتِبَارِ . 29452 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاعْتِبَارُ عِنْدَهُ كَالتَّحَرِّي عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ . 29453 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : إِنْ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ جَائِزٌ ، وَإِنْ صَحَّ بَطَلَ الْقِيَاسُ ، وَاتُّبِعَ الْأَثَرُ . 29454 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ ، أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى عُمُومِ الْحَدِيثِ . 29455 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا ، وَأَصْلُهُ أَلَّا تُقْبَلَ الْمَرَاسِيلُ ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ افْتَقَدَ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَوَجَدَهَا ، أَوْ أَكْثَرَهَا مُسْنَدَةً صِحَاحًا . 29456 - وَكَرِهَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ بِأَنْوَاعِ اللُّحُومِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَعُمُومِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَثَرٌ يَخُصُّهُ ، وَلَا إِجْمَاعٌ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَخُصَّ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ ، وَالْحَيَوَانُ عِنْدَهُ أَشْهَرُ لِكُلِّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ، وَالْمَاءِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ كَالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَأْكُولٍ ، وَمَشْرُوبٍ . 29457 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقُسِمَتْ عَلَى عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ : أَعْطُونِي جُزْءًا مِنْهَا بِشَاةٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصْلُحُ هَذَا . 29458 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَسْتُ أَعْلَمُ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 29459 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ - يَعْنِي الشَّاةَ الْمَذْبُوحَةَ بِالْقَائِمَةِ . 29460 - وَقَالَ سُفْيَانُ : وَنَحْنُ لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا . 29461 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ حُجَجٌ كَثِيرَةٌ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، لِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ الْأَثَرُ بَطَلَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
29411 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ، عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ ، لَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا . 29412 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ ، وَلَا يدْرى هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا ؟ فَلِذَلِكَ ، كُرِهَ ذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا . 29413 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ ، وَغَيْرِ الْغَائِبِ أَيْضًا عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : 29414 - ( أَحَدُهَا ) : قَوْلُ مَالِكٍ : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، فَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ ، وَلَا خِيَارَ لِلرُّؤْيَةِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي . 29415 - ( وَالثَّانِي ) : أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَعَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ جَائِزٌ ، وَلِلْمُبْتَاعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، فَإِذَا رَآهُ وَرَضِيَهُ تَمَّتِ الصَّفْقَةُ ، وَصَحَّ الْبَيْعُ . 29416 - هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّ . 29417 - ( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَلَا عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بَيْعُ عَيْنٍ مَرْئِيَّةٍ ، أَوْ صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ . 29418 - هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ بَيْعِ الْغَرَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29419 - وَأَمَّا النَّقْدُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَ الَّذِي لَهُ كَرِهَهُ ، لِأَنَّ مَا كَرِهَهُ مَالِكٌ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ . 29420 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ فِي بَابِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ ، وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ . 29421 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ مِثْلَ الْبَرِيدِ أَوِ الْبَرِيدَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهِ . 29422 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهِ الْيَوْمَ ، وَالْيَوْمَيْنِ كَانَ حَيَوَانًا ، أَوْ طَعَامًا . 29423 - قَالَ أَشْهَبُ : لَا بَأْسَ بِهِ . 29424 - وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَجُزِ النَّقْدُ فِيهِ كَانَ الْمَبِيعُ ضَارًّا ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ . 29425 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِي الدُّورِ ، وَالْعَقَارِ كُلِّهِ ، لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ . 29426 - وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُ ، فَلَمْ يَرَ النَّقْدَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . 29427 - وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ النَّقْدَ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الصِّفَةِ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إِذَا كَانَ عَلَى الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ . 29428 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ النَّقْدَ فِي الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ التَّغْيِيرُ مَا لَا يُسْرِعُ إِلَى غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، فَكَانَ عِنْدَهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إِذَا نَقَدَ فِيهِ يَدْخُلُهُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْأَغْلَبِ ، السُّرْعَةُ تُغَيِّرُهُ ، وَلَيْسَ الْعَقَارُ كَذَلِكَ . 29429 - وَعِلَّةُ أَشْهَبَ فِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ مَا جَعَلَهُ مَالِكٌ عِلَّةً فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يُوجَدْ عَلَى الصِّفَةِ ، فَيَكُونُ الْبَائِعُ قَدِ انْتَفَعَ بِالثَّمَنِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ . 29430 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا ، فَإِنَّهُ أَرَادَ السَّلَمَ الْمَعْرُوفَ عَلَى شُرُوطِهِ .
1320 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنَ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ ، وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ ، وَالْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إِنَاثِ الْإِبِلِ . وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ . 29392 - وَتَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْجَمَةُ الْبَابِ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْهُ بَيْعُ الْأَجِنَّةِ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، أَوْ لَا بَيْعُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ، وَيُحِيطُ بِهِ الْعِلْمُ ، وَالتَّفْسِيرُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ يَحْتَمِلُ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا . 29393 - وَالْأَظْهَرُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْبُيُوعِ إِلَى الْآجَالِ الْمَجْهُولَةِ ، لِقَوْلِهِ فِيهِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا . 29394 - وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 29395 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ ، وَكَفَى بِالْإِجْمَاعِ عِلْمًا ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ ، فَمَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الْآجَالِ لَا يَخْتَلِفُ مَجِيئُهُ ، وَلَا يُجْهَلُ وَقْتُهُ ، فَجَائِزٌ الْبَيْعُ إِلَيْهِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ . 29396 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بَيْعُ وَلَدِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ . 29397 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ : هُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ . 29398 - وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . 29399 - وَالتَّأْوِيلَاتُ جَمِيعًا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا ، لَا خِلَافَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ . 29400 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ ، وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ ، وَنَهَى عَنِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ . 29401 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمَضَامِينُ مَا فِي الْبُطُونِ ، وَهِيَ الْأَجِنَّةُ ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ . 29402 - وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 29403 - وَاسْتَشْهَدَ أَبُو عُبَيْدٍ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : مَلْقُوحَةً فِي بَطْنِ نَابٍ حَائِلِ . 29404 - وَفِي الْبَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ : مَلْقُوحَةً وَكَانَ وَجْهُ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ أَنْ يَقُولَ : مَضْمُونَةً فِي بَطْنِ الْحَامِلِ . 29405 - وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمَضَامِينُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ . 29406 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ ابْنِ هِشَامٍ ، شَاهِدًا بِأَنَّ الْمَلَاقِيحَ مَا فِي الْبُطُونِ لِبَعْضِ الْأَعْرَابِ : مَنَّيْتَنِي مَلَاقِحًا فِي الْأَبْطُنِ تُنْتَجُ مَا تَلْقَحُ بَعْدَ أَزْمُنِ 29407 - وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ ، فَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، وَلَا فِي بيوع الْآجَالِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 29408 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَرُدُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ الْبَيْعِ إِلَى الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ . 29409 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْتَاعُ إِلَى مَيْسَرَةٍ ، وَلَا يُسَمِّي إِلَى أَجَلٍ . 29410 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ مِنْهُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ ، وَلَا يُسَمِّي أَجَلًا .
1357 ( 26 ) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ . 1319 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ . ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا . 1358 29391 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَاءَ تَفْسِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي سِيَاقِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرُهُ مَرْفُوعًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَسْبُكَ بِتَأْوِيلِ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَعَلِمَ مَخْرَجَهُ .
28576 - وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْجُزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، ابْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمَّى مِنَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ . 28577 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ صَحِيحٌ إِذَا كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ ، أَوْ كَانَ ذَهَبًا ، أَوْ فِضَّةً ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُ مِنْهُ ، كُلُّ شَيْءٍ فِي بَابِهِ وَمَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28578 - إِلَّا أنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا عَدَا الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ لَا يَدْخُلُهُ مُزَابَنَةٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْقِمَارِ وَالْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ ، فَتُدْخِلُ الْمُزَابَنَةُ عِنْدَهُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَمَا لَا يَجُوزُ ، إِذَا كَانَ الْمَقْصدُ فِيهِ إِلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الْغَرَرِ ، وَالْقِمَارِ ، وَالْخَطَرِ .
1317 ( 13 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ 1278 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا . وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا . 1279 - مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ; أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ . 1280 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ ، وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 28558 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْآثَارُ الثَّابِتَةُ مُتَّفِقَةٌ فِي أَنَّ الْمُزَابَنَةَ اشْتِرَاءُ الرُّطَبِ مِنَ التَّمْرِ بِالْيَابِسِ مِنَ التَّمْرِ ، وَشِرَاءُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ . 28559 - وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْ قَاسَ قِيَاسَهُ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . 28560 - وَكُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَفِي مَعْنَى الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ مِنْ سَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ ، فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ . 28561 - وَأَمَّا اشْتِرَاءُ الْحِنْطَةِ بِالزَّرْعِ ، فَمُحَاقَلَةٌ وَمُزَابَنَةٌ لَا تَجُوزُ . 28562 - وَكَذَلِكَ التَّمْرُ بِالثَّمَرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ مُزَابَنَةً ، لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ الْكَرْمُ بِالزَّبِيبِ . 28563 - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ : قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَأَلَّا يُبَاعَ إِلَّا بِالدَّنَانِيرِ ، أَوْ بِالدَّرَاهِمِ ، إِلَّا الْعَرَايَا . 28564 - قَالَ سُفْيَانُ : الْمُخَابَرَةُ : كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ مَا فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ : بَيْعُ السُّنْبُلِ مِنَ الزَّرْعِ ، يَعْنِي بِالْحَبِّ الْمُصَفَّى . 28565 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قِيلَ فِي الْمُخَابَرَةِ أَنَّهَا كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُهُ مِمَّا يُزْرَعُ فِيهَا . 28566 - وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِ اللَّفْظَةِ ، فَقِيلَ : هِيَ مِنْ خَيْبَرَ . 28567 - وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ جَعَلَ قِصَّةَ خَيْبَرَ مَنْسُوخَةً بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَارِعَةِ ، وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ مِمَّا تُخْرِجُهُ . 28568 - وَقِيلَ : هِيَ مَنْ خَابَرْتُ الْأَرْضَ أَيْ زَارَعْتُ فِيهَا . 28569 - وَالْخَيْبَرُ : الْحِرَاثُ . 28570 - وَالْمُزَابَنَةُ قَدْ فَسَّرْنَاهَا . 28571 - وَالْمُحَاقَلَةُ : قِيلَ : هِيَ من مَعْنَى الْمُخَابَرَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 28572 - قِيلَ : وَهِيَ عَلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ : بَيْعُ الزَّرْعِ قَائِمًا بِالْحِبِّ مِنْ صِنْفِهِ . 28573 - فَقَدْ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : تَفْسِيرُ الْمُخَابَرَةِ عِنْدَهُمْ : إِنْ رَبِحُوا ، فَلَهُمْ ، وَإِنْ نَقَصُوا ، فَعَلَيَّ ، وَعَلَيْهِمْ . 28574 - وَأَمَّا كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ، وَبِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالطَّعَامِ ، وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيه كَثِيرٌ : قَدِيمًا ، وَحَدِيثًا ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ كِرَاءِ الْأَرْضِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28575 - وَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ الْمُزَابَنَةَ فِي الْمُوَطَّأِ تَفْسِيرًا مِنْهُ مَا اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ مَا خَالَفُوهُ عَلَيْهِ .
28579 - وَفَسَّرَ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِ ، فَقَالَ فِي مُوَطَّئِهِ : وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ النَّوَى أَوِ الْقَضْبِ أَوِ الْعُصْفُرِ أَوِ الْكُرْسُفِ أَوِ الْكَتَّانِ أَوِ الْقَزِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السِّلَعِ . لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولَ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ : كِلْ سِلْعَتَك هَذِهِ . أَوْ مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ عُدَّ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُعَدُّ . فَمَا نَقَصَ عَنْ كَيْلِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا ، لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ لَكَ ، حَتَّى أُوَفِّيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي ، أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا ، وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ ، وَالْقِمَارُ يَدْخُلُ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سَمّي مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ ، أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا هِبَةٍ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ ، فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ . 28580 - وَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى آخِرِهِ مَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ . 28581 - قِيلَ : لَا يَخْرُجُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْنَا مِنْ أَصْلِهِ ، فَلَمْ أَرَ وَجْهًا لِذِكْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَسْطُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ . 28582 - وَيَشْهَدُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا ; لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ مَأْخُوذٌ لَفْظِهَا مِنَ الزَّبَنِ ، وَهُوَ الْمُقَامَرَةُ ، وَالدَّفْعُ ، وَالْمُغَالَبَةُ ، وَفِي مَعْنَى الْقِمَارِ ، وَالزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : إِنَّ الْقَمَرَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقِمَارِ لِزِيَادَتِهِ ، وَنُقْصَانِهِ . 28583 - فَالْمُزَابَنَةُ وَالْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ شَيْءٌ مُتَدَاخِلُ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ . 28584 - تَقُولُ الْعَرَبُ : حَرْبٌ زَبُونٌ ، أَيْ ذَاتُ دَفْعٍ وَقِمَارٍ ، وَمُغَالَبَةٍ . 28585 - قَالَ أَبُو الْغَوْلِ الطُّهَوِيُّ : فَوَارِسُ لَا يَمْلِكُونَ الْمَنَايَا إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ 28586 - وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ لَقِيطٍ الْإِيَادِيُّ : عَبْلُ الذِّرَاعِ أَبْيَازًا مُزَابَنَةً فِي الْحَرْبِ يَخْتَتِلُ الرِّئَالُ وَالسَّقَيَا 28587 - وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ ، فَأَخْبَرَ سَعِيدٌ أَنَّ ذَلِكَ مَيْسِرٌ . 28588 - وَالْمَيْسِرُ الْقِمَارُ . 28589 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : جِمَاعُ الْمُزَابَنَةِ أَنْ يُنْظَرَ كُلُّ مَا عُقِدَ بَيْعُهُ مِمَّا الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ رِبًا ، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ يُعْرَفُ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ بِشَيْءٍ جُزَافًا ، وَلَا جُزَافًا بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ ، فَإِمَّا أَنَّ يَقُولَ لَكَ : أَضْمَنُ لَكَ صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا ، فَمَا زَادَ فَلِي ، وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ تَمَامُهَا ، فَهَذَا مِنَ الْقِمَارِ ، وَالْمُخَاطَرَةِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ . 28590 - وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : الْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ ، فَفَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ : بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا . وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا . 28591 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ . 28592 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِهِ بِتَمْرٍ كَيْلًا ، إِنْ كَانَتْ نَخْلًا ، أَوْ بِزَبِيبٍ إِنْ كَانَتْ كَرْمًا ، أَوْ حِنْطَةً إِنْ كَانَتْ زَرْعًا . 28593 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : الْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِمِائَةِ فِرْقٍ تَمْرًا . 28594 - فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ فَسَّرُوا الْمُزَابَنَةَ بِمَا تَرَاهُ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ عَلِمْتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28595 - وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مُزَابَنَةٌ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِمَجْهُولٍ ، أَوْ مَجْهُولٌ بِمَعْلُومٍ ، لَا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّفَاضُلُ . 28596 - وَلَوْ كَانَ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . 28597 - وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الرُّطَبِ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
1298 ( 5 ) بَابُ مَا يُفْعَلُ فِي الْوَلِيدَةِ إِذَا بِيعَتْ وَالشَّرْطُ فِيهَا 1259 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنِ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ . وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ بِعْتَهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبِيعُهَا بِهِ ، فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ . 1260 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً ، إِلَّا وَلِيدَةً إِنْ شَاءَ بَاعَهَا وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ . 28201 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا ظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : لَا تَقْرَبْهَا ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمْضَى شِرَاءَهُ لَهَا ، وَنَهَاهُ عَنْ مَسِيسِهَا . 28202 - هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِيهِ ، وَيَحْتِمَلُ ظَاهِرُهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : لَا تَقْرَبْهَا ؛ أَيْ : تَنَحَّ عَنْهَا ، وَافْسَخِ الْبَيْعَ فِيهَا ، فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ . 28203 - وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْخَبَرِ . 28204 - رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مِسْوَرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ جَارِيَةً ، وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ خِدْمَتَهَا ، فَسَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَيْسَ مِنْ مَالِكَ مَا كَانَ فِيهِ مَثْبُوتَةٌ لِغَيْرِكَ . 28205 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ . 28206 - وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنَ الْخَبِرَيْنِ أَمْرٌ بِفَسْخِ الْبَيْعِ ، وَلَا خَبَرٌ عَنْ فَسَادِهِ . 28207 - وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ قَاسِمٍ ، عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحَضْرَمِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي قَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : لَا تَقْرَبْهَا ، وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ ، يَقُولُ : لَا تَطَأْهَا ، وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ . 28208 - وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ . 28209 - وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْهُ ، قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَوْلِ عَمَرَ : لَا تَقْرَبْهَا ، وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ يُرِيدُ : لَا تَشْتَرِيهَا ، يُرِيدُ لَا تَشْتَرِطْهَا .
28210 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ : 28211 - فَفِي الْمُوَطَّأِ : قَالَ مَالِكٌ ، فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى شَرْطِ أَن لا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ ; فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا أَنْ يَهَبَهَا ، فَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا مِلْكًا تَامًّا ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُثْنِيَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا مِلْكُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ ، فَإِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّرْطُ ، لَمْ يَصْلُحْ ، وَكَانَ بَيْعًا مَكْرُوهًا . 28212 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَوَّلُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : لَا يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ ، وَكَرَاهَتِهِ الْوَطْءَ ، وَقَوْلُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ ، وَهُوَ مَذْهَبُهُ ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ 28213 - وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِشَرْطٍ ، فَوَطِئَهَا ، فَحَمَلَتْ ، فَلِلْبَائِعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ وَطْئِهَا ، وَتَحِلُّ لِسَيِّدِهَا فِيمَا يَسْتَقْبِلُ . 28214 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ عَلَى أَلَّا تَخْرُجَ بِهَا مِنَ الْبَلَدِ ، فَقَالَ : لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَيْفَ يَصْنَعُ بِهَا ؟ 28215 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَلَّا يَبِيعَ ، وَلَا يَهَبَ وَلَا يَتَصَدَّقَ ، فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنه يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، فَإِنْ حَمَلَتْ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْتَقَهَا . 28216 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، فَقَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ فَاسِدًا خَبِيثًا ، فَيَشْتَرِطُ بَائِعُهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لِذَلِكَ . 28217 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنِ ابْتَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا ، وَلَا يَهَبُهَا ، فَبَاعَهَا الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ ، وَتُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ ، وَلَا شَرْطَ فِيهَا . 28218 - وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ ، فَلَمْ تُوجَدْ أَعْطَى الْبَائِعَ فَضْلَ مَا وَضَعَ لَهُ مِنَ الشَّرْطِ . 28219 - وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ شَرَطَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يُدَبَّرَ ، أَوْ يُعْتَقَ إِلَى أَجَلٍ سَنَةٍ ، أَوْ نَحْوِهَا ؟ قَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا ، وَأَرَى أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ ، وَلَيْسَ هَذَا بِحَسَنٍ . 28220 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَلَّا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، فَإِنْ قَبَضَهُ ، فَأَعْتَقَهُ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِسَائِرِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ جَازَ عِتْقُهُ ، وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ . 28221 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ عَلَى أَلَّا يَبِيعَهُ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ عَلَى أَلَّا يَسْتَخْدِمَهُ ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُعْتِقَهُ ، أَوْ عَلَى أَنْ يُخَارِجَهُ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَلَا يَجُوزُ الشَّرْطُ فِي هَذَا إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْعِتْقُ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ ، وَلِفِرَاقِ الْعِتْقِ مَا سِوَاهُ : فَنَقُولُ : إِنِ اشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ ، فَأَعْتَقَهُ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ . 28222 - حَكَاهُ الرَّبِيعُ ، وَالْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ . 28223 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِحَالٍ . 28224 - وَرَوَى أَبُو ثَوْرٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا : الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ . 28225 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ ، وَالْمُزَنِيِّ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدًا قَالَا : يُسْتَحْسَنُ فِيمَنِ اشْتَرَطَ الْعِتْقَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَأَعْتَقَ أَنْ يُجِيزَ الْعِتْقَ ، وَيَجْعَلَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ . 28226 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْعِتْقُ جَائِزٌ ، وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ . 28227 - وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ فِيمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا ، أَوْ جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا ، فَأَعْتَقَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْمُبْتَاعِ لِلْعَبْدِ إِذَا ابْتَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا ، وَقَبَضَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ . 28228 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : كُلُّ شَرْطٍ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِمَّا كَانَ الْبَائِعُ يَمْلِكُهُ ، فَهُوَ جَائِزٌ ، مِثْلُ رُكُوبِ الدَّابَّةِ ، وَسُكْنَى الدَّارِ ، وَمَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ عَلَى الْمُشْتَرِي بَعْدَ مِلْكِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ مِثْلُ أَنْ يُعْتِقَ الْعَبْدَ ، وَيَكُونَ وَلَاؤُهُ لِلْبَائِعِ ، وَأَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ ، فَهَذَا شَرْطٌ لَا يَجُوزُ ، وَالْبَيْعُ فِيهِ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ . 28229 - وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ الْبَيْعَ ، وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ . 28230 - وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ فَاسِدًا أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ عَلَى الْبَيْعِ ، إِلَّا بِأَنْ يَلْتَزِمَ الْمُشْتَرِي شَرْطَهُ ، وَعَلَى ذَلِكَ مَلَّكَهُ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ ، وَلَمْ يَرْضَ بِإِخْرَاجِ السِّلْعَةِ مِنْ يَدِهِ إِلَّا بِذَلِكَ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ شَرْطُهُ لَمْ يُمَلَّكْ عَلَيْهِ مَا ابْتَاعَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ، فَوَجَبَ فَسْخُ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا ; لِفَسَادِ الشَّرْطِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ الْمُبْتَاعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا ابْتَاعَهُ تَصَرُّفَ ذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ . 28231 - وَحُجَّةُ مَنْ رَوَى الشَّرْطَ ، وَالْبَيْعَ جَائِزَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، قَالَ : ابْتَاعَ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا ، وَشَرَطَ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ . 28232 - وَهَذَا حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ اخْتِلَافًا لَا تَقُومُ مَعَهُ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ مِنْهَا أَلْفَاظًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي جَرَى بَيْنَ جَابِرٍ ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الشَّرْطَ كَانَ فِي نَصِّ الْعَقْدِ ، وَمِنْها مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْعًا ، وَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا تَقُومُ مَعَهُ حُجَّةٌ . 28233 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى : 28234 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ ، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، فَإِنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ رُكُوبَهَا شَهْرًا ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ . 28235 - قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ ، وَيَشْتَرِطَ ظَهْرَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ يَرْكَبُهَا ، يُسَافِرُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ رَضِيَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ سَخِطَ رَدَّهَا . 28236 - قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ سُكْنَى الدَّارِ مُدَّةً مَعْلُومَةً السَّنَةَ وَالْأَشْهُرَ ، مَا لَمْ تَتَبَاعَدْ ، فَإِنْ شَرَطَ سُكْنَاهَا حَيَاتَهُ ، فَلَا بَأْسَ فِيهِ . 28237 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِعَ الرَّجُلُ بَعِيرًا ، وَيَشْتَرِطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، أَوْ إِلَى وَقْتٍ يُسَمِّيهِ . 28238 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ سُكْنَى الدَّارِ سَنَةً ، إِلَّا أَنَّهَا إِنِ احْتَرَقَتْ كَانَتْ مِنَ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إِلَى مَوْضِعٍ لَا قَرِيبٍ ، وَلَا بَعِيدٍ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ الدَّابَّةَ ، وَيَسْتَثْنِيَ ظَهْرَهَا ، وَكَرِهَ أَنْ يُسْتَثْنَي سُكْنَى الدَّارِ عِشْرِينَ سَنَةً . 28239 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِذَا اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا ، أَوْ شَرَطَ خِدْمَةَ الْعَبْدِ ، أَوْ رُكُوبَ الدَّابَّةِ وَقْتًا مُؤَقَّتًا أَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ . 28240 - وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فَمَذْهَبُهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ عَنْهُ فِيهِ أَنَّ الْبَيْعَ إِذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ بَيْعٌ جَائِزٌ ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ شَرْطَانِ بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَحِلُّ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ ، وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ) . 28241 - قَالَ أَحْمَدُ : وَمِنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ أَنْ يَقُولَ : أَبِيعُكَ بِكَذَا عَلَى أَنْ آخُذَ مِنْكَ الدِّينَارَ بِكَذَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَهُ بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ذَهَبًا ، أَوْ يَبِيعَ مِنْهُ بِذَهَبٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ . 28242 - وَحُجَّتُهُ فِي إِجَازَةِ شَرْطٍ وَاحِدٍ فِي الْبَيْعِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي بَيْعِهِ بَعِيرٍ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ . 28243 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَيُّوبُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ) . 28244 - وَشَرْطَانِ فِي بَيْعٍ أَنْ يَقُولَ : أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ إِلَى شَهْرٍ بِكَذَا ، أَوْ إِلَى شَهْرَيْنِ بِكَذَا .
1335 ( 19 ) بَابُ الْعِينَةُ وَمَا يُشْبِهُهَا 1296 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ . 1297 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . 1298 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ ، قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ . 28901 - هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْجِزَافَ . 28902 - وَرَوَاهُ غَيْرُه عن نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جِزَافًا ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ ، الْحَدِيثَ . 28903 - وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا . 28904 - وَجَوَّزَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَغَيْرُهُ . 28905 - وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُتَقَدِّمٌ فِي حِفْظِ حَدِيثِ نَافِعٍ . 28906 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ الْخَلِيلِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الطَّعَامَ جِزَافًا فِي أَعْلَى السُّوقِ ، فَيَبِيعُونَهُ مَكَانَهُ ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ مَكَانَهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ . 28907 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْعِينَةُ ، فَمَعْنَاها بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْتَاعَهُ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ . 28908 - وَتَفْسِيرُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا لَهُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ ، وَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ أَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ الْمَسْئُولُ لِلسَّائِلِ : هَذَا لَا يَحِلُّ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَلَكِنِّي أَبِيعُ مِنْكَ فِي الدَّرَاهِمِ الَّتِي سَأَلْتَنِي سِلْعَةَ كَذَا ، وَكَذَا لَيْسَتْ عِنْدِي أَبْتَاعُهَا لَكَ ، فَلِمَ يَشْتَرِيهَا مِنِّي ، فَيُوَافِقُهُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ مِنْهُ ، ثُمَّ يُوَفّى تِلْكَ السِّلْعَةَ مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ نَقْدًا ، ثُمَّ يُسَلِّمُهَا إِلَى الَّذِي سَأَلَهُ الْعِينَةَ بِمَا قَدْ كَانَ اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَهَذِهِ الْعِينَةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَبَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ ، وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ ، وَلَمْ يَصُرَّهُ عِنْدَكَ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ ; لِأَنَّهُ رَبِحٌ أَصَابَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْتَاعَهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ . 28909 - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي ابْتَعْتُ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا ، فَلَمَّا جِئْتُ لِيُوَفِّيَنِي إِذَا هُوَ لَا طَعَامَ عِنْدَهُ ، وَإِذَا هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَهُ لِي مِنَ السُّوقِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَا آمُرُهُ أَنْ يَبِيعَكَ إِلَّا مَا كَانَ عِنْدَهُ ، وَلَا آمُرُكَ أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ عِنْدَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِي الْعِينَةِ . 28910 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : إِنْ رَجُلًا جَاءَنِي ، فَقَالَ لِي : أَنِ ابْتَاعْ هَذَا الْبَعِيرَ حَتَّى أَشْتَرِيَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا خَيْرَ فِيهِ . 28911 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ سِلْعَةً حَتَّى تَكُونَ مِنْهُ . 28912 - قَالَ يُونُسُ : وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ . 28913 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَخْبَرَهُ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ سَأَلَهُ نَحَّاسٌ ، فَقَالَ : يَأْتِينِي الرَّجُلُ فِي بَعِيرٍ ، لَيْسَ لِي ، فَيُسَاوِمُنِي ، فَأَبِيعُهُ مِنْهُ ، ثُمَّ أَبْتَاعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا . 28914 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْعِينَةِ فِي الدِّينِ ؟ فَقَالَ : الرَّجُلُ يَبِيعُ الطَّعَامَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ . 28915 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا لَيْسَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ يَبْتَاعَهُ بَعْدَ أَنْ يُوجِبَ بَيْعَهُ لِصَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ إِلَى حِينِ يَرْتَفِعُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ . 28916 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : إِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَبْتَاعَ الشَّيْءَ مِنْكُمْ فَابْتَاعُوهُ ، ثُمَّ بِيعُوهُ مِنْهُ . 28917 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : بِعْتُ طَعَامًا مِنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بِنَسِيئَةٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَبَعْضُ الطَّعَامِ عِنْدِي ، وَبَعْضُهُ لَيْسَ عِنْدِي ، وَرَبِحْتُ مَالًا كَثِيرًا ، فَأَتَانِي رَسُولَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَا : مَا كَانَ عِنْدَكَ ، فَاقْبِضْهُ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ ، فَارْدُدْهُ . 28918 - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ وَكَيْلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : كُنْتُ أَتَعَيَّنُ لِأَبِي ، وَلِبَعْضِ أَهْلِي ، فَسَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى رَجُلٍ ، فَقَالَ : إِنَّ لِي حَاجَةً ، بِرَاوِيَةٍ أَوْ رَاوِيَتَيْنِ ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى السُّوقِ ، فَابْتَاعَ الرَّاوِيَةَ ، أَوِ الرَّاوِيَتَيْنِ ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى صَاحِبِهِ . فَقَالَ : عِنْدِي حَاجَتُكَ ، وَبَاعَهَا مِنْهُ ، لَمَ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا ، قَالَ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى الْغَدِ ، قَالَ عُثْمَانُ : فَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ . 28919 - قَالَ عُثْمَانُ : وَرَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : أَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا جَاءَ الَّذِي يَطْلُبُ الْعِينَةَ أَنْ يَقُولَ لَهُ : لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أَبِيعُهُ ، ثُمَّ يَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ ، فَيَشْتَرِي ، ثُمَّ يَأْتِيهِ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ ، فَيَقُولُ : عِنْدِي حَاجَتُكَ ، فَإِنْ وَافَقَهُ ذَلِكَ الطَّعَامُ بَاعَهُ مِنْهُ . 28920 - قَالَ عُثْمَانُ : وَأَنَا أَرَى قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوًا مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رَأْيٌ ، وَلَا يَجِدُهُ ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، قِيلَ لِلْبَائِعِ : إِنْ أَعْطَيْتَ السِّلْعَةَ لِمُبْتَاعِهَا مِنْكَ بِمَا اشْتَرَيْتَهَا مِنْكَ جَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَفَهُ الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ، وَلَئِنْ بَاعَهَا مِنَ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا فُسِخَ الْبَيْعُ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ السِّلْعَةَ ، فَيَكُونُ لِبَائِعِهَا قِيمَتُهَا يَوْمَ بَاعَهَا نَقْدًا . 28921 - وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّ الْمَأْمُونَ كَانَ ضَامِنًا لِلسِّلْعَةِ لَوْ هَلَكَتْ . 28922 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَوْ تَوَرَّعَ عَنْ أَخْذِ مَا ازْدَادَ عَلَيْهِ . 28923 - قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : بَلْ مَنْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ السِّلْعَةَ ، فَيَكُونُ فِيهَا الْقِيمَةُ . 28924 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ ، وَالْحِجَازِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، لَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ طَعَامًا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ بَاعَ طَعَامًا لَيْسَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ عَلَى الطَّعَامِ يَتَعَيَّنُ ، وَشَكَّ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28925 - وَحَمَلَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعُمُومِ فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 28926 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَفْسِيرُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعِينَةِ . 28927 - فَأَمَّا لَفْظُ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ . 28928 - وَلَفْظُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . 28929 - فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ هُوَ الْقَبْضُ لِمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ . 28930 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ 28931 - وَقَالَ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا 28932 - وَقَالَ : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 28933 - وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ مَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ ، وَالْآدَامِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَنِ ابْتَاعَهُ عَلَى الْكَيْلِ ، وَالْوَزْنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ كَيْلًا ، أَوْ وَزْنًا . 28934 - وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ وَالْكُزْبُرُ وَزَرِيعَةُ الْفُجْلِ الَّذِي فِيهِ الزَّيْتُ الْمَأْكُولُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَيْتٌ ، فَيُؤْكَلُ ، فَهِيَ كَذَرِيعَةِ الْكُرَّاثِ وَالْجَزَرِ ، وَالْبَصَلِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِطَعَامٍ ، فَلَا بَأْسَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ بِبَيْعِ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِئْنَافِهِ . 28935 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي التَّوَابِلِ ، وَالْحُلْبَةِ ، وَالشُّونِيزِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 28936 - وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ إِذَا بِيعَ جُزَافًا صُبَرًا عَلَى غَيْرِ الْكَيْلِ ، لَا بَأْسَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَيَبِيعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَقَبْلَ انْتِقَالِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ . 28937 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَمَدَّ قَوْلَهُ انْتِقَالِهِ لِكُلِّ مَنِ ابْتَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ . 28938 - وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الطَّعَامِ إِذَا ابْتِيعَ جِزَافًا . 28939 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ : أَمَّا الطَّعَامُ كُلُّهُ فَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ عَلَى الْكَيْلِ ، أَوِ الْجِزَافِ ، وَيَنْتَقِلَهُ وَيَقْبِضَهُ مِمَّا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَهُ . 28940 - قَالُوا : وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْعُرُوضِ كُلِّهَا فَجَائِزٌ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ . 28941 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ كُلِّهَا جَوَازُ بَيْعِهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا عَلَى مَا نُوَضِّحُهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْعُرُوضِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28942 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ فَلَا يُجِيزُونَ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ الْقَبْضِ . 28943 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ . 28944 - وَسَيَأْتِي ذِكْرُ تَلْخِيصِ مَذَاهِبِهِمْ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28945 - وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَا بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ ، أَوِ الْوَزْنِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْكَيْلِ ، أَوِ الْوَزْنِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا . 28946 - وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ . 28947 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ قِيَاسًا عَلَى مَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ مِنَ الطَّعَامِ . 28948 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا بِيعَ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى الْكَيْلِ ، أَوِ الْوَزْنِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنْ يُمَهَّدَ قَبْلَ اسْتِئْنَافِهِ ، وَلَا يُسْتَأْجِرَ بِهِ ، وَلَا يُؤْخَذَ عَلَيْهِ بَدَلٌ ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ الطَّعَامِ عِنْدَ اسْتِيفَائِهِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، أَوْ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : مَنْ مَلَكَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُ بَيْعُ مَا اشْترى مِنَ الطَّعَامِ جِزَافًا قَبْلَ نَقْلِهِ . 28949 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إِنَّمَا الْمَهْرُ ، وَالْجُعْلُ ، وَمَا يُؤْخَذُ فِي الْخُلْعِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَغَيْرِهِ فَجَائِزٌ أَنْ يُبَاعَ مَا مَلَكَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ قَبْلَ الْقَبْضِ . 28950 - قَالَا : وَالَّذِي لَا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مَا اشْتُرِيَ ، أَوِ اسْتُؤْجِرَ بِهِ . 28951 - قَالَا : وَكُلُّ مَا مُلِّكَ بِالشِّرَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ إِلَّا الْعَقَارَ وَحْدَهُ . 28952 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، كُلُّ مَا مُلِّكَ بِشرَاءِ ، أَوْ بِعِوَضٍ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَقَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، مَأْكُولًا كَانَ أَوْ مَشْرُوبًا ، مَكِيلًا كَانَ أَوْ مَوْزُونًا ، أَوْ غَيْرَ مِكِيلٍ ، وَلَا مَوْزُونٍ ، وَلَا مَأْكُولٍ ، وَلَا مَسْرُوقٍ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ . 28953 - وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُمَا رَوَيَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، وَأَفْتَيَا جَمِيعًا بِأَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ حَتَّى يُقْبَضَ . 28954 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي مِثْلُ الطَّعَامِ . 28955 - رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 28956 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَذَلِكَ بِجَمِيعِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ . 28957 - وَقَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : كُلُّ شَيْءٍ لَا يُكَالُ ، وَلَا يُوزَنُ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ . 28958 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ ، عَنِ ابْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُثْمَانَ . 28959 - وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ طَعَامٍ مِمَّا يُؤْكَلُ ، أَوْ يُشْرَبُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ . 28960 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَقَوْلُهُ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : إِذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا ، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ . 28961 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ بَيْعٌ ، وَسَلَفٌ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ . 28962 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ حَدَّثَهُ : أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ; إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا ، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا ، وَمَا يَحْرُمُ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ; إِذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا ، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ . 28963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَمَلَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ بَيْعِ ، وَجَعَلَهُ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ مُجْمَلًا يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . 28964 - وَكَذَلِكَ حَمَلُوا رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ عَلَى الطَّعَامِ وَحْدَهُ . 28965 - وَقَالَ عِيسَى : سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، فَقَالَ : ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَرِبْحُهُ حَرَامٌ . 28966 - قَالَ : وَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ مِنَ الْعُرُوضِ ، وَالْحَيَوَانِ ، وَالثِّيَابِ ، فَإِنَّ رِبْحَهَا حَلَالٌ ، لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّ بَيْعَهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا حَلَالٌ . 28967 - وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ . 28968 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : أَرَى أَنَّ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ : بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ، وَبَيْعُ كُلِّ مَا ابْتَاعَ الْمَرْءُ بِالْخِيَارِ شَهْرًا ، أَوْ شَهْرَيْنِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَكُلُّ مَا ضَمِنَهُ مِنَ الْبَائِعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28969 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُخْتَلَفُ فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَأَسَانِيدِهِ مَا ذَكَرْنَا ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ هَذَا لَمْ يَرَهُ ، وَعَنْهُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ فِيمَا عَلِمْتُ . 28970 - وَيُوسُفُ ثِقَةٌ . 28971 - وَمَا أَعْلَمُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ جُرْحَةً ، إِلَّا أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ ، فَهُوَ مَجْهُولٌ عِنْدَهُمْ . 28972 - إِلَّا أَنِّي أَقُولُ : إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالثِّقَةِ ، وَالْأَمَانَةِ ، وَالْعَدَالَةِ ، فَلَا يَضُرُّهُ إِذَا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ .
1341 1302 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنَ ، يَقُولُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ مِنَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي تُعْطَى النَّاسِ بِالْجَارِ ، مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ الطَّعَامَ الْمَضْمُونَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ : أَتُرِيدُ أَنْ تُوَفِّيَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي ابْتَعْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . 28989 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عِنْدِي وَرَعٌ صَادِقٌ ; لِأَنَّهُ كَرِهَ لَهُ مَا أَضْمَرَ وَنَوَى مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي اشْتَرَى قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 28990 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَضْمُونَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ . لَا ذَاكَ وَلَا غَيْرَهُ وَإِنَّمَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ الْقِيمَةُ مِمَّا شَاءَ . 28991 - وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ ذَلِكَ الَّذِي كَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . 28992 - رَوَى أَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا عَلَى كَيْلٍ ، أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يُوَاعِدُ فِيهِ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ ، وَلَا يَبِيعُ طَعَامًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، فَنَوَى أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ الَّذِي اشْتَرَى ، كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ بِعِينَةٍ ، أَوْ بِغَيْرِ عِينَةٍ . 28993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ أَنْ يَحْضُرَهُمُ الْكَسَلُ ، وَيُعْطِيَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ الْكَيْلِ ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا اشْترى مِنْ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ : صَاعُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، ثُمَّ الثَّانِي . 28994 - وَكَذَلِكَ لَوْ وَلَّاهُ ، أَوِ اشْتَرَكَهُ ، إِلَّا عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالةِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28995 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ ، قُلْتُ لِقَتَادَةَ : اشْتَرَيْتُ طَعَامًا وَرَجُلٌ يَنْظُرُ إِلَيَّ ، وَأَنَا أَكَتَالُهُ ، فَأَبِيعُهُ إِيَّاهُ بِكَيْلِهِ ؟ قَالَ لِي : لَا حَتَّى يَكْتَالَهُ هُوَ لَكَ . 28996 - وَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ الصَّبَّاحِ : سَمِعْنَا الثَّوْرِيَّ يَقُولُ فِي رَجُلَيْنِ يَبْتَاعُ الطَّعَامَ ، يَكْتَالَانِهِ ; ثُمَّ يَرْبَحُ صَاحِبُهُ فِيهِ رِبْحًا ، قَالَ : لَا يَحِلُّ ، حَتَّى يَكَتَالَاهُ كَيْلًا آخَرَ ، يَكْتَالُ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ ثُمَّ يَكْتَالُ نَصِيبَهُ الَّذِي أَرْبَحَهُ .
28997 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، أَنَّهُ مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا ، بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتَا أَوْ ذُرَةً أَوْ دُخْنًا ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحُبُوبِ الْقِطْنِيَّةِ ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُشْبِهُ الْقِطْنِيَّةَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْأُدْمِ كُلِّهَا ; الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْجُبْنِ وَالشِّبْرِقِ ( وَالشِّيرِقِ ) وَاللَّبَنِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُدْمِ . فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ . 28998 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الطَّعَامِ كُلِّهِ ، وَالْآدَامِ كُلِّهِ ، مُقْتَاتٌ وَغَيْرُ مُقْتَاتٍ ، مُدَّخِرٌ وَغَيْرٌ مُدَّخَرٍ ، كُلُّ مَا يُؤْكَلُ ، أَوْ يُشْرَبُ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، مُبْتَاعُهُ . 28999 - وَقَدْ مَضَى بَيْعُهُ هَذَا الْمَعْنَى بَيِّنًا . 29000 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا يُرَى الْأَشْيَاءُ عَنِ الطَّعَامِ ، هَلْ هِيَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الطَّعَامِ أَمْ لَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَنَذْكُرُهُ أَيْضًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
1300 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَانِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، مِنْ طَعَامِ الْجَارِ ، فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ بَيْنَهُمْ ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ، فَدَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَقَالَا : أَتُحِلُّ بَيْعَ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ ؟ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ ، وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَا : هَذِهِ الصُّكُوكُ تَبَايَعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَتْبَعُونَهَا . يَنْزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ . وَيَرُدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا . 1301 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَامًا مِنْ رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَذَهَبَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ الطَّعَامَ إِلَى السُّوقِ ، فَجَعَلَ يُرِيهِ الصُّبَرَ وَيَقُولُ لَهُ : مِنْ أَيِّهَا تُحِبُّ أَنْ أَبْتَاعَ لَكَ ؟ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ : أَتَبِيعُنِي مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ؟ فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِلْمُبْتَاعِ : لَا تَبْتَعْ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَقَالَ لِلْبَائِعِ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ . 28975 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِبَيْعِ الصُّكُوكِ إِذَا خَرَجَتْ بَأْسًا ، وَيَكْرَهُ لِمَنِ اشْتَرَاهَا أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا . 28976 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلَهُ . 28977 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عُمَرَ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَقَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَصَاحِبِهِ لِمَرْوَانَ : أَتُحِلُّ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ . 28978 - وَخَبَرُ ابْنِ عُمَرَ ، هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا مَعْنَاهَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِينَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُنَا لَهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . 28979 - وَإِنَّمَا جَعَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ رِبًا ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُ فِي بَابِ الْعِينَةِ الَّتِي تُشْبِهُ دَرَاهِمَ بِأَكْبَرَ مِنْهَا نَسِيئَةً . 28980 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ . 28981 - وَكَذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي السَّبَائِبِ الَّتِي أَرَادَ بَيْعَهَا الَّذِي سَلَّفَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ ; لِأَنَّ بَيْعَ الْعُرُوضِ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى بَيْعُ الطَّعَامِ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 28982 - وَإِلَى قَوْلِ زَيْدٍ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ . 28983 - وَأَمَّا بَيْعُ الَّذِينَ خَرَجَتْ لَهُمُ الصُّكُوكُ بِمَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ; لِأَنَّ أَخْذَهُمْ لِذَلِكَ الطَّعَامِ لَمْ يَكُنْ شِرَاءً اشْتَرَوْهُ بِنَقْدٍ وَلَا دَيْنٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ طَعَامًا خَارِجًا عَلَيْهِمْ فِي ديوانِ الْعَطَاءِ ، وَالْعَطَاءُ شَيْءٌ وَاجِبٌ لَهُمْ فِي الدُّيُونِ مِنَ الْفَيْءِ ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُمْ بَيْعُ مَا فِي تِلْكَ الصُّكُوكِ ; لِمَا وَصَفْنَا . 28984 - وَكُرِهَ لِلَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُمْ مَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ . 28985 - وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِمَنْ يُبَيَّنُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ . 28986 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَابْنَ عُمَرَ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِبَيْعِ الصُّكُوكِ بَأْسًا إِذَا خَرَجَتْ . 28987 - قَالَ : وَلَا يَحِلُّ لِمَنِ ابْتَاعَهَا أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا . 28988 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
1338 1299 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَامًا ، أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ ، فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَا تَبِعْ طَعَامًا ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ . 28973 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : طَعَامًا ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْعَرَضَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28974 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ كَانَ يَشْتَرِي الْأَرْزَاقَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَهَاهُ عُمَرُ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا .
28889 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يُرَاطِلُ الرَّجُلَ ، وَيُعْطِيهِ الذَّهَبَ الْعُتُقَ الْجِيَادَ ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا تَبْرًا ذَهَبًا غَيْرَ جَيِّدَةٍ ، وَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَهَبًا كُوفِيَّةً مُقَطَّعَةً ، وَتِلْكَ الْكُوفِيَّةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ ، فَيَتَبَايَعَانِ ذَلِكَ مِثْلًا بِمِثْلٍ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ . 28890 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنَّ صَاحِبَ الذَّهَبِ الْجِيَادِ أَخَذَ فَضْلَ عُيُونِ ذَهَبَهُ فِي التِّبْرِ الَّذِي طَرَحَ مَعَ ذَهَبِهِ ، وَلَوْلَا فَضْلُ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبِ صَاحِبِهِ ، لَمْ يُرَاطِلْهُ صَاحِبُهُ بِتِبْرِهِ ذَلِكَ ، إِلَى ذَهَبِهِ الْكُوفِيَّةِ ، فَامْتَنَعَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ ، بِصَاعَيْنِ وَمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ كَبِيسٍ . فَقِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَصْلُحُ ، فَجَعَلَ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ ، وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ ، يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ بَيْعَهُ ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ الْعَجْوَةِ لِيُعْطِيَهُ صَاعًا مِنَ الْعَجْوَةِ بِصَاعٍ مِنْ حَشَفٍ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ ، لِفَضْلِ الْكَبِيسِ ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : بِعْنِي ثَلَاثَةَ أَصْوعٍ مِنَ الْبَيْضَاءِ ، بِصَاعَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ ، فَيَقُولُ : هَذَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَيَجْعَلُ صَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ ، وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ الْبَيْعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا . فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَهُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ ، صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ ، لَوْ كَانَ ذَلِكَ الصَّاعُ مُفَرِدًا ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ لَفَضْلِ الشَّامِيَّةِ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنَ التِّبْرِ . 28891 - قَالَ مَالِكٌ : فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ كُلِّهِ ، الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الصِّنْفِ الْجَيِّدِ مِنَ الْمَرْغُوبِ فِيهِ ، الشَّيْءُ الرَّدِيءُ وَالْمَسْخُوطُ ; لِيُجَازَ الْبَيْعُ ، وَلِيَسْتَحِلَّ بِذَلِكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ . 28892 - وَذَكَرَ كَلَامًا يَرِدُ فِيهِ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ دُونَ زِيَادَةِ شَيْءٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ إِلَى آخِرِ الْبَابِ . 28893 - وَبِمَعْنَى مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ 28894 - قَالَ : وَلَوْ رَاطَلَ مِائَةَ دِينَارٍ عُتُقٍ مَرْوَانِيَّةٍ ، وَعَشَرَةً مِنْ ضَرْبٍ مَكْرُوهٍ ، بِمِائَةِ دِينَارٍ وَعَشْرَةٍ هَاشِمِيَّةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قِيَمَ الْمَرْوَانِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيَمِ الْهَاشِمِيَّةِ ، وَهَذَا الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَاطِلَ الدَّنَانِيرَ الْهَاشِمِيَّةَ التَّامَّةَ بِالْعُتُقِ النَّاقِصَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ فِي الْوَزْنِ . 28895 - وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . 28896 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا يَجُوزُ مُدُّ عَجْوَةٍ بِدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ ، وَلَا دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارَيْنِ . 28897 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . 28898 - وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ ، وَالْكُوفِيُّونَ جَائِزٌ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ رَدِيءَ التَّمْرِ وَجَيِّدُهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَكَذَلِكَ رَدِيءُ الْبُرِّ وَجَيِّدُهُ ، وَرَدِيءُ الْوَرِقِ ، وَجَيِّدُها ، وَرَدِيءُ الذَّهَبِ وَجَيِّدُهُ ، لَا يَجُوزُ الرَّدِيءُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَالْوَسَطِ ، وَالْجَيِّدِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَإِذَا كَانَتِ الْمُمَاثَلَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ تَفَاضُلٌ ، وَلَا زِيَادَةٌ ، فَجَائِزٌ حَلَّالٌ عِنْدَهُمْ . 28899 - وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ مُدُّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٌ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ ; لِأَنَّ الْمُدَّ بِإِزَاءِ الْمُدِّ الثَّانِي بِالدِّرْهَمِ . 28900 - وَكَذَلِكَ الْفِضَّةُ ، وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1334 ( 18 ) بَابُ الْمُرَاطَلَةِ 1295 - مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ; أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، فَيُفْرِغُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ ، وَيُفْرِغُ صَاحِبُهُ الَّذِي يُرَاطِلُهُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْأُخْرَى ، فَإِذَا اعْتَدَلَ لِسَانُ الْمِيزَانِ ، أَخَذَ وَأَعْطَى . 28870 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَغَيْرِهِ . 28871 - رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، أَوْ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، فَقَالَ : إِذَا اعْتَدَلَ الْمِيزَانُ ، فَخُذْ ، وَأَعْطِ . 28872 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ وَرْدَانَ الرُّومِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، فَقَالَ : ضَعْ هَذَا فِي كِفَّةٍ ، وَهَذَا فِي كِفَّةٍ ، فَإِذَا اعْتَدَلَا فَخُذْ ، وَأَعْطِ ، هَذَا عَهْدُ صَاحِبِنَا إِلَيْنَا ، وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ .
28873 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ، مُرَاطَلَةً : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، يَدًا بِيَدٍ ، إِذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً ، عَيْنًا بِعَيْنٍ ، وَإِنْ تَفَاضَلَ الْعَدَدُ وَالدَّرَاهِمُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ ، بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ . 28874 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ رَاطَلَ ذَهَبَا بِذَهَبٍ ، أَوْ وَرِقًا بِوَرِقٍ ، فَكَانَ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فَضْلُ مِثْقَالٍ ، فَأَعْطَى صَاحِبَهُ قِيمَتَهُ مِنَ الْوَرِقِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، فَلَا يَأْخُذْهُ ; فَإِنَّ ذَلِكَ قَبِيحٌ ، وَذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ له أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى حِدَتِهِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ مِرَارًا ، لِأَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الْمِثْقَالَ مُفْرَدًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ، لَمْ يَأْخُذْهُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ ، لِأَنْ يُجَوِّزَ لَهُ الْبَيْعَ ، فَذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إِلَى إِحْلَالِ الْحَرَامِ ، وَالْأَمْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ . 28875 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْمُرَاطَلَةُ الَّذِي ذَكَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا ، فَإِذَا كَانَ الذَّهَبَانِ مُتَقَارِبَيْنِ لَا يُدْخِلُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَلَا نُقْصَانَ فِي أَحَدِ الْكِفَّتَيْنِ ، وَلَا زِيَادَةَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى وَزْنٍ أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَالْوَزْنِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُرَاطَلَةُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ ، فَزَادَتْ إِحْدَاهُمَا ، فَأَخَذَ صَاحِبُ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَرِقًا ، أَوْ كَانَتِ الْمَراطَلَةُ وَرِقًا بِوَرِقٍ ، فَأَخَذَ صَاحِبُ الزِّيَادَةِ فِيهَا ذَهَبًا ، فَهُوَ مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ : 28876 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ وَذَهَبٍ ، وَلَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِفِضَّةٍ عَلَى حَالٍ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا زَادَ فِي الْمُرَاطَلَةِ مِنْ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ بِفِضَّةٍ ، وَلَا مِنْ أَحَدِ الْفِضَتَيْنِ بِذَهَبٍ ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ مَعَ الصَّرْفِ بَيْعٌ . 28877 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . 28878 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ بَيْعُ فِضَّةٍ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الفضة ، وَلَا بَيْعُ فِضَّةٍ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ أَلْفِ دِرْهَمٍ سُودٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَسُودٍ ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْضٌ كُلُّهَا بِسُودٍ كُلِّهَا جَازَ ; لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْقِيمَةِ فَيَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ . 28879 - وَأَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ; لِأَنَّهُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَفِضَّةٌ بِفِضَّةٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ . 28880 - قَالُوا : وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِالْمُمَاثَلَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِهَا فِي الْوَرِقِ ، لَا فِي الْقِيمَةِ . 28881 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : غَرَرٌ أَنْ يَشْتَرِيَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَدَنَانِيرَ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . 28882 - وَروى نَحْوُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ . 28883 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْدِثَ الْفَضْلَ بِقِيمَتِهَا إِزَاءَهُ . 28884 - وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . 28885 - وَإِنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ ; لأَنَّهُمْ جَعَلُوا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِإِزَاءِ الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ ، وَجَعَلُوا الدِّرْهَمَيْنِ بِإِزَاءِ الدِّينَارِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدِّرْهَمَيْنِ لَيْسَتَا ثَمَنًا لِلدّينَارِ فَيَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ ، لَا مَحَالَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28886 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنْ قَالُوا : جَائِزٌ بَيْعُ دِينَارٍ بِدِرْهَم ، يَدًا بِيَدٍ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ لِنَفْسِهِ ، جَائِزِ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ ، فَإِذَا جَعَلْنَا مَا زَادَ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ مِنَ الْفِضَّةِ مُقَابِلًا مُوَازِنًا لِلذَّهَبِ جَازَ ; لِأَنَّا قَدْ بِعْنَا الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِثُلْثِهَا وَزْنًا ، وَإِلَّا خَرَجَ عَلَيْنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا مِثْلًا . 28887 - وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِذَا وَضَعْتَ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ ، وَوَضَعَ ذَهَبَهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ اشْتَرَيْتَ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا قِيرَاطًا بِدِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ . 28888 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ ، قَالَ : يَأْخُذُ فَضْلَهُ ذَهَبًا .
1376 ( 39 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ 1338 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ ، أَنَّهُ قَالَ : بِعْتُ بَزَّا لِي مِنْ أَهْلِ دَارِ نَخْلَةَ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ ، فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ بَعْضَ الثَّمَنِ ، وَيَنْقُدُونِي ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا وَلَا تُوكِلَهُ . 30100 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ بُسْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 30101 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ بُسْرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَمْ يَذْكُرْ عُبَيْدًا أَبَا صَالِحٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا .
30134 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ . فَإِذَا حَلَّتْ ، قَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ : بعْنِي سِلْعَةً يَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا . بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إِلَى أَجَلٍ ، قَالَ مَالِكٌ : هَذَا بَيْعٌ لَا يَصْلُحُ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ . 30135 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ . وَيُؤَخِّرُ عَنْهُ الْمِائَةَ الْأُولَى إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي ذُكِرَ لَهُ آخِرَ مَرَّةٍ ، وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُ فَهَذَا مَكْرُوهٌ . وَلَا يَصْلُحُ . 30136 - وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَلَّتْ دُيُونُهُمْ ، قَالُوا لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ : إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ ! فَإِنْ قَضَى أَخَذُوا . وَإِلَّا زَادَهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ ، وَزَادُوهُمْ فِي الْأَجَلِ . 30137 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ قَالَ بِقَطْعِ الذَّرَائِعِ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا . 30138 - وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ . وَلَمْ يُلْزِمِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِمَا فِي تَبَايُعِهِمَا ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلِ الظَّنَّ السُّوءَ فِيهِمَا لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا . 30139 - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَتَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1377 1339 - مَالِكٌ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصِ بْنِ خَلْدَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ ، وَيُعَجِّلُهُ الْآخَرُ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . وَنَهَى عَنْهُ . 1340 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ ، قَالَ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ؟ فَإِنْ قَضَى ، أَخَذَ . وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ ، وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ . 30102 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ، أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَضَعُ عَنْهُ الطَّالِبُ وَيُعَجِّلُهُ الْمَطْلُوبُ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الَّذِي يُؤَخِّرُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَحِلِّهِ ، عَنْ غَرِيمِهِ ، وَيَزِيدُهُ الْغَرِيمُ فِي حَقِّهِ . قَالَ : فَهَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ ، لَا شَكَّ فِيهِ . 20103 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَنْ وَضَعَ مِنْ حَقٍّ لَهُ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ يَسْتَعْجِلُهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ لِزِيَادَةٍ يَزْدَادُهَا مِنْ غَرِيمِهِ لِتَأْخِيرِهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْجَامِعَ لَهُمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ الْأَمَدِ السَّاقِطِ وَالزَّائِدِ بَدَلًا وَعِوَضًا يَزْدَادُهُ الَّذِي يَزِيدُ فِي الْأَجَلِ ، وَيَسْقُطُ عَنِ الَّذِي يُعَجِّلُ الدَّيْنَ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، فَهَذَانِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَكْسَ الْآخَرِ ، فَهُمَا مُجْتَمِعَانِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا . 30104 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ضَعْ عَنِّي ، وَأُعَجِّلُ لَكَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ : إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ ، وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ إِنَّهُ الرِّبَا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ . 30105 - وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ الرِّبَا إِلَّا فِي السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ، وَالْوَزْنَ بِالْوَزْنِ ، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحَ بِالْمِلْحِ ، مُتَفَاضِلًا رِبًا ، وَأَنَّ النَّسِيئَةَ فِي الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، وَفِي الْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَفِي الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَفِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَفِي الْمِلْحِ بِالْمِلْحِ رِبًا ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ . 30106 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذِهِ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ ، وَحَدِيثِ عُمَرَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 30107 - فَكَانَ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا زِيَادَةً عَلَى مَعْنَى مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ . 30108 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي : ضَعْ وَتَعَجَّلْ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ فِي ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ . 30109 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهَا التَّابِعُونَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 30110 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الْمِنْهَالِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطْعِمٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَى أَجَلٍ ، فَقُلْتُ : عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ ، فَنَهَانِي عَنْهُ ، وَقَالَ : نَهَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَبِيعَ الْعَيْنَ بِالدَّيْنِ . 30111 - قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ ، فَيَقُولُ : عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 30112 - وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقُولَ : عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ . 30113 - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا الرِّبَا : أَخِّرْ لِي وَأَنَا أَزِيدُكَ : وَلَيْسَ عَجَّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ . 30114 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فَقَالَ : إِنَّ لِي دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ عَنْهُ ، وَيُعَجِّلَ لِي ؟ فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ . 30115 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا إِلَّا زُفَرَ عَلَى أَنَّ : ضَعْ وَتَعَجَّلْ رِبًا . 30116 - وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : تَفْسِيرُ عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ إِذَا كَانَ لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَقُلْتُ : أَعْطِنِي مِنْ حَقِّي الَّذِي عِنْدَكَ تِسْعَمِائَةٍ ، وَلَكَ مِائَةٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَالَّذِينَ كَرِهُوهُ قَالُوا : إِنَّمَا بِعْتَ الْأَلْفَ بِالتِّسْعِمِائَةِ . 30117 - وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : 30118 - فَقَالَ مَرَّةً : لَا بَأْسَ فِيهِ ، وَرَآهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ . 30119 - وَمَرَّةً قَالَ : ضَعْ وَتَعَجَّلْ لَا يَجُوزُ . 30120 - وَأَمَّا زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُحَفِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ زُفَرَ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَى سَنَةٍ ، مِنْ مَتَاعٍ أَوْ ضَمَانٍ ، فَصَالَحَهُ مِنْهُمَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ نَقْدًا ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ . 30121 - وَأَجَازَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي دَيْنِهِ الْأَجَلَ عِوَضًا يَأْخُذُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ . 30122 - وَأَجَازَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ يَرَى : ضَعْ وَتَعَجَّلْ رِبًا . 30123 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ، لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَاطِعُ الْمَكَاتِبَ إِلَّا بِالْعُرُوضِ . 30124 - وَاخْتَلَفَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي ضَعْ وَتَعَجَّلْ : 30125 - فَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَمْلَى عَلَيَّ أَبُو عُمَرَ بْنُ أَبِي زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ الْبِشْرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ يُخَالِفُونَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فِي عَشْرِ خِصَالٍ ، فَذَكَرَهَا سَعِيدٌ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ وَفِيهَا ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ مِنْ دَيْنٍ لَكَ إِلَى أَجَلٍ ، فَيُعَجِّلَ لَكَ . 30126 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، فَعَجَّلَ بَعْضَهُ ، وَتَرَكَ لَهُ بَعْضَهُ ، فَهُوَ رِبًا . 30127 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : تِلْكَ الدَّرَاهِمُ عَاجِلَةٌ بِآجِلَةٍ . 30128 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَمَّادٍ وَمَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَقُولُ : ضَعْ عَنِّي وَأُعَجِّلُ لَكَ ، كَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . 30129 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ لَهُ بَعْضًا ، وَيُعَجِّلُ لَهُ بَعْضًا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . 30130 - وَكَرِهَهُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ . 30131 - فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : أَصَابَ الْحَكَمُ وَأَخْطَأَ إِبْرَاهِيمُ . 30132 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ : إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِنَا ، وَلَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا . 30133 - وَقَالَ مِنْ كَرِهَ ذَلِكَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا .
( 14 ) بَابٌ جَامِعٌ : بَيْعُ الثَّمَرِ 1281 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى ثَمَرًا مِنْ نَخْلٍ مُسَمَّاةٍ ، أَوْ حَائِطٍ مُسَمًّى ، أَوْ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ مُسَمَّاةٍ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِذا كَانَ يُؤْخَذُ عَاجِلًا ، يَشْرَعُ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الثَّمَنَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ ، بِمَنْزِلَةِ رَاوِيَةِ زَيْتٍ يَبْتَاعُ مِنْهَا رَجُلٌ بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ ، وَيُعْطِيهِ ذَهَبَهُ ، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكِيلَ لَهُ مِنْهَا ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنِ انْشَقَّتِ الرَّاوِيَةُ ، فَذَهَبَ زَيْتُهَا ، فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إِلَّا ذَهَبُهُ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ . 28598 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ عِنْدَهُ بَيْعُ عَيْنٍ ، لَا بَيْعُ صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ الرَّاوِيَةُ ، لَمْ يَكُنْ له إِلَّا الثَّمَنُ الَّذِي دُفِعَ . 28599 - وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ بَيْعَ عَيْنٍ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْبُيُوعِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ يَنْظُرُ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ ، وَيَتَأَمَّلُهُ ، وَيُحِيطُ بِهِ نَظَرُهُ ، وَيَعْلَمُ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ صِفَتُهُ بِعَيْنِهِ . 28600 - وَالْبَيْعُ عِنْدَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ : 28601 - ( أَحَدُهُمَا ) : عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ يُحِيطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا الْمُتَبَايِعَانِ . 28602 - ( وَالْآخَرُ ) : السَّلَمُ الْمَوْصُوفُ الْمَضْمُونُ فِي الذِّمَّةِ ، فَأَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ لَهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي لَزِمَتْهُ . 28603 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ الصِّفَةِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ فِي ذَلِكَ . 28604 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي بَيْعِ الصِّفَةِ فِي مَوْضِعِهِ بِمَا لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28605 - وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : مَنِ ابْتَاعَ تَمْرًا ، أَوْ لَبَنًا لَمْ يَرَهُ عَلَى صِفَةٍ ذُكِرَتْ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَيَخْتَارَهُ ، أَوْ يَرُدَّهُ . 28606 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْمَوْصُوفِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ .
28607 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ حَاضِرًا ، يُشْتَرَى عَلَى وَجْهِهِ ، مِثْلُ اللَّبَنِ إِذَا حُلِبَ ، وَالرُّطَبِ يُسْتَجْنَى ، فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ يَوْمًا بِيَوْمٍ : فَلَا بَأْسَ بِهِ . 28608 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا اشْتَرَى عَلَى وَجْهِهِ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ حُلِبَ اللَّبَنُ ، وَجُنِيَ التَّمْرُ .
28609 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ فَنِيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى ، رَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ ذَهَبِهِ ، بِحِسَابِ مَا بَقِيَ لَهُ ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً بمَا بَقِيَ لَهُ ، يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهَا . وَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَأْخُذَهَا ، فَإِنْ فَارَقَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ ، وَقَدْ نُهِيَ عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ، فَإِنْ وَقَعَ فِي بَيْعِهِمَا أَجَلٌ ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَلَا يَحِلُّ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ ، وَلَا يَصْلُحُ إِلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَيَضْمَنُ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا فِي غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا . 28610 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : إِنْ فَنِي اللَّبَنُ أَوِ الْفَاكِهَةُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ ذَهَبِهِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ لَهُ ، فَلِأَنَّهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّاوِيَةِ مِنَ الزَّيْتِ تَنْشَقُّ ، وَيَذْهَبُ زَيْتُهَا وَقَدْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي ، بَعْدَمَا عَقَدَ عَلَيْهِ صَفْقَتَهُ مِنْ تِلْكَ الرَّاوِيَةِ ، يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَلَا يَلْزَمُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْتِيَكَ بِمِثْلِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَلَمٍ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيمَا وَصَفْنَا رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ لَهُ ، وَإِذَا وَجَبَ لَهُ كَانَ له أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ مَا شَاءَ مِنَ السِّلَعِ تَاجِرَا ، وَإنْ أَخَذَهُ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ لَهُ فِي ذِمَّة الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ ثَمَنَ مَا لَمْ يُوفِ الْبَدَلُ مِنْهُ ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِمَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَانَ كَمَنْ قَدْ فَسَخَ دَيْنَهُ ذَلِكَ بِدَيْنٍ . 28611 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنْ وَقَعَ فِي بَيْعِهِمَا أَجَلٌ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، فَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَعْيَانَ الْمَبِيعَةَ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاطُ فِي قَبْضِهَا ; إِلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ، إِلَّا مَا كَانَ فِي الْعَقَارِ الْمَأْمُونِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْأَجَلُ فِي بَيْعِ الصِّفَاتِ الْمَضْمُومَاتِ ، وَهِيَ السَّلَمُ الْمَعْلُومُ فِي صِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَكِيلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي حَائِطٍ مَعْلُومٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا فِي ثَمَنِ لَبَنٍ بِأَعْيَانِهَا . 28612 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّلَمَ فِي حِنْطَةٍ فِدْيَةُ كَذَا مُعَيَّنَةً إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً لَا تَخْتَلِفُ فِي الْأَغْلَبِ جَائِزٌ ، وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ غَرَرٌ . 28613 - وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : مِنْ شَرَائِطِ الْمُسْلَمِ الَّذِي بِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَا أُسْلِمَ فِيهِ مِنَ الطَّعَامِ يَقُولُ فِيهِ مِنْ حَصَادِ عَامِ كَذَا . 28614 - وَأَنْكَرَهُ الْكُوفِيُّونَ ، وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ سَلَمٍ فِي عَيْنٍ مَعْدُومَةٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 28615 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُونَ فِي قَلِيلِ جَوَازِ الْغَرَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَيْعٌ ، وَلَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ الْمَبِيعِ ، لَا بِنَظَرٍ ، وَلَا بِصِفَةٍ ، وَالْأَغْلَبُ فِي الْعَامِّ السَّلَامَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ كَانَ فِي آخَرَ ، وَيَأْتِي هَذَا فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
28616 - وَسُئِلَ مَالِكٌ ، عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الْحَائِطَ ، فِيهِ أَلْوَانٌ مِنَ النَّخْلِ ; مِنَ الْعَجْوَةِ وَالْكَبِيسِ وَالْعَذْقِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ ، فَيَسْتَثْنِي مِنْهَا ثَمَرَ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخَلَاتِ ، يَخْتَارُهَا مِنْ نَخْلِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ ، تَرَكَ ثَمَرَ النَّخْلَةِ مِنَ الْعَجْوَةِ ، وَمَكِيلَةُ ثَمَرِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَأَخَذَ مَكَانَهَا ثَمَرَ نَخْلَةٍ مِنَ الْكَبِيسِ ، وَمَكِيلَةُ ثَمَرِهَا عَشْرَةُ أَصْوُعٍ ، فَإِنَّ أَخْذَ الْعَجْوَةَ الَّتِي فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَتَرَكَ الَّتِي فِيهَا عَشْرَةُ أَصْوُعٍ مِنَ الْكَبِيسِ ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَجْوَةَ بِالْكَبِيسِ مُتَفَاضِلًا . 28617 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَثْنِيَ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ مَعْدُودَاتٍ مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ غَيْرِ مُعَيَّنَاتٍ يَخْتَارُهَا مِنْ جَمِيعِ النَّخْلِ . 28618 - وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي أَلْوَانِ النَّخِيلِ ، وَلَا فِي الثِّيَابِ ، وَلَا فِي الْعَبِيدِ ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ; لأَنَّهُ بَيْعٌ وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ بِعَيْنِهِ . 28619 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَكُونُ إلا فِيمَا بَعْضُهُ خَيْرٌ مِنْ بَعْضٍ ، وَأَفْضَلُ ، وَلَمْ يَفْسَدِ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا .
28620 - وَذَكَرَ مَالِكٌ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ : وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ، بَيْنَ يَدَيْهِ صُبَرٌ مِنَ التَّمْرِ : قَدْ صَبَرَ الْعَجْوَةَ فَجَعَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْكَبِيسِ عَشْرَةَ آصُعٍ ، وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْعَذْقِ اثْنَيْ عَشَرَ صَاعًا ، فَأَعْطَى صَاحِبَ التَّمْرِ دِينَارًا عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ ، فَيَأْخُذُ أَيَّ تِلْكَ الصُّبَرِ شَاءَ . قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا لَا يَصْلُحُ . 28621 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى . 28621 م - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ غَنَمٍ ، فَيَبِيعُهَا ، أَوْ ثِيَابٍ ، أَوْ عَبِيدٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ مَالِكٌ . 28622 - وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ تَمْرَ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا : 28623 - فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ جَائِزٌ ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْهُ . 28624 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ ، يَبِيعُهَا عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهَا غَنَمًا ، فَيَسْتَثْنِيَهَا لِنَفْسِهِ . 28625 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَ فِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا . 28626 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا يَعْنِي قَوْلَهُ هَذَا ; لِأَنَّ الْغَنَمَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، جَائِزٌ ، وَالتَّمْرُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ . 28627 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ . 28628 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْمُسْتَثْني لِلْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا بَاعَ الْأُمَّ كَالْمُشْتَرِي لَهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهَا . 28628 م - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ تَمْرًا مِنْ نَخَلَاتٍ مَعْدُودَاتٍ يَخْتَارُهَا مِنْ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ . 28629 - وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِثْنَاءِ الْبَائِعِ لَهَا مِنْ تَمْرِ الْحَائِطِ ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ مَالِكٌ كَالْمُشْتَرِي لَهَا ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الثِّيَابِ وَالْغَنَمِ أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْبَائِعِ لَهَا مِنْ حَائِطِهِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهَا عَدَدًا . 28630 - وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْعِرَاقِ ، وَالْحِجَازِ ، وَالشَّامِ ، فَلَا يُجِيزُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ; لِأَنَّ مَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولٌ ، وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ .
28631 - وَسُئِلَ مَالِكٌ ، عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الرُّطَبَ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ . فَيُسْلِفُهُ الدِّينَارَ ، مَاذَا لَهُ إِذَا ذَهَبَ رُطَبُ ذَلِكَ الْحَائِطِ ؟ قَالَ مَالِكٌ : يُحَاسِبُ صَاحِبَ الْحَائِطِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ ، إِنْ كَانَ أَخَذَ بِثُلْثَيْ دِينَارٍ رُطَبًا ، أَخَذَ ثُلُثَ الدِّينَارِ ، الَّذِي بَقِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارِهِ رُطَبًا ، أَخَذَ الرُّبُعَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ ، أَوْ يَتَرَاضَيَانِ بَيْنَهُمَا ، فَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَائِطِ مَا بَدَا لَهُ ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ تَمْرًا ، أَوْ سِلْعَةً سِوَى التَّمْرِ ، أَخَذَهَا بِمَا فَضَلَ لَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً أخرى فَلَا يُفَارِقْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهُ . 28632 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ إِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهُ عِنْدَ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ .
28633 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَاحِلَتَهُ بِعَيْنِهَا ، أَوْ يُؤَاجِرَ غُلَامَهُ ، الْخَيَّاطَ أَوِ النَّجَّارَ أَوِ الْعَمَّالَ ، لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، أَوْ يُكْرِيَ مَسْكَنَهُ ، وَيَسْتَلِفَ إِجَارَةَ ذَلِكَ الْغُلَامِ ، أَوْ كِرَاءَ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ ، أَوْ تِلْكَ الرَّاحِلَةِ ، ثُمَّ يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ حَدَثٌ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . فَيَرُدُّ رَبُّ الرَّاحِلَةِ أَوِ الْعَبْدِ أَوِ الْمَسْكَنِ ، إِلَى الَّذِي سَلَّفَهُ مَا بَقِيَ مِنْ كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ أَوْ إِجَارَةِ الْعَبْدِ أَوْ كِرَاءِ الْمَسْكَنِ ، يُحَاسِبُ صَاحِبَهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ اسْتَوْفَى نِصْفَ حَقِّهِ ، رَدَّ عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِي الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ يَرُدُّ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ لَهُ . 28634 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ; فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ سَلَّمَ فِي فَاكِهَةٍ فَانْقَضَى أَيَّامُهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا أَسْلَمُ فِيهِ مِنْهَا : 28635 - فَذَكَرَ سُحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ، فَمَرَّةً قَالَ : يَصْبِرُ فِيمَا بَقِيَ لَهُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ . ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بَقِيَّةَ رَأْسِ مَالِهِ . 28636 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَاكِهَةِ إِلَى قَابِلٍ أَخَّرَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بَقِيَّةَ رَأْسِ مَالِهِ . 28637 - وَقَالَ سُحْنُونٌ : لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارٌ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الْفَاكِهَةِ مُتَأَخِّرَةً إِلَى قَابِلٍ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ خِيَارٌ لَكَانَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ . 28638 - وَقَالَ أَشْهَبُ : هُمَا مَجْبُورَانِ عَلَى الْفَسْخِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا التَّأْخِيرُ . 28639 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : مَنْ أَسْلَمَ فِي رُطَبٍ أَوْ عِنَبٍ ، فَنَفَدَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي سَلَّفَ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ الْمُسَلِّفُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا بَقِيَ مِنْ سَلَفِهِ حِصَّتِهِ ، أَوْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ إِلَى رُطَبِ قَابِلٍ . 28640 - قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : يَنْفَسِخُ بِحِصَّتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28641 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا انْفَسَخَ ارْتَفَعَ الْخِيَارُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا أَخْذُ رَأْسِ مَالِهِ أَوْ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ . 28642 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا لَمْ يَقْبِضِ الْمُسْلِمُ السَّلَمَ حَتَّى فَاتَ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ ، فَالْمُسْلِمُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ فَسَخَ الْسْلَمُ ، وَاسْتَرْجَعَ رَأْسَ مَالِهِ ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى وُجُودِ مِثْلِهِ ، فَإِنَّ صَبْرَ إِلَى وُجُودِ مِثْلِهِ ، أَخَذَ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ بِهِ حِينَئِذٍ .
28643 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَصْلُحُ التَّسْلِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا يُسْلِّفُ فِيهِ بِعَيْنِهِ ، إِلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُسَلِّفُ مَا سَلَّفَ فِيهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ ، يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوِ الرَّاحِلَةَ أَوِ الْمَسْكَنَ ، أَوْ يَبْدَأُ فِيمَا اشْتَرَى مِنَ الرُّطَبِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا أَجَلٌ . 28644 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أُسَلِّفُكَ فِي رَاحِلَتِكَ فُلَانَةَ أَرْكَبُهَا فِي الْحَجِّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ أَجَلٌ مَنِ الزَّمَانِ ، أَوْ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ أَوِ الْمَسْكَنِ ، فَإِنَّهُ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ ، كَانَ إِنَّمَا يُسْلِفُهُ ذَهَبًا ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ تِلْكَ الرَّاحِلَةَ صَحِيحَةً لِذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّى لَهُ ، فَهِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْكِرَاءِ ، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ ، رَدَّ عَلَيْهِ ذَهَبَهُ . وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ عِنْدَهُ . 28645 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْقَبْضُ ، مَنْ قَبَضَ مَا اسْتَأْجَرَ أَوِ اسْتَكْرَى فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْغَرَرِ ، وَالسَّلَفِ الَّذِي يُكْرَهُ . وَأَخَذَ أَمْرًا مَعْلُومًا . وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ ، أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ ، أَوِ الْوَلِيدَةَ فَيَقْبِضُهُمَا وَيَنْقُدُ أَثْمَانَهُمَا . فَإِنْ حَدَثَ بِهِمَا حَدَثٌ مِنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ ، أَخَذَ ذَهَبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ . فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ . وَبِهَذَا مَضَتِ السُّنَّةُ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ . 28646 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ . 28647 - وَلَمْ يَخَفْ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُدْخِلَ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ مَعْنَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَالنَّادِرِ ، وَخَافَهُ فَيَمَنْ شَرَطَ النَّقْدَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ ، فَلَمْ يُجِزْهُ . 28648 - وَكَذَلِكَ فِي الْمُوَاضَعَةِ .
1282 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَبَدًا بِعَيْنِهِ أَوْ تَكَارَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إِلَى أَجَلٍ . يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوِ الرَّاحِلَةَ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَقَدْ عَمِلَ بِمَا لَا يَصْلُحُ . لَا هُوَ قَبَضَ مَا اسْتَكْرَى أَوِ اسْتَأْجَرَ ، وَلَا هُوَ سَلَّفَ فِي دَيْنٍ يَكُونُ ضَامِنًا عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ . 28649 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لَا يَصْلُحُ التَّسْلِيفُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا التَّسْلِيفُ فِي صِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ، لَا يَسْتَكِيلُ كَيْلًا ، أَوْ وَزْنًا ، أَوْ شَيْئًا مَوْصُوفًا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ السَّلَمِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28650 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُسَلِّفُ مَا سَلَّفَ فِيهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ . 28651 - وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ ، لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ رَجْعَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا يَقْبِضُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فِي الرُّطَبِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، أَوْ كَإِجَازةِ الْعَبْدِ ، أَوِ الدَّابَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ أَنَّهُ كَالدَّينِ بِالدَّينِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِنَقْدٍ ، وَلَا يَشْرَعَ فِي قَبْضِ مَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ ، أَوْ قَبْضُ أَصْلِهِ الَّذِي إِلَيْهِ ذَهَبَ وَإِلَيْهِ يَقْصِدُ إِلَى شِرَاءِ مَنْفَعَتِهِ كَالْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَيَكُونُ الْبَائِعُ قَدِ انْتَفَعَ بِالثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، وَأَنَّهُ أَيْضًا يُشْبِهُ الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ . 28652 - وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ عَيْنٍ مَرْئِيَّةٍ غَيْرِ مَأْمُونٍ هَلَاكُهَا بِشَرْطِ تَأْخِيرِ قَبْضِهَا إِلَى أَجَلٍ لَا يُؤْمَنُ قَبْلَهُ ذَهَابُهَا ، لِأَنَّهُ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا . 28653 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مِنْ شَرْطِ بَيْعِ الْأَعْيَانِ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُبْتَاعِ بِأَثَرِ عَقْدِ الصَّفْقَةِ فِيهِ نَقْدًا كَانَ الثَّمَنُ أَوْ دَيْنًا . 28654 - إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ، وَرَبِيعَةَ ، وَطَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَجَازُوا بَيْعَ الْجَارِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلَى شَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ ، وَلَمْ يُجِيزُوا فِيها النَّقْدَ . 28655 - وَأَبَى ذَلِكَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ إِلَى مَا يَدْخُلُهُ مِنَ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ . 28656 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28657 - وَمِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا نَذْكُرُهُ فِيهِ . 28658 - كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجِيزُ عَنْ أَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ ، وَلَا سُكْنَى دَارٍ ، وَلَا جَارِيَةً يَتَوَاضَعُ ، وَيَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ . 28659 - وَكَانَ أَشْهَبُ يُجِيزُ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ : لَيْسَ هَذَا مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ، وَإِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ . 28660 - وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ ، أَلَّا يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ إِلَّا مَا اعْتَرَفَ الدَّيْنُ طَرَفَيْهِ . 28661 - وَكَانَ الْأَبْهَرِيُّ يَقُولُ : الْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ . 28662 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إِذَا قَبَضَ فِي الدَّيْنِ مَا يُبَرِّئُهُ إِلَيْهِ غَرِيمُهُ مِمَّا يَقْبَضُ لَهُ مِثْلُهُ ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ . 28663 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ : كَانَ النَّاسُ يَبَتاعُونَ اللَّحْمَ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ ، فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ كُلَّ يَوْمٍ وَزْنًا مَعْلُومًا ، وَالثَّمَنُ إِلَى الْعَطَاءِ ، وَلَمْ يَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ بَأْسًا . 28664 - قَالَ : وَاللَّحْمُ ، وَكُلُّ مَا يَتَبَايَعَهُ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ ، فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّ كان الثَّمَنِ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَمْ يَرَهُ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ . 28665 - وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْفَسَادُ إِذَا أَخَذَ جَمِيعَهُ مِثْلَ : الْفَاكِهَةِ ، وَأَمَّا الْقَمْحُ ، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ ، فَلَا يَجُوزُ . 28666 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا تَبَايَعَا بَدَيْنٍ ، وَافْتَرَقَا ، وَلَمْ يَقْبِضِ الْمُبْتَاعُ جَمِيعَ مَا ابْتَاعَهُ ، فَهُوَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ . 28667 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي فَاكِهَةٍ فِي أَوَانِهَا ، وَلَبَنٍ فِي أَوَانِهِ ، أَوْ لَحْمٍ مَوْصُوفٍ ، أَوْ كِبَاشٍ مَوْصُوفَةٍ ، أَوْ أَرَادِبَ مِنْ قَمْحٍ مَعْلُومَةٍ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا كُلَّهُ عَلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي قَبْضِ مَا اشْتَرَى ، وَيَقْبِضَ فِي كُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ، وَلَا بَأْسَ عِنْدَهْ أَنْ يَتَأَخَّرَ النَّقْدُ فِيهِ إِلَى غَيْرِ الْأَجَلِ الْبَعِيدِ ، فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقَبْضِ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَمَا سَلَّفَ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لَمْ يُجِزْ أَنْ يَتَأَخَّرَ الثَّمَنُ .
27905 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، إِذَا بِيعَتْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ ، لَا يُدَرَى أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى ، أَحْسَنٌ أَمْ قَبِيحٌ ، أَوْ نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ ، أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ . وَذَلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا . 27906 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَ مَالِكٌ اسْتِثْنَاءَ الْبَائِعِ لِلْجَنِينِ كَاشْتِرَائِهِ لَهُ لَوْ كَانَ . 27907 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ ، فَاسْتِثْنَاءُ الْبَائِعِ لِلْجَنِينِ كَشِرَاءِ الْمُشْتَرِي لَهُ عِنْدَهُ . 27908 - وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ أُمِّهِ . 27909 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ أَيْضًا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ الْأُمُّ ، وَيُسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ . 27910 - وَقَالُوا كَمَا قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا . 27911 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنَ الْبَهَائِمِ بِيعَتْ ، فَحَمْلُهَا تَبَعٌ لَهَا كَعُضْوٍ مِنْهَا . 27912 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . 27913 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ ، فَالْعَمَلُ فِيهِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ . 27914 - وَالْفَوْتُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، أَنْ تَلِدَ ذَلِكَ الْجَنِينَ ، أَوْ غَيْرَهُ ، أَوْ تَمُوتَ ، أَوْ تُبَاعَ ، أَوْ تُوهَبَ ، أَوْ تُعْتَقَ ، أَوْ يَطُولَ الزَّمَانُ ، أَوْ تَخْتَلِفَ الْأَسْوَاقُ ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَضَى الْبَيْعُ ، وَكَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِ الْأَمَةِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ . 27915 - فَإِنْ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، وَقَبَضَ الْبَائِعُ الْجَنِينَ ، رُدَّ إِلَى مُبْتَاعِ الْأُمِّ ، وَغَرِمَ قِيمَتَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ . 27916 - هَذَا إِنْ عُثِرَ عَلَى الْجَنِينِ بِحُدْثَانِ قَبْضِ الْبَائِعِ لَهُ ، وَأَمَّا إِنْ طَالَ زَمَانُهُ أَوْ فَاتَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوْتِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، كَانَ لِلْمُبْتَاعِ عَلَى الْبَائِعِ قِيمَةُ الْجَنِينِ يَوْمَ قَبْضِهِ ، فَكَانَ عَلَى الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ قِيمَةُ الْأُمِّ يَوْمَ بَاعَهَا ، بِلَا اسْتِثْنَاءٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَكُلِّفَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَجْمَعَهَا بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنِهَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا بِالْمُقَاوَمَةِ بَيْنَهُمَا ، أَوْ يَبِيعَانِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِهِمَا . 27917 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : جَائِزٌ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ الْحَامِلَ ، وَيَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا . 27918 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 27919 - وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَرَرَ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ التَّبَايُعُ ، وَالْجَنِينُ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ ، وَيُخْرِجَهُ مِنَ الْبَيْعِ ، وَلَا يَضُرُّهُ جَهْلُهُ بِصِفَتِهِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ بَيْعٌ . 27920 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا : أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ .
27946 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ مِنَ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، الَّذِي بَاعَها إِلَيْهِ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْهُ ، يَبِيعُهَا بِثَلَاثِينَ دِينَارًا إِلَى شَهْرٍ ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِسِتِّينَ دِينَارًا إِلَى سَنَةٍ ، أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ ، فَصَارَ إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا ، وَأَعْطَاهُ صَاحِبُهُ ثَلَاثِينَ دِينَارًا إِلَى شَهْرٍ ; بِسِتِّينَ دِينَارًا إِلَى سَنَةٍ ، أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ . فَهَذَا لَا يَنْبَغِي . 27947 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُ هَذَا عِنْدَهُ إِذَا بَاعَ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، كَحُكْمِ مَنْ بَاعَهَا إِلَى أَجَلٍ بِثَمَنٍ ، ثُمَّ ابْتَاعَهَا بِالنَّقْدِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ تَرْجِعُ إِلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا ، وَيَحْصُلُ بِيَدِهِ دَرَاهِمُ ، أَوْ ذَهَبٌ ، بِأَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ ، وَهَذَا هُوَ الرِّبَا ، لَا شَكَّ فِيهِ لِمَنْ قَصَدَهُ . 27948 - إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ رَأَى قَطْعَ الدَّرَاهِمِ ; لِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمُتَبَايِعِينَ قَصَدَا إِلَيْهِ . 27949 - وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ تُهْمَةَ الْمُسْلِمِ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ لَمْ يَقُلْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 27950 - وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 27951 - ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمَا قَالَا : إِذَا بِعْتَ شَيْئًا إِلَى أَجَلٍ ، فَلَا تَبْتَعْهُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي بِعْتَهُ مِنْهُ ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ يَبِيعُهُ لَهُ ، أَوْ يَتَبَايَعُهُ إِلَى دُونِ ذَلِكَ الْأَجَلِ إِلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي بِعْتَهُ مِنْهُ بِهِ ، أَوْ بِأَكْثَرَ ، وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى دُونِ ذَلِكَ الْأَجَلِ إِلَّا بِالثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ ، فَإِذَا ابْتَعْتَهُ إِلَى الْأَجَلِ بِعَيْنِهِ ابْتَعْتَهُ بِالثَّمَنِ ، أَوْ بِأَكْثَرَ ، أَوْ بِأَقَلَّ . 27952 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ . 27953 - قَالَ : وَقَالَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِثْلَ ذَلِكَ . 27954 - وَقَالَ لِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا بِنَقْدٍ أَوْ إِلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ الَّذِي بَاعَهَا إِلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي بَاعَهَا بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ أَنْ يُعْطِيَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا ، أَوْ إِلَى شَهْرٍ ، أو شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ إِلَى سَنَةٍ . 27955 - قَالَ : وَقَالَ لِي مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا إِلَى أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ أَنْ يَأْخُذَ عِشْرِينَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا . 27956 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يُتَّهَمُ إِذَا بَاعَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ مَنِ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَالثَّمَنُ نَقْدًا مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، وَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إِلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ ، أَوْ إِلَى شَهْرٍ بِعِشْرِينَ ، أَوْ نَحْوِهَا إِلَى سَنَةٍ . 27957 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَقَالَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ . 27958 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، يَذْهَبُونَ فِي ذَلِكَ نَحْوَ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 27959 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، قَالُوا فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَبَضَهَا ، ثُمَّ بَاعَهَا مِنَ الْبَائِعِ بِأَقَلَّ مِنَ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ : إِنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ بَاطِلٌ . 27960 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فِيمَنْ بَاعَ بَيْعًا بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِنَقْدٍ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ ، وَلَا يَعْرِضُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ قِيمَةَ الثَّمَنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَشْتَرِيهِ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنَ الثَّمَنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ كُلَّهُ . 27961 - قَالَ : وَإِنْ نَقَصَتِ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْبَائِعُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، سَوَاءٌ كَانَ نُقْصَانُ الْعَيْبِ لَهَا قَلِيلًا ، أَوْ كَثِيرًا . 27962 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي رَجُلٍ بَاعَ خَادِمًا إِلَى سَنَةٍ ، ثُمَّ جَاءَ الْأَجَلُ بِهِ : يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ ، وَلَا يَشْتَرِيهِ بِدُونِ الثَّمَنِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ إِلَّا بِالثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ . 27963 - وَقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ . 27964 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، وَالْكُوفِيِّينَ ، حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، عَنِ امْرَأَتِهِ أُمِّ يُونُسَ ، وَاسْمُهَا الْعَالِيَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْهَا ، وَقَدْ قَالَتْ لَهَا أُمُّ مَحَبَّةَ ; أُمُّ وَلَدٍ كَانَتْ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنِّي بِعْتُ مِنْ زَيْدٍ عَبْدًا إِلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمِائَةٍ ، فَاحْتَاجَ إِلَى ثَمَنِهِ ، فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ ، فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا شَرَيْتِ ، وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ ، أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ لَمْ يَتُبْ ، قَالَ : فَقُلْتُ : أَرَأَيْتِ إِنْ تَرَكْتُ مِائَتَيْنِ وَأَخَذْتُ السِّتَّمِائَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ . 27965 - قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُنْكِرَ عَائِشَةُ عَلَى زَيْدٍ رَأْيَهُ بِرَأْيِهَا ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ . 27966 - هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ . 27967 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أُمِّهِ ، قَالَتْ : دَخَلْتُ مَعَ امْرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةُ أَبِي السَّفَرِ : إِنِّي بِعْتُ غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى الْعَطَاءِ ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ : بِئْسَمَا شَرَيْتِ ، وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ ، أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ لَمْ يَتُبْ ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ أَبِي السَّفَرِ : فَإِنِّي قَدْ تُبْتُ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَإِنْ تُبْتُمْ ، فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ ، لَا تَظْلِمُونَ ، وَلَا تُظْلَمُونَ . 27968 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ امْرَأَتِهِ قَالَتْ : سَمِعْتُ امْرَأَةَ أَبِي السَّفَرِ ، تَقُولُ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : بِعْتُ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ كُلَّهُ بِمَعْنَاهُ . 27969 - وَهُوَ خَبَرٌ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَهُمْ . 26970 - وَامْرَأَةُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَامْرَأَةُ أَبِي السَّفَرِ ، وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كُلُّهُنَّ غَيْرُ مَعْرُوفَاتٍ بِحَمْلِ الْعِلْمِ . 27971 - وَفِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ الرِّوَايَةَ عَنِ النِّسَاءِ ، إِلَّا عَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 27972 - وَالْحَدِيثُ مُنْكَرُ اللَّفْظِ لَا أَصْلَ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا يُحْبِطُهَا الِاجْتِهَادُ ، وَإِنَّمَا يُحْبِطُهَا الِارْتِدَادُ ، وَمُحَالٌ أَنْ تُلْزِمَ عَائِشَةُ زَيْدًا التَّوْبَةَ بِرَأْيِهَا ، وَيُكَفِّرُهُ اجْتِهَادُهَا ، فَهَذَا مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِها وَلَا يُقْبَلَ عَلَيْهَا . 27973 - وَقَدْ رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، يَجْعَلَانِ لِلْمُطْلَقَةِ ثَلَاثًا السُّكْنَى ، وَالنَّفَقَةَ ، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا ذَكَرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : لَا سُكْنَى لَكِ ، وَلَا نَفَقَةَ ، يَقُولُ : مَا كُنَّا نُخَيِّرُ فِي دِينِنَا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ . 27974 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا كَانَ هَذَا فِي امْرَأَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِالدِّينِ ، وَالْفَضْلِ ، فَكَيْفَ بِامْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ ؟ . 27975 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِذَا كَانَ لَا يُرِيدُ الْمُخَادَعَةَ وَالدُّلْسَةَ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِدُونِ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، أَوْ بأَكْثَرَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، وَبَعْدَهُ . 27976 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، أَوْ أَكْثَرَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَصْدٌ لِمَكْرُوهٍ . 27977 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ : لَا يَثْبُتُ مِثْلُ هَذَا عِنْدَنَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ أَنْكَرَتِ الْبَيْعَ إِلَى الْعَطَاءِ ; لِأَنَّهُ أَجَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبَيْعِ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ ، وَجَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ ، وَزَيْدٌ صَحَابِيٌّ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ، فَمَذْهَبُنَا الْقِيَاسُ ، وَهُوَ مَعَ زَيْدٍ ; لِأَنَّ السِّلْعَةَ إِذَا كَانَتْ لِي بِشِرَائِي لَهَا ، فَهِيَ كَسَائِرِ مَالِي ، فَلَمْ أَبِعْ مِلْكِي بِمَا شِئْتُ بَلَغَ ، وَمِمَّنْ شِئْتُ . 27978 - وَقَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 27979 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُوسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا قَالَا : مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنَظِرَةٍ مِنْ رَجُلٍ ، فَلَا يَبِيعُهَا مِنْهُ بِنَقْدٍ ، وَمَنِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِنَقْدٍ ، فَلَا يَبِيعُها مِنْهُ بِنَظِرَةٍ . 27980 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 27981 - وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَحَمَّادٍ ، مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 27982 - وَكَانَ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةُ الْكُوفِيِّينَ يُجِيزُونَ لِبَائِعِ الدَّابَّةِ بِنَظِرَةٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِالنَّقْدِ إِذَا عَجَفَتْ ، وَتَغَيَّرَتْ عَنْ حَالِهَا . 27983 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا حَدَثَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبٌ مُفْسِدٌ مِثْلُ الْعَوَرِ ، وَالْعَرَجِ ، وَالْقَطْعِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . 27984 - وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَشْهَبَ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُؤْمَنُ النَّاسُ عَلَى مِثْلِهِ . 27985 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 27986 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَزَادَ : قَالَ : فَكَذَلِكَ لَوْ مَكَثَ الْعَبْدُ عِنْدَهُ زَمَانًا ، أَوْ سَافَرَ بِهِ مِنْ أَفْرِيقِيَّا إِلَى الْحَجِّ ، ثُمَّ وَجَدَهُ الْبَائِعُ يُنَادِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السُّوقِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْرِيَهَا بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ أَنَّهُم لَا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا سَافَرَ بِهَا ، وَأَدْبَرَ الدَّابَّةَ وَغَيَّرَهَا عَنْ حَالِهَا . 27987 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا مَالِكًا ، فَقَالَ : لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَحَدٌ . 27988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَرِهُوهُ لِلتُّهَمِ ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يُتَّهَمُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِالْمُسْلِمِ الطَّاهِرِ إِلَّا الصَّلَاحُ ، وَالْخَيْرُ .
27921 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَنْدَمُ الْبَائِعُ ، فَيَسْأَلُ الْمُبْتَاعَ أَنْ يُقِيلَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ نَقْدًا ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، وَيَمْحُو عَنْهُ الْمِائَةَ دِينَارٍ الَّتِي لَهُ . 27922 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ ، فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَوِ الْعَبْدِ ، وَيَزِيدُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، أَبْعَدَ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي اشْتَرَى إِلَيْهِ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ لَهُ ، إِلَى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ ، بِجَارِيَةٍ وَبِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ السَّنَةِ ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ . 27923 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى الَّتِي نَدِمَ فِيهَا الْبَائِعُ ، فَأَعْطَى الْمُشْتَرِيَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ ، يَسْقُطُ عَنِ الْمُشْتَرِي ثَمَنُهَا الْمِائَةُ الدِّينَارِ الْمَذْكُورَةُ ، فَهَذَا الْبَيْعُ مُسْتَأْنَفٌ ، وَإِقَالَةٌ لَا يَدْخُلُهَا تُهْمَةٌ ; لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِمَا اشْتَرَاهَا بِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ ذَهَبٌ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، وَلَا ذَهَبٌ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 27924 - وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : بَيَّنَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَدْخُلُهَا إِعْتَاقُهُ ، فَذَكَرَ أَنَّهَا بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ . 27925 - فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ ، فَلَا يَدْخُلُهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُحْرِّمُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْجَمِيلَ لَا يُظَنُّ بِهِ الظَّنُّ السُّوءُ بِالْبَاطِنِ ، وَالظَّنُّ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ ، وَلَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِالظُّنُونِ . 27926 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ نَقْدًا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ عِنْدَهُمْ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهَا إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا مِنْ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ نَقْدًا ، وَلَمْ يُنْفِذْ . 27927 - ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى سِلْعَةً ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا ، وَيُعْطِيَ صَاحِبَهَا دِينَارًا ؟ فَقَالَا : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 27928 - وَعَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 27929 - قَالَ بُكَيْرٌ : وَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ . 27930 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي نَاجِيَةُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرَبِيعَةَ ، فِي رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا ، فَاسْتَقَالَهُ ، فَذَهَبَ لِيَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، فَأَبَى أَنْ يُقِيلَهُ ، فَوَضَعَ مِنْ ثَمَنِهِ عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ ، قَالَا : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 27931 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَأَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ شُرَيْحًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ . 27932 - وَقَالَ : وَإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ ، فَاسْتَقَالَ الْبَائِعَ ، وَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ . 27933 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، قَالَ : لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَدِمَ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : لَا أُقِيلُكَ إِلَّا أَنْ تُنْظِرَنِي بِالذَّهَبِ سَنَةً ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ . 27934 - قَالَ يَحْيَى : وَلَوْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ : لَا أُقِيلُكَ إِلَّا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي ذَلِكَ إِلَى سَنَةٍ ، قَالَ : لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ . 27935 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَقَالَ لِي مَالِكٌ مِثْلَهُ . 27936 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الدَّابَّةَ مِنَ الرَّجُلِ ، وَيَنْقُدُهُ الثَّمَنَ ، ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي ، فَيَقُولُ بَائِعُ الدَّابَّةِ مِنْهُ : أَقِلْنِي وَخُذْ دَابَّتَكَ ، وَأُنْظِرْكَ بِثَمَنِهَا سَنَةً ، فَقَالَ مَالِكٌ : هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ لَا بَأْسَ بِهِ . 27937 - وَذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ، فَنَدِمَ فِيهَا ، فَقَالَ : أَقِلْنِي ، وَلَكَ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 27938 - وَعَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَى غُلَامًا ، فَأَرَادَ رَدَّهُ ، فَلَمْ يُقِيلُوهُ مِنْهُ حَتَّى أَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ . 27939 - وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 27940 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَسَأَلْتُ حَمَّادًا عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً ، وَنَدِمَ فِيهَا ، فَقَالَ : أَقِلْنِي ، وَلَكَ كَذَا ، فَكَرِهَهُ . 27941 - وَشُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ مِثْلُهُ . 27942 - وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَرُدَّهَا ، وَيَرُدَّ مَعَهَا شَيْئًا . 27943 - وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ . 27944 - وَلَمْ يَرَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ بَأْسًا . 27945 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةُ حِمَارِ رَبِيعَةَ ، ذَكَرَهَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ رَبِيعَةُ يَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ سَنَةً ، ثُمَّ اسْتَقَالَهُ ، فَأَقَالَهُ بِرِبْحِ دِينَارٍ ، عَجَّلَهُ لَهُ ، وَآخَرُ بَاعَ حِمَارًا نَقْدًا ، فَاسْتَقَالَهُ الْمُبْتَاعُ ، فَأَقَالَهُ بِزِيَادَةِ دِينَارٍ أَخَّرَهُ عَنْهُ إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ رَبِيعَةُ : هَذِهِ لَيْسَتْ إِقَالَةً ; لِأَنَّهُ جَمِيعًا صَارَ بَيْعُهَا ; إِنَّمَا الْإِقَالَةُ أَنْ يَتَرَادَّ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَيْعِ عَلَى مَا كَانَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ . فَأَمَّا الَّذِي ابْتَاعَ حِمَارًا إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ رَدَّهُ بِفَضْلِ تَعَجُّلِهِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ اقْتَضَى ذَهَبَا يَتَعَجَّلُهَا مِنْ ذَهَبٍ . وَأَمَّا الَّذِي ابْتَاعَ الْحِمَارَ بِنَقْدٍ ، ثُمَّ جَاءَ بِاسْتِقَالِ صَاحِبِهِ ، فَقَالَ الَّذِي بَاعَهُ : لَا أُقِيلُكَ إِلَّا بِرِبْحِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا أَنَّهُ أَخَذَ عَنْهُ الدِّينَارَ ، وَانْتَقَدُوا حَقَّ الْحِمَارِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ ، فَصَارَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ .
27894 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُبْتَاعَ الْعَبْدُ التَّاجِرُ الْفَصِيحُ ، بِالْأَعْبُدِ مِنَ الْحَبَشَةِ ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ مِنَ الْأَجْنَاسِ لَيْسُوا مِثْلَهُ فِي الْفَصَاحَةِ وَلَا فِي التِّجَارَةِ ، وَالنَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ ، لَا بَأْسَ بِهَذَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ الْعَبْدَ بِالْعَبْدَيْنِ ، أَوْ بِالْأَعْبُدِ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، إِذَا اخْتَلَفَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ ، فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا حَتَّى يَتَقَارَبَ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنِ اخْتَلَفَت أَجْنَاسُهُمْ . 27895 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مَعَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ، إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ . 27896 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عَنْهُ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، هُوَ مَعْنَى مَا رَسَمَهُ هَاهُنَا ، وَفِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَالسَّلَفِ فِيهِ مِنْ الْمُوَطَّأِ . 27897 - وَجُمْلَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ عِنْدَهُ : الْعَبْدُ بِالْعَبْدَيْنِ ، وَالْفَرَسُ بِالْفَرَسَيْنِ ، وَالْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ ، وَكَذَلك سَائِرُ الْحَيَوَانِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْغَرَضِ فِيهِمَا ، وَالْمَنْفَعَةِ بِهِمَا . وَلَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتِ الْمَنَافِعُ وَالْأَعْرَاضُ مَنْفَعَةً ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 27898 - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِكُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ ، وَمَا لَا يُشْرَبُ مِنَ الْحَيَوَان وَغَيْرِهِ أَنْ يُبَاعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ ، اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً ، اخْتَلَفَتْ أَصْنَافُهُ ، أَوِ اتَّفَقَتْ ، إِلَّا الذَّهَبَ ، وَالْوَرِقَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بَعْضِهَا بِبَعْضِ نَسِيئَةً ، وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ كُلُّهُ . 27899 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 27900 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَاحِدا بِاثْنَيْنِ نَسِيئَةً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ جِنْسًا وَاحِدًا كَانَ ، أَوْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَتِ الْمَنَافِعُ أَوِ اتَّفَقَتْ . 27901 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 27902 - وَسَنُذَكُرُ وُجُوهَ أَقْوَالِهِمْ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 27903 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَعَ ذَلِكَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، لَا مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَعْتَهُ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ ، يَقْبِضُ لَهُ مَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلُهُ . 27904 - وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
31 - كِتَابُ الْبُيُوعِ ( القسم الأول ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ 1255 - مَالِكٌ ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ، عَنْهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ ، فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ . أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ . ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ ، أَوْ تَكَارَى مِنْهُ : أُعْطِيكَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ . عَلَى أَنِّي إِنْ أَخَذْتُ السِّلْعَةَ ، أَوْ رَكِبْتُ مَا تَكَارَيْتُ مِنْكَ ، فَالَّذِي أَعْطَيْتُكَ هُوَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ . أَوْ مِنْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ ، وَإِنْ تَرَكْتُ ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ ، أَوْ كِرَاءَ الدَّابَّةِ ، فَمَا أَعْطَيْتُكَ لَكَ بَاطِلٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ . 27871 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . 27872 - وَقَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ مَعَهُ . 27873 - وَأَمَّا الْقَعْنَبِيُّ ، وَالتِّنِّيسِيُّ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ ، فَقَالُوا فِيهِ : عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ . 27874 - وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الثِّقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَشْبَهُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ ابْنُ لَهِيعَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَكْثَرُ مَا يُعْرَفُ عِنْدَ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . 27875 - وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جِدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِالْإِسْنَادِ عَنْهُ فِي التَّمْهِيدِ وَلَكِنَّهُ أَشْهَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ . 27876 - وَقَدْ رَوَاهُ حَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكٍ ، عن مالك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِإِسْنَادِهِ ، وَلَكِنَّ حَبِيبًا مَتْرُوكٌ لَا يُشْتَغَلُ بِحَدِيثِهِ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ كَذَّابٌ فِيمَا يحَدَّثُ بِهِ . 27877 - وَقَدْ حَدَّثَ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ ; بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلَّالُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحِ بْنِ صَفْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ . 27878 - هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ حَرْمَلَةُ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَهُوَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . 27879 - وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ . كَمَا هُوَ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ . 27880 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَالِكًا أَخَذَهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . 27881 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ ، وَالْعِرَاقِيِّينَ ، مِنْهُمُ : الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ وَأَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا هِبَةٍ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ . 27882 - وَبَيْعُ الْعُرْبَانِ عَلَى ذَلِكَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُمْ إِذَا وَقَعَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ إِن كَانَتْ قَائِمَةً ، فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا ، وَيُرَدُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا أُخِذَ عُرْبَانًا فِي الشِّرَاءِ وَالْكِرَاءِ . 27883 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ : مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : أَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ الْعُرْبَانِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 27884 - وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا . 27885 - وَكَانَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ يَقُولُ : أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 27886 - وَهَذَا لَا نَعْرِفُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ . 27887 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْعُرْبَانِ الَّذِي أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَوْ صَحَّ عَنْهُ أَنْ يُجْعَلَ الْعُرْبَانُ عَنِ الْبَائِعِ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ ، وَإِلَّا رَدَّهُ ، وَهَذَا وَجْهٌ جَائِزٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 27888 - وَحَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ - عَامِلِ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ - أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَافِعٌ إِنْ رَضِيَ عُمَرُ ، فَالْبَيْعُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ . 27889 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ ، فَيُعْطِيهِ عُرْبَانًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ ، فَإِنْ رَضِيَهُ أَخَذَهُ ، وَإِنَّ سَخِطَهُ رَدَّهُ ، وَأَخَذَ عُرْبَانَهُ ! إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . 27890 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا . 27891 - وَفِي اتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَالْجَمَاعَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 27892 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنْ وَقَعَ بَيْعُ الْعُرْبَانِ الْفَاسِدُ فُسِخَ ، وَرُدَّتِ السِّلْعَةُ إِلَى الْبَائِعِ ، وَالثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِنْ فَاتَتْ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِمَا بَالِغًا مَا بَلَغَتْ ، وَلَهُ ثَمَنُهُ . 27893 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ .
( 22 ) بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا . 1307 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ : فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ : خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ ، فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا ، وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ . 29104 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي أَنَّ الْبُرَّ عِنْدَهُ ، وَالسُّلْتَ ، وَالشَّعِيرَ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ مَالِكٍ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدٍ ، أَبِي عَيَّاشٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْبَيْضَاءُ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . 29105 - وَالْبَيْضَاءُ : الشَّعِيرُ هَاهُنَا مَعْرُوفٌ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ بِالْحِجَازِ ، كَمَا أَنَّ السَّمُرَاءَ الْبُرُّ عِنْدَهُمْ . 29106 - وَإِلَى مَذْهَبِ سَعِدٍ فِي هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَإِيَّاهُ اخْتَارَ ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ .
29181 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا خَيْرَ فِي الْخُبْزِ ، قُرْصٍ بِقُرْصَيْنِ ، وَلَا عَظِيمٍ بِصَغِيرٍ ، إِذَا كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ . 29182 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْخُبْزَ بِالْخَبْزِ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَالتَّسَاوِي ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ قَدْ أَخْرَجَتْهُ عَنْ أَصْلِ جِنْسِهِ . 29183 - ذَكَرَهُ ابْنُ خُوَازَ بَنْدَاذَ ، عَنْ مَالِكٍ . 29184 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي خُبْزِ الْقَطَانِيِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَجِينَ بِالْعَجِينِ لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا مُتَسَاوِيًا ، وَكَذَلِكَ الْعَجِينُ بِالدَّقِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ . 29185 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا مُتَمَاثِلًا ، وَكَذَلِكَ الْعَجِينُ بِالْعَجِينِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَجُوزُ أَصْلُهُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، لَا يَجُوزُ إِذَا خَرَجَ عَنْ أَصْلِهِ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِحَالٍ ، لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى صِحَّةِ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْأَصْلِ ، وَأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِقْدَارَ مَا فِي الْعَجِينِ مِنَ الْمَاءِ ، وَبَعْضُ الدَّقِيقِ يَحْمِلُ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْمِلُ غَيْرُهُ ، وَكَذَلِكَ الطَّبْخُ ، فَبَلَغَ مِنْ بَعْضِ الْخُبْزِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مِنْ غَيْرِهِ . 29186 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَيْعُ الْخَلِّ بِالْخَلِّ مُتَمَاثِلًا ، وَلَا مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ كَانَ خَلُّ الْعِنَبِ لَا مَاءَ فِيهِ ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، مُتَمَاثِلًا ، يَدًا بِيَدٍ . 29187 - وَكَذَلِكَ الشَّرِفُ بِالشَّرِفِ . 29188 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْبُرِّ ، لَا مُتَفَاضِلًا ، وَلَا مُتَسَاوِيًا . 29189 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ يَتَحَرَّى فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، لَا فِي اللَّحْمِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ وَزْنِ مَا يُوزَنُ مِنْهَا ، وَكَيْلِ مَا يُكَالُ . 29190 - وَالْكَيْلُ عِنْدَهُ أَصْلُهُ مَا كَانَ يُكَالُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29191 - وَالْوَزْنُ مَا كَانَ يُوزَنُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْكَيْلِ مَا كَانَ يُوزَنُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَلَا إِلَى الْوَزْنِ مَا كَانَ يُكَالُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . 29192 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - فَجَائِزٌ عِنْدَهُ التَّفَاضُلُ فِي الْخُبْزِ ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ جِنْسِهِ ، وَكَمُلَتْ فِيهِ الصِّنَاعَةُ ، وَمَا جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ جَازَ فِيهِ التَّحَرِّي . 29193 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَقْلُوَّةِ بِالْحِنْطَةِ ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُ السَّوِيقُ بِالْبُرِّ ، وَبِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا ، لِمَا دَخَلَهُ مِنَ الصَّنْعَةِ . 29194 - وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ . 29195 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُبَاعُ السَّوِيقُ بِالْحِنْطَةِ ، وَلَا بِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا مُتَسَاوِيًا . 29196 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَالثَّوْرِيِّ ، الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ .
1309 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ ، مِثْلُ ذَلِكَ . 29110 - قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 29111 - هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ عُفَيْرٍ . 29112 - وَأَمَّا الْقَعْنَبِيُّ ، وَطَائِفَةٌ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : عَنْ مُعَيْقِيبٍ . 29113 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى مُعَيْقِيبًا وَمَعَهُ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ قَدِ اسْتَبْدَلَهُ بِمُدِّ حِنْطَةٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَا يَحِلُّ ذَلِكَ ، إِنَّمَا الْحَبُّ مُدًّا بِمُدٍّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ . 29114 - فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَأَى الْحُبُوبَ كُلَّهَا صِنْفًا وَاحِدًا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ وَالْبُرُّ عِنْدَهُ فَقَطْ صِنْفًا وَاحِدًا . 29115 - وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الشَّامِ . 29116 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ : هُمَا عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدَةٌ لَا يَجُوزُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . 29117 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ . 29118 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ . 29119 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يَصْلُحُ الشَّعِيرُ بِالْقَمْحِ ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَكَذَلِكَ السُّلْتُ ، وَالذُّرَةُ ، وَالدَّخَنُ ، وَالْأُرْزُ لَا يُبَاعُ بَعْضُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، لِأَنَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ مِمَّا يُخْتَبَزُ . 29120 - قَالَ : وَالْقَطَانِيُّ كُلُّهَا الْعَدَسُ ، وَالْحِمَّصُ ، وَالْحِلْبَاءُ ، وَالْفُولُ يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ ، لِأَنَّ الْقَطَانِيَّ مُخْتَلِفَةُ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالْخُلْفِ . 29121 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الدَّخَنَ صِنْفٌ مُنْفَرِدٌ ، وَكَذَلِكَ الذُّرَةُ صِنْفٌ ، وَالْأُرْزُ صِنْفٌ جَائِزٌ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ الْعَدَسُ صِنْفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ . 29122 - وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : هُوَ صِنْفٌ مِنَ الْحِنْطَةِ . 29123 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 29124 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَطَانِيِّ . 29125 - فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : الْقَطَانِيُّ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ . 29126 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ : لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . 29127 - وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الْحِمَّصُ ، وَالْعَدَسُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَسَائِرُ الْقَطَانِيِّ أَصْنَافٌ . 29128 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْقَطَانِيُّ كُلُّهَا أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ الْفُولُ ، وَالْعَدَسُ ، وَالْحِمَّصُ ، وَلَا بَأْسَ فِي التَّفَاضُلِ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ . 29129 - وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ . 29130 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ : الْجُلُبَّانُ ، وَالْبِسِلَّةُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَالْحِمَّصُ وَاللُّوبْيَاءُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْقَطَانِيِّ ، فَأَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ . 29131 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : الْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ صِنْفَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالسُّلْتُ صِنْفٌ كَمَا أَنَّ الدَّخَنَ صِنْفٌ ، وَالذُّرَةُ صِنْفٌ . 29132 - وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَالْقَطَانِيُّ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ . 29133 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حُجَّتُهُمْ فِي أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ صِنْفَانِ ، يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ : 29134 - فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمْثِلٍ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمْثِلٍ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَبَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَالْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَالْمِلْحِ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ . 29135 - وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَوَكِيعٌ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَفِي لَفْظِ وَكِيعٍ : وَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ . 29136 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَادَةُ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، فَمَنْ زَادَ ، أَوِ ازْدَادَ ، فَقَدْ أَرْبَى . 29137 - اللَّفْظُ مُجْمَلٌ ، وَالطُّرُقُ بِهَذَا عَنْ عُبَادَةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، قَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ . 29138 - وَمِنْهَا مَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَا : جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَمُعَاوِيَةَ حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ قَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ - قَالَ أَحَدُهُمَا : وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ وَلَمْ يَقُلْهُ الْآخَرُ - إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْنَا ، قَالَ أَحَدُهُمَا : فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . 29139 - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا : جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ عُبَادَةُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ قَالَ أَحَدُهُمَا : وَالْمِلْحَ بِالْمِلْحِ ، وَلَمْ يَقُلِ الْآخَرُ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، قَالَ أَحَدُهُمَا : مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ، وَلَمْ يَقُلِ الْآخَرُ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْنَا ، فَبَلَغَ هَذَا الْحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ ، فَقَامَ فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَحِبْنَاهُ وَلَمْ نَسْمَعْهُ مِنْهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَأَعَادَ الْحَدِيثَ فَقَالَ : لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ رَغِمَ مُعَاوِيَةُ . 29140 - وَهُوَ مَذْهَبُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْكُوفَةِ . 29141 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ مِنَ الطَّعَامِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، يَدًا بِيَدٍ . 29142 - وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَمَنْ زَادَ وَاسْتَزَادَ ، فَقَدْ أَرْبَى ، إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ . 29143 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ أَكْثَرُهُمَا ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ . 29144 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا بَأْسَ بِأَكْثَرِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، ويَرْفَعَانِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29145 - وَرَوَى مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْنَا يَدًا بِيَدٍ . 29146 - وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي هَذَا أَيْضًا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا ، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا ، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ فَفَصَلَ بَيْنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ كَمَا فَصَلَ بَيْنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِوَاوٍ فَاصِلَةٍ . 29147 - وَلَوْ كَانَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ صِنْفًا وَاحِدًا لَمَا فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صِنْفٍ مِنَ الذَّهَبِ وَصُنُوفِ الْفِضَّةِ ، وَصُنُوفِ التَّمْرِ . وَكَمًّا لَمْ يُفَرِّقِ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ صُنُوفِ الزَّيْتِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَعْضَهُ أَجْوَدُ مِنْ بَعْضٍ .
1346 1308 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ : خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا ، وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ . 29107 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ . 19108 - وَمَذْهَبُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فِي أَنَّ الشَّعِيرَ لَا يَجُوزُ بِالْبُرِّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ كَمَذْهَبِهِ . 29109 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ عَلَفًا لِفَرَسِهِ ، فَأَمَرَهُمْ بِرَدِّهِ .
29197 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ مُدُّ زُبْدٍ وَمُدُّ لَبَنٍ بِمُدَّيْ زُبْدٍ ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي يُبَاعُ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ ، وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ ، بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ عَجْوَةٍ ، حِينَ قَالَ لِصَاحِبِهِ : إِنَّ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنَ الْعَجْوَةِ لَا يَصْلُحُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، لِيُجِيزَ بَيْعَهُ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ صَاحِبُ اللَّبَنِ مَعَ زُبْدِهِ ، لِيَأْخُذَ فَضْلَ زُبْدِهِ عَلَى زُبْدِ صَاحِبِهِ ، حِينَ أَدْخَلَ مَعَهُ اللَّبَنَ . 29198 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ . 29199 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَجَائِزٌ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ مُدُّ لَبَنٍ بِمُدِّ لَبَنٍ ، وَمُدُّ زُبْدٍ بِمُدِّ زُبْدٍ ، وَيَكُونُ الْمُدُّ مِنَ الزُّبْدِ بِالْمُدِّ مِنَ الزُّبْدِ . 29200 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ اللَّبَنُ بِالزُّبْدِ بِحَالٍ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ . 29201 - وَالْأَلْبَانُ عِنْدَهُ أَجْنَاسٌ : لَبَنُ الْغَنَمِ مَاعِزِهَا ، وَضَأْنِهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَلَبَنُ الْبَقَرِ غَرْبِيهَا ، وَجَوَامِيسِهَا صِنْفٌ ، وَلَبَنُ الْإِبِلِ مُهَرِيِّهَا ، وَعِرَابِهَا صِنْفٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مُتَفَاضِلًا ، يَدًا بِيَدٍ . 29202 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي اللُّحُومِ : 29203 - فَقَالَ الْمُزَنِيُّ : الْأَوْلَى بِهِ أَنْ تَكُونَ أَصْنَافًا كَاللَّبَنِ . 29204 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّ .
29148 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنْ لَا تُبَاعَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ ، وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، وَلَا الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ ، وَلَا التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ ، وَلَا الْحِنْطَةُ بِالزَّبِيبِ ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ ، إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلُ ، لَمْ يَصْلُحْ ، وَكَانَ حَرَامًا ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأُدْمِ كُلِّهَا ، إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . 29149 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، فَلَا يُبَاعُ مُدُّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ، وَلَا مُدُّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ . وَلَا مُدُّ زَبِيبٍ بِمُدَّيْ زَبِيبٍ ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْأُدْمِ كُلِّهَا ، إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ . إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ . لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ ، وَلَا يَحِلُّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ . 29150 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ مِنَ التَّابِعِينَ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ . وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَكَذَلِكَ الْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ . 29151 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا شَذَّ فِيهِ مُعَاوِيَةُ ، وَمَا شَذَّ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا ، وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ ، لَا فِيمَا خَالَفَهَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي هِيَ جَهَالَةٌ يَلْزَمُ رَدُّهَا إِلَى السُّنَّةِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّعَامِ كُلِّهِ وَالْآدَامِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ النَّسِيئَةُ وَقَوْلُ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ . 29152 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى صَوَابِ الْقَوْلِ فِي الْأَصْنَافِ مِمَّا يَقْطَعُ عِنْدَ ذَوِي الْأَفْهَامِ الِاخْتِلَافَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 29153 - وَشَذَّ دَاوُدُ فَأَجَازَ النَّسِيئَةَ وَالتَّفَاضُلَ فِيمَا عَدَا الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَالْآدَامِ ، لِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ فَلَمْ يَضُمَّ إِلَى النَّسِيئَةِ الْمَنْصُوصَةِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ ، وَغَيْرِهِ شَيْئًا غَيْرَهَا ، وَهِيَ الذَّهَبُ ، وَالْوَرِقُ ، وَالْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالتَّمْرُ ، وَالْمِلْحُ . 29154 - وَشَذَّ ابْنُ عُلَيَّةَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، فَقَالَ : إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ كَالْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، وَالْبُرِّ بِالزَّبِيبِ ، فَلَيْسَ بِوَاحِدٍ بِأَضْعَافِ الْآخَرِ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَنَسِيئَةً - قِيَاسًا لِكُلِّ مَا يُكَالُ عَلَى مَا يُوزَنُ . 29155 - قَالَ : وَلَمَّا أَجْمَعُوا فِي الْمَوْزُونَاتِ أَنَّهَا جَائِزٌ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحَدِيدَ ، وَالْقُطْنَ وَالْعُصْفُرَ ، وَمَا يُوزَنُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ كَالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ نَقْدًا ، أَوْ نَسِيئَةً ، لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الذَّهَبَ ، وَالْفِضَّةَ شَيْءٌ مِنَ الْمَوْزُونِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ : كُلُّ شَيْءٍ يُكَالُ أَبْعَدُ شَبَهًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ بِأَضْعَافِهِ بِالنَّقْدِ ، وَالنَّسِيئَةِ . 29156 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَصَابَ وَجْهَ الْقِيَاسِ ، وَلَا اتَّبَعَ الْجُمْهُورَ ، وَلَا اعْتَبَرَ الْآثَارَ ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ وَلِدَاوُدَ سَلَفًا فِيمَا ذَهَبَا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ تَضَادِّ أُصُولِهِمَا فِي الْقِيَاسِ إِلَّا حَدِيثٌ يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ تَمْرًا بِالْغَابَةِ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ حِنْطَةً بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ نَحْوُ ذَلِكَ .
29157 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ، مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، فَبَانَ اخْتِلَافُهُ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَصَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ ، وَصَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ سَمْنٍ ، فَإِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مِنْ هَذَا مُخْتَلِفَيْنِ . فَلَا بَأْسَ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ بِوَاحِدٍ . أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا يَحِلُّ . 29158 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَحِلُّ صُبْرَةُ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ ، وَلَا بَأْسَ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ التَّمْرِ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحِنْطَةَ بِالتَّمْرِ جِزَافًا . 29159 - قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، جِزَافًا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَهُ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا اشْتِرَاءُ ذَلِكَ جِزَافًا كَاشْتِرَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ جِزَافًا . 29160 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ ، أَنَّكَ تَشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِالْوَرِقِ جِزَافًا ، وَالتَّمْرَ بِالذَّهَبِ جِزَافًا ، فَهَذَا حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ . 29161 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ ، وَذِكْرُهُ مِنْ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْرِيمِ النَّسِيئَةِ فِي الطَّعَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ كَانَ ، أَوْ مِنْ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . 29162 - وَتَحْرِيمُ النَّسِيئَةِ دُونَ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ أُصُولِهِمْ فِي الْأَصْنَافِ ، وَالْأَجْنَاسِ ، وَكُلُّ مَا جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ مِنَ الطَّعَامِ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جِزَافًا صُبَرًا ، وَغَيْرَ صُبَرٍ ، وَمَعْلُومًا بِمَجْهُولٍ ، وَمَجْهُولًا ، بِمَجْهُولٍ ، وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جِزَافًا وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ مَعْلُومٌ بِمَجْهُولِ الْمِقْدَارِ وَلَا مَجْهُولٌ بِمَعْلُومِ الْمِقْدَارِ . 29163 - وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي بَابِ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسِيئَةَ . 29164 - وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ ، وَالْوَزْنُ عِنْدَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسِيئَةَ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ . 29165 - وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْكُوفِيُّونَ مُتَّفِقُونَ فِي أَنَّ الصِّنْفَ الْوَاحِدَ يَحْرُمُ فِيهِ النَّسِيءُ وَالتَّفَاضُلُ فِي الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ الْمُدَّخَرِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمَأْكُولُ مُدَّخَرٌ ، وَغَيْرُ مُدَّخَرٍ ، وَالْجِنْسَانِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبُ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ ، وَيُحَرِّمُ النَّسِيئَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْمَأْكُولِ غَيْرِ الْمُدَّخَرِ . 29166 - وَزَادَ الْكُوفِيُّونَ عَلَى الْحِجَازِيِّينَ مُرَاعَاةَ الْكَيْلِ ، وَالْوَزْنِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ ، لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ عِنْدَهُمْ كَالْجِنْسِ ، وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ عِنْدَهُمْ كَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إِذَا كَانَ بِوَزْنٍ ، فَهُوَ جِنْسٌ ، أَوْ كَانَ يُكَالُ ، فَهُوَ جِنْسٌ ، وَالْجِنْسُ عِنْدَهُمُ الصِّنْفُ عِنْدَنَا . 29167 - وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ فِي بَابِ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا . 29168 - وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، وَإِنْ كَانَا مَوْزُونَيْنِ ، فَلَا يُشْبِهُمَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، لِأَنَّهُمَا مُسَلَّمَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْزُونِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُسَلَّمُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ . 29169 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ ، وَالْإِدَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . 29170 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنِ افْتَرَقَا فِي الْمَجْلِسِ ، ثُمَّ تَقَابَضَا بَعْدُ لَمْ يَصِرِ الْعَقْدُ . 29171 - وَقَوْلُ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ كَالصَّرْفِ . 29172 - وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّرْفِ .
28173 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ صَبَّرَ صُبْرَةَ طَعَامٍ وَقَدْ عَلِمَ كَيْلَهَا ، ثُمَّ بَاعَهَا جِزَافًا ، وَكَتَمَ الْمُشْتَرِيَ كَيْلَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، فَإِنْ أَحَبَّ الْمُشْتَرِي ، أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى الْبَائِعِ ، رَدَّهُ بِمَا كَتَمَهُ كَيْلَهُ وَغَرَّهُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهُ وَعَدَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ بَاعَهُ جِزَافًا ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ . 29174 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ . 29175 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ . 29176 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ ، وَحَمَلَهُ إِلَى بَلَدٍ يُوزَنُ فِيهِ ، لَمْ يَبِعْهُ جِزَافًا ، وَإِنْ كَانَ حَيْثُ حَمَلَهُ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ . 29177 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا قَدْ عَلِمَ مِقْدَارَهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَهُ . 29178 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : جَائِزٌ بَيْعُ الْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ جِزَافًا ، وَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ عَدَدَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْجَزَرِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، مِنَ الْمَعْدُودِ . 29179 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَا أَعْلَمُ أَصْلًا يُحَرِّمُ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوا النَّاسَ يُرْزَقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 29180 - وَكُلُّ تِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْهَا ، وَلَا كَانَتْ فِي مَعْنَى مَا نَهَى عَنْهُ ، فَجَائِزٌ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ أَبَى مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ ، وَالتَّدْلِيسِ بِالْعَيْبِ .
29205 - قَالَ مَالِكٌ : وَالدَّقِيقُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، لَا بَأْسَ بِهِ ، وَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ أَخْلَصَ الدَّقِيقَ فَبَاعَهُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَوْ جَعَلَ نِصْفَ الْمُدِّ مِنْ دَقِيقٍ ، وَنِصْفَهُ مِنْ حِنْطَةٍ ، فَبَاعَ ذَلِكَ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ ، كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا لَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ فَضْلَ حِنْطَتِهِ الْجَيِّدَةِ ، حَتَّى جَعَلَ مَعَهَا الدَّقِيقَ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ . 29206 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ : 29207 - فَالْأَشْهَرُ عَنْهُ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ أَجَازَهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ . 29208 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ . 29209 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ . 29210 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ . 29211 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ . 29212 - وَقَالَ : هَذَا مِثْلُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . 29213 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ ، لَا مُتَمَاثِلًا ، وَلَا مُتَفَاضِلًا . 29214 - وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يُجِيزُ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَنْهُ . 29215 - وَقَالَ شُعْبَةُ : سَأَلْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ عَنِ الدَّقِيقِ بِالْبُرِّ ؟ فَقَالَ : شَيْءٌ لَا بَأْسَ بِهِ . 29216 - قَالَ شُعْبَةُ : وَسَأَلْتُ الْحَكَمَ ، وَحَمَّادًا عَنْ ذَلِكَ ، فَكَرِهَاهُ . 29217 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي نِصْفِ مُدِّ دَقِيقٍ ، وَنِصْفِ مُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ مِنْ دَقِيقٍ فَقَدْ بَيَّنَ عِلَّتَهُ فِي ذَلِكَ ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْجَوَابِ دُونَ الْعِلَّةِ ، لِأَنَّهُمَا لَا يُجِيزَانِ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ أَصْلًا . وَنَحْنُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهَا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، لِأَنَّهُ نِصْفُ مُدِّ دَقِيقٍ بِمِثْلِهِ مِنْ دَقِيقٍ ، وَنِصْفُ مَدِّ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِ مِنْ حِنْطَةٍ .
28181 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، فِيمَنِ ابْتَاعَ رَقِيقًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَوَجَدَ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ عَبْدًا مَسْرُوقًا ، أَوْ وَجَدَ بِعَبْدٍ مِنْهُمْ عَيْبًا ، إِنَّهُ يَنْظُرُ فِيمَا وُجِدَ مَسْرُوقًا ، أَوْ وُجِدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ ، أَوْ أَكْثَرَهُ ثَمَنًا ، أَوْ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ ، كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مَسْرُوقًا ، أَوْ وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ ، لَيْسَ هُوَ وَجْهَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ ، وَلَا مِنْ أَجْلِهِ اشْتُرِيَ ، وَلَا فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ ، رَدَّ ذَلِكَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ ، أَوْ وُجِدَ مَسْرُوقًا بِعَيْنِهِ ، بِقَدْرِ قِيمَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ . 28182 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا : 28183 - فَكَانَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ وَحْدَهُ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَحْبِسَ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا ، أَوْ يَرُدَّهَا كُلَّهَا . 28184 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 28185 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ إِلَّا زُفَرَ : إِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، فَلَمْ يَقْبِضْها أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا حَتَّى وَجَدَ عَيْبًا بِأَحَدِهِمَا ، فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُمَا ، أَوْ يَأْخُذَهُمَا ، فَإِنْ قَبَضَهَا ، وَوَجَدَ عَيْبًا رَدَّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ صُبْرَةَ طَعَامٍ ، أَوْ تَمْرٍ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، رَدَّ الْجَمِيعِ إِذَا وَجَدَ عَيْبًا ، أَوْ حَبَسَ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ نَظَرَهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ يُجْزِئُهُ ، وَلَا بُدَّ فِي الْعَبِيدِ ، أَوِ الثِّيَابِ مِنْ تَغْلِيبِ كُلِّ عَبْدٍ ، وَكُلِّ ثَوْبٍ . 28186 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ . 28187 - وَقَالَ زُفَرُ : الرَّقِيقُ ، وَالثِّيَابُ يَرُدُّ الْعَيْبَ بِحِصَّتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ . 28188 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 28189 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَبْلِ الْقَبْضِ ، وَبَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئَيْنِ ، لَا يُقَوَّمُ أحْدَهُمَا إِلَّا بِالْآخَرِ كَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ ، أَوْ مِصْرَاعَيِ الْبَابِ ، فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا ، لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ وَحْدَهُ ، وَيَرُدُّهُمَا جَمِيعًا ، أَوْ يُمْسِكُهُمَا جَمِيعًا . 28190 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْعَبْدَيْنِ ، أَوِ الثَّوْبَيْنِ ، أَوِ الدَّابَّتَيْنِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ : إِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا رَدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا ، وَجَعَلَ جُمْلَةَ الثَّمَنِ لِجُمْلَةِ الصَّفْقَةِ ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ ، أَوْ يَرْضَى الْجَمِيعَ . 28191 - وَمِنْ مِثَالِ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، ثُمَّ يَجِدَ بِأَحَدِها عَيْبًا ، يُرَدُّ مِنْ مِثْلِهِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْبَيْعَ كُلَّهُ . 28192 - وَإِنْ قَالَ : أَبِيعُكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ الْأَثْوَابِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، كُلَّ ثَوْبٍ مِنْهَا بِدِينَارٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً . 28193 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : يَرُدُّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً ، كَقَوْلِ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ . 28194 - وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ : 28195 - ( إِحْدَاهُمَا ) : يَرُدُّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ . 28196 - ( وَالْأُخْرَى ) : يَرُدُّهُمَا جَمِيعًا ، أَوْ يُمْسِكُ . 28197 - وَحَكَى أَصْحَابُهُ أَنَّ لَهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : 28198 - ( أَحَدُها ) : يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ إِذَا رَدَّ أَحَدَهَا . 28199 - ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّهُ يَبْطُلُ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ ، أَوْ فِي قَدْرِ مَا يَرُدُّ ، وَيَصِحُّ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ . 28200 - ( وَالثَّالِثُ ) : أَنْ لَا يَرُدَّ شَيْئًا ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَلَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ ، وَلَكِنْ يَرُدُّ الْجَمِيعَ أَوْ يُمْسِكُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
28148 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْجَارِيَةِ تُبَاعُ بِالْجَارِيَتَيْنِ ، ثُمَّ يُوجَدُ بِإِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ عَيْبٌ تُرَدُّ مِنْهُ . قَالَ : تُقَامُ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ قِيمَةَ الْجَارِيَتَيْنِ فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهَا ؟ ثُمَّ تُقَامُ الْجَارِيَتَانِ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي وُجِدَ بِإِحْدَاهُمَا ، تُقَامَانِ صَحِيحَتَيْنِ سَالِمَتَيْنِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ الَّتِي بِيعَتْ بِالْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِمَا ، بِقَدْرِ ثَمَنِهَا . حَتَّى يَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِصَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ ، عَلَى الْمُرْتَفِعَةِ بِقَدْرِ ارْتِفَاعِهَا ، وَعَلَى الْأُخْرَى بِقَدْرِهَا . ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى الَّتِي بِهَا الْعَيْبُ ، فَيَرُدُّ بِقَدْرِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْحِصَّةِ ، إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ، وَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبْضِهِمَا . 28149 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدُ فِيمَنِ ابْتَاعَ رَقِيقًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمْ عَيْبًا ، أَوْ وَجَدَهُ مَسْرُوقًا . 28150 - وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْأَصْلِ مِنَ التَّقْوِيمِ ، فَلَا يُخَالِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ يَقُولُ بِقَوْلِهِ ، وَيَبْنِي عَلَى أَصْلِهِ . 28151 - وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدَ الْجَارِيَةِ ، وَتَقَابَضَا ، ثُمَّ وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا أَنَّهُ يَرُدُّهَا ، وَيَأْخُذُ الْعَبْدَ . 28152 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ ، وَلَا يَأْخُذُ الْعَبْدَ . 28153 - وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ ، وَسَائِرُ الْعُرُوضِ عِنْدَهُمْ إِذَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ رَدَّ قِيمَتَهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ . 28154 - وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى تُرَدُّ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ .
28095 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَحَمَلَتْ ، أَوْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، وَكُلُّ أَمْرٍ دَخَلَهُ الْفَوْتُ حَتَّى لَا يُسْتَطَاعَ رَدُّهُ ، فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ ، أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافٍ مِنَ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ . فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ ، فَيَرُدُّ مِنَ الثَّمَنِ قَدْرَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ . 28096 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . 28097 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 28098 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا أَوْلَدَ الْجَارِيَةَ ، أَوْ أَعْتَقَهَا ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ ، وَإِنْ وَهَبَهَا ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبِلَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ مَاتَتْ رَجَعَ بِالْأَرْشِ . 28099 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِنْ كَانَ ثَوْبًا ، فَخَرَقَهُ ، أَوْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ . 28100 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَرْجِعُ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْعَيْبِ . 28101 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ دَبَّرَ الْعَبْدَ ، أَوْ كَاتَبَهُ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، أَوْ بِالشَّيْءِ الْمَعِيبِ مَا كَانَ ، فَهُوَ فَوْتٌ ، يَأْخُذُ قِيمَةَ الْعَيْبِ . 28102 - وَالرَّهْنُ وَالْإِجَارَةُ ، لَيْسَا بِفَوْتٍ عِنْدَهُ ، وَمَتَى رَجَعَ إِلَيْهِ الشَّيْءُ يَرُدُّهُ إِنْ كَانَ لِحَالِهِ ، وَإِنْ دَخَلَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ رَدَّهُ ، وَرَدَّ مَا نَقَصَ مِنْهُ . 28103 - وَالْبَيْعُ لَيْسَ بِفَوْتٍ عِنْدَهُ . 28104 - وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُ كَالْبَيْعِ هَاهُنَا ، وَلِغَيْرِ الثَّوَابِ كَالصَّدَقَةِ . 28105 - وَإِنْ بَاعَ نِصْفَ السِّلْعَةِ ، قِيلَ لِلْبَائِعِ : إِمَّا أَنْ تَرُدَّ نِصْفَ أَرْشِ الْعَيْبِ ، وَإِمَّا أَنَّ تَقْبَلَ النِّصْفَ الثَّانِيَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ . 28106 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا بَاعَهُ ، أَوْ بَاعَ نِصْفَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ لَحِقَهُ عِتْقٌ أَوْ مَاتَ ، فَلَهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ ، وَإِنْ لَحِقَهُ عَيْبٌ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ ، إِلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ الْبَائِعُ مَعِيبًا . 28107 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا بَاعَ ، أَوْ وَهَبَ ، لَمْ يَرْجِعْ بِأَرْشِ الْعَيْبِ ، وَيَرْجِعُ فِي الْعِتْقِ ، وَالِاسْتِيلَادِ ، وَالتَّدْبِيرِ ، إِذَا اطَّلَعَ بَعْدُ عَلَى الْعَيْبِ ، فَخَصَمَهُ عَلَى الْعَيْبِ . 28108 - وَقَالَ اللَّيْثُ : إِذَا بَاعَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْعَيْبِ ، وَلَوْ مَاتَ ، أَوْ أَعْتَقَهُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ . 28109 - وَقَالَ عبيدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَوَجَدَهُ مَجْنُونًا لَا يُمَيِّزُ بَعْدَ أَنِ اعْتَلَّهُ ، أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَالْفُلَانِ الْمُعْتِقِ . 28110 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي الْعِتْقِ ، وَالْبَيْعِ : يَرْجِعُ بِقَدْرِ الْعَيْبِ ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ وَأَكْثَرَ ، فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ، فَإِنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ ، أَعْطي مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَفَاءِ مَا اشْتَرَاهُ . 28111 - وَقَالَ عَطَاءُ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ : لَا يَرْجِعُ فِي الْمَوْتِ ، وَلَا فِي الْعِتْقِ بِشَيْءٍ . 28112 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إِذَا وَجَدَ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ ، فدل عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ ، وَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ مَا كَانَ مَوْجُودًا ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءَ الْمَذْكُورِينَ اتَّفَقُوا أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْمُعْتَقِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ .
28113 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ يَرُدُّهُ مِنْهُ ، وَقَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ إِنَّهُ ، إِذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مُفْسِدًا ، مِثْلُ الْقَطْعِ أَوِ الْعَوَرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ الْمَفْسِدَةِ . فَإِنَّ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ، بِقَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِالْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ ، وُضِعَ عَنْهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُغَرَّمَ قَدْرَ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنَ الْعَيْبِ عِنْدَهُ ، ثُمَّ يَرُدَّ الْعَبْدَ ، فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ، أُقِيمَ الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ ، فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهُ ؟ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْبٍ ، مِائَةَ دِينَارٍ ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ ، ثَمَانُونَ دِينَارًا ، وُضِعَ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتَري الْعَبْدَ . 28114 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً ، أَوْ عَبْدًا ، أَوْ وَلِيدَةً ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ ، فَحَدَثَ عِنْدَهُ بِالْعَبْدِ عَيْبٌ ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَقَدْ أَوْضَحَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ . 28115 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِبَغْدَادَ : إِذَا أَصَابَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا ، وَقَدْ حَدَثَ بِهِ آخَرُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ ، وَمَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ . 28116 - وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَرَوَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . 28117 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ : إِذَا حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِأَرْشِ النَّقْصِ عَلَى الْبَائِعِ ، لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يُقِيلَهُ ، وَيَأْخُذَهَا مَعِيبَةً دُونَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُشْتَرِي شَيْئًا ، وَقَالَ - حِينَئِذٍ - لِلْمُشْتَرِي : سَلِّمْهَا ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَمْسِكْهَا ، وَلَا تَرْجِعْ بِشَيْءٍ . 28118 - رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ . 28119 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْعَيْبَ الَّذِي وَجَدَ ، وَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ . 28120 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ السِّلْعَةَ ، فَرَأَى بِهَا عَيْبًا ، وَقَدْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ فَضْلَ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ . 28121 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلَانِ فِي الْقِيَاسِ مُتَسَاوِيَانِ ، وَكَأَنَّ مَالِكًا فِي قَوْلِهِ بِتَخْيِيرِ الْمُشْتَرِي قَدْ جَمَعَ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ ، وَأَمَّا إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ ، فَقَوْلُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ . 28122 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : إِنِ الْبَائِعُ قَالَ لِلْمُشْتَرِي : أَنَا أُخَيِّرُكَ ؛ فَإِنْ شِئْتَ فَارْدُدْهُ ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْكَ ، وَإِنْ شِئْتَ فَاحْبِسْهُ ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْكَ ؛ كَانَ ذَلِكَ لَهُ . 28123 - وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ ، فَقَالَا فِيهِ بِقَوْلِ مَالِكٍ : لَا يَكُونُ الْمُخَيَّرُ إِلَّا الْمُبْتَاعَ . 28124 - قَالَ : وَكَيْفَ يُدَلِّسُ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ ، ثُمَّ يُخَيَّرُ ، فَيَتَخَيَّرُ مَا فِيهِ النَّمَاءُ وَالْفَضْلُ ، وَيَتْرُكُ مَا فِيهِ النَّقْصُ ؟ .
28155 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيُؤَاجِرُهُ بِالْإِجَارَةِ الْعَظِيمَةِ ، أَوِ الْغَلَّةِ الْقَلِيلَةِ ، ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا يُرَدُّ مِنْهُ : إِنَّهُ يَرُدُّهُ بِذَلِكَ الْعَيْبِ ، وَتَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ وَغَلَّتُهُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِبَلَدِنَا ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا . فَبَنَى لَهُ دَارًا قِيمَةُ بِنَائِهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ أَضْعَافًا ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُرَدُّ مِنْهُ ، رَدَّهُ ، وَلَا يُحْسَبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ إِجَارَةٌ فِيمَا عَمِلَ لَهُ ، فَكذَلِكَ تَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ ، إِذَا آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 28156 - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ أَيْضًا ، قَالَ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ مِنْ رَجُلٍ ، فَتَزَوَّجَهَا الْمُبْتَاعُ ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، أَتَرَى وِلَادَتَهَا فَوْتًا ، أَوْ يَرُدُّهَا بِوَلَدِهَا إِنْ شَاءَ ، أَوْ يُمْسِكُهَا ؟ 28157 - فَذَكَرَ فِيهَا مَالِكٌ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا بِوَلَدِهَا رَدَّهَا ، وَلَا أَرَى لَهُ فِي الْعَيْبِ شَيْئًا إِنْ أَمْسَكَهَا . 28158 - وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً لَهَا غَلَّةٌ ، أَوْ خَرَاجٌ ، أَوْ كَانَ عَبْدًا ، فَأَخَذَ خَرَاجَهُ ، وَعَمَلَهُ ، أَوْ نَخْلًا فَأَثْمَرَتْ ، أَوْ جَارِيَةً ، فَوَلَدَتْ ، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْكَسْبِ وَالثَّمَرَةِ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ ، فَيُرَدُّ مَعَ أُمِّهِ ، وَسَوَاءٌ اشْتَرَاهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ الشِّرَاءِ - يَعْنِي مِنْ غَيْرِهِ - وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ . 28159 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا بَاعَ عَبْدًا فَأَغَلَّ غَلَّةً عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَتِ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي بِمَا ضَمِنَ . 28160 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا كَانَتْ مَاشِيَةً فَحَلَبَهَا ، أَوْ شَجَرًا فَأَكَلَ ثَمَرَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ الثَّمَرِ ، وَاللَّبَنِ . 28161 - هَذِهِ رِوَايَةُ الْجُوزَجَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْهُمْ . 28162 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ اللَّبَنَ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُمْ أَنَّهُ يَرُدُّ كِرَاءَ الْوَلَدِ كَالشَّجَرِ . 28163 - وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُمْ فِي الدَّارِ وَالْجَارِيَةِ ، وَالْغُلَامِ إِذَا اسْتَغَلَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْغَلَّةَ لَهُ ، وَيَرُدُّ السِّلْعَةَ بِالْعَيْبِ . 28164 - وَقَالُوا : إِنْ غَصَبَ رَجُلٌ عَبْدَ رَجُلٍ ، ثُمَّ بَاعَهُ ، وَاسْتَغَلَّهُ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ كَانَتِ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي . 28165 - وَقَالَ زُفَرُ : إِذَا وَلَدَتِ الْجَارِيَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ زَوَّجَهَا ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ، فَأَخَذَ لَهَا مَهْرًا ، أَوْ جَنَى عَلَيْهَا جَانٍ ، فَأَخَذَ لَهَا أَرْشًا ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعَهَا ، فَإِنْ وَطِئَهَا هُوَ ، رَدَّهَا ، وَعَقَرَهَا إِذَا رَدَّهَا بِقَضَاءِ قَاضٍ . 28166 - قَالَ : وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ ، وَالنَّخْلُ . 28167 - وَإِنْ وَلَدَتْ رَدَّ مَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ مَعَهَا ، وَمَعَ الْوَلَدِ عَلَى الْبَائِعِ . 28168 - وَلَوْ أَكَلَ الثَّمَرَ رَدَّ قِيمَةَ مَا أَكَلَ عَلَى الْبَائِعِ . 28169 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا ، أَوْ سِلْعَةً ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ رَدَّ الْغَلَّةَ مَعَهُ . 28170 - قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : وَلَوْ وَهَبَ الْعَبْدَ هِبَةً رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ مَعَ الْعَبْدِ . 28171 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا زُفَرُ وَأَصْحَابُهُ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، فَقَدْ جَهِلُوا السُّنَّةَ الْمَأْثُورَةَ مِنْ نَقْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَنَّ الْخَرَاجَ ، وَالْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ ، وَقَالُوا بِالرَّأْيِ عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ ، فَقَوْلُهُمْ مَرْدُودٌ بِهَا ، وَأَشْنَعُ مَا فِي مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْغَلَّةَ فِي الْمَغْصُوبِ بِالضَّمَانِ فَأَخْطَئُوا السُّنَّةَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . 28172 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا حَدَّثَ عِنْدَهُ ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْكَسْبُ ، وَالْغَلَّةُ ، وَالثَّمَرَةُ ، وَالْوَلَدُ ، وَكُلَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الشِّرَاءِ رَدَّه إِذَا رَدَّ الْجَارِيَةَ بِالْعَيْبِ . 28173 - هَذَا حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عِنْدَهُ : وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ النَّخْلَ وَوَلَدَ الْجَارِيَةِ . فَإِذَا اشْتَرَى الْجَارِيَةَ غَيْرَ حَامِلٍ وَزَوَّجَهَا ، وَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا ، فَرَدَّهَا بِهِ لَمْ يَرُدَّ وَلَدَهَا مَعَهَا . 28174 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : بَيِّنٌ عِنْدِنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جَعَلَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ لِلْمُشْتَرِي فِي رَجُلٍ يَشْتَرِي عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا ، فَرَدَّهُ بِهِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ مَالِكًا لِلْعَبْدِ ، وَلَوْ هَلَكَ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَكَانَ الْخَرَاجُ إِنَّمَا هَلَكَ فِي مِلْكِهِ ، لَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ ، وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ لَوْ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ مَالِكٌ ضَامِنٌ لِلْجَارِيَةِ ، وَلَوْ هَلَكَتْ هَلَكَتْ مِنْ مَالِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ حُبْلَى حِينَ ابْتَاعَهَا رَدَّهَا ، وَوَلَدَهَا ، وَكَذَلِكَ ثَمَنُ الْحَائِطِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 28175 - وَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ : قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 28176 - وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْغَصْبِ وَالشِّرَاءِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ بَيِّنٌ مَا فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَسَيَأْتِي مَا فِي الْمَغْصُوبِ فِي بَابِهِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28177 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ غُلَامًا ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا ، فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدِ اشْتَغَلَ غُلَامِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ . 28178 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ . 28179 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى غُلَامًا ، فَرَدَّهُ بِعَيْبٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : قَدِ اسْتَغَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ . 28180 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافِ بْنِ أَنْمَارٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ .
28125 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ مَنْ رَدَّ وَلِيدَةً مِنْ عَيْبٍ وَجَدَهُ بِهَا ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهَا : أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِصَابَتِهِ إِيَّاهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهَا . 28126 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا قَدِيمٌ أَيْضًا . 28127 - قَالَ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَوَطِئَهَا ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ الْعُشْرَ مِنْ ثَمَنِهَا إِنَّ كَانَتْ بِكْرًا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، فَنِصْفَ الْعُشْرِ . 28128 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هِيَ لَهُ بِوَطْئِهِ إِيَّاهَا ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ فَضْلَ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ . 28129 - وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ . 28130 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ إِلَّا زُفَرَ : إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَوَطِئَهَا ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَيَرُدَّ الثَّمَنَ . 28131 - وَقَالَ زُفَرُ : إِذَا رَدَّهَا بِقَضَاءِ قَاضٍ ، وَقَدْ وَطِئَهَا رَدَّ مَعَهَا عَقْدَهَا . 28132 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا . 28133 - وَالْمَهْرُ فِي قَوْلِهِ : أَنْ يَأْخُذَ الْعُشْرَ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ ، فَيَجْعَلَ الْمَهْرَ نِصْفَ ذَلِكَ . 28134 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إِذَا وَطِئَهَا يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا . 28135 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ . 28136 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِنْ لَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ رَدَّهَا ، وَلَا عَقْدَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ نَقْصَهَا الْوَطْءُ رَدَّهَا ، وَرَدَّ النُّقْصَانَ . 28137 - وَقَالَ اللَّيْثُ : تَلْزَمُهُ إِذَا وَطِئَهَا وَيَرْجِعُ بِالْعَيْبِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهَا ، فَلَا بَأْسَ . 28138 - وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي وَجَدَهُ لُكْنَةً ، وَمَا أَشْبَهَهَا لَزِمَهُ وَضْعُ ثَمَنِ الْعَيْبِ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْبَرَصِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْقُرُوحِ الَّتِي تَنْقُصُ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا إِنْ شَاءَ . 28139 - فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا وَطْؤُهُ مِنْ ثَمَنِهَا . 28140 - قَالَ اللَّيْثُ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ : فِي الْوَطْءِ تَلْزَمُهُ ، وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ . 28141 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَطْءُ أَقَلُّ مِنَ الْخِدْمَةِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي وَطْءِ الثَّيِّبِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، لَمْ يَرُدَّهَا نَاقِصَةً ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مَعِيبَةً ، وَغَيْرَ مَعِيبَةٍ مِنَ الثَّمَنِ . 28142 - وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَهُوَ كَانَ قَوْلُهُ بِالْعِرَاقِ . 28143 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ مِثْلَ مَالِكٍ . 28144 - حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ ، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا ، وَقَدْ أَصَابَهَا ، حُطَّ عَنْهُ بِقَدْرِ الْعَيْبِ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ ، وَأَلْزَمَهَا الَّذِي ابْتَاعَهَا . 28145 - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ : وَبِهَذَا كَانَ يَقُولُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَيُوسُفُ بْنُ عُمَرَ . 28146 - وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : سُئِلَ اللَّيْثُ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ ، وَيَقْبِضُهَا ، وَيَمَسُّهَا ، فَيَجِدُ بِهَا عَيْبًا قَدِيمًا : قَالَ : لَا يَرُدُّهَا ، وَلَكِنْ يُوضَعُ عَنْهُ بِذَلِكَ قِيمَةُ الْعَيْبِ . 28147 - قَالَ : وَقَدْ قَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ .
قَالَ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ ، مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فِيمَا بَاعَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ، لَمْ تَنْفَعْهُ تَبْرِئَتُهُ ، وَكَانَ مَا بَاعَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ . 28065 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا ، أَوْ وَلِيدَةً ، أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ . 28066 - وَكَانَ مَالِكٌ يُفْتِي بِهِ مَرَّةً فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا فِي الرَّقِيقِ . 28067 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : الْبَرَاءَةُ لَا تَكُونُ فِي الثِّيَابِ . 28068 - وَقَالَ فِي الْخَشَبِ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ دَاخِلَ الْخَشَبَةِ ، فَلَيْسَ بِعَيْبٍ تُرَدُّ مِنْهُ . 28069 - قَالَ : وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ مَرَّةً : لَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ فِي شَيْءٍ يُتَابِعُهُ النَّاسُ ، كَانُوا أَهْلَ مِيرَاثٍ ، أَوْ غَيْرَهُمْ ، إِلَّا بَيْعَ الرَّقِيقِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى الْبَرَاءَةَ فِيهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَإِنْ عَلِمَ عَيْبًا ، فَلَمْ يُسَمِّهِ ، وَقَدْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ ، لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ . 28070 - قَالَ : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمِيرَاثِ بَاعُوا دَوَابَّا ، وَشَرَطُوا الْبَرَاءَةَ ، وَبَاعَ الْوَصِيُّ كَذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ فِي الدَّوَابِّ ، وَلَيْسَتِ الْبَرَاءَةُ إِلَّا فِي الرَّقِيقِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا أَرَى الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ فِي الرَّقِيقِ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَا لِلْوَصِيِّ ، وَلَا لِغَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْبَرَاءَةُ لِأَهْلِ الدُّيُونِ يُفْلِسُونَ ، فَيَبِيعُوا عَلَيْهِمُ السُّلْطَانُ . 28071 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ أَهْلَ الْمِيرَاثِ ، وَلَا غَيْرَهُمْ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْبًا خَفِيفًا ، وَلَيْسَتِ الْبَرَاءَةُ إِلَّا فِي الرَّقِيقِ . 28072 - وَالْبَرَاءَةُ الَّتي يَتَبَرَّأُ بِهَا فِي هَذَا إِذَا قَالَ : أَبِيعُكَ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا يُصِيبُ الْعَبْدَ مِنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، وَمِنْ عُهْدَتِهَا أَيْضًا . 28073 - وَقَالَ ابْنُ خَوَّازِ مَنْدَاذ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ : 28074 - فَقَالَ مَرَّةً : إِذَا بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ فَكَتَمَهُ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ . 28075 - وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : لَا بَرَاءَةَ إِلَّا فِي الرَّقِيقِ . 28076 - وَقَدْ قَالَ : لَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ يُرِيهِ الْمُشْتَرِيَ . 28077 - وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ الْعِرَاقِيِّ بِبَغْدَادَ . 28078 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا بَاعَ بَيْعًا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ جَازَ ، سَمَّى الْعُيُوبَ أَوْ لَمْ يُسَمِّ . 28079 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 28080 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا بَاعَ السِّلْعَةَ بِالْبَرَاءَةِ ، فَسَمَّى الْعُيُوبَ ، وَتَبَرَّأَ مِنْهَا ، فَقَدْ بَرِئَ ، وَإِنْ لَمْ يُرِهَا إِيَّاهُ . 28081 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَبْرَأُ حَتَّى يُسَمِّيَ الْعُيُوبَ كُلَّهَا بِأَسْمَائِهَا . 28082 - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَطَاوُوسٍ . 28083 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَبْرَأُ حَتَّى يُبَيِّنَ ، وَيُسَمِّيَ . 28084 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَبْرَأُ حَتَّى يُسَمِّيَ الْعُيُوبَ كُلَّهَا ، وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا . 28085 - وَقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ بَاعَ رَقِيقًا ، أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَبْرَأْ مِمَّا عَلِمَ ، إِنَّمَا يَبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ . 28086 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي بَيْعِ الْمَوَارِيثِ : إِنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الْمِيرَاثِ ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْعُيُوبِ كُلِّهَا ، إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ ، أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ الْعَيْبَ ، فَكَتَمَهُ . 28087 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى إِبِلًا ، فَقَالَ الْبَائِعُ : إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْجَرَبِ ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّ بِهَا جَرَبًا ، فَإِذَا هِيَ جَرْبَاءُ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا ، وَإِذَا تَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، لَمْ يَبْرَأْ بِذَلِكَ ، وَإِذَا أَرَاهُ الْعَيْبَ ، فَقَدْ بَرَّأَهُ . 28088 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا بَاعَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِالْبَرَاءَةِ ، فَالَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَضَاءُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ عَيْبِ عَلِمَهُ ، وَلَا يُسَمِّهِ ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ ، وَالْحَيَوَانُ يُفَارِقُ مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ يَعْتَدِي بِالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ ، وَتُحَوَّلُ طَبَائِعُهُ ، وَقَلَّ مَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ يَخْفَى ، أَوْ يَظْهَرُ ، فَإِنْ صَحَّ مَا فِي الْقِيَاسِ - لَوْلَا مَا وَصَفْنَا مِنَ افْتِرَاقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ - إِلَّا أَنْ يَبْرَأَ مِنْ عُيُوبٍ لَمْ يَرَهَا ، وَإِنْ سَمَّاهَا لِاخْتِلَافِهَا ، أَوْ يَبْرَأَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . 28089 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 28090 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ جَائِزَةً . 28091 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ . 28092 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ مَنْ أَبْرَأَ رَجُلًا كَانَ يُعَامِلُهُ مِنْ كُلِّ حَقِّ لَهُ قَبْلَهُ ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُشْتَرِي إِذَا جَازَ تَرْكُهُ تَرَكَهُ . 28093 - وَأَصَحُّ مَا فِيهِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا يَبْرَأُ مِنَ الْعُيُوبِ حَتَّى يُرِيَهُ إِيَّاهُ ، وَيَقِفَهُ عَلَيْهِ ، فَيَتَأَمَّلَهُ الْمُشْتَرِي ، وَيَنْظُرَ إِلَيْهِ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ . 28094 - مَعْلُومٌ أَنَّ الْعُيُوبَ تَتَفَاوَتُ بَعْضُهَا أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَكَيْفَ يَبْرَأُ بِمَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي قَدْرَهُ .
( 4 ) 1297 بَابُ الْعَيْبِ فِي الرَّقِيقِ 1258 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ . فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ ، لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٍ يَعْلَمُهُ ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ ، وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ فَصَحَّ عِنْدَهُ . فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ . 28061 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مَالِكًا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْخَبَرِ ، وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ . 28062 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بِالْبَرَاءَةِ بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ ، فَخُوصِمَ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَرَادَ عُثْمَانُ أَنْ يُحَلِّفَهُ ، فَقَالَ لَهُ : إِنِّي بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى عِلْمِهِ بِاللَّهِ مَا بِعْتَهُ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ بِهِ عَيْبًا ، قَالَ : فَأَبَى ، وَارْتَدَّهُ ، فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، أَوْ أَلْفٍ ، وَخَمْسِمِائَةٍ . 28063 - قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنِي أَيُّوبُ : عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : سَمِعْتُ شُرَيْحًا يَقُولُ : عُهْدَةُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ إِلَّا دَاءً ، وَلَا غَائِلَةً ، وَلَا خَبثَةً ، وَلَا شَيْنًا . 28064 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ فَصْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ .
1296 ( 3 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعُهْدَةِ 1257 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ; أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ ، وَهِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ، كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوِ الْوَلِيدَةُ ، وَعُهْدَةَ السَّنَةِ . قَالَ مَالِكٌ : مَا أَصَابَ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، مِنْ حِينِ يُشْتَرَيَانِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ ، فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ ، وَإِنَّ عُهْدَةَ السَّنَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ ، فَقَدْ بَرِئ الْبَائِعُ مِنَ الْعُهْدَةِ كُلِّهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، أَو غَيْرِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ; فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ، لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا ، وَلَا عُهْدَةَ عِنْدَنَا إِلَّا فِي الرَّقِيقِ . 28033 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : زَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْعُهْدَةَ فِي الرَّقِيقِ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ ، وَلَا فِي السُّنَّةِ ، وَأَنَّ الْأُصُولَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا تَنْقُضُهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا . 28034 - وَلَيْسَ كَمَا قَالَ : بَلْ عُهْدَةُ الرَّقِيقِ فِي الثَّلَاثِ مِنْ كُلِّ مَا يَعْرِضُ ، وَفِي السَّنَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا غَيْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بالحجاز ولا في سائر آفاق الإسلام إلا من أخذها على مذهب أهل المدينة . 28035 - وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِعُهْدَةِ الرَّقِيقِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ خَاصَّةً ، أَوْ عِنْدَ قَوْمٍ يَعْرِفُونَهَا بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ ، فَيَشْتَرِطُونَهَا فَتَلْزَمُ . 28036 - ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا ، فَهَلَكَ الْعَبْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ ، فَجَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ . 28037 - وَذَكَرَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ فِي الْعُهْدَةِ : فِي كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ ; الْجُذَامِ ، وَالْجُنُونِ ، وَالْبَرَصِ ، سَنَةٌ . 28038 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَالْقُضَاةَ قَدْ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ بِذَلِكَ . 28039 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ سَمْعَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ عُلَمَائِنَا ، مِنْهُمْ : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولُونَ : لَمْ تَزَلِ الْوُلَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يَقْضُونَ فِي الرَّقِيقِ بِعُهْدَةِ السَّنَةِ فِي الْجُذَامِ ، وَالْجُنُونِ ، وَالْبَرَصِ ، إِنْ ظَهَرَ بِالْمَمْلُوكِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ ، فَهُوَ رَادٌّ عَلَى الْبَائِعِ ، وَيَقْضُونَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ ، فَإِنْ حَدَثَ فِي الرَّأْسِ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ جدَت مِنْ مَوْتٍ ، أَوْ بَعْضٍ ، فَهُوَ مِنْ البَائِعٍ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ مِنْ أَجْلِ حُمَّى الرِّبْعِ ; لِأَنَّهَا لَا يتَبَيَّنُ إِلَّا فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ . 28040 - وَحَكَى أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ . 28041 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 28042 - رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَأَبَانٌ الْعَطَّارُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 28043 - وَرَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عُهْدَةَ بَعْدَ أَرْبَعٍ . 28044 - وَبَعْضُ أَصْحَابِ هَمَّامٍ يَرْوِيهِ عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلَهُ . 28045 - وَرَوَاهُ يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا عُهْدَةَ بَعْدَ أَرْبَعٍ . 28046 - وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ : إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ شَيْئًا . 28047 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعُ لَيَالٍ . 28048 - قَالَ هِشَامٌ : قَالَ قَتَادَةُ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : ثَلَاثٌ . 28049 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثُ لَيَالٍ . 28050 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ جَعَلَهُمَا حَدِيثِينَ قَضَى بِصِحَّةِ حَدِيثِ سَمُرَةَ ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا فِي سَمَاعِ سَمُرَةَ مِنَ الْحَسَنِ . وَمَنْ جَعَلَهَا حَدِيثًا وَاحِدًا ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ ، فَهُو عِنْدَهُمْ أَوْهَنُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28051 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَسُفْيَانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ الرَّقِيقِ ، وَقَبَضَهُ ، فَكُلُّ مَا أَصَابَهُ مِنَ الثَّلَاثِ وَغَيْرِهَا ، فَمِنَ الْمُشْتَري مَصِيبَةٌ . 28052 - وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : مَعْنَى حَدِيثِ عُقْبَةَ فِي الْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ . 28053 - وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ فِي تَفْسِيرٍ ذَلِكَ ، قَالَ : عُهْدَةُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ ، وَلَا غَائِلَةَ ، وَلَا شَيْنَ . 28054 - وَرَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعُهْدَةَ هِيَ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الثَّلَاثُ ، وَمَا فَوْقَهَا . 28055 - وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ فِيمَا عَهِدَهُ فِي الْأَرْضِ ، قُلْتُ : فَمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ؟ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ . 28056 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُهْدَةَ شَيْئًا لَا ثَلَاثًا ، وَلَا أَكْثَرَ . 28057 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ ، وَعُهْدَةِ الثَّلَاثِ ، فَقَالَ : مَا عَلِمْتُ فِيهِ أَمْرًا سَالِفًا . 28058 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقُلْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ ، وَعُهْدَةِ السَّنَةِ فِي الرَّقِيقِ ، غَيْرُ مَالِكٍ وَسَلَفُهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، أَهْلُ بَلْدَةٍ ، فَهِيَ عِنْدَهُ مَسْأَلَةُ اتِّبَاعٍ لَهُمْ . 28059 - وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا الرَّقِيقَ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ مِنْ سَائِرِ الْعُرُوضِ ، وَالْمَتَاعِ . فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَا قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ ، وَبَانَ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ ، فَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ . 28060 - وَهَذَا أَصْلٌ وَإِجْمَاعٌ يَنْبَغِي أَلَّا يُرْغَبَ عَنْهُ إِلَّا بِالشَّرْطِ ، أَوْ يَكُونُ قَاضِي الْبَلَدِ أَوِ الْأَمِيرِ فَيه يَحْمِلُ عَلَيْهِ ، فَيَجْرِي - حِينَئِذٍ - مَجْرَى قَاضٍ قَضَى بِمَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَيَنْفُذُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1332 1293 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ . 28790 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَقَالَا فِيهِ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 28791 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا فِي كَسْرِهِ ضَرَرٌ لَمْ أَقْسِمْهُ ، فَإِنْ رَضِيَا بِكَسْرِهِ قَسَمْتُهُ بَيْنَهُمَا . 28792 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ . 28793 - وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَجِيءُ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ لِينٌ . 28794 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فَضَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ . 28795 - وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا قَالَ : كَانَ ذَلِكَ قَطْعُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ . 28796 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، فَقَرَأَ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يُرَادُ بِهَا نَهْيُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَوْمَهُ عَنْ قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ . 28797 - قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، وَفِيهِ الْعُقُوبَةُ مِنَ السُّلْطَانِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 28798 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 28799 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ قَالَ : الزَّكَاةُ . 28800 - وَعَنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ النَّعْشُ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ . 28801 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ : وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ قَالَ : كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ . 28802 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ الزُّبَيْرَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَجَدَ رَجُلًا يَقْرِضُ الدَّرَاهِمَ ، فَقَطَعَ يَدَهُ .
28803 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ . وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ جِزَافًا ، إِذَا كَانَ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا قَدْ صِيغَ . فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمَعْدُودَةُ . وَالدَّنَانِيرُ الْمَعْدُودَةُ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جِزَافًا حَتَّى يَعْلَمَ وَيَعُدَّ ، فَإِنِ اشْتَرَى ذَلِكَ جِزَافًا ، فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ ، حِينَ يَتْرُكُ عَدَّهُ وَيَشْتَرِي جِزَافًا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَّا مَا كَانَ يُوزَنُ مِنَ التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ جِزَافًا وَإِنَّمَا ابْتِيَاعُ ذَلِكَ جِزَافًا ، كَهَيْئَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُبَاعُ جِزَافًا ، وَمِثْلُهَا يُكَالُ ، فَلَيْسَ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ جِزَافًا بَأْسٌ . 28804 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ جِزَافًا ، عَيْنًا كَانَ ذَلِكَ ، أَوْ تِبْرًا ، دَرَاهِمَ كَانَتْ ، أَوْ دَنَانِيرَ ، وَالْمَصُوغُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا حَلَالٌ جَائِزٌ ، وَإِذَا جَازَ الدِّينَارُ بِأَضْعَافِهِ دَرَاهِمَ جَازَ الْجِزَافُ فِي ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، كَمَا يَجُوزُ الْقَصْدُ إِلَى الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمَا يَدًا بِيَدٍ . 28805 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَدَاوُدُ ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ قِمَارًا ، وَلَا غَرَرًا . 28806 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : إِنِ التِّبْرَ ، وَالْحُلِيَّ تُبَاعُ جُزَافًا كَمَا تُبَاعُ الْحِنْطَةُ وَالتَّمْرُ ، فَهَذَا عِنْدَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ وَزْنَ الْحُلِيِّ ، وَالتِّبْرِ ، وَلَا وَزْنَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ ، فَإِنَّ عَلِمَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمُبْتَاعُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ إِلَّا كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا دُلِّسَ فِيهِ بِعَيْبٍ . 28807 - وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَطَائِفَةٌ . 28808 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَدَاوُدُ ، فَذَلِكَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ . 28809 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا فِي مَوْضِعِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
28810 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ سَيْفًا أَوْ خَاتَمًا . وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، فَإِنَّ مَا اشْتُرى مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الذَّهَبُ بِدَنَانِيرَ ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ ، وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ الثُّلُثَ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ . إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ . وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ . وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَرِقِ ، مِمَّا فِيهِ الْوَرِقُ ، نُظِرَ إِلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ ، وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْوَرِقِ الثُّلُثَ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ عِنْدَنَا . 28811 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ ، قَالُوا : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ بَعْضُهُ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنَ الْفِضَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِفِضَّةٍ مِثْلِهَا ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا ، وَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقْبِضَ حِصَّةَ الْفِضَّةِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَيَقْبِضَ السَّيْفَ . 28812 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ . 28813 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ الْفَضْلُ مِنَ النَّصْلِ ، وَكَانَتِ الْحِلْيَةُ تَبَعًا جَازَ شِرَاؤُهُ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً . 28814 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ . 28815 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ فِيهِ حِلْيَةُ فِضَّةٍ قَلِيلًا كَانَ ، أَوْ كَثِيرًا ، بِشَيْءٍ مِنَ الْفِضَّةِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا ، وَالْمُفَاضَلَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا فِي الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ لَا يُوقَفُ مِنْهَا فِي السَّيْفِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ . 28816 - وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْهُ مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ شَيْءٌ مِنْهُ مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ ، أَوْ مَعْلُومٌ بِمَجْهُولٍ ، لَمْ يَجُزِ السَّيْفُ الْمُحَلَّى ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ فِضَّةٍ إِنْ كَانَتِ الْحِلْيَةُ فِضَّةً بِحَالٍ ، وَلَا بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَالثُّلُثُ وَأَقَلُّ مِنْهُ ، وَأَكْثَرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 28817 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِفِضَّةٍ يُبَاعُ بِفِضَّةٍ إِلَى أَجَلٍ . 28818 - وَالْحِلْيَةُ : الثُّلُثُ فَدُونَ ، أَوْ سَيْفٌ مُحَلًّى بِذَهَبٍ يَبْتَاعُ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ يُبَاعُ بِأَحَدِهِمَا إِلَى أَجَلٍ . 28819 - فَفِي ( الْمُدَوَّنَةِ ) ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : نَزَلَتْ بِمَالِكٍ ، فَلَمْ يُرِدِ الْبَيْعَ . 28820 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وأَنَا أَرَى أَنْ يُرَدَّ ، فَإِنْ فَاتَ مَضَى ، لِأَنَّ رَبِيعَةَ يُجِيزُ بَيْعَهُ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ . 28821 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ إِنْ فَاتَ . 28822 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ يُفْسَحُ . 28823 - قَالَ : وَقَالَهُ لِي مَالِكٌ . 28824 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ . 28825 - وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ . 28826 - وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَدْءًا ، فَإِنْ نَزَلَ لَمْ أَفْسَخْهُ ، لِأَنَّ الْحِلْيَةَ إِذَا كَانَتْ تَبَعًا ، فَإِنَّمَا هِيَ كَالْعَرَضِ ، فَأَنَا أَفْسَخُ ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِتَبَعٍ . 28827 - وَفِي ( الْمُدَوَّنَةِ ) لِابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ النَّصْلِ ، قَالَ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا . 28828 - فَإِنْ فَاتَ عَنِ السَّيْفِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ مِنَ الذَّهَبِ . 28829 - وَقَالَ سُحْنُونٌ : عَلَيْهِ قِيمَةُ النَّصْلِ مُجَرَّدًا ، أَوْ يَرُدُّ وَزْنَ الْفِضَّةِ . 28830 - وَرَوَى عِيسَى بْنُ مَسْكُونٍ ، عَنْ سُحْنُونٍ ، قَالَ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّهُ رِبًا ، إِلَّا أَنْ تَفُوتَ الْعَيْنُ ، فَيَكُونَ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ النَّصْلِ وَالْحَفْزِ دُونَ الْفِضَّةِ .
1322 ( 16 ) بَابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ تِبْرًا وَعَيْنًا 1283 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنَ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا ، أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا . فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا . 28700 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السَّعْدَانِ : سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ شَاهِدَ ذَلِكَ . 28701 - وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَتَّصِلُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ ، وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 28702 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ ، تِبْرَهَ وَعَيْنَهَ سَوَاءٌ ، لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . 28703 - وَكَذَلِكَ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَمَصْنُوعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَمَضْرُوبُهُ ، لَا يَحِلُّ التَّفَاضُلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . 28704 - وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى السَّلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْخَلَفُ ، إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ مِنْ وُجُوهٍ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الرِّبَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالتِّبْرِ ، وَلَا بِالْمَصْنُوعِ ، وَكَانَ يُجِيزُ فِي ذَلِكَ التَّفَاضُلَ ، وَيَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ فِي التَّفَاضُلِ إِلَّا فِي التِّبْرِ بِالتِّبْرِ ، وَفِي الْمَصْنُوعِ بِالْمَصْنُوعِ ، وَفِي الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ . 28705 - أَلَا تَرَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ :
1327 1284 - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ ؟ أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا ، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ ; أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِكَ ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ . 28706 - وَتَمَامُ الْحَدِيثِ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28707 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ ، وَنَقْلِ الْكَافَّةِ خِلَافُ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ . 28708 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : أَخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَكَانَ عَقَبِيًّا ، بَدْرِيًّا ، أُحُدِيًّا ، نَقِيبًا مِنْ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ ، بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، قَامَ بِالشَّامِ خَطِيبًا ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ بِدَعًا لَا أَدْرِي مَا هِيَ ، أَلَا إِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، تِبْرَهَا ، أَوْ عَيْنَهَا ، وَالذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، تِبْرَهُ ، أَوْ عَيْنَهُ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 28709 - وَرَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا . 28710 - وَذِكْرُ تَمَامِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28711 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ بِالشَّامِ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ ، فَقُلْتُ لَهُ ، حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ ، قَالَ : غَزَوْنَا غَزَاةً ، وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً ، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ ، فَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتَ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، عَيْنًا بِعَيْنٍ ، مَنْ زَادَ وَازْدَادَ ، فَقَدْ أَرْبَى ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهَا ، وَنَصْحَبُهُ ، فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ ، فَقَامَ عُبَادَةُ ، فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ، وَقَالَ : وَإِنْ زَعَمَ مُعَاوِيَةُ لَا أُبَالِي أَنْ أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ . 28712 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نُصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا يَعْنِي يَدًا بِيَدٍ . 28713 - وَمِنْ أَصَحِّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ :
1324 1285 - مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ . إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ . وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ . إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ . 1286 - وَمِثْلُهُ أَيْضًا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . فَجَاءَهُ صَائِغٌ . فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنِّي أَصُوغُ الذَّهَبَ ، ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيْءَ مِنْ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ فَأَسْتَفْضِلُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي ، فَنَهَاهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ الصَّائِغُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ إِلَى دَابَّةٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَهَا ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا ، وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ . 28714 - أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ جَعَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ بِمَا فُهِمَ مِنْ مَخْرَجِهِ ، كَالْمَصُوغِ بِالدَّنَانِيرِ ، وَأَرْسَلَهُ حُجَّةً عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّهُ عَهْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 28715 - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ كَانَ حُجَّةً بَالِغَةً ; لِثُبُوتِهِ ، وَبَيَانِهِ . 28716 - وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَمَعَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ نَافِعٌ إِذْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ . 28717 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ بِطُرُقِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 28718 - وَفِيهِ تَحْرِيمُ الشُّفُوفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَلِيلُ الزِّيَادَةِ وَكَثِيرُهَا . 28719 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهِ : وَلَا يُبَاعُ مِنْها غَائِبٌ بِنَاجِزٍ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ مَعْنَاهُ فِي تَعَاطِي الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، وَالدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، وَسَنُذْكُرُهُ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ بِطَعَامٍ ; لِأَنَّ فِيهِ الْقَوْلَ فِي تَقَاضِي الطَّعَامِ . 28720 - وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الدَّيْنَيْنِ يُصَارِفُ عَلَيْهِمَا : 28721 - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ دَرَاهِمُ وَعَلَى الْآخَرِ دَنَانِيرُ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ بِمَا عَلَى الْآخَرِ مِنَ الِافْتِرَاقِ ، إِنْ كَانَا لَمْ يَفْتَرِقَا . 28722 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . 28723 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ فِي الْحَالِ ، وَفِي غَيْرِ الْحَالِ . 28724 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ : لَا يَجُوزُ فِي الْحَالِ ، وَلَا فِي غَيْرِ الْحَالِ ; لِأَنَّهُ غَائِبٌ بِغَائِبٍ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ غَائِبٌ بِنَاجِزٍ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ غَائِبًا بِغَائِبٍ . 28725 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ كِنَانَةَ . 28726 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ . 28727 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا اجْتَمَعَ الْمُتَصَارِفَانِ فَالذِّمَمُ كَالْعَيْنِ إِذَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا وَقَدْ تَفَاضَلَا فِي صَرْفِهَا ذَلِكَ . 28728 - يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَآخُذُ مِنَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ . الْحَدِيثُ نَذْكُرُهُ عِنْدَ ذِكْرِنَا تَقَاضِي الطَّعَامِ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28729 - وَمِنْ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ الصَّائِغِ مَسْأَلَةٌ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ سَوَاءٌ مُنْكَرَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ . 28730 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّاجِرِ يَحْفِزُهُ الْخُرُوجُ وَبِهِ حَاجَةٌ إِلَى دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ أَوْ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةٍ فَيَأْتِي دَارَ الضَّرْبِ بِفِضَّتِهِ أَوْ ذَهَبِهِ فَيَقُولُ لِلضَّرَّابِ : خُذْ فِضَّتِي هَذِهِ أَوْ ذَهَبِي ، وَخُذْ قَدْرَ عَمَلِ يَدِكَ ، وَادْفَعْ إِلَيَّ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةً فِي ذَهَبِي ، أَوْ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً فِي فِضَّتِي هَذِهِ ، لِأَنِّي مَحْفُوزٌ لِلْخُرُوجِ ، وَأَخَافُ أَنْ يَفُوتَنِي مَنْ أَخْرَجُ مَعَهُ ، قَالَ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ خُرُوجِ الدُّفْعَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ . 28731 - وَقَالَ سُحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَاهُ خَفِيفًا لِلْمُضْطَرِّ وَلِذِي الْحَاجَةِ . 28732 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَذَلِكَ رِبًا ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهُ شَيْءٌ . 28733 - وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : لَا يَصْلُحُ هَذَا ، وَلَا يُعْجِزُنِي . 28734 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ رِبًا ; لِأَنَّهُ أَعْطَى فِي الْمَضْرُوبِ ، أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ الْفِضَّةَ ، وَمَنِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . 28735 - وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْحَرَامَ مَرْدُودٌ أَبَدًا ، فَإِنْ فَاتَ رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْقِيمَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ .
1323 1287 - مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا . 1288 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ; أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ . وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ . 28736 - وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا فِي التَّمْهِيدِ ، وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مُسْنَدٌ ثَابِتٌ قَدِيمٌ . 28737 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهِ ، بِالدِّينَارَيْنِ ، وَبِالدِّرْهَمَيْنِ ، لَفْظٌ مُجْمَلٌ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مِنْ زَادَ فَقَدْ أَرْبَى . 28738 - وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْأَنْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَسَائِرِ الْآفَاقِ فِي أَنَّ الدِّينَارَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَزْنًا ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ إِجَازَتِهِمُ التَّفَاضُلَ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، أَخَذُوا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ; لِمَا رَوَاهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ . 28739 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَخْبَرَني أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . 28740 - قَالَ قَاسِمٌ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فَذَكَرَهُ . 28741 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا ، مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . 28742 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابِعِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى تَأْوِيلِهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، إِلَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْمَكِّيِّينَ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، وَهُمْ مَحْجُوجونَ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي هِيَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا وَجَهِلَهَا ، وَلَيْسَ أَحَدٌ بِحُجَّةٍ عَلَيْهَا . 28743 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ ، إِنَّمَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . 28744 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : لَقِيَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا تُفْتِي بِهِ النَّاسَ مِنَ الصَّرْفِ ، أَشَيْءٌ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَمْ سُنَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَلَا فِي كِلَيْهِمَا ، وَأَنْتُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، وَلَكِنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . 28745 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ . 28746 - وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَدَدْتُ عَلَيْكُمْ أَبْوَابَ الرِّبَا فَأَنْشَأْتُمْ تَطْلُبُونَ مَخَارِجَهَا . 28747 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُهُ عَنْ أُسَامَةَ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّهُ وَضَعَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ ، وَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ أَتَى ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ سَأَلَ عَنِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، أَوِ الْبُرِّ بِالتَّمْرِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ جِنْسَانِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ، فَسَمِعَ أُسَامَةُ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْمَعْ سُؤَالَ السَّائِلِ فَنَقَلَ مَا سَمِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28748 - وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ إِجْمَاعُ النَّاسِ ، مَا عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ ، وَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ والْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا تَبِيعُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ . رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 28749 - وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَدَّدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الرَّبعِيِّ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَأْمُرُ بِالضَّرْبِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، وَالدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ يَدًا بِيَدٍ ، فَقَدِمْتُ الْعِرَاقَ ، فَابْتَلَيْتُ النَّاسَ بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ نَزَلَ عَن ذَلِكَ ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رَأْيًا مِنِّي ، وَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ . 28750 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ ، قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَعُودُهُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ الزَّرَّادُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَزَلَ عَنِ الصَّرْفِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : عَهْدِي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَهُوَ يَقُولُهُ وَمَا رَجَعَ عَنْهُ . 28751 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ ، بِالسَّنَةِ كِفَايَةٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ ، وَمَنْ خَالَفَهَا جَهْلًا بِهَا رُدَّ إِلَيْهَا . 28752 - قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَّةِ . 28753 - وَرَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ الْهُذَيْلِ ابْنِ أَخِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ ، فَرَجَعَ ، فَقُلْتُ : إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ . فَقَالَ : النَّاسُ يَقُولُونَ مَا شَاءُوا . 28754 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبَى هَاشِمٍ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ زِيَادٍ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّائِفِ فَرَجَعَ عَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبْعِينَ يَوْمًا . 28755 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي حُرَّةَ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ سِيرِينَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أُحِبُّ أَنْ تَقُولَ فِيهِ بِرَأْيِكَ ، فَقَالَ : إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ بِرَأْيي ، فَرُبَّمَا قُلْتُ فِيهِ بِرَأْيي ثُمَّ فَسَدَ إِلَى غَيْرِهِ فَأَطْلُبُكَ فَلَا أَجِدُكَ ، إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَأَى فِي الصَّرْفِ رَأْيًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . 28756 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزَنِهَا ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَى قَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ لِمُعَاوِيَةَ : لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا . ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَلَّا يَبِيعَ ذَلِكَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ . 28757 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ، رُوِيَ أَنَّهَا عَرَضَتْ لِمُعَاوِيَةَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، لَمْ يَرْوِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَيْسَتْ مَحْفُوظَةً مَعْرُوفَةً إِلَّا لِمُعَاوِيَةَ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ . 28758 - قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ ، والْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، قَالَ : حَتَّى ذَكَرَ الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : إِنَّ هَذَا لَا يَقُولُ شَيْئًا ، فَقَالَ عُبَادَةُ : إِنِّي - وَاللَّهِ - ما أُبَالِي أَلَّا أَكُونَ بِأَرْضِكُمْ . 28759 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كَانَ مُعَاوِيَةُ يَبِيعُ الْآنِيَةَ مِنَ الْفِضَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا ، فَقَالَ عُبَادَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ . وَذِكْرُ تَمَامِ الْحَدِيثِ يَأْتِي فِي بَابِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28760 - وَالْقِصَّةُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ تَرِدُ عَنْ عُبَادَةَ مَعَ مُعَاوِيَةَ ، فَذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْها فِي التَّمْهِيدِ فِي حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْبَجَلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ شَيْئًا ، فَقَالَ : لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا ، وَرَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا أَقْدَمَكَ ؟ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ ، فَقَبَّحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ أَنْتَ فِيهَا ، وَلَا أَمْثَالُكَ ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ : لَا إِمَارَةَ لَكَ عَلَيْهِ . 28761 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي هَذَا الْبَابِ :
1329 1289 - 1290 - عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ . وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ . وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا مِنْها غَائِبًا بِنَاجِزٍ وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ . فَلَا تُنْظِرْهُ ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ . وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا . 1291 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ، وَالصَّاعُ بِالصَّاعِ . وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ . 28762 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 28763 - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ : لَا يُشْتَرَى الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . 28764 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 28765 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، قَالَ : سُئِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، وَالصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَقَالَ : ذَلِكَ الرِّبَا الْعَجْلَانُ . 28766 - يَعْنِي مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ . 28767 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ نَحْوَ قَوْلِ عَلِيٍّ . 28768 - وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنَظِرْهُ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ مَعْنَاهُ فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِ الصَّرْفِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ الصَّرْفُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِذْهُ وَمَكَثَ مَعَهُ غُدْوَةً إِلَى ضَحْوَةٍ قَاعِدًا وَقَدْ تَصَارَفَا غُدْوَةً ، فَتَقَابَضَا ضَحْوَةً لَمْ يَصِحَّ هَذَا ، وَلَا يَصْلُحُ الصَّرْفُ إِلَّا عِنْدَ الْإِيجَابِ بِالْكَلَامِ ، وَلَوِ انْتَقَلَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ تَقَابُضُهُمَا . 28769 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : يَجُوزُ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ ، وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ وَانْتَقَلَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ . 28770 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا ، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعَوْدِ لَا عَلَى التَّرَاخِي . 28771 - وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ لِطَلْحَةَ : وَاللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ ، وَقَالَ أَيْضًا : وَلَوِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ ، فَلَا تُنْظِرْهُ ، فَدَلَّ عَلَى الْمُفَارَقَةِ بِالْأَبْدَانِ
1331 1292 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ; أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا رِبَا إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ . 28772 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَعْلَمَ بِالْبُيُوعِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَ رَبِيعَةُ الْعِلْمَ بِهَا مِنْهُ . 28773 - وَرَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ أَعْلَمَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 28774 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى كَثِيرٌ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ . 28775 - وَجُمْلَةُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يَدْخُلُهُمَا الرِّبَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ، وَهُمَا التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ ، فَلَا يَجُوزُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَكَذَلِكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ . 28776 - فَأَمَّا الْجِنْسَانِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَالذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسِيئَةُ بِإِجْمَاعٍ أَيْضًا مِنَ الْعُلَمَاءِ . 28777 - وَأَمَّا مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ . 28778 - وَأَمَّا مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ نَحْوِ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى وَالْحِنْطَةِ وَالْكَتَمِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . وَلَا بَأْسَ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ بِرِطْلِ حَدِيدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ بِنَسِيئَةٍ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، يَجُوزُ فِي ذَلِكَ النَّسِيئَةُ وَالتَّفَاضُلُ ، وَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ مِنْهُ بِنَسِيئَةِ الصِّنْفِ الْآخَرِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ مِثْلَ الشَّبَّةِ وَالرَّصَاصِ ، وَالْآنُكِ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . 28779 - وَلِمَالِكٍ فِي ( الْمُوَطَّأِ ) أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى سَيَتَكَرَّرُ الْقَوْلُ فِيهَا بِأَوْضَحَ وَأَبْلَغَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28780 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَعْدُ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا رِبَا عِنْدَهُ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ سَعِيدٌ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ بِمِصْرَ مِنْ ضَمِّ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ مِنَ الطَّعَامِ إِلا مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ رِبًا . 28781 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، أَوْ مِنْ صِنْفَيْنِ ، لَا بَأْسَ عِنْدِهِ بِرِطْلِ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ ، وَبِبَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ إِذَا دَفَعَ الْعَاجِلَ ، وَوَصَفَ الْآجِلَ . 28782 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ عِنْدَهُ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا ، كَمَا يَجْرِي فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ . 28783 - وَأَمَّا دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ فَلَا رِبَا عِنْدَهُ إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ إِلَّا الْأَشْيَاءَ الْمَنْصُوصَةَ فِي الْحَدِيثِ ، وَهِيَ : الذَّهَبُ ، وَالْوَرِقُ ، وَالْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالتَّمْرُ ، وَالْبَلَحُ ، لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهَا عِنْدَهُ التَّفَاضُلُ دُونَ النَّسِيئَةِ ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، أَوْ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ، وَلَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ لَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَجَائِزٌ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُ ، كَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعُونَ ، عَلَى عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّبَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ الصَّرْفِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . 28784 - وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ : هَلْ يَدْخُلُهُ الرِّبَا فِي بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِنَسِيئَةٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28785 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : سَلَفَ مَا يُكَالُ فِيمَا يُوزَنُ ، وَمَا يُوزَنُ فِيمَا يُكَالُ ، وَسَلَفُ الْحِنْطَةِ فِي الْقُطْنِ . 28786 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ النُّحَاسِ الْمَكْسُورِ بِإِنَاءِ نُحَاسٍ مَعْمُولٍ ، وَزِيَادَةُ دَرَاهِمَ لَا يَجُوزُ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ . 28787 - وَقَالَ : لَا بَأْسَ بِإِبْرِيقِ رَصَاصٍ بِإِبْرِيقِ رَصَاصٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنِ الْوَرِقِ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ النُّحَاسِ بِالْفُلُوسِ . 28788 - وَقَالَ اللَّيْثَ : تَفْسِيرُ الرِّبَا : أَنَّ كُلَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحِجَارَةِ أَوِ التُّرَابِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفِ تِلْكَ الْأَصْنَافِ بِمِثْلَيْهِ مِنْ صِنْفِهِ إِلَى أَجَلٍ هُوَ الرِّبَا ، أَوْ وَاحِدٍ بِمِثْلِهِ ، وَزِيَادَةِ شَيْءٍ إِلَى أَجَلٍ : رِبًا . 28789 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ مِنْ بَابِ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً ، فَإِنَّهُ أَقْرَضَهُ وَاحِدَةً بِمَا أَقْرَضَهُ مِنْ ذَلِكَ لِلزِّيَادَةِ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ .
( 15 ) بَابُ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ 28668 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ مَنِ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنَ الْفَاكِهَةِ ، مِنْ رَطْبِهَا أَوْ يَابِسِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، وَمَا كَانَ مِنْها مِمَّا يَيْبَسُ ، فَيَصِيرُ فَاكِهَةً يَابِسَةً تُدَّخَرُ وَتُؤْكَلُ ، فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، إِلَّا يَدًا بِيَدٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ ، إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ; فَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ بأَنْ يُبَاعَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَصْلُحُ إِلَى أَجَلٍ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا لَا يَيْبَسُ وَلَا يُدَّخَرُ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ رَطْبًا ، كَهَيْئَةِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْجَزَرِ وَالْأُتْرُجِّ وَالْمَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ; وَإِنْ يَبِسَ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُدَّخَرُ وَيَكُونُ فَاكِهَةً . قَالَ : فَأَرَاهُ حَقِيقًا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَجَلِ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . 28669 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا بَيْعُ الْفَاكِهَةِ رِطْبِهَا ، وَيَابِسِهَا ، فَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ ، وَالْحِجَازِ ، وَالشَّامِ ، وَالْمَشْرِقِ ، وَالْمَغْرِبِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَهُوَ الِاسْتِيفَاءُ ، وَقَبْضُ الشَّيْءِ مِنْهَا أَنْ يَبْرَأَ الْبَائِعُ مِنْهُ إِلَى مُبْتَاعِهِ ، وَيُمَكِّنَهُ مِنْ قَبْضِهِ . 28670 - وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ . 28671 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْقَوْلُ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28672 - وَمَا يُدَّخَرُ مِنَ الْمَأْكُولِ ، وَمَا لَا يُدَّخَرُ طَعَامٌ كُلُّهُ ، فَوَاجِبٌ أَلَّا يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى يُسْتَوْفي . 28673 - وَأَمَّا التَّفَاضُلُ فِي الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ : 28674 - فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ إِذَا كَانَ يُدَّخَرُ ، وَيَيْبَسُ فِي الْأَغْلَبِ ، فَإِنَّ الرِّبَا فِيهَا يَدْخُلُهُ إِذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَهُمَا : التَّفَاضُلُ ، وَالنَّسِيئَةُ ، فَإِنْ كَانَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَا رِبَا فِيهِمَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ، وَجَائِزٌ بَيْعُ بَعْضِ ذَلِكَ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ . 28675 - وَأَمَّا مَا لَا يَيْبَسُ ، وَلَا يُدَّخَرُ مِثْلَ التُّفَّاحِ وَالْأجَّاصِ ، وَالْكُمِّثْرَى ، وَالرُّمَّانِ ، وَالْخَوْخِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا قَدِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ ، فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ ، جِنْسًا وَاحِدًا كَانَ ، أَوْ جِنْسَيْنِ . 28676 - وَالْجِنْسُ هُوَ الصِّنْفُ عِنْدَهُمْ ، فَالرُّمَّانُ صِنْفٌ غَيْرُ التُّفَّاحِ ، وَالتُّفَّاحُ صِنْفٌ غَيْرُ الْخَوْخِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ . 28677 - وَأَصْلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ ، وَرَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ نَقْلِ الْعُدُولِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَمَنْ زَادَ ، أَوِ ازْدَادَ ، فَقَدْ أَرْبَى ، وَبَيْعُ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ " . 28678 - فَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا مَا يُدَّخَرُ ، وَيَيْبَسُ ، وَحَرَّمَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ التَّفَاضُلَ ، وَالنَّسِيئَةَ مَعًا ، وَفِي الْجِنْسِ حَرَّمَ النَّسِيئَةَ فَقَطْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 28679 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَالْمَأْكُولُ كُلُّهُ ، وَالْمَشْرُوبُ كُلُّهُ كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ : لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ ، وَصِنْفِهِ مُتَفَاضِلًا ; لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ رُمَّانَةٌ بِرُمَّانَتَيْنِ ، وَلَا تُفَّاحَةٌ بِتُفَّاحَتَيْنِ ، وَلَا بِطِّيخَةٌ بِبِطِّيخَتَيْنِ يَدًا بِيَدٍ ، وَيَدْخُلُهُ الرِّبَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي الْوَجْهَيْنِ : النَّسِيئَةِ وَالتَّفَاضُلِ ، عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنَ الطَّعَامِ ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ جَازَا ، مُتَفَاضِلَيْنِ يَدًا بَيْدٍ ، وَالطَّعَامُ الْمُدَّخَرُ ، وَغَيْرُ الْمُدَّخَرِ ، وَالْمُقْتَاتُ ، وَغَيْرُ الْمُقْتَاتِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ إِنْ كَانَ يُوزَنُ ، أَوْ كَيْلِهِ إِنْ كَانَ يُكَالُ ، وَفِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ جَازَ التَّفَاضُلُ دُونَ النَّسِيئَةِ . 28680 - وَالْخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا . 28681 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي الْبَيْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ . 28682 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ . 28683 - ( وَالْأُخْرَى ) : أَنَّهُ يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ . 28684 - وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْبِيضَ مِمَّا يُدَّخَرُ لَا يَجُوزُ مِنْهُ وَاحِدَةٌ بِاثْنَتَيْنِ ، وَأَجَازَ بَيْعَ الصَّغِيرِ بِالْكَبِيرِ مِنْهُ . 28685 - وَقَالَ فِي بَيْضِ الدَّجَاجِ ، وَالْإِوَزِّ وَبَيْضِ النَّعَامِ : إِذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَازَ . 28686 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَالْجِنْسُ عِنْدَهُمْ بِانْفِرَادِهِ تَحْرُمُ فِيهِ النَّسِيئَةُ . 28687 - وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَما بِانْفِرَادِهِ تَحْرُمُ فِيهِ النَّسِيئَةُ . 28688 - وَأَمَّا التَّفَاضُلُ ، فَلَا يَحْرُمُ إِلَّا بِإِجْمَاعِ الْجِنْسِ وَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْعُصْفُرُ بِالْعُصْفُرِ ، وَلَا الْقُطْنُ بِالْقُطْنِ ، وَلَا الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ كَالْمَأْكُولِ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ جَازَ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ دُونَ النَّسِيئَةِ كَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . 28689 - وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مِنْ طَرِيقٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ جِدًّا أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مَا كِيلَ ، أَوْ وُزِنَ ، أَلَّا يُبَاعَ صِنْفٌ مِنْهُ بِصِنْفٍ آخَرَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَمَا لَا يُكَالُ ، وَلَا يُوزَنُ ، فَلَا رِبَا فِيهِ إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ . 28690 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . 28691 - وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ بَيْعَ تَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ ، وَبَيْضَةٍ بِبَيْضَتَيْنِ ، وَجَوْزَةٍ بِجَوْزَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ قَدْ خَرَجَ عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ . 28692 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ ، وَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ . 28693 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَجُوزُ تَمْرَةٌ بِتَمْرَتَيْنِ ، وَلَا بِتَمْرَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّمْرِ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ . 28694 - وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ مُسْتَهْلِكَ التَّمْرَةِ وَالتَّمْرَتَيْنِ يَلْزَمُهُ فِيهَا الْقِيمَةُ دُونَ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ لَا مَكِيلَ ، وَلَا مَوْزُونَ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ الْكَيْلُ ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْكَيْلِ ، وَلَا يُصْرَفُ الْمَكِيلُ عِنْدَهُمْ إِلَى الْوَزْنِ . 28695 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَجُوزُ رِطْلُ سَمَكٍ بِرِطْلَيْنِ . 28696 - وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ : لَا أَنْظُرُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ ، وَلَا يُشْرَبُ ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى مَا يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَأْخُذُهُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ ، وَإِنَّمَا الرِّبَا فِيمَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ ، أَوْ يُشْرَبُ عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً . 28697 - وَهَذَا كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ ، ثُمَّ ضَمَّ بِمِصْرَ إِلَى مَا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ ، أَوْ يُشْرَبُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُوزَنُ وَلَا يُكَالُ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . 28698 - وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ ، وَالْبُرُّ بِالشَّعِيرِ ، كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ " ، وَسَنَذْكُرُ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28699 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : لَا رِبَا إِلَّا فِي كَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ ، لَا رُؤْيَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
29073 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَحَلَّ الْأَجَلُ ، فَلَمْ يَجِدِ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَفَاءً مِمَّا ابْتَاعَ مِنْهُ فَأَقَالَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا وَرِقَهُ أَوْ ذَهَبَهُ ، أَوِ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ شَيْئًا ، حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ غَيْرَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ أَوْ صَرَفَهُ فِي سِلْعَةٍ غَيْرِ الطَّعَامِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ ، فَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29074 - قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29075 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشِّرَاءِ بِرَأْسِ مَالِ الْمُسَلِّمِ مِنَ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الْإِقَالَةِ ، فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا وَصَفَهُ فِي مَوْطَّئِهِ : لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ قَبْضًا صَحِيحًا . 29076 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى غَيْرَ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ كَالطَّعَامِ ، وَإِذَا تَقَايَلَا عِنْدَهُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الطَّعَامِ بِرَأْسِ مَالِهِ مَا شَاءَ إِذَا خَالَفَ جِنْسَ مَا تَقَايَلَا فِيهِ ، وَتَعَجَّلَ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ . 29077 - وَكَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَيُحِيلَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا تَقَايَلَا فِي الطَّعَامِ سَلَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِرَأْسِ مَالِهِ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29078 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْعُرُوضِ كُلِّهَا . 29079 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالَا : بَيْعُ السَّلَمِ مِنْ بَائِعِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَاسِدَةٌ . 29080 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَطِيَّةَ الْكُوفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ . 29081 - وَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ : خُذْ مَا سَلَّمْتَ فِيهِ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ ، وَلَا تَأْخُذْ غَيْرَ ذَلِكَ . 29082 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَغَيْرِهِمْ . 29083 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَدْ أَوْضَحَهَا عَلَى مَذْهَبِهِ . 29084 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَزُفَرُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ السَّلَمَ إِذَا أَقَالَ مَنْ سَلَّمَهُ مَا شَاءَ بِرَأْسِ مَالِهِ مِنَ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِقَالَةِ الْبَدَلَ مِنْهَا ، فَإِذَا مَلَكَ رَأْسَ مَالِهِ بِالْإِقَالَةِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ بِالْإِقَالَةِ ، وَلَا حُجَّةَ لِمُخَالِفِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ مَا سَلَّمَ فِيهِ فِي غَيْرِهِ . 29085 - وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ هُوَ بَيْعُ مَا سَلَّمَ فِيهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ، فَذَلِكَ هُوَ صَرْفُهُ . 29086 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْحُكْمُ بِقَطْعِ الذَّرَائِعِ كَانَ الْمُسَلِّمُ وَالْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ لَمَّا عَلِمَا أَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ فِي شَيْءٍ آخَرَ لَا يَجُوزُ ، ذَكَرَ الْإِقَالَةَ ذِكْرًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ يَسْتَجِيزُ بِذَلِكَ صَرْفَ الطَّعَامِ فِي غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ . 29087 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَقيلْ لَمْ يَجُزْ لَهُ صَرْفُ رَأْسِ الْمَالِ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ صَرْفُ رَأْسِ مَالِهِ فِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَكْثَرَ مِنْهَا .
29088 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعِ : أَقِلْنِي وَأُنْظِرُكَ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَلَّ الطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ ، أَخَّرَ عَنْهُ حَقَّهُ ، عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ . فَكَانَ ذَلِكَ بَيْعَ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ ، قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . 29089 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ حَلَّ الْأَجَلُ وَكَرِهَ الطَّعَامَ أَخَذَ بِهِ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ . وَإِنَّمَا الْإِقَالَةُ مَا لَمْ يَزْدَدْ فِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِنَسِيئَةٍ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ بِشَيْءٍ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، أَوْ بِشَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْإِقَالَةِ ، وإِنَّمَا تَصِيرُ الْإِقَالَةُ إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ بَيْعًا ، وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ ، وَالشِّرْكِ ، وَالتَّوْلِيَةِ ، مَا لَمْ يَدْخُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ ، أَوْ نُقْصَانٌ ، أَوْ نَظِرَةٌ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ ، أَوْ نَظِرَةٌ ، صَارَ بَيْعًا ، يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ ، وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ . 29090 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ . 29091 - وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ إِذَا أَقَالَهُ فِي جَمِيعِ السَّلَمِ ، وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ فِي حِينِ الْإِقَالَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، وَأَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ مَعَهُ وَمَعَ غَيْرِهِ إِذَا بَانَ بِمَا قَبَضَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إِلَى نَفْسِهِ . 29092 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ ، وَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْدُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29093 - وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ لَهُ النَّظِرَةَ بِالثَّمَنِ ، لِأَنَّهَا عِنْدَهُ كَالزِّيَادَةِ ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَارَتْ بَيْعًا فِي الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ الْإِقَالَةِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ بَيْعِهِ لَكِنْ بِرَأْسِ الْمَالِ ، لَا زِيَادَةَ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْإِقَالَةِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ ، وَالتَّوْلِيَةِ فِيهِ ، وَالشَّرِكَةِ فِي بَابٍ جَامِعٍ بِيعَ الطَّعَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 29094 - وَلِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّأْخِيرِ بِرَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ قَوْلَانِ . 29095 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ . 29096 - ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّهُ جَائِزٌ ، لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَعْرُوفٌ وَفِعْلٌ حَسَنٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ . 29097 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا صَفْقَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ ، وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ .
29098 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَحْمُولَةً ، بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ . 29099 - قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ مَنَّ سَلَّفَ فِي صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِمَّا سَلَّفَ فِيهِ ، أَوْ أَدْنَى بَعْدِ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنْ يُسْلِفَ الرَّجُلُ فِي حِنْطَةٍ مَحْمُولَةٍ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا أَوْ شَامِيَّةً ، وَإِنَّ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ عَجْوَةٍ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ صَيْحًا نِيًّا أَوْ جَمْعًا ، وَإِنْ سَلَّفَ فِي زَبِيبٍ أَحْمَرَ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْوَدَ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، إِذَا كَانَتْ مِكِيلَةُ ذَلِكَ سَوَاءً ، بِمِثْلِ كَيْلِ مَا سَلَّفَ فِيهِ . 29100 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ ، إِلَّا فِي قَبْضِ الشَّعِيرِ مِنَ الْقَمْحِ عِنْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَجْعَلُ الشَّعِيرَ صِنْفًا غَيْرَ الْقَمْحِ ، وَالْقَمْحُ كُلُّهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، كَمَاءِ الشَّعِيرِ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَكَمَاءِ الزَّبِيبِ أَحْمَرِهِ ، وَأَسْوَدِهِ صِنْفٌ وَاحِدٌ . 29101 - وَكَذَلِكَ التَّمْرُ وَضُرُوبُهُ ، وَالسُّلْتُ عِنْدَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَالذُّرَةُ صِنْفٌ ، وَالدَّخَنُ صِنْفٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَإِذَا سَلَّفَ فِي صِنْفِهِ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَأَخَذَ عِنْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ ، أَرْفَعَ مِنْ صِفَتِهِ فَذَلِكَ إِحْسَانٌ مِنَ الْمُعْطِي ، وَإِنْ أَخَذَ أَدْوَنَ فَهُوَ تَجَاوُزٌ مِنَ الْآخِذِ . 29102 - وَفِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهٌ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 29103 - وَإِنَّمَا اخْتَارَ مَالِكٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَفْظَ سَلَفٍ فِي طَعَامٍ ، وَسَلَفٍ فِي كَذَا ، وَالسِّلْعَةُ فِي الطَّعَامِ ، وَالسِّلْعَةُ فِي الْعُرُوضِ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنْ لَفْظِ السَّلَفِ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظًا مُشْتَرَكًا لِجَمِيعِ الْقَرْضِ وَالسَّلَمِ ، وَلَمْ يُكْثِرْ فِي مُوَطَّئِهِ كُلِّهِ ذِكْرَ السَّلَمِ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الرَّجُلُ : أَسْلَمْتُ فِي كَذَا : وَيَقُولُ : إِنَّمَا الْإِسْلَامُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
1344 ( 21 ) بَابُ السُّلْفَةِ فِي الطَّعَامِ . 1306 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ تَمْرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ . 29056 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ . 29057 - فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطْعِمٍ الْمَكِّيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ ، فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَلَّفَ فَلْيُسْلِفْ فِي تَمْرٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ . 29058 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَمَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ ، فَقَالَ الله تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ 29059 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ : 29060 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ السَّلَمُ فِي التَّمْرِ قَبْلَ حِينِهِ إِذَا كَانَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَقْتَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْغَالِبِ ، فَإِنْ كَانَ يَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ لَمْ يَجُزْ . 29061 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 29062 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا . 29063 - قَالَ : وَالرُّطَبُ مِنَ التَّمْرِ ، فَقَدْ أَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ قَبْلَ حِينِهِ ، إِذَا أَجَازَهُ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ . 29064 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنِ السَّلَفِ ، فَقَالَ : كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، وَكَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَمَا هُوَ عِنْدَ صَاحِبِهِ . 29065 - أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فَذَكَرَهُ . 29066 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ سَلَمٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ حُلُولِ الْأَجَلِ ، فَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَجُزْ . 29067 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَّا فِيمَا كَانَ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْهُ شَيْءٌ . وَلَا يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْهُ شَيْءٌ . 29068 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَكُونُ السَّلَمُ إِلَّا فِيمَا لَا يَكُونُ مِنَ السَّنَةِ حِينٌ إِلَّا وَهُوَ يُوجَدُ فِيهِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 29069 - وَقَالَ اللَّيْثُ : أَكْرَهُ السَّلَمَ فِي الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ قَبْلَ أَوَانِهَا . 29070 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَرِهَ السَّلَمَ بِمَا يَنْقَطِعُ وَلَا يُوجَدُ بِأَيْدِي النَّاسِ الْعَامَ كُلَّهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَنْ كَرِهَهُ ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : مَنْ مَاتَ حَلَّ دَيْنُهُ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ كَانَ عُذْرًا ، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى مِنْ كُلِّ مَنْ يَرُدُّ النُّصُوصَ بِقِيَاسٍ عَلَى غَيْرِهَا . 29071 - وَلَيْسَ فِي نَهْيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا مَا يَرُدُّ حَدِيثَ السَّلَمِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ عَيْنٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ ، وَهَذَا بَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ وَمَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا إِلَّا فِي السَّلَمِ . 29072 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إِلَى أَجَلٍ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، وَتَمْرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ .
( 2 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي مَالِ الْمَمْلُوكِ 1256 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ؛ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ . 27989 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثُ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ . 27990 - لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ نَافِعٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ أَيُّوبَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ ابْنَ عُمَرَ . 27991 - وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ عِنْدَهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ . 27992 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ سَوَاءً . 27993 - وَرَوَاهُ سَالِمٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 27994 - كَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . 27995 - وَمَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ إِلَى تَصْحِيحِ رِوَايَةِ سَالِمٍ فِي ذَلِكَ . 27996 - وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي خَالَفَ فِيها سَالِمٌ نَافِعًا ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي حَدِيثِ نَافِعٍ مِنَ " التَّمْهِيدِ " ، فِي حَدِيثِ مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ، فَكَانَ نَافِعٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَأْبَى أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ عَنْ عُمَرَ . 27997 - ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : قَالَ نَافِعٌ فِي شَأْنِ الْعَبْدِ : مَا هُوَ إِلَّا عَنْ عُمَرَ . 27998 - وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ سَمْعَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ " . 27999 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ " . وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ " . 28000 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ حَدِيثِ مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ . 28001 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ بَاعَ نَخَلَا قَدْ أُبِّرَ ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَالْمَالُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ .
28002 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ الْمُبْتَاعَ إِنِ اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ . نَقْدًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرَضًا ، يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مِنَ الْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّا اشْترى بِهِ ، كَانَ ثَمَنُهُ نَقْدًا أَوْ دَيْنًا أَوَ عَرَضًا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إِيَّاهَا ، وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ كَاتَبَ ، تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَإِنْ أَفْلَسَ ، أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ ، وَلَمْ يُتَّبَعْ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ . 28003 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَهُ مَالٌ ، اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ . 28004 - وَقَوْلُ : فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ ، فَإِنَّ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ أَصَابَهُ الْمَالِكُ إِلَيْهِ ، فَجَابَ كَمَا يُقَالُ غَنَمُ الرَّاعِي ، وَسَرَجُ الدَّابَّةِ ، وَبَابُ الدَّارِ . 28005 - قَالُوا : وَإِنَّمَا قَوْلُهُ : وَلَهُ مَالٌ كَقَوْلِهِ : وَبِيَدِهِ مَالٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مَالٌ ، وَيَكُونُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ذَلِكَ الْمَالُ بِعَيْنِهِ لِسَيِّدِهِ إِذَا بَاعَهُ ؟ . 28006 - هَذَا مَا لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى مَا قُلْنَا : إِنَّ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ . 28007 - وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ : فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْذَنُ لِعَبِيدِهِ فِي التَّسَرِّي ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مَا حَلَّ لَهُمْ التَّسَرِّي ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحِلَّ الْفَرْجَ إِلَّا بِنِكَاحٍ ، أَوْ مِلْكِ الْيَمِينِ . 28008 - وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ مِلْكٌ مَا دَامَ مُمَلُوكًا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْهُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ مِنْ كَسْبِهِ ، وَمِنْ غَيْرِ كَسْبِهِ . 28009 - وَقَالُوا : إِنَّمَا مَعْنَى إِذَنِ ابْنِ عُمَرَ لِعَبِيدِهِ فِي التَّسَرِّي ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، فَكَانَ عِنْدَهُ إِذْنُهُ مِنْ ذَلِكَ من هَذَا الْبَابِ . 28010 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يَمْلِكُ لَوَرِثَ قَرَابَتَهُ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا يَحْصُلُ بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ هُوَ لِسَيِّدِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَلَوْ مَلَكَهُ مَا انْتَزَعَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ كَمَا لَا يَنْتَزِعُ مَالَ مُكَاتِبِهِ قَبْلَ الْعَجْزِ . 28011 - وَلِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ يَطُولُ ذِكْرُهَا لَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا بِمَوْضِعٍ لَهَا . 28012 - وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَالِكٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ . 28013 - وَطَائِفَةُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ يَقُولُونَ : إِنَّ الْعَبْدَ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ فِيمَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ ، وَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ ، وَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ . 28014 - وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ شُذُوذٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَلَا خَيْرَ فِي الشُّذُوذِ . 28015 - وَالِاخْتِلَافُ فِي تَسَرِّي الْعَبْدِ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ . 28016 - وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ : لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا لَا يُجَوِّزُ لَهُ التَّسَرِّيَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَلَا يُحِلُّ لَهُ وَطْءَ فَرْجٍ إِلَّا بِنِكَاحٍ يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ . 28017 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ ، هَلْ يَبَيعُهُ مَالُهُ إِذَا أُعْتِقَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ ؟ . 28018 - وَأَمَّا شِرَاءُ الْعَبْدِ ، وَاشْتِرَاطُ مَالِهِ : 28019 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ . 28020 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ ، وَمَالَهُ بِدَرَاهِمَ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ ، أَوْ دَنَانِيرَ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ . 28021 - وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِبَعْضِ مَا لِلْعَبْدِ فِي صَفْقَةٍ نِصْفًا ، أَوْ ثُلُثًا ، أَوْ رُبُعًا ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ : 28022 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ نِصْفَهُ ، وَلَا جُزْءًا مِنْهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ كُلَّهُ ، أَوْ يَدَعَهُ كُلَّهُ . 28023 - وَقَالَ أَشْهَبُ : جَائِزٌ أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَهُ ، أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ . 28024 - وَقَالَ أَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى بِهِ الْعَبْدَ عُرُوضًا ، أَوْ حَيَوَانًا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ نِصْفَ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ ذَهَبًا ، أَوْ وَرِقًا ، وَكَانَ الثَّمَنُ ذَهَبًا ، أَوْ وَرِقًا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ نِصْفَ مَالِهِ وَلَا جُزْءًا مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُ الْعَبْدِ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا وَدَقِيقًا وَيَكُونَ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَكَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا ذَهَبًا ، أَوْ وَرِقًا ، جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا شَاءَ مِنْهُ . 28025 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَوَى أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ بِلَا هَاءِ الضَّمِيرِ ، فَرِوَايَتُهُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : يَشْتَرِطُ مِنْ مَالِهِ مَا شَاءَ ، فَمَنْ رَوَى أَنْ لَا يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ بِالْهَاءِ ، فَرِوَايَتُهُ حُجَّةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . 28026 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِذَا بَاعَ الْعَبْدَ ، وَلَهُ مَالٌ ، فَهُوَ لِمَنْ بَاعَ شَيْئَيْنِ ، لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ . 28027 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمَّا كَانَ مَالُ الْعَبْدِ لَا يَدْخُلُ فِي صَفْقَةِ رَأْسِهِ إِلَّا بِالشَّرْطِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ تَبَعًا لَهُ ; لِأَنَّ مَا كَانَ تَبَعًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْطٍ فِي دُخُولِهِ فِي الصَّفْقَةِ كَجَرْيِ مِيَاهِ الدَّارِ ، وَمَنَافِعِهَا ، وَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى الشَّرْطِ كَانَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَجُوزُ مِنْ شِرَاءِ دَابَّةٍ وَدَرَاهِمَ مَعَهَا ، أَوْ دَارٍ مَعَهَا ، أَوَ دَنَانِيرَ . 28028 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلتَّابِعِينَ فِي مَالِ الْعَبْدِ إِذَا بِيعَ ، أَوْ أعَتَقَ ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : 28029 - ( أَحَدُها ) : أَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْبَيْعِ ، وَالْعِتْقِ جَمِيعًا ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَبِي ثَوْرٍ . 28030 - ( وَالثَّانِي ) : أَنَّ مَالَهُ لِسَيِّدِهِ فِي الْعِتْقِ ، وَالْبَيْعِ جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ كَاتَبَهُ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ قَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ . 28031 - ( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ تَبَعٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ ، وَإِنْ بِيعَ ، فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِطَهُ إِنْ شَاءَ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ . 28032 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِذَا بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ جَازَ إِذَا كَانَتِ الرَّغْبَةُ فِي الْعَبْدِ لَا فِي الدّراهَمِ .
1342 ( 20 ) بَابُ مَا يُكَرَهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ 1303 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَنْهَيَانِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ . ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ تَمْرًا ، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ . 1304 - مَالِكٌ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ مِنَ الرَّجُلِ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَنَهَى عَنْهُ . 1305 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بِمِثْلِ ذَلِكَ . 29001 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مِنْ بَيْعِهِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْحِنْطَةَ . فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ الَّتِي بَاعَ بِهَا الْحِنْطَةَ ، إِلَى أَجَلٍ ، تَمْرًا مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ وَيُحِيلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ التَّمْرَ عَلَى غَرِيمِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ فِي ثَمَرِ التَّمْرِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا . 29002 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، ( وَفَسَّرَ بِهِ ) قَوْلَ سَعِيدٍ ، وَسُلَيْمَانَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَائِعُ لِلطَّعَامِ قَدِ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ غَيْرِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ أَحَالَهُ بِثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ طَعَامَهُ ؛ لِأَنَّهَا حَوَالَةٌ لَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ . 29003 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا كَرِهَهُ سَعِيدٌ ، وَسُلَيْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ : 29004 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِبَائِعِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مُبْتَاعِهِ مِنْهُ فِي ثَمَنِهِ طَعَامًا إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ ، لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسِيءُ ، وَجَعَلُوا ذِكْرَ الذَّهَبِ لَغْوًا ؛ لِأَنَّ بَائِعَ الْحِنْطَةِ بِالذَّهَبِ إِذَا أَخَذَ فِي الذَّهَبِ تَمْرًا لَمْ يَحْصُلْ بِيَدِهِ الْإِطْعَامُ بَدَلًا مِنْ طَعَامٍ بَاعَهُ إِلَى أَجَلٍ . 29005 - قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ طَعَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى شَهْرٍ ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اشْتَرَى بَائِعُ الطَّعَامِ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ طَعَامًا ، فَأَحَالَهُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ . قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 29006 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ ، فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمُوَطَّأِ إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ فِيهَا . 29007 - قَالَ عِيسَى : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : فَلَوْ أَحَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمِائَةُ الدِّينَارِ بَائِعَ الطَّعَامِ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ ، فَيَجُوزُ لِبَائِعِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ طَعَامًا . قَالَ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ . 29008 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قِيَاسٍ ، وَلَا أَثَرٍ ، لِأَنَّهُ طَعَامٌ مَأْخُوذٌ مَنْ ثَمَنِ طَعَامٍ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرَى لَهُ . 29009 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ أَجَازَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ بَاعَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ ، فَحَلَّ الْأَجَلُ أَنْ يَأْخُذَ بِثَمَنِ طَعَامِهِ مَا شَاءَ طَعَامًا ، وَغَيْرَهُ . 29010 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ بِدَرَاهِمَ إِلَى أَجَلٍ ، فَحَلَّ الْأَجَلُ ، هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيهَا ذَهَبًا أَمْ لَا ؟ . 29011 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ يَأْخُذُهَا ، لِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّرْفِ . فِي حِينِ التَّرَاضِي قَبْلَ الِافْتِرَاقِ . 29012 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، إِذَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ . 29013 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَأْخُذُ الدَّنَانِيرَ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، وَالدَّرَاهِمَ مِنَ الدَّنَانِيرِ بِسِعْرِ يَوْمِهِ ، فَإِنِ افْتَرَقَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَكَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي ابْتَاعَ بِهَا السِّلْعَةَ حَتَّى يَتَّفِقَا ، وَيَتَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ . 29014 - وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ ، وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ إِلَى أَجَلٍ طَعَامًا ، وَجَعَلُوهُ طَعَامًا بِطَعَامٍ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ . 29015 - قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ حَالَّةً فَإِنَّهُ يَأْخُذُ دَنَانِيرَ عَنْهَا إِنْ شَاءَ ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهَا بِدَنَانِيرَ ، وَيَأْخُذْ فِي ذَلِكَ عِوَضًا إِنْ شَاءَ . 29016 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : جَائِزٌ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ ، وَالدَّرَاهِمَ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ إِذَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ . 29017 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَوْلُهُ فِي أَخْذِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، وَأَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ . 29018 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . 29019 - وَقَالَ فِي الطَّعَامِ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ بِخِلَافِهِمَا لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بِأَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ دَرَاهِمَ ، أَوْ طَعَامٍ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ مُخَالِفٍ لِاسْمِهِ . 29020 - قَالَ : وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ طَعَامًا . 29021 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ . 29022 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادٍ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِدَرَاهِمِهِ طَعَامًا . 29023 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ . 29024 - وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ . 29025 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُشْرَبُ . 29026 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ دَرَاهِمَ دَنَانِيرَ ، وَلَا عَنْ دَنَانِيرَ دَرَاهِمَ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مَا أَقْرَضَ وَعَيْنَ مَا بَاعَ . 29027 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنُ شُبْرُمَةَ صَدَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّهُ أَجَازَهُ فِي الطَّعَامِ ، وَكَرِهَهُ فِي الدَّرَاهِمِ . 29028 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : أَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ثَمَنِ مَا يُكَالُ شَيْئًا يُكَالُ ، وَيَأْخُذَ مَا لَا يُكَالُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَ مَالًا يُوزَنُ أَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا يُوزَنُ ، وَيَأْخُذَ مَا لَا يُوزَنُ ، لَا يَأْخُذُ مِنَ الْحِنْطَةِ تَمْرًا ، وَلَا مِنَ السَّمْنِ زَيْتًا . 29029 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ . 29030 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ دُونَهُمْ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ ، لِأَنَّهُ صَرْفٌ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَوْ كَانَ الْأَجَلُ حَلَّ ، وَهَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ . 29031 - وَرَوَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ اقْتِضَاءَ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ ، وَالْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ . 29032 - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ . 29033 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . 29034 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَرَأَيْتَ إِذَا بِعْتُ طَعَامًا بِذَهَبٍ فَحَلَّتِ الذَّهَبُ ، فَجِئْتُ أَطْلُبُهُ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ ذَهَبًا ، فَقَالَ : خُذْ مِنِّي طَعَامًا ، فَقَالَ : كَرِهَ طَاوُسٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ طَعَامًا . 29035 - وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ : إِذَا حَلَّ دَيْنُكَ فَخُذْ مَا شِئْتَ . 29036 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : إِذَا بِعْتَ شَيْئًا ، طَعَامًا ، أَوْ غَيْرَهُ بِدَيْنٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَخُذْ مَا شِئْتَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ غَيْرِهِ . 29037 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ رَجُلٍ بَاعَ حِنْطَةً بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ قَالَ : يَأْخُذُ طَعَامًا ، وَغَيْرَ ذَلِكَ إِذَا حَلَّ . 29038 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ تَمِيمِ بْنِ خُوَيْصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : إِذَا بِعْتَ بِدَنَانِيرَ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَخُذْ بِالدَّنَانِيرِ مَا شِئْتَ . 29039 - وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : إِذَا بِعْتَ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِدِينَارٍ ، فَلَا تَأْخُذْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إِلَّا أَنْ يَصْرِفَكَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ بِعْتَ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ ، فَصَرَفَكَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يُوزَنُ فَخُذْهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا . 29040 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَكِيلُ كُلُّهُ عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ . 29041 - وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْكُوفِيِّينَ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ غَيْرُهُ لِمَنْ وَجَبَ ذَلِكَ لَهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ . 29042 - وَلَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصِّنْفِ بَدَلًا مِنْ ثَمَنِهِ إِلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَى لَا زِيَادَةَ ، كَمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْبُرِّ إِذَا بَاعَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ثَمَنِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ بُرًّا إِلَّا مِثْلَ كَيْلِ الْبُرِّ الَّذِي بَاعَهُ فِي صِفَتِهِ وُجُودٌ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهُ حِينَئِذٍ بِرِضًا جَرَّ زِيَادَةً ، وَسَنَذْكُرُ الْأَصْنَافَ عِنْدَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29043 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا مَنْ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ ، وَمِنَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ ، فَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَغَيْرِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تَشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تَشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ . 29044 - فَفِي قَوْلِهِ : لَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ مِنْهَا مَا فِي الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ ، وَالنَّاجِزَ مَا يَأْخُذُهُ . 29045 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ . 29046 - وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ أَخْذَ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ حُجَّتُهُ حَدِيثُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، أَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِكُمَا . 29047 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَا : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا . 29048 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ : بِسِعْرِ يَوْمِهِمَا . 29049 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ حَدَّثَنَاهُ سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَائِقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِبَقِيعِ الْفَرْقَدِ ، كُنْتُ أَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ حُجْرَتَهُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَخَذْتَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَلَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ بَيْعٌ . 29050 - وَرَوَاهَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ بِنَحْوِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ . 29051 - فَمِنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ وَالْآجِلِ قَالَ : لَمَّا لَمْ يَسْأَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْحَالِ عِنْدَهُ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي الشَّرْعِ لَوَقَفَهُ عَلَيْهِ . 29052 - وَمَنْ قَالَ : لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الْحَالِّ دُونَ الْآجِلِ . قَالَ : وَالْآجِلُ : هُوَ الْغَائِبُ الَّذِي لَا يُنْسَبُ بَيْعُهُ بِنَاجِزٍ وَلَا بِغَائِبٍ مِثْلُهُ ، وَإِنَّمَا الْحَالُّ بِالذِّمَّةِ فِيهِ كَالْعَيْنِ الظَّاهِرَةِ إِذَا اجْتَمَعَا وَتَقَابَضَا وَلَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ . 29053 - وَمَنْ جَعَلَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ ، كَالدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : لَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ الْبُرَّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالذَّهَبَ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَثَبَتَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ وَرَدَتِ السُّنَّةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَنَّ قَبْضَ الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، كَانَتْ مُفَسِّرَةً كَذَلِكَ وَكَانَ قَبْضُ الطَّعَامِ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ كَقَبْضِ الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، وَالدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَمْنَعِ اللَّهُ مِنْهُ ، وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 29054 - وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّعَامِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَبَيْنَ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ تَرَكَ الْقِيَاسَ ، وَلَمْ يَعُدْ بِالرُّخْصَةِ مَوْضِعًا . 29055 - وَأَمَّا ابْنُ شُبْرُمَةَ فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَإِبَايَتِهِ لِذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَأَى أَنَّ ثَمَنَ الطَّعَامِ جَائِزٌ لِرَبِّهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْمُبْتَاعِ وَغَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تُهْمَةُ مُسْلِمٍ ، وَلَوْ قَضَى بِالظَّنِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ طَعَامًا بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَالرِّبَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ وَأَرَادَهُ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنَّمَا الرِّبَا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِيَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّرْفِ حُكْمُ التَّصَارُفِ فِي الدَّيْنَيْنِ .
1333 ( 17 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ 1294 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ ، أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ . قَالَ : فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي . وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَتَّى يَأْتِيَنِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهُ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ) . 28831 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ جَعَلَ الْبُرُّ صِنْفًا غَيْرَ الشَّعِيرِ ، لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ الْفَاصِلَةِ كَمَا فَصَلَ بَيْنَ الْبُرِّ وَالتَّمْرِ بِوَاوٍ فَاصِلَةٍ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي بَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْبُرِّ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالِي . 28832 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ ، فَقَالَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا كَانَ نَسِيئَةً ، فَهُوَ رِبًا . 28833 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَا : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ نَسْئًا . 28834 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ نَسْئًا . 28835 - وَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّسِيئَةُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ . 28836 - وَكَذَلِكَ حُكْمُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِ الطَّعَامِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 28837 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَاءَ ، وَهَاءَ ، وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ : وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ عُمَرَ : وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ .
1333 28838 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا اصْطَرَفَ الرَّجُلُ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ . ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا فَأَرَادَ رَدَّهُ ، انْتَقَضَ صَرْفُ الدِّينَارِ ، وَرَدَّ إِلَيْهِ وَرِقَهُ ، وَأَخَذَ إِلَيْهِ دِينَارَهُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ ، وَهُوَ إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ صَرْفٍ ، بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ أَوِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْخِرِ ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ ذَلِكَ ، وَانْتَقَضَ الصَّرْفُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ عَاجِلًا بِآجِلٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، أَوْ كَانَ مُخْتَلِفَةً أَصْنَافُهُ . 28839 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 28840 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ : دِينَارٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ وَجَدَ دِرْهَمًا زَائِفًا ، فَرَضِيَ بِهِ جَازَ ، وَإِنَّ رَدَّهُ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ وَجَدَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا زُيُوفًا انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارَيْنِ ، وَهَكَذَا أَبَدًا فِيمَا زَادَ . 28841 - وَإِنِ اشْتَرَى دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ وَاحِدٍ ، فَوَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا زَائِفًا ، فَرَدَّهُ ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ . 28842 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا رَدَّ الدَّرَاهِمَ الزُّيُوفَ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، أَوْ يَكُونُ شَرِيكًا بِقَدْرِ ذَلِكَ فِي الدِّينَارِ . 28843 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا افْتَرَقَا ، ثُمَّ وَجَدَ النِّصْفَ زُيُوفًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ ، فَرَدَّهُ ، بَطَلَ الصَّرْفُ فِي الْمَرْدُودِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ اسْتَبْدِلَ . 28844 - رَوَاهُ مُحَمَّدٌ فِي الْإِمْلَاءِ . 28845 - وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا . 28846 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَسْتَبْدِلُ الرَّدِيءَ كُلَّهُ . 28847 - وَقَالَ زُفَرُ : يَبْطُلُ الصَّرْفُ فِيمَا رَدَّ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ . 28848 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ قَوْلِ زُفَرَ أَيْضًا . 28849 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : 28850 - ( أَحَدُهُمَا ) : يَبْطُلُ الصَّرْفُ كُلُّهُ . 28851 - وَالْآخَرُ : يُسْتَبْدَلُ . 28852 - وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا : يُبَدِّلُ لَهُمْ مَا رَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدِيءِ ، وَلَا يَنْتَقِضُ شَيْءٌ مِنَ الصَّرْفِ . 28853 - قَالَ أَحْمَدُ : وَهُوَ أَحَبُّ الْأَقَاوِيلِ إِلَيَّ . 28854 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ قَالَ : يَسْتَبْدِلُ ، احْتَجَّ بِأَنَّ الصَّرْفَ لَمْ يَفْتَرِقَا أَوَّلًا فِيهِ إِلَّا عَنْ قَبْضٍ صَحِيحٍ عِنْدَهُمَا ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِبْدَالُ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِمَا النَّسَاءُ . 28855 - وَفِي هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الرِّبَا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِيَ . 28856 - رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُمَرَ . 28857 - وَمَنْ قَالَ : انْتَقَضَ الصَّرْفُ زَعَمَ أَنَّ الزَّائِفَ لَمْ يَقْبِضْ بِذَلِكَ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخَّرَهُ . 28858 - وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ أَنَّهُ لَمَّا سَمَّى لِكُلِّ دِينَارٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ شَيْئًا مَعْلُومًا مَا لَمْ يَنْتَقِضْ إِلَّا صَرْفُ الدِّينَارِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّائِفُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَيُنْتَقَضُ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْتُ . 28859 - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . 28860 - وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ نَسْئًا . 28861 - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبْضِ الصَّرْفِ : 28862 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِذَا لَمْ يَقْبِضِ الْبَعْضَ حَتَّى يَفْتَرِقَا بَطَلَ الْبَيْعُ كُلُّهُ . 28863 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ ، وَيَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ . 28864 - وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّرْفِ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ فِي حِينِ الْعَقْدِ : 28865 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَيْسَتْ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، ثُمَّ يَسْتَقْرِضُ فَيَدْفَعُهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ . 28866 - وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أَشْتَرِي مِنْكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِهَذِهِ الْمِائَةِ الدِّينَارِ . 28867 - وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ قَبْضُهُ لِمَا لَمْ يُعِيِّنُهُ قَرِيبًا مُتَّصِلًا بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ كُلِّهَا مِنْهُ . 28868 - وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ . 28869 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ عَلَى جَوَازِ الصَّرْفِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا دَيْنًا ، وَقَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
( 6 ) بَابُ الْقِرَاضِ فِي الْعُرُوضِ 1365 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا إِلَّا فِي الْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْمُقَارَضَةُ فِي الْعُرُوضِ ، لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ فِي الْعُرُوضِ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ ; إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْضِ : خُذْ هَذَا الْعَرْضَ فَبِعْهُ ، فَمَا خَرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ فَاشْتَرِ بِهِ ، وَبِعْ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ ، فَقَدِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْمَالِ فَضْلًا لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْعِ سِلْعَتِهِ وَمَا يَكْفِيهِ مِنْ مَؤُونَتِهَا ، أَوْ يَقُولَ : اشْتَرِ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ وَبِعْ ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَابْتَعْ لِي مِثْلَ عَرْضِي الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْعَرْضِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَامِلِ فِي زَمَنٍ هُوَ فِيهِ نَافِقٌ كَثِيرُ الثَّمَنِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ الْعَامِلُ حِينَ يَرُدُّهُ وَقَدْ رَخُصَ فَيَشْتَرِيهِ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ قَدْ رَبِحَ نِصْفَ مَا نَقَصَ مِنَ الْعَرْضِ فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ ، أَوْ يَأْخُذُ الْعَرْضَ فِي زَمَانٍ ثَمَنُهُ فِيهِ قَلِيلٌ ، فَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ فِي يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَغْلُو ذَلِكَ الْعَرْضُ وَيَرْتَفِعُ ثَمَنُهُ حِينَ يَرُدُّهُ ، فَيَشْتَرِيهِ بِكُلِّ مَا فِي يَدَيْهِ ، فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ وَعِلَاجُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ . فَإِنْ جُهِلَ ذَلِكَ ، حَتَّى يَمْضِيَ ، نُظِرَ إِلَى قَدْرِ أَجْرِ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ الْقِرَاضُ فِي بَيْعِهِ إِيَّاهُ وَعِلَاجِهِ فَيُعْطَاهُ ثُمَّ يَكُونُ الْمَالُ قِرَاضًا ، مِنْ يَوْمِ نَضَّ الْمَالُ وَاجْتَمَعَ عَيْنًا وَيُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ . 30871 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ لِلْقِرَاضِ بِالْعُرُوضِ بَيَانًا شَافِيًا لَا يُشْكَلُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ . 30872 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَالِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ مَا أَغْنَى عَنْ تَكْرَارِهِ هَاهُنَا . 30873 - وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي أَنَّ الْقِرَاضَ جَائِزٌ بِالْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ . 30874 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاضِ بِالْفُلُوسِ وَبِالنَّقْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 30875 - وَذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ أَجَازَ الْقِرَاضَ بِالْعُرُوضِ ، وَقَدْ بَانَ وَجْهُ قَوْلِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَالِكَ ، وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ يَصِحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ
( 3 ) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ 1362 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا ; إِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ ، ثُمَّ يُقَارِضُهُ بَعْدُ ، أَوْ يُمْسِكُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ بِمَالِهِ ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ ، عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ . 30762 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ فِي كَرَاهَةِ مَا كَرِهَ مِنَ الْقِرَاضِ بِدَيْنٍ عَلَى الْعَامِلِ . 30763 - وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : اقْبِضْ مَالِي عَلَى زَيْدٍ مِنَ الدَّيْنِ ، وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا ، وَهُوَ عِنْدُهُ قِرَاضٌ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ ازْدَادَ عَلَيْهِ فِيمَا كَلَّفَهُ مِنْ قَبْضِهِ . 30764 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِغَرِيمِهِ : اعْمَلْ بِمَالِي عَلَيْكَ مِنَ الْمَالِ قِرَاضًا ; لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَعُودُ أَمَانَةً حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ ، ثُمَّ يَصْرِفَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ ، وَلَا يَبْرَأُ الْغَرِيمُ بِمَا عَلَيْهِ إِلَّا بِإِبْرَائِهِ ، أَوِ الْقَبْضِ مِنْهُ ، أَوِ الْهِبَةِ لَهُ . 30765 - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 30766 - وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ عَمَلَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِمَا عَلَيْهِ قِرَاضًا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ فِي ذَلِكَ . 30767 - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا اشْتَرَى وَبَاعَ ، فَهُوَ لِلْعَامِلِ الْمِدْيَانِ لَهُ رِبْحُهُ وَخَسَارَتُهُ . 30768 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ . 30769 - وَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ دَيْنُهُ عَلَى مَا كَانَ . 30770 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : مَا اشْتَرَى ، وَبَاعَ ، فَهُوَ لِلْآمِرِ رَبِّ الدَّيْنِ وَلِلْغَرِيمِ الْمُضَارِبِ أَجْرُهُ . 30771 - وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ . 30772 - وَأَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي الْمَدِينِ يَأْمُرُهُ رَبُّ الدَّيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فِيهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ دَيْنِهِ إِذَا اشْتَرَاهُ لَهُ ، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ إِنَّهُ لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقْبِضَ الْآمِرُ الشَّيْءَ الْمُشْتَرَى . 30773 - وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّ ، إِذَا قَالَ لَهُ اقْبِضْ مَالِي عَلَى فُلَانٍ ، وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا أَنْ يَكُونَ لَهُ قِرَاضًا إِذَا قَبَضَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ قَبْضَ الْمَالِ شَرْطًا فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَإِنَّمَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِهِ ، فَإِذَا حَصَلَ بِيَدِهِ كَانَ مُضَارَبَةً . 30774 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ فِي الَّذِي لَهُ الْوَدِيعَةُ يَقُولُ لِلَّذِي هِيَ عِنْدَهُ : اعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا ، فَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَلَمْ يُجِزْهُ . 30775 - وَكَرِهَهُ أَشْهَبُ ، وَأَجَازَهُ إِذَا وَقَعَ . 30776 - وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَا بَأْسَ بِهِ . 30777 - وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ كُلُّهَا .
30778 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَهَلَكَ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ، ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ بَقِيَّةَ الْمَالِ بَعْدَ الَّذِي هَلَكَ مِنْهُ ، قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ رِبْحِهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى شَرْطِهِمَا مِنَ الْقِرَاضِ . 30779 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ فَكَذَلِكَ أَلْزَمَهُ أَنْ يَجْبُرَ رَأْسَ الْمَالِ . 30780 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ قَوْلَهُ ، وَصَحَّ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ رَأْسُ الْمَالِ إِلَّا الَّذِي بَقِيَ بَعْدَ الْبَاقِي . 30781 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ الْعَامِلِ يَخْسَرُ فِي الْمَالِ ، ثُمَّ يَجْبُرُ رَبَّهُ ، فَيُصَدِّقُهُ ، وَيَقُولُ لَهُ : خُذْ مَا بَقِيَ عِنْدَكَ مَالًا قِرَاضًا ، وَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ ، فَيَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَرْبَحُ . 30782 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَيْسَ قَوْلُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُفَاضِلَهُ ، وَيَقْبِضَ مِنْهُ مَالَهُ وَيَنْقَطِعَ الْقِرَاضُ الْأَوَّلُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ قِرَاضًا ثَانِيًا ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ ، وَيَجْبُرُ الْخَسَارَةَ مِنَ الرِّبْحِ . 30783 - قَالَ : وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ . 30784 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ : عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ مَا ذَكَرَ وَمَا رَضِيَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ . 30785 - وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَشْهَبَ كَانَ يَقُولُ الَّذِي أَسْقَطَ عَنْهُ سَاقِطٌ ، وَالْبَاقِي هُوَ رَأْسُ الْمَالِ . 30786 - قَالَ عِيسَى : وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . 30687 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَسْأَلَةُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْمُوَطَّأِ أَوْلَى بِهَذَا الْجَوَابِ . 30788 - وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ
30789 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إِلَّا فِي الْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ . 30790 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ الْمَالِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْقِرَاضُ : 30791 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مَا ذَكَرْنَاهُ . 30792 - وَزَادَ فِي غَيْرِهِ : وَلَا بِالْفُلُوسِ . 30793 - وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ كَقَوْلِ اللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . 30794 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالْعُرُوضِ . 30795 - وَقَالَ : إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ ، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ ، فَبَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، أَوْ أَعْطَاهُ دَارًا بَيْنَهُمَا ، وَيُؤَاجِرُهَا عَلَى أَنَّ أَجْرَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ جَازَ ، وَالْأَجْرُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ . 30796 - قَالَ : وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةِ . 30797 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالْفُلُوسِ ، كَالنَّفَقَةِ بِالدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ . 30798 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِرَاضُ بِالْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُؤْخَذَ الرِّبْحُ إِلَّا بَعْدَ حُصُورِ رَأْسِ الْمَالِ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْعُرُوضُ تَخْتَلِفُ قِيَامُهَا وَأَثْمَانُهَا عَادَ الْقِرَاضُ إِلَى جَهْلِ رَأْسِ الْمَالِ ، وَإِلَى جَهْلِ الرِّبْحِ أَيْضًا ، فَفَسَدَ الْقِرَاضُ عَلَى ذَلِكَ . 30799 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ أَنْ يَقُولَ : بِعْ عَبْدَكَ الَّذِي لَكَ أَنْ تَبِيعَهُ بِهِ ثَمَنًا لِسَعْيِ هَذِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولَ : اشْتَرِ لِي بِدَرَاهِمِكَ هَذِهِ عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، فَكَذَلِكَ جَازَ الْقِرَاضُ بِالْعَيْنِ ، وَلَمْ يَجُزْ بِالْعُرُوضِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30800 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاضِ بِنَقْدِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ : 30801 - فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالنَّقْدِ مِنَ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ; لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ تَقَارَضُوا قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الذَّهَبُ ، وَالْفِضَّةُ . 30802 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْتُ أَنَّ مَالِكًا يُسَهِّلُ فِي الْقِرَاضِ بِنَقْدِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَلَا يُجَوِّزُ الْقِرَاضَ بِالْمَصُوغِ . 30803 - وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا كَرَاهِيَةَ الْقِرَاضِ بِنَقْدِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَيُجِيزُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَالْعُتْبِيَّةِ . 30804 - وَزَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْسَخْ ، وَبَعْدُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنَ الرِّبْحِ . 30805 - وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالنَّقْدِ ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا ثَمَنًا قَبْلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . 30806 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ . 30807 - وَرَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يُجِيزُ فِيهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِبَلَدٍ لَا يُجْزِئُ ذَلِكَ فِيهِ ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَإِذَا تَفَاضَلَا رَدَّ مِثْلَ وَزْنِ ذَلِكَ فِي طَيِّبِهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ . 30808 - وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ فِي الْقِرَاضِ بِالْفُلُوسِ : فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ ، وَلَمْ يُجِزْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ إِلَى الْفَسَادِ وَالْكَسَادِ .
30809 - مَسْأَلَةٌ : وَقَعَتْ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّإِ : قَالَ مَالِكُ : وَمِنَ الْبُيُوعِ مَا يَجُوزُ إِذَا تَفَاوَتَ أَمْرُهُ وَتَفَاحَشَ رَدُّهُ . فَأَمَّا الرِّبَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا الرَّدُّ أَبَدًا ، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ 30810 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ ، وَصَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، فَمَنْ قَادَهُ ، وَلَمْ يَضْطَرِبْ فِيهِ ، فَهُوَ الْخَيِّرُ الْفَقِيهُ ، وَمَا التَّوْفِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .
( 15 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ 1375 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ : بِعْهَا ، وَقَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ : لَا أَرَى وَجْهَ بَيْعٍ ، فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ : لَا يُنْظَرُ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُسْألُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ ، فَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ بَيْعٍ ، بِيعَتْ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ انْتِظَارٍ ، انْتُظِرَ بِهَا . 30978 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، فَقَالُوا : تُبَاعُ فِي الْوَقْتِ ; لِأَنَّ حِصَّةَ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ كَحِصَّةِ الْعَامِلِ ، فَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْقَضَ الْقِرَاضَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِقْدٍ لَازِمٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا . 30979 - وَقَدْ خَالَفَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْعَامِلِ بِالْقِرَاضِ يَبِيعُ السِّلَعَ بِدَيْنٍ ، ثُمَّ يَأْبَى مَنْ تَقَاضَى الثَّمَنَ ، وَيُسَلِّمُ ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ ، وَيَرْضَى بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ . 30980 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ يَمُوُتُ وَيُسَلِّمُ وَرَثَتَهُ الْمَالَ إِلَى رَبِّهِ يَتَقَاضَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنَ الرِّبْحِ . 30981 - وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْوَجْهَ الَّذِي كَرِهَهُ .
31001 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ إِذَا تَفَاصَلَا فَبَقِيَ بِيَدِ الْعَامِلِ مِنَ الْمَتَاعِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ خَلَقُ الْقِرْبَةِ أَوْ خَلَقُ الثَّوْبِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَافِهًا ، لَا خَطْبَ لَهُ ، فَهُوَ لِلْعَامِلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا أَفْتَى بَرَدِّ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ ثَمَنٌ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَهُ اسْمٌ ، مِثْلُ الدَّابَّةِ أَوِ الْجَمَلِ أَوِ الشَّاذَكُونَةِ ، أَوْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَنٌ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا . إِلَّا أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبَهُ مِنْ ذَلِكَ . 31002 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُبَّةِ تَفْضُلُ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ يُعَامِلُهُ رَدُّ الْمَالِ هَلْ يُنْزَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِثْلُ هَذَا مِنْهُ . 31003 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : مَا كَانَ لَهُ بَالٌ أُخِذَ مِنْهُ ، وَحُسِبَ فِي الْمَالِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَالٌ ، مِثْلُ الْحَبْلِ وَالْقِرْبَةَ ، وَالشَّيْءِ الْخَفِيفِ ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ . 31004 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ اللَّيْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ قَالَ : لَا يَرُدُّ خَلَقًا تَافِهًا مِنَ الثِّيَابِ ، وَلَا مِنَ الْأَسْقِيَةِ ، وَلَا الْحَبْلِ ، وَشِبْهِهِ . 31005 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، فَقَالُوا : يُرَدُّ قَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ . 31006 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : يَا عَائِشَةَ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا .
30997 - قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا ، فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً ثُمَّ ذَهَبَ لِيَدْفَعَ إِلَى رَبِّ السِّلْعَةِ المِائَةَ دِينَارٍ ، فَوَجَدَهَا قَدْ سُرِقَتْ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : بِعِ السِّلْعَةَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ . كَانَ لِي ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ كَانَ عَلَيْكَ ; لِأَنَّكَ أَنْتَ ضَيَّعْتَ . وَقَالَ الْمُقَارِضُ : بَلْ عَلَيْكَ وَفَاءُ حَقِّ هَذَا ، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا بِمَالِكَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي . قَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمُشْتَرِيَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا إِلَى الْبَائِعِ . وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْقِرَاضِ : إِنْ شِئْتَ فَأَدِّ الْمِائَةَ الدِّينَارِ إِلَى الْمُقَارِضِ ، وَالسِّلْعَةُ بَيْنَكُمَا ، وَتَكُونُ قِرَاضًا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمِائَةُ الْأُولَى ، وَإِنْ شِئْتَ فَابْرَأْ مِنَ السِّلْعَةِ ، فَإِنْ دَفَعَ الْمِائَةَ دِينَارٍ إِلَى الْعَامِلِ كَانَتْ قِرَاضًا عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ أَبَى ، كَانَتِ السِّلْعَةُ لِلْعَامِلِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ ثَمَنُهَا . 30998 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقَارِضِ مَالٌ بِيعَتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ ، وَكَانَ الرِّبْحُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَأَدَّى ثَمَنَهَا كَانَتِ السِّلْعَةُ لَهُ إِذَا أَبَى رَبُّ الْمَالِ مِنْ أَدَائِهِ ، وَإِنْ أَدَّى رَبُّ الْمَالِ الثَّمَنَ ، كَانَ الْقِرَاضُ مُسْتَأْنَفًا عَلَى شَرْطِ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ . 30999 - هَذَا كُلُّهُ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ قَالَ : إِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ ، وَجَاءَ لِيَدْفَعَ الثَّمَنَ ، فَوَجَدَ الْمَالَ قَدْ ضَاعَ ، فَلَيْسَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ ، وَالسِّلْعَةُ لِلْمُقَارِضِ . 31000 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : إِذَا اشْتَرَى وَهَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ ، كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ مَا دَفَعَ أَوَّلًا وَآخِرًا ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي أَخَذَهُ قِرَاضًا أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَيَشْتَرِي سِلْعَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَيَهْلَكُ الْمَالُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَهُ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ فِي تِلْكَ الْمُضَارَبَةِ الْعَيْنَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ حَتَّى تَتِمَّ الْأَلْفَانِ ، ثُمَّ الرِّبْحُ .
30987 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَرَبِحَ فِيهِ رِبْحًا ، فَقَالَ الْعَامِلُ : قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لِي الثُّلُثَيْنِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ : قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ الثُّلُثَ ، قَالَ مَالِكٌ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ ، وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَمِينُ ، إِذَا كَانَ مَا قَالَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ . 30988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي ذَلِكَ . 30989 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ اللَّيْثَ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : يُحْمَلَانِ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا . 30990 - وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ مَالِكٍ . 30991 - وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، قَالَ : قَالَ اللَّيْثُ : يُحْمَلَانِ عَلَى قِرَاضِ الْمُسْلِمِينَ لِلنِّصْفِ . 30992 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ الْعَامِلَ إِذَا جَاءَ بِمَا يُسْتَنْكَرُ لَمْ يُصَدَّقْ ، وَرُدَّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ . 30993 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 30994 - وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ إِذَا جَاءَ بِمَا يُشْبِهُ أَنْ يَتَقَارَضَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ إِذَا جَاءَ بِمَا يُسْتَنْكَرُ ، وَبِمَا لَا يَسْتَنْكَرُ . 30995 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : إِذَا رَبِحَ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ ، وَقَالَ الْعَامِلُ : شَرَطْتُ لَكَ الثُّلُثَيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ . 30996 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ ، وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ .
30985 - قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ قَالَ : رَبِحْتُ فِي الْمَالِ كَذَا وَكَذَا ، فَسَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ ، فَقَالَ : مَا رَبِحْتُ فِيهِ شَيْئًا ، وَمَا قُلْتُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنْ تُقِرَّهُ فِي يَدِي : فَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ ، وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ وَصِدْقُهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ . 30986 - وَهَذَا أَيْضًا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الرُّجُوعَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لَا يَنْفَعُ الرَّاجِعَ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ فِي أَمْوَالِ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهَا .
30982 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَعَمِلَ فِيهِ ، ثُمَّ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ عَنْ مَالِهِ ، فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي وَافِرٌ ، فَلَمَّا آخَذَهُ بِهِ ، قَالَ : قَدْ هَلَكَ عِنْدِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا ، لِمَالٍ يُسَمِّيهِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ ذَلِكَ لِكَيْ تَتْرُكَهُ عِنْدِي ، قَالَ : لَا يَنْتَفِعُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ ، وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي هَلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ . فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ ، أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِنْكَارُهُ . 30983 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . 30984 - وَأَمَّا لَوْ قَالَ : هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَانَ مُصَدَّقًا عِنْدَ الْجَمِيعِ ، إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبَهُ .
( 7 ) بَابُ الْكِرَاءِ فِي الْقِرَاضِ 1366 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا ، فَحَمَلَهُ إِلَى بَلَدِ التِّجَارَةِ ، فَبَارَ عَلَيْهِ ، وَخَافَ النُّقْصَانَ إِنْ بَاعَهُ ، فَتَكَارَى عَلَيْهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَبَاعَ بِنُقْصَانٍ ، فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ أَصْلَ الْمَالِ كُلِّهِ . قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ وَفَاءٌ لِلْكِرَاءِ ، فَسَبِيلُهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الْكِرَاءِ شَيْءٌ ، بَعْدَ أَصْلِ الْمَالِ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتِّجَارَةِ فِي مَالِهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَالِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُتْبَعُ بِهِ رَبُّ الْمَالِ ، لَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي قَارَضَهُ فِيهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ . 30876 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَسْتُ أَعْلَمُ فِيمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ خِلَافًا ، وَهُوَ أَصْلٌ وَإِجْمَاعٌ . 30877 - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْعَامِلِ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا ، ثُمَّ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ مَنْ كِرَاءٍ ، أَوْ صِبْغٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْكِرَاءِ ، وَلَا رِبْحَ فِيهِ . 30878 - هَذَا قَوْلُهُ ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ . 30879 - وَأَمَّا الصِّبْغُ ، فَرَبُّ الْمَالِ يُخَيَّرُ عِنْدَهُمْ إِنْ شَاءَ وَزْنَ مَا أُصْبِغَ بِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقِرَاضِ ، وَإِنْ شَاءَ كَانَ شَرِيكًا وَلَهُ رِبْحُهُ . 30880 - وَقَاسَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إِذَا زَادَ فِي السِّلْعَةِ إِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَالِ عُوِّضَ ، وَإِلَّا فَهُوَ شَرِيكٌ . 30881 - وَفِي " الْمُدَوَّنَةِ " قَالَ سَحْنُونٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فَإِنْ شَاءَ ضَمِنَهُ ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ إِلَيْهِ قِيمَةَ الصِّبْغِ ، وَإِنْ شَاءَ كَانَ مَعَهُ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الصِّبْغِ ، فَإِنَّ دَفَعَ إِلَيْهِ قِيمَةَ الصِّبْغِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقِرَاضِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قِرَاضٌ ثَانٍ ، وَلَا يُشْبِهُ الَّذِي يُرِيدُ عِنْدَهُ مَالًا قِرَاضًا ، فَيُرْضِيَ بِهِ رَبَّ الْمَالِ بِأَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهَذَا فِي صَفْقَتَيْنِ . 30882 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ دَيْنًا فِيهِ . 30883 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنِ اسْتَدَانَ الْعَامِلُ لَمْ يَلْزَمِ الْمَالَ ، وَلَا رَبَّ الْمَالِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ ادَّانَ . 30884 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا اسْتَدَانَ الْعَامِلُ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا وَجَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْمَالِ ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا . 30885 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ هَذَا .
30836 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَصْلُحُ لِمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالَا قِرَاضًا ، أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ ، إِذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ ، فَقَدِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ ، فَضْلًا مِنَ الرِّبْحِ ثَابِتًا ، فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ حِصَّةِ الزَّكَاةِ ، الَّتِي تُصِيبُهُ مِنْ حِصَّتِهِ . 30837 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ مَجْهُولَةً ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنْ يَكُونُ الْمَالُ فِي حِينِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَتْوَى كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِالْخَسَارَةِ ، أَوْ آفَاتِ الدَّهْرِ . 30838 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : جَائِزٌ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الرِّبْحِ ; لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى نَصِيبٍ مَعْرُوفٍ . 30839 - وَفِي الْأَسَدِيَّةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةَ الرِّبْحِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ زَكَاةَ الْمَالِ . 30840 - وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ . 30841 - وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْأُجَرَاءِ . 30842 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا فِي زَكَاةِ الرِّبْحِ ، لَا فِي زَكَاةِ الْمَالِ .
30865 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقَارِضُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَامًا يُعِينُهُ بِهِ ، عَلَى أَنْ يَقُومَ مَعَهُ الْغُلَامُ فِي الْمَالِ ، إِذَا لَمْ يَعْدُ أَنْ يُعِينَهُ فِي الْمَالِ ، لَا يُعِينُهُ فِي غَيْرِهِ . 30866 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْطِ الْمُقَارِضِ عَمَلَ عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ لِذَلِكَ نَصِيبًا مِنَ الرِّبْحِ مِنْ أَجْلِ عَمَلِهِ أَوْ يَسْتَحِقُّهُ سَيِّدُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي الْقِرَاضِ . 30867 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ يَشْتَرِطُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الْغُلَامَ ، وَالدَّابَّةَ : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْقِرَاضِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي الْمُسَاقَاةِ . 30868 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْقِرَاضِ ، وَلَا فِي الْمُسَاقَاةِ . 30869 - وَهُوَ الصَّوَابُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا الْعَامِلُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ . 30870 - وَقَدْ مَضَى مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ غَيْرِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَعِلَّتُهُمْ أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتْ دِرْهَمًا رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ سِوَاهَا فَصَارَ ذَلِكَ إِلَى الْمَجْهُولِ وَالْغَرَرِ .
30860 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُوَطَّإِ . فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ الضَّمَانَ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي مَالِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ ، وَمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، فَإِنْ نَمَا الْمَالُ عَلَى شَرْطِ الضَّمَانِ ، كَانَ قَدِ ازْدَادَ فِي حَقِّهِ فِي الرِّبْحِ مِنْ أَجْلِ مَوْضِعِ الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ ، وَإِنْ تَلَفَ الْمَالُ لَمْ أَرَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ ضَمَانًا ; لِأَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الْقِرَاضِ بَاطِلٌ . 30861 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا فِي الْقِرَاضِ أَنَّ الْبَرَاءَ فِي الْمَالِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ، وَأَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا وَمَا خَالَفَ السُّنَّةَ ، فَمَرْدُودٌ إِلَيْهَا . 30862 - قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَّةِ .
30843 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ قَارَضَهُ ، أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ ، لِرَجُلٍ يُسَمِّيهِ ، فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِأَجْرٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ . 30844 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 30845 - وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ أَنَّ الْعَامِلَ إِذَا عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ رُدَّ إِلَى أَجْرِ مِثْلِهِ . 30846 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَا يُرَدُّ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ إِلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ ، وَمَا يُرَدُّ مِنْهُ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ : 30847 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كُلُّ مَا دَخَلَهُ التَّزَيُّدُ ، وَالتَّحْجِيرُ ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يُرَدُّ فِيهِ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ ، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَجِيرًا ، حَاشَا مَسْأَلَتَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا خَرَجَتَا عَنْ أَصْلِهِ : 30848 - ( إِحْدَاهُمَا ) : الْعَامِلُ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَالِ الْقِرَاضِ ، فَقَالَ : يُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . 30849 - ( وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) : إِذَا ضَرَبَ أَجَلًا ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ ، وَسَائِرُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ خَاصَّةً يَكُونُ أَجِيرًا ، وَمَا عَدَا التَّزَيُّدَ وَالتَّحْجِيرَ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ . 30850 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُمَا قَالَا : يُرَدُّ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ كُلِّهِ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ . 30851 - قَالَ : وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : الْقِرَاضُ الْفَاسِدُ كُلُّهُ يُرَدُّ الْعَامِلُ فِيهِ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ . 30852 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ ، أَنَّهُ يُرَدُّ الْعَامِلُ فِيهِ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ ، وَالْمَالُ كُلُّهُ وَرِبْحُهُ لِرَبِّ الْمَالِ . 30853 - وَذَكَرَ ابْنُ خُوَازِ بِنْدَاذُ ، قَالَ : الْأَصْلُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ ، أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ إِلَّا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ مِثْلَ الْقِرَاضِ عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ مِنَ الرِّبْحِ ، وَالْقِرَاضِ إِلَى مُدَّةٍ ، وَالْقِرَاضِ بِعَرَضٍ ، وَالْقِرَاضِ عَلَى الضَّمَانِ ، قَالَ : وَأَظُنُّ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْتِحْسَانًا وَالْأَصْلُ فِيهِ الرَّدُّ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ . 30854 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقِرَاضِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ عَلَى الْعَامِلِ ضَمَانُ الْمَالِ ، فَمَرَّةً قَالَ : يُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ ، وَمَرَّةً قَالَ : يُرَدُّ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ . 30855 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 30856 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ . 30857 - وَأَمَّا الْقِرَاضُ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ ، وَقَالُوا : الْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ إِلَّا أَنْ يَتَفَاسَخَا . 30858 - وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : إِنْ وَقَعَتْ رُدَّتْ إِلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ . 30859 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ أَخَذَ الْمَالَ قِرَاضًا إِلَى أَجَلٍ فُسِخَ الْقِرَاضُ ، فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ رُدَّ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ .
30863 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَاعَ بِهِ إِلَّا نَخْلًا أَوْ دَوَابَّ ، لِأَجْلِ أَنَّهُ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ أَوْ نَسْلَ الدَّوَابِّ وَيَحْبِسُ رِقَابَهَا ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ هَذَا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِرَاضِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبِيعَهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنَ السِّلَعِ . 30864 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ بَابٌ مَخْصُوصٌ خَارِجٌ عَنِ الْإِجَارَاتِ ، وَالْبُيُوعِ ، فَلَا يُتَجَاوَزُ بِهِ سُنَّتُهُ ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، كَمَا لَا يُقَاسُ عَلَى الْعَرَايَا غَيْرُهَا ; لِأَنَّهَا سُنَّةٌ وَرُخْصَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الْمُزَابَنَةِ خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِهَا ، فَلَا تَقَعُ وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهَا ، فَإِنِ اشْتَرَى النَّخْلَ لِلثَّمَرِ لَا لِلْبَيْعِ ، وَالدَّوَابَّ لِلنَّسْلِ لَا لِلْبَيْعِ ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ، وَكَانَ لَهُ فِيمَا اشْتَرَاهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَكَانَ الدَّوَابُّ وَالنَّحلُ لِرَبِّ الْمَالِ .
30830 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لِلَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ سِنِينَ لَا يُنْزَعُ مِنْهُ ، قَالَ : وَلَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّكَ لَا تَرُدُّهُ إِلَى سِنِينَ ، لِأَجَلٍ يُسَمِّيَانِهِ ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَكُونُ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَكِنْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ إِلَى الَّذِي يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ ، فَإِنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا ، تَرَكَهُ ، وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ ، وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْبِضَهُ ، بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، حَتَّى يُبَاعَ الْمَتَاعُ وَيَصِيرَ عَيْنًا ، فَإِنْ بَدَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّهُ ، وَهُوَ عَرَضٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ، حَتَّى يَبِيعَهُ ، فَيَرُدَّهُ عَيْنًا كَمَا أَخَذَهُ . 30831 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْقِرَاضُ إِلَى أَجَلٍ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، لَا إِلَى سَنَةٍ ، وَلَا إِلَى سِنِينَ مَعْلُومَةٍ ، وَلَا إِلَى أَجَلٍ مِنَ الْآجَالِ ، فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ مَا لَمْ يَشْرَعِ الْعَامِلُ فِي الشِّرَاءِ بِالْمَالِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَضَى وَرُدَّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ ، عِنْدَ مَالِكٍ . 30832 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَيُرَدُّ عِنْدَهُ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ قِرَاضٍ فَاسِدٍ . 30833 - هَذَا قَوْلُهُ ، وَقَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ . 30834 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ إِلَى أَجَلٍ أَنَّهَا جَائِزَةٌ إِلَّا أَنْ يَتَفَاسَخَا . 30835 - وَأجْمَعُوا أَنَّ الْقِرَاضَ لَيْسَ عَقْدًا لَازِمًا ، وَأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبْدُوَ لَهُ فِيهِ ، وَيَفْسَخَهُ مَا لَمْ يَشْرَعِ الْعَامِلُ فِي الْعَمَلِ بِهِ بِالْمَالِ ، وَيَشْتَرِي بِهِ مَتَاعًا ، أَوْ سِلَعًا ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى يَعُودَ الْمَالُ نَاضًّا عَيْنًا ، كَمَا أَخَذَهُ .
( 5 ) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ 1364 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ الْعَامِلِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَكُونُ مَعَ الْقِرَاضِ بَيْعٌ ، وَلَا كِرَاءٌ ، وَلَا عَمَلٌ ، وَلَا سَلَفٌ ، وَلَا مِرْفَقٌ ، يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُعِينَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ ، عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً ، مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، قَالَ : فَإِنْ دَخَلَ الْقِرَاضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، صَارَ إِجَارَةً ، وَلَا تَصْلُحُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي أَخَذَ الْمَالَ أَنْ يَشْتَرِطَ ، مَعَ أَخْذِهِ الْمَالَ أَنْ يُكَافَأَ ، وَلَا يُوَلِّيَ مِنْ سِلْعَتِهِ أَحَدًا ، وَلَا يَتَوَلَّى مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَإِذَا وَفَرَ الْمَالُ ، وَحَصَلَ عَزْلُ رَأْسِ الْمَالِ ، ثُمَّ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ رِبْحٌ ، أَوْ دَخَلَتْهُ وَضِيعَةٌ لَمْ يَلْحَقِ الْعَامِلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، لَا مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا مِنَ الْوَضِيعَةِ ، وَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ ، وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ عَلَى مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ ، مِنْ نِصْفِ الرِّبْحِ ، أَوْ ثُلُثِهِ ، أَوْ رُبُعِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ . 30822 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ وَاضِحًا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِ الْقِرَاضِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، أَوْ فِيمَا قَبْلَهُ . 30823 - وَلَا يَجُوزُ مِنَ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ . 30824 - فَمِنْهَا : أَنْ يَزْدَادَ أَحَدُ الْمُتَقَارِضَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً عَلَى الْحِصَّةِ الَّتِي تَعَامَلَا عَلَيْهَا مِنَ الرِّبْحِ عَلَى مَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ . 30825 - وَمِنْهَا : أَنْ يُعْطِيَهُ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى الضَّمَانِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ إِلَى أَجَلٍ أَوْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ عَلَى قِرَاضٍ مِنْهُ ، أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَشْتَرِي إِلَّا مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ مِنْ مَتَاعِ فُلَانٍ ، أَوْ مِنْ عَمَلِ فُلَانٍ ، أَوْ عَلَى أَلَّا يَتَحَرَّى إِلَّا فِي حَانُوتٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِي الْأَغْلَبِ تُخَلَّفُ فِي شِتَاءٍ ، أَوْ فِي صَيْفٍ ، أَوْ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ سَلَفًا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ سِلْعَةً ، أَوْ يَهَبَ لَهُ هِبَةً ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُنْفِقَ مِنْهُ إِنْ سَافَرَ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ نِصْفَ النَّفَقَةِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ ، وَلَا يَكْتَسِيَ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكْتَسِيَ وَيُنْفِقَ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى النِّصْفِ ، وَالْآخَرُ عَلَى الثُّلُثِ ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَخْلِطَهُمَا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ حَافِظًا يَحْفَظُ عَلَيْهِ ، أَوْ غُلَامًا ، أَوْ وَلَدًا يُعْلِمُهُ لَهُ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِطَ زَكَاةَ الرِّبْحِ فِي الْمَالِ ، وَزَكَاةَ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ بِالْمَالِ دَوَابَّ يَطْلُبُ نَسْلَهَا ، أَوْ شَجَرًا يَطْلُبُ ثَمَرَتَهَا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ سِلْعَةً يَخْرُجُ بِهَا إِلَى بَلَدٍ يَبِيعُهَا بِهِ ، أَوْ يَقْدَمُ بِهَا مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي ابْتَاعَهَا فِيهِ . 30826 - وَمِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ مَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 30827 - وَمِنْهَا مَا يُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ إِنْ وَقَعَ . 30828 - وَمِنْهَا مَا يُرَدُّ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ . 30829 - نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِنَا مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ :
30974 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَتَجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ ، ثُمَّ عَزَلَ رَأْسَ الْمَالِ وَقَسَمَ الرِّبْحَ ، فَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَطَرَحَ حِصَّةَ صَاحِبِ الْمَالِ فِي الْمَالِ ، بِحَضْرَةِ شُهَدَاءَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ : لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الرِّبْحِ إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ . وَإِنْ كَانَ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا . 30975 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكَلَامُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقَاسِمًا لِنَفْسِهِ ، وَلَا حَاكِمًا فِي أَخْذِ حِصَّتِهِ بِمَحْضَرِ شُهُودٍ ، وَبِغَيْرِ شُهُودٍ يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
30976 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَعَمِلَ فِيهِ فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ : هَذِهِ حِصَّتُكَ مِنَ الرِّبْحِ ، وَقَدْ أَخَذْتُ لِنَفْسِي مِثْلَهُ ، وَرَأْسُ مَالِكَ وَافِرٌ عِنْدِي . قَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ . حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ كُلُّهُ ، فَيُحَاسِبَهُ حَتَّى يَحْصُلَ رَأْسُ الْمَالِ ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ وَافِرٌ ، وَيَصِلَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا . ثُمَّ يَرُدُّ إِلَيْهِ الْمَالَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَحْبِسُهُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ حُضُورُ الْمَالِ ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ قَدْ نَقَصَ فِيهِ ، فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُ ، وَأَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ . 30977 - وَقَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجْهَ قَوْلِهِ وَاعْتِلَالِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا اعْتَلَّ بِهِ غَيْرُهُ وَجْهٌ أَيْضًا ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 14 ) بَابُ الْمُحَاسَبَةِ فِي الْقِرَاضِ 1374 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ ، وَصَاحِبُ الْمَالِ غَائِبٌ ، قَالَ : لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى يُحْسَبَ مَعَ الْمَالِ إِذَا اقْتَسَمَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَتَحَاسَبَا وَيَتَفَاصَلَا ، وَالْمَالُ غَائِبٌ عَنْهُمَا ، حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ فَيَسْتَوْفِي صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا . 30966 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَصْلُ فِي الْقِرَاضِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ فِيهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ رِبْحِهِ إِلَّا بَعْدَ حُضُورِ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ صَاحِبِهِ ، أَوْ بِحَضْرَتِهِ . 30967 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مُقَاسِمًا لِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا أَحْرَى عَنْهَا ، وَمُعْطِيًا لَهَا . 30968 - وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ وَصِيًّا مَا جَازَ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَ نَفْسَهُ عَنْ أَيْتَامِهِ ، وَإِنَّمَا يُقَاسِمُهُ عَنْهُمْ وَكِيلُ الْحَاكِمِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ ، أَوْ حُضُورِهِ لِنَفْسِهِ ، وَحُضُورِ مَالِ الْقِرَاضِ عِنْدَ قِسْمَةِ الرِّبْحِ ; لِمَا وَصَفْنَا ، وَلِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا . 30969 - فَإِنْ أَخَذَ الْمُقَارِضُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ . 30970 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ وَقَالَ : رَجَوْتُ السَّلَامَةَ ، وَالْعَامِلُ مُصَدَّقٌ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنَ الضَّيَاعِ . 30971 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ ، وَمَالُ الْمُضَارَبَةِ بِيَدِ الْمُضَارِبِ عَلَى حَالِهِ ، فَضَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ قِسْمَتَهَا بَاطِلٌ ، وَمَا أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ مَحْسُوبٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَمَا أَخَذَهُ الْمُضَارِبُ يَرُدُّهُ .
30972 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَطَلَبَهُ غُرَمَاؤُهُ ، فَأَدْرَكُوهُ بِبَلَدٍ غَائِبٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَفِي يَدَيْهِ عَرْضٌ مُرَبِّحٌ بَيِّنٌ فَضْلُهُ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُبَاعَ لَهُمُ الْعَرْضُ فَيَأْخُذُوا حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ ، قَالَ : لَا يُؤْخَذُ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ ، حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَيَأْخُذَ مَالَهُ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا . 30973 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا .
( 8 ) بَابُ التَّعَدِّي فِي الْقِرَاضِ 1367 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رِبْحِ الْمَالِ أَوْ مِنْ جُمْلَتِهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، ثُمَّ نَقَصَ الْمَالُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، أُخِذَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْ مَالِهِ ، فَيُجْبَرُ بِهِ الْمَالُ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءِ الْمَالِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ بِيعَتِ الْجَارِيَةُ حَتَّى يُجْبَرَ الْمَالُ مِنْ ثَمَنِهَا . 30886 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى مَا فِي " الْمُوَطَّأِ " ، لَمْ يَعْتَبِرْ فَضْلَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ يَوْمَ وَطِئَهَا ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ قِيمَتَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَفَّى بِهِ الْمَالُ رَأْسَ مَالِهِ . 30887 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، وَقَالَ : أَقِفُ فِيهِ . 30888 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ رِبْحٌ فِي الْمَالِ ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الزَّانِي ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا رِبْحٌ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا ، فَإِنْ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ ، وَدُفِعَتْ إِلَيْهِ ، وَرَدَّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مَا قَارَضَهُ فِيهِ . 30889 - وَقَالَ اللَّيْثُ : إِذَا ابْتَاعَ جَارِيَتَيْنِ ، فَأَعْتَقَ إِحْدَاهُمَا ، وَأَحْبَلَ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُمَا يُنْتَزَعَانِ مِنْهُ جَمِيعًا وَيَكُونُ الْوَلَدُ لِأَبِيهِ بِقِيمَتِهِ ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِرَاضِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، أَوْ مِثْلَهُ . 30890 - وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ كَانَ عَلَيْهِ صَدَاقُهَا ; لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ بِالشُّبْهَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا مَلِكًا صَحِيحًا ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الرِّبْحِ شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ رَأْسِ الْمَالِ نَاضًّا كَمَا أَخَذَهُ ، وَتُبَاعُ الْجَارِيَةُ فِي الْقِرَاضِ إِنْ لَمْ تَحْمِلْ ، فَإِنْ حَمَلَتْ ضَمِنَهَا ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا جَعَلَ قِيمَتَهَا فِي الْقِرَاضِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَتْ ; لِأَنَّهَا مَالُ غَيْرِهِ أَرَادَ اسْتِهْلَاكَهُ ، وَلَا مَالَ لَهُ . 30891 - هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ عِنْدِي ، وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ فِي الْقِرَاضِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ : وَلَوِ اشْتَرَى الْعَامِلُ أَبَاهُ بِمَالِ رَبِّ الْمَالِ ، فَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَنِضَّ ، وَهُوَ لَا يَنِضُّ إِلَّا وَقَدْ بَاعَ أَبَاهُ . 30892 - قَالَ : وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ نَضًّا ، كَانَ شَرِيكًا ، وَكَانَ لَهُ النَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ ; لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا زَائِدًا مَلَكَهُ نَاقِصًا . 30893 - وَلَيْسَ هَذَا سُنَّةَ الْقِرَاضِ ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرِيكٍ فِي نَمَاءٍ ، وَلَا نُقْصَانٍ ، وَإِنَّمَا لَهُ إِذَا حَصَلَ رَأْسُ الْمَالِ حِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ حِينَئِذٍ وَلَهُ فِي الزَّكَاةِ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ قَوْلَانِ ، هَذَا أَظْهَرُهُمَا فِي مَذْهَبِهِ . 30894 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ : إِنَّ الْعَامِلَ لَوِ اشْتَرَى بِالْمَالِ عَبْدًا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَتْقُهُ ، وَلَا يَقُومَنَّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا . 30895 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْمُضَارِبَ لَوِ اشْتَرَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدًا فِيهِ فَضْلٌ ، أَوِ اشْتَرَاهُ وَلَا فَضْلَ فِيهِ ، ثُمَّ صَارَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ الْمُضَارِبُ مَالِكًا لِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ مَا كَانَ الْفَضْلُ مَوْجُودًا . 30896 - قَالُوا : وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُضَارِبُ الْعَبْدَ ، وَفِيهِ فَضْلٌ جَازَ عِتْقُهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَعَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَفِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ : إِذَا وَطِئَ الْعَامِلُ جَارِيَةً فِي مَالِ الْقِرَاضِ ، وَفِيهِ فَضْلٌ كَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْجَارِيَةِ ، يَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ فَضْلٌ ، لَا حِينَ الشِّرَاءِ ، وَلَا حِينَ الْوَطْءِ ، فَهُوَ كَمَنْ وَطِئَ مَالَ غَيْرِهِ . 30897 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : إِذَا وَطِئَ الْعَامِلُ جَارِيَةً مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَحَمَلَتْ ، فَإِنْ كَانَ مَلِيئًا غَرِمَ قِيمَتَهَا ، وَكَانَتِ الْقِيمَةُ قِرَاضًا ، وَصَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ ، وَغَيْرِهِمْ . 30898 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ مُعْدِمًا : فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ يُتْبَعُ بِالثَّمَنِ دَيْنًا ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . 30899 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُعْتَدِلٍ ، وَأَرَى أَنْ تُبَاعَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ ، فَيُبَاعُ مِنْهَا بِالْقِيمَةِ ، وَالْبَاقِي يَكُونُ مِنْهَا بِحِسَابِ أُمِّ وَلَدٍ . 30900 - وَرَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ اسْتَسْلَفَ الْمَالَ مِنَ الْقِرَاضِ ، فَاشْتَرَى بِهِ الْجَارِيَةَ ، فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ مَلِيئًا كَانَ أَوْ مُعْدِمًا ، وَأَمَّا إِذَا عَدَا عَلَيْهَا ، وَهِيَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ . 30901 - قَالَ عِيسَى : وَيُتْبَعُ بِثَمَنِ الْوَلَدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ رِبْحٌ ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ يَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا ، وَإِنْ ضَمِنَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ الْوَطْءِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ . 30902 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : إِذَا اسْتَسْلَفَ مِنَ الْمَالِ ، فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ مِنَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ مَنَعَهُ وَقَدْ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْحَمْلِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْحَمْلِ . 30903 - وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَمْلِ إِلَّا بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ الْوَطْءَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ يُرِيدُ بَيْعَ أُمِّ وَلَدِهِ .
30904 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ، وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : صَاحِبُ الْمَالِ بِالْخِيَارِ ، إِنْ بِيعَتِ السِّلْعَةُ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ ، أَوْ لَمْ تُبَعْ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ أَخَذَهَا وَقَضَاهُ مَا أَسْلَفَهُ فِيهَا ، وَإِنْ أَبَى كَانَ الْمُقَارِضُ شَرِيكًا لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ ، بِحِسَابِ مَا زَادَ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ . 30905 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ إِنْ أَقَرَّ رَبُّ الْمَالِ بِالزِّيَادَةِ ، أَوْ أُقِيمَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ . 30906 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَالْعَامِلُ مُصَدَّقٌ عِنْدَهُ أَبَدًا إِذَا جَاءَ بِمَا نَسِيَهُ . 30907 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَ الْقِرَاضَ بِمَالِهِ ، يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا . 30908 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِذَا أَخَذَ مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا ، فَاشْتَرَوْا سِلْعَةً بِمِائَتَيْ دِينَارٍ نَقْدًا الْمِائَةُ مِنْ عِنْدِهِ وَالْمِائَةُ الْقِرَاضُ كَانَ شَرِيكًا فِي السِّلْعَةِ ، وَلَا خِيَارَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمِائَةَ الثَّانِيَةَ ، وَإِنْ كَانَتِ الْمِائَةُ الَّتِي زَادَ أَخَذَهَا سَلَفًا عَلَى الْقِرَاضِ ، فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَجَازَ إِلَيْهِ ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مَا زَادَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ ، وَكَانَ مَعَهُ شَرِيكًا . 30909 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَامِلِ يَخْلِطُ مَالَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ أَنَّهُ ضَامِنٌ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ . 30910 - قَالَ : إِنْ قِيلَ لَهُ : اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ ، فَخَلَطَهُ لَمْ يَضْمَنْ . 30911 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَهُ أَنْ يَخْلِطَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ بِمَالِهِ ، وَبِمَالِ غَيْرِهِ . 30912 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . 30913 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ الْفَاعِلُ أَنْ يَخْلِطَهَا الْفَاعِلُ بِأَلْفٍ لَهُ ، وَلَهُ فِي الرِّبْحِ الثُّلُثَانِ ، فَلَا يَصْلُحُ . 30914 - رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ . 30915 - وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا . 30916 - قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : إِيَّاكَ وَهَذَا التَّخْلِيطَ .
30921 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِمَّا بِيَدَيْهِ مِنَ الْقِرَاضِ مَالًا ، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ رَبِحَ ، فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ ، وَإِنْ نَقَصَ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنُّقْصَانِ . 30922 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَاسْتَسْلَفَ مِنْهُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ الْمَالُ مَالًا ، وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ : إِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ شَرِكَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِهَا ، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكُلِّ مَنْ تَعَدَّى . 30923 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مُتَقَارِبٌ بَلْ هُوَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْعَامِلَ اشْتَرَى بِمَالِ الْقِرَاضِ ، أَوْ بِبَعْضِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ يَتَّجِرُ فِيهَا أَوْ يَقْتَنِيهَا ، فَصَاحِبُ الْمَالِ يُخَيَّرُ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَلَا مُخَالِفَ عَلِمْتُهُ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ قَدْ قَبَضَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قِرَاضًا فَمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِ بِمَا فِيهِ رِبْحٌ ، فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ فِي الْقِرَاضِ ، وَلَا يَضُرُّهُ نِيَّةُ الْعَامِلِ الْفَاسِدَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ لَزِمَهُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لِنَفْسِهِ ، كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَهُ وَتَعَدَّى فِيهِ فَأَفْسَدَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
30917 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ ، فَعَمِلَ فِيهِ قِرَاضًا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ : إِنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ ، إِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ ، وَإِنَّ رَبَحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنَ الرِّبْحِ ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ ، شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ . 30918 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي هَذَا إِلَّا أَنَّ الْمُزَنِيَّ قَالَ : لَيْسَ لِلثَّانِي إِلَّا أَجْرُ مِثْلِهِ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى فَسَادٍ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَصْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ كَالْغَرِيمِ مُجْمَلَةٌ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيهِ ، لَوْ دَفَعَهُ بَعْدَ أَنْ خَسِرَ فِيهِ : 30919 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى آخَرَ ثَمَانِينَ دِينَارًا قِرَاضًا ، فَيَخْسَرُ فِيهَا أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ يَدْفَعُ تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ قِرَاضًا إِلَى غَيْرِهِ ، فَيَعْمَلُ فِيهَا فَتَصِيرُ مِائَةً فِي يَدِ الْعَامِلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَبْدَأُ بِرَبِّ الْمَالِ الْأَوَّلِ ، فَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ ثَمَانِينَ دِينَارًا ، وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ نِصْفَ الرِّبْحِ تَمَامَ التِّسْعِينَ ، وَيَأْخُذُ الْعَامِلُ الثَّانِي الْعَشْرَةَ الْبَاقِيَةَ تَمَامَ الْمِائَةِ ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا قِيمَةِ الثَّلَاثِينَ دِينَارًا ، وَذَلِكَ نِصْفُ مَا رَبِحَ . 30920 - قَالَ سَحْنُونٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ السَّبْعِينَ الْبَاقِيَةَ ، وَيُنْظَرُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ الَّتِي تَلِفَتُ فِي يَدِ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ تَعَدَّى عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهَا كُلِّهَا تَمَامِ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا ذَهَبَتْ بِخَسَارَةٍ بَعْدُ رَجَعَ بِعِشْرِينَ تَمَامِ تِسْعِينَ .
( 4 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ 1363 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالَا قِرَاضًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بِمَالِي إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ يَنْهَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِاسْمِهَا . قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَا قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِي حَيَوَانًا أَوْ سِلْعَةً بِاسْمِهَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَمَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ ، الَّتِي أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ غَيْرَهَا ، كَثِيرَةً مَوْجُودَةً . لَا تُخْلِفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 30811 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ خُصُوصَ التَّصَرُّفِ . 30812 - فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا وَصَفْنَا . 30813 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَهُ ، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ إِلَّا سِلْعَةً وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، أَوْ يَشْتَرِي نَخْلًا ، أَوْ دَوَابًّا ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ فَاسِدٌ . 30814 - وَإِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَشْتَرِيَ صِنْفًا مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ ، وَالصَّيْفِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ . 30815 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الْمُقَارِضِ أَلَّا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ إِلَّا الرَّقِيقَ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ ، وَلَا يَشْتَرِيَ إِلَّا بِالْكُوفَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا شَرَطَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَاوَزَهُ ، فَإِنْ تَعَدَّاهُ ضَمِنَ . 30816 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ وَأَوْسَطُهَا ; لِأَنَّهُ إِذَا قَصَّرَ الْعَامِلُ عَلَى مَا لَا يُوجَدُ إِلَّا نَادِرًا غِبًّا ، فَقَدْ حَالَ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَسَادٌ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ ، وَإِذَا أَطْلَعَهُ عَلَى صِنْفٍ مَوْجُودٍ لَا يَعْدَمُ ، فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ . 30817 - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ سَوَاءٌ . 30818 - وَمَنِ اشْتَرَطَ عِنْدَهُمَا عَلَى الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ أَلَّا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةً بِعَيْنِهَا - يَعْنِي - عَيْنَ صِنْفٍ ، أَوْ أَلَّا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ أَوْ يُوَقِّتَ فِي الْقِرَاضِ وَقْتًا ، وَيَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا ، فَالْقِرَاضُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَاسِدٌ . 30819 - وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
30820 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ ، خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ : فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الرِّبْحِ لَهُ ، وَنِصْفَهُ لِصَاحِبِهِ ، أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَإِذَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، قَلِيَلًا أَوْ كَثِيرًا ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَمَّى مِنْ ذَلِكَ حَلَالٌ ، وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ : وَلَكِنْ إِنِ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، فَمَا فَوْقَهُ ، خَالِصًا لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الرِّبْحِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ . 30821 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَ الْعَامِلُ ، أَوْ رَبُّ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ مَعْلُومًا دِينَارًا ، أَوْ دِرْهَمًا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ الْبَاقِي فِي الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، أَوْ عَلَى ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ النَّصِيبُ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ مَجْهُولًا ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِرَاضِ أَلَّا يَجُوزَ إِلَّا عَلَى نَصِيبٍ مَعْلُومٍ ، وَلَا تُخَالِفَ بِهِ سُنَّةً ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 10 ) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ 1370 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ مَعَهُ مَالُ قِرَاضٍ ، فَهُوَ يَسْتَنْفِقُ مِنْهُ وَيَكْتَسِي : إِنَّهُ لَا يَهَبُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَا يُعْطِي مِنْهُ سَائِلًا وَلَا غَيْرَهُ ، وَلَا يُكَافِئُ فِيهِ أَحَدًا ، فَأَمَّا إِنِ اجْتَمَعَ هُوَ وَقَوُمٌ ، فَجَاءُوا بِطَعَامٍ وَجَاءَ هُوَ بِطَعَامٍ ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا ، إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ، فَإِنْ حَلَّلَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ أَبِي أَنْ يُحَلِّلَهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَهُ مُكَافَأَةٌ . 30934 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْبَابُ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَالْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَالَ الْقِرَاضَ لَمْ يُعْطَهُ الْعَامِلَ لِيَهَبَهُ وَلَا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَا لِيُتْلِفَهُ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَهُ لِيُثْمِرَهُ وَيَطْلُبَ فِيهِ الرِّبْحَ وَالنَّمَاءَ ، وَلَا يُعَرِّضَهُ لِلْهَلَاكِ وَالتَّوَى ، وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .
1397 1360 - مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ; أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ ، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا . 30711 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ هَذَا الْبَابِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُضَارَبَةَ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا مَسْنُونَةٌ قَائِمَةٌ . 30712 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ، وَكَانُوا يُضَارِبُونَ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى . 30713 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ابْتَغَوْا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ، وَقَالَ : لَا تُذْهِبُهَا الزَّكَاةُ . 30714 - وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ . 30715 - وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَلَا مَنْ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ فِيهِ ، وَلَا يَتْرُكْهُ ، فَتَأْكُلَهُ الزَّكَاةُ . 30716 - وَهَذِهِ الْآثَارُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاضِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ - أَئِمَّةِ الْفَتْوَى - عَلَى جَوَازِ الْقِرَاضِ حُجَّةً كَافِيَةً شَافِيَةً - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
32 - كِتَابُ الْقِرَاضِ ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ 30707 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ يُسَمُّونَهُ الْقِرَاضَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ لَا يَقُولُونَ : قِرَاضًا أَلْبَتَّةَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كِتَابُ قِرَاضٍ ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : مُضَارَبَةٌ ، وَكَتَبَ مُضَارَبَةً أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ 30708 - وَفِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ لِعُمَرَ فِي قِصَّتِهِ مَعَ ابْنَتَيْهِ : لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا ، وَلَمْ يَقُولُوا مُضَارَبَةً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لُغَتُهُمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ . 30709 - وَالْقِرَاضُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ . 1396 1359 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ ، فَلَمَّا قَفَلَا مَرًّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ ، فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ ، ثُمَّ قَالَ : بَلَى ، هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأُسْلِفَكُمَاهُ ، فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا ، فَقَالَا : وَدِدْنَا ذَلِكَ فَفَعَلَ ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الْمَالَ ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا ، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ، قَالَ : أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا ؟ قَالَا : لَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا ، أَدِّيَا الْمَالَ وَرَبِحَهُ ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ ، فَسَكَتَ ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا ، لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَدِّيَاهُ ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا ، فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا ، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ . 30710 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُمَا ابْنَاهُ ، وَحَابَاهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِمَا أَعْطَاهُمَا ، فَاجْتَهَدَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَاحْتَاطَ عَلَيْهِمْ كَمَا فَعَلَ بِعُمَّالِهِ إِذَ شَاطَرَهُمْ أَمْوَالَهُمِ احْتِيَاطًا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ .
( 12 ) بَابُ الْبِضَاعَةِ فِي الْقِرَاضِ 1372 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالَا قِرَاضًا ، وَاسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سَلَفَا ، أَوِ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ صَاحِبُ الْمَالِ سَلَفًا ، أَوْ أَبَضَعَ مَعَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِضَاعَةً يَبِيعُهَا لَهُ ، أَوْ بِدَنَانِيرَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا سِلْعَةً . قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ إِنَّمَا أَبْضَعَ مَعَهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ عِنْدَهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلَهُ ، لِإِخَاءٍ بَيْنَهُمَا ، أَوْ لِيَسَارَةِ مَؤُونَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْزِعْ مَالَهُ مِنْهُ ، أَوْ كَانَ الْعَامِلُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ ، أَوْ حَمَلَ لَهُ بِضَاعَتَهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالُهُ فَعَلَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْقِرَاضِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ شَرْطٌ ، أَوْ خِيفَ أَنْ يَكُونَ إنما صَنَعَ ذَلِكَ الْعَامِلُ لِصَاحِبِ الْمَالِ ليقر ماله في يديه أو إنما صنع ذلك صاحب المال ، لِأَنْ يُمْسِكَ الْعَامِلُ مَالَهُ ، وَلَا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ . وَهُوَ مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ . 30946 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ صَحِيحٌ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ فِي الْقِرَاضِ أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ مَعْلُومَةً ، وَكَذَلِكَ حِصَّةُ رَبِّ الْمَالِ مِنَ الرِّبْحِ لَا تَكُونُ أَيْضًا إِلَّا مَعْلُومَةً ، فَإِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِضَاعَةً يَحْمِلُهَا لَهُ وَيَعْمَلُ فِيهَا ، فَقَدِ ازْدَادَ عَلَى الْحِصَّةِ الْمَعْلُومَةِ مَا تَعُودُ بِهِ مَجْهُولَةً ; لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْبِضَاعَةِ لَهُ أُجْرَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الْعَامِلُ ، فِيهَا قَدِ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ ، وَالسَّلَفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ هُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُشْتَرَطًا فِي أَصْلِ عَقْدِ الْقِرَاضِ ، وَأَمَّا إِنْ تَطَوَّعَ مِنْهُمَا مُتَطَوِّعٌ فَلَا بَأْسَ إِذَا سَلِمَ عَقْدُ الْقِرَاضِ مِنَ الْفَسَادِ . 30947 - هَذَا وَجْهُ الْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَمَا عَدَاهُ فَاسْتِحْبَابٌ ، وَوَرَعٌ ، وَتَرْكُ مُبَاحٍ خَوْفَ مُوَاقَعَةِ الْمَحْذُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 30948 - وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَالْكُوفِيِّ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 30949 - وَلِلتَّابِعِينَ فِيهِ كَرَاهِيَةٌ وَإِجَازَةٌ . 30950 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ مَالَا مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَحْمَلَ لَهُ بِضَاعَةً . 30951 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَرِهَهُ . 30952 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَعَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا مُضَارَبَةً ، وَأَلْفًا قِرَاضًا ، وَأَلْفًا بِضَاعَةً .
30957 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ عَلَيْهِ سَلَفًا ، قَالَ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ ، حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ مَالَهُ ثُمَّ يُسَلِّفَهُ إِيَّاهُ إِنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكَهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَصَ فِيهِ ، فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ ، عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْهُ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، وَلَا يَجُوزُ وَلَا يَصْلُحُ . 30958 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ الْفِقْهَ لِكَرَاهِيَةِ مَا كَرِهَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ ، إِلَّا أَنَّ عِلَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَعُودُ أَمَانَةً حَتَّى يُقْبَضَ ثُمَّ يُعَادَ ، وَكَذَلِكَ الْأَمَانَةُ لَا تَعُودُ فِي الذِّمَّةِ وَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً إِلَّا بِأَنْ يَقْبِضَهَا رَبُّهَا ، ثُمَّ يُسَلِّفَهَا ، فَتَنْتَقِلُ إِلَى الذِّمَّةِ حِينَئِذٍ . 30959 - وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ عِنْدَهُ : اعْمَلْ بِمَا تَرَاهَا ، وَلَمْ يُجْبِرْهُ . 30960 - وَكَرِهَ أَشْهَبُ أَنْ يُوقِعَ . 30961 - وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَا بَأْسَ بِهِ . 30962 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِالدَّيْنِ قِرَاضًا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ . 30963 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَذِنَ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ ، فَعَمِلَ بِهِ قِرَاضًا . 30964 - فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : الرِّبْحُ وَالْخَسَارَةُ جَمِيعًا لِلْمُدْيَانِ وَعَلَيْهِ . 30965 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنْ عَمِلَ فَالْخَسَارَةُ وَالرِّبْحُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ .
( 13 ) بَابُ السَّلَفِ فِي الْقِرَاضِ 1373 - قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا مَالًا ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي تَسَلَّفَ الْمَالَ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا ، قَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ قِرَاضًا إِنْ شَاءَ ، أَوْ يُمْسِكَهُ . 30953 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 30954 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنْ فَعَلَ فَالْقِرَاضُ فَاسِدٌ ، وَمَا اشْتَرَى وَبَاعَ فَهُوَ الْعَامِلُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ . 30955 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 30956 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ وَمَا اشْتَرَى وَبَاعَ فَهُوَ لِلْآمِرِ وَلِلْمُقَارِضِ أَجْرُ مِثْلِهِ .
( 9 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ 1369 - قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا : إِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْمِلُ النَّفَقَةَ ، فَإِذَا شَخَصَ فِيهِ الْعَامِلُ ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَكْتَسِيَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَدْرَ الْمَالِ وَيَسْتَأْجِرَ مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضَ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ مَؤُونَتِهِ ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْمَلُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا ، مِنْ ذَلِكَ : تَقَاضِي الدَّيْنِ ، وَنَقْلُ الْمَتَاعِ ، وَشَدُّهُ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ . فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنَ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَسْتَنْفِقَ مِنَ الْمَالِ ، وَلَا يَكْتَسِيَ مِنْهُ ، مَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ إِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ النَّفَقَةُ إِذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ النَّفَقَةُ ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَّجِرُ فِي الْمَالِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُقِيمٌ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ . قَالَ مَالِكٌ ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَخَرَجَ بِهِ وَبِمَالِ نَفْسِهِ ، قَالَ : يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنَ الْقِرَاضِ وَمِنْ مَالِهِ ، عَلَى قَدْرِ حِصَصِ الْمَالِ . 30923 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ فِي دَرَجِ غَيْرِهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ بَعْضِ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ، لِيَكُونَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ قَائِمًا فِي الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 30924 - اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا أَنَّ الْعَامِلَ بِالْقِرَاضِ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا سَافَرَ ، وَلَا يُنْفِقُ إِذَا كَانَ حَاضِرًا . 30925 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُنْفِقُ فِي ذَهَابِهِ فِي سِفْرِهِ وَمُقَامِهِ ، وَلَا يُنْفِقُ رَاجِعًا . 30926 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يَتَغَدَّى فِي الْمِصْرِ وَلَا يَتَعَشَّى . 30927 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُنْفِقُ فِي سِفْرٍ وَلَا حَضَرٍ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ . 30928 - وَقَالَ أَصْحَابُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : ( أَحَدُهَا ) : هَذَا . ( وَالْآخَرُ ) : مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ . ( وَالثَّالِثُ ) : يُنْفِقُ فِي الْمِصْرِ بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ نَفَقَةِ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ . 30929 - وَلَهُمْ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ حَتَّى يُفْرَضَ لَهُ بِاتِّفَاقٍ لَهُ ، وَمِنْ رَبِّ الْمَالِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهُ ، وَيُنْفِقُ هُوَ . 30930 - وَأَمَّا التَّابِعُونَ ; فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ ، وَإِنْ أَكَلَ أَوْ أَنْفَقَ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ . 30931 - ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ . 30932 - وَذَكَرَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : يَأْكُلُ وَيَلْبَسُ بِالْمَعْرُوفِ . 30933 - وَعَنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ .
30750 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ رَبُّ الْمَالِ مِمَّنْ قَارَضَهُ بَعْضَ مَا يَشْتَرِي مِنَ السِّلَعِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا ، عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ . 30751 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا : 30752 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُضَارِبِ يَبْتَاعُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ : لَا يُعْجِبُنِي ; لِأَنَّهَا إِنْ صَحَّتْ مِنْ هَذَيْنَ أَخَافُ أَلَّا تَصِحَّ مِنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُقَارِضُ . 30753 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ذَلِكَ جَائِزٌ . 30754 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَالْبَيْعُ مِنْهُ كَالشِّرَاءِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ .
30755 - قَالَ مَالِكٌ ، فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ وَإِلَى غُلَامٍ لَهُ مَالًا قِرَاضًا ، يَعْمَلَانِ فِيهِ جَمِيعًا : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ مَالٌ لِغُلَامِهِ ، لَا يَكُونُ الرِّبْحُ لِلسَّيِّدِ ، حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ . 30756 - وَهَذِهِ أَيْضًا اخْتُلِفَ فِيهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَا ذَكَرْنَا ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى . 30757 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِذَا شَرَطَ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِرَبِّ الْمَالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ ، وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ مَعَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ، فَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثُ . 30758 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا فِي الْعَبْدِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا . 30759 - وَقَوْلُ مَالِكٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ مِلْكُهُ ; لِمَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ مَا لَمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ . 30760 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعِهَا . 30761 - وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْمَالِ عَمَلَ عَبْدِهِ مَعَ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَمَلَ عَبْدِ الْمُضَارِبِ شَهْرًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، وَالْقِرَاضُ عَلَى حَالِهِ .
30747 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَ الْمُتَقَارِضَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا . 30748 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ ، فَإِنِ اشْتَرَطَهُ فَسَدَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَالْعَمَلُ الْخَفِيفُ بِغَيْرِ شَرْطٍ . 30749 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .
( 2 ) بَابُ مَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ 1361 - قَالَ مَالِكٌ : وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ ، أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ ، فِي سَفَرِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ ، وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، بِقَدْرِ الْمَالِ إِذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ ، إِذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنَ الْمَالِ ، وَلَا كِسْوَةَ . 30717 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي وَجْهِ الْقِرَاضِ الْجَائِزِ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ الْمَالَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . 30718 - وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُقَارِضَ مُؤْتَمَنٌ ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، فِيمَا يُتْلِفُهُ مِنَ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ فِيهِ وَلَا اسْتِهْلَاكٍ لَهُ ، وَلَا تَضْيِيعٍ ، هَذِهِ سَبِيلُ الْأَمَانَةِ ، وَسَبِيلُ الْأُمَنَاءِ . 30719 - وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنَ الرِّبْحِ نِصْفًا كَانَ ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ . 30720 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ : الْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ . 30721 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ عَلِيٍّ . 30722 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَجَمَاعَةٍ . 30723 - وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ الضَّمَانَ فَإِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ : 30724 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْقِرَاضُ ، وَيُرَدُّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ . 30725 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ : إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ . 30726 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 30727 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْمُقَارَضَةُ جَائِزَةٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ . 30728 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ مِنَ الْمَالِ فِي سَفَرِهِ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ " ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ : 30729 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : يُنْفِقُ الْعَامِلُ مِنَ الْمَالِ إِذَا سَافَرَ وَلَا يَكُونُ حَاضِرًا ، إِلَّا أن مَالِكًا قَالَ : إِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا ، فَحَمَلَ ذَلِكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ . 30730 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُنْفِقُ ذَاهِبًا وَلَا يُنْفِقُ رَاجِعًا . 30731 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَتَغَدى فِي الْمِصْرِ ، وَلَا يَتَعَشَّى . 30732 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُنْفِقُ فِي سَفَرِهِ ، وَلَا فِي حَضَرِهِ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ . 30733 - وَقَالَ أَصْحَابُهُ : فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) : هَذَا . ( وَالْآخَرُ ) : مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ . ( وَالْآخِرُ ) : يُنْفِقُ فِي الْمِصْرِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ نَفَقَةِ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ . 30734 - وَلَهُ فِي قَرْضِ نَفَقَتِهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ يُقْرِضُ لَهُ النَّفَقَةَ . ( وَالثَّانِي ) : لَا يُقْرِضُ لَهُ ، وَيُنْفِقُ هُوَ . 30735 - وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ فِي الْحَضَرِ . 30736 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ . 30737 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا كَانَ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ أَهْلٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُسَافِرُ إِلَيْهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَهَابِهِ ، وَلَا رُجُوعِهِ . 30738 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَهُ النَّفَقَةُ فِي ذَهَابِهِ ، وَرُجُوعِهِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مُقَامِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ . 30739 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمَا أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ إِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ . 30740 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ . 30741 - وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ بِبَلَدِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فِي حَاجٍّ ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَالَ ، قَالَ : أَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ نَفَقَةٌ كَالَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ ، فَيَتَجَهَّزُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى بَلَدِهِ ، فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا ، فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النَّفَقَةُ لِلَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِ الْقِرَاضِ خَاصَّةً ، وَكَالَّذِي يَخْرُجُ إِلَى الْحَجِّ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ . 30742 - قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّاجِرِ لَهُ الْمَالُ وَيَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا ، وَيَخْرُجُ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقِرَاضَ حِصَّتُهُ مِنْ نَفَقَةِ الْعَامِلِ . 30743 - وَقَالَ قَتَادَةُ : النَّفَقَةُ فِي الرِّبْحِ ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ ، وَالْوَضِيعَةُ فِي الْمَالِ . 30744 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : مَا أَنْفَقَ الْمُضَارِبُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ . 30745 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : يَأْكُلُ وَيَلْبَسُ بِالْمَعْرُوفِ . وَقَالَ الْحَسَنُ : يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ . 30745 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَاسُ عِنْدِي أَلَّا يَأْكُلَ الْمُقَارِضُ فِي سِفْرٍ ، وَلَا حَضَرٍ وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ مِنَ الرِّبْحِ ، وَهُوَ إِذَا أَطْلَقَ لَهُ الْإِنْفَاقَ لَمْ تَكُنْ لَهُ حِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ ، وَلَا حِصَّةُ رِبْحِ الْمَالِ مَعْلُومَةٌ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ رُبَّمَا اغْتَرَفَتِ النَّفَقَةُ كَثِيرًا مِنَ الْمَالِ ، وَلَمْ يَكُنْ رِبْحٌ . 30746 - وَلَمَّا أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ فِي الْحَضَرِ ، وَهُوَ يَتْعَبُ فِي الشِّرَاءِ ، وَالْبَيْعِ ، وَيَنْصَبُ ، كَانَ كَذَلِكَ فِي السَّفَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 11 ) بَابُ الدَّيْنِ فِي الْقِرَاضِ 1371 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَةَ بِدَيْنٍ ، فَرَبِحَ فِي الْمَالِ ، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ ، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ ، قَالَ : إِنْ أَرَادَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَقْبِضُوا ذَلِكَ الْمَالَ وَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَبِيهِمْ مِنَ الرِّبْحِ فَذَلِكَ لَهُمْ إِذَا كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَرِهُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ ، وَخَلَّوْا بَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ وَبَيْنَهُ ، لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ . إِذَا أَسْلَمُوهُ إِلَى رَبِّ الْمَالِ ، فَإِنَّ اقْتَضَوْهُ ، فَلَهُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ وَالنَّفَقَةِ ، مِثْلُ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِي ذَلِكَ هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ ، فَيَقْتَضَى ذَلِكَ الْمَالَ ، فَإِذَا اقْتَضَى جَمِيعَ الْمَالِ وَجَمِيعَ الرِّبْحِ ، كَانُوا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالَا قِرَاضًا ، عَلَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ ، فَمَا بَاعَ بِهِ مِنْ دَيْنٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ : إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ ، إِنْ بَاعَ بِدَيْنٍ فَقَدْ ضَمِنَهُ . 30935 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا فِي " الْمُوَطَّأِ " أَنَّ الْعَامِلَ يَضْمَنُ إِذَا بَاعَ بِالدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَ الْمَالَ أَنَّهُ إِنْ بَاعَ بِالدَّيْنِ ضَمِنَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ضَمِنَ . 30936 - وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي بَيْعِ الْمُقَارِضِ بِالدَّيْنِ . 30937 - إِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا : لَا يَبِيعُ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ ، فَإِنْ فَعَلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ضَمِنَ . 30938 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ رَبُّ الْمَالِ أَوْ يَنُصَّ ذَلِكَ لَهُ إِذَا قَارَضَهُ . 30939 - وَأَمَّا مَوْتُ الْعَامِلِ فِي سِلَعٍ ، أَوْ دَيْنٍ ، فَقَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 30940 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ مَاتَ الْعَامِلُ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يُعْمَلَ مَكَانَهُ ، وَبِيعَ مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ثِيَابُ سَفَرِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ حِصَّتُهُ ، وَإِنْ كَانَ خُسْرَانًا ، كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ صَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِنْ رَضُوا ترك الْمُقَارِضَ عَلَى قِرَاضِهِ ، وَإِلَّا فَقَدِ انْفَسَخَ قِرَاضُهُ . 30941 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَتَى شَاءَ رَبُّ الْمَالِ أَخَذَ مَالَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَمَتَى شَاءَ الْعَامِلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْقِرَاضِ ، فَذَلِكَ لَهُ . 30942 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عِنْدَهُ ، وَلَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَفْسَخَ الْقِرَاضَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَالُ عَيْنًا ، فَإِذَا صَارَ فِي السِّلَعِ أُجْبِرَ الْمُقَارِضُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَيْنًا كَمَا أَخَذَهُ ، وَأُجْبِرَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَعْجَلِ مَا يُمْكِنُ مِنْ بَيْعِ السِّلَعِ . 30943 - قَالَ مَالِكٌ : يُجْبَرُ الْعَامِلُ عَلَى تَقَاضِي مَا بَاعَ بِالدَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَضِيعَةٌ حَتَّى يَرُدَّ الْمَالَ عَيْنًا ، وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ لَا يَرْضَى بِالْحَوَالَةِ . 30944 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا بَاعَ الْمُضَارِبُ بِنَسِيئَةٍ وَأَحَبَّ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَفْسَخَ الْقِرَاضَ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ أُجْبِرَ عَلَى التَّقَاضِي ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَقَاضِيهِ ، وَأُجِّلَ الَّذِي لَهُ الْمَالُ حَتَّى يَتَقَاضَاهُ . 30945 - هَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ لِلْمُقَارِضِ وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَفْسَخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِرَاضَ ، قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
31119 - قَالَ مَالِكٌ : وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُسَاقِي شَدُّ الْحِظَارِ وَخَمُّ الْعَيْنِ وَسَرْوُ الشَّرَبِ وَإِبَارُ النَّخْلِ وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَجَذُّ الثَّمَرِ ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَاقِي شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ ، يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا ، مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا ، أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا ، يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ . أَوْ ضَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا ، تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنَ النَّاسِ : ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا ، أَوِ احْفُرْ لِي بِئْرًا أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا ، أَوِ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ ثَمَرَ الْحَائِطِ ، وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَهَذَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . 31120 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثَّمَرُ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ ، لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ ، بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ ، قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ثَمَرٌ ، أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى ، لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . 31121 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَادَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِكَلَامِهِ هَذَا بَيَانَ الْفِرَقِ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَأَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ ، فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا كَالْقِرَاضِ ، لَا يُقَاسُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْإِجَارَاتِ . 31122 - إِنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَهُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، لَا يَجُوزُ فِيهَا الْغَرَرُ ، وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 31123 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَجْعَلَ الْإِجَارَةَ مِنْ بَابِ الْبُيُوعِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ تُخْلَقْ . 31124 - وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَيْسَتِ الْبُيُوعُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ ، وَقَالُوا : الْإِجَارَةُ بَابٌ مُنْفَرِدٌ بِسُنَّتِهِ كَالْمُسَاقَاةِ ، وَكَالْقِرَاضِ . 31125 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَدُّ الْحِظَارِ ، فَرُوِيَ بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ ، وَيُرْوَى عَنْهُ بِالسِّينِ عَلَى مَعْنَى سَدِّ الثُّلْمَةِ ، وَأَمَّا بِالشِّينِ مَعْنَاهُ تَحْصِينُ الزُّرُوبِ الَّتِي حَوْلَ النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى . 31126 - وَأَمَّا خَمُّ الْعَيْنِ ، فَتَنْقِيَتُهَا وَالْمَخْمُومُ : النَّقِيُّ ، وَمِنْهُ يُقَالُ : رَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ نَقِيَّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ . 31127 - وَأَمَّا سَرْوُ الشَّرَبِ فَالسَّرْوُ : الْكَنْسُ لِلْحَوْضِ ، وَللشَّرَبُ : جَمْعُ شَرْبَةٍ ، وَهِيَ الْحِيَاضُ الَّتِي حَوْلَ النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ وَجَمْعُهَا شُرُبٌ ، وَهِيَ حِيَاضٌ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ حَوْلَ الشَّجَرِ ، وَيُقَالُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا شَرَبَاتٌ ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : يَخْرُجْنَ مِنْ شَرَبَاتٍ مَاؤُهَا طَحِلٌ . 31128 - وَإِبَارُ النَّخْلِ تَذْكِيرُهَا بِطَلْعِ الْفَحْلِ . 31129 - وَ قَطْعُ الْجَرِيدِ : قَطْعُ جَرَائِدِ النَّخْلِ إِذَا كُسِرَتْ ، وَقَدْ يُصْنَعُ مِثْلُ ذَلِكَ بِالشَّجَرِ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ قَطْعِ قُضْبَانِ الْكَرْمِ . 31130 - وَ جَذُّ الثَّمَرِ : جَمْعُهُ وَهُوَ مِثْلُ حَصَادِ الزَّرْعِ ، وَقَطْعِ الْعِنَبِ . 31131 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ جِذَاذُ الثَّمَرِ مِنْهُمَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : مَا وَصَفْنَا عَلَيْهِ جَمَاعَةَ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنِ اشْتَرَطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ الْمَالِ جِذَاذَ الثَّمَرِ ، وَعَصْرَ الزَّيْتُونَ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ ، وَمَنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا جَازَ . 31132 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ : وَالتَّلْقِيحُ ، وَالْخَبْطُ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا عَلَى الْعَامِلِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْجَذَاذَ كَانَ عَلَيْهِمَا بِنِصْفَيْنِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ نِصْفَيْنِ . قَالَ : وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ اشْتَرَطَ فِي أَصْلِ الْمُسَاقَاةِ الْجِذَاذَ وَالْخَبْطَ حَتَّى يَصِيرَ ثَمَرًا عَلَى الْعَامِلِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْجِذَاذُ ، وَالْخَبْطُ بَعْدَمَا بَلَغَ عَلَى الْعَامِلِ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً . 31133 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنِ اشْتَرَطَ الْمُسَاقَى عَلَى رَبِّ الْمَالِ جِذَاذَ الثَّمَرِ ، أَوْ قَطْفَ الْعِنَبِ لَمْ يَجُزْ ، فَكَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً ، وَإِنَّمَا شَدُّ الْحِظَارِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْعَامِلِ كَمَا عَلَيْهِ ، كَمَا وَصَفْنَا مِنْ إِبَارِ النَّخْلِ ، وَقَطْعِ الْجَرِيدَةِ وَنَوَى النَّطِيحِ ، وَالْخَبْطِ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا . 31134 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا كَانَ دَاعِيَتُهُ إِلَى الِاسْتِزَادَةِ فِي الْعُدَّةِ مِنْ إِصْلَاحِ الْمَاءِ بِطَرِيقِهِ ، وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْلِ ، وَنَحْوِهِ فَشَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ ، وَأَمَّا شَدُّ الْحِظَارِ فَلَيْسَ عَنْهُ مُشْتَرَى فِي الثَّمَنِ ، وَلَا صَلَاحَ لَهَا ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ . 31135 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَنْقِيَةِ الْمِسْقَاةِ ، وَالْأَنْهَارِ عَلَى الْعَامِلِ ، وَإِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً . 31136 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلٌ فِي الْحَائِطِ يُصْلِحُهُ ، وَيَنْعَقِدُ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَاقِي نَصِيبَهُ مِنْ عَدَمِهِ ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ ، مِمَّا لَا يَعُودُ مِنْهُ فَائِدَةٌ عَلَى الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ رَبُّ الْحَائِطِ دُونَهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ - يَصِيرُ زِيَادَةً اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهَا الْمَجْهُولُ مِنَ الثَّمَنِ .
31137 - قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ عِنْدَنَا ، أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ . أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ التمَرِ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ . 31138 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ وَاسْتَقَلَّ ، فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ . 31139 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ كُلِّهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَمَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ . 31140 - وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ . 31141 - وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ ، فَتَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا شَرَطَ ، وَذَكَرَ فِي مُوَطَّئِهِ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يَعْجَزْ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ . 31142 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُسَاقَى الزَّرْعُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِلَّ قَالَ : فَأَمَّا الْقَصَبُ ، فَيَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، فَإِنَّ الْقَصَبَ أَصْلٌ . 31143 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : جَائِزٌ أَنْ يُسَاقِيَ الزَّرْعَ قَبْلَ أَنْ يَسْحَقَهُ . 31144 - وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ . 31145 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ دَاوُدَ إِلَّا فِي النَّخْلِ خَاصَّةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ . 31146 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اسْتِثْنَاءِ الْعَامِلِ زَرْعًا يَكُونُ بَيْنَ النَّخْلِ . 31147 - فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَاضِ ، يَشْتَرِطُهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ . 31148 - ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ ، قَالَ : وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ ، إِلَّا هَاءَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْبَذْرَ فَكَيْفَ يَسْتَثْنِي الزَّرْعَ ؟ 31149 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُسَاقَاةِ الْمَوْزِ . 31150 - وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ أَنَّهُمَا قَالَا : يَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ . 31151 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَجَازَهُ فِي مَجْلِسِ أَبِي زَيْدٍ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 31152 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْقَصَبِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الزَّرْعِ ، وَالْمُقْتَاتِ ، وَنَحْوِهَا . 31153 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُسَاقَاةِ الْبَصَلِ ، فَأَجَازَهَا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ . 31154 - وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّلْقِيحِ وَالزَّبْرِ وَالْحَضْرِ وَالْحِفْظِ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ . 31155 - وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبَصَلِ ، وَلَا يُجَازُ إِلَّا فِيمَا يُسْقَى .
31114 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَؤُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدِهِ ، إِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثمْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ ، يَعْمَلُ عَلَيْهِ ، لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ ؟ 31115 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهَا ، وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الدَّاخِلِ لَا رَبِّ الْحَائِطِ ، وَالْقَائِمُ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِالْمُزَارَعَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهَا .
31156 - قَالَ مَالِكٌ : لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنَ الثِّمَارِ إِجَارَةٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ ، عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ بِمَنْزِلِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالمُسَاقَاةٍ ، إِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ . 31157 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ مَفْهُومٌ جِدًّا ، وَكُلُّ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ لَمْ يُجِزْهَا إِلَّا فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَفِيمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنَ الثِّمَارِ ، وَيَعْمَلُ الْعَامِلُ فِي الشَّجَرِ مِنَ الْحَفْرِ ، وَالزَّبْرِ وَسَائِرِ الْعَمَلِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَتَصْلُحُ ثَمَرَتُهَا بِهِ عَلَى حَدِّ مَا يُخْرِجُهُ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الثَّمَرِ كَالْقِرَاضِ ، يَعْمَلُ الْعَامِلُ فِي الْمَالِ حَدَّ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ ، وَهَذَانَ أَصْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلْبُيُوعِ ، وَلِلْإِجَارَاتِ ، وَكُلٌّ عِنْدِنَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَالْعَمَلُ بِهِ . 31158 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَيْضًا عَنْ سَحْنُونٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ; لِأَنَّهَا إِجَارَةُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ ، وَالْعَامِلُ فِي ذَلِكَ أَجِيرٌ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ . 31159 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا كَانَ هَذَا ، فَلَيْسَتْ مُسَاقَاةً ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعْطِيهِ فِي عَمَلِهِ مِنَ الثَّمَرِ الَّذِي حَلَّ بَيْعُهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ 31160 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ : فَمَرَّةً قَالَ مِثْلَ مَالِكٍ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْحَائِطِ ، وَإِنْ بَدَا صَلَاحُهُ وَمَرَّةً قَالَ : لَا تَجُوزُ .
31161 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ . 31162 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِكُلِّ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِكُلِّ مَا تُكْرَى بِهِ الدُّورُ ، وَالْحَوَانِيتُ مِنَ الْعَيْنِ الْمَعْلُومِ وَزْنُهَا ، وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا الْجَائِزُ بَيْعُهَا فِي مِلْكِهَا عَلَى سُنَّتِهَا طَعَامًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ طَعَامٍ أَنْ تَكُونَ بِجُزْءِ مَا تُخْرِجُهُ ، يَقِلُّ مَرَّةً ، وَيَكْثُرُ أُخْرَى ، وَرُبَّمَا لَمْ يُخْرِجُ شَيْئًا ، فَلَا ، هَذَا عِنْدَهُ الْمُزَارَعَةُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا . 31163 - وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالْآدَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا عَدَا الْحِنْطَةَ ، وَأَخَوَاتِهَا يَعْنِي الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ فَإِنَّهَا مُحَاقَلَةٌ . 31164 - وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ إِذَا أُعِيدَ فِيهَا نَبَتَ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَا يُؤْكَلُ ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ . 31165 - ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَقَالَ : وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا أَكْلًا وَلَمْ يُؤْكَلْ فَلَا شَيْءَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، خَرَجَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا . 31166 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُكْرَى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ كَانَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَانَ مَا تُزْرَعُ فِيهَا أَوْ لَا تُزْرَعُ وَلَا مِنَ الْآدَامِ كُلِّهِ ، قَالَ : الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ وَسَائِرُ الْآدَامِ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ . 31167 - وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِطَعَامٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا . 31168 - وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .
31169 - قَالَ : فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ ، بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا . فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا ، فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا ؟ فَهَذَا مَكْرُوهٌ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ ؟ فَهَذَا لَا يَحُلُّ وَلَا يَنْبَغِي . 31170 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ إِلَى غَيْرِهِ . 31171 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ، أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا . 31172 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ ، وَكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ ، وَهِيَ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ ، وَالرُّبُعِ ، وَسَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا تَخْرُجُ الثَّمَرَةُ . 31173 - فَرَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ . 31174 - وَرَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ، فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ ، وَلَا بِرُبُعٍ . 31175 - وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَقَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا وَلَا يُؤَاجِرْهَا . 31176 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ فِي التَّمْهِيدِ . 31177 - وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَرَافِعٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ خَيْبَرَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَاهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضَ وَالثَّمَرَةُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى ، ثُمَّ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ . 31178 - وَقِيلَ : إِنَّمَا فَعَلَهُ بِخَيْبَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31179 - وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 31180 - وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي كَرَاهِيَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا تُخْرِجُهُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . 31181 - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّا كَرَّرْنَاهُ كَمَا كَرَّرَهُ مَالِكٌ . 31182 - وَاخْتُلِفَ عَنِ اللَّيْثِيِّ فِي الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ ، وَالرُّبُعِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ : فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا . وَرُوِيَ عَنْهُ إِجَازَتُهَا . 31183 - وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَامِنًا عَلَى الْمُشْتَرِي دَفَعَ أَوْ لَمْ يَدْفَعْ ، فَأَمَّا أَنْ يُلْزِمَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَيَزْرَعَ فِيهَا نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا فَذَلِكَ حَلَالٌ . 31184 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَقُولُ اللَّيْثُ : هَذَا فِي إِجَازَتِهِ الْمُزَارَعَةَ بِجُزْءِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ مَا يُزْرَعُ فِيهَا . 31185 - قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُونُسَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 31186 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَةُ . 31187 - قَالَ أَحْمَدُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَحَادِيثُ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةُ الْأَلْفَاظِ . 31188 - وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ عَلَى مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ الْمُزَارَعَةَ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ الشَّجَرِ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزْ مُنْفَرِدًا مَا جَازَ بَيْنَ النَّخْلِ ، وَإِذْ لَمْ يَجُزْ مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ بَيْنَ النَّخْلِ . 31189 - قَالُوا : وَتَوْقِيتُ الثُّلُثِ ، فَمَا دُونَهُ حُكْمٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ; لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيتٍ . 31190 - قَالُوا : وَلَيْسَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مَا يُبِيحُ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لِلضَّرُورَةِ لِمَنِ ادَّعَى فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً . 31191 - فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ ، وَلَا أَرْضَهُ ، وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ . 31192 - فَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ . 31193 - وَقَدْ أَجَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ سَفِينَتَهُ ، وَدَابَّتَهُ كَمَا يُعْطِي أَرْضَهُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَرْزُقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الصَّلَاحِ بِهَا ، وَجَعَلُوا أَصْلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْقِرَاضِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ .
31194 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا أنَّهَا تُسَاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ . قَالَ : وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنَ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ . 31195 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي أَجَلِ الْمُسَاقَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَهُودِ خَيْبَرَ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ . 31196 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا . 31197 - وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَنُعِيدُ هُنَا مِنْهَا ذِكْرًا ، كَمَا أَعَادَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَنَقُولُ : إِنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسَاقَاةِ سِنِينَا مَعْلُومَةً ، وَالْمُسَاقَاةُ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْجِذَاذِ . 31198 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ عَنِ الْعُلَمَاءِ ، وَربَّ الْأَصْلِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ . 31199 - وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمُسَاقَاةِ إِلَى الْجِذَاذِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ فِي الشَّجَرِ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَرِ ، فَحُكْمُ السِّنِينَ الْمَعْلُومَاتِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ ; لِأَنَّهُ كُلَّهُ شَيْءٌ لَمْ يُخْلَقْ ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ . 31200 - وَقَدْ أَجَازَتْ طَائِفَةٌ الْمُسَاقَاةَ إِلَى غَيْرِ تَوْقِيتٍ مِنَ السِّنِينَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 31201 - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ الْيَهُودَ عَلَى شَطْرِ النَّخْلِ ، وَالزَّرْعِ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ 31202 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 31203 - فَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا مُعَامَلَةً عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا وَقْتًا مَعْلُومًا : 31204 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو ثَوْرٍ : ذَلِكَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ . 31205 - وَهُوَ يُشْبِهُ مَذْهَبَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ . 31206 - فَمَنِ اكْتَرَى دَارًا مُشَاهَرَةً أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَهْرٌ وَاحِدٌ . 31207 - وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِيمَنْ سَاقَى حَائِطًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي وَقْتِ الْمُسَاقَاةِ مَرَّةً مَعْلُومَةً قَوْلٌ حَسَنٌ .
31110 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْعَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ ، إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ : اعْمَلْ وَأَنْفِقْ ، وَيَكُونُ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ ، فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ ، لِأَنَّهُ أَنْفَقَ ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ ، لَمْ يَعْلَقِ الْآخَرَ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْءٌ . 31111 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ ، وَحُجَّتُهُ لَهُ بِذَلِكَ . 31112 - وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ نَحْوُهُ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ وَحُكُومَةِ حَاكِمٍ ، فَإِنْ أَنْفَقَ دُونَ قَضَاءِ الْحَاكِمِ رَغْبَةً فِي أَنْ يَتَمَيَّزَ لَهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ عَمَلِ حِصَّتِهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِنَفَقَتِهِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ ، وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ كَامِلَةً يَعْتَلُّهَا مَعَهُ . 31113 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْإِنْفَاقِ ، وَيُقَالُ لِشَرِيكِهِ : إِنْ شِئْتَ تَطَوَّعْ بِالْإِنْفَاقِ ، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ دَيْنًا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضًا مِنْهُ .
31208 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْمُسَاقِي : إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئا مِنَ الْأَشْيَاءِ ، لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقِيَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ ، مَنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ . 31209 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ ، إِذَا دَخَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً ، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرٍ غَرَرٍ ، لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ ، أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ . 31210 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ بَيْنِ مُجِيزِي الْمُسَاقَاةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ يَزْدَادُهَا عَلَى جُزْئِهِ الْمَعْلُومِ ; لِأَنَّهُ - حِينَئِذٍ - يَعُودُ الْجُزْءُ مَجْهُولًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ : ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَاتِ فِيمَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ فِي الثَّمَرَةِ . 31211 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ أَيْضًا .
31212 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ يَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ . قَالَ مَالِك : إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ . 31213 - ثُمَّ ذَكَرَ إِلَى آخَرِ الْبَابِ هَذَا الْمَعْنَى مُكَرَّرًا ، وَشَبَّهَهُ بِالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ يَكُونُ فِي أَحَدِهِمَا الْحِلْيَةُ مِنَ الْوَرِقِ ، فَيُبَاعُ بِالْوَرِقِ إِذَا كَانَ الْوَرِقُ بَيْعًا لِلنَّصْلِ وَالْمُصْحَفِ ، وَكَذَلِكَ الْقِلَادَةُ وَالْخَاتَمُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ فَأَدْنَى على مَا ذَكَرَ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَعَ الْأُصُولِ . 31214 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ ، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بَيْنَ السَّلَفِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ . 31215 - فَأَمَّا مُسَاقَاةُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أُصُولَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ : مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ جُمْلَةً ، وَمَنْ أَجَازَهَا فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ; لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ ، مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَقَاوِيلَ بِذَلِكَ . 31216 - وَمَنْ لَا يُجِيزُ الْمُزَارَعَةَ : مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَدِ اخْتَلَفَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدْ أَوْضَحَهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 31217 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَقَدْ أَبْطَلَ الْمُزَارَعَةَ فِي قَلِيلِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ ، فَكَانَ فِيهِ بَيَاضٌ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِهِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ ، وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِتَرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ ، وَكَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ جَازَ أَنْ يُسَاقى عَلَيْهِ مِنَ النَّخْلِ إِلَّا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ . 31218 - وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ النَّخْلَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ النِّصْفَ مِنَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ النِّصْفَ ، فَكَانَ الزَّرْعُ كَمَا وَصَفْتُ بَيْنَ ظَهْرَانِي النَّخْلِ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ . 31219 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْمُسَاقى فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ . 31220 - قَالَ : وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ نَخْلَاتٍ بِعَيْنِهَا مِنَ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ ، وَلَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ زِيَادَةً لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ .
1412 33 - كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ 1376 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ ، يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ : أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ قَالَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . ثُمَّ يَقُولُ : إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي . فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ . 1377 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ . قَالَ ، فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ ، وَخَفِّفْ عَنَّا ، وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ! وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا . فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . 31007 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ ; عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى إِرْسَالِهِ ، وَقَدْ وَصَلَتْهُ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ دَعَا الْيَهُودَ فَقَالَ : نُعْطِيكُمُ الثَّمَرَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُهَا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ يُخَيِّرُهُمْ ، أَيَأْخُذُونَ بِخَرْصِهِ ، أَمْ يَتْرُكُونَ . 31008 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي افْتِتَاحِ خَيْبَرَ : هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا ، أَوْ خَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ ، فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا خَيْبَرَ ، فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً . 31009 - فَاحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ جَعَلَ فَتْحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَلَا لِأَصْحَابِهِ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَهَا ، وَيَزْرَعُونَهَا فَدَعَا يَهُودَ خَيْبَرَ ، وَكَانُوا قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا ، فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ خيبر عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا عَلَى النِّصْفِ يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 31010 - قَالُوا : وَلَا يُخَمَّسُ إِلَّا مَا كَانَ أُخِذَ عَنْوَةً ، وَأَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ . 31010 م - وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ خَيْبَرُ حُصُونًا كَثِيرَةً ، فَمِنْهَا مَا أُخِذَ عَنْوَةً بِالْقِتَالِ ، وَالْغَلَبَةِ ، وَمِنْهَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَهَا ، وَمِنْهَا مَا أَسْلَمَهُ أَهْلُهُ لِلرُّعْبِ ، وَالْخَوْفِ بِغَيْرِ قِتَالٍ طَلَبًا لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ . 31011 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً ، وَبَعْضُهَا صُلْحًا . 31012 - قَالَ : وَ الْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةٌ ، وَمِنْهَا صُلْحٌ . 31013 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : وَمَا الْكُتَيْبَةُ ؟ قَالَ : مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ . 31014 - قَالَ مَالِكٌ : وَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُقْسَمَ الْكَتِيبَةُ مَعَ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُمْ يُقَسِّمُونَهَا فِي الْأَغْنِيَاءِ ، وَالْفُقَرَاءِ . 31015 - وَقِيلَ لِمَالِكٍ : أَفَتَرَى ذَلِكَ لِلْأَغْنِيَاءِ ; قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُفَرَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ . 31016 - وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : كَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَيْبَرَ نَصِفُهَا ، فَكَانَ النِّصْفُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ النِّصْفَ ، وَهِيَ الْكُتَيْبَةُ ، وَالْوَطِيحَةُ ، وَسَلَالِمُ ، وَوَخْدَة ، وَكَانَ النِّصْفُ الثَّانِي لِلْمُسْلِمِينَ : نَطَاةُ ، وَالشِّقُّ . 31017 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَغَيْرِهَا فِي فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَكَيْفَ كَانَتْ قِسْمَتُهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . 31018 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ نَصِفَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قِسْمَةِ جَمِيعِهَا ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي قِسْمَةِ الْأَرَضِينَ ، وَفِي تَوْقِيفِهَا . 31019 - وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ بَلْدَةٍ تُفْتَحُ عَنْوَةً ، فَإِنَّ أَرْضَهَا مَوْقُوفَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الَّتِي لِكُلِّ مَنْ حَضَرَهَا وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَمَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا صَنَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ ، وَأَرْضِ مِصْرَ ، وَالشَّامِ جَعَلَهَا مَوْقُوفَةً مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمِصْرِ ، وَمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ . 31020 - وَاحْتَجَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ بِالْآيَةِ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ . 31021 - وَقَالَ : مَا أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ حَتَّى الرَّاعِي ، وَكَانَ يَفْرِضُ لِلْمَنْفُوسِ وَالْعَبْدِ . 31022 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ مَا افْتَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ . رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَالِكٍ . 31023 - وَكَانَ فِعْلُ عُمَرَ فِي تَوْقِيفِ الْأَرْضِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ فِيمَا عَدَا الْأَرَضِينَ ، وَأنَّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ . 31024 - وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِأَنَّ الْغَنَائِمَ الَّتِي أُحِلَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، إِنَّمَا كَانَتْ مَا تَأْكُلُهُ النَّارُ . 31025 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ ، فَتَأْكُلُهَا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 31026 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَقَالَ : لَا يَنْبَغِي أَحَدٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : أَنَّهُ غَزَا قَرْيَةً ، فَدَنَا مِنْهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ : إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ ، وَأَنَا مَأْمُورٌ ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا ، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ ، فَجَاءَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهَا ، فَلَمْ تَطْعَمْهَا ، فَقَالَ : إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ; فَبَايَعُوهُ ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ : فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ ، فَبَايَعَتْهُ ، قَالَ : فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَقَالَ : فِيكُمُ الْغُلُولُ أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ فَجَاءُوا بِرَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَوَضَعُوهَا ، فَجَاءَتِ النَّارُ ، فَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ ; لَمَّا رَأَى مِنْ عَجْزِنَا ، وَضَعْفِنَا أَحَلَّهَا لَنَا . 31027 - رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَهِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . 31028 - وَمِمَّا رُوِيَ : أَنَّ هَارُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُحَرِّقُوا مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَتَاعِ فِرْعَوْنَ ، فَجَمَعُوهُ ، وَأَحْرَقُوهُ ، فَأَلْقَى السَّامِرِيُّ فِيهِ الْقَبْضَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، يُقَالُ : مِنْ أَثَرِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَصَارَتْ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ . 31029 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَجْرِ هَذَا الْمَجْرَى إِلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى احْتَجُّوا بِهَا ، لَيْسَ فِيهَا بَيَانٌ قَاطِعٌ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا ، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدَّيْهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ هَاهُنَا بِمَعْنَى سَتَمْنَعُ . 31030 - قَالُوا : وَهُوَ مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ عَلَى كُلِّ جَدِيبٍ مِنَ الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَةِ ، وَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي تَوْقِيفِ الْأَرَضِينَ جَمَاعَةُ الْكُوفِيِّينَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ إِنْ شَاءَ قَسَمَهَا وَأَهْلَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَيْبَرَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ ، وَتَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ ، يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا كَسَائِرِ مَا يَمْلِكُونَ . 31031 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَلَا يَرَى الْإِمَامَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ ، وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ عِنْدَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ ، وَإِنَّمَا الْمَمْلُوكَةُ عِنْدَهُ أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلَهَا . 31032 - وَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي التَّمْهِيدِ . 31033 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْسِمُ الْأَرْضَ فِي كُلِّ مَا افْتَتَحَ عَنْوَةً ، كَمَا يَقْسِمُ سَائِرَ الْغَنَائِمِ وَأَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْمُوجِفِينَ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ ، وَالرِّكَابِ ، وَمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ ، وَالْفَتْحَ مِنْ مُقَاتِلٍ وَمُكْتَرٍ بَالِغٍ حُرٍّ . 31034 - وَإِنَّمَا الْخُمُسُ عِنْدَهُ الْمَقْسُومُ عَلَى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ . 31035 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعَانِيَ الْخُمُسِ ، وَاخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِ الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَاتِ عَنْوَةً ; لِمَا جَرَى مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . 31036 - وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ . مِنْ هَذَا الْبَابِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ يَعْنِي وَالْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ ، فَمَلَّكَهُمْ كُلَّ مَا غَنِمُوا مِنْ أَرْضٍ وغيرها ، مَعَ مَا رُوِيَ فِي خَيْبَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَهَا بَيْنَ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا ، وَهُمُ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا . 31037 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَلَّا يَكُونَ فِيهَا دِينَانِ ، كَنَحْوِ مَحَبَّتِهِ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ حَتَّى نَزَلَتْ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا الْآيَةَ . 31038 - وَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِوَحْيٍ ، وَكَانَ يَرْجُو أَنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ رَغْبَتَهُ فِي إِبْعَادِ الْيَهُودِ عَنْ جِوَارِهِ ، فَذَكَرَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ مَا ذَكَرَ مُنْتَظِرًا لِلْقَضَاءِ فِيهِمْ ، فَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَأَتَاهُ الْوَحْيُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ . وَأَوْصَى بِذَلِكَ . 31039 - وَالشَّوَاهِدُ بِمَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٌ جَدًا مِنْهَا : مَا ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى الْيَهُودِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهَا ، وَلَهُمْ شَطْرُهَا ، قَالَ : فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : لَا يَجْتَمِعْ دِينَانِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ أَوْ قَالَ : بِأَرْضِ الْعَرَبِ فَفَحَصَ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَ الثَّبْتَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَأْتِ بِهِ ، وَإِلَّا فَإِنِّي مُجْلِيكُمْ ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ . 31040 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنَ الْآثَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 31041 - وَلَيْسَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْيَهُودِ : أَقَرَّكُمُ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَجُوزُ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ ، أَوْ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءَ مِنْ رَبِّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ . 31042 - وَقَدْ أَحْكَمَتِ الشَّرِيعَةُ مَعَانِي الْإِجَارَاتِ ، وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ . 31043 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا الْمُجِيزُونَ لِلْمُسَاقَاةِ ، لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِلَّا إِلَى سِنِينَ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ أَعْوَامٍ مَعْدُودَةٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يُكْرَهُونَهَا فِيمَا طَالَ مِنَ السِّنِينَ . 31044 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، وَكَانَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - كَانَ قَدْ أَفَاءَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى مَنْ مَعَهُ خَيْبَرَ بِمَنْ فِيهَا ، فَكَانُوا لَهُ عَبِيدًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، أَفَاءَهَا اللَّهُ ، وَأَهْلَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَقَرَّهُمْ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَعْمَلُوهَا عَلَى الشَّطْرِ . 31045 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ فِي الْبَيْعِ ، وَغَيْرِهِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّينَ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مِنْ يَرَاهُ يَمْلِكُ ، وَمَنْ يَقُولُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ . 31046 - وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمُتَسَاقِيَيْنِ شَرِيكَانِ ، فَلَا يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَبِمَا لَمْ يَدْخُلْهُ الْمُزَابَنَةُ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا . 31047 - وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ : إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ مَنْ يَخْرُصُ الثِّمَارَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ طِيبِهَا لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسُوا شُرَكَاءَ مُتَعَيَنِينَ ، وَالشُّرَكَاءُ الْيَهُودُ ، وَلَوْ تُرِكُوا ، وَأَكْلَ الثَّمَرِ رُطَبًا ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْعَطِيَّةِ ، أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَبِسَهْمِ الْمَسَاكِينِ فَخُرِصَتْ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ . 31048 - وَأَهْلُ الْأَمْوَالِ أُمَنَاءُ فِي ذَلِكَ مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31049 - وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي رُؤُوسِ الشَّجَرِ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَغْرَاضِهِمْ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَنَذْكُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 31050 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ ، وَالْمُسَاقَاةِ : 31051 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ ، وَالْمُزَارَعَةُ لَا تَجُوزُ . 31052 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ . 31053 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمْ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ ، أَوِ الرُّبُعِ ، أَوْ جُزْءٍ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ . 31054 - إِلَّا أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ مِنَ الْمُزَارَعَةِ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَا كَانَ مِنَ النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ إِذَا كَانَ تَبَعًا لِثَمَنِ الشَّجَرِ ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بَيْنَ النَّخْلِ الثُّلُثَ ، وَالنَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ ، وَيَكُونُ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ لِلْعَامِلِ ، أَوْ بَيْنَهُمَا . 31055 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ ، وَلَا الْمُسَاقَاةُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَأَنَّ الْمُزَارَعَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَكِرَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُ ، وَنَحْوِ هَذَا . 31056 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ ، وَالْمُزَارَعَةُ جَمِيعًا . 31057 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . 31058 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَى يَهُودُ خَيْبَرَ عَلَى شَرْطِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَةِ . 31059 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ فِي بَابِ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 31060 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ . 31061 - فَقَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ أَصْلٍ ثَابِتٍ يَبْقَى : نَحْوُ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ وَالتِّينِ وَالْفِرْسِكِ وَالْعِنَبِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالزَّيْتُونِ وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى . 31062 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . 31063 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ مَا يُجْنَى ، ثُمَّ يَخْلُفُ نَحْوُ الْقَصَبِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْبُقُولِ ; لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَبَيْعُ مَا يُجْنَى بَعْدَهُ .
31064 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ إِذَا اسْتَقَلَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ ، وَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ بَعْدَ عَجْزِ صَاحِبِهِ عَنْ سَقْيِهِ . 31065 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ ، إِذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ، وَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الْمَوْزِ ، وَالْقَصَبِ بِحَالٍ . 31066 - حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ عَنْ مَالِكٍ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ . 31067 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِي النَّخْلِ ، وَالْكَرْمِ ; لِأَنَّ ثَمَرَهَما بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ ، وَلَا حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ إِحَاطَةَ النَّظَرِ بِهِ . قَالَ : وَثَمَرُ غَيْرِهِمَا مُتَفَرِّقٌ بَيْنَ أَضْعَافِ وَرَقِ شَجَرِهِ لَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ . 31068 - قَالَ : وَإِذَا سَاقَى عَلَى نَخْلٍ فِيهَا بَيَاضٌ فَإِنْ كَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِ الْبَيَاضِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِشَرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ ، وَكَانَ غَيْرَ مُثْمِرٍ جَازَ أَنْ يُسَاقَى عَلَيْهِ فِي النَّخْلِ لَا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ . 31069 - قَالَ : وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا . 31070 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْعَمِلِ فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ . 31071 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا اعْتَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأُصُولِ ، فَإِنَّ ثَمَرَتَهَا ظَاهِرَةٌ ، لَا حَائِلَ دُونَهُمَا يَمْنَعُ مِنْهَا ; لِإِحَاطَةِ النَّظَرِ إِلَيْهَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْكُمِّثْرَى ، وَالتِّينَ ، وَحَبَّ الْمُلُوكِ ، وَعُيُونَ الْبَقَرِ ، وَالرُّمَّانَ ، وَالْأُتْرُجَّ ، وَالسَّفَرْجَلَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، كَمَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ، وَالْعِلَّةُ لَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْخَرْصُ ، وَالْخَرْصُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، فَأَخْرَجَتْهُ عَنِ الْمُزَابَنَةِ كَمَا أَخْرَجَتِ الْعَرَايَا مِنْهُمَا ، وَذَلِكَ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ خَاصَّةً بِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ فِي ذَلِكَ . 31072 - حَدَّثَنَاه خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ النَّفَرِ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ ، وَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا . 31073 - وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ فَوَصَلَهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ مَاتَ بِمَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَرَدَ النَّعْيُ بِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّمَا وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا لِخِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ؛ فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 31074 - وَأَجَازَ الْمُسَاقَاةَ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ . 31075 - وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ ، وَغَيْرِهَا لِلزَّكَاةِ . 31076 - فَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . 31077 - وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَ الْخَرْصَ لِلزَّكَاةِ خَاصَّةً فِي غَيْرِ الْمُسَاقَاةِ . 31078 - وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْخَرْصَ ، وَلَمْ يُجِزْهُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَقَالَ : الْخَرْصُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ ، قَالَ : وَأَمَّا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا يَصِيرُ فِي يَدِهِ لِلْمَسَاكِينِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ . 31079 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ . 31080 - وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : الْخَرْصُ لِلزَّكَاةِ جَائِزَةٌ فِي النَّخْلِ خَاصَّةً دُونَ الْعِنَبِ ، وَدُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ وَدَفَعَ حَدِيثَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ مُرْسَلٌ . ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 31081 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يُجِيزُونَ الْقِسْمَةَ فِي الثِّمَارِ إِلَّا كَيْلَا بَعْدَ تَنَاهِيهَا ، وَيَبْسِهَا ، وَقَدْ أَجَازَهَا مِنْهُمْ قَوْمٌ ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا : 31082 - فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يَقُولُ بِهِ . 31083 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ ، وَالْأَشْجَارِ إِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَةُ الشَّرِيكَيْنِ إِلَّا التَّمْرَ ، وَالْعِنَبَ فَقَطْ . 31084 - وَأَمَّا الْخَوْخُ ، وَالرُّمَّانُ ، وَالسَّفَرْجَلُ ، وَالْقِثَّاءُ ، وَالْبِطِّيخُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنَّ مَالِكًا لَمْ يُجِزْ قِسْمَتَهَا عَلَى التَّحَرِّي ، وَكَانَ يَقُولُ : الْمُخَاطَرَةُ تَدْخُلُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فَضْلُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ . 31085 - قَالَ : وَقَالَ مُطَرِّفٌ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَأَشْهَبُ : لَا بَأْسَ بِاقْتِسَامِهِ عَلَى التَّحَرِّي ، وَالتَّعْدِيلِ ، أَوْ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالرِّضَا بِالتَّفَاضُلِ . 31086 - وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ . 31087 - قَالَ : وَبِهِ أَقُولُ ; لِأَنَّ مَا جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ جَازَ فِيهِ التَّحَرِّي . 31088 - وَذَكَرَ سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِي ذَلِكَ . 31089 - قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، فَأَرْخَصَ فِيهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ لِي فِيهِ . 31090 - وَقَالَ أَشْهَبُ : سَأَلْتُ مَالِكًا مَرَّاتٍ عَنْ تَمْرِ النَّخْلِ ، وَالْأَعْنَابِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الثِّمَارِ تُقْسَمُ بِالْخَرْصِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لِي : إِذَا طَابَتِ الثَّمَرَةُ مِنَ النَّخْلِ وَغَيْرُهَا أُقْسِمَتْ بِالْخَرْصِ . 31091 - وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ الْعَرَايَا ، وَغَيْرِهَا بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ ، كَمَا تَجُوزُ فِي النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ . 31092 - قَالَ : وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ . 31093 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ ؛ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إِلَّا فِي الْعَرَايَا خَاصَّةً . 31094 - وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعَرَايَا فَلَا ، وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ تَدْخُلُهُ الْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا وَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً ؟ ! 31095 - وَإِنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْعَرَايَا خَاصَّةً ; لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ تَخْصِيصِ مِقْدَارِهَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ . 31096 - قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : أَشْهَبُ لَا يَشْتَرِطُ فِي الثِّمَارِ إِلَّا طَيِّبَهَا ، ثُمَّ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ أَرْبَابِهَا بِالْخَرْصِ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى اخْتِلَافِ حَاجَاتِهِمْ . 31097 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . قَالَ : وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ غَرَضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ ، وَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يُيَبِّسَ وَيَدَّخِرَ وَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يَأْكُلَ ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُمْ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْخَرْصَ ، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ حَاجَتُهُمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَبِيعُوا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْكُلُوا رَطْبًا أو عَلَى أَنْ يَجِدُوهَا تَمْرًا ، لَمْ يَقْتَسِمُوهَا بِالْخَرْصِ . 31098 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّخْلِ الْمُثْمِرِ إِذَا اقْتَسَمَتِ الْأُصُولَ بِمَا فِيهَا مِنَ الثَّمَرَةِ جَازَ ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَبَعُ الْأُصُولِ بِالْقِسْمَةِ ، وَالْقِسْمَةُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةٌ لِلْبُيُوعِ ، قَالَ : لِأَنَّهَا تَجُوزُ بِالْقُرْعَةِ ، وَالْبَيْعُ لَوْ وَقَعَ بِالْقُرْعَةِ لَمْ يَجُزْ ، ( وَأَيْضًا ) فَإِنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّحَابِيَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا جَائِزٌ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَتَطَوُّعٌ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ . 31099 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قِسْمَةُ الثَّمَرَةِ دُونَ الْأُصُولِ قَبْلَ طِيبِهَا بِالْخَرْصِ عَلَى حَالٍ ، وَتَجُوزُ عِنْدَهُ قِسْمَتُهَا مَعَ الْأُصُولِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 31100 - وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ تَجُوزُ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا طَابَتْ وَحَلَّ بَيْعُهَا ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ .
31116 - قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مُقَارِضٍ أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِذَلِكَ يَقُولُ : أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً ، تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا ، وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ ، عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 31117 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَشْبِيهُ مَالِكٍ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الْمُسَاقَاةِ كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ فِيهِمَا ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْأَجْرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مَجْهُولًا . 31118 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
31101 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ ، فَمَا ازْدَرَعَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ ، فَهُوَ لَهُ . قَالَ : وَإِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَضبِّ الْأَرْضِ فَذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ . قَالَ : وَإِنِ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِذَا كَانَتِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ ، الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ ، فَإِنِ اشْتُرِطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ ، كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ ; لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا وَالنَّفَقَةُ وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفُ . 31102 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقَاةِ إِلَّا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِيهَا وَالْعَمَلُ ; لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ أُصُولِ الْبِيَاعَاتِ ، وَالْإِجَارَاتِ ، فَلَمْ يَتَعَدَّ بِهَا مَوْضِعَهَا كَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ أُصُولِهَا الِاسْتِثْنَاءَ بِهَا مِنْهَا ، وَغَيْرُهُ يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ فِي الْبَيَاضِ مِنْهُمَا مَعًا ، وَيَقُولُ ذَلِكَ مَا جَوَّزَ وَأَبْعَدَ مِنَ الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمَا بِالثُّلُثِ ، وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُهُ . 31103 - هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ . 31104 - وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، فَالْمُزَارَعَةُ عِنْدَهُمَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ جَائِزَةٌ 31105 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِيمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْهُ . 31106 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ . 31107 - وَجَائِزٌ عِنْدَهُمُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى النَّخْلِ ، وَالْأَرْضِ نَحْوَ مِمَّا يُخْرِجُ هَذِهِ ، وَهَذِهِ عَلَى مَا رَوَى فِي مُسَاقَاةِ خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ ، وَالنَّخْلُ . 31108 - وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَزُفَرَ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا الْمُزَارَعَةُ ، وَلَا الْمُسَاقَاةُ . 31109 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
( 2 ) بَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ 1378 - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي عُمَّالِ الرَّقِيقَ فِي الْمُسَاقَاةِ ، يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقى عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ ، لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ إِلَّا أَنَّهُ تَخِفُّ عَنْهُ بِهِمُ الْمَؤُونَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ مَؤُونَتُهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْعَيْنِ وَالنَّضْحِ ، وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقى فِي أَرَضِينَ سَوَاءٍ فِي الْأَصْلِ وَالْمَنْفَعَةِ ; إِحْدَاهُمَا بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ غَزِيرَةٍ ، وَالْأُخْرَى بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِخِفَّةِ مُؤْنَةِ الْعَيْنِ وَشَدَّةِ مُؤْنَةِ النَّضْحِ . قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ : وَالْوَاثِنَةُ ، الثَّابِتُ مَاؤُهَا ، الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ . إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْبَابِ . 31221 - وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ بِرَقِيقِ الْحَائِطِ فِي غَيْرِهِ ، وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الرَّقِيقِ مَا لَيْسَ فِيهِ ، وَلَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ مَنْ كَانَ فِيهِ فِي عَقْدٍ مِنَ الْمُسَاقَاةِ وَلَهُ ذَلِكَ ، قِيلَ : وَإِنَّمَا يُسَاقِيهِ عَلَى حَالِهِ ، وَمَنْ مَاتَ مِنَ الرَّقِيقِ ، أَوْ لَحِقَتْهُ آفَةٌ ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَخْلُفَهُ . هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ إِلَى آخَرَ الْبَابِ . 31222 - وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَقِيقِ الْحَائِطِ أَحَدًا كَانَ فَيُخْرِجَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ ازْدَادَ عَلَيْهِ زِيَادَةً ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَخْلَةً بِعَيْنِهَا أَوْ عَمَلًا يَعْمَلُهُ لَهُ خَاصَّةً فِي الْحَائِطِ ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الرَّقِيقُ مِنَ الْحَائِطِ قَبْلَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ ، فَقَدْ فَعَلَ مَا كَانَ لَهُ فِعْلُهُ فِي مَالِهِ ، وَسَاقَى الْحَائِطَ عَلَى مَالِهِ . 31223 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِنَّمَا هُوَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنَ الرَّقِيقِ ، فَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ ، وَلَا قَوْلُه أَصْحَابِهِ فِيهِ ، فَإِنِ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ رَقِيقًا ، لَمْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي الْحَائِطِ ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ . 31224 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي " الْمُدَوَّنَةِ " : بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سَهَّلَ فِي الدَّابَّةِ الْوَاحِدَةِ يَشْتَرِطُهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ ، قَالَ : وَذَلِكَ عِنْدِي إِذَا كَانَ الْحَائِطُ كَثِيرًا لَهُ قَدْرٌ فَأَمَّا الْحَائِطُ الصَّغِيرُ ، فَلَا يَجُوزُ . 31225 - وَفِي " الْعُتْبِيَّةِ " رَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ . 31226 - وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . 31227 - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ : لَسْتُ آخُذُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَدًا مِنَ الرَّقِيقِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْحَائِطِ يَوْمَئِذٍ . 31228 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ النَّخْلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ ، لَا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي غَيْرِهِ ، وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِأَكْثَرِ مِنْ أُجْرَتِهِمْ . 31229 - فَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلْمُسَاقى بِغَيْرِ أَجْرٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ . 31230 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْمَالِ فِي الْمُسَاقَاةِ ، وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى الْمُسَاقِي دُولَابًا ، وَآلَاتٍ يَسْتَقِي عَلَيْهَا الزَّرْعَ ، وَلَوِ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ .
1415 234 - كِتَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ 1379 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ . قَالَ حَنْظَلَةُ : فَسَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ؟ فَقَالَ : أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ . 1380 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 1381 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ الْحَدِيثَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ؟ فَقَالَ : أَكْثَرَ رَافِعٌ ، وَلَوْ كَانَ لِي مَزْرَعَةٌ أَكْرَيْتُهَا . 1382 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ ; أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ ابْنُهُ : فَمَا كُنْتُ أَرَاهَا إِلَّا لَنَا ، مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ ، حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ مَنْ كِرَائِهَا ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ . 1383 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . وَسُئِلَ مَالِكٌ : عَنْ رَجُلٍ أَكْرَى مَزْرَعَتَهُ بِمِائَةِ صَاعٍ مَنْ تَمْرٍ ، أَوْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الْحِنْطَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ . 31231 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْمُسَاقَاةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى بِهِ ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ . 31232 - وَأَمَّا هَذَا الْبَابُ ، فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِشَارَةً كُلُّهَا إِجَازَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَيَقْتَضِي أَيْضًا الرَّدَّ عَلَى مَنْ كَرِهَ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِكُلِّ حَالٍ وَنَحْنُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى نُبَيِّنُ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ 31233 - فَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كِرَائِهَا بِكُلِّ حَالٍ ، إِلَّا أَنْ رَافِعًا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كِرَاءَهَا بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ . 31234 - وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَحَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الْمَزَارِعِ . 31235 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَعَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ; كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَتَرَكَ ابْنُ عُمَرَ كِرَاءَهَا . 31236 - وَرَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَذَلِكَ . 31237 - وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي بُجَيْرٍ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ كَانَ يَقُولُ : مَنَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ نُكْرِيَ الْمَحَاقِلَ . 31238 - وَرَوَى عَبْدُ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إِجَارَةِ الْأَرْضِ . 31239 - فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْمَزَارِعِ بِحَالٍ ، لَا بِذَهَبٍ ، وَلَا بِفِضَّةٍ ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ . 31240 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ طَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ ، وَلَا بِالْوَرِقِ ، وَلَا بِالْعُرُوضِ . 31241 - وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ الْأَصَمُّ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّهَا إِذَا اسْتُؤْجِرَتْ ، وَحَرَثَهَا الْمُسْتَأْجِرُ ، وَأَصْلَحَهَا لَعَلَّهُ أَنْ يَحْرِقَ زَرْعَهُ ، فَيَرُدَّهَا وَقَدْ زَادَتْ وَانْتَفَعَ رَبُّ الْأَرْضِ ، وَلَمْ يَنْتَفِعِ الْمُسْتَأْجِرُ ، فَمِنْ هُنَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31242 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ كِرَاءَهُ مِنْ كَرِهَهُ ; لِلْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ . 31243 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ - وَأَبِي مِنْ ذَلِكَ - حَدِيثُ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيُزْرِعْهَا ، وَلَا يُؤَاجِرْهَا . 31244 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 31245 - وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِمَنْ شَاءَ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ غَيْرِ الذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ . 31246 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ ، فَهُوَ يَزْرَعُهَا ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا ، فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ ، وَرَجُلٌ اكْتَرَى بِذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةٍ . 31247 - قَالُوا : فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالتَّوْفِيقِ . 31248 - وَهُوَ مَذْهَبُ رَبِيعَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 31249 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ . 31250 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 31251 - وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بَأْسًا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . 31252 - وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا خَلَا الطَّعَامَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ . 31253 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ، فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ ، وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ ، وَلَا بِرُبُعٍ ، وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى . 31254 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، قَالُوا : فَقَدْ حَاجَزَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَنَعَ مَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ الْمَعْلُومِ ، وَغَيْرِ الْمَعْلُومِ . 31255 - وَتَأَوَّلُوا فِي نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ أَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ . 31256 - وَذَكَرُوا حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَرْفُوعًا ، وَفِيهِ : الْمُحَاقَلَةُ : اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ . 31257 - قَالُوا : وَسَائِرُ طَعَامِهِ كُلِّهِ فِي مَعْنَاهَا ، وَجَعَلُوهُ ، مِنْ بَابِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً . 31258 - وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ ، وَالطَّعَامِ كُلِّهِ ، وَسَائِرِ الْعُرُوضِ كُلِّهَا إِذَا كَانَ مَعْلُومًا . 31259 - قَالُوا : وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِشَيْءٍ ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولًا أَوْ غَرَرًا . 31260 - وَهُوَ قَوْلُ سَالِمٍ ، وَغَيْرِهِ . 31261 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : أَكْثَرَ رَافِعٌ عَلَى نَفْسِهِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ ، وَاللَّهِ لَنُكْرِيَنَّهَا كِرَاءَ الْإِبِلِ . 31262 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ ، وَسَأَلَهُ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَمَّيْهِ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ . قَالَ : فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَهَا وَقَدْ كَانَ يُكْرِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَقُلْتُ لِسَالِمٍ : أَفَتُكْرِيهَا أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُكْرِيهَا ، قُلْتُ : فَأَيْنَ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَافِعًا أَكْثَرَ عَلَى نَفْسِهِ . 31263 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ . 31264 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَاجِرُونَ الْأَرْضَ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ فِي إِقْبَالِ الْجَدَاوِلِ ، فَيَهْلِكُ هَذَا ، وَيَسْلَمُ هَذَا ، وَيَهْلِكُ هَذَا ، فَكَذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِمَّا شَيْءٌ مَضْمُونٌ مَعْلُومٌ ، فَلَا . قَالُوا : فَقَدْ أَخْبَرَنَا رَافِعٌ بِالْعِلَّةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ . 31265 - وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْبَدَلِ وَأَخْبَرَ أَنَّ كِرَاءَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ مَعْلُومٍ جَائِزٌ . 31266 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، قَالَ : كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُخَابِرُ فَنَقُولُ : لِهَذَا هَذَا الْجَانِبُ وَلِهَذَا هَذَا الْجَانِبُ يَزْرَعُهَا لَنَا ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا بِذَهَبٍ ، أَوْ وَرِقٍ ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ عُيَيْنَةَ . 31267 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى الذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ مِنَ الْأَثْمَارِ الْمَعْلُومَاتِ . 31268 - وَقِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : إِنَّ مَالِكًا يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، فَقَالَ : وَمَا يُرِيدُ مِنْهُ ، وَمَا يَرْجُو مِنْهُ ؟ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَحْفَظُ مِنْهُ . وَقَدْ حَفِظْنَاهُ عَنْهُ . 31269 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ رَبِيعَةَ مُخْتَصَرَةٌ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا آثَارَ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهَا مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ . 31270 - وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَزْرَعُ فِيهَا مُكْتَرِيهَا بِثُلُثٍ ، أَوْ رُبُعٍ ، أَوْ نِصْفٍ . 31271 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَغَيْرِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى يَهُودَ خَيْبَرَ النَّخْلَ ، وَالْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا ، وَيَزْرَعُوهَا ، وَلَهُ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ فِيهَا . 31272 - قَالُوا : هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مِنْ أَحَادِيثِ رَافِعٍ ; لِأَنَّهَا مُضْطَرِبَةُ الْمُتُونِ جِدًّا . 31273 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ ، وَهِيَ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُسَاقَاةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 31274 - وَرَوَى سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ طَاوُسٍ قَالَا : كَانَ طَاوُسٌ يُخَابِرُ . 31275 - قَالَ عَمْرٌو : فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، لَوْ تَرَكْتَ هَذِهِ الْمُخَابَرَةَ ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا . 31276 - قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ ، وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ أَعْلَمُهُمْ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنْهَا يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِمَّنْ يَأْخُذُ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا ، وَقَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْيَمَنَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يُخَابِرُونَ ، وَأَقَرَّهُمْ ، وَأَنَا أُعْطِيهِمْ ، فَأَكُونُ شَرِيكَهُمْ ، فَإِنْ نَقَصُوا كُنْتُ قَدْ نَقَصْتُ مَعَهُمْ . 31277 - قَالَ سُفْيَانُ : يَقُولُ : لِي نَصِيبِي مِمَّا رَبِحُوا ، وَعَلَيَّ مَا نَقَصُوا . 31278 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ ، عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ حَسَنٌ .
31469 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ ، عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ ، فَأَرَادَ شُرَكَاءُ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَاعَ شَرِيكُهُمْ بِالشُّفْعَةِ ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَثْبُتَ لَهُ الْبَيْعُ ، فَإِذَا وَجَبَ لَهُ الْبَيْعُ ، فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ . 31470 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي . 31471 - وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّفِيعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ ، وَيَصِيرَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي ، فَحِينَئِذٍ يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إِنْ أَرَادَ ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ . 31472 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي خَاصَّةً : 31473 - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَنِ اشْتَرَى شِقْصًا عَلَى أَنَّهَا جَمِيعًا بِالْخِيَارِ ، أَوِ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ ، فَلَا شُفْعَةَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَائِعُ . 31474 - وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ ، فَقَدْ خَرَجَ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، فَفِيهِ الشُّفْعَةُ . 31475 - وَعَلَى هَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ . 31476 - ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ ، قَالَ : مَنْ بَاعَ دَارًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهَا أَيَّامًا ثَلَاثَةً ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخِيَارُ ، فَيَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ ، وَكَانَ أَخْذُهُ إِيَّاهَا قَطْعًا بِخِيَارِ الْمُشْتَرِي وَأَمْضَى الْبَيْعَ فِيهَا . 31477 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الشَّرِيكِ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ لَهُ فِيهَا شُرَكَاءُ بِالْخِيَارِ ، ثُمَّ يَبِيعُ بَعْضُ أَشْرَاكِهِ نَصِيبَهُ بَيْعًا بَتْلًا . 31478 - فَفِي الْمُدَوَّنَةِ : إِنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي ، فَالسِّلْعَةُ لِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ . 31479 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ بِالْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ . 31480 - وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ : حُكْمُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ الْمَبِيعِ بَتْلًا لِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ ; لِأَنَّ الشِّقْصَ كَانَ لَهُ ، وَمِنْهُ ضَمَانُهُ ، فَإِنَّ سَلَّمَ ، فَلِلْمُشْتَرِي ، وَلَا تُبَالِي لِمَنْ كَانَ الْخِيَارُ مِنْهُمَا . 31481 - وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَأَشْهَبُ .
31482 - وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضًا فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِينًا ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ : إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ ، وَإِنَّ مَا أَغَلَّتِ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، إِلَى يَوْمِ يَثْبُتُ حَقُّ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ ، أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ . 31483 - قَالَ : فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ ، أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ ، أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أوَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ هُمَا حَيَّانِ ، فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ ، وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ ، قُوِّمَتِ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا ، فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا إِلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ عِمَارَةٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَاعَ الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ بَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ . 31484 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحِقِّ بِمِيرَاثٍ نَصِيبًا فِي أَرْضٍ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَدِيمٌ . 31485 - فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ حَقًّا لَهُ مَا أَظْهَرَهُ شُهُودُهُ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ شَرِيكٍ ظَاهِرِ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ . 31486 - وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ بَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ فِي أَرْضٍ مُشَاعَةٍ بَيْنَهُمَا ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ . 31487 - وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ ; لِأَنَّهُ بِتَقَدُّمِ مِلْكِهِ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّ . 31488 - وَمَنْ قَالَ : لَا شُفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ يَوْمَ اسْتَحَقَّ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ . 31489 - أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنَ الْمُشْتَرِي ، وَلَا مِنَ الْبَائِعِ الْجَاحِدِ لَهُ . 31490 - وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ حُرِّيَّةً عَلَى مَوْلَاهُ وَالْمَوْلَى جَاحِدٌ لَهَا ، فَلَمَّا قَامَتْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ بِالْحُرِيَّةِ قُضِيَ لَهُ بِهَا ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْمَوْلَى خَرَاجُهُ ، وَقِيمَةُ خِدْمَتِهِ ; لِأَنَّهُ جَاحِدٌ لِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ شَهَادَتُهُمْ حُكْمًا ظَاهِرًا مِنْ يَوْمِ شَهِدُوا ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ . 31491 - وَالْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُوجِبُونَ لِلْمُسْتَحِقِّ الْخَرَاجَ ، أَوِ الْغَلَّةَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 31492 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ ، أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ ، أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ ، أَوِ الْمُشْتَرِي إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلِ ، فَإِنَّ طُولَ الزَّمَانِ لِمَنْ كَانَ غَائِبًا ، وَقَامَتْ بَيِّنَتُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ . 31493 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي شُفْعَةِ الْغَائِبِ ، وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَلَا خِلَافٍ . 31494 - وَأَمَّا هَلَاكُ الشُّهُودِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا عَلَى الْبَيْعِ ، فَهَلَكُوا ، أَوِ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ يَتَجَاحَدَانِ ، وَلَا بَيِّنَةَ هُنَاكَ ، فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ عَلَى مَبْلَغِ الثَّمَنِ هَلَكُوا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ خَالَفَهُ الشَّفِيعُ . 31495 - وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا بِخِلَافِهَا . 31496 - وَكَذَلِكَ مَوْتُ الْبَائِعِ ، وَالْمُشْتَرِي لِمَنْ كَانَ لَهُ الْقِيَامُ بِالشُّفْعَةِ لَا يَضُرُّ .
31497 - قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُوَطَّأِ : وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ كَمَا هِيَ فِي مَالِ الْحَيِّ . 31498 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَلْ تُوَرَّثُ الشُّفْعَةُ ؟ وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ . 31499 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرُهُ : الشُّفْعَةُ لَا تُوَرَّثُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ طَالِبًا لَهَا . 31500 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الشُّفْعَةُ تُوَرَّثُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يُوَرَّثُ عِنْدَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ ، وَمَنْ لَا يُوَرَّثُ عِنْدَهُ الْخِيَارُ ، فَقَدْ تُوَرَّثُ عِنْدَهُ الشُّفْعَةُ . 31501 - وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ . 31502 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُشْتَرِي ، وَالْبَائِعِ ، أَوْ هُمَا حَيَّانِ ، فَلْيَبْتَنِي أَصْلَ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ ; لِطُولِ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ ، وَيَأْخُذُ - يَعْنِي الْمُسْتَحِقَّ - حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ فَقَطْ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى لِلْمُسْتَحِقِّ شُفْعَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : 31503 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ يَشْفَعُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ ، كَمَا لَوْ جَهِلَا الثَّمَنَ بِحَدَاثَةِ الْوَقْتِ سَوَاءً . 31504 - وَكَانَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ عِنْدَ جَهْلِ الثَّمَنِ إِذَا طَالَ الزَّمَانُ ، وَنُسِيَ الْبَيْعُ ، وَيَرَوْنَهَا وَاجِبَةً فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ . 31505 - وَقَوْلُهُ أَوْ لِمَا يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ ذِكْرَ الثَّمَنِ ، وَأَخْفَاهُ ، لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ ، فَحِينَئِذٍ يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ فِي الشِّقْصِ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ . 31506 - وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ . 31507 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، قَالَ : إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي ، وَأَتَى الشَّفِيعُ يَطْلُبُ مِنْ وَرَثَتِهِ الشُّفْعَةَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ ، وَقَدْ جَهِلَ الثَّمَنَ حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا عِنْدَهُمْ عِلْمٌ ، وَلَمْ تَكُنْ شُفْعَةً . 31508 - قَالَ : وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَالَ : لَا أَدْرِي بِكَمِ اشْتَرَيْتُ حَلَفَ ، وَشَفَعَ بِالْقِيمَةِ . 31509 - قَالَ : فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ، فَقَدْ مَضَتْ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ قَضِيَّةٌ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُشْتَرِي : اطْلُبْ حَقَّكَ مِمَّنْ شِئْتَ ، أَوْ تَحْلِفُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الشِّقْصِ ، فَإِنْ قَالَ الشَّفِيعُ : لَا أَقْبِضَهُ لَعَلَّ ثَمَنَهُ يَكُونُ كَثِيرًا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ ، فَلَا بُدَّ - حِينَئِذٍ - أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يُسْجَنَ . 31510 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ ، فهِيَ فِي مَالِ الْحَيِّ . فَإِنْ خَشِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ أَنْ يَنْكَسِرَ مَالُ الْمَيِّتِ ، قَسَمُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شُفْعَةٌ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وِرَاثَةِ الشُّفْعَةِ ، وَفِي أَنَّ كُلَّ مَقْسُومٍ ، لَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، أَوْ مِنْ أَجْلِ الِاشْتِرَاكِ فِي الطَّرِيقِ .
31511 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا شُفْعَةَ عِنْدِنَا فِي عَبْدٍ وَلَا وَلِيدَةٍ ، وَلَا بَعِيرٍ وَلَا بَقَرَةٍ وَلَا شَاةٍ ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلَا فِي ثَوْبٍ وَلَا فِي بِئْرٍ لَيْسَ لَهَا بَيَاضٌ ، إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ وَتَقَعُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنَ الْأَرْضِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ . 31512 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَالْحُجَّةُ لَهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 31513 - وَقَدْ شَذَّتْ طَائِفَةٌ ، فَأَوْجَبَتِ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرُوَتْ رِوَايَاتٍ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31514 - مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشَّرِيكُ شَفِيعٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ . 31515 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ وَالْجَارِيَةِ . 31516 - فَقَالَ عَطَاءٌ : إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ . 31517 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : سَمِعْتَنِي - لَا أُمَّ لَكَ - أَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ! وَيَقُولُ هَذَا . 31518 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ غَيْرَ هَذَا فِيمَا عَلِمْتُ ، وَمَنْ قَالَ : بِمَرَاسِيلِ الثِّقَاتِ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِهِ . 31519 - وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، فَالْمُشْتَرِي مَالِكٌ لِمَا اشْتَرَى ، فَلَا يَخْرُجُ مِلْكُهُ عَنْ يَدِهِ إِلَّا بِكِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ ، وَلَا إِجْمَاعَ فِي هَذَا ، بَلِ الْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 31520 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَيُّوبَ : أَتَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يَجْعَلُ فِي الْحَيَوَانِ شُفْعَةً ؟ قَالَ : لَا . 31521 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا جَعَلَ فِي الْحَيَوَانِ شُفْعَةً . 31522 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ سَمْعَانَ ، عَنْ ابن شِهَابٍ ; عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : لَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ شُفْعَةٌ . 31523 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، قَالَ : لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي ذَلِكَ : دَارٍ أَوْ أَرْضٍ . 31524 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْأَرْضِ . 31525 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، قَالَ : فِي الْمَاءِ الشُّفْعَةُ . 31526 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَلَمْ يُعْجِبْنِي مَا قَالَ . 31527 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَأَى قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الشُّفْعَةَ فِي الدَّيْنِ ، وَفِي الْمُكَاتَبِ يُبَاعُ مَا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : الْمِدْيَانُ ، وَالْمُكَاتِبُ أَوْلَى بِذَلِكَ إِذَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي مَا أُرِى . 31528 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : لَمْ أَرَ الْقُضَاةَ إِلَّا يَقْضُونَ فِيمَنِ اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ ، فَصَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْلَى بِهِ . 31529 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي مُكَاتَبٍ اشْتَرَى مَا عَلَيْهِ بِعَرْضٍ ، فَجَعَلَ الْمَكَاتِبُ أَوْلَى بِنَفْسِهِ ، وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ ، فَصَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْلَى إِذَا أَدَّى مِثْلَ الَّذِي أَدَّى صَاحِبُهُ . 31530 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي الْأَسْلَمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ ، وَهُوَ الرَّجُلُ يَبِيعُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، فَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَحَقَّ بِهِ . 31531 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : 31532 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا شُفْعَةَ فِي الدَّيْنِ ، وَلَا يَكُونُ الْمِدْيَانُ أَحَقَّ بِهِ . 31533 - وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ ، وَيَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الْعَرْضِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا أَوْ بِمِثْلِ الْعَيْنِ إِنْ كَانَ عَيْنًا كَالْمُكَاتَبِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ ; لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ ، أَلَّا تَرَى أَنَّ التَّقْوِيمَ ، وَالِاسْتِهَامَ يَجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، وَأَنَّ الْعِتْقَ بِيَدِ أَعْلَى سَائِرِ الْوَصَايَا . 31534 - قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ الْبَائِعَ مِمَّنْ دَخَلَ مَدْخَلَهُ كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ بَاعَ شَرِيكٌ ، وَدَخَلَ شَرِيكٌ ، قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ إِنْ رَأَى الشَّرِيكُ مَا يَضُرُّهُ دَعَا شَرِيكَهُ إِلَى الْبَيْعِ مَعَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ . 31535 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ ، وَأَنَّ التِّجَارَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ ، فَلَا يَخُصُّ مِنْهَا فِي الْأَصْلِ شَيْءٌ إِلَّا بِمِثْلِهِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . 31536 - وَحَدِيثُ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فِي الدُّورِ ، وَالْأَرَضِينَ حَدِيثٌ مُتَّفِقٌ عَلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَسَائِرِ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ . 31537 - وَلَيْسَ فِي الِاخْتِلَافِ حُجَّةٌ ، فَالْوَاجِبُ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْيَقِينِ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
31538 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنِ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا شُفْعَةٌ لِنَاسٍ حُضُورٍ ، فَلْيَرْفَعْهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ ، فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِقُّوا وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ السُّلْطَانُ ، فَإِنْ تَرَكَهُمْ فَلَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَقَدْ عَلِمُوا بِاشْتِرَائِهِ . فَتَرَكُوا ذَلِكَ حَتَّى طَالَ زَمَانُهُ ، ثُمَّ جَاؤوا يَطْلُبُونَ شُفْعَتَهُمْ ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ . 31539 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلٌ مُجْمَلٌ ، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الْأَمَدِ لِطَالِبِ الشُّفْعَةِ لَمْ يَضُرَّهُ قُعُودُهُ عَنِ الطَّلَبِ إِذَا قَامَ فِيمَا لَمْ يَطُلْ مِنَ الزَّمَانِ ، فَإِنْ طَالَ ، فَلَا قِيَامَ لَهُ ، وَلَمْ يَحِدَّ فِي الطُّولِ حَدًّا وَلَا وَقَّتَ فِي مُوَطَّئِهِ وَقْتًا . 31540 - وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَأَصْحَابِهِ : 31541 - فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : السَّنَةُ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرِ ، وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ . 31542 - وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : السَّنَةُ وَنَحْوُهَا . 31543 - وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنِ الثِّقَاتِ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لِلْحَاضِرِ تَنْقَطِعُ بِمُرُورِ السَّنَةِ . 31544 - وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْخَمْسَةَ الْأَعْوَامِ لَيْسَتْ بِكَثِيرٍ ، وَلَا يَقْطَعُ الشُّفْعَةَ إِلَّا الطُّولُ . 31545 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُمَا اسْتَنْكَرَا أَنْ يَحِدَّ مَالِكٌ فِي الشُّفْعَةِ سَنَةً . 31546 - وَقَالُوا : رُبَّمَا سَمِعْنَا مَالِكًا يُسْأَلُ عَنِ الْحَاضِرِ يَقُومُ عَلَى شُفْعَتِهِ بَعْدَ الْخَمْسِ سِنِينَ ، وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَا أَرَى فِي ذَلِكَ طُولًا مَا لَمْ يُحْدِثِ الْمُبْتَاعُ بُنْيَانًا أَوْ هَدْمًا ، أَوْ تَغْيِيرًا بِبِنَاءٍ وَالشَّفِيعُ حَاضِرٌ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُمْ فِي شُفْعَتِهِ فِي الْحِينِ ، أَوْ يُحْدِثَانِ ذَلِكَ ، فَلَا قِيَامَ لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَقْطَعُ شُفْعَتَهُ . 31547 - وَقَدْ تَقَصَّيْتُ اخْتِلَافَهُمْ فِي اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . 31548 - وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُوقِفِ الْمُشْتَرِي الشَّفِيعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ وَقَفَهُ لِيَأْخُذَ أَوْ لِيَتْرُكَ ، فَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ بَعْدُ ، وَإِنْ أَخَذَ أُجِّلَ بِالْمَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 31549 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا . 31550 - وَقَالَ أَصْبَغُ : يُؤْخَذُ بِالْمَالِ عَلَى قَدْرِ قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ وَعَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ ، وَيَقْضِي ذَلِكَ شَهْرٌ ، ثُمَّ لَا يَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ . 31551 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ فَإِنْ فَضَلَتْ مَكَانَهُ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الطَّلَبُ ، فَلَمْ يَطْلُبْ بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ ، وَإِنْ عَلَا ، فَأَخَذَ الطَّلَبَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ حَبْسٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ ، يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ نَافِعٌ ، فَلَا قِيَامَ لَهُ . 31552 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ الشَّفِيعُ فَإِنْ أَشْهَدَ مَكَانَهُ أَنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِلَّا بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ ، وَسَوَاءٌ أَحْضَرَ عِنْدَ ذَلِكَ مَالًا أَوْ ثَمَنَ الْبَيْعِ ، أَوْ لَمْ يُحْضِرْ . 31553 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ بِمَحْضَرٍ مَطْلُوبٍ بِالشُّفْعَةِ ، أَوْ بِحَضْرَةِ الْمَبِيعِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ . 31554 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا مَعْنَى لِإِشْهَادِ الْحَاضِرِ عَلَى الطَّلَبِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ طُلَّابُهُ وَطَلَبُهُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا إِذَا تَرَاخَى بِذَلِكَ وَطَالَ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ; لِأَنَّ تَرْكَهُ لِلطَّلَبِ بِهِ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ، وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ ، وَتَسْخِيرِهَا وَوَطْءِ الْجَارِيَةِ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ ، وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ عِنْدِي مُعْتَبَرٌ فِي الْغَائِبِ الَّذِي يَبْلُغُهُ خَبَرُ شُفْعَتِهِ ، فَيُشْهِدُ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ لِلطَّلَبِ إِذَا قَدِمَ ، وَبَلَغَ مَوْضِعَ الطَّلَبِ يَنْفَعُهُ إِشْهَادُهُ ، وَلَا يَضُرُّهُ عِلْمُهُ بِمَا لَهُ مِنَ الشُّفْعَةِ لِمَوْضِعِ غَيْبَتِهِ . 31555 - وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الْغَائِبِ إِشْهَادًا ، وَلَا يَمِينًا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إِذَا عَلِمَ . 31556 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ كَانَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِهَا احْتِبَاسُ الْمَشْفُوعِ فِيهِ حَتَّى يَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ . 31557 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ لِلشَّفِيعِ حَتَّى يَحْضُرَهُ مِثْلَ الْجُزْءِ الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ بِهِ الشُّفْعَةُ . 31558 - وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ . 31559 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِمْ فِيمَنْ وَجَبَتْ لَهُ شُفْعَةٌ ، فَبَاعَ الشِّقْصَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ يَدْفَعُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ : 31560 - فَذَكَرَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ قَوْلَهُ : اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، فَمَرَّةً قَالَ : تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا تَجِبْ . 31561 - وَاخْتَارَ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ . 31562 - قَالَ : إِنَّمَا لَوْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ ، ثُمَّ بَاعَ حِصَّتَهُ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شُفْعَتَهُ . 31563 - وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بَيْعَهُ بِحِصَّتِهِ فِي الدَّارِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ قِيَامُهُ فِي أَمَدِهَا . 31564 - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَزَادَ : فَإِنْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الثَّانِي . 31565 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ وَأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِهَا الْقَاضِي قَبْلَ بَيْعِهِ بِحِصَّتِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ لَهُ شُفْعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إِلَّا بِالشَّرِكَةِ ، وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ بَعْدَ بَيْعِ حِصَّتِهِ شُفْعَةٌ ، فَأَيُّ شُفْعَةٍ تَجِبُ لَهُ ؟ وَالشُّفْعَةُ إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِي الْمُبْتَاعِ بِالطَّلَبِ ، وَأَدَاءِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلَ وُجُوبِهَا الْبَيْعُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1423 ( 2 ) بَابُ مَا لَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ 1387 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ; أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا ، وَلَا شُفْعَةَ فِي بَئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى هَذَا ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 31421 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ . 31422 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي عَرْصَةِ دَارٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ . 31423 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ : إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا ، فَإِنَّهُ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ لِلْجَارِ . 31424 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ ، فَلَا شُفْعَةَ ، وَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِ مَا تَقَدَّمَ . 31425 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ ، وَلَا فِي فَحْلِ نَخْلٍ ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ : لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ ، إِنَّمَا ذَلِكَ فِي بِئْرِ الْأَعْرَابِ . 31426 - فَأَمَّا بِئْرُ الزَّرْعِ ، وَالنَّخْلِ ، فَفِي ذَلِكَ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ النَّخْلُ لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِنْ قُسِمَ الْحَائِطُ وَتُرِكَ الْبِئْرُ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا . 31427 - وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَتْ بُيُوتُ الدَّارِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَ الْحَائِطُ وَتُرِكَ الْفَحْلُ وَالْفَحْلَانِ لِلْإِبَّارِ وَأَكْلِ الطَّلْعِ ، إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا . 31428 - وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَتْ بُيُوتُ الدَّارِ ، وَتُرِكَتِ الْعَرْصَةُ لِلِارْتِفَاقِ ، فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ فِيهَا ، فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ . 31249 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ بِقَوْلِهِ بِئْرِ الْأَعْرَابِ : الْبِئْرَ الَّتِي فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ . 31430 - وَالْمِسْقَاةُ لَيْسَتْ بِئْرًا يُسْقَى بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ ، وَالشَّجَرِ . 31431 - وَذِكَارُ الشَّجَرِ حُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَحُكْمِ النَّخْلِ . 31432 - وَحُكْمُ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ ، إِنْ كَانَ لَهَا بَيَاضٌ ، وَزَرْعٌ وَنَخْلٌ ، وَبَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْعًا فِيهِ شُفْعَةٌ دَخَلَتِ الْعَيْنُ فِي ذَلِكَ وَالْبِئْرُ ، فَإِذَا انْفَرَدَتِ الْعَيْنُ ، أَوِ الْبِئْرُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا إِذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهَا . 31433 - وَكَذَلِكَ حُكْمُ الطُّرُقِ ، وَالْمَرَافِقِ الْمَتْرُوكَةِ لِلِارْتِفَاقِ ، لَا شُفْعَةَ فِيهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَيْعًا لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ وَتَجْمَعُهَا صَفْقَةٌ . 31434 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ ، لَا بَيَاضَ لَهَا وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهَا بَيَاضٌ ، وَلَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ . 31435 - وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إِلَّا فِيمَا تَحْتَمِلُهُ الْقِسْمَةُ ، وَتُضْرَبُ فِيهِ الْحُدُودُ . 31436 - وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ فِي طَرِيقٍ وَإِنَّمَا الْعَرْصَةُ إِذَا احْتَمَلَتِ الْقِسْمَةَ ، وَبِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَفِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَهُ خِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ . 31436 م - وَسَوَاءٌ تُرِكَتْ لِلِارْتِفَاقِ أَوْ لَمْ تُتْرَكْ ، وَإِنَّمَا أَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرَضِينَ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ ، وَضَرْبَ الْحُدُودِ ، وَكَانَ مُشَاعًا ، فَفِيهِ الشُّفْعَةُ . 31437 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَلَّا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ ، وَلَا فَحْلِ نَخْلٍ . 31438 - وَأَمَّا الْعَرْصَةُ فَقِيَاسُهُمْ أَنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْأَرْضِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْقِسْمَةِ . 31439 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي النَّخْلَةِ الْمُطَعَّمَةِ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ، يَبِيعُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْهَا . 31440 - فَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا . 31441 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَاسَهَا عَلَى فَحْلِ النَّخْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31442 - وَقَالَ أَشْهَبُ ، وَعَبْدُ الملك بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : فِيهَا الشُّفْعَةُ ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى . 31443 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّتُهُمْ فِي إِيجَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّ النَّخْلَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا فِيهِ الشُّفْعَةُ . 31444 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْحَائِطِ الْمُثْمِرِ مِنَ الشَّجَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعٌ لِزِرَاعَةٍ ، وَكَانَ مُشَاعًا ، أَنَّ الشُّفْعَةَ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ . 31445 - وَحُكْمُ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الْحَائِطِ كُلِّهِ . 31446 - وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا : الرَّحَا . 31447 - فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الرَّحَا ، كَمَا أَنْ بِيعَتْ مُنْفَرِدَةً دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ لَمْ تَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ . 31448 - وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : يَقْضِي الثَّمَنَ عَلَى الْأَرْضِ وَالرَّحَى ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَالشِّقْصِ يُبَاعُ مَعَ عَبْدٍ . 31449 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ فِي رَقِيقِ الْحَائِطِ ، فَكَيْفَ بِالرَّحَى مَعَ الْأَرْضِ ؟ 31450 - وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ قَالَ سَحْنُونٌ . 31451 - وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَنْدَرِ إِذَا بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْهُ : 31452 - فَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَشْهَبَ ، وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ ، وَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَرَضِينَ . 31453 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا شُفْعَةَ فِي الْأَنْدَرِ ، وَكَذَلِكَ الْأَقْبِيَةُ ، لَا شُفْعَةَ فِيهَا إِذَا بِيعَتْ ، قَالَ : وَالْأَنْدَرُ عِنْدِي مِثْلُ الْأَقْبِيَةِ . 31454 - وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَمَّامِ : 31455 - فَقَالَ مَالِكٌ : فِيهِ الشُّفْعَةُ . 31456 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا شُفْعَةَ فِيهِ . 31457 - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ ; أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ . 31458 - قَالَ : وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ . 31459 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَأَنَا أَرَى فِيهِ الشُّفْعَةَ . 31460 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَمَّامَ يُقْسَمُ . 31461 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لُبَانَةَ يُفْتِيَانِ فِي الشُّفْعَةِ لِلْحَمَّامِ . 31462 - وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّمَرَةِ تُبَاعُ مُنْفَرِدَةً دُونَ الْأَصْلِ . 31463 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ : فِيهَا الشُّفْعَةُ ; لِأَنَّهَا تُقْسَمُ بِالْحُدُودِ . 31464 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ فِي رُؤوسِ الْأَشْجَارِ . 31465 - وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الدِّمْيَاطِيُّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ فِيهَا الشُّفْعَةَ . 31466 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الشُّفْعَةِ فِي الْكِرَاءِ ، أَوِ الدُّورِ ، وَالرِّبَاعِ ، وَالْأَرَضِينَ ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ ، وَفِي الدَّيْنِ هَلْ يَكُونُ الْمِدْيَانُ أَحَقَّ بِهَا ؟ 31467 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ . 31468 - وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ يَنْفِي الشُّفْعَةَ ، وَيُسْقِطُهَا إِلَّا فِي الْمُشَاعِ مِنَ الْأَرَضِينَ ، وَالرِّبَاعِ حَيْثُ يُمْكِنُ ضَرْبُ الْحُدُودِ ، وَتَصْرِيفُ الطُّرُقِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
31392 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ فَيَعْمُرُهَا بِالْأَصْلِ يَضَعُهُ فِيهَا ، أَوِ الْبِئْرَ يَحْفِرُهَا ، ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا ، فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ : إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ ، كَانَ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا . 31393 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيمَةُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي الْبُنْيَانِ قَائِمًا ; لِأَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِهِ ، وَحَقِّهِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَى ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شُفْعَةٌ أَخْبَرَهُ ، فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلشَّفِيعِ ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ - إِنْ شَاءَ شَفَعَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْفَعْ - فَكَأَنَّهُ إِذَا شَفَعَ بَيْعٌ حَادِثٌ وَعُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي . 31394 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْبَانِيَ مُتَعَدٍّ بِبُنْيَانِهِ فِيمَا فِيهِ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَعْلُومًا - إِنْ شَاءَ الشَّفِيعُ ، أَوْ يَأْخُذُهُ بِنِصْفِهِ . 31395 - وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَبَنَى فِي نَصِيبِهِ ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ ، فَإِنْ قَضَى الْحَاكِمُ بِالْقِسْمَةِ ، وَحَكَمَ بِهَا لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ ، وَأَقَامَ لِلْغَائِبِ وَكِيلًا فِي الْقِسْمَةِ ، فَقَسَمَ ، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ ، وَبَنَى فِيهَا ، فَهُوَ - حِينَئِذٍ - غَيْرُ مُتَعَدٍّ . 31396 - فَإِنِ اسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ الْحِصَّةَ مُشَاعَةً ، لَمْ يَمْنَعْهُ قَضَاءُ الْقَاضِي شُفْعَتَهُ ; لِأَنَّ الْغَائِبَ عَلَى شُفْعَتِهِ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ فَيَتْرُكَ ، فَإِنْ عَلِمَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ إِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْعِلْمِ قَادِرًا عَلَى الطَّلَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَفَعَ إِذَا قَدِمَ إِنْ شَاءَ ، وَأَعْطَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الشِّقْصِ ، وَقِيمَةَ الْبُنْيَانِ تَامًّا ; لِأَنَّهُ بَنَى فِي غَيْرِ اعْتِدَاءٍ . 31397 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ ، قَالَ : وَمَنِ اشْتَرَى دَارًا وَقَبَضَهَا ، فَبَنَى فِيهَا بِنَاءً ، ثُمَّ حَضَرَ شَفِيعُهَا ، فَطَلَبَ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ ، فَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ فِيهَا ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي : انْقُضْ بِنَاءَكَ ; لِأَنَّكَ بَنَيْتَهُ فَمَا كَانَ الشَّفِيعُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الشَّفِيعُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُعْطِيَهُ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ . 31398 - فَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . 31399 - قَالَ : وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ . 31400 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَاءَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ وَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ قَائِمًا ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ .
31377 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ شُرَكَائِهِ حَقَّهُ ، فَيَقُولُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ : أَنَا آخُذُ مِنَ الشُّفْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِي ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَسْلَمْتُهَا إِلَيْكَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدَعَ فَدَعْ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا خَيَّرَهُ فِي هَذَا وَأَسْلَمَهُ إِلَيْهِ ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا ، أَوْ يُسْلِمَهَا إِلَيْهِ ، فَإِنْ أَخَذَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ . 31378 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى نَحْوِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ ، قَالَ : فَإِنْ حَضَرَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ أَخَذَ الْكُلَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، فَإِنْ حَضَرَ الثَّانِي أَخَذَ مِنْهُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَإِنْ حَضَرَ الثَّالِثُ أَخَذَ مِنْهُ الثُّلُثَ بِثَمَنِ الثُّلُثِ ، حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ اقْتَسَمَا كَانَ لِلثَّالِثِ نَقْص قِسْمَتِهَا ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضٍ إِلَّا أَخْذُ الْكُلِّ ، أَوِ التَّرْكُ . 31379 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهَا هَدْمٌ مِنَ السَّمَاءِ . إِمَّا أَخَذَ الْكُلَّ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَإِمَّا تَرَكَ . 31380 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَوِ اشْتَرَى رَجُلٌ دَارًا مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَقَبَضَهَا ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً ، وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَ أَحَدُهُمَا دُونَ مَا بَاعَ الْآخَرُ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْآخَرِ ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا كُلَّهَا أَوْ يَدَعَهَا كُلَّهَا ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ابْتَاعَ الدَّارَ رَجُلَيْنِ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَ ، وَيَدَعَ مَا ابْتَاعَ الْآخَرُ . 31381 - قَالُوا : وَمَنِ اشْتَرَى دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلَيْنِ . وَلَهُمَا شَفِيعٌ وَاحِدٌ ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ . 31382 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَيْضًا : 31383 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ ، بَاعَ الِاثْنَانِ مِنْهُمَا نَصِيبَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلَيْنِ : أَنَّهُ لَيْسَ لِلثَّالِثِ الشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ . 31384 - وَقَالَ أَشْهَبُ : يَأْخُذُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ . 31385 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِرَجُلَيْنِ ، فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِلْآخَرِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ ، أَوْ يَدَعَ . 31386 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ تَرْكُهُ وَتَسْلِيمُهُ رِفْقًا بِالْمُشْتَرِي وَتَجَافِيًا لَهُ كَأَنَّهُ وَهَبَهُ شُفْعَتَهُ ، فَلَا يَأْخُذُ الْآخَرُ حِصَّتَهُ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي رَجُلَيْنِ ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ حَصَّةَ أَحَدِهِمَا . 31387 - فَابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا حِصَّتَهُمَا جَمِيعًا ، أَوْ يَتْرُكَهُمَا جَمِيعًا إِذَا طُلِبَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً . 31388 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَيَدَعَ الْآخَرَ . 31389 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ فِيمَا أَجَازَ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَاعَا مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا ، فَقَالَ الشَّفِيعُ : أَنَا آخُذُ مَا بَاعَ فُلَانٌ وَأَدَعُ حِصَّةَ فُلَانٍ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ . 31390 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَى رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا ، كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ أَيِّهُمَا شَاءَ . 31391 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَلَوِ اشْتَرَى شِقْصًا ، وَهُوَ شَفِيعٌ ، فَجَاءَ شَفِيعٌ آخَرُ ، فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِيَ : خُذْهَا كُلَّهَا بِالثَّمَنِ ، أَوْ دَعْ ، فَقَالَ هُوَ : بَلْ آخُذُ نِصْفَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ شُفْعَةَ غَيْرِهِ .
31409 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ ، وَحَيَوَانًا وَعُرُوضًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَطَلَبَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوِ الْأَرْضِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي : خُذْ مَا اشْتَرَيْتُ جَمِيعًا . فَإِنِّي إِنَمَا اشْتَرَيْتُهُ جَمِيعًا . قَالَ مَالِكٌ : بَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوِ الْأَرْضِ ، بِحِصَّتِهَا مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، يُقَامُ كُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِدَتِهِ ، عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ بِالَّذِي يُصِيبُهَا مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ رَأْسِ الثَّمَنِ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ شَيْئًا ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ . 31410 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ . 31411 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ كَانَ مَعَ الشِّقْصِ الَّذِي فِيهِ الشُّفْعَةُ عَرْضٌ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ يَشْفَعُ فِي الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ . 31412 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . 31413 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : سَأَلْتُ مَعْمَرًا عَنْ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا خَرِبَةٌ ، لَمْ تُقْسَمْ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا مَعَ خَرِبَةٍ لَهُ أُخْرَى بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، فَجَاءَ الشَّفِيعُ ، فَقَالَ : أَنَا آخُذُ نَصِيبَهُ مِنَ الْخَرِبَةِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ . فَقَالَ : قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَأْخُذُ الْبَيْعَ جَمِيعًا ، يَتْرُكُهُ جَمِيعًا . 31414 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ : يَأْخُذُ نِصْفَ الْخَرِبَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ بِالْقِيمَةِ ، وَيَتْرُكُ الْأُخْرَى إِنْ شَاءَ . 31415 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَسَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ وَسُفْيَانَ يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ .
31351 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُوَرِّثُ الْأَرْضَ نَفَرًا مِنْ وَلَدِهِ ثُمَّ يُولَدُ لِأَحَدِ النَّفَرِ ، ثُمَّ يَهْلَكُ الْأَبُ ، فَيَبِيعُ أَحَدُ وَلَدِ الْمَيِّتِ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ فَإِنَّ أَخَا الْبَائِعِ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ مِنْ عُمُومَتِهِ ، شُرَكَاءِ أَبِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 31352 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ فِي مِيرَاثِ الشُّفْعَةِ وَهَلْ تُوَرَّثُ ، أَوْ لَا تُوَرَّثُ ؟ وَفِي كَيْفِيَّةِ الشُّفْعَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، هَلْ هِيَ لِلْكَبِيرِ كَالْوَلَاءِ ؟ وَهَلْ تَدْخُلُ الْعَصَبَةُ فِيهَا عَلَى ذَوِي الْفرُوضِ ، أَوْ يَدْخُلُ بَعْضُ أَهْلِ السِّهَامِ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ ؟ 31353 - فَأَمَّا مِيرَاثُ الشُّفْعَةِ ، فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا لَا تُوهَبُ وَلَا تُوَرَّثُ ; لِأَنَّهَا لَا مِلْكُهُ ، وَلَا مَالُهُ . 31354 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ مَوْرُوثَةً ; لِأَنَّهَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَيِّتِ ، يَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ . 31355 - وَأَمَّا الشُّفْعَةُ بَيْنَ ذَوِي السِّهَامِ فِي الْمِيرَاثِ ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ : أَنَّ أَهْلَ السَّهْمِ الْوَاحِدِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي سَائِرِ الْمِيرَاثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ فِي الشُّفْعَةِ ، وَأَنَّ ذَوِي السِّهَامِ يَدْخُلُونَ عَلَى الْعَصَبَاتِ فِيهَا . 31356 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ . 31357 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : بِمَا وَصَفْتُ لَكَ . 31358 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَدْخُلُ ذَوُو السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَاتِ ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ ، لَا يَدْخُلُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا يَتَشَافَعُ أَهْلُ السَّهْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ خَاصَّةً . 31359 - وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ : يَدْخُلُ الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ ، وَذَوُو السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَاتِ ; لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ شُرَكَاءُ . 31360 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُغِيرَةِ . 31361 - وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ كَقَوْلِ أَشْهَبَ ، مِثَالُ ذَلِكَ : رَجُلٌ تُوُفِّيَ عَلَى ابْنَتَيْنِ ، وَأُخْتَيْنِ وَرِثْنَ عَنْهُ أَرْضًا ، أَوْ دَارًا فَبَاعَتْ بَعْضُهُنَّ حِصَّتَهَا مِنْهَا . 31362 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَدْخُلُ الْبَنَاتُ عَلَى الْأَخَوَاتِ ، وَلَا تَدْخُلُ الْأَخَوَاتُ عَلَى الْبَنَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ هَاهُنَا عَصَبَةُ الْبَنَاتِ . 31363 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا تَدْخُلُ الِابْنَةُ عَلَى الْأُخْتِ . كَمَا لَا تَدْخُلُ الْأُخْتُ عَلَيْهَا . 31364 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ . 31365 - قَالَ : وَلَوْ وَرِثَهُ رَجُلَانِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ ابْنَانِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ، وَأَرَادَ أَخْذَ الشُّفْعَةِ دُونَ عَمِّهِ ، فَكِلَاهُمَا فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ . 31366 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِهِ الْآخَرِ : إِنَّ أَخَاهُ أَحَقُّ بِنَصِيبِهِ . 31367 - قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ لِنِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدٍ لأَحَدُهُمَا أَكْثَرُ مِنَ الْآخَرِ فِي أَنَّ عَلَيْهِمَا قِيمَةَ الْبَاقِي عَلَى السَّوَاءِ إِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ . 31368 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا الْقِيَاسُ يَصِحُّ فِي مَسْأَلَتِهِ هَذِهِ ; لِأَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي سَهْمٍ قَدْ حَصَلُوا شُرَكَاءَ فِي الشِّقْصِ ، وَشُرَكَاءَ فِي السَّهْمِ ، فَكَانُوا أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ شَرِيكٌ فِي الشِّقْصِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَدْلَوْا بِسَبَبَيْنِ وَكَانُوا أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ الشَّرِيكَانِ يَكُونُ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ فِي شَيْءٍ . 31369 - وَالْحُجَّةُ عِنْدِي لِمَا اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ الشُّفْعَةَ أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ، وَلَمْ يَخُصَّ شَرِيكًا مِنْ شَرِيكٍ ، فَكُلُّ شَرِيكٍ فِي الشِّقْصِ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِعُمُومِ السُّنَّةِ ، وَظَاهِرِ الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ
31339 - قَالَ مَالِكٌ : لَا تَقْطَعُ شُفْعَةَ الْغَائِبِ غَيْبَتُهُ ، وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ ، وَلَيْسَ لذَلِكَ عِنْدَنَا حَدٌّ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الشُّفْعَةُ . 31340 - قَالَ يَحْيَى : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : هَلْ تَرَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ - يَعْنِي مِنْ مِصْرَ - غَيْبَةً ، وَهُوَ يَبْلُغُهُ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ بَاعَ ، فَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِي سِنِينَ ، الْعَشَرَةَ وَنَحْوَهَا ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ ؟ 31341 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هَذِهِ غَيْبَةٌ لَا تَقْطَعُ عَلَى الْمُشْتَرِي شُفْعَتَهُ ، وَإِنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ ، فَنَرَى السُّلْطَانَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ أَنْ يُوقِفَ ، وَيُعْلِمَهُ شَرِيكُهُ قَدْ بَاعَ ، فَإِمَّا أَخَذَ ، وَإِمَّا تَرَكَ . 31342 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ ، فَيَكْتُبُ لَهُ الْقَاضِي الَّذِي بِمَكَانِهِ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ اشْتِرَائِهِ ، وَمَا يَطْلُبُ مِنْ قَطْعِ الشُّفْعَةِ عَنْهُ ، فَيُوقِفُهُ ، فَإِمَّا أَخَذَ ، وَإِمَّا تَرَكَ ، فَإِنْ تَرَكَ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ . 31343 - قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : فَمَا تَرَى الْقُرْبَ الَّذِي يَقْطَعُ الشُّفْعَةَ ؟ قَالَ : مَا وَقَّتَ لَنَا مَالِكٌ فِيهِ شَيْئًا ، قَدْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ الضَّعِيفَةُ ، وَالرَّجُلُ الضَّعِيفُ عَلَى الْبَرِيدِ ، فَلَا يَسْتَطيعُ أَنْ يَنْهَضَ ، وَلَا يُسَافِرَ ، فَلَمْ يَحِدَّ لَنَا حَدًّا ، وَإِنَّمَا فِيهِ اجْتِهَادٌ لِلسُّلْطَانِ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَرَى . 31344 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا شُفْعَةُ الْغَائِبِ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ الْحِصَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرِيكٌ مِنَ الدُّورِ ، وَالْأَرَضِينَ ، ثُمَّ قَدِمَ ، فَعَلِمَ ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ مَعَ طُولِ مُدَّةِ غَيْبَتِهِ . 31345 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَلِمَ فِي حَالِ الْغَيْبَةَ : 31346 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَمْ يَشْهَدْ حِينَ عَلِمَ أَنَّهُ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مَتَى قَدِمَ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا . 31347 - وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ أَبَدًا ، حَتَّى يَقْدَمَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِشْهَادًا . 31348 - وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي أَمَدِ شُفْعَةِ الْحَاضِرِ الْعَاجِلِ ، فَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ ، حَيْثُ رَسَمَهُ مَالِكٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ 31349 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ أَوْ قَالَ : بِشُفْعَتِهِ ، يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا . 31350 - رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَزْرَقِ ، قَالَ : مضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، يَعْنِي لِلْغَائِبِ .
31416 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ ، فَسَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةَ لِلْبَائِعِ ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ : إِنَّ مَنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكَ مَا بَقِيَ . 31417 - قَالَ مَالِكٌ : فِي نَفَرٍ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ ، وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا ، فَعُرِضَ عَلَى الْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكَ ، فَقَالَ : أَنَا آخُذُ بِحِصَّتِي وَأَتْرُكُ حِصَصَ شُرَكَائِي حَتَّى يَقْدَمُوا . فَإِنْ أَخَذُوا فَذَلِكَ ، وَإِنْ تَرَكُوا أَخَذْتُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ . قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يَتْرُكَ ، فَإِنَّ جَاءَ شُرَكَاؤُهُ ، أَخَذُوا مِنْهُ أَوْ تَرَكُوا إِنْ شَاؤوا ، فَإِذَا عُرِضَ هَذَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ، فَلَا أَرَى لَهُ شُفْعَةً . 31418 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَمَا فِيهِ لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ : 31419 - ( أَحَدُهُمَا ) : مَا ذَكَرَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ 31420 - ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِحِصَّتِهِ ، وَيَدَعَ حِصَّةَ شُرَكَائِهِ ، فَإِنْ جَاءُوا كَانُوا عَلَى شُفْعَتِهِمْ إِنْ شَاؤوا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ .
31319 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ وَهَبَ شِقْصًا فِي دَارٍ ، أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ ، فَأَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا نَقْدًا أَوْ عَرْضًا ، فَإِنَّ الشُّرَكَاءَ يَأْخُذُونَهَا بِالشُّفْعَةِ إِنْ شَاؤُوا ، وَيَدْفَعُونَ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةَ مَثُوبَتِهِ ، دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ . 31320 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ ، فَلَمْ يُثَبْ مِنْهَا ، وَلَمْ يَطْلُبْهَا ، فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أُثِيبَ ، فَهُوَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الثَّوَابِ . 31321 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَانَ مَالِكٌ فِي صَدْرِ من عُمْرِهِ يَرَى فِي الْهِبَةِ الشُّفْعَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ثَوَابٍ ; لِأَنَّهُ انْتِقَالُ مِلْكٍ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ الْهِبَةَ لِغَيْرِ ثَوَابِ شُفْعَةً . 31322 - ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ . 31323 - وَأَمَّا الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ ، فَهِيَ عِنْدَهُ كَالْبَيْعِ وَفِيهَا الشُّفْعَةُ ، لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا قَوْلَ أَصْحَابِهِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَوْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ أَثَابَ الْوَاهِبَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشِّقْصِ الْمَوْهُوبِ . 31324 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا بِقِيمَةِ الثَّوَابِ كُلِّهِ ، قَالَ : وَلِهَذَا يَهَبُ النَّاسُ مِنَ الْهِبَاتِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُوتًا ، بَلْ قَالَ ذَلِكَ مُجْمَلًا . 31325 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِذَا أَتَى بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْهِبَةَ قَوْلَانِ : فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّوَابِ أَوْ شِرْكِهِ . وإن كان بعد الفوت فله أن يستشفع بقيمة الشقص فقط . 31326 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلٌ مَرْدُودَةٌ ; لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْهِبَاتِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 31327 - قَالَ : وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْهِبَةِ ; لِلثَّوَابِ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ مِنْ فِعْلِ مَنْ فَعَلَهُ . 31328 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ : فَيُجِيزُونَ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ ، وَيُضَمِّنُونَهَا اتِّبَاعًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 31329 - وَلَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ شُفْعَةً ; لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ هِبَةٌ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ . 31330 - وَكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ عِنْدِهِمْ فِي صَدَاقٍ وَلَا أُجْرَةٍ وَلَا جُعْلٍ وَلَا خُلْعٍ وَلَا فِي شَيْءٍ صُولِحَ عَلَيْهِ مِنْ دَمٍ عَمْدٍ .
31306 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مَعَ قَوْمٍ فِي أَرْضٍ بِحَيَوَانٍ ; عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ ، فَجَاءَ الشَّرِيكُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَوَجَدَ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ قَدْ هَلَكَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ قَدْرَ قِيمَتِهِمَا ، فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي : قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ مِائَةُ دِينَارٍ وَيَقُولُ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ الشَّرِيكُ : بَلْ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا . قَالَ مَالِكٌ : يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّ قِيمَةَ مَا اشْتَرَى بِهِ مِائَةَ دِينَارٍ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ ، أَخَذَ أَوْ يَتْرُكَ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الشَّفِيعُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ دُونَ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي . 31307 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الشَّفِيعُ طَالِبٌ آخِذٌ ، وَالْمُشْتَرِي مَطْلُوبٌ مَأْخُوذٌ مِنْهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالشَّفِيعُ مُدَّعٍ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَخَذَ بِهَا ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . 31308 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ . 31309 - وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ التَّابِعِينَ ، وَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الشَّفِيعِ ; لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُ ، وَجَعَلَ الْمُشْتَرِي مُدَّعِيًا فِي الثَّمَنِ ، أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ عَرَضًا ; لِأَنَّهُ أَخَذَ لَهُ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِمَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 31310 - وَكَذَلِكَ لَوِ اخْتَلَفَ الْمُشْتَرَى وَالشَّفِيعُ فِي مَبْلَغِ الثَّمَنِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ بِالشُّفْعَةِ ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ الشِّقْصُ ، وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ : ( أَحَدُهُمَا ) : الْبَيِّنَةُ : بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ . ( وَالْأُخْرَى ) : الْبَيِّنَةُ : بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي . 31311 - وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا حَكَاهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ الَّذِي هُوَ لِلشُّفْعَةِ . 31312 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِي سَائِرِ مَسَائِلِ الشُّفْعَةِ فَكَثِيرَةٌ ، لَا يُحْصَى كَثْرَةً . 31313 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ الشِّقْصِ ، وَكَانَ قَدْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ ، وَأَتَى الشَّفِيعُ بِمَا يُشْبِهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَمَنْ أَتَى مِنْهُمَا بِبَيِّنَةٍ ، قُضِيَ لَهُ ، فَإِنْ أَتَيَا جَمِيعًا بِالْبَيِّنَةِ ، فَإِنْ تَكَافَئَا فِي الْعَدَالَةِ سَقَطَتَا ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَافَئَا قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا . 31314 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا . 31315 - وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذَا سُلْطَانٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الثَّمَنِ فَلَا يَمِينَ ; لِأَنَّ مِثْلَهُ يَرْغَبُ فِي الثَّمَنِ عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَرَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ . 31316 - وَقَالَ أَشْهَبُ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ إِذَا ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ ، فَإِنِ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ . 31317 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرَى مَعَ يَمِينِهِ إِذَا ادَّعَى مَا لَا يُشْبَهُ . وَأَتَى بِالسَّرَفِ ; لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ . 31318 - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنَّمَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَأْتِ بِالسَّرَفِ ، فَإِنْ أَتَى بِالسَّرَفِ رُدَّ إِلَى الْقِيمَةِ ، وَخُيِّرَ الشَّفِيعُ ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ .
1385 - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ الشُّفْعَةِ ، هَلْ فِيهَا مِنْ سُنَّةٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . الشُّفْعَةُ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ . وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ . 1386 - مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، مِثْلَ ذَلِكَ . 31285 - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْمُشَاعِ مِمَّا تَصْلُحُ فِيهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ . 31286 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي الدُّورِ ، وَالْأَرَضِينَ ، وَالْحَوَانِيتِ ، وَالرِّبَاعِ كُلِّهَا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْمُشَاعِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، وَلَمْ يُجْمِعُوا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ ، وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَمِنْهَا مَنْ أَوْجَبَهَا إِذَا كَانَتِ الطَّرِيقُ وَاحِدَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مُشَاعٍ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَالْعُرُوضِ ، وَالْأُصُولِ كُلِّهَا ، وَغَيْرِهَا ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا ، فَعَلَى مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ أَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَهُمْ - يَعْنِي فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَنْقُولَةِ بِنَقْلِ الْعُدُولِ الْآحَادِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ مَعْمَرٌ وَجَوَّدَهُ . 31287 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ ، وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ . 31288 - وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الشُّفْعَةِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31289 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : مُرْسَلُ مَالِكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ . 31290 - ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْهُمَا . 31291 - وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ : إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ، قَالَ : وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا ، وَبِهِ أَقُولُ : لَا أَرَى الشُّفْعَةَ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ ، لَا أَرَاهَا لِلْجَارِ . 31292 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَنْفِي الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ فَإِذَا لَمْ تَجِبِ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ إِذَا قَسَمَ وَضَرَبَ الْحُدُودَ ، كَانَ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ لَمْ يَقْسِمْ وَلَا ضَرَبَ الْحُدُودَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ لَهُ . 31293 - وفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أيضا مَا يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَا يُقْسَمُ ، وَلَا يَحْتَمِلُ قِسْمَةً ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُصْرَفَ فِيهِ الْحُدُودُ ، وَذَلِكَ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِمَوْضِعِ الْحُدُودِ . 31294 - وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَالُوا : لَا شُفْعَةَ فِيمَا سِوَى الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ ، وَالشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ مَقْسُومًا كَانَ أَوْ مُشَاعًا ، وَأَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ بِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ . 31295 - وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أئمة أَهْلِ الْحَدِيثِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31296 - وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ يُعَارِضُهُ ، وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا . 31297 - وَالشُّفْعَةُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مُرَتَّبَةٌ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ ، ثُمَّ الشَّرِيكُ الْمُقَاسِمُ ، إِذَا بَقِيَتْ لَهُ فِي الطَّرِيقِ شَرِكَةٌ ، ثُمَّ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ . 31298 - وَإِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَهُمُ الشُّفْعَةُ فِي الطَّرِيقِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّرِيكُ فِي الْمُشَاعِ . 31299 - وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ لِلْجَارِ الَّذِي لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ ذَكَرْنَا ، أَوْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ الْأَخْذَ بِهَا . 31300 - وَحُجَّتُهُمْ فِي اعْتِبَارِ الشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَتْ طَرِيقُهُمَا وَاحِدة . 31301 - وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ شُعْبَةُ ، وَقَالَ : لَوْ جَاءَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِحَدِيثٍ آخَرَ مِثْلَ هَذَا لَأَسْقَطْتُ حَدِيثَهُ ، وَمَا حَدَّثْتُ عَنْهُ بِشَيْءٍ . 31302 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَعْدَلُ مِنَ الْمِيزَانِ 31303 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ ، عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ ، عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ مَالُهُ ، عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . 31304 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ أَنِ اقْضِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، فَكَانَ يَقْضِي بِهَا . 31305 - وَسُفْيَانُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِذَا حُدَّتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِطَاوُسٍ فَقَالَ : لَا . الْجَارُ أَحَقُّ .
1420 35 - كِتَابُ الشُّفْعَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ( 1 ) بَابُ مَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ 1384 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابً ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمْ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ . 31279 - قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ ، السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا . 31280 - هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا جُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ . 31281 - وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَيَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي قُتَيْلَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَسَيِّدُ بْنُ دَاوُدَ الزَّنْبَرِيُّ ، هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ رَوَوْهُ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْنَاهُ ، فَأَسْنَدُوهُ ، وَجَعَلُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31282 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِمَا ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَإِسْنَادِهِ أَيْضًا . 31283 - وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ ، فَجَعَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ . 31284 - وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا قَدِ اتَّفَقَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ فِي الْمُبْتَاعِ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَكُلِّ مَا تَأْخُذُهُ الْحُدُودُ ، وَيَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
31401 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مَنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ مُشْتَرِكَةٍ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الشُّفْعَةِ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ ، اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِي ، فَأَقَالَهُ . قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا بِهِ . 31402 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالشُّفْعَةُ تَجِبُ بِالْبَيْعِ لِمَنْ أَرَادَهَا ، وَطَلَبَهَا . 31403 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا الْبَائِعُ ، فَالْإِقَالَةُ لَا نَقْطَعُهَا عَمَّنْ جَعَلَهَا بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا ، وَعَمَّنْ يَجْعَلُهَا فَسْخَ بَيْعٍ ; لِأَنَّ فِي فَسْخِهِ الْبَيْعَ فَسْخًا لِلشُّفْعَةِ . 31404 - وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ . 31405 - وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ ، لَا تَنْقُضُهَا الْإِقَالَةُ . 31406 - وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ فِي عُهْدَةِ الشَّفِيعِ فِي الْإِقَالَةِ : 31407 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي . 31408 - وَقَالَ أَشْهَبُ : الشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الشُّفْعَةَ بِعُهْدَةِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ شَاءَ بِعُهْدَةِ الْإِقَالَةِ .
31370 - قَالَ مَالِكٌ : الشُّفْعَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، يَأْخُذُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ ، إِنْ كَانَ قَلِيلًا فَقَلِيلًا ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَبِقَدْرِهِ وَذَلِكَ إِنْ تَشَاحُّوا فِيهَا . 31371 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ، وَالْخَلْفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : 31372 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ الشُّفْعَةَ بِالْحِصَصِ ، مِثَالُ ذَلِكَ : دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ ; لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا ، فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصْفَهُ ، وَوَجَبَ لِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الثُّلُثِ الثُّلُثَيْنِ ، وَصَاحِبُ السُّدُسِ الثُّلُثَ . 31373 - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ : شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، ثَلَاثَةُ أَئِمَّةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْصَارٍ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 31374 - ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) : أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الرُّؤُوسِ ، وَأَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ الصَّغِيرِ ، وَالْكَبِيرِ فِيهَا سَوَاءٌ ، وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ . 31375 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَكَمِ . 31376 - وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ ، هَلْ هِيَ عَلَى الرُّؤُوسِ أَوْ عَلَى السِّهَامِ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
31331 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا فِي أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ ، بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ . 31332 - قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ مَلِيًّا ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَإِذَا جَاءَهُمْ بِجمِيلٍ مَلِيٍّ ثِقَةٍ مِثْلِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الشِّقْصَ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ ، فَذَلِكَ لَهُ . 31333 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَشْتَرِي شِقْصًا مِنْ رَبْعٍ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَلَا يَقُومُ الشَّفِيعُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ عَلَى الْمُشْتَرِي . 31334 - فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ : يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي . 31335 - وَقَالَ أَصْبَغُ : لَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ إِلَّا بِثَمَنٍ حَالٍّ . 31336 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَقَالَ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ : إِنِ اشْتَرَى النَّصِيبَ مِنَ الدَّارِ ، وَسَائِرَ الرِّبَاعِ وَالْأَرْضِ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ، قِيلَ لِلشَّفِيعِ إِنْ شِئْتَ ، فَعَجِّلِ الثَّمَنَ ، وَتَعَجَّلِ الشُّفْعَةَ ، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ . 31337 - وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 31338 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فِيهَا شُفْعَةٌ لِرَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَجَاءَ الشَّفِيعُ ، فَقَالَ : أَنَا آخُذُهَا إِلَى أَجَلِهَا قَالَ : لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِالنَّقْدِ ; لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْأَوَّلِ . قَالَ سُفْيَانُ : وَمِنَّا مَنْ يَقُولُ : يُقَرُّ فِي يَدِ الَّذِي ابْتَاعَهَا ، فَإِذَا بَلَغَ الْأَجَلُ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ .
26 24 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، أَنَّهُ قَالَ : عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ ، فَرَقَدَ بِلَالٌ ، وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ ، وَقَدْ فَزِعُوا ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْزِلُوا ، وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا ، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا ، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا ، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا . ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا ، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . 825 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فِي التَّمْهِيدِ بِمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ . 826 - وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَوْمَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً . 827 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرَّتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَا أُوقِظُكُمْ . 828 - وَقَدْ يُمْكِنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ ; لِأَنَّ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ بِلَالًا كَانَ مُوَكَّلًا بِذَلِكَ عَلَى مَا فِي حَدِيثَيْ مَالِكٍ . 829 - وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ النَّوْمَ كَانَ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا : زَمَنَ خَيْبَرَ ، وَفِي بَعْضِهَا : بِطَرِيقِ مَكَّةَ . 830 - وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ وَاحِدًا ; لِأَنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَتْ زَمَنَ خَيْبَرَ وَهُوَ طَرِيقُ مَكَّةَ لِمَنْ شَاءَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 831 - وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 832 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَقَدْ مَضَى مَعْنَى التَّعْرِيسِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَعَانِي أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . 833 - وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَدْ فَزِعُوا تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ فِيهِ : ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا . 834 - وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ لَمَّا رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَزَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْلِ عَدُوٍّ يَخْشَوْنَهُ ، وَلَوْ كَانَ فَزَعُهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ فَسَّرَ الْمُوَطَّأَ : أَنَّ فَزَعَهُمْ كَانَ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ لَمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ . 835 - وَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي فَزَعِهِمْ أَنَّهُ كَانَ وَجَلًا وَإِشْفَاقًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا سُقُوطَ الْمَأْثَمِ عَنِ النَّائِمِ ، وَعَدُّوهُ تَفْرِيطًا . 836 - فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ . 837 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ . 838 - وَقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُهُمْ مِنْ هَذَا الْوَادِي ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ . 839 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ . 840 - وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي . 841 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمُ اقْتَادَ رَاحِلَتَهُ ، وَبَعْضُهُمْ رَكِبَ عَلَى مَا فَهِمُوا مِنْ أَمْرِهِ بِذَلِكَ كُلِّهِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فَاقْتَادُوا ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَرَكِبُوا . 842 - وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعَارُضٌ وَلَا تَدَافُعٌ ، وَمُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ مِنَ الْقَوْلِ ذَلِكَ كُلُّهُ . 843 - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، فِي حَدِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي مُعَرَّسِهِ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ . 844 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ : أَيُّ سَفَرٍ كَانَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . 845 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي سَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ أَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَتَرْكَهُ لِلصَّلَاةِ كَانَ لِبَعْضِ مَا وَصَفَنَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا ، لَا لِأَنَّهُ انْتَبَهَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَحِلُّ فِيهِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَالصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ أَحْرَى أَنْ تَحِلَّ فِيهِ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ . 846 - وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِقَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ انْتَبَهَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَزِمَهُ الزَّوَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ . 847 - وَإِذَا كَانَ وَادِيًا خَرَجَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ارْكَبُوا وَاخْرُجُوا مِنْ هَذَا الْوَادِي ، إِنَّ ( الشَّيْطَانَ ) هَدَّأَ بِلَالًا كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ . 848 - قَالَ : فَكُلُّ مَوْضِعٍ يُصِيبُ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ مِثْلُ مَا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، فَيَنْبَغِي الْخُرُوجُ ( مِنْهُ ) وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَشْؤُومٌ مَلْعُونٌ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُصَلِّيَ بِأَرْضِ بَابِلَ ; فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ . 849 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا أَتَى وَادِيَ ثَمُودَ أَمَرَ النَّاسَ فَأَسْرَعُوا وَقَالَ : هَذَا وَادٍ مَلْعُونٌ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءِ ذَلِكَ الْوَادِي فَطُرِحَ . 850 - وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : أَمَّا ذَلِكَ الْوَادِي وَحْدَهُ إِنْ عُلِمَ وَعُرِضَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَارِضِ فَوَاجِبٌ الْخُرُوجُ مِنْهُ عَلَى مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا سَائِرُ الْمَوَاضِعِ فَلَا . 851 - وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ وَحْدَهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 852 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 853 - وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ مَوْضِعًا مِنَ الْمَوَاضِعِ إِلَّا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي خَاصَّةً . 854 - وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ ، أَوْ ذَكَرَ بَعْدَ نِسْيَانٍ ، أَوْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا ثُمَّ ثَابَ إِلَى أَدَائِهَا ، فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقِيمَ صَلَاتَهُ تِلْكَ بِأَعْلَى مَا يُمْكِنُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَهَا فِيهِ : وَادِيًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَ وَادٍ . 855 - وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ الطَّاهِرَ ( فِي وَادٍ تُؤَدَّى الصَّلَاةُ فِيهِ ) وَسَوَاءٌ ذَلِكَ الْوَادِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ خُصُوصٌ لَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ حُضُورِ الشَّيَاطِينِ بِالْمَوَاضِعِ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ لَمْ يَحْضُرْهُ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . 856 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ فِي الْمَبْسُوطِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَادٍ أَنْ يُؤَخِّرَهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ . 857 - وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 858 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدِي وَفِيهِ الْحُجَّةُ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا . 859 - وَلَمْ يَخُصَّ وَادِيًا مِنْ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 860 - وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا مَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ ، وَالْمَزْبَلَةِ ، وَالْحَمَّامِ ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ ، إِذَا سَلِمَ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ نَاسِخٌ لِكُلِّ مَا خَالَفَهُ . 861 - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَضَائِلُهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَتْرَى بِهِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُبْتَزَّ شَيْئًا مِنْهَا ، بَلْ كَانَ يُزَادا فِيهَا . 862 - أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا غَيْرَ نَبِيٍّ ، ثُمَّ نَبَّأَهُ اللَّهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَارَ رَسُولًا نَبِيًّا ، ثُمَّ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَبْعَثَهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ فَضْلَهُ عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ؟ 863 - وَفِي كُلِّ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا ، وَكُنْتُ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا . 864 - وَمِمَّا يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنَّهُ قَالَ : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ . 865 - وَقَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . 866 - وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : مَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ . 867 - ثُمَّ شَكَّ فِي نَفْسِهِ وَفِي مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمْ يَدْرِ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ قَبْلُ . 868 - وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَنْتَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكُرَمَاءِ ، فَقَالَ : ذَلِكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ . 869 - ثُمَّ لَمَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُبْعَثُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ ، قَالَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ . 870 - فَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّ فَضَائِلَهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا التَّبْدِيلُ وَلَا النَّقْصُ . 871 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُوتِيتُ خَمْسًا ، وَقَدْ رُوِيَ سِتًّا ، وَرُوِيَ فِيهِ ( ثَلَاثًا ) وَ( أَرْبَعًا ) ، وَهِيَ تَنْتَهِي إِلَى أَكْثَرِ مِنْ سَبْعٍ ، قَالَ : فِيهِنَّ : لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُتِيتُ الشَّفَاعَةُ ، وَبُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ ، وَزُوِيَتْ لِي مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا ، وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرُ وَهُوَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَعَذْبٌ ، وَلِي حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ . 872 - فَهَذِهِ كُلُّهَا فَضَائِلُ خُصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا قَوْلُهُ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا . 873 - وَهَذِهِ الْخِصَالُ رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ ، وَهِيَ صِحَاحٌ ، وَرُوِيَتْ فِي آثَارٍ شَتَّى . 874 - فَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي وَغَيْرِهِ ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ طَاهِرٍ . 875 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ ، وَأَتَيْنَا بِالْحُجَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ وَالِاعْتِبَارِ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 876 - وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ فِي نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ ، وَالْمَجْزَرَةِ ، وَالْمَقْبَرَةِ ، وَالْحَمَّامِ ، وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ ، مَزْبَلَةُ كَذَا ، وَلَا مَجْزَرَةُ كَذَا ، وَلَا حَمَّامُ كَذَا ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : مَقْبَرَةُ كَذَا ، وَلَا أَنْ يُقَالَ : مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَا حُجَّةَ وَلَا دَلِيلَ . 877 - وَأَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنَاهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ . 878 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ . 879 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مُرْسَلِ حَدِيثِ زَيْدٍ هُنَا : ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ أَوْ يُقِيمَ ، فَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَلَى الشَّكِّ . 880 - وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالْأَقْوَالِ فِي الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا . 881 - وَمَضَى الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا . 882 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، فَقَدْ مَضَى مَا لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالْكُوفِيِّينَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . 883 - وَتَقَدَّمَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وُجُوبُ تَرْتِيبِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ إِذَا كَانَتْ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . 884 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي إِسْقَاطِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، وَوُجُوهُ أَقْوَالِهِمْ ، وَتَلْخِيصُ مَذَاهِبِهِمْ ، كُلُّ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ مُجَوَّدٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُنَا ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
25 ( 6 ) بَابُ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ 23 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ . وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ . وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ . فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَادُوا . فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ ، وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ . ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 639 - هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّإ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ . 640 - وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ مَنْ تَابَعَ مَالِكًا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي إِرْسَالِهِ ، وَمَنْ وَصَلَهُ فَأَسْنَدَهُ . 641 - وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَصْحَابِهِ : نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرْتُهَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ . 642 - وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزَاةِ حُنَيْنٍ . 643 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ نَوْمَهُ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ خَيْبَرَ . 644 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَهْلُ السِّيَرِ : إِنَّ نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ كَانَ حِينَ قُفُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ . 645 - وَالْقُفُولُ : الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَا يُقَالُ : قَفَلَ إِذَا سَارَ مُبْتَدِئًا . 646 - قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : قَفَلَ الْجَيْشُ قُفُولًا وَقَفْلًا : إِذَا رَجَعُوا ، وَقَفَلْتُهُمْ أَنَا هَكَذَا ، وَهُوَ الْقُفُولُ ، وَالْقَفْلُ . 647 - وَخُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ مِنَ السُّنَنِ ، وَكَذَلِكَ إِرْسَالُهُ السَّرَايَا ، كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ . 648 - وَالسُّرَى : سَيْرُ اللَّيْلِ وَمَشْيُهُ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُؤَنَّثَةٌ ، وَسَرَى وَأَسْرَى : لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا ، وَلَا يُقَالُ لِسَيْرِ النَّهَارِ : سُرًى . وَمِنْهُ الْمَثَلُ السَّائِرُ : عِنْدَ الصَّبَاحِ : يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى . 649 - وَالتَّعْرِيسُ : نُزُولُ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَلَا تُسَمِّي الْعَرَبُ نُزُولَ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا . 650 - وَقَوْلُهُ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ ، أَيِ ارْقُبْ لَنَا الصُّبْحَ ، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا وَقْتَ صَلَاتِهِ . 651 - وَأَصْلُ الْكَلْءِ : الْحِفْظُ ، وَالْمَنْعُ ، وَالرِّعَايَةُ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مَهْمُوزَةٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، أَيْ : يَحْفَظُكُمْ . 652 - وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ : إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا 653 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْمَشْيِ عَلَى الدَّوَابِّ بِاللَّيْلِ ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الِاحْتِمَالِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِلَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَقَدْ أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالرِّفْقِ بِهَا ، وَأَنْ يُنْجَى عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا . 654 - وَفِيهِ أَمْرُ الرَّفِيقِ بِمَا خَفَّ مِنَ الْخِدْمَةِ وَالْعَوْنِ فِي السَّفَرِ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ . 655 - وَإِنَّمَا قُلْنَا : بِالرَّفِيقِ ، وَلَمْ نَقُلْ بِالْمَمْلُوكِ ; لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ حُرًّا يَوْمَئِذٍ قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْتَقَهُ بِمَكَّةَ ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ . 656 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَعْنَى نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاتِهِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . 657 - وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ ; وَلِذَلِكَ كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَتَلَا افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ . 658 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا . 659 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 660 - وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ . 661 - وَنَوْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي سَفَرِهِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ : إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . فَخَرَقَ نَوْمُهُ ذَلِكَ عَادَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ; لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ . 662 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ خَبَّابٍ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَكُمْ . 663 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصُّبْحَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . 664 - وَكَانَ مَسْرُوقٌ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا . 665 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ : أَنَّ قَاسِمًا حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَعَرَّسُوا مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . 666 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا يَسُرُّنِي بِهِمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَعْنِي الرُّخْصَةَ . 667 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا إِلَى أَنْ عَلِمَ أَصْحَابُهُ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ إِلَى سَائِرِ أُمَّتِهِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الصَّلَاةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً ، أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا أَبَدًا مَتَى مَا ذَكَرَهَا : نَاسِيًا كَانَ لَهَا ، أَوْ نَائِمًا عَنْهَا ، أَوْ مُتَعَمِّدًا لِتَرْكِهَا . 668 - أَلَا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 669 - وَالنِّسْيَانُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : يَكُونُ التَّرْكَ عَمْدًا ، وَيَكُونُ ضِدَّ الذِّكْرِ . 670 - قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أَيْ : تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ . 671 - وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَلَا يَجْهَلُهُ مَنْ لَهُ أَقَلُّ عِلْمٍ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . 672 - فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ خَصَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ؟ 673 - قِيلَ : خَصَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ لِيَرْتَفِعَ التَّوَهُّمُ وَالظَّنُّ فِيهِمَا لِرَفْعِ الْقَلَمِ فِي سُقُوطِ الْمَأْثَمِ عَنْهُمَا بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ . 674 - فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ سُقُوطَ الْإِثْمِ عَنْهُمَا غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمَا لَزِمَهُمَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الذِّكْرِ لَهَا ، يَقْضِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 675 - وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْعَامِدِ مَعَهُمَا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُتَوَهَّمَةَ فِي النَّاسِي وَالنَّائِمِ لَيْسَتْ فِيهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِ فَرْضٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لَهُ . 676 - وَسَوَّى اللَّهُ - تَعَالَى - فِي حُكْمِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بَيْنَ حُكْمِ الصَّلَاةِ الْمَوْقُوتَةِ وَالصِّيَامِ الْمَوْقُوتِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ - بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ . 677 - فَنَصَّ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي فِي الصَّلَاةِ لِمَا وَصَفْنَا ، وَنَصَّ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي الصَّوْمِ . 678 - وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ ، وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ فِيمَنْ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ عَامِدًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِفَرْضِهِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ أَشَرًا وَبَطَرًا ، تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَابَ عَنْهُ - أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ ، فَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَامِدًا . 679 - فَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي الْقَضَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ سَوَاءٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِثْمِ ، كَالْجَانِي عَلَى الْأَمْوَالِ الْمُتْلِفِ لَهَا عَامِدًا وَنَاسِيًا ، إِلَّا فِي الْإِثْمِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي هَذَا الشَّرْعَ بِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْحَجِّ الَّتِي لَا تُقْضَى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لِعَامِدٍ وَلَا لِنَاسٍ ، فَوُجُوبُ الدَّمِ فِيهَا يَنُوبُ عَنْهَا ، وَبِخِلَافِ الضَّحَايَا أَيْضًا ; لِأَنَّ الضَّحَايَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا . 680 - وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ كِلَاهُمَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، وَدَيْنٌ ثَابِتٌ يُؤَدَّى أَبَدًا ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُؤَجَّلُ لَهُمَا . 681 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى 682 - وَإِذَا كَانَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي لِلصَّلَاةِ - وَهُمَا مَعْذُورَانِ - يَقْضِيَانِهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَانَ الْمُتَعَمِّدُ لِتَرْكِهَا الْمَأْثُومُ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ ، وَأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ عِصْيَانِهِ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِهَا هِيَ أَدَاؤُهَا ، وَإِقَامَةُ تَرْكِهَا مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ تَرْكِهِ لَهَا فِي وَقْتِهَا . 683 - وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى خِلَافِ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ نَائِمٍ وَلَا نَاسٍ . 684 - وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 685 - قَالَ : وَالْمُتَعَمِّدُ غَيْرُ النَّاسِي وَالنَّائِمِ . 686 - قَالَ : وَقِيَاسُهُ عَلَيْهِمَا غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ نَاسِيًا لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَنَا . 687 - فَخَالَفَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَتِرُ فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، شَذَّ فِيهَا عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 688 - وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ ، مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِمْ . 689 - فَخَالَفَ هَذَا الظَّاهِرَ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ ، وَشَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَلَمْ يَأْتِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ يَصِحُّ فِي الْعُقُولِ . 690 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُصَلَّى وَتُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَالصَّائِمِ سَوَاءً - وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ أُمِرَ مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ . عَنْ سَبِيلِهِمْ يُغْنِي عَنِ الدَّلِيلِ فِي ذَلِكَ - قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَلَمْ يَخُصَّ مُتَعَمِّدًا مِنْ نَاسٍ . 691 - وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ صَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ كُلِّهَا لِمَنْ تَعَمَّدَ أَوْ نَسِيَ أَوْ فَرَّطَ ، وَبَيْنَ عَمَلِ بَعْضِهَا فِي نَظَرٍ وَلَا اعْتِبَارٍ . 692 - وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لِشُغْلِهِ بِمَا نَصَبَهُ الْمُشْرِكُونَ لَهُ مِنَ الْحَرْبِ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَاسِيًا وَلَا نَائِمًا ، وَلَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ حَرْبٌ قَائِمَةٌ مُلْتَحِمَةٌ ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي اللَّيْلِ . 693 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بِالْمَدِينَةِ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْخَنْدَقِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجُوا مُتَبَادِرِينَ وَصَلَّى بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي ( طَرِيقِ ) بَنِي قُرَيْظَةَ خَوْفًا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ ، وَلَمْ يُصَلِّهَا بَعْضُهُمْ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَكُلُّهُمْ غَيْرُ نَاسٍ وَلَا نَائِمٍ ، وَقَدْ أَخَّرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا ثُمَّ صَلَّاهَا ، وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ . فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي وَقْتِهَا ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا . 694 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا . قَالُوا : أَفَنُصَلِّيهَا مَعَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 695 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ يُوسُفُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْحِمْصِيِّ ، عَنْ أَبِي أُبَيِّ ابْنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ حَتَّى لَا يُصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا قَالُوا : نُصَلِّيهَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 696 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو الْمُثَنَّى الْحِمْصِيُّ هُوَ الْأُمْلُوكِيُّ ، ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْ عُتْبَةَ ، وَأُبَيِّ ابْنِ أُمِّ حَرَامٍ ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ . 697 - وَأَبُو أُبَيِّ ابْنُ أُمِّ حَرَامٍ رَبِيبُ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ سَمَّاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكُنَى . 698 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ مِيقَاتِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي وَقْتِهَا . 699 - وَالْأَحَادِيثُ فِي تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَقَدْ كَانَ الْأُمَرَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الْغُرُوبِ . 700 - وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى . 701 - وَقَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ فِي الْحَضَرِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْعَصْرِ . 702 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، قَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ فِي الْمَوَاقِيتِ . 703 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَحِينَ وَقْتُ الْأُخْرَى . 704 - فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَ هَذَا مُفَرِّطًا ، وَالْمُفَرِّطُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ ، وَلَيْسَ كَالنَّائِمِ ، وَلَا النَّاسِي عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ جِهَةِ الْعُذْرِ . 705 - وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ تَفْرِيطِهِ . 706 - وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا لِمِيقَاتِهَا . 707 - وَهَذَا أَبْعَدُ وَأَوْضَحُ فِي أَدَاءِ الْمُفَرِّطِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الذِّكْرِ ، وَبَعْدَ الذِّكْرِ . 708 - وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ ، وَفِيهِ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا نُصَلِّيهَا مِنَ الْغَدِ ؟ قَالَ : لَا . إِنَّ اللَّهَ ( لَا ) يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ثُمَّ يَقْبَلُهُ مِنْكُمْ . 709 - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ 710 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِيُّ - وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ - قَالَ : قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ فَشَغَلُوهُ ، فَلَمْ يُصَلِّ يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ إِلَّا مَعَ الْعَصْرِ . 711 - وَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا الَّذِي كَانَ يُصَلِّيهَا فِيهِ بِشُغْلٍ اشْتَغَلَ بِهِ . 712 - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . 713 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَامِدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا عَاصٍ لِلَّهِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْكُورًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْكَبَائِرِ . 714 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَاصِي أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَنْبِهِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ ، وَاعْتِقَادُ تَرْكِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . 715 - وَمَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ لِلَّهِ ، أَوْ لِعِبَادِهِ ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ . 716 - وَقَدْ شَبَّهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَقَالَ : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى . 717 - وَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا الظَّاهِرِيِّ فِي نَقْضِهِ أَصْلَهُ وَأَصْلَ أَصْحَابِهِ فِيمَا وَجَبَ مِنَ الْفَرَائِضِ بِإِجْمَاعٍ : أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا تَنَازُعَ فِي قَبُولِهَا ، وَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ وَاجِبَاتٌ بِإِجْمَاعٍ . 718 - ثُمَّ جَاءَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِشُذُوذٍ خَارِجٍ عَنْ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَتْبَعُهُ دُونَ سَنَدٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَأَسْقَطَ بِهِ الْفَرِيضَةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَى وُجُوبِهَا ، وَنَقَضَ أَصْلَهُ ، وَنَسِيَ نَفْسَهُ ، وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يَرْضَاهُ ، وَالْعِصْمَةَ مِمَّا بِهِ ابْتَلَاهُ . 719 - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُغَلِّسِ فِي كِتَابِهِ : الْمُوَضَّحِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي مِصْرٍ فِي حَشٍّ أَوْ مَوْضِعٍ نَجِسٍ ، أَوْ كَانَ مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةٍ وَلَمْ تُمْكِنْهُ الطَّهَارَةُ وَلَا قَدَرَ عَلَيْهَا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ وَصَلَّى مَتَى مَا قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ . 720 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا غَيْرُ نَاسٍ وَلَا نَائِمٍ ، وَقَدْ أَوْجَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُغَلِّسِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ . 721 - وَهَذَا الظَّاهِرِيُّ يَقُولُ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا إِلَّا النَّائِمُ وَالنَّاسِي ; لِأَنَّهُمَا خُصَّا بِذَلِكَ ، وَنُصَّ عَلَيْهِمَا . 722 - فَإِنْ قَالَ : هَذَا مَعْذُورٌ كَمَا أَنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ مَعْذُورَانِ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا الْعُذْرُ - قِيلَ لَهُ : قَدْ تَرَكْتَ مَا أَصَّلْتَ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ وَاعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَأَلَّا يُتَعَدَّى النَّصُّ ، مَعَ أَنَّ الْعُقُولَ تَشْهَدُ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ أَوْلَى بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمَعْذُورِ . 723 - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَاوُدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُتَرْجِمِ بِجَامِعِ مَذْهَبِ أَبِي سُلَيْمَانَ : دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْأَصْبَهَانِيِّ فِي بَابِ صَوْمِ الْحَائِضِ وَصَلَاتِهَا مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ - قَالَ : كُلُّ مَا تَرَكَتِ الْحَائِضُ مِنْ صَلَاتِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَعَلَيْهَا إِعَادَتُهَا . 724 - قَالَ : وَلَوْ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ( وَتَرَيَّثَتْ ) عَنِ الْإِتْيَانِ بِهَا حَتَّى حَاضَتْ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إِذَا طَهُرَتْ . 725 - فَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَمَا أَرَى هَذَا الظَّاهِرِيَّ إِلَّا قَدْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَخَالَفَ جَمِيعَ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ ، وَشَذَّ عَنْهُمْ ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ مَنْ أَخَذَ بِالشَّاذِّ مِنَ الْعِلْمِ . 726 - وَقَدْ أَوْهَمَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ لَهُ سَلَفًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ تَجَاهُلًا مِنْهُ أَوْ جَهْلًا ، فَذَكَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قَالُوا : أَخَّرُوهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا . قَالُوا : وَلَوْ تَرَكُوهَا لَكَانُوا بِتَرْكِهَا كُفَّارًا . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِكُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا ، وَلَا يَقُولُونَ بِقَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِهَا ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَدْ تَابَ مِنْ تَضْيِيعِهَا ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى . 727 - وَلَا تَصِحُّ لِمُضَيِّعِ الصَّلَاةِ تَوْبَةٌ إِلَّا بِأَدَائِهَا ، كَمَا لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ إِلَّا بِأَدَائِهِ . 728 - وَمَنْ قَضَى صَلَاةً فَرَّطَ فِيهَا فَقَدْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . 729 - وَذُكِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ . 730 - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُطَفِّفَ قَدْ يَكُونُ الَّذِي لَمْ يُكْمِلْ صَلَاتَهُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَحُدُودِهَا وَإِنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا . 731 - وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . 732 - وَكَذَلِكَ نَقُولُ : لَا صَلَاةَ لَهُ كَامِلَةٌ ، كَمَا لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ . 733 - وَمَنْ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَدْ صَلَّاهَا وَتَابَ مِنْ سَيِّئِ عَمَلِهِ فِي تَرْكِهَا ، وَكُلُّ مَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلَا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ خِلَافُ مَا تَأَوَّلَهُ . وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ . 734 - وَأَمَّا فَزَعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ فَزَعًا مِنْهُ وَإِشْفَاقًا وَحُزْنًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا بِالنَّوْمِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ ، وَحِرْصًا عَلَى بُلُوغِ الْغَايَةِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، كَمَا فَزِعَ حِينَ قَامَ إِلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، وَكَانَ فَزَعُ أَصْحَابِهِ فِي انْتِبَاهِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حُكْمَ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي رَفْعِ الْمَأْثَمِ عَنْهُ ، وَإِبَاحَةِ الْقَضَاءِ لَهُ . 735 - وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا . 736 - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَزَعُهُمْ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ فَزَعِهِ حِينَ انْتِبَاهِهِ ، إِشْفَاقًا وَفَزَعًا ، كَفَزَعِهِمْ حِينَ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الصُّبْحَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْتَغِلٌ بِطُهُورِهِ ، ثُمَّ أَتَى فَأَدْرَكَ مَعَهُمْ رَكْعَةً ، فَلَمَّا سَمِعُوا تَكْبِيرَة فَزِعُوا . فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . 737 - وَلَمْ يَكُنْ فَزَعُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ عَدُوٍّ خَافَهُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَعَانِي الْمُوَطَّإ . 738 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَبَيَانُ أَنَّهُ إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِمَا يَغْلِبُهُ مِنَ النَّوْمِ ، وَلَمْ يُرْفَعْ عَنْهُ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهَا إِذَا انْتَبَهَ وَذَكَرَهَا ، وَكَذَلِكَ النَّاسِي . 739 - وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فِي النَّائِمِ ، وَفِي السَّاهِي : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا - بَيَانُ مَا قُلْنَا . وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 740 - وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ - يَعْنِي مِنَ النَّوْمِ - فَصِنْفٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لَطِيفٌ يَقُولُ : إِذَا كُنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ ، وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ . 741 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَفَاطِمَةَ ، وَهُمَا نَائِمَانِ فَقَالَ : أَلَا تُصَلُّونَ ! أَلَا تُصَلُّونَ ! فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْرَأُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا . 742 - وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ : إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، وَقَوْلِ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ وَالنَّفْسَ شَيْءٌ وَاحِدٌ . 743 - وَقَدْ أَثْبَتْنَا بِمَا بَيَّنَّا فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ عَنِ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ فِي مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 744 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا - فَإِنَّهُ أَرَادَ : أَثَارُوا جِمَالَهُمْ ، وَاقْتَادُوا سَيْرًا قَلِيلًا ، وَالْإِبِلُ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا الْأَوْقَارُ فَهِيَ الرَّوَاحِلُ . 745 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى اقْتِيَادِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي : فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ كَانَ خَرَجَ فَلَمْ يَخَفْ فَوْتًا آخَرَ ، وَتَشَاءَمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي نَابَهُمْ فِيهِ ، فَقَالَ : هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ . 746 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ وَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ . 747 - وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : تَزَحْزَحُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ، فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 748 - وَذَلِكَ كُلُّهُ نَحْوٌ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَاهَةِ . 749 - وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَزَعَمُوا أَنَّ تَأْخِيرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتِلْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ انْتَبَهَ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ . 750 - قَالُوا : وَمِنْ سُنَّتِهِ أَلَّا يُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا . 751 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالُوا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ يَكْلَؤنَا اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا . فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ، فَفَعَلْنَا . قَالَ : كَذَلِكَ فَافْعَلُوا ، ثَمَّ نَامَ أَوْ نَسِيَ . 752 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ . 753 - وَبِالْآثَارِ الَّتِي رَوَاهَا الصُّنَابِحِيُّ وَغَيْرُهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينَ غُرُوبِهَا . 754 - وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى الْفَرَائِضِ وَعَلَى النَّوَافِلِ ، وَقَالُوا : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَا يُؤَدَّى فِيهِمَا صِيَامُ رَمَضَانَ وَلَا نَفْلٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهِمَا ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ لَا تُصَلَّى فِيهَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا . 755 - وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 756 - وَرَوَى أَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى . 757 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 758 - وَهَذِهِ إِبَاحَةٌ مِنْهُ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينِ غُرُوبِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ الْمَذْكُورَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينِ غُرُوبِهَا لَمْ يَكُنْ عَنِ الْفَرَائِضِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّطَوُّعَ وَالنَّافِلَةَ . 759 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فَقَطْ . 760 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ : أَنَّهَا تُقَامُ بِغَيْرِ أَذَانٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ إِلَّا فِي وَقْتِهَا . 761 - وَيَحْتِمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرُهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ بِمَا تُقَامُ بِهِ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . 762 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَفِي بَعْضِهَا : أَنَّهُ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا . 763 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ : 764 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِقَامَةً إِقَامَةً ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ . 765 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْفَوَائِتِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ . 766 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ صَلَّاهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ . 767 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَإِنْ صَلَّاهُنَّ بِإِقَامَةِ إِقَامَةٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَحَسَنٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ . 768 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ : يُؤْذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَاتَتْهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ نَامَ فِي سَفَرِهِ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ . 769 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ الصَّحَابَةُ وَالرُّوَاةُ فِي أَحَادِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ مِنَ الْأَذَانِ مَعَ الْإِقَامَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنِ احْتِمَالِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ فِي التَّأْوِيلِ . 770 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . 771 - ( مِنْهَا ) : مَا أَنْبَأَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : سَرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَرَّسَ بِنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، قَالَ : فَاسْتَيْقَظْنَا وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَثُورُ إِلَى طُهُورِهِ دَهِشًا فَازِعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ارْتَحِلُوا قَالَ : فَارْتَحَلْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلْنَا فَقَضَيْنَا مِنْ حَوَائِجِنَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَفَنَقْضِيهَا لِمِيقَاتِهَا مِنَ الْغَدِ ؟ فَقَالَ : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذُهُ مِنْكُمْ . 772 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَائِتَةَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤْذَّنُ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ يَوْمِ الْخَنْدَقِ : فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبِسَ يَوْمَئِذٍ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِلَى هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا . 773 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ . ( ح ) . 774 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بُدَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا . مَعْنَى حَدِيثِهِمَا سَوَاءٌ . 775 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ ، عن مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، قَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرُكُمْ . 776 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْفَوَائِتَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤَذَّنُ . 777 - وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهَا يُؤْذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ بِمَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ : ثُمَّ أَقَامَ لِلْعِشَاءِ فَصَلَّاهَا ، وَالْعِشَاءُ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا لَيْسَتْ بِفَائِتَةٍ ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْأَذَانِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ إِنَّمَا أَرَادَ إِقَامَتَهَا بِمَا تُقَامُ بِهِ عَلَى سُنَّتِهَا مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . 778 - قَالَ : فَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ . 779 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعِشَاءُ صُلِّيَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، فَكَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ عَلَى مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ . 780 - وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ فَهِيَ فَائِتَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهَا . 781 - وَصَحَّ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْفَوَائِتَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤَذَّنُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 782 - وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ . 783 - وَذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ فِي سَمَاعِهِ مِنْ مَالِكٍ : قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ : إِنَّهُ لَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ . 784 - قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . 785 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سُئِلَ مَالِكٌ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ؟ قَالَ : مَا عَلِمْتُ . 786 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى . 787 - وَعَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبَ ، وَعَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا : يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَالَا : وقَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ صَلَّاهُمَا يَوْمَئِذٍ . 788 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِنْ شَاءَ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدَعَهُمَا . 789 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ . 790 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ . 791 - وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ يُرْكَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ . 792 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ انْتَبَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا يَخَافُ مِنْ فَوْتِ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ . 793 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوَدُ : يَتَطَوَّعُ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ . 794 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ابْدَأْ بِالْمَكْتُوبَةِ ، ثُمَّ تَطَوَّعْ بِمَا شِئْتَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 795 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : كُلُّ وَاجِبٍ مِنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ ، أَوْ صَلَاةِ نَذْرٍ ، أَوْ صِيَامٍ - يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ النَّفْلِ . 796 - رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ خِلَافَ ذَلِكَ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ : إنَّهُ يُصَلِّي مَعَهُمْ بِصَلَاتِهِمْ ، فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الْعِشَاءَ قَالَ : وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ مَكَانًا طَاهِرًا فَلْيُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْقِيَامِ . 797 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي بَعْضِهَا : فَذَلِكَ وَقْتُهَا . 798 - وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الَّتِي ذَكَرَ قَبْلَهَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ - بِقَوْلِهِ هَذَا : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 799 - قَالُوا : فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حِينِ الذِّكْرِ ، فَصَارَ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا ، فَإِذَا ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَكَأَنَّهَا مَعَ صَلَاةِ الْوَقْتِ صَلَاتَانِ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعَتَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . 800 - فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى مِنْهُمَا ، فَلِذَلِكَ فَسَدَتْ عَلَيْهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ . 801 - وَفَسَادُهَا مِنْ جِهَةِ التَّرْتِيبِ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ الذِّكْرِ وَحُصُولِ الْوَقْتِ بِالتَّرْتِيبِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ ، وَذَلِكَ صَلَاةُ يَوْمٍ فَمَا دُونَ . 802 - فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ الترتيب ، وَكَذَلِكَ سَقَطَ التَّرْتِيبُ مَعَ كَثْرَةِ الْعَدَدِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ ، وَمَا لَا يُطَاقُ عَلَيْهِ ، وَيَفْحُشُ الْقِيَاسُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ عَامٍ فَرَّطَ فِيهَا ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً بَيْنَ وَقْتِهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ وَقْتِهِ عَامٌ قَبُحَ بِالْمُفْتِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاةِ عَامٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ وَقْتِهِ . 803 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بِحَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ؟ قَالُوا : لَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ . 804 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ مَجْهُولِينَ لَا تَقُومُ بِهِمْ حُجَّةٌ . 805 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : لَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 806 - وَقَالُوا فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا وَحْدَهُ أَوْ وَرَاءَ إِمَامٍ : يَتَمَادَى فِي صِلَاتِهِ ، فَإِذَا أَتَمَّهَا صَلَّى الَّتِي ذَكَرَ وَلَمْ يُعِدِ الْأُخْرَى بَعْدَهَا . 807 - وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِوَاجِبٍ فِيمَا قَلَّ وَلَا فِيمَا كَثُرَ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ . 808 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْيَوْمِ وَأَوْقَاتِهِ ، كَمَا يَجِبُ تَرْتِيبُ أَيَّامِ رَمَضَانَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ . 809 - أَلَا تَرَى أَنَّ رَمَضَانَ تَجِبُ الرُّتْبَةُ فِيهِ وَالنَّسَقُ لِوَقْتِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى سَقَطَتِ الرُّتْبَةُ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الَّذِي لَمْ يَصُمْهُ فِي وَقْتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ إِلَّا عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ؟ 810 - وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصُمْهَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانٌ آخَرُ أَنَّهُ يَصُومُهُ ، ثُمَّ يَصُومُ الْأَيَّامَ مِنَ الْأَوَّلِ بَعْدَهُ وَلَا يُعِيدُهُ . 811 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْإِطْعَامِ مَعَ قَضَاءِ الْأَيَّامِ لِمَنْ فَرَّطَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصِّيَامِ . 812 - فَأَمَّا دَاوُدُ وَمَنْ نَفَى الْقِيَاسَ فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصُّبْحِ . 813 - قَالُوا : فَقَدْ صَلَّى صَلَاةَ سُنَّةٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ فِيهَا لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ فَلَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ ، فَأَحْرَى أَلَّا تَفْسُدَ عَلَيْهِ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ إِذَا ذَكَرَ فِيهَا أُخْرَى قَبْلَهَا . 814 - وَهَذَا عِنْدِي احْتِجَاجٌ فَاسِدٌ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ وُجُوهٍ : 815 - ( مِنْهَا ) : أَنْ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ . 816 - ( وَمِنْهَا ) : أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ صَلَاةً قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَاكِرًا فِيهَا صَلَاةً بَعْدَهَا . 817 - وَهَذَا لَا خَفَاءَ فِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ . 818 - وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى التَّرْتِيبَ إِلَّا إِيجَابَ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ مَنْ نَامَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا أَوْ نَسِيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَأَنَّهُ لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً لَمْ يُصَلِّهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَأَنَّ النَّائِمَ عَنْهَا وَالنَّاسِي لَهَا إِذَا ذَكَرَهَا فِي حُكْمِ مَنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِهَا ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِيجَابُ تَرْتِيبٍ . 819 - وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً كَصَلَاةِ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مَا زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ مَعَ صَلَاةِ وَقْتِهِ ، فَكَذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 820 - وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةُ مَسَائِلَ عَنِ الْعُلَمَاءِ يَزِيدُ النَّاظِرُ فِيهَا بَيَانًا وَعِلْمًا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 821 - وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ إِذَا ذَكَرَهَا . 822 - هَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . 823 - وَقَدْ قُرِئَتْ : ( لِلذِّكْرَى ) عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . 824 - وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي : أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا . قَالَ : فَإِذَا صَلَّى عَبْدٌ ذَكَرَ رَبَّهُ .
510 8 - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ 950 - هَكَذَا تَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ ، وَكَانَتْ حَقِيقَتُهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، ثُمَّ يَذْكُرُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ . 26 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ . فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا ، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا ، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا ، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا . وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ . 951 - تَابَعَ يَحْيَى عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ جُمْهُورَ الرُّوَاةِ ، مِنْهُمُ الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ . 952 - قَالَ فِيهِ مُطَرِّفٌ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَتَابَعَهُ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ ، وَطَائِفَةٌ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . 953 - وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ خَبَرَهُ ، وَأَنَّهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا صُحْبَةَ لَهُ . 954 - وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا خَمْسُ لَيَالٍ تُوفِّيَ وَأَنَا بِالْجُحْفَةِ ، فَقَدِمْتُ وَأَصْحَابُهُ مُتَوَافِدُونَ . 955 - وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ : خَرَجْنَا مِنَ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ ، فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ ، فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ ، فَقُلْتُ : الْخَبَرُ ؟ فَقَالَ : دَفَنَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ خَمْسِ لَيَالٍ . 956 - وَاضْطَرَبَ ابْنُ مَعِينٍ فِي حَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ هَذَا ، فَمَرَّةً قَالَ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَمَرَّةً قَالَ : أَحَادِيثُهُ مُرْسَلَةٌ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . 957 - وَأَحَادِيثُ الصُّنَابِحِيِّ الَّتِي فِي الْمُوَطَّإ مَشْهُورَةٌ ، جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ شَتَّى مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الشَّامِ ، وَمِمَّنْ رَوَاهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَمُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ الْبَهْزِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِطُرُقِهَا فِي التَّمْهِيدِ . 958 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ - فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ : 959 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ ، وَعَلَى رَأْسِ الشَّيْطَانِ ، وَبَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُكَيَّفُ مَا لَا يُرَى . 960 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ - حَدِيثُ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ : آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ ؟ قَالَ : هُوَ حَقٌّ ، فَمَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ شِعْرِهِ ؟ قَالُوا : أَنْكَرْنَا قَوْلَهُ : وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رِسْلِهَا إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَمَا بَالُ الشَّمْسِ تُجْلَدُ ؟ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَطُّ حَتَّى يَنْخُسَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَيَقُولُونَ لَهَا : اطْلَعِي اطْلَعِي ( فَتَقُولُ ) : لَا أَطْلَعُ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَنِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَأْتِيهَا مَلَكٌ عَنِ اللَّهِ يَأْمُرُهَا بِالطُّلُوعِ فَتَشْتَعِلُ لِضِيَاءِ بَنِي آدَمَ ، فَيَأْتِيهَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ الطُّلُوعِ ، فَتَطْلَعُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ فَيَحْرِقُهُ اللَّهُ عَنْهَا . وَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَطُّ إِلَّا خَرَّتْ سَاجِدَةً ، فَيَأْتِيهَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ السُّجُودِ فَتَغْرُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، فَيَحْرِقُهُ اللَّهُ تَحْتَهَا . 961 - وَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا طَلَعَتْ إِلَّا بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَلَا غَرَبَتْ إِلَّا بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ . 962 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ هَذَا فِي التَّمْهِيدِ . 963 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الْمَجَازِ وَاتِّسَاعِ الْكَلَامِ ، وَأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَرْنِ الشَّيْطَانِ هُنَا أُمَّةٌ تَعْبُدُ الشَّمْسَ وَتَسْجُدُ لَهَا وَتُصَلِّي فِي حِينِ غُرُوبِهَا وَطُلُوعِهَا ، تَقْصِدُ بِذَلِكَ الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . 964 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ التَّشَبُّهَ بِالْكُفَّارِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ ، وَيُحِبُّ مُخَالَفَتَهُمْ ، فَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِذَلِكَ . 965 - وَهَذَا التَّأْوِيلُ جَائِزٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِهَا ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ تُسَمَّى عِنْدَهُمْ قَرْنًا ، وَالْأُمَمَ قُرُونًا . 966 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ . 967 - وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا . 968 - وَقَالَ : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى . 969 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي . 970 - وَجَائِزٌ أَنْ يُضَافَ الْقَرْنُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِطَاعَتِهِمْ لَهُ . 971 - وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْكَفَّارَ حِزْبَ الشَّيْطَانِ . 972 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ تَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ ، حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِيهِ : فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ ، وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ . 973 - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ . 974 - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : وَهِيَ سَاعَةُ صَلَاةِ الْكُفَّارِ وَفِيهِ : فَإِذَا اعْتَدَلَ النَّهَارُ فَأَقْصِرْ ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُسْجَرُ فِيهَا جَهَنَّمُ . 975 - وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، وَكُلُّهَا بِأَحْسَنِ سِيَاقَةٍ فِي التَّمْهِيدِ . 976 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا صَحِيحٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ ، إِلَّا اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ وَمَعْنَاهُ : 977 - فَقَالَ عُلَمَاءُ الْحِجَازَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا : مَعْنَاهُ الْمَنْعُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ ، وَدُونَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَهَذِهِ جُمْلَةُ قَوْلِهِمْ . 978 - وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، وَغَيْرُهُمْ : كُلُّ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ ، أَوْ فَرِيضَةٍ ، أَوْ عَلَى جِنَازَةٍ فَلَا تُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَا عِنْدَ اسْتِوَائِهَا ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَخُصَّ نَافِلَةً مِنْ فَرِيضَةٍ إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 979 - وَلَهُمْ حُجَجٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ مَضَى الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 980 - وَقَدْ رَدُّوا ظَاهِرَ الْحَدِيثِ إِذْ قَالُوا بِبَعْضِهِ ، وَدَفَعُوا بِتَأْوِيلِهِمْ بَعْضَهُ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَمَعَ الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ ، وَهُمْ قَالُوا : عَصَرَ يَوْمِهِ دُونَ صُبْحِ يَوْمِهِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ يَخْرُجُ إِلَى وَقْتٍ تُبَاحُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ بَعْدُ الْمَغْرِبِ ، وَمُدْرِكُ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ يَخْرُجُ مِنَ الثَّانِيَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ الطُّلُوعُ . 981 - وَهَذَا الْحُكْمُ لَا بُرْهَانَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّ مَنْ ذَكَرْنَا قَدْ صَلَّى رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ ، وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ ، لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِلَى الْفَرِيضَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِلَى مَا عَدَا الْفَرَائِضِ مِنَ الصَّلَوَاتِ . 982 - وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَكُونُ الْأَحَادِيثُ مُسْتَعْمَلَةً كُلَّهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، فَلَا يُرَدُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ; لِأَنَّ عَلَيْنَا فِي الْكُلِّ الِاسْتِعْمَالَ مَا وَجَدْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا ، وَلَا يُقْطَعُ بِنَسْخِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ، أَوْ إِجْمَاعٍ . 983 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ : فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ نِصْفَ النَّهَارِ إِذَا اسْتَوَتِ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ ، لَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَا أَعْرِفُ هَذَا النَّهْيَ وَمَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْفَضْلِ إِلَّا وَهُمْ يَسْجُدُونَ وَيُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ . 984 - وَهَذَا مَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ ، وَفِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي قُرِئَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ - النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا اسْتَوَتِ الشَّمْسُ فِي حَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ ; لِقَوْلِهِ فِيهِ : فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ . 985 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَكْرَهُ التَّطَوُّعَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَا أُحِبُّهُ ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 986 - وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ وَهُوَ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِمَرَاسِيلِ الثِّقَاتِ ، وَرِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ ثِقَاتٌ ، وَأَحْسَبُهُ مَالَ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ثعلبة ابْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ : أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ خُرُوجَ عَمَرَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ طِنْفِسَةِ عَقِيلٍ . وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ . 987 - فَإِذَا كَانَ خُرُوجُ عُمَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ إِلَى خُرُوجِهِ ، فَقَدْ كَانُوا يُصَلُّونَ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ لَا يُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ . 988 - وَمِثْلُ هَذَا الْعَمَلِ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، فَلِذَلِكَ صَارَ إِلَيْهِ ، وَعَوَّلَ عَلَيْهِ . 989 - وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُ الْجُمُعَةِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فِي أَثَرٍ وَلَا نَظَرٍ . 990 - وَمِمَّنْ رَخَّصَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ : الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ تَخْصِيصُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ . 991 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً ، وَهِيَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَهْلِ الشَّامِ . 992 - وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمِ الْجُمُعَةِ . 993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي يَحْيَى ، وَإِسْحَاقُ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي فَرْوَةَ ، وَهُمَا مَتْرُوكَانِ لَيْسَ فِيمَا يَنْقِلَانِهِ وَيَرْوِيَانِهِ حُجَّةٌ . 994 - وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ الْمَذْكُورِ ، وَقَالَ : النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ صَحِيحٌ ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمَا روى مِنَ الْعَمَلِ الْمُسْتَفِيضِ فِي الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ ، وَبِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي يَحْيَى وَغَيْرُهُ مِمَّا يُعَضِّدُهُ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ . قَالَ : وَالْعَمَلُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا تَوْقِيفًا ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي يَحْيَى ضَعِيفًا فَإِنَّهُ تُقَوِّيهِ صِحَّةُ الْعَمَلِ بِهِ . 995 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ عُمَرُ إِذَا خَرَجَ - يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ - تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَجَلَسُوا . 996 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ خُرُوجَ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ ; لِأَنَّهُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ يَنْدَفِعُ الْأَذَانُ . 997 - وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ : وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ . 998 - وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الصَّلَاةُ تُكْرَهُ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ . 999 - وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْقَفَهُ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ ، وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا . 1000 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِإِسْنَادِهِمَا فِي التَّمْهِيدِ . 1001 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يَوْمُ الْجُمُعَةِ صَلَاةٌ كُلُّهُ . 1002 - وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ . 1003 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ ، وَتَحْرُمُ فِي سَاعَتَيْنِ : تُكْرَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ ، وَنِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ . وَتَحْرُمُ : حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى يَسْتَوِيَ طُلُوعُهَا ، وَحِينَ تَصْفَرُّ حَتَّى يَسْتَوِيَ غُرُوبُهَا . 1004 - وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ . 1004 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ نِصْفَ النَّهَارِ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ; لِحَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمَا فِي ذَلِكَ . 1006 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةً فَائِتَةً ، وَلَا نَافِلَةً ، وَلَا صَلَاةَ سُنَّةٍ ، وَلَا عَلَى جِنَازَةٍ ، لَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَا عِنْدَ اسْتِوَائِهَا إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي عَصْرِ يَوْمِهِ ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ . 1007 - وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ مَا يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ هَاهُنَا . 1008 - وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَدَفْنَهَا نِصْفَ النَّهَارِ جَائِزٌ . 1009 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا بَأْسَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، فَإِذَا اصْفَرَّتْ لَمْ يُصَلَّ عَلَى الْجَنَائِزِ إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا فَيُصَلَّى عَلَيْهَا حِينَئِذٍ . 1010 - قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ ، فَإِذَا أَسْفَرَ فَلَا تُصَّلُوا عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تَخَافُوا عَلَيْهَا . 1011 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ جَائِزَةٌ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَاسْتِوَائِهَا . 1012 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ إِلَّا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا نِصْفَ النَّهَارِ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . 1013 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فِي السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ . 1014 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُصَلَّى عَلَيْهَا مَا دَامَ فِي مِيقَاتِ الْعَصْرِ ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهُمْ مِيقَاتُ الْعَصْرِ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ . 1015 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ النَّوَافِلِ الْمُبْتَدَأَةِ وَالتَّطَوُّعِ ، وَأَمَّا عَنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَلَا ; لِحَدِيثِ قَيْسٍ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُصَلَّيَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ - بَعْدَ الْعَصْرِ .
511 27 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ . وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ . 1016 - هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّإ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ . 1017 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّإ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ . 1018 - وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، لَا عَنْ عَائِشَةَ . 1019 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تُشْرِقَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغْرُبَ . 1020 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْكَلَامِ فِي هَذَا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ . 1021 - الْحِجَازِيُّونَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَلْخِيصِ مَذَاهِبِهِمْ ، وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى أَصْلِهِمُ الْمَذْكُورِ عَنْهُمْ .
512 28 - مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ . فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ ذَكَرَهَا ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ . تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ . تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ . يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ، أَوْ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا . لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . 1022 - هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَوَسَّعُونَ فِيمَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سَعَةِ الْوَقْتِ ، فَقَوْمٌ يُصَلُّونَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَقَوْمٌ يُصَلُّونَ فِي وَسَطِهِ ، وَقَوْمٌ فِي آخِرِهِ . 1023 - وَقَدْ مَضَى فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ طَائِفَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ بِلَا فَصْلٍ ، وَأَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَجْعَلُ بَيْنَهُمَا فَصْلًا وَإِنْ قَلَّ ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ . 1024 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ تَعْجِيلَ الْعَصْرِ ، وَتَفْضِيلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِيهَا . 1025 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي صَلَاةِ الْمُنَافِقِينَ : إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ ; فَذَلِكَ ذَمٌّ مِنْهُ لِمَنْ أَخَّرَ صَلَاتَهُ ذَاكِرًا إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَتَحْذِيرٌ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأَفْعَالِ الْمُنَافِقِينَ ، الَّذِينَ كَانُوا لَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا كُسَالَى . 1026 - وَقَدْ كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ لَا يُصَلِّي إِلَّا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَبَعْدَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسِرُّونَ النِّفَاقَ وَأَنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِهِ . 1027 - وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ ، لَا لِأَنَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ فَيَضَعُ صَلَاتَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ . 1028 - وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . 1029 - وَمَا أَعْلَمُ حَدِيثًا أَبْيَنُ مِنَ الرَّدِّ عَلَى إِسْحَاقَ ، وَدَاوَدَ فِي قَوْلِهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ الْحَدِيثَ : إِنَّ ذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ وَغَيْرِهِمْ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَفِيهَا عَنِ الْعَلَاءِ أَنَّ الَّذِي صَلَّى مَعَهُ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ الْقُشَيْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ ، ثُمَّ دَخَلَ بِأَثَرِ ذَلِكَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ . 1030 - وَقَدْ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ خَلَّادٍ ، قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ يَوْمًا ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ ( قَائِمًا يُصَلِّي الْعَصْرَ ، فَقُلْنَا : إِنَّمَا انْصَرَفْنَا الْآنَ مِنَ الظُّهْرِ مَعَ عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ هَكَذَا فَلَا أَتْرُكُهَا أَبَدًا .
513 29 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا . 1031 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ وَجْهَيْنِ : 1032 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَلَّا يَتْرُكَ أَحَدٌ صَلَاتَهُ ذَاكِرًا لَهَا إِلَى حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا ، وَهَذَا عَمَلُ الْفَرَائِضِ . 1033 - ( وَالثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ إِلَى التَّطَوُّعِ . 1034 - وَلَيْسَ يُقَالُ لِمَنْ نَامَ فَلَمْ يَنْتَبِهْ ، أَوْ نَسِيَ فَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ : إِنَّهُ تَحَرَّاهُ وَقَصَدَهُ ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا تُوُجِّهَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى مَنْ تَحَرَّى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي بِمُتَحَرٍّ لِذَلِكَ ، فَلَا حُجَّةَ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ; لِإِجَازَتِهِمْ لِلنَّائِمِ وَالنَّاسِي أَنْ يُصَلِّيَا فَرْضَهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، كَمَا زَعَمَ الْكُوفِيُّونَ . 1035 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ كُلَّهَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُصَلَّى شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَالْمَفْرُوضَاتِ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَالْمَسْنُونَاتِ . 1036 - وَقَدْ مَضَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يَكْفِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
516 32 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ : أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ الْمُنْكَدِرَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ . 1084 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ مِنْ تَفَقُّدِهِ أَمْرَ مَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَمْرَهُ ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ وَالسَّلَاطِينَ الِاهْتِبَالُ بِأَمْرِ الدِّينِ وَالْقِيَامُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَصَلَاحُ دُنْيَاهُمْ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ . 1085 - رُوِّينَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَا وَرَدَ عَلَيْنَا قَطُّ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَّا بِإِحْيَاءِ سُنَّةٍ ، أَوْ إِمَاتَةِ بِدْعَةٍ ، أَوْ رَدِّ مَظْلَمَةٍ ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ هُمْ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ حُجَّةٌ .
515 31 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَطْلُعُ قَرْنَاهُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَيَغْرُبَانِ مَعَ غُرُوبِهَا . وَكَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ . 1080 - قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ قَبْلَ هَذَا مَعْنَى لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا . 1081 - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْنَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ . 1082 - وَمَعْنَى ضَرْبِ عُمَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَإِذَا كَانَ يَضْرِبُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَأَحْرَى أَنْ يَضْرِبَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا . 1083 - وَقَدْ بَانَ مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ ابْنِهِ فِي ذَلِكَ ، بِمَا أَوْرَدْنَاهُ قَبْلَ هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
514 30 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . 1037 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَهِيَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ لَا مَدْفَعَ فِيهَا ، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا وَفِي خُصُوصِهَا وَعُمُومِهَا ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِيهِ . 1038 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَذَكَرُوا مِثْلَ حَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ وَشِبْهَهُ . 1039 - قَالُوا : فَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ هَذَا مَعْنَاهُ ؛ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا . 1040 - قَالُوا : وَإِنَّمَا خَرَجَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ عَلَى قَطْعِ الذَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَتِ الصَّلَاةُ النَّافِلَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ لَمْ يُؤْمَنِ التَّمَادِي فِيهَا إِلَى حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا . 1041 - هَذَا مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ . 1042 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ غَيْرَ أَلَّا يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا . 1043 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ . 1044 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ . 1045 - وَمَذْهَبُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ . 1046 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أَوْهَمَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ أَنْ يُتَحَرَّى بِهَا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَغُرُوبَهَا . 1047 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسَدٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَامِعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، فَذَكَرَهُ . 1048 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً . 1049 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 1050 - وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ رَآهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرْكَعُ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ ، فَمَشَى إِلَيْهِ وَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اضْرِبْ ، فَوَاللَّهِ لَا أَدَعْهُمَا بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا زَيْدُ ، لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهُمَا النَّاسُ سُلَّمًا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِبْ فِيهِمَا . 1051 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ وَسَائِرَ أَخْبَارِ هَذَا الْبَابِ فِي التَّمْهِيدِ . 1052 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ إِنَّمَا هُوَ إِعْلَامٌ بِأَلَّا يُتَطَوَّعَ بَعْدَهُمَا ، وَلَمْ يُقْصَدِ الْوَقْتُ بِالنَّهْيِ كَمَا قُصِدَ الشُّرُوقُ وَالْغُرُوبُ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا . 1053 - أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ جَاءَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِرَكْعَتَيْنِ وَبِأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ لِمَنْ قَدْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ . 1054 - وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَّا الصَّلَاةُ بَعْدَ الصُّبْحِ إِذَا كَانَتْ نَافِلَةً أَوْ سُنَّةً وَلَمْ تَكُنْ قَضَاءَ فَرْضٍ فَلَا تَجُوزُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ نَهْيًا مُطْلَقًا ، إِلَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كُلِّ مَا عَدَا الْفَرْضَ مِنَ الصَّلَاةِ ; لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَوْ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدَ أَدْرَكَ ) يَعْنِي : الْوَقْتَ . 1055 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . 1056 - قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : لَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا صَلَاةً فَائِتَةً ، أَوْ صَلَاةً عَلَى جِنَازَةٍ . 1057 - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُمْ رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا رَوَوْا . 1058 - وَحَسْبُكَ بِضَرْبِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ بِالدِّرَّةِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ . 1059 - وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَوَى الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ بِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ . 1060 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ مِنْهُمْ عُمَرُ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ . 1061 - وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ أَثْبَتُ الْأَحَادِيثِ ، رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ شُعْبَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَأَبَانٌ الْعَطَّارُ ، وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَنَهَاهُ عَنْهُمَا فَقَالَ : لَا أَدَعَهُمَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ . 1062 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ - التَّطَوُّعُ الْمُبْتَدَأُ أَوِ النَّافِلَةُ ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ وَالْمَسْنُونَاتُ ، وَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَاظِبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّوَافِلِ فَلَا . 1063 - وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ قَيْسٍ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ : رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الصُّبْحِ فَسَكَتَ عَنْهُ ، إِذْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ . 1064 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 1065 - وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَعَائِشَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ قَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ . 1066 - وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ ، فَقَالَ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَزُولَ ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا صَلَاةً فَائِتَةً مِنَ الْفَرَائِضِ ، أَوْ صَلَاةً عَلَى جِنَازَةٍ ، أَوْ عَلَى أَثَرِ طَوَافٍ ، أَوْ صَلَاةً لِبَعْضِ الْآيَاتِ ، أَوْ مَا يَلْزَمُ مِنَ الصَّلَوَاتِ . 1067 - وَاحْتَجَّ بِكَثِيرٍ مِنْ آثَارِ هَذَا الْبَابِ ، فِيهَا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ الْحَدِيثَ . 1068 - وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَّا التَّطَوُّعُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَجَائِزٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي بَيْتِي قَطُّ . 1069 - وَأَمَّا التَّطَوُّعُ بَعْدَ الصُّبْحِ فَلَا ; لِأَنَّ الْآثَارَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي ذَلِكَ . 1070 - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ ، وَالْأَصْلُ أَلَّا يُعْمَلَ مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ، وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْآثَارُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَوَاجِبٌ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وَالصَّلَاةُ فِعْلُ خَيْرٍ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا إِلَّا بِمَا لَا تَعَارُضَ لَهُ ، هَذَا قَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ . 1071 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَا بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا عِنْدَ الْغُرُوبِ ، وَلَا عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا إِلَّا عَصْرَ الْيَوْمِ . 1072 - فَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ . 1073 - وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ الْعَصْرِ أَخَّرَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ لَمْ يَرْكَعْهُمَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . 1074 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرْكَعُهُمَا إِلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَاسْتِوَائِهَا . 1075 - وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَرَى الرُّكُوعَ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَلَا يَرَاهُ بَعْدَ الْعَصْرِ . 1076 - وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ ، وَلَا يَصِحُّ بِهِ أَثَرٌ . 1077 - وَحُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى أُصُولِهِمُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْهُمْ . 1078 - وَأَمَّا السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَبَعْضُهُمْ بَعْدَ الصُّبْحِ أَيْضًا ، وَيُصَلُّونَ بِإِثْرِ فَرَاغِهِمْ مِنْ طَوَافِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . 1079 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ .
24 22 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ذَهَبَ ، فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي . 617 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْإِغْمَاءِ : أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ فِي إِغْمَائِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهَا إِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا . 618 - وَقَدْ خَالَفَ ابْنَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ : عَمَّارٌ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ . 619 - وَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 620 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ ، وَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْمَجْنُونِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا ( يُشْبِهُ ) الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِلَّا أَصْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : الْمَجْنُونُ الذَّاهِبُ الْعَقْلَ ، ( وَالْآخَرُ ) : النَّائِمُ . 621 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّوْمَ لَذَّةٌ ، وَالْإِغْمَاءُ مَرَضٌ ، فَهِيَ بِحَالِ الْمَجْنُونِ أَشْبَهُ ، وَالْأُخْرَى أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَنْتَبِهُ بِالْإِنْبَاهِ بِخِلَافِ النَّائِمِ . 622 - وَلَمَّا كَانَ الْعَاجِزُ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي جَالِسًا ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْجُلُوسِ سَقَطَ عَنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ حَالَهُ مُضْطَجِعًا إِلَى الْإِيمَاءِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَاءِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا سِوَى الْإِيمَاءِ فَكَذَلِكَ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْإِغْمَاءِ يَسْقُطُ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَا يُرَاجِعُهُ عَقْلُهُ وَذِهْنُهُ فِي وَقْتِهِ لَا مَا انْقَضَى وَقْتُهُ . 623 - هَذَا مَا يُوجِبُهُ النَّظَرُ ; لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ . 624 - وَفِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ اخْتِلَافٌ : فَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَقْضِ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ ، وَعَمَّارٌ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَى . 625 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 626 - ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : يَزِيدُ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، فَأَفَاقَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَقَضَاهُنَّ . 627 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : يَقْضِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا . 628 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ . 629 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 630 - وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ النَّهَارَ كُلَّهُ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَوَقْتَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أُصُولِهِمْ فِي ذَلِكَ . 631 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً قَضَى ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ لَمْ يَقْضِ ، وَجَعَلُوا مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي حُكْمِ النَّائِمِ ، وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ الَّذِي رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ . 632 - قَالُوا : وَإِنَّمَا قَضَى عَمَّارٌ ; لِأَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . 633 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَهُنَّ قَضَى ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَإِنْ أَغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا قَضَى خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، يَنْظُرُ حِينَ يَفِيقُ فَيَقْضِي مَا يَلِيهِ . 634 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالنَّائِمِ يَقْضِي كُلَّ صَلَاةٍ فِي أَيَّامِ إِغْمَائِهِ . 635 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ رَبَاحٍ . 636 - وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَنَّ النَّائِمَ إِذَا كَانَ نَوْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَمْ يَقْضِ - مُنْكَرَةٌ ، شَاذَّةٌ ، خَارِجَةٌ عَنِ الْأُصُولِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّائِمَ بِقَضَاءِ مَا نَامَ عَنْهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَلَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًا ، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَرْعِهِ فِي ذَلِكَ حَدٌّ بِعَدَدٍ أَوْ وَقْتٍ لَذَكَرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 637 - وَاخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : فَقَالَ مَرَّةً كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ : إِنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَقَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 638 - وَرُوِيَ عَنْ قَبِيصَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ : لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَجْرِ ، وَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ .
22 20 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَلَقِيَ رَجُلًا لَمْ يَشْهَدِ الْعَصْرَ . فَقَالَ عُمَرُ : مَا حَبَسَكَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ ؟ فَذَكَرَ لَهُ الرَّجُلُ عُذْرًا . فَقَالَ عُمَرُ : طَفَّفْتَ . قَالَ مَالِكٌ : وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وَتَطْفِيفٌ . 561 - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَبَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِمَّنْ شَرَحَ الْمُوَطَّأَ : إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيَهُ عُمَرُ لَمْ يَشْهَدِ الْعَصْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - فَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي أَثَرٍ عَلِمْتُهُ ، وَإِنَّمَا عُثْمَانُ هُوَ الَّذِي جَاءَ وَعُمَرُ يَخْطُبُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . 562 - وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 563 - وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَدِيدَةَ . 564 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ ، عَنِ ابْنِ حَدِيدَةَ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : لَقِيَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالزَّوْرَاءِ وَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَسَأَلَنِي : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَقُلْتُ : إِلَى الصَّلَاةِ . فَقَالَ : طَفَّفْتَ فَأَسْرِعْ ، قَالَ : فَذَهَبْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ وَرَجَعْتُ ، فَوَجَدْتُ جَارِيَتِي قَدِ احْتَبَسَتْ عَلَيْنَا مِنَ الِاسْتِقَاءِ ، فَذَهَبْتُ إِلَيْهَا بِرُومَةَ ، فَجِئْتُ بِهَا وَالشَّمْسُ صَالِحَةٌ . 565 - قَالَ : قِيلَ لِلْقَعْنَبِيِّ : مَا رُومَةُ ؟ قَالَ : بِئْرُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ . 566 - وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِلرَّجُلِ : طَفَّفْتَ ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّكَ نَقَصْتَ نَفْسَكَ حَظَّهَا مِنَ الْأَجْرِ بِتَأَخُّرِكَ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . 567 - وَأَظُنُّهُ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ; لِأَنَّ مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ مَانِعٌ عَنْ عَمَلٍ صَالِحٍ يُرِيدُهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الْآثَارِ مَا يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ عَمَلِهِ . 568 - وَأَمَّا التَّطْفِيفُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ فَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدْلِ وَالنُّقْصَانُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ ذَمٌّ لِفَاعِلِهِ . 569 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 570 - وَمَنْ ذَمَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - اسْتَحَقَّ عُقُوبَتَهُ ، كَمَا أَنَّ مَنْ مَدَحَهُ اسْتَحَقَّ ثَوَابَهُ . 571 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وَتَطْفِيفٌ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُومٍ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا . 572 - وَرَوَى أَبُو حُمَيْدٍ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الصَّلَاةُ كَالْكَيْلِ ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ . 573 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، قَالَ : التَّطْفِيفُ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْوُضُوءِ ، وَالْمِكْيَالِ ، وَالْمِيزَانِ . 574 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، وَحُبَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، وَمُؤَمَّلٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : تَرْكُ مِنَ التَّطْفِيفِ . 575 - وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شُبْرُمَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ سَلْمَانَ ، قَالَ : الصَّلَاةُ كَيْلٌ وَوَزْنٌ ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ ، وَمَنْ نَقَّصَ نُقِّصَ لَهُ ، وَتَلَا : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . 576 - وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ شَيْخٍ كُوفِيٍّ يُكَنَّى أَبَا نَصْرٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قِيلَ فِي الْمُطَفِّفِينَ . وَيَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ .
595 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ ، فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ . وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ ، فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 596 - أَمَّا قَوْلُهُ : سَاهِيًا فَهُوَ الَّذِي يَسْهُو فَلَا يَذْكُرُ غَفْلَةً وَشُغْلًا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : نَاسِيًا فَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَنْسَى . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ مُتَدَاخِلَانِ ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ . 597 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ ، وَقَوْلُهُ : إِنْ كَانَ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَقَدْ تَقَّدَمَ مَذْهَبُهُ وَمَا يُرَاعَى مِنَ الْوَقْتِ فِي ذَلِكَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي صَلَاتَيِ النَّهَارِ وَصَلَاتَيِ اللَّيْلِ ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهَا عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِ ذَلِكَ . 598 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ : فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا . 599 - فَأَشَارَ إِلَى الْمَنْسِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي فَاتَتْهُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ فَيَقْضِيهَا عَلَى حَسْبِ مَا كَانَ يُصَلِّيهَا ; لِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ بِالذِّكْرِ فَصَارَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ بِهَيْئَتِهَا ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى : فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِذَا خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَقْتِ شَيْءٌ أَقَلُّهُ رَكْعَةُ قَصْرٍ ، وَمَنْ قَدِمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَقْتِ مِثْلُ ذَلِكَ أَتَمَّ . 600 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَزُفَرُ : إِذَا خَرَجَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّي فِيهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ ، أَوْ رَكْعَةً مِنْهَا أَتَمَّ . 601 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ : ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَنِصْفُ اللَّيْلِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ ، وَقَوْلُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ - مَا فِيهِ إِيضَاحُ هَذَا الْمَعْنَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 602 - وَكَذَلِكَ إِنْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَتَمَّ . 603 - وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا مُرَاعَاتُهُمْ لِلرَّكْعَةِ وَلِلتَّكْبِيرِ . 604 - وَمَنْ رَاعَى أَوَّلَ الْوَقْتِ وَتَمَكُّنَ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَمَنْ رَاعَى آخِرَهُ وَاعْتَبَرَ الرَّكْعَةَ مِنْهُ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . 605 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ السَّفَرِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مُسَافِرٌ - وَهُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى - فَإِنَّ مَالِكًا ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُ قَالُوا : إِذَا نَسِيَ صَلَاةً حَضَرِيَّةً فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ صَلَّى أَرْبَعًا ، وَإِنْ نَسِيَهَا سَفَرِيَّةً وَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . 606 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُصَلِّي صَلَاةَ مُقِيمٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَرْبَعٌ ، فَإِذَا زَالَتْ عِلَّةُ السَّفَرِ لَمْ يُجِزْهُ إِلَّا أَرْبَعٌ ، وَيُؤْخَذُ لَهُ مَعَ الِاخْتِلَافِ بِالثِّقَةِ لِيُؤَدِّيَ فَرْضَهُ بِيَقِينٍ . 607 - وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَطَائِفَةٌ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فِي حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ صَلَّاهَا سَفَرِيَّةً ، وَلَوْ نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ وَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ; لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ لَهَا ، فَيُصَلِّيهَا كَمَا مَنْ لَمْ يَنْسَهَا ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ وَذَكَرهَا صَحِيحًا صَلَّاهَا قَائِمًا كَمَا يَقْدِرُ ، وَلَوْ نَسِيَهَا صَحِيحًا فَذَكَرَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ صَلَّاهَا قَاعِدًا عَلَى حَسْبِ طَاقَتِهِ وَحَالِهِ فِي الْوَقْتِ .
23 21 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا . وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . 577 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّإ مِنْ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . 578 - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَّا أَنَّهَا وُجُوهٌ ضَعِيفَةُ الْإِسْنَادِ ، وَيَرُدُّهَا أَيْضًا أَطْوَلُ الْآثَارِ الصِّحَاحِ . 579 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ مَالِكٍ طَائِفَةٌ تَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهَذَا مُرْسَلٌ . 580 - وَطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا نَقَلَ ، إِلَّا أَنَّهُ رَأَسٌ مِنْ رُؤُوسِ الْمُرْجِئَةِ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ عَابِدًا فَاضِلًا ، وَكَانَ مَالِكٌ يُثْنِي عَلَيْهِ لِعِبَادَتِهِ ، وَلَا يَرْضَى مَذْهَبَهُ . 581 - وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . 582 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنَانَهْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَدِّي ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ ( ) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . 583 - وَأَمَّا الْأُصُولُ الَّتِي تَرُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ : ( فَمِنْهَا ) حَدِيثُ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . 584 - فَلَمْ يَقَعِ التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ هَاهُنَا إِلَّا لِمَنْ فَاتَهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ كُلُّهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ حِينَ صَلَّى فِي طَرَفَيِ الْوَقْتِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . 585 - وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ يَدُلُّ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِ مَنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ كُلُّهُ فِي ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . 586 - وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ ، وَذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 587 - وَقَدْ يُحْتَمَلُ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ : فَمَنْ فَاتَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا كَانَ خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ; لِأَنَّ الْفَضَائِلَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْآخِرَةِ قَلِيلُهَا أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، لَا أَنَّهُ كَمَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . 588 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . 589 - وَالَّذِي يُفِيدُنَا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ - تَفْضِيلُ أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى آخِرِهِ ; لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ كَمَنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ كُلُّهُ . 590 - وَالدَّلِيلُ عَلَى تَفْضِيلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى آخِرِهِ حَدِيثُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . 591 - وَحَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنِ الشِّفَاءِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . 592 - وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . 593 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . 594 - وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ مَا يَكْفِي ، مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ فِي شَوَاهِدِ الْعُقُولِ أَنَّهُ مَزِيدٌ ، وَإِلَى الطَّاعَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ التَّأْخِيرُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
608 - قَالَ مَالِكٌ : الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ ، وَخَرَجَتْ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ . 609 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّفَقِ : فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : الشَّفَقُ : الْحُمْرَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ . 610 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الشَّفَقُ : الْبَيَاضُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 611 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ قَالَ : كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ : وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِذَا ذَهَبَ الْبَيَاضُ . 612 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُعْجِبُنِي أَنْ تُصَلَّى إِذَا ذَهَبَ الْبَيَاضُ فِي الْحَضَرِ وَ( تَجِبُ ) فِي السَّفَرِ إِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ . 613 - وَاللُّغَةُ تَقْضِي أَنَّ الشَّفَقَ اسْمٌ لِلْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ جَمِيعًا ، وَالْحُجَّةَ لِمَنْ قَالَ : إِنَّهُ الْحُمْرَةُ - حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعِشَاءَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ . 614 - وَهَذَا لَا مَحَالَةَ قَبْلَ ذَهَابِ الْبَيَاضِ . 615 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الشَّفَقِ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا . 616 - وَزَعَمَ الْخَلِيلُ أَنَّهُ ارْتَقَبَ الْبَيَاضَ فَلَمْ يَكَدْ يَغِيبُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ .
21 ( 5 ) بَابُ جَامِعِ الْوُقُوتِ 19 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . 551 - وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ : الَّذِي يُصَابُ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ إِصَابَةً يَطْلُبُ فِيهَا وِتْرًا ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمُّ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَغَمٌّ بِمَا يُقَاسِي مِنْ طَلَبِ الْوِتْرِ . 552 - يَقُولُ : فَالَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ لَوْ وُفِّقَ لِرُشْدِهِ ، وَعَرَفَ قَدْرَ مَا فَاتَهُ مِنَ ( الْخَيْرِ ) وَالْفَضْلِ ، كَانَ كَالَّذِي أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . 553 - وَقَدْ ذَكَرْنَا شَوَاهِدَ هَذَا عَلَى وَزْنِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَمِنْ أَحْسَنِهَا قَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ : كَأَنَّمَا الذِّئْبُ إِذْ يَعْدُو عَلَى غَنَمِي فِي الصُّبْحِ طَالِبُ وُتْرٍ كَانَ فَاتَّارَا 554 - وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى أَنْ تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَلَا يُدْرِكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ . 555 - وَمَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا حَتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 556 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُوَطَّإ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ . 557 - وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَابِ سُؤَالِ السَّائِلِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ( مَا مَثَلُ ) الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ ؟ فَقَالَ : هُوَ كَمَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . 558 - فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْعَصْرِ حِينَئِذٍ : الصُّبْحُ ، وَالْعِشَاءُ ، بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ . 559 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَبَسَطْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . فَمَنْ تَأَمَّلَهُ هُنَاكَ يَسْتَغْنِي بِذَلِكَ . 560 - وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ هُوَ الْأَكْثَرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ .
19 ( 4 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ 17 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : دُلُوكُ الشَّمْسِ : مَيْلُهَا . 18 - مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : دُلُوكُ الشَّمْسِ : إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ، وَغَسَقَ اللَّيْلُ : اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ . 537 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُخْبِرُ هَاهَنَا عِكْرِمَةُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْتُمُ اسْمَهُ لِكَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِيهِ ، وَقَدْ ( صَرَّحَ بِهِ ) فِي كِتَابِ الْحَجِّ . 538 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِكَلَامِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي عِكْرِمَةَ وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ عِكْرِمَةَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ . 539 - وَمَاتَ عِكْرِمَةُ عِنْدَ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ بِالْمَدِينَةِ . 540 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ : مَيْلُهَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ مُخْتَلِفَةٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . 541 - مِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ : دُلُوكُهَا : زَوَالُهَا . 542 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَنْهُ : دُلُوكُهَا : مَيْلُهَا بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ ، وَكُلٌّ سَوَاءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ . 543 - وَرَوَاهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا ، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّائِبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 544 - وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : دُلُوكُهَا : زَوَالُهَا . 545 - وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أَنَّ دُلُوكَهَا : غُرُوبُهَا . 546 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَطَائِفَةٍ ، وَالْوَجْهَانِ فِي اللُّغَةِ مَعْرُوفَانِ . 547 - وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : دُلُوكُهَا : مِنْ زَوَالِهَا إِلَى غُرُوبِهَا . 548 - وَأَمَّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ . 549 - وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ : غَسَقُ اللَّيْلِ غُرُوبُ الشَّمْسِ . 550 - وَقَالَ غَيْرُهُ : غَسَقُ اللَّيْلِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ .
16 - مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ ، وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ ، فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ . 514 - مَعْنَى إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ هَاهُنَا : أَنْ يَرْكَعَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ . 515 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ . 516 - رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ أَدْرَكَ الْقَوْمَ رُكُوعًا يَعْتَدُّ بِهَا . 517 - وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَفِيهِ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ . 518 - وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ أَشْهَبَ ، وَرَوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ضِدُّ ذَلِكَ . 519 - قَالُوا : إِذَا أَحْرَمَ الدَّاخِلُ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكِ الرُّكُوعَ . 520 - وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَزُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ قَالُوا : إِذَا كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ رَكَعَ كَيْفَ أَمْكَنَهُ ، وَاتَّبَعَ الْإِمَامَ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ ، وَاعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ . 521 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَزُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ : أَنَّهُ إِذَا كَبَّرَ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ اعْتَدَّ بِهَا . 522 - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ وَلَمْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهُمْ وَقَدْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكْتَ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَئِمَّةُ بَعْضٍ . 523 - قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَرَكَعَ ، وَأَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ ، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْهُ السَّجْدَةُ ، أَيْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا ، وَيَسْجُدُهُمَا . 524 - هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . 525 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ . 526 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 527 - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ . 528 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَا : إِذَا أَدْرَكَ الْقَوْمَ رُكُوعًا فَإِنَّهُ تُجِزِئُهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ . 529 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَعُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَمَيْمُونٍ ، وَجَمَاعَةٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ : وَاحِدَةً لِلْإِحْرَامِ ، وَثَانِيَةً لِلرُّكُوعِ . 530 - وَإِنْ كَبَّرَ وَاحِدَةً لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ . 531 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ : وَاحِدَةً يَفْتَتِحُ بِهَا ، وَثَانِيَةً يَرْكَعُ بِهَا . 532 - وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَ لِمَا عَدَا الْإِحْرَامِ مَسْنُونٌ يُسْتَحَبُّ ، قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ سُقُوطُ التَّكْبِيرَةِ مِنْهُ وَالتَّكْبِيرَتَيْنِ . 533 - وَسَنُبَيِّنُ هَذَا الْبَابَ وَنُوَضِّحُهُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 534 - وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ فَإِنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ ، وَجَمَاعَةً مَعَهُ ، قَالُوا ذَلِكَ لِمَوْضِعِ التَّأْمِينِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 535 - يَعْنُونَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . 536 - وَسَيَأْتِي هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ
15 ( 3 ) بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ 13 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ . 467 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ . 468 - وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقْتَهَا . 469 - وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُهُ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . 470 - وَالصَّوَابُ عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . 471 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ : رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ . 472 - إِلَّا مَا رَوَاهُ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَفَضْلَهَا ، وَهَذَا لَفْظٌ أَيْضًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . 473 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ : اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ : عَبْدَ الْوَهَّابِ ، وَلَا جَاءَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ : وَفَضْلَهَا . 474 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتَهَا . 475 - حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَصْحَابِهِ قَالُوا : إِذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ مِنَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ رَكْعَةً وَقَامَ فَصَلَّى الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ فِي جَمَاعَةٍ ، وَثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى . 476 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ جَعَلُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . 477 - وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ; لِأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى عَلَى مَا بَيَّنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَفِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 478 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ صَلَاتَهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ فِي فَضْلِهَا وَحُكْمِهَا ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ أُصُولِهِمْ : بِأَنَّهُ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . 479 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ مُدْرِكٌ لِحُكْمِهَا كُلِّهِ ، وَهُوَ كَمَنْ أَدْرَكَ جَمِيعَهَا فِيمَا يَفُوتُهُ مِنْ سَهْوِ الْإِمَامِ وَسُجُودِهِ لِسَهْوِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ مَعَهُ ، وَأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ وَهُوَ مُسَافِرٌ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ لَزِمَهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ فِي الْإِتْمَامِ ، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 480 - وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي عُمُومَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مُدْرِكٌ لِلْفَضْلِ وَالْوَقْتِ وَالْحُكْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكِ الرَّكْعَةَ بِتَمَامِهَا فَلَمْ يُدْرِكْ حُكْمَ الصَّلَاةِ . 481 - وَأَمَّا الْفَضْلُ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَفَضَّلُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَالْفَضْلُ فَضْلُهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . 482 - وَإِذَا كَانَ الَّذِي يَنَامُ عَنْ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ ، وَالَّذِي يَنْوِي الْجِهَادَ فَيَحْبِسُهُ الْعُذْرُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْمُجَاهِدِ ، وَالْمَرِيضُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحِيحًا ، وَمُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ ، فَأَيْنَ مَدْخَلُ النَّظَرِ هَاهُنَا ؟ 483 - وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا أَنَّهُ يُعْطِيهِ أَجْرَ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا . 484 - قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا انْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ وَهُمْ قُعُودٌ فِي صَلَاتِهِمْ فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ وَقَدْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ . 485 - قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : وَكَانَ يُقَالُ : إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَهُوَ يَنْوِيهِمْ ، فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ . 486 - وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَشَرِيكٍ : مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا . 487 - وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ - وَهُوَ رَاوِيَةُ هَذَا الْحَدِيثِ - : مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَقَدْ أَدْرَكَ . 488 - وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْفَضْلَ وَالْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ ، فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ ، وَمَا كَلُّ مُصَلٍّ يُتَقَبَّلُ مِنْهُ ، فَكَيْفَ يُضَاعَفُ لَهُ ؟ وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ . 489 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَلَمْ يُدْرِكْهَا ، وَلَا لَهُ مَدْخَلٌ فِي حُكْمِهَا مِنْ حُصُولِ سَهْوٍ لَمْ يُدْرِكْهُ مَعَ إِمَامِهِ ، وَانْتِقَالِ فَرْضِهِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ إِلَى أَرْبَعٍ ، وَنَحْوِ هَذَا . 490 - إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الدَّلِيلِ هَاهُنَا : فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنْهَا صَلَّى ظُهْرًا . 491 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَزُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَابْنِ حَنْبَلٍ . 492 - وَوَرَدَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَغَيْرِهِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 493 - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : هِيَ السُّنَّةُ . 494 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إِذَا أَحْرَمَ فِي الْجُمُعَةِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ روى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . 495 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا قَالُوا : وَالَّذِي فَاتَهُ رَكْعَتَانِ لَا أَرْبَعٌ . 496 - وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : فَإِنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، وَطَاوُسًا ، وَمُجَاهِدًا ، وَمَكْحُولًا قَالُوا : مَنْ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى أَرْبَعًا ، قَالُوا : لَمْ تُقْصَرِ الصَّلَاةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا صَلَّى ظُهْرًا . 497 - وَهَذَا قَوْلٌ يَبْطُلُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ . 498 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ الْأَنْمَاطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ فَاتَتْهُ خُطْبَةُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَدْرَكَ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا . 499 - وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَافِرِ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ ، فَأَيْسَرُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ . 500 - قَالَ : إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْمُسَافِرُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ رَكْعَةً صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً تَامَّةً بِسَجْدَتَيْهَا صَلَّى أَرْبَعًا . 501 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ . 502 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : إِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ صَلَّى أَرْبَعًا صَلَاةَ مُقِيمٍ ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا فِي التَّشَهُّدِ . 503 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ . 504 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ لَزِمَتْهُ صَلَاةُ الْمُقِيمِ . 505 - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ شَاذَّانِ : أَحَدُهُمَا لِطَاوُسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّانِي لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، قَدْ ذَكَرْتُهُمَا فِي التَّمْهِيدِ . 506 - وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً لَزِمَهُ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ لِسَهْوِهِ ، وَسَوَاءٌ أَدْرَكَ السَّهْوَ أَوْ لَمْ يُدْرِكْ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ مِنْهُ . 507 - وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ إِنْ كَانَتَا قَبْلَ السَّلَامِ سَجَدَهُمَا مَعَهُ ، وَإِنْ كَانَتَا بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدْهُمَا مَعَهُ ، وَسَجَدَهُمَا إِذَا أَتَمَّ صَلَاتَهُ . 508 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . 509 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ لَزِمَهُ سَهْوُهُ ، وَسَجَدَ مَعَهُ . 510 - وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا : أَنَّهُ يَسْجُدُهُمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ أَيْضًا . 511 - وَهَذَا كُلُّهُ فِي ( حَدِيثِ ) : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا رَكْعَةً فَلَمْ يُدْرِكْهَا ، وَاسْتِعْمَالُ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتِعْمَالُ نَصِّهِ دَلِيلٌ خَطَأَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ .
16 14 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا فَاتَتْكَ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْكَ السَّجْدَةُ . 15 - مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، كَانَا يَقُولَانِ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ . 512 - هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى . 513 - وَأَمَّا الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَكْثَرُ رَوَاةِ الْمُوَطَّإ ; فَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، كَانَا يَقُولَانِ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ .
5 302 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ النَّهَارِ قَدْرُ مَا تُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ النَّهَارِ قَدْرُ مَا تُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ صَلَّتِ الْعَصْرَ ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَكَانَ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ قَدْرَ مَا تُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ : ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَةً لِلْعَشَاءِ ، صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا إِلَّا مِقْدَارُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ صَلَّتِ الْعِشَاءَ . 303 - ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكِيمِ ، عَنْ مَالِكٍ . 304 - قَالَ أَشْهَبُ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَفِيقُ : أَهُمَا مِثْلُ الْحَائِضِ تَطْهُرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَقْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ ، وَمَا فَاتَ وَقْتُهُ لَمْ يَقْضِهِ . 305 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْسَى أَوْ تَغْفُلُ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَلَا تُصَلِّيهَا حَتَّى تَغْشَاهَا الْحَيْضَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ؟ 306 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى عَلَيْهَا قَضَاءً لِلظُّهْرِ وَلَا لِلْعَصْرِ إِلَّا أَنْ تَحِيضَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ - رَأَيْتُ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ . 307 - قَالَ : وَلَوْ نَسِيَتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ ثُمَّ حَاضَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءٌ ، فَإِنْ لَمْ تَحُضْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، قَالَ : وَلَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاشْتَغَلَتْ بِالْغُسْلِ مُجْتَهِدَةً غَيْرَ مُفَرِّطَةٍ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا . 308 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا فِي الْحَائِضِ سَوَاءً . 309 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ أَعَادَتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ أَعَادَتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ . 310 - وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَلِجَمْعِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَسْفَارِهِ ، وَبِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا - صَلَاتَيِ اللَّيْلِ وَصَلَاتَيِ النَّهَارِ - وَجَعَلَ الْوَقْتَ لَهُمَا مَعًا وَقْتًا وَاحِدًا . 311 - وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ : 312 - ( أَحَدُهَا ) هَذَا . 313 - ( وَالثَّانِي ) مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ : مُرَاعَاةُ رَكْعَةٍ لِلْعَصْرِ ، وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلظُّهْرِ ، وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَمَا دُونُ ذَلِكَ لِلْعَشَاءِ . 314 - ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) قَالَهُ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهَارِ مِقْدَارُ مَا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ : أَعَادَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَفَاقَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ قَضَى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَكَذَلِكَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُهَا عَنْهُ . 315 - وَعِنْدَهُ : أَنَّهُ لَا تُعِيدُ الْحَائِضُ وَلَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِلَّا مَا أَدْرَكَا وَقْتَهُ ، وَمَا فَاتَ وَقْتُهُ فَلَا إِعَادَةَ فِيهِ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى مَنْ جَرَى مَجْرَاهُمَا : كَالْكَافِرِ يُسْلِمُ ، وَالصَّبِيُّ يَحْتَلِمُ ، فَأَقَلُّ إِدْرَاكٍ يَكُونُ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ إِلَّا مِقْدَارَ تَكْبِيرَةٍ . 316 - وَقَالَ فِيمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فِيمَا لَا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا : قَضَى كُلَّ صَلَاةٍ فَاتَتْهُ عَلَى حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ السَّكْرَانِ وَشَارِبُ السُّمِّ ، لَا السَّكْرَانُ عَامِدًا لِذَهَابِ الْعَقْلِ . 317 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً يَقْتَضِي فَسَادَ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةً ; لِأَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ فَقَدْ فَاتَهُ ، وَمَنْ فَاتَهُ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ صَلَاةُ الْوَقْتِ ، إِذْ كَانَ مِثْلَ الْحَائِضِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمَا . 318 - وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْقَوْلَةِ حَيْثُ قَالَ : إِنَّمَا أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذِكْرِ الرَّكْعَةِ الْبَعْضَ مِنَ الصَّلَاةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ عَمَلَ بَعْضِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ بَعْضُ الصَّلَاةِ . 319 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْبَعْضَ مِنَ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً ، وَفِي بَعْضِهَا : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا : مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً ، فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْضَ الصَّلَاةِ ، وَالتَّكْبِيرَةُ بَعْضُ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ أَدْرَكَهَا فَكَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ . 320 - قَالَ أَبُو عُمَرُ : هَذَا يَنْتَقِضُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَا أَصَّلَهُ فِي الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً بِسَجْدَتِهَا مِنَ الْجُمُعَةِ لَمْ يُدْرِكْهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ أَوْ مِنَ الْعَصْرِ يُرِيدُ مِنْ وَقْتِهِمَا . فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ ، وَقَوْلُهُ فِي جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ : مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً تَامَّةً مِنَ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَلَى سَائِرِ أَقْوَالِهِ وَهُوَ أَصَحُّهَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ . 321 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ : وَمَنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ، أَوْ بَلَغَ مِنَ الصِّبْيَانِ ، أَوْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا مِمَّا فَاتَ وَقْتُهُ ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ بِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ فَمَا زَادَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِاشْتِرَاكِ الْأَوْقَاتِ ، لَا فِي صَلَاتَيِ اللَّيْلِ ، وَلَا فِي صَلَاتَيِ النَّهَارِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَذْهَبِهِمْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 322 - وَقَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي هَذَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . ذَكَرَ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُ حَمَّادًا عَنِ الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، قَالَ : تُصَلِّي الْعَصْرَ فَقَطْ . 323 - وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ ذَهَبُوا فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَأَقَلَّ ثُمَّ أَفَاقَ أَنَّهُ يَقْضِيهَا ، وَمَنْ أُغَمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَفَاقَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي شَيْئًا . 324 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ . 325 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَ قَضَى ذَلِكَ كُلَّهُ إِذَا أَفَاقَ ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا قَضَى خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، يَنْظُرُ حِينَ يَفِيقُ فَيَقْضِي مَا يَلِيهِ . 326 - وَقَالَ زُفَرُ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَفِيقُ ، وَالْحَائِضِ تَطْهُرُ ، وَالنَّصْرَانِيُّ يُسْلِمُ ، وَالصَّبِيُّ يَحْتَلِمُ : إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطُّ صَلَاةٌ إِلَّا بِأَنْ يُدْرِكُوا مِنْ وَقْتِهَا مِقْدَارَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا بِكَمَالِهَا ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصِّيَامِ إِلَّا مَا أَدْرَكُوا وَقْتَهُ بِكَمَالِهِ . 327 - وَقَوْلُ زُفَرَ هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ أَوْ مِنَ الْعَصْرِ . 328 - وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً . 329 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ ، وَالْكَافِرُ يُسْلِمُ ، وَالْغُلَامُ يَحْتَلِمُ ، مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا . 330 - وَقَالَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : يَقْضِي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا الَّتِي كَانَتْ فِي إِغْمَائِهِ . 331 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، لَا فَرْقَ عِنْدَهُمَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ . 332 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . 333 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ : عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . 334 - وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَنَّ النَّائِمَ إِذَا نَامَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . 335 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي كُتُبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْهُ خِلَافُ السُّنَّةِ فِيمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ يَقْضِي . 336 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنْ نَامَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَدُونُ أَنْ يَقْضِيَ ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ . 337 - وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : إِنَّهُ يَقْضِي خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَلَا يَقْضِي مَا زَادَ - لَاحَظَّ لَهُ فِي النَّظَرِ . 338 - وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ ; لِأَنَّهُ قَضَى صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيَّ أَكْثَرَ لَمْ أَقَضِ . 339 - وَلَا فَرْقَ فِي الْقِيَاسِ بَيْنَ خَمْسٍ وَأَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ . 340 - وَأَصَحُّ مَا فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَفِيقُ : أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا فَاتَ وَقْتُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْضِ شَيْئًا فَاتَ وَقْتُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ . وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 341 - وَأَمَّا مُرَاعَاةُ مَالِكٍ لِلْحَائِضِ الْفَرَاغَ مِنْ غُسْلِهَا ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، فَجَعَلَهَا إِذَا طَهُرَتْ كَالْجُنُبِ ، وَأَلْزَمَهَا إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَمْ تَشْتَغِلْ بِشَيْءٍ غَيْرِ غُسْلِهَا فَفَاتَهَا الْوَقْتُ مَا يَلْزَمُ الْجُنُبَ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ . 342 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَا : وَشُغْلُهَا بِالِاغْتِسَالِ لَا يَضَعُ عَنْهَا مَا لَزِمَهَا بِطُهْرِهَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا تَسْقُطُ عَنْهَا مَا دَامَتْ حَائِضًا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ ، بَلْ هِيَ كَالْجُنُبِ . 343 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ : لَوْ أَنَّ امْرَأَةً حَاضَتْ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِمِقْدَارِ مَا تَمْكُنُهَا فِيهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتْ لَزِمَهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَلَيْسَتِ السَّعَةُ فِي الْوَقْتِ تُسْقِطُ مَا وَجَبَ بِأَوَّلِهِ ، فَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَّا مِقْدَارَ رَكْعَةٍ أَوْ مِقْدَارَ مَا لَا تَتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةُ حَتَّى حَاضَتْ ، لَمْ تَلْزَمْهَا الصَّلَاةُ . 344 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ أَوَّلُ الْوَقْتِ هَاهُنَا كَآخِرِهِ فَنُلْزِمُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ الصَّلَاةَ كُلَّهَا أَوِ الصَّلَاتَيْنِ كَمَا فَعَلْنَا فِي آخِرِ وَقْتٍ ; ( لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ) يَتَهَيَّأُ عَلَى الرَّكْعَةِ ، وَلَا يَتَهَيَّأُ الْبِنَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ . 345 - وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَهُوَ : جَوَازُ مَنْ صَلَّى مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَرَكْعَةً بَعْدَهَا ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ : 346 - فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَقْضِي أَحَدٌ صَلَاةً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَا عِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ خَاصَّةً ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُصَلِّيَهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهَا ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى وَقْتٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، وَلَا يُؤْمَرُ بِتَأْخِيرِ صَلَاةٍ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَاصْفَرَّتِ الشَّمْسُ أَتَمَّهَا إِذَا كَانَتْ عَصْرَ يَوْمِهِ خَاصَّةً . وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ ، وَاسْتَقْبَلَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ . 347 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ : ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا : حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ، وَحِينَ تَطْفُلُ الشَّمْسُ حَتَّى تَغْرُبَ . 348 - وَجَعَلُوا نَهْيَهُ عَنْ ذَلِكَ عُمُومًا كَنَهْيِهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ فِيهِمَا فَرْضًا ، وَلَا يَتَطَوَّعَ بِصِيَامِهِمَا . 349 - وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ - إِذْ نَامَ عَنْهَا فِي الْوَادِي - لِأَنَّهُ انْتَبَهَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . 350 - وَذَكَرُوا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمْ يُصَلِّهَا - وَقَدِ انْتَبَهَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ - حَتَّى ارْتَفَعَتْ . 351 - وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَيْهِمَا فِي التَّمْهِيدِ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، فِيمَا عَلِمْتُ . 352 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ - وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا ، أَوْ فَاتَتْهُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوْتِ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاسْتِوَائِهَا ، أَوْ غُرُوبِهَا ، أَوْ بَعْدَ الصُّبْحِ أَوِ الْعَصْرِ - صَلَّاهَا أَبَدًا مَتَى ذَكَرَهَا عَلَى مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ أَوِ الْعَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 353 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ وَأَوْضَحْنَا الْقَوْلَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ تَهْذِيبِ الْآثَارِ . 354 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا يَتَدَافَعُ وَيَتَعَارَضُ ، وَلَوْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَلَا اسْتِوَائِهَا إِلَّا مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ - لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضٌ وَلَا تَدَافُعٌ ، فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ ، وَقِفْ عَلَيْهِ . 355 - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ كُلُّهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ وَقْتَيْنِ . 356 - وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الِاحْتِجَاجَ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّمْهِيدِ . 357 - وَلَا وَجْهَ لِادِّعَائِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ نَوْمِهِ عَنِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ انْتِبَاهِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا يَوْمئِذٍ حَتَّى أَيْقَظَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ ، وَلَا تَكُونُ لَهَا حَرَارَةٌ إِلَّا وَالصَّلَاةُ تَجُوزُ ذَلِكَ الْوَقْتَ . 358 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
5 حَدِيثٌ رَابِعٌ 5 - مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَنِ الْأَعْرَجِ . كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 274 - وَفِي التَّمْهِيدِ ذِكْرُ وَفَاةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَبُسْرٍ ، وَالْأَعْرَجِ ، وَسِنِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحَالِهِ . 275 - وَفِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ذِكْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ . 276 - وَرَوَى عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ مَيْسَرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَجَعَلَ مَكَانَ عَطَاءٍ أَبَا صَالِحٍ . 277 - وَرَوَاهُ أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَطَاءٌ غَيْرَهُ . 278 - وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ وَحْدَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 279 - وَجَوَّدَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَانَ حَافِظًا مُتْقِنًا ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَكُلُّهُمْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 280 - وَالْإِدْرَاكُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِدْرَاكُ الْوَقْتِ ، لَا أَنَّ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَنْ أَدْرَكَهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ أَجْزَتْهُ مِنْ تَمَامِ صَلَاتِهِ . 281 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ بَعْدَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ ، وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَّى مَا بَقِيَ بَعْدَ طُلُوعِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ أَيْضًا . 282 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا وَصَفْنَاهُ . 283 - وَفِي هَذَا أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَقَدْ أَدْرَكَ إِنْ أَتَمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا . 284 - وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي ذَيْنَكِ الْوَقْتَيْنِ ، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، وَعِنْدَ الْقَامَتَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، عَلَى حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ فِي الْمِثْلَيْنِ مِنْ ظِلِّ كُلِّ قَائِمٍ عَلَى مَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 285 - وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الصُّبْحِ لَمْ تَكُنْ كُلَّهَا إِلَّا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَبَدًا ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَتَكُونُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ : إنَّهَا صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ . 286 - عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِبَاحَةَ ، وَأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَفِيقُ ، وَالْحَائِضُ تَطْهُرُ ، وَالْكَافِرُ يُسْلِمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْوَقْتِ . 287 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى أَدَائِهَا كُلِّهَا فِيهِ لَزِمَتْهُ ، فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ إِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً ، بِدَلِيلِ هَذِهِ السُّنَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ مُدْرِكَ رَكْعَةً مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُدْرِكًا لِوَقْتِهَا ، كَمَا جَعَلَ مُدْرِكَ الرَّكْعَةَ مِنَ الصَّلَاةِ مُدْرِكًا لِحُكْمِهَا وَفَضْلِهَا ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 288 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَوَقْتِ الصُّبْحِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ ، وَجَرَى فِيهِ قَوْلُ مَنْ جَهِلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ فِي ذِي ضَرُورَةٍ ( وَغَيْرِهِ ) . وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَصْحَابِ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَةِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَلَى الضَّرُورَاتِ ، فَمِنَ الضَّرُورَاتِ فِي ذَلِكَ : السَّفَرُ . 289 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : 290 - فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى ظَاهِرِهِ ، فَقَالُوا : مَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهَارِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ بَعْدَ أَنْ جَازَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمِصْرِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَوْ خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِقْدَارُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ صَلَّاهُمَا جَمِيعًا مَقْصُورَتَيْنِ ، وَهَكَذَا عِنْدَهُمْ حُكْمُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُرَاعَى فِيهِمَا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلِهِ ، فَمَنْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ ، وَلَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَتَمَّ . 291 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : إِذَا خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَتَمَّ ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَحُدُّوا الرَّكْعَةَ . 292 - وَقَالَ زُفَرُ : إِنْ جَاوَزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمِصْرِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَقْتِ إِلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ أَرْبَعًا ، وَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فَدَخَلَ مِصْرَهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ أَيْضًا ، أَخْذًا لَهُ فِي ذَلِكَ بِالثِّقَةِ . 293 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِذَا خَرَجَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَتَمَّ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عِنْدَهُمْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَلَيْسَتِ السَّعَةُ فِي الْوَقْتِ بِمُسْقِطَةٍ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ . 294 - قَالُوا : وَإِنْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَتَمَّ ، أَخَذُوا فِي ذَلِكَ بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِيَاطِ ، لِزَوَالِ عِلِّيَّةِ السَّفَرِ . 295 - وَأَصْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَصْرِ أَنَّهُ رُخْصَةٌ وَسُنَّةٌ ، فَمَنْ شَاءَ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ عِنْدَهُ وَمَنْ شَاءَ قَصَرَ مَا دَامَ مُسَافِرًا . 296 - وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِيهِ وَوُجُوهِ أَقْوَالِهِمْ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 297 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي الرَّجُلِ تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ ، قَالَ : يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ دَخَلَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَّى . 298 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي صَلَاةِ الْحَائِضِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمَا : 299 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى ذَهَبَ وَقْتُهَا ، ظُهْرًا كَانَتْ أَوْ عَصْرًا . 300 - قَالَ : وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَقْتُهُمَا إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ - فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . 301 - قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَقْتُهُمَا اللَّيْلُ كُلُّهُ .
3 حَدِيثٌ ثَانٍ 3 - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ . قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ . ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ . ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : هَأَنَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . 222 - لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ يَتَّصِلُ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى : مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا سُؤَالَ السَّائِلِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ جُمْلَةً ، وَإِجَابَتُهُ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَفِيهَا كُلِّهَا فِي الصُّبْحِ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا . 223 - وَقَدْ رَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَذَكَرَ مِثْلَ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا سَوَاءً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ حُمَيْدٍ مِنْ وُجُوهٍ فِي التَّمْهِيدِ . 224 - وَبَلَغَنِي أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ يَسَارٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ الْإِرْسَالُ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ . 225 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ السُّؤَالِ وَقْتٍ آخَرَ يَجِبُ فِيهِ فِعْلُ ذَلِكَ . 226 - فَأَمَّا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ حِينِ تَكْلِيفِ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 227 - وَهَذَا بَابٌ طَالَ فِيهِ الْكَلَامُ بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 228 - وَقَدْ يَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ - فِيمَا سَبِيلُهُ الْعَمَلُ - أَثْبَتُ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْقَوْلِ ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ . رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ . 229 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ ، وَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَمْدُودٌ إِلَى آخِرِ الْإِسْفَارِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا . 230 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَظُهُورُهُ لِلْعَيْنِ . 231 - وَالْفَجْرُ هُوَ أَوَّلُ بَيَاضِ النَّهَارِ الظَّاهِرِ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ الْمُسْتَطِيرِ الْمُنِيرِ الْمُنْتَشِرِ ، تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ . 232 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ . يُرِيدُ بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ . 233 - وَقَالَ أَبُو دُاودٍ الْإِيَادِيُّ : فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سُدْفَةٌ وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا . 234 - وَقَالَ آخَرُ : قَدْ كَادَ يَبْدُو أَوْ بَدَتْ تَبَاشِرُهْ وَسُدَفُ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ سَاتِرُهْ . 235 - وَسَمَّتْهُ أَيْضًا : الصَّدِيعَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : انْصَدَعَ الْفَجْرُ . 236 - قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ ، أَوْ عَمْرُو بْنُ مُعْدِ يكَرِبَ : بِهِ السِّرْحَانُ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأَنَّ بَيَاضَ لَبَّتِهِ الصَّدِيعُ . 237 - وَشَبَّهَهُ الشَّمَّاخُ بِمَفْرِقِ الرَّأْسِ لِمَنْ فَرَقَ شَعْرَهُ ، فَقَالَ : إِذَا مَا اللَّيْلُ كَانَ الصُّبْحُ فِيهِ أَشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأْسِ الدَّهِينِ . 238 - وَيَقُولُونَ لِلْأَمْرِ الْوَاضِحِ : هَذَا كَفَلَقِ الصُّبْحِ ، وَتَبَاشِيرِ الصُّبْحِ ، وَكَانْبِلَاجِ الْفَجْرِ . 239 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ . 240 - وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ فِي الصُّبْحِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا قَدْ أَوْضَحْنَا فِيمَا مَضَى مِنَ الْأَوْقَاتِ . 241 - وَنَزَعَ بِقَوْلِهِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ إِلَى جَعْلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ كَآخِرِهِ فِي الْفَضْلِ . 242 - وَمَالَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَخَالَفَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَنَزَعُوا بِأَشْيَاءَ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ وَعُمْدَتُهَا أَنَّ الْمُبَادِرَ إِلَى أَدَاءِ فَرَضِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ - أَفْضَلُ مِنَ الْمُتَأَنِّي بِهِ ، وَطَالِبِ الرُّخْصَةِ فِي السَّعَةِ فِيهِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وَقَوْلِهِ : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . 243 - وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ . 244 - وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ : الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . 245 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ فِي التَّمْهِيدِ . 246 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَذَهَبُ الْكُوفِيُّونَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَى أَنَّ الْإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّغْلِيسِ فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا : الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . 247 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَسْفِرُوا بِالصُّبْحِ ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . 248 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَبَيَّنَّا عِلَّتَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ عَلَّلَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 249 - وَذَكَرُوا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا يُسْفِرَانِ بِالصُّبْحِ جِدًّا . 250 - وَكَانَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوَدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ . 251 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . 252 - وَذَكَرُوا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يُغَلِّسَانِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ أَسْفَرَ بِهَا عُثْمَانُ . 253 - وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي فَضْلِ الْبَدَارِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فِي الْقِيَاسِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآثَارِ . 254 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْإِسْفَارِ فِي قَوْلِهِ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فِي التَّمْهِيدِ وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْفَارَ : التَّبَيُّنُ ، وَالتَّبَيُّنُ بِالْفَجْرِ إِذَا انْكَشَفَ وَاتَّضَحَ لِيلَا يُصَلى فِي مِثْلِهِ مِنْ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ : أَسْفَرَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا : إِذَا كَشَفَتْ عَنْهُ .
4 حَدِيثٌ ثَالِثٌ 4 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . 255 - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : مُتَلَفِّفَاتٌ بِالْفَاءِ ، وَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى مُتَلَفِّعَاتٍ بِالْعَيْنِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَالْمُرُوطُ : أَكْسِيَةُ الصُّوفِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمِرْطُ كِسَاءُ صُوفٍ سَدَاهُ شَعْرٌ . 256 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّغْلِيسُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَلَفْظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الْأَغْلَبَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَالَّذِي كَانَ يُدَاوِمُ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي وَقْتِ كَذَا ، أَوْ عَلَى صِفَةِ كَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فَعَلَهُ دَهْرَهُ ، أَوْ أَكْثَرَ دَهْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 257 - وَإِلَى التَّغْلِيسِ بِهَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ . 258 - وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى الْإِسْفَارِ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ طَاوُسٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَجَمَاعَةٍ . 259 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : إِنَّمَا تَتَّفِقُ مَعَانِي آثَارِ هَذَا الْبَابِ بِأَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُغَلِّسًا ، ثُمَّ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنْهَا مُسْفِرًا . 260 - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ عَائِشَةَ ; لِأَنَّهَا حَكَتْ أَنَّ انْصِرَافَ النِّسَاءِ كَانَ وَهُنَّ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . 261 - وَلَوْ قَرَأَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالسُّورِ الطُّوَالِ مَا انْصَرَفَ النَّاسُ إِلَّا وَهُمْ قَدْ أَسَفَرُوا بَلْ دَخَلُوا فِي الْإِسْفَارِ جِدًّا . 262 - أَلَا تَرَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ حِينَ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فِي رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَانْصَرَفَ ، فَقِيلَ لَهُ : كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، فَقَالَ : لَوْ طَلَعَتْ لَمَا وَجَدَتْنَا غَافِلِينَ ؟ 263 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ صَلَّى خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَهُ . 264 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ : أَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ إِمَامًا وَخِلْوًا ؟ قَالَ : حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخَرُ ، ثُمَّ تَطُولُ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ حَتَّى تَنْصَرِفَ مِنْهَا وَقَدْ تَبَلَّجَ النَّهَارُ وَتَتَامَّ النَّاسُ . 265 - وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّيهَا حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخَرُ ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِسُورَةِ يُوسُفَ . 266 - وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ : الْفَجْرُ الْآخَرُ ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ حَدِيثٍ مُرْسَلٍ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : هُمَا فَجْرَانِ : فَأَمَّا الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُ ، وَأَمَا الْمُسْتَطِيرُ الَّذِي يَأْخُذُ الْأُفُقَ فَبِهِ تَحِلُّ الصَّلَاةُ وَيَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ . 267 - وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ ثَوْبَانُ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ ، أَرْسَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ نَسَبٌ . 268 - وَرُوِيَ الْإِسْفَارُ وَالتَّنْوِيرُ بِالْفَجْرِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 269 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ بِغَلَسٍ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَسْفِرُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ أَفْقَهُ لَكُمْ . 270 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الْإِسْفَارِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ : الْإِسْفَارُ أَنْ يَتَّضِحَ الْفَجْرُ ، فَلَا تَشُكَّ أَنَّهُ طَلَعَ الْفَجْرُ . 271 - قَالَ : وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : هُوَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ . 272 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُغِلِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَذَكَرَهُ . قَالَ : وَقَالَ لِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ مِثْلَهُ . 273 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَسَائِلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ كُلُّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ .
12 حَدِيثٌ ثَامِنٌ 10 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِيٍّ . 415 - قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ . 416 - قَالَ : وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ عِنْدَ الزَّوَالِ ، بِخِلَافِ مَا حَمَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَيْهِ . 417 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : سَمِعْتُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَالَ لِأَبِي مَحْذُورَةَ : إِنَّكَ بِأَرْضٍ حَارَّةٍ ، فَأَبْرِدْ ، ثُمَّ أَبْرِدْ ، ثُمَّ أَبْرِدْ ، ثُمَّ نَادِنِي وَكَأَنِّي عِنْدَكَ . 418 - وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ تُصَلَّى الظُّهْرُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَقُولُ : تِلْكَ صَلَاةُ الْخَوَارِجِ . 419 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْإِبْرَادُ يَكُونُ فِي الْحَرِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَعْنَاهُ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْبَابٌ وَاخْتِيَارٌ ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَوَاقِيتِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي سَائِرِ هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ سُبْحَانَهُ .
6 حَدِيثٌ خَامِسٌ 6 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ : إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ . ثُمَّ كَتَبَ : أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ . وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . وَالْمَغْرِبَ ، إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ . وَالْعِشَاءُ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ . فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ . فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ . وَالصُّبْحَ ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ . 359 - هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ . 360 - وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَفِي حَدِيثٍ غَيْرِ هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الِاهْتِبَالِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إِذْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَهُمْ . 361 - وَإِنَّمَا خَاطَبَ الْعُمَّالَ لِأَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لَهُمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الْمَثَلِ : النَّاسُ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ . 362 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلُحَا صَلُحَ النَّاسُ ، هُمُ : الْأُمَرَاءُ ، وَالْعُلَمَاءُ . 363 - وَمَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً لَزِمَهُ أَنْ يَحُوطَهَا بِالنَّصِيحَةِ ، وَلَا نَصِيحَةَ تُقَدَّمُ عَلَى النَّصِيحَةِ فِي الدِّينِ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ . 364 - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِالنَّصِيحَةِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ . 365 - وَكَانَ عُمَرُ لِرَعِيَّتِهِ كَالْأَبِ الْحَدِبِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ . 366 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَفِظَهَا - فَحِفْظُهَا : عِلْمُ مَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ مِنْ وُضُوئِهَا وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا . 367 - وَأَمَّا قَوْلُهُ وَحَافَظَ عَلَيْهَا - فَتَحْتَمِلُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى أَوْقَاتِهَا ، وَالْمُسَابَقَةَ إِلَيْهَا . 368 - وَالْمُحَافَظَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ أَدَاءِ فَرِيضَةٍ ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي ذَلِكَ أَوْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ ، أَوْ تَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ . 369 - وَمِنْ هُنَا لَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : مُحَافِظٌ ، وَمِنْ صِفَاتِهِ : حَفِيظٌ ، وَحَافِظٌ - جَلَّ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا . 370 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا فَإِنَّهُ أَرَادَ فَيْءَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ ذِرَاعًا زَائِدًا عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ صَيْفًا وَشِتَاءً ، وَذَلِكَ رُبْعُ قَامَةٍ . 371 - وَلَوْ كَانَ الْقَائِمُ ذِرَاعًا لَكَانَ مُرَادُ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ رُبْعَ ذِرَاعٍ ، وَمَعْنَاهُ - عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ - لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ; لِمَا يَلْحَقُ النَّاسُ مِنَ الِاشْتِغَالِ ، وَلِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَمِنْهُمُ : الْخَفِيفُ ، وَالثَّقِيلُ فِي حَرَكَاتِهِ . 372 - وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ مَعَانِي الْأَوْقَاتِ مَا يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ هَاهُنَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا . 373 - وَدُخُولُ الشَّمْسِ صُفْرَةً مَعْلُومَةً فِي الْأَرْضِ تَسْتَغْنِي عَنِ التَّفْسِيرِ . 374 - وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَيْلِ ، وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ : ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ . 375 - وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ عُمَرَ عَلَى التَّقْرِيبِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ . وَمَا قَدَّمْنَا فِي الْأَوْقَاتِ يُغْنِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 376 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَآخِرُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ تَنَمْ فَكَلَامٌ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ النَّوْمِ قَبْلَهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ النَّوْمِ قَبْلَهَا ، وَاشْتَهَرَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ شُهْرَةً تُوجِبُ الْقَطْعَ أَنَّ عُمَرَ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ . 377 - وَمَنْ تَأَوَّلَ عَلَى عُمَرَ إِبَاحَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَقَدْ جَهِلَ ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ دُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ وَأَلَّا تَنَامَ عَيْنُهُ ، فَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُؤَكِّدًا . 378 - وَأَمَّا الصُّبْحُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ : التَّغْلِيسُ بِالصُّبْحِ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ : وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ وَهَذَا عَلَى إِيضَاحِ الْفَجْرِ لَا عَلَى الشَّكِّ فِيهِ ; لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ . 379 - وَأَمَّا تَأْوِيلُ أَصْحَابِنَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا إِلَى عُمَّالِهِ : أَنَّهُ أَرَادَ مَسَاجِدَ الْجَمَاعَاتِ فَلِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ فَهَذَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ لِئَلَّا يَتَضَادَّ خَبَرُهُ ، أَوْ يَكُونَ عَلَى الْإِعْلَامِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِيُعْلِمَ بِذَلِكَ رَعِيَّتَهُ . 380 - وَأَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا ، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ قَوْمٌ ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 381 - وَقَدْ ذَكَرَ السَّاجِيُّ أَبُو يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ كُرْدُوسٍ قَالَ : خَرَجَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَأَبُو مُوسَى مِنْ عِنْدِ الْوَلِيدِ ، وَقَدْ تَحَدَّثُوا لَيْلًا طَوِيلًا ، فَجَاءُوا إِلَى سُرَّةِ الْمَسْجِدِ فَتَحَدَّثُوا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ . 382 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ ضَرُورَةٌ دَعَتْهُمْ إِلَى هَذَا فِي حِينِ شَكْوَى أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، وَابْتِدَاءِ طَعْنِهِمْ عَلَى عُثْمَانَ . 383 - وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : لَا سَمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَّا لِمُصَلٍّ ، أَوْ مُسَافِرٍ ، أَوْ دَارِسِ عِلْمٍ . 384 - وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَهُ حُكْمُهَا ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَخِّرُ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا : الْعَتَمَةَ ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا . 385 - وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ شُعْبَةُ ، وَعَوْفٌ ، وَغَيْرُهُمَا . 386 - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ حُذَيْفَةَ : جَدَبَ لَنَا عُمَرُ السَّمَرَ بَعْدَ الْعَتَمَةِ : يَعْنِي عَابَهُ عَلَيْنَا ، كَذَلِكَ شَرَحَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَغَيْرُهُ . 387 - وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ : انْصَرِفُوا إِلَى بُيُوتِكُمْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا . 388 - وَسَائِرُ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُهَيْلٍ هُوَ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ أَتَمُّ ، وَقَدْ مَضَى فِيهِ الْقَوْلُ ، وَأَمْرُهُ لِأَبِي مُوسَى بِأَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ سُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنَ الْمَفْصَّلِ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ . 389 - وَلَا وَاجِبَ فِي الْقِرَاءَةِ غَيْرُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مَسْنُونٌ مُسْتَحَبٌّ ، وَفِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : أَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ مَا ( بَيْنَكَ ) وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ أَخَّرْتَ فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ . 390 - وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ وَقْتِ الْمُخْتَارِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ : ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَنِصْفُ اللَّيْلِ ، وَعَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ الَّذِي ذَكَرْنَا . 391 - فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : لَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ فَتُؤَخِّرَهَا إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ . 392 - وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ : نِصْفُ اللَّيْلِ ، تَأَوَّلَ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ فَتُؤَخِّرَهَا بَعْدَ شَطْرِ اللَّيْلِ ، أَوْ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الَّذِي صَلَّاهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ شَطْرُ اللَّيْلِ ، وَأَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَوْتٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . 393 - وَلَسْتُ أَقُولُ : إِنَّ مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّاهَا قَاضِيًا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا لِدَلَائِلَ . 394 - ( مِنْهَا ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى . 395 - وَلِأَنَّهَا لَوْ فَاتَتْ بِانْقِضَاءِ شَطْرِ اللَّيْلِ مَا لَزِمَتِ الْحَائِضَ تَطْهُرُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَفِيقُ ، إِذَا أَدْرَكَا مِنْ وَقْتِهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْفَجْرِ ، كَمَا لَا تَلْزَمُهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَلَا الصُّبْحِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ .
2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ . 1 - كِتَابُ وَقُوتِ الصَّلَاةِ ( 1 ) بَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ 1 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ؟ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ . 2 - قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ، زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ . 26 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ ، صَحِيحٌ ، مُسْنَدٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ . 27 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ أَنَّ ( أَنَّ ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَعَنْ ، وَأَنَّ السَّنَدَ الْمُعَنْعَنَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يُبَيَّنَ الِانْقِطَاعُ ، وَقَدْ بَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اتِّصَالُهُ لِمُجَالَسَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ بَعْضًا . 28 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مُشَاهَدَةَ ابْنِ شِهَابٍ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ : مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ . 29 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ وَرِوَايَاتِهِمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - كَمَا وَصَفْتُ لَكَ - فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ ، وَفِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا الْمُغِيرَةُ هِيَ تِلْكَ أَيْضًا . 30 - وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي أَوْقَاتِهِنَّ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا . 31 - وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدُلُّ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ ، كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتَيْنِ ، فَتَكُونُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ . 32 - وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّاسَ صَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ . 33 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ وُجُوهٍ . 34 - وَأَمَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَفِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 35 - وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِ الْإِسْرَاءِ ، وَكَيْفَ كَانَ فَرْضُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ . 36 - وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ ، وَلَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ وَالسِّيَرِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَكَّةَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْغَدِ ، فَصَلَّى بِهِ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا ; إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هَيْئَتِهَا حِينَ فُرِضَتْ . 37 - فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، فَأُكْمِلَتْ أَرْبَعًا . 38 - وَمِنْ رُوَاةِ حَدِيثِنَا هَذَا مَنْ يَقُولُ : زِيدَ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ . 39 - وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، فِي رِوَايَةٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ . 40 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ . 41 - وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - وَكَانَ أَحَدَ عُلَمَاءِ قُرَيْشٍ بِالنَّسَبِ ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ ، وَالْفِقْهِ ، وَهُوَ رَوِايَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْهُ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَتْ أَرْبَعًا إِلَّا الْمَغْرِبَ ، فَإِنَّهَا فُرِضَتْ ثَلَاثًا ، وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ . 42 - وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ . 43 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ . 44 - وَوَضَعَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ تَمَامٍ قَبْلَهُ . 45 - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ . 46 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَذَكَرْنَا عِلَّةَ إِسْنَادِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . 47 - فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ كَانَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ ، وَعَلَى أَنَّ الْأَصْلَ كَانَ أَرْبَعًا لَا رَكْعَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 48 - فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى أَصْلِ الْفَرْضِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْقَصْرِ . وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ يُعَارِضُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَصْرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّفَرِ فِي الْأَمْنِ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ أَوْضَحَ أَنَّ الصَّلَاةَ زِيدَ فِيهَا فِي الْحَضَرِ . 49 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَرْضَ فِيهَا كَانَ بِمَكَّةَ وَالزِّيَادَةَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ مُتَأَخِّرَةٌ ، فَلَمْ يَكُنِ الْقَصْرُ مُبَاحًا إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَرْضِ ، وَذَلِكَ يَعُودُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فِي أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ أَرْبَعًا . وَلَا حَاجَةَ إِلَى أَصْلِ الْفَرْضِ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ بِأَنَّ صَلَاةَ الْحَضَرِ تَامَّةٌ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 50 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 51 - وَقَدْ مَضَى فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ عَنِ السَّلَفِ مَرْوِيَّيْنِ : 52 - ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بِمَكَّةَ الْكَعْبَةَ لِصَلَاتِهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ . 53 - وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي ؛ لِمَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَا نَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ : الْقِبْلَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْيَهُودُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ ، وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا إِلَى قَوْلِهِ : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، يَعْنِي نَحْوَهُ ، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ ، وَقَالُوا : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وَقَالَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . 54 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِيُمَيِّزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ . 55 - وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، يَعْنِي تَحْوِيلَهَا عَلَى أَهْلِ الشَّكِّ ، لَا عَلَى الْخَاشِعِينَ يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ . 56 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَدَّادُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَتْ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوهَا عَمْدًا . 57 - وَقَوْلُهُ : وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ : يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَكْتُمُونَ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ . 58 - ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يَقُولُ : لَا تَكُنْ فِي شَكٍّ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَتُكَ ، وَكَانَتْ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ . 59 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَتَهُ ، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ الْيَهُودُ : بَيٌّ ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَسْجِدُ صَالِحٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . 60 - فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَإِنِّي صَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِ صَالِحٍ وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ . 61 - قَالَ الرَّبِيعُ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّهُ رَأَى مَسْجِدَ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ . 62 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ فِي حِينِ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا . 63 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي تَارِيخِ صَرْفِ الْقِبْلَةِ هُنَاكَ أَيْضًا ، وَيَأْتِي ذَلِكَ مُجَوَّدًا فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، عِنْدَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 64 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُطَارِدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي ، فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ يَنْظُرُ : فَوَضَّأَ وَجْهَهُ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَمَضْمَضَ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ . 65 - وَهَذَا إِنَّمَا أَخَذَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ . 66 - وَهُوَ حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ . 67 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ ، أَيْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ . 68 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةً قَطُّ بِغَيْرِ طَهُورٍ . 69 - وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدِيثِ عِقْدِ عَائِشَةَ حِينَ فَقَدُوا الشَّمْسَ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ . 70 - وَآيَةُ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً فَإِنَّمَا كَانَ سَبَبَ نُزُولِهَا التَّيَمُّمُ . 71 - وَسَنُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 72 - وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ نَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ فِرَارًا مِنْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ وُضُوءٍ مَعَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ . 73 - وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ فِي ذَلِكَ - قَوْلُهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . 74 - حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . 75 - وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ كَيْفَ كَانَ وَجْهُ تَأْخِيرِ بَنِي أُمَيَّةَ لِلصَّلَاةِ ، وَذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ مُسْنَدًا وَغَيْرَ مُسْنَدٍ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى . 76 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَيَسْتَحْلِفُونَ النَّاسَ أَنَّهُمْ مَا صَلَّوْا ، فَأُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فَاسْتُحْلِفَ أَنَّهُ مَا صَلَّى ، فَحَلَفَ : مَا صَلَّى ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى ، وَأُتِيَ مَكْحُولٌ فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : فَلِمَ جِئْنَا إِذًا ؟ فَذَكَرَ سُنَيْدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ - وَأَخَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّلَاةَ فَرَأَيْتُهُمَا يُومِئَانِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَلَسْنَا حَتَّى صَلَّيَا مَعَهُ . 77 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، قَالَ : كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ ، فَكُنْتُ أُصَلِّي أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الظُّهْرَ ، ثُمَّ نَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَخْطُبُ ، ثُمَّ نُصَلِّي وَنَجْعَلُهَا نَافِلَةً . 78 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ ، قَالَ : قُلْتُ لِشَقِيقٍ : إِنَّ الْحَجَّاجَ يُمِيتُ الْجُمُعَةَ ، قَالَ : تَكْتُمُ عَلَيَّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : صَلِّهَا فِي بَيْتِكَ لِوَقْتِهَا ، وَلَا تَدَعِ الْجَمَاعَةَ . 79 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَطَالَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْخُطْبَةَ فَنَكَأْتُ يَدِي حَتَّى أَدْمَيْتَهَا ، ثُمَّ قُمْتُ وَخَرَجْتُ وَأَخَذَتْنِي السِّيَاطُ ، فَمَضَيْتُ . 80 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ ، وَزِيَادًا ، وَغَيْرَهُمَا أَخَّرُوهَا قَبْلُ . 81 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الزَّعْفَرَانِيُّ عَمَّارُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلُّوا إِلَى الْقِبْلَةِ . 82 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدٍ ، قَالَ : وَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَأَنْكَرْتُ حَالَهُ فِي الْعَصْرِ . 83 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا جَهْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ - بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ وَأَنَّهُمَا إِنَّمَا جَهِلَا مِنْ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِفَرْضِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ آيَةٌ مُفْصِحَةٌ بِذَلِكَ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ آيَةٌ تُتْلَى مَا جَهِلَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَا مِثْلُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 84 - وَقَدْ جَازَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ جَهْلُ كَثِيرٍ مِنَ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ خَاصَّةِ الْعُلَمَاءِ . 85 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَقَدْ شَذَّ عَنْهُ بَيْنَ عِلْمِ الْخَاصَّةِ وَارِدَةٌ بِنَقْلِ الْآحَادِ أَشْيَاءَ حَفِظَهَا غَيْرُهُ ، وَذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ أَجْوَزُ ، وَالْإِحَاطَةُ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ . 86 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ مِنْ فَرَائِضِهَا ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهَا . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ ، فَلَمْ نَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدِي عَنْهُمْ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى خِلَافُهُ بِمَا يُوَافِقُ الْجَمَاعَةَ فَصَارَ اتِّفَاقًا صَحِيحًا . 87 - وَالْوَقْتُ أَوَّلُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءَ لَهَا إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَالْمُتَوَضِّئُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُتَبَرِّعٌ مُبَادِرٌ إِلَى فَضْلٍ ، وَمُتَأَهِّبٌ لِفَرْضٍ . 88 - وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَوْقَاتَ أَيْضًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَالْإِجْمَاعِ - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا . 89 - قَالَ مَالِكٌ : أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ يَعْنِي ( الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ) إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءِ ، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ . 90 - وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْهُمُ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَغَيْرُهُمْ . 91 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . ( فَحِينَ تُمْسُونَ ) : الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، وَ( حِينَ تُصْبِحُونَ ) : الصُّبْحُ وَعَشِيًّا : الْعَصْرُ ، وَحِينَ تُظْهِرُونَ : الظُّهْرُ . 92 - ثُمَّ قَالَ : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ . 93 - وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ السَّلَفِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ بِهِ ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الذِّكْرُ : قَوْلُ ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْزِيهِ اللَّهِ - تَبَارَكَ اسْمُهُ - عَنْ كُلِّ مَا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ . 94 - وَكَذَلِكَ ظَاهَرُ قَوْلِهِ : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ لَوْ تُرِكْنَا ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ لَوَجَبَتِ الصَّلَاةُ مِنَ الزَّوَالِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ دُلُوكَهَا زَوَالَهَا إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، فَلَيْسَ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ وَاضِحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ . 95 - وَأَصْبَحَ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ مُفَسَّرَةً ، وَهِيَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلَةً . 96 - وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مُجْمَلَاتٌ أَوْضَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَهَا ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ . 97 - فَبَيَّنَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، فَمِنْ بَيَانِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا نَقَلَهُ الْآحَادُ الْعُدُولُ ، وَمِنْهَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ، فَقَطَعَ الْعُذْرَ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . 98 - وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا عِلْمُهُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . 99 - أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَوَسَطِ الْقِبْلَةِ إِذَا اسْتُوقِنَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ بِالتَّفَقُّدِ وَالتَّأَمُّلِ ، وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ زِيَادَةِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَإِنْ كَانَ الظِّلُّ مُخَالِفًا فِي الصَّيْفِ لَهُ فِي الشِّتَاءِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ زَوَالُ الشَّمْسِ بِمَا ذَكَرْنَا أَوْ بِغَيْرِهِ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ . 100 - هَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ : أَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَدُلُوكُهَا مَيْلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : دُلُوكُهَا : غُرُوبُهَا ، وَاللُّغَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ . 101 - وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوهَا بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَكُونَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَيْفًا وَشِتَاءً . 102 - وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنْ أَحَبَّ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ : الْبَدَارُ إِلَيْهَا فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهُ يُبْرَدُ بِهَا . 103 - قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : قَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ . 104 - وَفِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ . 105 - وَسَنُبَيِّنُ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عُمَرَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 106 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الْغُدُوِّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ . 107 - وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ . 108 - وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعَصْرَ بَعْدَ هَذَا الْمِقْدَارِ قَلِيلًا . 109 - وَهَذَا كُلُّهُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لِأَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الضَّرُورَاتِ وَمَنْ لَهُمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأَوْقَاتِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِمْ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 110 - وَفِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ ( آخِرَ ) وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ . 111 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : آخَرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَاصِلَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَزِيدَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةً عَلَى الْمِثْلِ . 112 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى . 113 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا الصُّبْحِ لِلْإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ أَنَّهَا يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ . فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْأُخْرَى فَلَا . 114 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ . 115 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . 116 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ . 117 - وَلَمْ يَذْكُرُوا فَاصِلَةً ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ : ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ يَقْتَضِي الْفَاصِلَةَ . 118 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَخَالَفَ الْآثَارَ وَالنَّاسَ ، لِقَوْلِهِ بِالْمِثْلَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ . 119 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ قَالَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ . 120 - فَتَرَكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا مُفْرَدًا لَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا ، وَهَذَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا . 121 - وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَا ذَكَرْنَا فِيهِ ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ ، وَمِنْ قَوْلِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا فِي مُرَاعَاةِ الْمَيْلِ مِنَ الظِّلِّ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ ، وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ . 122 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ يَصِيرُ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ . 123 - وَهَذَا خِلَافُ الْآثَارِ ، وَخِلَافُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ قَوْلٌ - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ - مَهْجُورٌ . 124 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ . 125 - وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَمَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً فَهُوَ وَقْتٌ مُخْتَارٌ أَيْضًا لِصَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ . 126 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ . 127 - قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ : أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ . 128 - وَقَالَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ : الْقَامَتَانِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ مَذْكُورَتَانِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ . 129 - قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ . 130 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَذْكُرُ الْقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ . 131 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ . 132 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ آخِرُ وَقْتِهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ . 133 - وَهَذَا كُلُّهُ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ : كَالْحَائِضِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ . 134 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ صَلَّاهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ . 135 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي الصَّيْفِ إِذَا جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ ، وَمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى يُجَاوِزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ ، أَوْ قَدْرَ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى أَنْ جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ . 136 - قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 137 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْأَحَادِيثُ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ، مَعَ حَدِيثِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا . 138 - وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تُسْتَعْمَلُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ . 139 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : وَقْتُ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ قَامَتَهُ فَيَزِيدُ عَلَى الْقَامَةِ إِلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ . 140 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَزَادَ عَلَى الظِّلِّ زِيَادَةً تَتَبَيَّنُ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ . 141 - وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ . 142 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يُدْرِكَ الْمُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ . 143 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ لِكُلِّ النَّاسِ : مَعْذُورٌ وَغَيْرُ مَعْذُورٍ ، صَاحِبُ ضَرُورَةٍ وَصَاحِبُ رَفَاهِيَةٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ غَيْرُهُ . 144 - وَعِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَيْضًا : أَوَّلُ الْوَقْتِ . 145 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ رَكَعَ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِهَا ، وَرَكْعَةً بَعْدَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَهَا . 146 - وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 147 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ . 148 - فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ، وَبِهَذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ . 149 - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّإ : فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ . 150 - وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَغِيبُ الشَّفَقِ ، وَالشَّفَقُ عِنْدَهُمُ الْحُمْرَةُ . 151 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَمِثْلُهُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهَا عِنْدَ سُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ وَالنَّاسُ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : احْمَرَّتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ سُقُوطُ الشَّفَقِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ لَهُ : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ . 152 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثَ بُرَيْدَةَ وَغَيْرَهُمَا بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ . 153 - قَالُوا : وَهَذِهِ الْآثَارُ أَوْلَى مِنْ آثَارِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ; لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ كَانَتْ بِمَكَّةَ ، وَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ . 154 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَفِيهِ : وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ . 155 - وَحَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ قَالَ : لَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ . 156 - وَالشَّاهِدُ : النَّجْمُ . 157 - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا حَضَرَتِ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ . 158 - وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ ، وَقَدْ قَرَأَ فِيهَا بِالطُّورِ وَبِالصَّافَّاتِ وَالْأَعْرَافِ . 159 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَا كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 160 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ قَوْلَيْنِ : 161 - ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ مَمْدُودٌ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ كَمَا نَزَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإ . 162 - ( وَالْآخَرُ ) - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ - أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ لَا وَقْتَ لَهَا غَيْرَهُ فِي الِاخْتِيَارِ ، وَذَلِكَ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ . 163 - قَالَ : وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ . 164 - قَالَ : وَلَوْ جَازَ أَنْ تُقَاسَ الْمَوَاقِيتُ لَقِيلَ : لَا تَفُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ ; قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْهَا رَكْعَةً كَمَا قَالَ فِي الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّ الْمَوَاقِيتَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا . 165 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَإِنْ حَبَسَكَ عُذْرٌ فَأَخَّرْتَهَا إِلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي السَّفَرِ فَلَا بَأْسَ بِهَا ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ تَأْخِيرَهَا . 167 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ . 167 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ - عَلَى تَوَاتُرِهَا - لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا . 168 - وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَكُلُّهُمْ صَحِبَهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَحَكَى عَنْهُ صَلَاتَهُ بِهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ فِي الْوَقْتَيْنِ ، لَكِنْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتَيْنِ . 169 - عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُؤْخَذُ عَمَلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغْفَلُ عَنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ جَهْلُهُ وَلَا نِسْيَانُهُ . 170 - وَقَدْ حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ : أَنَّ الْأَمْصَارَ كُلَّهَا بِأَسْرِهَا لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا عَلَى تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا فِي حِينِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَخَّرَ إِقَامَةَ الْمَغْرِبِ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ عَنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ . 171 - وَفِي هَذَا مَا يَكْفِي مَعَ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ فِي تَعْجِيلِهَا ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهَا وَاسِعًا لَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا كَعَمَلِهِمْ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَذَانٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ اتِّسَاعُ الْوَقْتِ . 172 - وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يُصَلِّيهَا وَقْتًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . 173 - وَلَوْ وَسَّعَ لَهُمْ لَاتَّسَعُوا ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعُلَمَاءِ الْأَخْذُ بِالتَّوْسِعَةِ . 174 - وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّرْغِيبِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَالْبَدَارُ إِلَى الْوَقْتِ الْمُخْتَارُ . 175 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا الْآثَارَ الْمُسْنَدَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى هُنَاكَ أَيْضًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 176 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِلْمُقِيمِ مَغِيبُ الشَّفَقِ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الشَّفَقِ . 177 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَمَّا فِي الْحَضَرِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يُصَلِّيَ حَتَّى يَذْهَبَ الْبَيَاضُ ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ . 178 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِغَيْرِ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَلَّا يُعَجِّلُوا بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالنَّاسِ ، وَتَأْخِيرُهَا قَلِيلًا أَفْضَلُ عِنْدَهُ . 179 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ : أَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ أَحَبُّ إِلَيْهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا فِي الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهَا يُبْرَدُ بِهَا . 180 - وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَغِيبُ الشَّفَقُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ - فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ الِاشْتِرَاكُ مِنْ أَهْلِ الضَّرُورَاتِ . 181 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُسْتَحَبُّ فِي وَقْتِهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَا تَفُوتُ إِلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ . 182 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : آخِرُ وَقْتِهَا أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَا أَرَاهَا إِلَّا فَائِتَةً ، يَعْنِي وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِالِاشْتِرَاكِ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ . 183 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ . 184 - وَقَالَ دَاوُدُ : وَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ . 185 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي أَحَادِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ - ثُلُثُ اللَّيْلِ . 186 - وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بِالْمَدِينَةِ لِلسَّائِلِ . 187 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - : سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ . 188 - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : وَنِصْفُ اللَّيْلِ . 189 - وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مِثْلُهُ . 190 - وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ . 191 - وَكُلُّهَا مُسْنَدَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَتُهَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ بِأَسَانِيدِهَا . 192 - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : لَوْلَا أَنَّ أَشَقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ . 182 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ . 183 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ التَّعْجِيلُ خَوْفَ الْمَشَقَّةِ . 184 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَانْصِدَاعُهُ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي الَّذِي يَنْتَشِرُ وَيَظْهَرُ ، وَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ . 195 - إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِهَا الْإِسْفَارُ . 196 - وَكَذَلِكَ حَكَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : الْإِسْفَارُ الْأَعْلَى . 197 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : آخِرُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ . 198 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْجَمَاعَةُ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ إِدْرَاكَ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الطُّلُوعِ عَلَى حَسْبِ مَا مَضَى فِي الْعَصْرِ . 199 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَفُوتُ صَلَاةُ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ مِنْهَا رَكْعَةً بِسُجُودِهَا ، فَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ . 200 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوَدَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ . 201 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ صَلَاةَ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ يُصَلِّيهَا ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُجَّتِهِمْ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . 202 - وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ - فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ : قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الظِّلُّ عَلَى الْجِدَارِ ، يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ ظَلُّ حُجْرَتِهَا عَلَى جُدُرِهَا . 203 - وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا شَيْئًا فَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ . 204 - وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ : بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَا وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا أَيْ مُرْتَقًى وَعُلُوًّا . 205 - وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يُخْرَجَ الظِّلُّ مِنْ قَاعَةِ حُجْرَتِهَا . 206 - وَكُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ أَيْضًا فَقَدْ ظَهَرَ ، وَالْحُجْرَةُ : الدَّارُ ، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ حَائِطٌ فَهُوَ حُجْرَةٌ . 207 - وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنْيَانِهِمْ وَحِيطَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ الْعَصْرِ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِصَرِ الْحِيطَانِ . 208 - وَإِنَّمَا أَرَادَ عُرْوَةُ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَخَّرَهَا إِلَيْهِ عَمَرُ . 209 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا مُحْتَلِمٌ فَأَنَالُ سُقُفَهَا بِيَدِي ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ . 210 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ ، وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ يَدْخُلُ ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ . 211 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حَالُهُ إِذْ صَارَ خَلِيفَةً ، وَحَسْبُكَ بِهِ اجْتِهَادًا فِي خِلَافَتِهِ . 212 - رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا . 213 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِي بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ . 214 - وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ : انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ ! أَوَ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ سَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَمَا زَالَ عُمَرُ يَعْتَلِمُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . 215 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ وَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، فَأُنْكِرَتْ حَالُهُ فِي الْعَصْرِ . 216 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ عُمَرَ قَبِلَ خَبَرَ عُرْوَةَ وَحْدَهُ فِيمَا جَهِلَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ - وَهَذَا مِنَّا عَلَى التَّنْبِيهِ ، فَإِنَّ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ النَّاسِ ، مُسْتَعْمَلٌ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحُجَّةِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقُولُ : إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ . 217 - وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِلْحُجَّةِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ كِتَابًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ صُحْبَةِ الْأُمَرَاءِ . 218 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَصْحَبُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَعُرْوَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَخْلِقْ بِالْأَمِيرِ إِذَا صَحِب الْعُلَمَاءَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَاضِلًا . 219 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَسَأَلَنِي عَنِ الْحَسَنِ كَمَا يَسْأَلُ الرَّجُلُ عَنْ وَلَدِهِ ، فَقَالَ : كَيْفَ طُعْمَتُهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَدْخُلُ عَلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ ؟ وَأَيْنَ مَجْلِسُهُ مِنْهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يُطْعَمُ عِنْدَ عَدِيٍّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . 220 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ . 221 - كَانُوا يَقُولُونَ : خَيْرُ الْأُمَرَاءِ مَنْ صَحِبَ الْعُلَمَاءَ ، وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ مَنْ صَحِبَ الْأُمَرَاءَ ; إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْحَقِّ ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَعَانَ الضَّعِيفَ .
11 9 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . 406 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا : مَنْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالَ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . 407 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : إِلَى قُبَاءٍ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ فِيهِ : ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْعَوَالِي مُخْتَلِفَةُ الْمَسَافَةِ ، فَأَقْرَبُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ مِيلَانِ وَثَلَاثَةٌ ، وَأَبْعَدُهَا ثَمَانِيَةٌ وَنَحْوُهَا . 408 - وَالْمَعْنَى الَّذِي لَهُ أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ : تَعْجِيلُ الْعَصْرِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَأْخِيرِهَا ، فَنَقَلَ ذَلِكَ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ . 409 - قَالَ الْأَعْمَشُ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ . 410 - وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْعَصْرَ لِتَعْتَصِرَ . 411 - وَأَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ فَعَلَى تَعْجِيلِ الْعَصْرِ : سَلَفُهُمْ وَخَلَفُهُمْ . 412 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 413 - وَفِي اخْتِلَافِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعَوَالِي فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ وَقْتِهَا مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً . 414 - وَقَدْ أَوْرَدْنَا مِنَ الْآثَارِ عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
9 حَدِيثٌ سَادِسٌ 7 - مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَا أُخْبِرُكُ . صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ . وَالْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ . وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ . وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ . وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشٍ . يَعْنِي الْغَلَسَ . 396 - وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّمْهِيدِ مَرْفُوعًا ، وَاقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى ذِكْرِ أَوَاخِرِ الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ دُونَ أَوَائِلِهَا . 397 - فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : صَلِّ الظُّهْرَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ ، وَالْعَصْرَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ ، وَجُعِلَ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا عَلَى مَا مَضَى مِنِ اخْتِيَارِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَذَكَرَ مِنَ الْعِشَاءِ أَيْضًا آخِرَ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ ; وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِفَهْمِ الْمُخَاطَبِ عَنْهُ ; وَلِاشْتِهَارِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ وَالْعَمَلِ ; وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ . 398 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ مَا فِيهِ شِفَاءٌ ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِهِ هُنَا . 399 - وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ : بِغَبَسٍ ( بِالسِّينِ ) . 400 - وَرِوَايَةُ ابْنِ وَضَّاحٍ : بِغَبَشٍ ( بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ ) . 401 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَحْنُونُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ . 402 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّإ ، وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ : وَهُوَ اخْتِلَاطُ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ .
10 حَدِيثٌ سَابِعٌ 8 - مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ . 403 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّمْهِيدِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : 404 - ( أَحَدُهُمَا ) : تَعْجِيلُ رَسُولِ اللَّهِ لِلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . 405 - ( وَالثَّانِي ) : سَعَةُ الْوَقْتِ ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ، مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ .
27 ( 7 ) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بِالْهَاجِرَةِ 25 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنْ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَبِّ ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا . فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ . 885 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَسْنَدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِ مَعْنَاهُ فِي الْمُوَطَّإ بِرِوَايَةٍ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ أَلْفَاظُ حَدِيثِ زَيْدٍ هَذَا كُلِّهِ وَمَعَانِيهِ ، وَأَسْنَدَهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 886 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ رَوَاهُ مِنَ التَّابِعِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَنْ رَوَاهُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّحَابَةِ . 887 - وَهُوَ حَدِيثٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيحٌ ، لَا مَقَالَ فِيهِ لِأَحَدٍ . 888 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنْ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَالْفَيْحُ : سُطُوعُ الْحَرِّ فِي شِدَّةِ الْقَيْظِ ، كَذَلِكَ قَالَ : صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ . 889 - وَأَمَّا إِضَافَةُ ذَلِكَ إِلَى جَهَنَّمَ - أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا - فَمَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ فِي الشَّمْسِ إِذَا اشْتَدَّ حَرُّهَا : هَذِهِ نَارٌ ، تُرِيدُ كَالنَّارِ . 890 - وَكَذَلِكَ يُقَالُ : فُلَانٌ نَارٌ ، يُرِيدُ أَنَّهُ يَفْعَلُ كَفِعْلِ النَّارِ مَجَازًا وَاسْتِعَارَةً . 891 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ تَفْضُلُ نَارَ بَنِي آدَمَ سَبْعِينَ جُزْءًا ، أَوْ تِسْعَةً وَسِتِّينَ جُزْءًا . 892 - وَفِي هَذَا مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ ، أَوْ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَمَنْ قَالَ قَوْلُهُمْ ، وَمِنْهُ : أَحْرَقَ الْحُزْنُ قَلْبِي ، وَأَحْرَقَ فَلَانٌ فُؤَادِي بِقَوْلِهِ كَذَا ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ : الْحَرُّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 893 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا اشْتَدَّ الْحُرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ ، فَمَعْنَى الْإِبْرَادِ بِهَا تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا حَتَّى يَزُولَ سَمُومُ الْهَاجِرَةِ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ فِيهِ سَعَةٌ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - عَلَى مَا مَضَى فِي كِتَابِنَا هَذَا وَاضِحًا . 894 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، فَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو الْفَرَجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ : أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي الظُّهْرِ وَحْدَهَا أَنْ يُبْرَدَ بِهَا وَتُؤَخَّرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ تُصَلَّى فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا . 895 - قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : أَخْتَارُ لَكَ لِجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَوَّلَ أَوْقَاتِهَا إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : إِذَا اشْتَدَّ الْحُرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ . 896 - وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَحَكَى عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ الظُّهْرَ تُصَلَّى إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ لِلْجَمَاعَةِ وَالْمُنْفَرِدِ ، عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ . 897 - وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : إِنَّ مَعْنَى كِتَابِ عُمَرَ مَسَاجِدُ الْجَمَاعَاتِ ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَوْلَى بِهِ ، وَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ كُلِّهِ . 898 - وَإِلَى هَذَا مَالَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيِّينَ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 899 - وَقَدْ مَضَى فِي الْأَوْقَاتِ مَا يَكْفِي فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 900 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا : الظُّهْرَ وَغَيْرهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ . 901 - وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى فَقَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامُ جَمَاعَةٍ يَنْتَابُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ ، فَإِنَّهُ يُبْرِدُ بِالظُّهْرِ . 902 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِبْرَادِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ; لِشِدَّةِ حَرِّ الْحِجَارَةِ ; وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ مَسْجِدٌ غَيْرُ مَسْجِدِهِ ، فَكَانَ يُنْتَابُ مَنْ بَعُدَ ، فَيَتَأَذَّوْنَ بِشِدَّةِ الْحَرِّ ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِبْرَادِ لِمَا فِي الْوَقْتِ مِنَ السَّعَةِ . 903 - وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : تُصَلَّى الظُّهْرُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ شِدَّةَ الْحَرِّ ، فَقَالَ : يُؤَخِّرُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُبْرِدَ ، وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا مُتَقَارِبٌ جِدًّا . 904 - وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : أَيُّ الْأَوْقَاتِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ؟ قَالَ : أَوَّلُهَا إِلَّا فِي صَلَاتَيْنِ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ قَالَ : وَأَمَّا فِي الشِّتَاءِ فَيُعَجَّلُ بِهَا . 905 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنْ عُمَرَ فِي كِتَابِهِ إِلَى عُمَّالِهِ فَفِيهَا : إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَفِيهَا : إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ . 906 - وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ بِحَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا يَقُولُ : فَلَمْ يَعْذِرْنَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ وَعِلَّتِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 907 - وَتَأَوَّلَ مَنْ رَأَى الْإِبْرَادَ فِي قَوْلِ خَبَّابٍ هَذَا : فَلَمْ يُشْكِنَا : وَلَمْ يَحْوِجْنَا إِلَى الشَّكْوَى ; لِأَنَّهُ رَخَّصَ لَنَا فِي الْإِبْرَادِ . 908 - وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ : أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ( ثَعْلَب ) فَسَّرَ قَوْلَهُ : فَلَمْ يُشْكِنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . 909 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ( بْنِ سَعِيدٍ ) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو خَلْدَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ . 910 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ( بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ) ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ ( بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ) ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةٍ ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةٍ . 911 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأذَرْمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ . 912 - وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 913 - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِيٍّ . 914 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ قَوْلَ عُمَرَ لِأَبِي مَحْذُورَةَ - وَهُوَ مَعَهُ بِمَكَّةَ : إِنَّكَ فِي بَلْدَةٍ حَارَّةٍ ، فَأَبْرِدْ ، ثُمَّ أَبْرِدْ ، ثُمَّ أَبْرِدْ . 915 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ لَا يُبْرِدُونَ ، يَعْنِي الْخَوَارِجَ . 916 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ؛ فَقَالَتْ : يَا رَبِّ ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَحَمَلَهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ عَلَى الْمَجَازِ . 917 - فَالَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَالُوا : أَنْطَقَهَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَفَهِمَ عَنْهَا كَمَا فَهِمَ عَنِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالْجُلُودِ ، وَأَخْبَرَ عَنْ شَهَادَتِهَا وَنُطْقِهَا ، وَعَنِ النَّمْلِ بِقَوْلِهَا ، وَعَنِ الْجِبَالِ بِتَسْبِيحِهَا . 918 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ أَيْ : سَبِّحِي مَعَهُ . 919 - وَبِقَوْلِهِ : يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ . 920 - وَبِقَوْلِهِ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . 921 - وَبِقَوْلِهِ : وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ . 922 - وَبِقَوْلِهِ : سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا . 923 - وَبِقَوْلِهِ : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . 924 - فَلَمَّا كَانَ مِثْلُ هَذَا - وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ - حَمَلُوا بُكَاءَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَانْفِطَارَ السَّمَاءِ ، وَانْشِقَاقَ الْأَرْضِ ، وَهُبُوطَ الْحِجَارَةِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، كُلُّ ذَلِكَ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَكَذَلِكَ إِرَادَةُ الْجِدَارِ الِانْقِضَاضَ . 925 - وَاحْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَقُصُّ الْحَقَّ . 926 - وَبِقَوْلِهِ : وَالْحَقَّ أَقُولُ . 927 - وَأَمَّا الَّذِينَ حَمَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ قَالُوا : أَمَّا قَوْلُهُ : سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ فَهَذَا تَعْظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِشَأْنِهَا . 928 - قَالُوا : وَقَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا مِنْ بَابِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ : وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ . 929 - وَقَوْلِ الْآخَرِ : شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبْتَلَى . 930 - وَكَقَوْلِ الْحَارِثِيِّ : يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلِ 931 - وَقَالَ غَيْرُهُ : رُبَّ قَوْمٍ غَبَرُوا مِنْ عَيْشِهِمْ فِي نَعِيمٍ وَسُرُورٍ وَغَدَقْ سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمُ ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَمًا حِينَ نَطَقْ 932 - وَقَالَ غَيْرُهُ : وَعَظَتْكَ أَجْدَاثٌ صُمُتْ وَنَعَتْكَ أَزْمِنَةٌ جَفَتْ وَتَكَلَّمَتْ عَنْ أَوْجُهٍ تَبْلَى وَعَنْ صُوَرٍ سَبَتْ وَأَرَتْكَ قَبْرَكَ فِي الْقُبُورِ وَأَنْتَ حَيٌّ لَمْ تَمُتْ 933 - وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَقَالُوا : هَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَجَازِ وَالتَّمْثِيلِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ تَنْطِقُ لَكَانَ نُطْقُهَا هَذَا وَفِعْلُهَا . 934 - وَذَكَرُوا قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ حَيْثُ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ اللَّوْمَ يُنْسَبُ كَانَ عَبْدًا قَبِيحَ الْوَجْهِ أَعْوَرَ مِنْ ثَقِيفِ 935 - وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّحْوِيُّ ، عَنْ قَوْلِ الْمَلَكِ : إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ . لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ ؛ فَقَالَ : نَحْنُ طُولَ النَّهَارِ نَفْعَلُ هَذَا ، فَنَقُولُ : ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا ، وَإِنَّمَا هَذَا تَقْدِيرٌ كَأَنَّ الْمَعْنَى : إِذَا وَقَعَ هَذَا فَكَيْفَ الْحُكْمُ فِيهِ ؟ 936 - وَذَكَرُوا قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيِّ لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ : أَتَدْرِي مَا تَقُولُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ أَيُّهَا الْمَلِكُ ؟ قَالَ : وَمَا تَقُولُ ؟ قَالَ : تَقُولُ : رُبَّ رَكْبٍ قَدْ أَنَاخُوا حَوْلَنَا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ الزُّلَالِ ثُمَّ أَضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بِهِمْ وَكَذَاكَ الدَّهْرُ حَالٌ بَعْدَ حَالِ 937 - وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، مَا وَرَدَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 938 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ يُعَضِّدُهُ عُمُومُ الْخِطَابِ ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 939 - وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا فَسَّرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ؛ فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَخَفِّفْ عَنِّي ، قَالَ : فَخَفَّفَ عَنْهَا ، وَجَعَلَ لَهَا كُلَّ عَامٍ نَفَسَيْنِ ، فَمَا كَانَ مِنْ بَرْدٍ يُهْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ سَمُومٍ يُهْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ حَرِّهَا . 940 - فَقَوْلُهُ : مِنْ زَمْهَرِيرٍ ( يُهْلِكُ شَيْئًا وَحَرٍّ يُهْلِكُ شَيْئًا ) يُفَسِّرُ مَا أُشْكِلَ مِنْ ذَلِكَ لِكُلِّ ذِي فَهْمٍ . 941 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَفَسَهَا فِي الشِّتَاءِ غَيْرُ الشِّتَاءِ ، وَنَفَسَهَا فِي الصَّيْفِ غَيْرُ الصَّيْفِ ، لِقَوْلِهِ : نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ . 942 - وَقَوْلُ الْحَسَنِ : مِنْ زَمْهَرِيرِهَا وَحَرِّهَا مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ الصِّحَاحِ . 943 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَبِّ ، أَكَلَ بِعْضِي بَعْضًا ، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسًا فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسًا فِي الصَّيْفِ ، فَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا ، وَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ فِي الصَّيْفِ مِنَ الْحَرِّ مِنْ سَمُومِهَا . 944 - وَالشِّدَّةُ وَالشَّدَائِدُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 945 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ بَعْدُ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ : أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَالْحَدِيثِ . 946 - وَحُجَّتُهُمْ مِنَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطُّ ، فَقَالَ : مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ . 947 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ دَعَا جِبْرِيلَ فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : انْظُرْ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَتَمَامِهِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَحَادِيثَ سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 948 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا آخِرُ مَا عَمِلَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَوْقَاتِ ، وَقَدَّمَ بَابَ الْوُقُوتِ عَلَى بَابِ الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ ; لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ دُخُولُ وَقْتِهَا ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَلْزَمُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ عَمَلُهُ قَبْلُ . 949 - وَسَقَطَ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فِي الْمُوَطَّإ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ وَبَعْدَ بَابِ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا سَقَطَ لَهُ هَاهُنَا اسْتَدْرَكَهُ فَوَضَعَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ بَعْدَ بَابِ الْعَمَلِ فِي الدُّعَاءِ ، وَلَيْسَ لَهُ هُنَاكَ مَدْخَلٌ ، فَرَأَيْنَا أَنْ نَضَعَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا هُنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
14 12 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ لِلتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ . 454 - اخْتُلِفَ فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَلَلٍ . 455 - فَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَالَ : اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِيلًا وَنَحْوُهَا . 456 - وَقَالَ غَيْرُهُ : ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا . 457 - وَهَذَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ : أَنَّهُ هَجَّرَ بِالْجُمُعَةِ فَصَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ ، ثُمَّ أَسْرَعَ السَّيْرَ فَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ لَيْسَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَكِنَّهُ صَلَّاهَا وَالشَّمْسُ لَمْ تَغْرُبْ ، وَلَعَلَّهُ صَلَّاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ . 458 - وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا زَعَمَ مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْجُمُعَةَ فَنَنْصَرِفُ وَمَا لِلْجُدُرِ ظِلٌّ . 459 - وَهَذَا الْخَبَرُ الثَّانِي عَنْ عُثْمَانَ لَيْسَ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ ، وَلَا عِنْدَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى صَاحِبِنَا ، وَهُمَا مِنْ آخِرِ مَنْ عَرَضَ عَلَى مَالِكٍ الْمُوَطَّأَ ، وَهَذَا وَإِنِ احْتَمَلَ مَا قَالَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ . 460 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحِجَازَ لَيْسَ لِلْقَائِمِ فِيهَا كَبِيرُ ظِلٍّ عِنْدَ الزَّوَالِ . 461 - وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّعْدِيلِ : أَنَّ الشَّمْسَ بِمَكَّةَ تَزُولُ فِي حَزِيرَانَ عَلَى دُونِ عَشْرِ أَقْدَامٍ ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ السَّنَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا أَوْ فَوْقَهُ قَلِيلًا ، فَأَيُّ ظِلٍّ يَكُونُ لِلْجُدُرِ حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ ؟ فَإِذَا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إِلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَلَا يَقِينَ مَعَ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ . 462 - وَالْمَعْرُوفُ عَنْ عُثْمَانَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ كَانَ مُتَّبِعًا لِعُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ . 463 - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ عَنْ سَائِرِ الْخُلَفَاءِ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 464 - وَمَنْ بَكَّرَ بِالْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَامَّةِ فَسَادُ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَمْ يَجُزْ عَلَى الْفُقَهَاءِ . 465 - رَوَى حَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ عِنْدَ الزَّوَالِ . 466 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ يَفِيءُ الْفَيْءُ تَحْتَ رَأْسِ الْإِنْسَانِ ذِرَاعًا وَنَحْوَهُ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى السَّعَةِ فِي وَقْتِهَا .
13 ( 2 ) بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ 11 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَرَى طِنْفِسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ ، فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ ، خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ . قَالَ مَالِكٌ ( وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ ) : ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ . 420 - رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَقَالَ فِيهِ : كَانَ لِعَقِيلٍ طِنْفِسَةٌ مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ الْغَرْبِيَّ ، فَإِذَا أَدْرَكَ الظِّلُّ الطِّنْفِسَةَ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقِيلُ . 421 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ : أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَتْ لَهُ طِنْفِسَةٌ فِي أَصْلِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ عَرْضُهَا ذِرَاعَانِ ، أَوْ ذِرَاعَانِ وَثُلُثٌ ، وَكَانَ طُولُ الْجِدَارِ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الظِّلِّ قَدْ جَاوَزَ الطِّنْفِسَةَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ، وَإِذَا أَذَّنَ نَظَرْنَا إِلَى الطِّنْفِسَةِ ، فَإِذَا الظِّلُّ قَدْ جَاوَزَهَا . 422 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَ مَالِكٌ الطِّنْفِسَةَ لِعَقِيلٍ ، وَجَعَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لِلْعَبَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 423 - الْمَعْنَى فِي طَرْحِ الطِّنْفِسَةِ لِعَقِيلٍ عِنْدَ الْجِدَارِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ ، وَكَانَ نَسَّابَةً عَالِمًا بِأَيَّامِ النَّاسِ . 424 - وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْخَبَرَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ حَكَى عَنْهُ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَإِنْكَارًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ . 425 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الْخَبَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ . 426 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ضُحًى . 427 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَةَ ضُحًى ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا عَجَّلْتُ بِكُمْ خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ . 428 - وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : كُنَّا نُبَكِّرُ الْجُمُعَةَ وَنَقِيلُ بَعْدَهَا . 429 - وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَغَدَّى وَنَقِيلُ . 430 - وَحَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقِيلُ . 431 - وَذَكَرْنَا عِلَلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ، وَضَعْفَ أَسَانِيدِ بَعْضِهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ وَجْهٍ يُحْتَجُّ بِهِ ، إِلَى مَا يَدْفَعُهَا مِنَ الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ . 432 - وَلِهَذَا وَمِثْلِهِ أَدْخَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ طِنْفِسَةِ عَقِيلٍ لِيُوَضِّحَ أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ ; لِأَنَّهَا مَعَ قِصَرِ حِيطَانِهِمْ وَعَرْضِ الطِّنْفِسَةِ لَا يَغْشَاهَا الظِّلُّ إِلَّا وَقَدْ فَاءَ الْفَيْءُ ، وَتَمَكَّنَ الْوَقْتُ ، وَبَانَ فِي الْأَرْضِ دُلُوكُ الشَّمْسِ . 433 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ الْفَتْوَى عَلَيْهِمْ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ . 434 - إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ : مَنْ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ أَعِبْهُ . 435 - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَثْرَمَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا تَرَى فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ ؟ فَقَالَ : فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا عَلِمْتَ . 436 - ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَنَسٍ . 437 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ . 438 - وَهِيَ آثَارٌ كُلُّهَا لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ ، وَلَا نَقَلَهَا الْأَئِمَّةُ . 439 - وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ : لَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَمْنَعُ مِنَ الظُّهْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ - دَلَّ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الظُّهْرِ . 440 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّاهَا وَقْتَ الظُّهْرِ فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا . 441 - فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَصَلَاةِ الْعِيدِ ; لِأَنَّ الْعِيدَ لَا تُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ . 442 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّايِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْجُمُعَةَ بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ . 443 - قَالَ سُنَيْدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَبُعٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْجُمُعَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ . 444 - وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ : لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ عِنْدَهُمْ وَلَا الْخُطْبَةُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ . 445 - إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي سَعَةِ وَقْتِهَا وَآخِرِهِ . 446 - فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَقْتُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَتُصَلَّى إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ . 447 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ صَلَّى مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ثُمَّ غَرَبَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى بَعْدَ الْمَغِيبِ وَكَانَتْ جُمُعَةً . 448 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : وَقْتُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ ، فَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الظُّهْرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَمْ تُصَلَّ الْجُمُعَةُ . 449 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْجُمُعَةِ سَجْدَةً أَوْ قَعْدَةً فَسَدَتِ الْجُمُعَةُ ، وَيَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ . 450 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا ، يَعْنِي إِذَا زَادَ الظِّلُّ عَنِ الْمِثْلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَصْلِهِ فِي ذَلِكَ . 451 - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ . 452 - وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ : ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ - فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ صَلَّى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ الْجُمُعَةَ لَا يَرَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ضُحًى ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا تَأَوَّلَهُ أَصْحَابُنَا : أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْجُرُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُصَلُّونَ فِي الْجَامِعِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ : أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَإِذَا صَلَّوُا الْجُمُعَةَ انْصَرَفُوا ، فَاسْتَدْرَكُوا رَاحَةَ الْقَائِلَةِ وَالنَّوْمَ فِيهَا عَلَى مَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 453 - وَهَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ .
31 34 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ : أَنَّهُ كَانَ يَرَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، إِذَا رَأَى الْإِنْسَانَ يُغَطِّي فَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي جَبَذَ الثَّوْبَ عَنْ فِيهِ جَبْذًا شَدِيدًا ، حَتَّى يَنْزِعَهُ عَنْ فِيهِ . 1109 - عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُجُبَّرُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِابْنِهِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُجَبَّرُ ; لِأَنَّهُ سَقَطَ فَتَكَسَّرَ فَجُبِرَ فَقِيلَ لَهُ : الْمُجَبَّرُ . 1110 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ : الْمُكَسَّرُ ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ : بَلْ هُوَ الْمُجَبَّرُ . 1111 - وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ لَهُ : الْمُجَبَّرُ ; لِأَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ; فَسَمَّتْهُ حَفْصَةُ : الْمُجَبَّرُ ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجْبُرُهُ . 1112 - وَقَالَ فِيهِ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : الْمُجْبَرُ ، وَسَائِرُ النَّاسِ يَقُولُونَ بِتَحْرِيكِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ . 1113 - وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُجَبَّرَ هَذَا ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُحْفَظُ لَهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ أَتَى بِهِ . 1114 - وَأَمَّا تَغْطِيَةُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي الصَّلَاةِ فَمَكْرُوهٌ لِمَنْ أَكَلَ ثَوْمًا ، وَإِنَّمَا أَصْلُ الْكَرَاهِيَةِ فِيهِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَثَّمُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . 1115 - ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَاوِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَضَعَنَّ أَحَدُكُمْ ثَوْبَهُ عَلَى أَنْفِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ خَطْمُ الشَّيْطَانِ . 1116 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَكُرِهَ أَنْ يُغَطِّيَ الْإِنْسَانُ أَنْفَهُ فِي الصَّلَاةِ . 1117 - وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : لَا يُغَطِّي أَنْفَهُ فِي الصَّلَاةِ . 1118 - وَقَالَ ابْنُ الْجَهْمِ : مَعْنَى ذَلِكَ لِيُبَاشِرَ الْأَرْضَ بِأَنْفِهِ عِنْدَ سُجُودِهِ ، كَمَا يُبَاشِرُهَا بِجَبْهَتِهِ . 1119 - وَكَرِهَ التَّلَتمَ فِي الصَّلَاةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ . 1120 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ . 1121 - وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّقَاشِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ يَكْرَهَانِ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ فِي الصَّلَاةِ .
30 9 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِرِيحِ الثَّوْمِ وَتَغْطِيَةِ الْفَمِ فِي الصَّلَاةِ 33 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، فَلَا يَقْرَبْ مَسَاجِدَنَا ، يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثَّوْمِ . 1086 - قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى . 1087 - رَوَى يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ : مَسَاجِدَنَا وَرَوَتْ طَائِفَةٌ : مَسْجِدَنَا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . وَ( مَسَاجِدَنَا ) أَعَمُّ . وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنَ الْجِنْسِ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ ، وَ( مَسَاجِدَنَا ) تَفْسِيرُ ( مَسْجِدَنَا ) . 1088 - وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ : فَلَا يَقْرَبْنَا وَلَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا وَفِي بَعْضِهَا فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا ، وَلَا يَأْتِينَا يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ . 1089 - وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ الثَّوْمَ أَوِ الْبَصَلَ أَوِ الْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ الْآدَمِيُّونَ . 1090 - وَفِي بَعْضِ الْمُوَطَّآتِ : مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْكُلُ الثَّوْمَ وَلَا الْكُرَّاثَ وَلَا الْبَصَلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِيهِ ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُكَلِّمُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ 1091 - رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّإ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْهُ . 1092 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ الثَّوْمِ لِسَائِرِ النَّاسِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الثَّوْمِ وَالْبَصَلِ لِعِلَّةٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهِ ، فَصَارَ ذَلِكَ خُصُوصًا . 1093 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَكَلَهُ فَلَا يَقْرَبْ هَذَا الْمَسْجِدَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِهَا لَا عَلَى تَحْرِيمِهَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ إِتْيَانَ الْجَمَاعَةِ فَرْضًا ، وَيَمْنَعُونَ مِنْ أَكَلِ الثَّوْمِ وَالْبَصَلِ ، وَمَنْ أَكَلَهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةٍ . 1094 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شُهُودَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ ، ( خِلَافًا أَيْضًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ الَّذِينَ يُوجِبُونَهَا ، وَيُحَرِّمُونَ أَكْلَ الثَّوْمِ مِنْ أَجْلِ شُهُودِهَا ) . 1095 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ أَكَلَ الثَّوْمَ مِنَ السَّلَفِ فِي التَّمْهِيدِ عَلَى حَسْبِ مَا بَلَغَنَا . 1096 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعَانٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : 1097 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا خَرَجَ النَّهْيُ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( مِنْ أَجْلِ جِبْرِيلَ وَنُزُولِهِ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1098 - وَقَالَ الْجُمْهُورُ : حُكْمُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ سَوَاءٌ . 1099 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمَلَائِكَةُ الْوَحْيِ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ، وَقَالَ : يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثَّوْمِ وَلَا يَحِلُّ إِذًا لِجَلِيسٍ وَلَا لِمُسْلِمٍ حَيْثُ كَانَ . 1100 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عُمَرَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ خَبِيثَتَيْنِ : الْبَصَلِ وَالثَّوْمِ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ . 1101 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأْكُلُونَ الثَّوْمَ وَالْبَصَلَ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُنْهَوْا عَنْ أَكْلِهِمَا ، وَلَكِنَّهُمْ أُبْعِدُوا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِهِمَا . 1102 - وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَغَيْرِهِ : فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُمَا وَذَلِكَ كُلُّهُ إِبَاحَةٌ لِأَكْلِهِمَا وَلِلتَّأَخُّرِ عَنِ الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ . 1103 - وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ أَنَّ كُلَّ مَا يُتَأَذَّى بِهِ كَالْمَجْذُومِ وَغَيْرِهِ يُبْعَدُ عَنِ الْمَسْجِدِ . 1104 - وَقَدْ شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ الْإِشْبِيلِيَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ ، أَفْتَى فِي رَجُلٍ شَكَاهُ جِيرَانُهُ ، وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ - بِأَنْ يُخْرَجَ عَنِ الْمَسْجِدِ وَيُبْعَدَ عَنْهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَمَا هَذَا وَقَدْ كَانَ فِي أَدَبِهِ بِالسَّوْطِ مَا يَرْدَعُهُ ؟ فَقَالَ : الِاقْتِدَاءُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْلَى ، وَنَزَعَ بِحَدِيثِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ . 1105 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ آكِلِ الثَّوْمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : بِئْسَ مَا صَنَعَ حِينَ أَكَلَ الثَّوْمَ وَهُوَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ . 1106 - وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْكُرَّاثُ كَالثَّوْمِ إِذَا وَجَدَ مِنْ رِيحِهَا مَا يُؤْذِيهِ . 1107 - وَفِي كَوْنِ الْخُضَرِ بِالْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا الزَّكَاةَ وَلَوْ أَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَتِ الْخُضْرَةُ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ مِنَ الْأَمْوَالِ ، كَمَا عُفِيَ عَنْ سَائِرِ الْعُرُوضِ الَّتِي لَيْسَتْ لِلتِّجَارَةِ . 1108 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْكِتَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
5 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ هَلَكَ وَلَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ 1396 - مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ دَيْنٌ ، عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ ، لَهُمْ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَيَأْبَى وَرَثَتُهُ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ مَعَ شَاهِدِهِمْ ، قَالَ : فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلُ ، فَتَرَكُوهَا ، إِلَّا أَنْ يَقُولُوا : لَمْ نَعْلَمْ لِصَاحِبِنَا فَضْلًا ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوا الْأَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِهِ . 31853 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَائِفَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : مَنْ يَقُولُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . وَالْأُخْرَى : الدَّافِعَةُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . وَهِيَ بِذَلِكَ أَحْرَى . 31854 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَحْلِفُ عِنْدَهُ الْوَارِثُ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي لَمَوْرُوثِهِ عَلَى دَيْنِهِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَحْلِفَ الْغَرِيمُ ، وَلَكِنْ إِذَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ كَانَ الْغُرَمَاءُ أَحَقَّ بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ . 31855 - ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَلَوْ أَتَى قَوْمٌ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ أَنَّ لِأَبِيهِمْ عَلَى فُلَانٍ حَقًّا ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى لَهُمْ ، فَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ مَعَ شَاهِدِهِ اسْتَحَقَّ مَوْرُوثَهُ ، وَوَصَّيْتُهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا ، أَوْ صَغِيرًا حَلَفَ الْحَاضِرُ الْبَالِغُ وَأَخَذَ حَقَّهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا ، فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَعْقِلَ ، فَيَحْلِفُ ، أَوْ يَمُوتُ ، فَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ يَحْلِفُ ، وَيَسْتَحِقُّ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ بِيَمِينٍ لِأَخِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلًّا إِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِيمَا وَرِثَ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ ، وَأَقَامَا عَلَيْهِ شَاهِدًا فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ إِلَّا الْأَلْفَ وَهِيَ الَّتِي يَمْلِكُ ، وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا قَضَى بِالْيَمِينِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ . 31856 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ بَالِغِينَ ، وَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا ، فَإِنَّ صَاحِبَنَا قَالَ : يَحْلِفُ غُرَمَاءُ الْمَيِّتِ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ ، وَلَا يَأْخُذُ مَنْ أَبَى الْيَمِينَ مِنَ الْوَرَثَةِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَقُولُوا فَذَكَرَ كَلَامَ مَالِكٍ إِلَى آخِرِهِ فِي الْمُوَطَّأِ . 31857 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبٌ ، وَأَحْسَبُهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْغَرِيمَ أَحَقُّ بِالْمَالِ مِنَ الْوَرَثَةِ ، فَيَحْلِفُ ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ . 31858 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى لِمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا الْحَقَّ لَهُ عَلَى آخَرَ بِيَمِينِهِ ، وَأَخَذَ حَقَّهُ ، فَإِنَّمَا أَعْطَى بِالْيَمِينِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِأَصْلِ الْحَقِّ ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ لِلْوَارِثِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَلَ مِلْكَ الْمَيِّتِ إِلَى الْوَارِثِ ، فَجَعَلَ يَقُومُ فِيهِ مَقَامَهُ بِقَدْرِ مَا فَرَضَ لَهُ . 31859 - قَالَ : وَلَيْسَ الْمُوصَى لَهُ ، وَلَا الْغَرِيمُ مِنَ الْوَارِثِ بِسَبِيلٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَرِيمَ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ الْعَبِيدِ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ الْمُتَوَفَّى شَيْءٌ ، وَأَنَّ الْغَرِيمَ لَوْ حَلَفَ ، وَطَرَأَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ كَانَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ الْغَرِيمِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ . 31860 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَنَقَلْتُ مِنْهُ مَا بِالنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ . 31861 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 31862 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا هَلَكَ رَجُلٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِفُ مَالَهُ ، فَأَبَى الْوَارِثُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ ، وَيَسْتَحِقُّ ، وَإِنْ حَلَفَ الْوَارِثُ مَعَ الشَّاهِدِ حَكَمَ بِالدَّيْنِ ، وَدُفِعَ إِلَى الْغَرِيمِ .
1433 7 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ 1398 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَحْدَهَا ، لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا ، أَوْ يُخَبِّبُوا أَوْ يُعَلَّمُوا ، فَإِنِ افْتَرَقُوا فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَشْهَدُوا الْعُدُولَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ . قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا . 31884 - وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَدَّلِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : لَمْ يَزَلْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ قَدِيمًا ، وَهُوَ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ رَأْيِ أَصْحَابِنَا فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا ، أَوْ يُخَبِّبُوا . 31885 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَلَا تَجُوزُ مِنْهُمْ إِلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ ، فَصَاعِدًا مِنَ الذُّكُورِ ، أَوْ غُلَامٍ وَجَارِيَتَيْنِ . 31886 - قَالَ : وَلَا تَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ ، وَإِنَّمَا الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، وَلَا يَجُوزُ مِنَ الصِّبْيَانِ وَاحِدٌ . 31887 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا . 31888 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي شَهَادَةِ الْجَوَارِي فِي الْجِرَاحِ ، وَشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ الْعَبِيدِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ ، وَاخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ . 31889 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ الْأَحْرَارِ جَائِزَةٌ فِي الْجِرَاحِ إِذَا لَمْ يَحْضُرْهُمْ كَبِيرٌ ، فَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ حَيْثُ يَكُونُ الرِّجَالُ . 31890 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ لَا تَجُوزُ حَيْثُ يَكُونُ الرِّجَالُ الْكِبَارُ الْعُدُولُ . 31891 - وَقَالَهُ سَحْنُونٌ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَجَازَهَا . 31892 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ إِذَا كَانُوا ذُكُورًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا . 31893 - قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي الْجِرَاحِ . 31894 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي إِجَازَةِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ ، وَالْأَصَحُّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُهَا إِذَا جِيءَ بِهِمْ مَنْ حَالِ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ وَنُزُولِ النَّازِلَةِ . 31895 - وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُجِزْهَا ، وَكَانَ لَا يَرَاهَا شَيْئًا . 31896 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِذَا أَتَوْا فِي الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَهْلُوهُمْ ، وَلَا يُجِيزُهَا عَلَى الرِّجَالِ . 31897 - وَالطُّرُقُ عَنْهُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ . 31898 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ ؛ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ؛ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ لَمْ تَذْكُرْ جِرَاحًا وَلَا غَيْرَهَا إِلَّا أَجَازَتْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ مُطْلَقَةً . 31899 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا فِي جَرَّاحٍ ، وَلَا غَيْرِهَا بِحَالٍ ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقُوا . قَالُوا : وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِشَهَادَةِ مَنْ يَرْضَى ، وَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ إِذَا فَارَقَ مَكَانَهُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلَّمَ وَيُخَبَّبَ ؟ وَمَنْ لَا يَرْضَى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَجَازَهَا ، قِيلَ لَهُ : ابْنُ عَبَّاسٍ رَدَّهَا ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِهَا . 31900 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُجِزْهَا وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا - ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِعَدْلٍ ، وَلَا رَضِيٍّ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الشَّهَادَةِ : وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَلَيْسَ الصَّبِيُّ كَذَلِكَ ؟ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . 31900 م - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَاضٍ لِابْنِ الزُّبَيْرِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ ، فَقَالَ : لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّنْ يُرْضَى ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِرَضِيٍّ . 31901 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ ؟ فَلَمْ يُجِزْهَا ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا . 31902 - قَالَ مَعْمَرٌ ؛ وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ : تُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ، ثُمَّ تُقَرُّ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّبِيُّ ، ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ حَفِظَهَا جَازَتْ . 31903 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : زَعَمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، وَصَالِحٌ أَنْ لَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ شَهَادَةٌ . 31904 - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ . 31905 - وَقَوْلُ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ . 31906 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
1424 36 - كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ 1 - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ 1388 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ . 31566 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا عَلَى هِشَامٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ : الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ ، عَنْ أُمِّهَا - أَمِّ سَلَمَةَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 31567 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 31568 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ، وَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَعْرِفُونَ بِهَذَا ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ دَعْوَى ذَلِكَ ؟ وَهَلْ يَحْصُلُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَ مُدَّعِيهِ إِلَّا التَّخَرُّصُ ، وَالتَّظَنُّنُ بِالنَّجَامَةِ ، أَوْ بِالتَّكَهُّنِ ، الَّذِي هُوَ كُلُّهُ إِلَّا يَسِيرٌ مِنْهُ ظَنٌّ كَذِبٌ ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا عِلْمٌ صَحِيحٌ مُتَيَقِّنٌ مُتَبَيَّنٌ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31569 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ يَعْنِي : أَفْطَنَ لَهَا ، وَأَجْدَلَ بِهَا . 31570 - قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : اللَّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ : الْفِطْنَةُ ، وَاللَّحْنُ بِجَزْمِ الْحَاءِ الْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ . 31571 - وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِي إِنَّمَا يَقْضِي عَلَى الْخَصْمِ بِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ مِنْ إِقْرَارٍ ، أَوْ إِنْكَارٍ أَوْ بَيِّنَاتٍ عَلَى حَسَبِ مَا أَمْكَنَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ . 31572 - وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِكُلِّ مَا يُقِرُّ بِهِ عِنْدَهُ - الْمُقِرُّ لِمَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَقْضِيَ لَهُ بِمَعْنَى أَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، يُرِيدُ أَوْ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ مِمَّا يَحْتَاجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ . 31573 - وَلَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِمَا قَدِ اسْتَوْعَبَ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ جَحَدَ الْمُقِرُّ إِقْرَارَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَهُ ذَلِكَ شَهِيدَانِ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْحَاكِمِ الْقَضَاءُ بِمَا سَمِعَ حَضَرَهُ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ . 31574 - هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ . 31575 - وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ الْعَدْلِ ، وَغَيْرِهِ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنْ يَنْفُذَ عِلْمُهُ فِي ذَلِكَ دُونَ شَهَادَتِهِمْ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 31576 - وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا رَدٌّ وَإِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ بِالْهَوَى ، وَبِالظُّنُونِ أَيْضًا . 31577 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ . 31578 - وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ ؛ لِقَوْلِهِ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ ، أَوْ مِنْ قِصَّتِهِ . 31579 - قَالَ : وَإِنَّمَا تُعُبِّدْنَا بِالْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ ، وَالْإِقْرَارِ ، وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ، وَذَلِكَ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْمُقِرِّ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ . 31580 - وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ إِنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ الْبَيِّنَاتُ ، أَوْ إِقْرَارُ مَنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ . 31581 - وَالْعِلَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ دُونَ الْعِلْمِ التُّهْمَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا قَضَى بِعِلْمِهِ كَانَ مُدَّعِيًا عِلْمَ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ . 31582 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ قَاتِلٌ عَمْدًا ، وَالْقَاتِلُ عَمْدًا لَا يَرْثُ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ فِي وِرَاثَتِهِ . 31583 - وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ - حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ ، فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا ، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . 31584 - وَهَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ بِمَا عَلِمَ مِنْهُمْ ، وَلَا قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُمْ . 31585 - وَهَذَا مُعْظَمُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ . 31586 - وَأَمَّا مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ مِنْهُمُ : الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّ ، وَسَنَذْكُرُهُمْ بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 31587 - فَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ مُسْتَيْقِنٌ قَاطِعٌ لِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا عَلِمَهُ عِلْمَ يَقِينٍ ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَاذِبَةً ، وَوَاهِمَةً ، وَعِلْمُهُ بِالشَّيْءِ أَوْكَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ فِي عِلْمِهِ الشَّكُّ ، وَالِارْتِيَابُ . 31588 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ ، وَيُسْقِطَ الْعُدُولَ بِعِلْمِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ . 31589 - وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يُنْفِذُ عِلْمَهُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ ، وَلَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ ، وَيَرُدُّهَا بِعِلْمِهِ . 31590 - وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ - حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . 31591 - وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ 31592 - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يُكَلِّفْهَا بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ صِدْقَ قَوْلِهَا مِنْ قِبَلِ زَوْجِهَا ، وَحَالِهِ الَّتِي عَرَفَ مِنْهُ . 31593 - وَقَالُوا : إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ ، وَالْبَيِّنَةِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ عِلْمُهُ ، فَإِنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِعِلْمِهِ . 31594 - وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُنَازَعَاتٌ أَكْثَرُهَا تَشْغِيبٌ . 31595 - وَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مُخْتَلِفُونَ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ ذَلِكَ . 31596 - وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، فِيمَا قَضَى بِهِ عِلْمُهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ - مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، جَمِيعًا بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ؛ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا ، وَكَذَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَعِبْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ ، فَإِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ ، فَأْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، أَتَاهُ الْمَخْزُومِيُّ بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا سُفْيَانَ : انْهَضْ بِنَا إِلَى مَوْضِعِ كَذَا ، فَنَهَضُوا ، وَنَظَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ! خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هُنَا ، فَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ ، فَعَلَاهُ عَمَرُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ خُذْهُ - لَا أُمَّ لَكَ - وَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّكَ قَدِيمُ الظُّلْمِ ، فَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَجَرَ ، وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَّبْتَ عَلَيَّ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ ، فَأَذْلَلْتَهُ لِي بِالْإِسْلَامِ ، قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، الَّذِي لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْإِسْلَامِ مَا ذَلَلْتُ بِهِ لِعُمَرَ . 31597 - فَفِي هَذَا الْخَبَرِ قَضَاءُ عُمَرَ بِعِلْمِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ . 31598 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ عَلِمَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فِي مِصْرِهِ كَانَ أَوْ غَيْرِ مِصْرِهِ ، لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ بِعِلْمِهِ . 31599 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ ، أَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ ، وَمَا عَلِمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتُقْضِيَ ، أَوْ رَآهُ بِمِصْرِهِ قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ قَاضٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ فِيمَا يَقْضِي بِهِ غَيْرُهُ . 31600 - وَهَذَا الْقَوْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ اجْتِمَاعِ السَّلَفِ ، وَجُمْهُورِهِمْ ، عَلَى أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ . 31601 - وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ ، لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَلَا فِيمَا عَلِمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَا فِيمَا رَآهُ بِمِصْرِهِ ، وَلَا بِغَيْرِ مِصْرِهِ . 31602 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : حُقُوقُ النَّاسِ ، وَحُقُوقُ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْحُدُودُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، جَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِعِلْمِهِ . 31603 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِمَا عَلِمَهُ ، لَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَلَا بَعْدَهَا ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ ، أَوِ الْإِقْرَارِ . 31604 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 31605 - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ . 31606 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِيجَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ دُونَ إِعْمَالِ الظَّنِّ ، وَالِاسْتِحْسَانِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمَا ، وَمَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَنَفَاهُ صَاحِبُهُ ، وَأَحْلَفَهُمَا بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ حَامِلًا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّبَهَ قَدْ يُنْتَزَعُ عَنْهُ ، وَقَدْ لَا يُنْتَزَعُ ، بَلْ أَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْهَا ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الظَّنِّ ، وَلَا أَوْجَبَ بِالشُّبْهَةِ حُكْمًا ، وَلَا رَدَّ بِهِ قَضَاءً سَلَفَ مِنْهُ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الظَّاهِرُ . 31607 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ بِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَعْتَدُّ بِهِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ . 31608 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ صَحِيحٌ ، كَمَا وَصَفْنَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 31609 - وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ ، أَوْ عَقْدِهَا بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ الْحَكَمُ وَهُوَ خِلَافُ الْبَاطِنِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : الْأَمْوَالُ ، وَالْفُرُوجُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَهِيَ حُقُوقٌ كُلُّهَا لَا يُحِلُّ مِنْهَا الْقَضَاءُ الظَّاهِرُ مَا هُوَ حَرَامٌ فِي الْبَاطِنِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، وَلَمْ يَخُصَّ حَقًّا مِنْ حَقٍّ . 31610 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ . 31611 - وَقَالُوا فِي رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَقَبِلَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا عِنْدَهُ وَهُمَا قَدْ تَعَمَّدَا الْكَذِبَ ، فَفَرَّقَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ الرَّجُلِ ، وَامْرَأَتِهِ ، ثُمَّ اعْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ : إِنَّهُ جَائِزٌ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَهَادَتِهِ كَاذِبًا . 31612 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ الشَّاهِدُ ، وَغَيْرُهُ سَوَاءً ؛ لِأَنَّ قضاء الْقَاضِيَ ، وَحُكْمَهُ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهَا مِنْهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا حَلَّتْ لِزَوْجٍ غَيْرِهِ . 31613 - وَاحْتَجُّوا بِحُكْمِ اللِّعَانِ ، وَقَالُوا : مَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنَّمَا وَصَلَتْ إِلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا بِاللِّعَانِ الْكَاذِبِ الَّذِي لَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهَا فِيهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، وَلَا حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهَا : الْجَلْدِ ، أَوِ الرَّجْمِ . 31614 - قَالُوا : فَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلَا يَأْخُذْهُ . 31615 - قَالُوا : أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ ، أَوِ بِالطَّلَاقِ ، وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ ، وَجَازَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ ، وَلَزِمَهُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَكَانَتْ فُرْقَتُهُ بِالظَّاهِرِ فُرْقَةً عَامَّةً ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كذلك دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ . 31616 - وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ بِالزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إِذَا عَلِمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1425 1389 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ . فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ : وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ : إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ ، إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ . يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ ، مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ . فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ ، عَرَجَا وَتَرَكَاهُ . 31617 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا ضَرَبَ عُمَرُ الْيَهُودِيَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ كَرِهَ مَدْحَهُ ، وَتَزْكِيَتَهُ لِحُكْمِهِ فِي وَجْهِهِ . 31618 - وَأَمَّا جَوَابُ الْيَهُودِيِّ لَهُ بَعْدَ ضَرْبِهِ إِيَّاهُ ، فَقَوْلُهُ لَهُ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ فَلَيْسَ عِنْدِي بِجَوَابٍ ؛ لِقَوْلِهِ وَمَا يُدْرِيكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31619 - وَلَكِنَّ الْيَهُودِيَّ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ مَدْحَهُ لَهُ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَجِدُ فِي كُتُبِهِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - يُعِينُ الْقَاضِيَ عَلَى الْحَقِّ ، وَيُسَدِّدُ لَهُ وَيُوَفِّقُهُ لِإِصَابَتِهِ إِذَا أَرَادَهُ ، وَقَصَدَهُ ، وَمِنْ عَوْنِهِ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْمَلَكَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَعَنْ شِمَالِهِ لِتَسْدِيدِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ تَرْغِيبٌ ، وَنَدْبٌ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ مَالِكٌ الْبَابَ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 31620 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ ، وَيَهُودِيٌّ ، فَرَأَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ ، فَقَضَى لَهُ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : وَاللَّهِ إِنَّ الْمَلَكَيْنِ ؛ جِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ لَيَتَكَلَّمَانِ بِلِسَانِكَ ، وَإِنَّهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ ، فَضَرَبَهُ عَمَرُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ لَهُ : لَا أُمَّ لَكَ ! مَا يُدْرِيكَ ؟ قَالَ : إِنَّهُمَا مَعَ كُلِّ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ ، مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا ، وَتَرَكَاهُ . فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَبْعَدْتَ . 31621 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ ، وَالْكَافِرَ ، وَالذِّمِّيَّ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا ، وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ . 31622 - وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ إِلَّا مِنْ أَدَبٍ ، فَافْعَلْهُ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ ، وَأَنَّ الَّذِي يَرْضَى بِأَنْ يُمْدَحَ فِي وَجْهِهِ ضَعِيفُ الرَّأْيِ . 31623 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : سَمِعَ رَجُلًا يَمْدَحُ رَجُلًا ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا إِنَّكَ لَوْ صَنَعْتَهُ ، لَقَطَعْتَ ظَهْرَهُ . 31624 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الْمَدْحُ فِي الْوَجْهِ هُوَ الذَّبْحُ . 31625 - وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ . 31626 - وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ . 31627 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِي الْمُوَاجَهَةِ وَفِيهِ تَرْكُ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ كِتَابِهِمْ ، فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ؛ لِئَلَّا يُصَدَّقَ بِبَاطِلٍ ، أَوْ يُكَذَّبَ بِحَقٍّ . 31628 - قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، وَحَدِّثُوا عَنِّي ، وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ . 31629 - وَقَدْ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . 31630 - حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيِّ ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ . 31631 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُورِثُ الضَّغَائِنَ بَيْنَ النَّاسِ . 31632 - وَعَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَمْ أَرَ شُرَيْحًا أَصْلَحَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ قَطُّ إِلَّا امْرَأَةً اسْتَوْدَعَهَا رَجُلٌ شَيْئًا ، فَنَقَلَتْ مَتَاعَهَا ، فَضَاعَ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا . 31633 - وَسُفْيَانُ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا بِالْحَقِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ . 31634 - سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا بِحَقٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ . 31635 - سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِذَا جَاءَكَ أَمْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَاقْضِي بِهِ ، وَلَا يَلْفِتَنَّكَ عَنْهُ الرِّجَالُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِيمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِيمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، وَأَئِمَّةُ الْعَدْلِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَامِرَنِي ، وَلَا أَرَى مُؤَامَرَتَكَ ، فَإِنِّي لَا أُسَلِّمُ لَكَ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ . 31636 - وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : سُئِلَ مَالِكٌ أَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ ؟ فَقَالَ لَا ، إِلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ عِوَضٌ ، قِيلَ لَهُ : أَيُجْبَرُ بِالْحَبْسِ ، وَالضَّرْبِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ لَهُ ، فَالْفُتْيَا ؟ قَالَ : لَا يَجُوزُ الْفُتْيَا إِلَّا لِمَنْ عَلِمَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ . قِيلَ لَهُ : اخْتِلَافُ أَهْلِ الرَّأْيِ ؟ قَالَ : لَا ، اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعْلَمُ النَّاسِخَ ، وَالْمَنْسُوخَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَالْحَدِيثِ . 31637 - وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1455 23 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ 1421 - قَالَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَؤونَ وَلَائِدَهُمْ ، ثُمَّ يعزلوهن ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا ، إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَاعْزِلُوا بَعْدُ ، أَوِ اتْرُكُوا . 1422 - مَالِكُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَؤونَ وَلَائِدَهُمْ ، ثُمَّ يَدْعُوهُنَّ يَخْرُجْنَ ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا ، إِلَّا قَدْ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ ، أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ . 32433 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا عَلَى الْقَوْلِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالْعَزْلُ عِنْدَهُمْ وَغَيْرُ الْعَزْلِ سَوَاءٌ إِذَا أَقَرَّ بِالْوَطْءِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَهُ اسْتِبْرَاءً . 32434 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِمَا وَصَفْنَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِبْرَاءُ ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ قَدْ تَحِيضُ ، وَمَتَى جَاءَتِ الْأَمَةُ الَّتِي أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا أُلْحِقَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ . 32435 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ امْرَأَتَانِ عَدْلَانِ عَلَى أَنَّهَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 32436 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ يَشْهَدْنَ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ إِلَّا مَعَ رَجُلٍ فِي الدُّيُونِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا . 32437 - وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ وَعَلَى عُيُوبِ النِّسَاءِ ، فَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِالْقَوْلِ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ . 32438 - وَتَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي ذَلِكَ . 32439 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَلَا يُلْحِقُ عِنْدَهُمْ وَلَدُ الْأَمَةِ إِلَّا بِدَعْوَى السَّيِّدِ لَهُ ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا أَوْ لَمْ تُقِرَّ مَتَى نَفَاهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ عِنْدَهُمْ كَانَتْ مِمَّنْ يَخْرُجُ ، وَيَتَصَرَّفُ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ . 32440 - وَسَلَفُ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، كَمَا أَنَّ سَلَفَ أَهْلِ الْحِجَازِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ . 32441 - رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي جَارِيَةً لَهُ فَحَمَلَتْ ، فَقَالَ : لَيْسَ مِنِّي ، إِنِّي أَتَيْتُهَا إِتْيَانًا لَا أُرِيدُ بِهِ الْوَلَدَ . 32442 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي الْعَزْلَ . 32443 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ جَارِيَةٍ فَارِسِيَّةٍ ، فَجَاءَتْ بِحَمْلٍ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ وَلَدَكِ . 32444 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : وَلَدَتْ جَارِيَةٌ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنِّي ، وَإنِّي كُنْتُ أَعْزِلُ عَنْهَا . 32445 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْكُوفِيِّينَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بِمَا قَدْ نَقَضَهُ الشَّافِعِيُّونَ ، فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا . 32446 - وَيَجُوزُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فِي الْوِلَادَةِ ، وَفِي عُيُوبِ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ سَلَفٌ قَالُوا بِقَوْلِهِمْ ، وَعَدَدُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ أَصُولٌ فِي أَنْفُسِهَا لَا مَدْخَلَ لِلنَّظَرِ وَالْقِيَاسِ فِيهَا .
32447 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا جَنَتْ جِنَايَةً ، ضِمْنَ سَيِّدُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا . 32448 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جِنَايَةِ أَمِّ الْوَلَدِ : 32449 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالُوا : لَا سَبِيلَ إِلَى إِسْلَامِ أَمِّ الْوَلَدِ بِجِنَايَتِهَا ، وَعَلَى السَّيِّدِ الْأَقَلُّ مَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، أَوْ قِيمَةُ رَقَبَتِهَا إِنْ جَنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ قِيمَتِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً ، وَكَذَلِكَ ثَالِثَةً وَرَابِعَةً ، وَأَكْثَرَ . 32450 - وَهُوَ قَوْلُ زَفَرَ . 32451 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهَا لَا تَسْلَمُ بِجِنَايَتِهَا ، وَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْدِيَهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، فَإِنْ عَادَتْ فَجَنَتْ ، فَلَهُ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : كَقَوْلِ مَالِكٍ . وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ شَرِيكًا لِلْأَوَّلِ فِيمَا أَخَذَ مِنْ قِيمَتِهَا إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ قَدِ اسْتَوْفَى قِيمَتَهَا كُلَّهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتَوْفَاهَا غَرِمَ السَّيِّدُ بَقِيَّةَ قِيمَتِهَا ، وَرَجَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَشَارَكَهُ بِبَاقِي أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا جَنَتْ أَيْضًا . 32452 - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهَا سَيِّدُهَا أَبَدًا لِجِنَايَتِهَا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْتَدِيَهَا بِالْأَقَلِّ مَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، أَوْ قِيمَةِ رَقَبَتِهَا ، فَإِنْ جَنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ شَرِيكُ الْأَوَّلِ . 32453 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي جِنَايَةِ أَمِّ الْوَلَدِ : يُخَيَّرُ مَوْلَاهَا بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهَا جِنَايَتَهَا وَبَيْنَ رَقَبَتِهَا ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُخَلِّيَهَا سَعَى فِي قِيمَتِهَا لَيْسَ عَلَى الْمَوْلَى . 32454 - وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : سَأَلْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ قَتَلَتْ رَجُلًا ؟ فَقَالَ لِمَوْلَاهُ : أَدِّ دِيَةَ قَتِيلِهَا ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا أَعْتَقَهَا عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ دِيَةَ قَتِيلِهَا عَلَى عَاقِلَتِهَا . 32455 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَلَا يَقُولُ بِعِتْقِهِنَّ .
1435 1400 - عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ . قَالُوا : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ . قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . 31916 - وَهَذَا أَيْضًا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ اقْتِطَاعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ مِنْبَرِهِ . 31917 - قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ : عَلَى مِنْبَرِي ؟ يُرِيدُ عِنْدَ مِنْبَرِي . 31918 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي . تَخْصِيصٌ مِنْهُ لِمِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ ، وَفَصْلٌ لَهُ ، ثُمَّ عَمَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي اقْتِطَاعِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ بِالْوَعِيدِ أَيْضًا - عَصَمَنَا اللَّهُ ، وَوَفَّقَنَا لِمَا يَرْضَاهُ . 31919 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ هَذَا الْمَعْنَى فِي اقْتِطَاعِ مَالِ الْمُسْلِمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْبَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرَهُ . 31920 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ فيها كَاذِبٌ ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ . 31921 - قَالَ : فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ : مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْنَا : كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : صَدَقَ فِيَّ نَزَلَتْ ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَيِّنَتَكُ ، فَلَمْ تَكُنْ لِي بَيِّنَةٌ ، فَقَالَ لَهُ : احْلِفْ قُلْتُ : إِذَنْ يَحْلِفُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ ، فَنَزَلَتْ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ الْآيَةَ ، وَرَوَاهُ مَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ .
1434 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِنْثِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1399 - مَالِكٌ ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . 31907 - وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ : هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ ، وَهُوَ : هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ أَبُو ضَمْرَةَ - أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ - وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَشُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ السَّكُونِيُّ . 31908 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَاشِمَ بْنَ هَاشِمٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، هُوَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ هَاشِمٍ . 31909 - وَقَدْ جَعَلَهُمَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَاحِدًا ، فَقَالَ : هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ ، رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . 31910 - وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نِسْطَاسٍ ، فَهُذَلِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ . 31911 - قَالَ مُصْعَبٌ : كَانَ أَبُوهُ - نِسْطَاسٌ - مَوْلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ . 31912 - وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَطَائِفَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا ، فَالْيَمِينُ آثِمَةٌ . 31913 - وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْإِثْمِ فِي الْوَعِيدِ دُونَ الْبِرِّ . 31914 - وَمَذْهَبُنَا فِي الْوَعِيدِ كُلِّهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ 31915 - وَمِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا .
1456 24 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ 1423 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ . 1424 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 32456 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ ، فَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ آخَرُونَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، اضْطَرَبُوا فِيهِ عَلَى هِشَامٍ كَثِيرًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَتَيْنَا بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لَهُ ، ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32457 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، قَالَ : خَاصَمَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَرْضٍ حَازَهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنْ أَحْيَا مِنْ مَيِّتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَحْيَا شَيْئًا مِنْ مَيِّتِ الْأَرْضِ فَهُوَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . قَالَ عُرْوَةُ : قَالَ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ أَنْ يَنْطَلِقَ الرَّجُلُ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ ، فَيَغْرِسَهَا . 32458 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ ، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا . قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا ، وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤوسِ ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا . 32459 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الْآمِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ الْأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ . 32460 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ يَقْضِيَانِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَسْنَدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَيَشْهَدُ ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافُ الَّذِينَ أَسْنَدُوهُ فِي إِسْنَادِهِ . 32461 - وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَكَثِيرٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ . 32462 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ : أَنَّهُ الْغَرْسُ فِي أَرْضِ غَيْرِكَ . 32463 - عَلَى هَذَا خَرَجَ اللَّفْظُ الْمَقْصُودُ بِهِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ فَلَهُ حُكْمُهُ ، وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ عُرْوَةُ ، وَهِشَامٌ ، وَمَالِكٌ . 32464 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ؛ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، قَالَ : قَالَ هِشَامٌ : الْعِرْقُ الظَّالِمُ أَنْ يَغْرِسَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ؛ لِيَسْتَحِقَّهَا بِذَلِكَ . 32465 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا أُخِذَ ، وَاحْتُكِرَ ، وَاغْتُرِسَ فِي غَيْرِ حَقٍّ . 32466 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ، فَالْمَيِّتَةُ الْبُورُ الشَّامِخُ مِنَ الشَّعْوَاءِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا . 32467 - وَإِحْيَاؤُهَا أَنْ يَعْمَلَ حَتَّى تَعُودَ أَرْضًا بَيْضَاءَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَزْرُوعَةً بَعْدَ حَالِهَا الْأَوَّلِ ، فَإِنْ غَرَسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ زَرَعَهَا ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِحْيَائِهَا . 32468 - وَهُوَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَاخْتُلِفَ فِي التَّحْجِيرِ عَلَيْهَا بِالْحِيطَانِ ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِحْيَاءً لَهَا أَمْ لَا ؟ : 32469 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَعْرِفُ مَالِكٌ التَّحْجِيرَ إِحْيَاءً ، وَلَا مَا رُوِيَ : مَنْ حَجَرَ أَرْضًا ، وَتَرَكَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَإِنْ أَحْيَاهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا . لَا يَعْرِفُ مَالِكٌ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْإِحْيَاءُ عِنْدَهُ فِي مَيِّتِ الْأَرْضِ : شَقُّ الْأَنْهَارِ ، وَحَفْرُ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ ، وَغَرْسُ الشَّجَرِ ، وَالْحَرْثُ . 32470 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَوْ نَزَلَ قَوْمٌ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْبَرِّيَّةِ ، فَجَعَلُوا يَزْرَعُونَ مَا حَوْلَهَا ، فَذَلِكَ إِحْيَاءٌ لَهَا ، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ مَا أَقَامُوا عَلَيْهَا . 32471 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَوَاتِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ بِاكْتِسَابٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ ، وَأَمَّا مَا عُرِفَ لَهُ مَالِكٌ بِاكْتِسَابٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ ، فَلَيْسَ مِنَ الْمَوَاتِ الَّذِي يُعْرَفُ يَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهُ . 32472 - وَقَدْ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى دَثَرَتْ ، وَطَالَ زَمَانُهَا ، وَهَلَكَتِ الْأَشْجَارُ ، وَتَهَدَّمَتِ الْآبَارُ ، وَعَادَتْ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ ، ثُمَّ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ ، فَهِيَ لِمُحْيِيهَا الثَّانِي ، بِخِلَافِ مَا يَمْلِكُهُ بِخَطِّهِ أَوْ شِرَاءٍ . 32473 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ شَيْئَانِ : عَامِرٌ وَمَوَاتٌ ، فَالْعَامِرُ لِأَهْلِهِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَامِرُ مِنْ قِنَاءٍ وَطَرِيقٍ ، وَسُبُلِ مَاءٍ وَغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَالْعَامِرِ فِي أَنْ لَا يَمْلِكَ عَلَى أَهْلِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ . 32474 - قَالَ : وَالْمَوَاتُ شَيْئَانِ : 32475 - مُوَاتٌ قَدْ كَانَ عَامِرًا لِأَهْلِهِ ، مَعْرُوفًا فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ ذَهَبَتْ عَنْهُ عِمَارَتُهُ ، فَصَارَ مَوَاتًا ، فَذَلِكَ كَالْعَامِرِ هُوَ لِأَهْلِهِ أَبَدًا ، لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ . 32476 - وَالْمَوَاتُ الثَّانِي : مَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَا عُمِّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عِمَارَةً وَرِثَتْهَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَذَلِكَ الْمَوَاتُ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ لَهُ . 32477 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْإِحْيَاءُ مَا عَرَفَهُ النَّاسُ إِحْيَاءً لِمِثْلِ الْمُحْيَا إِنْ كَانَ مَسْكَنًا فَأَنْ يَبْنِيَ بِنَاءً مِثْلَهُ ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ . 32478 - قَالَ : وَأَقَلُّ عِمَارَةِ الْأَرْضِ الزَّرْعُ فِيهَا ، وَحَفْرُ الْبِئْرِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . 32479 - قَالَ : وَمَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ، وَجَحَدَهَا وَلَمْ يُعَمِّرْهَا ، رَأَيْتُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقُولَ لَهُ : إِنْ أَحْيَيْتَهَا ، وَإِلَّا خَلَّيْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ يُحْيِيهَا ، فَإِنْ تَأَجَّلَهُ رَأَيْتُ أَنْ يَفْعَلَ . 32480 - قَالَ : فَإِذَا أَحْيَا الْأَرْضَ بِمَا تُحْيَى بِهِ مَلَكَهَا مِلْكًا صَحِيحًا لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُ أَبَدًا ، وَلَا عَنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ إِلَّا بِمَا تَخْرُجُ بِهِ الْأَمْلَاكُ عَنْ أَرْبَابِهَا . 32481 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَمَذْهَبُهُ أَنَّ كُلَّ الْأَرْضِ يَمْلِكُهَا مُسْلِمٌ ، أَوْ ذِمِّيٌّ ، لَا يَزُولُ مِلْكُهَا عَنْهَا بِخَرَابِهَا ، وَكُلُّ مَا قَرُبَ مِنَ الْعُمْرَانِ فَلَيْسَ بِمُوَاتٍ ، وَمَا بَعُدَ مِنْهُ فَلَمْ يُمْلَكْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوَاتٌ . 32482 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ . 32483 - وَذَكَرَ أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَوَاتَ هُوَ الَّذِي إِذَا وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى أَدْنَاهُ مِنَ الْعَامِرِ ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ فِي أَقْرَبِ الْعَامِرِ إِلَيْهِ . 32484 - وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَحْتَاجُ فِي إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ ، أَمْ لَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ لِلْمَوَاتِ إِلَّا بِإِقْطَاعٍ مِنَ الْإِمَامِ ؟ . 32485 - فَقَالَ مَالِكٌ : أَمَّا مَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحَازُ ، وَلَا يُعَمَّرُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ فَلَكَ أَنْ تُحْيِيَهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ . 32486 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، وَلَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ لَهُ إِيَّاهُ . 32487 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّمْلِيكُ مِنَ الْإِمَامِ هُوَ إِقْطَاعُهُ لِمَنْ أَقْطَعَهُ إِيَّاهُ . 32488 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ ، فَقَدْ مَلَكَهُ ، أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ . 32489 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَعَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا أَثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ سُلْطَانٍ ، أَوْ غَيْرِهِ . 32490 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ ، وَقَوْلُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 32491 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنْ مَلَّكَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا ، فَأَحْيَاهُ ، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَوَاتِ إِلَى الْعُمْرَانِ فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ ثَلَاثِ سِنِينَ ، ثُمَّ مَلَكَهُ فِيهِ ، وَإِنْ تَرْكَهُ وَلَمْ يُعَمِّرْهُ حَتَّى مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ بَطَلَ إِقْطَاعُ الْإِمَامِ إِيَّاهُ ذَلِكَ ، وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ إِقْطَاعِ الْإِمَامِ ذَلِكَ . 32492 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمَا فِي ذَلِكَ حَدٌّ ، وَإِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادُ الْإِمَامِ يُؤَجِّلُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ ، فَإِنْ عَمَّرَهُ ، وَإِلَّا يُقْطِعُهُ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُعَمِّرُهُ . 32493 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ مَنْ حَجَرَ عَلَى مَوَاتٍ فَقَدْ مَلَكَهُ . 32494 - وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سُمْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهُوَ لَهُ . 32495 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَتَحَجَّرُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَيْسَتْ لِأَحَدٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ . 32496 - وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّ التَّحْجِيرَ غَيْرُ الْإِحْيَاءِ عَلَى مَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ . 32497 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ ، أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا ، فَعَطَّلُوهَا ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَّرُوهَا ، فَخَاصَمَهُمْ أَصْحَابُ الْأَرْضِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ كَانَتْ قَطِيعَةً مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَوْ مِنِّي لَمْ أَرُدَّهَا إِلَيْكُمْ ، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ أَرُدَّهَا ، فَرَدَّهَا إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : مَنْ أَقْطَعَ أَرْضًا ، فَعَطَّلَهَا صَاحِبُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ ، ثُمَّ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .
1458 25 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمِيَاهِ 1425 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنبٍ : يُمْسَكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسَلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ . 32498 - لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 32499 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ كُبَرَاءَهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ لَهُ سَهْمٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَخَاصَمَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَهْزُورٍ - يَعْنِي السَّيْلَ الَّذِي يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُ فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْمَاءَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، لَا يَحْبِسُ الْأَعْلَى عَنِ الْأَسْفَلِ . 32500 - وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ بِمِصْرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ صَالِحِ بْنِ صَفْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ أَهْلُ مَهْزُورٍ ، فَقَضَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَحْبِسِ الْأَعْلَى . 32501 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ . 32502 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ ذِكْرٌ مُذَيْنِبٍ ، وَمَهْزُورٍ ؛ وَادِيَانِ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفَانِ يَسْتَوِيَانِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ ، وَيَتَنَافَسُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي سَيْلِهِمَا ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَيْلِهِمَا أَنَّهُ لِلْأَعْلَى فَالْأَعْلَى ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى السَّيْلِ فَالْأَقْرَبُ يُمْسِكُ الْأَعْلَى جَمِيعَ الْمَاءِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ مِمَّنْ يَلِيهِ . 32503 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : نَظَرْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ ، فَكَانَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . 32504 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : حَتَّى يَبْلُغَ الْجُدُرَ كَلَامٌ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ فِي خُصُومَةٍ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ . 32505 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَا يُرْسَلُ الْأَعْلَى مِنَ الْمَاءِ عَلَى الْأَسْفَلِ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَاءِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . 32506 - فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَصْرِفُ الْأَعْلَى مِنَ الْمَاءِ مَا زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْكَعْبَيْنِ إِلَى مَنْ يَلِيهِ ، وَالَّذِي يَلِيهِ كَذَلِكَ أَيْضًا ، هَكَذَا أَبَدًا مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ . 32507 - قَالَ : وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : بَلْ يُرْسَلُ الْمَاءُ كُلُّهُ إِذَا بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ إِلَى جَارِهِ الَّذِي تَحْتَهُ ، وَلَا يَحْبِسُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ الَّذِي تَحْتَهُ بِالَّذِي يَلِيهِ أَيْضًا إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ أَرْسَلَ الْمَاءَ كُلَّهُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ . 32508 - وَرَوَى زِيَادٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : تَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجِدَ فِي الْأَوَّلِ الَّذِي حَائِطُهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَاءِ يَجْرِي الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ إِلَى حَائِطِهِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِي السَّاقِيَةِ إِلَى حَدِّ كَعْبَيْهِ ، فَيُجْزِئُهُ كَذَلِكَ فِي حَائِطِهِ حَتَّى يَرْوِيَهُ ، ثُمَّ يَفْعَلُ الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِكَ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِكَ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ شَيْءٌ . 32509 - قَالَ : وَهَذِهِ السُّنَّةُ فِيهِمَا ، وَفِيمَا يُشْبِهُهُمَا مِمَّا لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا حَقٌّ مُعَيَّنٌ ، الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِالتَّبْدِئَةِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ إِلَى آخِرِهِمْ رَجُلًا .
1461 26 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ 1428 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . 32510 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ مُرْسَلًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مُسْنَدًا . 32511 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ ؛ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ - قُبَيْطَةُ - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُعَاذٍ النَّصِيبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، مَنْ أَضَرَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ . 32512 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ ، قِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ : أحدَهَا : أَنَّهُمَا لَفْظَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَتَكَلَّمَ بهمَا جَمِيعًا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : بَلْ هُمَا بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَضُرُّ أَحَدٌ أَحَدًا ابْتِدَاءً ، وَلَا يَضُرُّهُ إِنْ ضَرَّهُ ، وَلْيَصْبِرْ ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ ، وَإِنِ انْتَصَرَ ، فَلَا يَعْتَدِي وَنَحْوُ هَذَا كَمَا قَالَ : وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ، يُرِيدُ بِأَكْثَرَ مِنَ انْتِصَارِكَ مِنْهُ بِالسَّوَارِ ، أَوْ لَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . 32513 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الضَّرَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الِاسْمُ ، وَالضِّرَارُ الْفِعْلُ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى : لَا يُدْخِلُ عَلَى أَحَدٍ ضِرَرًا لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَعْنَى لَا ضِرَارَ لَا يُضَارُّ أَحَدٌ بِأَحَدٍ هَذَا مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ . 32514 - وَقَالَ الْخُشَنِيُّ : الضَّرَرُ الَّذِي لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَالضِّرَارُ مَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ . 32515 - وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32516 - وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌ مُتَصَرِّفٌ فِي أَكْثَرِ أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَكَادُ أَنْ يُحَاطَ بِوَصْفِهِ إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَنْزِعُونَ بِهِ فِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي أَبْوَابِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا طَرَفًا دَالًّا عَلَى مَا سِوَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 32517 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمُقْرِئُ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدِ بْنِ ثَرْثَالٍ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ الْكُوفِيُّ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ الشُّجَاعِيُّ الْبَلْخِيُّ - قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، أَوْ مَاكَرَهُ . 32518 - أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي حَائِطِ جَارِهِ .
1462 1429 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . 32519 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ إِسْنَادٌ آخَرُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 32520 - وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، فَلَا يَمْنَعْهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ ، وَإِذَا سَأَلَ أَحَدُكُمْ جَارَهُ ، وَالْمَعْنَى كُلُّهُ سَوَاءٌ . 32521 - قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى : سَأَلْتُ ابْنَ وَهْبٍ عَنْ خَشَبَةٍ ، أَوْ خَشَبَةَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُهُ مِنْ جَمَاعَةٍ خَشَبَةٍ ؛ يَعْنِي عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ . 32522 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : 32523 - فقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : مَعْنَاهُ النَّدْبُ إِلَى بِرِّ الْجَارِ ، وَالتَّجَاوُزِ لَهُ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ . 32524 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ؛ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 32525 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . 32526 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَيْسَ يُقْضَى عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ لِجَارِهِ ، وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْوِصَايَةِ بِالْجَارِ . 32527 - قَالَ : وَمَنْ أَعَارَ صَاحِبَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ أَغْضَبَهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ بِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ . 32528 - قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ ، فَقَالَ : انْزِعْ خَشَبَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ . 32529 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ الِاخْتِيَارُ ، وَالنَّدْبُ فِي إِسْعَافِ الْجَارِ وَبِرِّهِ - إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ - وَهُوَ مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا ، وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ النَّدْبُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ الزَّوْجُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ . 32530 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ . 32531 - قَالَ مَالِكٌ : مَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِهِ ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْ وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32532 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ حَائِطٌ ، فَأَرَادَ جَارُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ سُتْرَةً يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ . 32533 - وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ . 32534 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمْنَعَ الْجَارُ جَارَهُ مِنْ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَأَى الْحُجَّةَ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا أَرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي حَمْلِهِ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ ، وَلَوْ كَرِهُوا ، وَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ فِيمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَى الْوُجُوبِ مَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ . 32535 - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؛ قَضَى بِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ . 32536 - وَقَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى جَدِّ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ . 32537 - وَالْقَضَاءُ بِالْمِرْفَقِ خَارِجٌ بِالسُّنَّةِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ التَّمْلِيكُ ، وَالِاسْتِهْلَاكُ ، وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَرَّقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فَغَيْرُ وَاجِبٍ أَنْ يُجْمَعَ مَا فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32538 - وَحَكَى مَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاضٍ يَقْضِي بِهِ يُسَمَّى الْمُطَّلِبُ . 32539 - وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، هَلْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَجْهِ الْوِصَايَةِ بِالْجَارِ أَمْ يَقْضِي بِهِ الْقُضَاةُ ؟ فَقَالَ : أَرَى ذَلِكَ أَمْرًا دَلَّ النَّاسَ عَلَيْهِ ، وَأُمِرُوا بِهِ فِي حَقِّ الْجَارِ . 32540 - قِيلَ : أَفَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْقُضَاةُ ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ الْمُطَّلِبُ يَقْضِي بِهِ عِنْدَنَا ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا دَلِيلًا عَلَى الْمَعْرُوفِ ، وَإِنِّي مِنْهُ لَفِي شَكٍّ . 32541 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، فَلَا يَمْنَعْهُ ، فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ نَكَّسُوا رُؤوسَهُمْ ، وَطَأْطَأوهَا ، فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . 32542 - وَقَالَ الرَّبِيعُ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ . 32543 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ جَارِهِ ، فَمَنَعَهُ ، فَخَاصَمَهُ ، وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لَهُ عَلَيْهِ .
1463 1430 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ به فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ . فَقَالَ له الضَّحَّاكُ : لِمَ تَمْنَعُنِي ؟ وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ ، تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَلَا يَضُرُّكَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا . فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ ؟ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ ، تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا ، وَاللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ . 32544 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً إِلَى حَائِطِهِ عَلَى حَائِطِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَأَبَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَكَلَّمَ الرَّجُلُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ : لِمَ تَمْنَعُهُ ؟ أَعَلَيْكَ فِيهِ ضَرَرٌ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ يُجْرِيَهُ فِي حَائِطِي ، قَالَ : أَلَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، أَوَلَمْ يَكُنْ إِلَّا عَلَى بَطْنِكَ لَأَجْرَاهُ .
1464 1431 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ ، فِي حَائِطِ جَدِّهِ ، رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ ، هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ . فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ . 32545 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَثَرِ يَقُولُونَ فِي هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَيَقُولُونَ : لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّهُ . 32546 - وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ رَوَاهُ وَأَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ بَابِ الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ فِي الْمُوَطَّأِ ، بَلْ رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِرَأْيِهِ . 32547 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِرَأْيِهِ فِي ذَلِكَ خِلَافَ رَأْيِ عُمَرَ ، وَرَأْيُ الْأَنْصَارِيِّ أَيْضًا كَانَ خِلَافًا لِرَأْيِ عُمَرَ ، وَكَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ الرَّبِيعِ وَتَحْوِيلِ الرَّبِيعِ السَّاقِيَةَ . 32548 - وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى النَّظَرِ ، وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حَرَامٌ إِلَّا مَا تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ مِنَ الْمَالِ خَاصَّةً ، فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32549 - وَيَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا ، وَنَحْوُ هَذَا . 32550 - وَرَوَى أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتٍ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ . 32551 - وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ احْتَجَّ مَنْ رَأَى الْقَضَاءَ بِالْمِرْفَقِ ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ الْجَارُ جَارَهُ وَضْعَ خَشَبٍ فِي جِدَارِهِ ، وَلَا كُلَّ شَيْءٍ يَضُرُّهُ . 32552 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ فِي ذَلِكَ آثَارا مُسْنَدَةً ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : اسْتُشْهِدَ مِنَّا غُلَامٌ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَتَقُولُ : أَبْشِرْ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ . 32553 - وَالْأَعْمَشُ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَنَسٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32554 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ مِنْ حَدِيثِهِ بِمَا لَمْ يَذْكُرْهُ عَنِ الثِّقَاتِ وَبِسَنَدِهِ ؛ لِأَنْ كَانَ يُدَلِّسُ عَنِ الضُّعَفَاءِ . 32555 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، فَلَا يَرَوْنَ أَنْ يُقْضَى بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَهْيِ الْجَارِ أَنْ يَمْنَعَ جَارُهُ مِنْ غَرْزِ خَشَبَةٍ فِي جِدَارِهِ . 32556 - وَعَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْخَلِيجِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَلَا مَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، أَيْ مِنْ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . 32557 - وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَعْمُولِ بِهِ . 32558 - فَرَوَى أَصْبَغٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : لَا يُؤْخَذُ بِمَا قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْخَلِيجِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِمَالِ أَخِيهِ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ . 32559 - قَالَ : وَأَمَّا مَا حُكِمَ بِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ تَحْوِيلِ الرَّبِيعِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ ، وَيُعْمَلُ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ مَجْرَى ذَلِكَ الرَّبِيعِ كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَابِتًا فِي الْحَائِطِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْحَائِطِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَقْرَبُ عَلَيْهِ وَأَنْفَعُ ، وَأَرْفَقُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ ، وَكَذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ بِتَحْوِيلِهِ . 32560 - وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَلَا مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَلَا مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَتَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، أَرَى أَنَّهُ لَازِمٌ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ عَلَى مَنْ أَبَاهُ ، وَأَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ مِنَ الضَّرَرِ أَنْ يَدْفَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ ، فَيَمْنَعَهُ بِذَلِكَ الْمَنْفَعَةَ ، وَصَاحِبُ الْجِدَارِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا لَا يَضُرُّكَ ؟ 32561 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لِلْجَارِ إِذَا تَهَوَّرَتْ بِئْرُهُ أَنْ يَسْقِيَ نَخِيلَهُ وَزَرْعَهُ مِنْ بِئْرِهِ ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ غَرْزِ الْخَشَبَةِ فِي جِدَارِ الْجَارِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُضَرُّ بِالْجِدَارِ ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يُوهِنَ الْجِدَارُ ، وَيَضُرَّ بِهِ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْجِدَارِ عَلَى ذَلِكَ وَقِيلَ لِصَاحِبِ الْخَشَبِ : احْتَلْ لِخَشَبِكَ . 32562 - قَالَ : وَمِثْلُهُ حَدِيثُ رَبِيعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي حَائِطِ الْمَازِنِيِّ . 32563 - قَالَ : فَهَذَا أَيْضًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَجْرَى ذَلِكَ الرَّبِيعِ كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَائِطِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدِ اسْتَحَقَّهُ ، فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى هِيَ أَقْرَبُ عَلَيْهِ ، وَأَرْفَقُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ . 32564 - قَالَ : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فِي قِصَّةِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ يَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي الْحُكْمِ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَلَا يَنْبَغِي لأَحَدٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَحَقَّ بِمَالِهِ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ . 32565 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِثْلُ هَذَا يَلْزَمُ فِي قِصَّةِ رَبِيعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي حَائِطِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ ؛ لِأَنَّ الَّذِي اسْتَحَقَّ مِنْهُ مَجْرَى رَبِيعٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَمِلْكُ الْأَنْصَارِيِّ لَا يَحِلُّ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ، كَمَا لَوِ اكْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ دَارًا ، أَوْ حَانُوتًا بِعَيْنِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا بِرِضَا الْمُكْتَرِي ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَابُ فِي ذَلِكَ بَابًا وَاحِدًا ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِالْمِرْفَقِ خَارِجًا عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ ؛ بدليل حديث أبي هريرة في غرز الخشب على الجدار ، وقضاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره ما لا يضره فيكون حينئذ معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه . خَرَجَ عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَالرِّقَابِ ، وَاسْتِهْلَاكِهَا إِذَا أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذَنْ صَاحِبِهَا لَا عَلَى الْمَرَافِقِ ، وَالْآثَارِ الَّتِي لَا تُسْتَحَقُّ بِهَا رَقَبَةٌ ، وَلَا عَيْنُ شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِهَا مَنْفَعَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1427 1391 - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَقَالَ : لَقَدْ جِئْتُكَ لَأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : شَهَادَاتُ الزُّورِ ، ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : أَوَقَدْ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ . 31652 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا شَاهِدُ الزُّورِ ، فَقَدْ جَاءَ فِيهِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ . 31653 - مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُرَاتٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : شَاهِدُ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . 31654 - وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ ، وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ ، وَقَرَأَ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ 31655 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ مِنَ الْكَبَائِرِ .
1392 - مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ . 31656 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ رَبِيعَةَ هذا عَنْ عُمَرَ ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا ، فَقَدْ قُلْنَا : إِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ قَبِلُوا الْمُرْسَلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْعُدُولِ . 31657 - وَقَدْ وَجَدْنَا خَبَرَ رَبِيعَةَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ يَشْهَدُ الزُّورَ . 31658 - وَمَعْنَى يُؤْسَرُ : أَيْ يُحْبَسُ ؛ لِنُفُوذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ . 31659 - فَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ ، وَالْكُوفِيِّينَ ، وَالْبَصْرِيِّينَ . 31660 - وَالْمَسْعُودِيُّ هَذَا هُوَ مِنْ ثِقَاتِ مُحَدِّثِي الْكُوفَةِ ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، يَقُولُونَ : إِنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِعِلْمِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَاخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ جِلَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، مِنْهُمُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ ، وَوَكِيعٌ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَأَخُوهُ أَبُو الْعُمَيْسِ ، وَاسْمُهُ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، ثِقَةٌ أَيْضًا . 31661 - وَحَدِيثُ رَبِيعَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ، وَمَذْهَبِهِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى ، وَغَيْرِهِ مِنْ عُمَّالِهِ . وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَأْتِي إِلَّا عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . نُخْرِجُهُ عَنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَيْنَهُمْ ، أَوْ قَالَ : عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا خَصْمًا ، أَوْ ظَنِينًا . 31662 - وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ، فَيَقْبَلُ شَهَادَةَ كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِ دِينِهِ ، وَيَقُولُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ : دُونَكَ فَتَخْرُجُ إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ، فَإِنِّي قَدْ قَبِلْتُهُمْ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْكَ . 31663 - وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ عُمَرَ مَشْهُورٌ . 31664 - قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : حَدَّثَنِي فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : اعْلَمُوا أَنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ، فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ إِذَا اخْتَصَمَ إِلَيْكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ ، آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ حَتَّى لَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ ، وَلَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي جَوْرِكَ ، وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، إِلَّا خَصْمًا أَوْ ظَنِينًا مُتَّهَمًا ، وَلَا يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ الْيَوْمَ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ غَدًا ، أَنْ تَعُودَ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ شَانَهُ اللَّهُ ، وَلَا يَضِيعُ عَامِلُ اللَّهِ فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ ، وَجَزَاءِ رَحْمَتِهِ . 31665 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ، فَافْهَمْ إِذَا أُولِيَ إِلَيْكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ ، آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ ، وَوَجْهِكَ ، وَعَدْلِكَ حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ ، الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ لَيْسَ فِي كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، ثُمَّ انْظُرْ أَشْبَهَهَا بِالْحَقِّ ، وَأَحَبَّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَاعْمَلْ بِهِ ، وَلَا يَمْنَعنكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَ بِهِ الْيَوْمَ ، رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ ، وَإِنَّ مُرَاجَعَةَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ ، اجْعَلْ لِمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا ، أَوْ بَيِّنَةً أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ إِلَى ذَلِكَ أَخَذْتَ لَهُ حَقَّهُ ، وَإِلَّا أَوْجَبْتَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ لِلْعُذْرِ ، وَأَجْلَى لِلْعَمَى . الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا ، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا ، وَالنَّاسُ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ وَدَفَعَ عَلَيْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، ثُمَّ إِيَّاكَ وَالْقَلَقَ ، وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّيَ بِالنَّاسِ ، وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ الَّتِي يَرَى اللَّهُ فِيهَا الْأَجْرَ ، وَيَحْسُنُ فِيهَا الذِّكْرُ ، فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ غَيْرَهُ شَانَهُ اللَّهُ ، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ ، وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَة اللَّهِ . 31666 - وَهَذَا الْخَبَرُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَمِصْرَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 31667 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَذْهَبُ نَحْوَ مَذْهَبِ الْحَسَنِ . 31668 - قَالَ اللَّيْثُ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ ، لَا يُلْتَمَسُ مِنَ الشَّاهِدِ تَزْكِيَةٌ ، إِنَّمَا كَانَ الْوَالِي يَقُولُ لِلْخَصْمِ : إِذَا كَانَ عِنْدَكَ مَنْ تَجْرَحُ شَهَادَتَهُمْ فَأْتِ بِهِمْ ، وَإِلَّا أَجَزْنَا شَهَادَتَهُمْ عَلَيْكَ . 31669 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَقَوْلِهِ : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ إِلَّا الْعَدْلُ الرَّضِيُّ ، وَأَنَّ مَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ حَتَّى تُعْلَمَ الصِّفَةُ الْمُشْتَرَطَةُ . 31670 - وَقَدِ اتَّفَقُوا فِي الْحُدُودِ ، وَالْقِصَاصِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ شَهَادَةٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 31671 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُمُ الْقَاضِي . 31672 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ . 31673 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ ، فَإِذَا عُدِّلُوا سَأَلَ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ عَلَانِيَةً ؛ لِيَعْلَمَ الْمُعَدَّلَ سِرًّا ، أَحَقٌّ ذَاكَ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَافَقَ اسْمٌ اسْمًا ، وَنَسَبٌ نَسَبًا . 31674 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْأَلُ عَنِ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ إِلَّا أَنْ يَطْعَنَ فِيهِمُ الْخَصْمُ إِلَّا فِي الْحُدُودِ ، وَالْقِصَاصِ . 31675 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَيُزَكِّيهِمْ فِي الْعَلَانِيَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ عَلَيْهِمُ الْخَصْمُ . 31676 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ فِي السِّرِّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقَوْمِ إِذَا قِيلَ لَهُ : هَاتِ مَنْ يُزَكِّيكَ ، فَيَسْتَحِي الْقَوْمُ مِنْهُ ، فَيُزَكُّونَهُ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي السِّرِّ ، فَإِذَا صَحَّتْ شَهَادَتُهُ ، قُلْتُ : هَاتِ مَنْ يُزَكِّيكَ فِي الْعَلَانِيَةِ .
1426 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ 1390 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ، أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا . 31638 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَلَى مَالِكٍ فِي أَبِي عَمْرَةَ هَذَا فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ ، وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ : عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ . 31639 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَسَمَّيَاهُ فَقَالَا : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ فَرَفَعَا الْإِشْكَالَ ، جَوَّدَا فِي ذَلِكَ وَأَصَابَا . 31640 - وَبَعِيدٌ أَنْ يَرْوِيَ أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْهُ ، فَغَيْرُ بَعِيدَةٍ ، وَلَا مَرْفُوعَةٍ . 31641 - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ . 31642 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لِلرَّجُلِ ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ قَبْلُ ، فَيُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ ، وَيَرْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ . 31643 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ دُعِيَ لِشَهَادَةٍ عِنْدَهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ بِهَا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا لَا يَعَلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَلْيُؤَدِّهَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ شَهَادَةُ رَجُلٍ أَدَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا . 31644 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَفْسِيرُ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ حَسَنٌ ، وَتَفْسِيرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوُهُ ، وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِرٌّ وَخَيْرٌ ، وَقِيَامٌ بِحَقٍّ ، فَمَنْ بَدَرَ إِلَى ذَلِكَ ، فَلَهُ الْفَضْلُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْدُرْ بِهَا . 31645 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ 31646 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَ صَاحِبُ الشَّهَادَةِ شَهَادَةَ فَضْلٍ مَعْلُومًا لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ ؟ وَلَا مَنْ هُوَ ؟ وَيَخَافُ ذَهَابَ حَقِّهِ ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ بِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً عِنْدَهُ فَرَّجَ كَرْبَهُ ، وَأَدْخَلَ السُّرُورَ عَلَيْهِ . 31647 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ . 31648 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ ، وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا . 31649 - وَهَذَا لَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ . 31650 - وَقَدْ فَسَّرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ فِيهِ كَلَامًا مَعْنَاهُ : أَنَّ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا الْيَمِينُ ، أَيْ يَحْلِفُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ ، وَيَحْلِفُ حَيْثُ لَا تُرَادُ مِنْهُ يَمِينٌ . 31651 - وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَيْ أَرْبَعَ أَيْمَانٍ .
1436 9 - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ 1401 - مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطْفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ يَقُولُ : اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَابْنُ مُطِيعٍ فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ . فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي . قَالَ : فَقَالَ مَرْوَانُ : لَا وَاللَّهِ إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ ، قَالَ : فَجَعَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ ، وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : فَجَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ يَحْلِفَ أَحَدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ، عَلَى أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ . وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ . 31922 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَكُونُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِنْ كُلِّ جَامِعٍ ، وَلَا فِي الْجَامِعِ حَيْثُ كَانَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ - ثَلَاثة دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا ، أَوْ فِي عَرَضٍ يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ - وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ حَلَفَ فِيهِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْمَوَاضِعِ فِي السُّوقِ ، وَغَيْرِهَا . 31923 - قَالَ مَالِكٌ : يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ فِي الْقَسَامَةِ ، وَاللِّعَانِ ، وَفِيمَا لَهُ بَالٌ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى رُبُعِ دِينَارٍ ، فَصَاعِدًا فِي جَامِعِ بَلَدِهِ فِي أَعْظَمِ مَوَاضِعِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ . 31924 - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ . 31925 - وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ . 31926 - قَالَ : وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إِلَّا مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ ، يَحْلِفُ عِنْدَهُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ ، فَأَكْثَرَ . 31927 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَهُوَ كَالنَّاكِلِ عَنِ الْيَمِينِ ، وَيَحْلِفُ فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَى مَكَّةَ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ عَمَلِهَا ، فَيَحْلِفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، وَيَحْلِفُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ مِنْ عَمَلِهَا فَيَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ . 31928 - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْيَمِينِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ ، وَعِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْمَدِينَةِ نَحْوُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَرَى الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ ، إِلَّا فِي عِشْرِينَ دِينَارًا ، فَصَاعِدًا . 31929 - وَذَكَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : أَبْصَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَوْمًا يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَالْبَيْتِ ، فَقَالَ : أَعَلَى دَمٍ ؟ قِيلَ : لَا ، فَقَالَ : عَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْأَمْوَالِ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ . 31930 - هَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ يَتَهَاوَنُ النَّاسُ . 31931 - وَرَوَاهُ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَقَالَا فِيهِ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَبْهَأَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ . 31932 - وَمَعْنَى يَبْهَأُ : يَأْنَسُ النَّاسُ بِهِ ، يُقَالُ : بَهَأْتُ بِهِ ، أَيْ أَنِسْتُ بِهِ . 31933 - قَالَ : وَمِنْبَرُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي التَّعْظِيمِ مِثْلُ ذَلِكَ ؛ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ حَلَفَ عِنْدَهُ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ تَعْظِيمًا لَهُ . 31934 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَلَفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَافْتَدَى مِنْهَا ، وَقَالَ : أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدَرٌ بَلَاءً ، فَيُقَالُ بِيَمِينِهِ . 31935 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ فِي قَدِيمٍ وَلَا حَدِيثٍ . 31936 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ فِي كُلِّ الْبُلْدَانُ - قِيَاسًا عَلَى الْعَمَلِ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31937 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ عَابَ قَوْلَنَا هَذَا عَائِبٌ تَرَكَ فِيهِ مَوْضِعَ حُجَّتِنَا ؛ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآثَارِ بَعْدَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ لَا يَرَى الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَإِنَّا رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ ، وَخَالَفْنَاهُ إِلَى قَوْلِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ . قَالَ : وَهَذَا مَرْوَانُ يَقُولُ لِزَيْدٍ - وَهُوَ عِنْدَهُ أَحْظَى أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَرْفَعُهُمْ لَدَيْهِ مَنْزِلَةً - : لَا وَاللَّهِ ، إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ . قَالَ : فَمَا مَنَعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، لَوْ يَعْلَمُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ حَقٌّ - أَنْ يَقُولَ لِمَرْوَانَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا ، وَقَدْ قَالَ لَهُ : أَتُحِلُّ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ ، وَمَا هَذَا ؟ فَقَالَ : فَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الصُّكُوكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوهَا . فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَنْتَزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ ، فَإِذَا كَانَ مَرْوَانُ لَا يُنْكِرُ عَلَى زَيْدٍ هَذَا ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُلْزِمَهُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ ؟ ! لَقَدْ كَانَ زَيْدٌ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي عَيْنِ مَرْوَانَ ، وَآثَرِهِمْ عِنْدَهُ ، وَلَكِنَّ زَيْدًا عَلِمَ أَنَّ مَا قَضَى بِهِ مَرْوَانُ حَقٌّ ، وَكَرِهَ أَنْ تُصْبَرَ يَمِينُهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ . 31938 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي نَقَلَ الْحَدِيثَ فِيهِ كَأَنَّهُ تَكَلَّفَ لِاجْتِمَاعِنَا عَلَى الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، لَقَدْ كَانَ زَيْدٌ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ؛ مِنْهَا الْحَدِيثُ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ فِي وِثَاقٍ ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ بِهِ فَجَعَلَ قَيْسٌ يَحْلِفُ مَا قَتَلَ دَاذَوَيْهِ ، فَأَحْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ خَمْسِينَ يَمِينًا عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّهِ مَا قَتَلَهُ ، وَلَا عِلْمَ لَهُ قَاتِلًا ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ . 31939 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ ، وَبِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ مَا بَانَ بِهِ مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ هُمَا ، وَأَصْحَابُهُمَا . 31940 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ ، وَاللِّعَانِ ، وَالْحُقُوقِ : لَا يَحْلِفُ فِيهَا عِنْدَ مِنْبَرٍ إِلَّا عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَسَامَةِ فِي الدِّمَاءِ ، وَاللِّعَانِ ، وَالْحُقُوقِ فِيمَا بَلَغَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الْحُقُوقِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ ، فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ فِيهَا ، وَلَا يَحْلِفُونَ عِنْدَ مَنَابِرِهَا . 31941 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فذَكَرَ الْجُوزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، قَالُوا : لَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَ مِنْبَرِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ عَلَى أَحَدٍ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا كَثِيرِهَا ، وَلَا فِي الدِّمَاءِ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّ الْحُكَّامَ يُحَلِّفُونَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي مَجَالِسِهِمْ .
1433 - قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ أَمْوَالًا بِالْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ : إِنَّ الْبَعْلَ لَا يُقْسَمُ مَعَ النَّضْحِ ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّ الْبَعْلَ يُقْسَمُ مَعَ الْعَيْنِ ، إِذَا كَانَ يُشْبِهُهَا ، وَإِنَّ الْأَمْوَالَ إِذَا كَانَتْ بِأَرْضٍ وَاحِدَةٍ ، الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَقَارِبٌ ، أَنَّهُ يُقَامُ كُلُّ مَالٍ مِنْهَا ثُمَّ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ ، وَالْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ . 32602 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي قِسْمَةِ الْأَرَضِينَ ، وَالدُّورِ عَلَى مَا أَصِفُ لَكَ : 32603 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا كَانَتِ الدُّورُ مُتَقَارِبَةً ، وَالْغَرَضُ فِيهَا مُتَقَارِبًا قُسِمَتْ قَسْمًا وَاحِدًا ، وَإِنِ افْتَرَقَتِ الْبِقَاعُ ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَغْرَاضُ قُسِمَتْ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَرَضُونَ وَالْقُرَى . 32604 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : تُقْسَمُ كُلُّ دَارٍ ، وَكُلُّ ضَيْعَةٍ عَلَى حِدَةٍ ، وَلَا يُقْسَمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ . 32605 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ كُلَّ بُقْعَةٍ وَدَارٍ تُعْتَبَرُ بِهَا عَلَى نَفْسِهَا ، لَا تَتَعَلَّقُ الشُّفْعَةُ دُونَ غَيْرِهَا . 32606 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ مِنَ الدُّورِ إِلَّا عَلَى ضَرَرٍ بِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ ، أَوْ بِهِمَا مَعًا : 32607 - فَقَالَ مَالِكٌ : مَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يُقْسَمُ مِنْهُ أُجْبِرَا جَمِيعًا عَلَى الْبَيْعِ إِذَا أَحَبَّا الْقِسْمَةَ ، وَاقْتَسَمَا الثَّمَنَ ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابَ ، وَالْحَيَوَانَ . 32608 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنِ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ مَا لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَمْلِكَانِهِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ أَبَيَا مِنْ قِسْمَةِ مَا فِيهِ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ضَرَرٌ فِي الْقِسْمَةِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْبَيْعِ ، وَلَا عَلَى الْقِسْمَةِ إِنْ شَاءَا حُبِسَا وَإِنْ شَاءَا بَاعَا ، وَإِنْ شَاءَا قَسَمَا ، وَلَا يُجْبَرَانِ عَلَى الْبَيْعِ ، وَلَا عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَلَا فِي الْحَيَوَانِ ، وَلَا فِي الثِّيَابِ ، وَلَا فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ 32609 - وَاخْتَلَفُوا إِنِ انْتَفَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِنَصِيبِهِ مِنَ الدَّارِ وَالْحَانُوتِ وَسَائِرِ الْعَقَارِ ، وَلَمْ يَنْتَفِعِ الْآخَرُ ، وَطَلَبُوا جَمِيعًا الْقِسْمَةَ : 32610 - فَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ . 32611 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُقْسَمُ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ . 32612 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا طَلَبَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ الْقِسْمَةَ قُسِمَ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعِ الْآخَرُ ، وَتُقْسَمُ الْعَرْصَةُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِنَصِيبِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِذَا طَلَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْقِسْمَةَ خِلَافَ الْمَنْزِلِ . 32613 - قَالَ : وَلَا يُقْسَمُ الطَّرِيقُ إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ مِنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى ذَلِكَ . 32614 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْحَمَّامِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ : إِنَّهُ يُقْسَمُ . 32615 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَرَى الْحَائِطَ يُقْسَمُ . 32616 - قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْسَمُ الْحَائِطُ وَالطَّرِيقُ إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَى الْوَرَثَةُ عَلَى قِسْمَتِهِ . 32617 - أَمَّا الْحَمَّامُ ، فَهُوَ عَرْصَةٌ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ . 32618 - وَقَالَ اللَّيْثُ : مَا كَانَ يَنْقَسِمُ ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ ، وَلَا يُبَاعُ ، وَمَا كَانَ مِنْ دَارٍ لَا تَنْقَسِمُ . 32619 - وَالْحَمَّامُ وَالْحَانُوتُ ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ بِأَغْلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الثَّمَنِ ، فَيَكُونَ أَوْلَى . 32620 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَمَّامَ لَا يُقْسَمُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَيْرَ حَمَّامٍ . 32621 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّهُ يُقْسَمُ . 32622 - وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ . 32623 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُقْسَمُ . 32624 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِه قِسْمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعِ الْبَاقُونَ بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِمْ يَعْنِي إِذَا تَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ - فَإِذَا لَمْ يَتَرَاضَوْا بِالْقِسْمَةِ لِمَا عَلَيْهِمْ فِيهَا مِنَ الضَّرَرِ ، وَطَلَبَهَا أَحَدُهُمْ مِمَّنْ لَهُ فِي الْقِسْمَةِ نَفْعٌ بِنَصِيبِهِ ، أَوْ لَا نَفْعَ لَهُ ، لَمْ يُجْبَرُوا إِلَّا أَنْ يَكُونُوا إِذَا اجْتَمَعَ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ الْقِسْمَةَ فَيَنْتَفِعُوا بِنَصِيبِهِمْ ، فَيَجْمَعَهُمْ ، فَيَبْرُزَ لِلطَّالِبِ نُصِيبُهُ . 32625 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ رَأَى قِسْمَةَ الْعَقَارِ كُلِّهِ ، وَإِنْ غَيَّرَتْهُ الْقِسْمَةُ عَنِ اسْمِهِ ، وَحَالِهِ إِذَا دَعَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ إِلَى ذَلِكَ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا 32626 - وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ، لَا حُجَّةَ فِيهِ . 32627 - وَأَحْسَنُ مِنْهُ وَأَوْضَحُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ صِدِّيقِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَعْضِيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَوَارِيثِ ، إِلَّا مَا حَمَلَ الْقَسْمُ ، وَالتَّعْضِيَةُ . 32628 - التَّفْرِقَةُ فِي اللُّغَةِ ، يَقُولُ لَا قِسْمَةَ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا فِيمَا احْتَمَلَ الْقَسْمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32629 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ : الْبَعْلُ مِنْهَا ، وَالسَّقْيُ : 32630 - فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ : لَا يُقْسَمُ النَّضْحُ مَعَ الْبَعْلِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ . 32631 - قَالَ سَحْنُونٌ : فَحَمَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى أَنَّ الشُّرَكَاءَ تَرَاضَوْا بِذَلِكَ ، وَأَمَّا بِالسَّهْمِ ، فَلَا يَنْبَغِي . 32632 - قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ : وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى ذَلِكَ ، إِلَّا أَشْهَبَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : يَجْمَعُ لِمَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ ، وَيُفَرِّقُ لِمَنْ أَرَادَ التَّفْرِقَةَ . 32633 - وَهُوَ خِلَافٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ حَيْثُ يَقُولُ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي الْقَسْمِ . 32634 - قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ : وَمَعْنَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَجْعَلُ سَهْمَ الَّذِينَ أَرَادُوا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَاحِدًا ، وَسَهْمُ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ . 32635 - وَهُوَ خِلَافُ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ . 32636 - وَذَكَرَ سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : إِذَا كَانَتِ الْمَوَاضِعُ مُخْتَلِفَةً ، وَكَانَتْ قَرِيبَةً ، قُسِمَتْ كُلُّ أَرْضٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَوَاضِعُ قَرِيبًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَكَانَتْ فِي الْكَرْمِ سَوَاءً جَمَعَ فِي الْقَسْمِ . 32637 - قَالَ سَحْنُونٌ : لَا نَعْرِفُ هَذَا ، وَالَّذِي نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا تَقَارَبَتْ مَوَاضِعُهَا ، وَكَانَتْ فِي نَمَطٍ وَاحِدٍ قُسِمَتْ قَسْمًا وَاحِدًا ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي الْقِيمَةِ . 32638 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِذَا تَقَارَبَتِ الْمَوَاضِعُ قُسِمَتْ قَسْمًا وَاحِدًا ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي الْكَرْمِ . 32639 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتِلَافُهُمْ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا كَثِيرٌ جَدًا . 32640 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ دِيوَانِ اخْتِلَافِهِمْ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1465 27 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي قَسْمِ الْأَمْوَالِ 1432 - مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ؛ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ . 32566 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ بَلَاغٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ . 32567 - وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 32568 - وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ثِقَةٌ . 32569 - وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ مَنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ : 32570 - مِنْهَا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يُقْسَمْ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ . 32571 - وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ : 32572 - فَرَوَى سَحْنُونٌ ، وَأَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ : أَيُّمَا دَارٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَيُّمَا دَارٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ ، وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ . 32572 م - فَقَالَ مَالِكٌ : الْحَدِيثُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَهُمْ عَلَى مَوَارِيثِهِمْ ، لَا يَنْقُلُ الْإِسْلَامُ مَوَارِيثَهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا . 32573 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا عَلَى أَنَّ النَّصَارَى وَالْيَهُودَ لَهُمْ مَوَارِيثُ قَدْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ظُلْمًا ، فَإِذَا أَسْلَمُوا عَلَى مِيرَاثٍ قَدْ مَضَى ، فَهُمْ كَمَا لَوِ اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَكُونُ مَا يَحْدُثُ مِنْ مَوَارِيثِهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ . 32574 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ نَافِعٍ ، وَأَشْهَبُ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفٌ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْكُفَّارِ كُلِّهِمُ : الْمَجُوسِ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُمْ . 32575 - وَكَذَلِكَ رَوَى أَصْبَغٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَجَابَهُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي التَّمْهِيدِ . 32576 - وَهَذَا أَوْلَى ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ ، وَظَاهِرِهِ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ لَا تَفْتَرِقُ أَحْكَامُهُ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ يُقَرَّ عَلَى نِكَاحِهِ ، وَيَلْحَقُهُ وَلَدُهُ . 32577 - وَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ كُلَّهُمْ فِي الْجِزْيَةِ سَوَاءٌ كَمَا هُمْ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي مُقَاتَلَتِهِمْ ، وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَفِي الْخُلُودِ فِي النَّارِ ، فَلَا وَجْهَ لِفَرْقٍ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِمْ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ ، فَيُسَلِّمُ لَهَا كَمَا خَصَّتِ الْكِتَابِيِّينَ فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ ، وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ مُؤْمِنُونَ يَقْتَسِمُونَ مِيرَاثَهُمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْكُفْرِ . 32578 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ . 32579 - فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَبَعْدَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ ، أَوْ أَعْتَقَ ، فَلَا شَيْءَ له مِنَ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ يَوْمَ مَاتَ الْمَوْرُوثُ . 32580 - هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ ، إِلَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . 32581 - وَرِوَايَةٌ جَاءَتْ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ ، إِسْنَادُهَا لَيْسَ بِالْقَائِمِ ، رَوَاهَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنْ أَهْلِهِ مَاتَ ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ، قَالَ : فَوَرِثَتْهُ ابْنَتُهُ دُونِي ، وَكَانَتْ عَلَى دِينِهِ ، ثُمَّ إِنَّ جَدِّي أَسْلَمَ ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا ، فَتُوُفِّيَ وَتَرَكَ نَخْلًا ، فَأَسْلَمَتْ ، وَخَاصَمَتْنِي فِي الْمِيرَاثِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَحَدَّثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ ، أَنَّ عُمَرَ قَضَى أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ فَإِنَّهُ نَصِيبُهُ ، فَقَضَى لَهُ عُثْمَانُ ، فَذَهَبَتْ بِالْأُولَى ، وَشَارَكَتْنِي فِي الْآخِرَةِ . 32582 - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَتَادَةَ الْعَنْزِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ - كَاتِبِ عُمَرَ - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ صَارَ الْمِيرَاثُ لَهُ بِإِسْلَامِهِ وَاجِبًا . 32583 - وَرَوَى يزيد بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَتَادَةَ ، قَالَ : تُوُفِّيَتْ أُمُّنَا مُسْلِمَةً ، وَلِي إِخْوَةٌ نَصَارَى ، فَأَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ ، فَدَخَلُوا عَلَى عُثْمَانَ ، فَسَأَلَ : كَيْفَ قَضَى فِي ذَلِكَ عُمَرُ ؟ فَأَخْبَرَ ، فَأَشْرَكَ بَيْنَنَا . 32584 - وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ - جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَقَتَادَةُ ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . 32585 - وَرَوَى وُهَيْبٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . 32586 - وَقَالَ الْحَسَنُ : فَإِنْ قَسَمَ بَعْضَ الْمِيرَاثِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، وَرِثَ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، وَلَمْ يَرِثْ بِمَا قَسَمَ . 32587 - وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا أَوْ ذَهَبَ إِلَيْهِ حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ الْمُسْنَدُ ، وَالْمُرْسَلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِهِ . 32588 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصِيبَهُ مِنْهُ . 32589 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُ مَنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْقَسْمِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ كَحُكْمِ مَنْ أَسْلَمَ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ : فَمَرَّةً هُوَ قَالَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ . وَمَرَّةً قَالَ : مَنْ أَسْلَمَ وَرِثَ ، وَمَنْ أَعْتَقَ لَمْ يَرِثْ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ . 32590 - وَبِهِ قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . 32591 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، قَالَ : كَانَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : أَمَّا النَّصْرَانِيُّ يُسْلِمُ ، فَنَعَمْ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ يُعْتَقُ ، فَلَا . 32592 - وَبِهِ قَالَ حُمَيْدٌ . 32593 - وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : الْعَبْدُ إِذَا أَعْتَقَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . 32594 - وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ أَنَّهُ لَهُ ، وَخَالَفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ . 32595 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ إِلَّا فِي حِينِ مَوْتِ الْمُورَثِ ، وَأَنَّهُ - حِينَئِذٍ - يَجِبُ لِمَنْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالدِّينِ وَالنَّسَبِ ، وَالْحُرِّيَّةِ ، وَالْحَيَاةِ ، وَإِنْ كَانَ حَمْلًا فِي الْبَطْنِ . 32596 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 32596 م - رَوَى يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ يُرَدُّ الْمِيرَاثُ لِأَهْلِهِ . 32597 - وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : إِنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، أَوْ أُعْتِقَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ ، وَجَبَتِ الْحُقُوقُ لِأَهْلِهَا حَيْثُ مَاتَ . 32598 - وَقَالَ شُعْبَةُ : سَأَلْتُ الْحَكَمَ ، وَحَمَّادًا عَنْ رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ ، فَقَالَا : لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ . 32599 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى : إِنْ مَاتَ مُسْلِمٌ ، وَلَهُ وَلَدٌ نَصَارَى ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُقْسَمْ مِيرَاثُهُ حَتَّى أَسْلَمُوا ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ وَقَعَتِ الْمَوَارِيثُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا . 32600 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَهُ يَقُولُ : إِذَا وَقَعَتِ الْمَوَارِيثُ ، فَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ نَفَذَ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ . 32601 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1468 1435 - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ؛ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، فَانْتَحَرُوهَا ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ ، لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمَا يَشُقُّ عَلَيْكَ ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ : كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيِّ : قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ ، وَلَكِنْ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا ، عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُغَرَّمُ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ أَوِ الدَّابَّةِ ، يَوْمَ يَأْخُذُهَا . 32694 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَمْ يُتَوَطَّأْ عَلَيْهِ ، وَلَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَلَا رَأَى ، وَالْعَمَلُ بِهِ إِنَّمَا تَرَكُوهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 32695 - فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَلَمْ يَقُلْ بِمِثْلَيْ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ . 32696 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ 32697 - وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ بِالْعَدْلِ ؛ لِمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ ، وَضِمِنَ الصَّحْفَةَ الَّتِي كَسَرَهَا بَعْضُ أَهْلِهِ بِصَحْفَةٍ مِثْلِهَا . وَقَالَ : صَحْفَةٌ مِثْلُ صَحْفَةٍ . 32698 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ مَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا إِلَّا مَثَلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ . 32699 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ ، وَأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ إِذَا لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . 32700 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي . 32701 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْدِيقُ الْمُزَنِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ ثَمَنِ نَاقَتِهِ . 32702 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَوْ صَحَّ كَانَ أَصْلًا لَفْظُ عُمَرَ فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ فِي نَاقَةِ الْمُزَنِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جِدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ : غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ ، وَلَا قَطْعَ . 32703 - وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُصَحِّحُونَ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِمَا يَتْلُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 32704 - وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ يَزِيدُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ثُلُثَ الْجِنَايَةِ فِي الْمَالِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ . 32705 - ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ أَغْرَمَ فِي نَاقَةِ مُحْرِمٍ أَهْلَكَهَا رَجُلٌ ، فَأَغْرَمَهُ الثُّلُثَ زِيَادَةً عَلَى ثَمَنِهَا . 32706 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : مَا أُصِيبَتْ مِنْ مَوَاشِي النَّاسِ ، وَأَمْوَالِهِمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، فَإِنَّهُ يُزَادُ فِيهِ الثُّلُثُ . 32707 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرٍ ، عَنْ يَحْيَى بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَسَاقَهُ بِنَحْوِ سِيَاقَةِ مَالِكٍ فِي مَعْنَى الْغُرْمِ ، وَتَصْدِيقِ الْمُزَنِيِّ فِي ثَمَنِ نَاقَتِهِ ، وَتَضْعِيفِ الْقِيمَةِ لَهُ . 32708 - وَقَدْ جَوَّدَهُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ ، وَأَبُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مِنْ عُمَرَ ، وَرَوَى عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ مَوْتِ حَاطِبٍ . 32709 - وَهَذَا غَلَطٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ ؛ لِأَنَّ حَاطِبًا مَاتَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ . 32710 - وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : تُوُفِّيَ حَاطِبٌ ، وَتَرَكَ عَبِيدًا يَعْمَلُونَ فِي مَالِهِ ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا ، وَهُمْ عِنْدَهُ ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ أَعْبُدُكَ سَرَقُوا ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَا وَجَبَ عَلَى السَّارِقِ ، انْتَحَرُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، وَاعْتَرَفُوا بِهَا ، وَمَعَهُمُ الْمُزَنِيُّ ، فَأَمَرَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ، ثُمَّ أَرْسَلَ ، وَرَأَى مَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بِهِ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ ، فَجَاءَ بِهِمْ ، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ : أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَظُنُّ أَنَّكُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُمْ ، وَتَبِيعُونَهُمْ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ وَجَدَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَأَكَلَهُ حَلَّ لَهُ لَقَطَعْتُ أَيْدِيَهُمْ ، وَلَكِنْ - وَاللَّهِ - إِذْ تَرَكْتُهُمْ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يُوجِعُكَ ، كَمْ ثَمَنُهَا ؟ لِلْمُزَنِيِّ قَالَ الْمُزَنِيُّ : كُنْتُ - وَاللَّهِ - أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، قَالَ : فَأَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ . 32711 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا ، وَلَكِنَّ لَهُ قِيمَتَهَا . 32712 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ . 32713 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ . 32714 - وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ لَهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَظُنُّ ابْنَ وَهْبٍ وَهِمَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ لِرِوَايَةِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ لَهُ ، كَذَلِكَ إِذْ جَمَعَهُمْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَيْضًا فِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ ، فَأَجْرَى مَالِكًا مَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَوَهِمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32715 - وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا ذَاكِرًا بِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ ، فَمَالَ إِلَى ذِكْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ فِي مُوَطَّئِهِ دُوْنَ سَائِرِ الرُّوَاةِ . 32716 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ . 32717 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ حَاطِبٍ مَا اعْتَرَفَ بِهِ عَبِيدُهُ . 32718 - وَهَذَا خَبَرٌ تَدْفَعُهُ الْأُصُولُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1467 28 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ . 32641 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الضَّوَارِي مَا ضَرَّ فِي الْأَذَى ، وَالْحَرِيسَةُ الْمَحْرُوسَةُ مِنَ الْمَوَاشِي فِي الْمَرْعَى . 1434 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ؛ أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ عَلَى أَهْلَ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ، ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا . 32642 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ضَامِنٌ هُنَا بِمَعْنَى مَضْمُونٍ . 32643 - هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا رَوَوْا مُرْسَلًا . 32644 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ ، فَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . 32645 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ مَعَ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ جَمِيعًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 32646 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ غَيْرُ مَعْمَرٍ . 32647 - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ مَعْمَرٌ . 32648 - وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ . 32649 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ فِيهِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ ، فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، وَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَرَامَ بْنَ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، وَلَا غَيْرَهُ . 32650 - وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ : أَنَّ نَاقَةً دَخَلَتْ فِي حَائِطِ قَوْمٍ ، فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْحَائِطِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ نَهَارًا ، فَجَعَلَ الْحَدِيثَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ النَّاقَةَ كَانَتْ لِلْبَرَاءِ . 32651 - وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَحَدَّثَ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ عَلَى مَا حَضَرَهُ ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ . 32652 - وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ فَالْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الثِّقَاتِ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ ثِقَةٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْحِجَازِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالْقَبُولِ ، وَالْعَمَلِ . 32653 - وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَصَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ عَنْ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ وَأَمَرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمَا فِيمَنْ أَمَرَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ 32654 - وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا 32655 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، وَلُغَةِ أَهْلِ الْعَرَبِ أَنَّ النَّفْشَ لَا يَكُونُ إلا بِاللَّيْلِ . 32656 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : النَّفْشُ بِاللَّيْلِ ، وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ . 32657 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ شَاةً وَقَعَتْ فِي غَزَلٍ حَائِكٍ ، وَاخْتَصَمُوا إِلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : انْظُرُوا فَإِنَّهُ سَيَسْأَلُهُمْ : أَلَيْلًا وَقَعَتْ فِيهِ أَمْ نَهَارًا ؟ فَفَعَلَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ كَانَ بِاللَّيْلِ ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنْ ، ثُمَّ قَرَأَ شُرَيْحٌ : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَقَالَ : النَّفْشُ بِاللَّيْلِ ، وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ . 32658 - قَالَ : وَقَالَ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنَا أَنَّ حَرْثَهُمْ كَانَ عِنَبًا . 32659 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : 32660 - أَحَدُهَا : كُلُّ دَابَّةٍ مُرْسَلَةٍ فَصَاحِبُهَا ضَامِنٌ . 32661 - وَالثَّانِي : لَا ضَمَانَ فِيمَا أَصَابَ الْمُنْفَلِتَةَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَوَاشِي . 32662 - وَالثَّالِثُ : مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ ، وَمَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ . 32663 - وَالرَّابِعُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ . 32664 - فَأَمَّا أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابُّ مِنَ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ ، فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهَا ، وَمَا كَانَ بِالنَّهَارِ فَلَا شَيْءَ عَلَى أَصْحَابِ الدَّوَابِّ ، وَيَقُومُ الزَّرْعُ عَلَى الَّذِي أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ . 32665 - قَالَ : وَالْحَوَائِطُ الَّتِي تُحْرَثُ وَالَّتِي لَا تُحْرَثُ سَوَاءٌ ، وَالْمُخَطَّرُ عَلَيْهِ ، وَغَيْرُ الْمُخَطَّرِ سَوَاءٌ ، يَغْرَمُ أَهْلُهَا مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا . 32666 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ بِاللَّيْلِ ، فَوَطِئَتْ عَلَى رَجُلٍ قَائِمٍ لَمْ يَغْرَمْ صَاحِبُهَا شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْحَوَائِطِ وَالزَّرْعِ وَالْحَرْثِ . 32667 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا تَقَدَّمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَلْبِ الضَّارِي ، أَوِ الْبَعِيرِ ، أَوِ الدَّابَّةِ بِمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَعَلَيْهِمْ غُرْمُهُ . 32668 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي كِتَابِهِ . 32668 م - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا فِيمَا ذَكَرَ مِنَ التَّقَدُّمِ إِلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ الضَّارِيَةِ ، أَوِ الْكَلْبِ الضَّارِي ، وَالْبَعِيرِ الصَّؤولِ ، فَإِنَّ التَّقَدُّمَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ عِنْدَهُمْ فِي الدَّوَابِّ وَالْمَوَاشِي مَا أَفْسَدَتْ فِي الْحَائِطِ وَالزَّرْعِ وَالْأَعْتَابِ وَالثِّمَارِ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ . 32669 - وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ الْجَمَلِ الصَّؤولِ ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 32670 - وَإِنَّمَا وَجَبَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الضَّمَانُ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي فِيمَا أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ ، وَشِبْهِهِ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ وَقْتُ رُجُوعِ الْمَاشِيَةِ إِلَى مَوَاضِعِ مَبِيتِهَا مِنْ دَوْرِ أَصْحَابِهَا ، وَرِحَالِهِمْ لِيَحْفَظُوهَا ، وَيُمْسِكُوهَا عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى حَرْثِ النَّاسِ وَحَوَائِطِهِمْ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ أَرْبَابُهَا حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ سُكُونٍ وَرَاحَةٍ لَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الْمَوَاشِيَ قَدْ أَوَاهَا أَرْبَابُهَا إِلَى أَمَاكِنِ قَرَارِهَا وَمَبِيتِهَا ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَيُمْكِنُ فِيهِ حَفِظُ الْحَوَائِطِ وَحِرْزُهَا ، وَتَعَاهُدُهَا ، وَدَفْعُ الْمَوَاشِي عَنْهَا . 32671 - وَلَا غِنَى لِأَصْحَابِ الْمَوَاشِي عَنْ مَشْيِهَا لِتَرْعَى ؛ فَهُوَ عَيْشُهَا ، فَأُلْزِمَ أَهْلُ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا نَهَارًا لِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأُلْزِمُ أَرْبَابُ الْمَاشِيَةِ ضَمَانَ مَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا ؛ لِتَفْرِيطِهِمْ فِي ضَبْطِهَا وَحَبْسِهَا عَنِ الِانْتِشَارِ بِاللَّيْلِ . 32672 - وَلَمَّا كَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْحَوَائِطِ حِفْظُ حَوَائِطِهِمْ فِي النَّهَارِ فَلَمْ يَفْعَلُوا كَانَتِ الْمُصِيبَةُ مِنْهُمْ لِتَفْرِيطِهِمْ أَيْضًا وَتَضْيِيعِهِمْ مَا كَانَ يَلْزَمُهُمْ مِنْ حِرَاسَةِ أَمْوَالِهِمْ . 32673 - وَهَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا أُطْلِقَتِ الدَّوَابُّ وَالْمَوَاشِي دُونَ رَاعٍ يَرْعَاهَا . 32674 - وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ تَرْعَى وَمَعَهَا صَاحِبُهَا ، فَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ زَرْعِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهَا ، فَهُوَ الْمُسَلِّطُ لَهَا ، وَهُوَ - حِينَئِذٍ - كَالسَّائِقِ ، وَالرَّاكِبِ ، وَالْقَائِدِ . 32675 - وَسَيَأْتِي ذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَجْمَاءُ جَرَحُهَا جُبَارٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 32676 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَضْمَنُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ مَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَلَا يَضْمَنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ . 32677 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُفَرِّقِ اللَّيْثُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْ بِالضَّمَانِ قِيمَةَ الْمَاشِيَةِ ، وَأَظُنُّهُ قَاسَهُ عَلَى الْعَبْدِ الْجَانِي أَلَّا يَفْتَكَّهُ سَيِّدُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَأَنَّ جِنَايَتَهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سَوَاءٌ ، فَخَالَفَ الْحَدِيثُ فِي الْعَجْمَاءِ جَرَحُهَا جُبَارٌ ، وَخَالَفَ حَدِيثَ نَاقَةِ الْبَرَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَهُ إِلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ عَطَاءٌ . 32678 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : الْحَرْثُ تُصِيبُهُ الْمَاشِيَةُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ؟ قَالَ : يَضْمَنُ صَاحِبُهَا وَيَغْرَمُ . قُلْتُ : كَانَ عَلَيْهِ حَظْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : مَا يَغْرَمُ ؟ قَالَ : يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ حِمَارُهُ ، وَدَابَّتُهُ ، وَمَاشِيَتُهُ . 32679 - وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ : يَقُومُ الزَّرْعُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي أُصِيبَ عَلَيْهَا دَرَاهِمَ . 32680 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : مَا أَصَابَ الْمُنْفَلِتُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَمَنْ أَصَابَ الْمُنْفَلِت ضَمِنَ . 32681 - وَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ - فِي الدَّابَّةِ الْمُرْسَلَةِ تُصِيبُ مَالا لَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ ، عَنِ الْأَشْعَثِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كُلُّ مُرْسَلَةٍ ، فَصَاحِبُهَا ضَامِنٌ . 32682 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : تَضْمِينُ رَبِّ الْمَاشِيَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْ طُرُقٍ لَا تَصِحُّ . 32683 - وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِي الْبَعِيرِ الضَّارِي ؛ الْجَمَلِ ، وَالْحِمَارِ ، وَالْبَقَرَةِ الضَّارِيَةِ أَنه يَعْهَدَ إِلَى رَبِّهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُعْقَرْنَ ، وَكَانَا يَأْمُرَانِ كُلَّ مِنْ لَهُ حَائِطٌ أَنْ يَحْظُرَهُ حِظَارًا مِنَ النَّصَارَى يَكُونُ إِلَى نَحْرِ الْبَعِيرِ ، فَإِنْ تَسَوَّرَ رُدَّ إِلَى أَهْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ عُقِرَ . 32684 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَضْمَنَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ مَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا بَالِغًا مَا بَلَغَتِ الْجِنَايَةُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَدِيثِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ الضَّمَانُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِقِيمَةِ النَّاقَةِ وَغَيْرِهَا ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّيْلِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ حُكْمِ النَّهَارِ . 32685 - وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يُفْتِي بِقَوْلِ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ ، يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَقَضَى بِهِ أَكْثَرُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا بَعْدَهُ ، وَاعْتَلَّ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ مَالِكًا يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ الضَّارِيَةِ الْمُعْتَادَةِ الِانْطِلَاقَ عَلَى زَرْعِ النَّاسِ . 32686 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 32687 - فَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ ، وَلَا بِالنَّهَارِ . 32688 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، قَالُوا : لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْبَهَائِمِ فِيمَا تُفْسِدُهُ ، أَوْ تَجْنِي عَلَيْهِ ، لَا فِي اللَّيْلِ ، وَلَا فِي النَّهَارِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا ، أَوْ سَائِقًا ، أَوْ قَائِدًا . 32689 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَجْمَاءُ جَرَحُهَا جُبَارٌ ، وَقَالُوا : هَذَا حُكْمٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ مَا شُرِعَ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ . 32690 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا 32691 - وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي شَاةٍ وَقَعَتْ فِي غَزْلٍ حَائِكٍ بِالنَّهَارِ أَنَّهُ يَضْمَنُ . 32692 - فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : تَصْحِيحُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَهَا مَحْفُوظَةً لَمْ يَضْمَنْ بِاللَّيْلِ وَلَا بِالنَّهَارِ ، وَإِذَا أَرْسَلَهَا سَائِبَةً ضَمِنَ . 32693 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا كَانَ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ فَقَدْ فَعَلَ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي إِذَا سَيَّبُوهَا مَا أُبِيحُ لَهُمْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ ، عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1437 10 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَلْقِ الرَّهْنِ 1402 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ . 31942 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ، فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رُهِنَ بِهِ ، فَيَقُولَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ : إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا رُهِنَ فِيهِ . 31943 - قَالَ : فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَلَا يَحِلُّ ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِالَّذِي رُهِنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مُنْفَسِخًا . 31944 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ وَصَلَ الْحَدِيثَ ، فَجَعَلَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ ، وَمِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31945 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ فِيهِ مُرْسَلًا ، وَمُسْنَدًا : الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . 31946 - وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 31947 - وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْغَضَائِرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ وَهُوَ مِنْ صَاحِبِهِ . 31948 - هَكَذَا جَاءَ هَذَا الْإِسْنَادُ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ . 31949 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . 31950 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِكُلِّ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 31951 - وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ مُرْسَلٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وُصِلَ مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يُعَلِّلُونَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُهُ ، بَلِ الْجَمِيعُ يَقْبَلُهُ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . 31952 - وَالرِّوَايَةُ فِيهِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى الْخَبَرِ ، بِمَعْنَى الرَّهْنِ لَيْسَ يَغْلَقُ ، أَيْ لَا يَذْهَبُ ، وَلَا يُتْلِفُ بَاطِلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31953 - وَالنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ : غَلْقُ الرَّهْنِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ تَخَلُّصٌ . 31954 - قَالَ زُهَيْرٌ : وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا 31955 - وَقَالَ قَعْنَبُ ابْنُ أُمِّ صَاحِبٍ : بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ وَغَلَّقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَبْلِكَ الرَّهَنُ . 31956 - وَقَالَ آخَرُ : كَأَنَّ الْقَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ يُغْدَى بِلَيْلَى الْعَامِرِيَّةِ أَوْ يُرَاحُ قَطَاةٌ عَرَّهَا شَرَكٌ فَبَاتَتْ تُجَاذِبُهُ وَقَدْ غَلِقَ الْجَنَاحُ . 31957 - وَقَدْ أَكْثَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنَ الشَّوَاهِدِ بِالشِّعْرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 31958 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّهْنِ إِذَا ضَاعَ : قَدْ غَلِقَ ، إِنَّمَا يُقَالُ : قَدْ غَلِقَ إِذَا اسْتَحَقَّهُ الْمُرْتَهِنُ ، فَذَهَبَ بِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ تَفْسِيرِ مَالِكٍ لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ . 31959 - وَعَلَى نَحْوِ تَفْسِيرِ مَالِكٍ لِذَلِكَ فَسَّرَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . 31960 - وَبِمِثْلِ ذَلِكَ جَاءَ تَفْسِيرُهُ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَطَاوُسٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . 31961 - وَقَدْ كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُهُ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . 31962 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ : إِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ ، فَقَالَ صَاحِبُهُ : إِنْ لَمْ آتِكَ إِلَى كَذَا وَكَذَا فَالرَّهْنُ لَكَ ، قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ يُبَاعُ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ ، وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ . 31963 - رَوَى هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : إِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ قَرْضًا ، وَرَهَنَهُ رَهْنًا ، وَقَالَ لَهُ : إِنْ أَتَيْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا ، وَإِلَّا فَهُوَ لَكَ بِمَا فِيهِ ، قَالَ : لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، هُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ لَا يَغْلَقُ . 31964 - وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ . 31965 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ إِنَّمَا هُوَ فِي الرَّهْنِ الْقَائِمِ الْمَوْجُودِ ، لَا فِيمَا هَلَكَ مِنَ الرُّهُونِ ، وَأَنَّهُ لَيَأْخُذُهُ الْمُرْتَهِنُ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي أَبْطَلَتْهُ السُّنَّةُ ، وَجَعَلَتْ صَاحِبَهُ أَوْلَى بِهِ إِذَا أَرَادَ افْتِكَاكَهُ ، فَأَدَّى دَيْنَهُ . 31966 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ : أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، أَهْوَ الرَّجُلُ : يَقُولُ : إِنْ لَمْ آتِكَ بِمَالِكَ ، فَهَذَا الرَّهْنُ لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ مَعْمَرٌ : ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ لَمْ يَذْهَبْ حَقُّ هَذَا ، إِنَّمَا هَلَكَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . 31967 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - قَدِيمًا وَحَدِيثًا - مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعَيْنِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الرَّهْنِ يَهْلِكُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ، وَيُتْلَفُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ ، وَلَا تَضْيِيعٍ : 31968 - قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِذَا كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَخْفَى هَلَاكُهُ نَحْوَ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْحُلِيِّ ، وَالسَّيْفِ ، وَاللِّجَامِ ، وَسَائِرِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَتَاعِ ، وَيَخْفَى هَلَاكُهُ ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِنْ هَلَكَ ، وَخَفِيَ هَلَاكُهُ ، وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا . 31969 - وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنَ الدَّيْنِ ذَهَبَ الدَّيْنُ كُلُّهُ ، وَيَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِفَضْلِ قِيمَةِ الرَّهْنِ . 31970 - وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ الدَّيْنِ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ . 31971 - وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَتَمَّ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ دَيْنَهُ . 31972 - وَإِنِ اخْتَلَفَا فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا ، حَيْثُ ذَكَرَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ . 31973 - وَكَانَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ يَذْهَبَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّهْنِ أَنَّهُ إِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ ، فَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ ، إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ، أَوْ يُضَيِّعَهُ ، فَيَضْمَنَ . 31974 - وَقَالَ أَشْهَبُ : كُلُّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ خَفِيَ هَلَاكُهُ ، أَوْ ظَهَرَ . 31975 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ . 31976 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي الرَّهْنِ إِذَا كَانَ مِمَّا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ نَحْوَ الدُّورِ ، وَالْأَرَضِينَ ، وَالْحَيَوَانِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهَلَكَ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ وَمُصِيبَتِهِ مِنْهُ ، وَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ أَمِينٌ . 31977 - وَرَوَى هَذَا الْقَوْلَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 31978 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي هَلَاكِ الرَّهْنِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ : إِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا عَلَى مِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ ، وَبَيْنَ مَا لَا يَظْهَرُ ، وَبَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، وَبَيْنَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ . 31979 - وَالرَّهْنُ عِنْدَهُمْ مَضْمُونٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ . 31980 - وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ وَمَعْنَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 31981 - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمِيرَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُمَيْرَةَ مَجْهُولٌ ، لَا يُعْرَفُ . 31982 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ كَانَ الرَّهْنُ مِثْلَ الدَّيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الدَّيْنِ ذَهَبَ من الدين بِقَدْرِهِ ، وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَنِ الدَّيْنِ . 31983 - وَالرَّهْنُ عِنْدَهُمْ مَضْمُونٌ بِقِيمَةِ الدَّيْنِ فَمَا دُونَ ، وَمَا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ فَهُوَ أَمَانَةٌ . 31984 - وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَسَانِيدِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 31985 - وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ : يَذْهَبُ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا هَلَكَ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ . 31986 - وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَدَنِيِّينَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَجْعَلُونَهُ بِمَا فِيهِ إِذَا هَلَكَ وَعَمِيَتْ قِيمَتُهُ ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا فِيهِ ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا فِيهِ تَرَادَّا الْفَضْلَ . 31987 - وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : إِذَا عَمِيَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ ، وَأَقَرَّ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ جَمِيعًا أَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ قِيمَتَهُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ . 31988 - قَالَ اللَّيْثُ : وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 31989 - وَالْحَيَوَانُ عِنْدَ اللَّيْثِ لَا يُضْمَنُ إِلَّا أَنْ يُتَّهَمَ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى الْمَوْتِ وَالْإِبَاقِ . 31990 - قَالَ اللَّيْثُ : بِالْمَوْتِ يَكُونُ ظَاهِرًا مَعْلُومًا لَا يَخْفَى . 31991 - وَإِنْ أَعْلَمَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ بِمَوْتِهِ ، أَوْ إِبَاقِهِ ، أَوْ أَعْلَمَ السُّلْطَانَ - إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا - حَلَفَ ، وَبَرِئَ . 31992 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : الرَّهْنُ كُلُّهُ أَمَانَةٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُضْمَنُ إِلَّا بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الْوَدَائِعُ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّضْيِيعِ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ ، وَلَا يَضِيرُ الْمُرْتَهِنَ هَلَاكُ الرَّهْنِ ، وَدَيْنُهُ ثَابِتٌ عَلَى حَالِهِ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمُ الْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ ، وَالدُّورُ ، وَالرِّبَاعُ ، وَالثِّيَابُ ، وَالْحُلِيُّ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . 31993 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 31994 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31995 - وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْسِلُهُ عَنْ سَعِيدٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ قَوْلِهِ : الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . 31996 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي التَّمْهِيدِ . 31997 - وَقَالَ هَؤُلَاءِ : يَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَهُ غُنْمُهُ ؛ أَيْ لَهُ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُهُ ، وَفَائِدَتُهُ ، كَمَا لَهُ رَقَبَتُهُ . 31998 - وَمَعْنَى عَلَيْهِ غُرْمُهُ : أَيْ فِكَاكُهُ وَمُصِيبَتُهُ . 31999 - قَالُوا : وَالْمُرْتَهِنُ لَيْسَ بِمُعْتَدٍ حِينَئِذٍ فَيَضْمَنُ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ تَعَدَّى . 32000 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : قَدْ قَالَ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ : إِنَّ الْحَيَوَانَ مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ أَمَانَةٌ . 32001 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَهُوَ أَمَانَةٌ ، فَالْوَاجِبُ بِحَقِّ النَّظَرِ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ أَمَانَةً . 32002 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ : أَيْ لَهُ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُهُ وَأُجْرَةُ عَمَلِهِ ، كَمَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 32003 - قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ ؛ أَيْ نَفَقَتُهُ ، لَيْسَ الْفِكَاكُ وَالْمُصِيبَةُ . 32004 - قَالُوا : لِأَنَّ الْغُنْمَ إِذَا كَانَ الْخَرَاجَ وَالْغَلَّةَ كَانَ الْغُرْمُ مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنَ النَّفَقَةِ . 32005 - قَالُوا : وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمْ يَضْمَنْ مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ ، وَيَضْمَنُ مَا غَابَ هَلَاكُهُ مِنْ حَيْثُ ضَمِنَهُ الْمُسْتَعِيرُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْذَ الشَّيْءِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ، وَالْمُرْتَهِنُ أَخَذَهُ وَتَبِعَهُ بِحَقِّهِ ، وَالْمُسْتَعِيرُ أَخَذَ الْعَارِيَةَ لِلْمَنْفَعَةِ بِهَا دُونَ صَاحِبِهَا مَا دَامَتْ عِنْدَهُ . 32006 - وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمَانَةُ ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ يَأْخُذُهَا لِمَنْفَعَةِ رَبِّهَا ، وَذَلِكَ حِفْظُهَا عَلَيْهِ ، وَحِرَاسَتُهَا لَهُ . 32007 - قَالُوا : وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ : أَيْ أَجْرُ ظَهْرِهِ لِرَبِّهِ ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ رِبًا مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ يَلِي الرُّكُوبَ وَالْحِلَابَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَصِيرُ - حِينَئِذٍ - الرَّهْنُ عِنْدَهُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ ، وَالرَّهْنُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا ، وَلَوْ رَكِبَهُ لَخَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ . 32008 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَهُمْ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ : أَيْ لَا يَكُونُ غُنْمُهُ لِلْمُرْتَهِنِ ، وَلَكِنْ يَكُونُ لِلرَّاهِنِ ، وَغُنْمُهُ عِنْدَهُمْ مَا فَضَلَ مِنَ الدَّيْنِ ، وَغُرْمُهُ مَا نَقَصَ مِنَ الدَّيْنِ . 32009 - وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا عِنْدَهُمْ فِي سَلَامَةِ الرَّهْنِ ، لَا فِي عَطَبِهِ . 32010 - وَالرَّهْنُ عِنْدَهُمْ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ ، لَا بِنَفْسِهِ ، وَلَا قِيمَتِهِ . 32011 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فِي الْفَلْسِ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَدِيعَةِ ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمَانَةً لَمْ يَكُنِ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهِ . 32012 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ قَوْلٌ عَامٌّ ، لَمْ يَخُصَّ فِيهِ مَا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ مِمَّا لَا يَظْهَرُ ، وَمَا يُعَابُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يُعَابُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ قَالَ بِمَا لَا يُعَضِّدُهُ نَصٌّ ، وَلَا قِيَاسٌ . 32013 - وَلَوْ عُكِسَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى قَائِلِهِ ، فَقِيلَ : مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ لَا يَكُونُ أَمَانَةً ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ رَضِيَا أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ ، أَوْ مَضْمُونًا بِقِيمَتِهِ ، وَأَمَّا مَا يَخْفَى هَلَاكُهُ فَقَدْ رَضِيَ صَاحِبُهُ بِدَفْعِهِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَلَاكَهُ يَخْفَى ، فَقَدْ رَضِيَ فِيهِ أَمَانَتَهُ ، فَهُوَ لِأَمَانَتِهِ ، فَإِنْ هَلَكَ لَمْ يَهْلَكْ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِقَائِلِهِ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا قِيَاسٍ . 32014 - قَالَ : وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ مِنَ الْأَمَانَةِ ، وَمَا خَفِيَ سَوَاءٌ أَنَّهُ مَضْمُونٌ ، وَمَا ظَهَرَ ، أَوْ خَفِيَ هَلَاكُهُ مِنَ الْمَضْمُونِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ . 32015 - قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، لَا يَسْتَقِيمُ فِي قِيَاسٍ وَلَا نَظَرٍ ، وَلَا فِيهِ أَثَرٌ يَلْزَمُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الرَّهْنَ مَرَّةً مَضْمُونًا بِمَا فِيهِ الدَّيْنُ ، وَمَرَّةً مَضْمُونًا بِالْقَيِّمَةِ بِمَا فِيهِ ، وَالْمَضْمُونَاتُ إِنَّمَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ إِذَا فَاتَتْ كَأَنَّمَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ ، فَإِنْ ذَكَرُوا رِوَايَةً عَنْ عَلِيٍّ ، فَالْخِلَافُ عَنْ عَلِيٍّ مَوْجُودٌ ، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 32016 - اخْتَصَرْتُ كَلَامَهُ هَذَا ، وَلِكُلِّ هَذِهِ الطَّوَائِفِ حُجَجٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، قَدْ تَقَصَّاهَا أَصْحَابُهُمْ ، كُلٌّ لِمَذْهَبِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ .
1438 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَمَلِ يَصُولُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَعْقِرُهُ : فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ وَصَالَ عَلَيْهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ إِلَّا مَقَالَتُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْجَمَلِ . 32727 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ . 32728 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا صَالَ الْجَمَلُ عَلَيْهِ ، وَأَرَادَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَهُ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ ، فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِضَرْبِهِ ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ كَانَ هَدَرًا . 32729 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، أَوْ دُونَ نَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ . 32730 - وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْأَكْثَرُ كَانَ الْأَقَلُّ أَسْقَطَ . 32731 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فِي بَعِيرٍ صَالَ عَلَى رَجُلٍ ، فَقَتَلَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ . 32732 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . 32733 - وَرَوَى عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ : أَسْتَقْبِحُ أَنْ أُضَمِّنَهُ . 32734 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَضْمَنُ . 32735 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى وَكِيعٌ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ بَعِيرًا افْتَرَسَ رَجُلًا ، فَقَتَلَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَقَتَلَ الْبَعِيرَ ، فَأَبْطَلَ شُرَيْحٌ دِيَةَ الرَّجُلِ ، وَضَمَّنَ الرَّجُلَ دِيَةَ الْبَعِيرِ . 32736 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : يَغْرَمُ قَاتِلُ الْبَهِيمَةِ ، وَلَا يَغْرَمُ أَهْلُهَا مَا قَتَلَتْ . 32737 - رَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : اقْتُلُوا الْفَحْلَ إِذَا عَدَا عَلَيْكُمْ ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْكُمْ . 32738 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، أَنَّ غُلَامًا مِنْ قَوْمِهِ أَدْخَلَ بُخْتِيَّةً لِزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي دَارِهِ ، فَتَخَبَّطَتْهُ فَقَتَلَتْهُ ، فَجَاءَ أَبُوهُ بِالسَّيْفِ فَعَقَرَهَا ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ، فَأَهْدَرَ دَمَ الْغُلَامِ ، وَضَمَّنَ أَبَاهُ ثَمَنَ الْبُخْتِيَّةِ . 32739 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَلْقَى الْبَهِيمَةَ ، فَيَخَافُهَا عَنْ نَفْسِهِ ، قَالَ : يَقْتُلُهَا وَثَمَنُهَا عَلَيْهِ . 32740 - وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلضَّمَانِ بِأَنْ قَالَ : الضَّرُورَةُ إِلَى مَالِ الْغَيْرِ لَا تُسْقِطُ الضَّمَانَ ، قَالَ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْجَمَلِ أَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ لِقَتْلِهِ ، وَلَوْ قَتَلَ الْجَمَلَ الرَّجُلُ كَانَ هَدَرًا بِحُرْمَتِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ كَهِيَ قَبْلَهُ .
29 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ 32719 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ ، أَنَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا . 32719 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ مَا يُصَابُ مِنَ الْبَهَائِمِ . 32720 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبُعِ ثَمَنِهَا وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ . 32721 - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ . 32722 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 32723 - وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ زُفَرَ أَنَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا نَقَصَ مِنَ الْبَهِيمَةِ . 32724 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ . 32725 - إِلَّا أَنَّ اللَّيْثَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الدَّابَّةَ إِنْ فُقِئَتْ عَيْنُهَا ، أَوْ كُسِرَتْ رِجْلُهَا ، أَوْ قُطِعَ ذَنَبُهَا ، فَعَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ضَمَانُ الدَّابَّةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ ثَمَنَهَا ، أَوْ شِرَاؤُهَا . 32726 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الْقِيَاسُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِيجَابُ النُّقْصَانِ ، إِلَّا مَنْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبُعِ قِيمَتِهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مِنْهُمْ ، وَلِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ .
1419 - مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، أَوْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، قَضَى أَحَدُهُمَا فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا ، وَذَكَرَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ، فَقَضَى أَنْ يَفْدِيَ وَلَدَهُ بِمِثْلِهِمْ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 32381 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ جَمِيعًا . 32382 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يَذْكُرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْأَمَةِ تَأْتِي قَوْمًا فَتُخْبِرُهُمْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَيَنْكِحُهَا أَحَدُهُمْ ، فَتَلِدُ لَهُ ، فَقَضَى عُمَرُ أَنَّ عَلَى أَبِيهِ مِثْلَ كُلِّ وَالِدٍ وُلِدَ لَهُ مِنَ الرَّقِيقِ فِي الشِّبْرِ وَالذَّرْعِ . 32383 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِسُلَيْمَانَ : فَإِنْ كَانَ أَوْلَادُهُ حِسَانًا قَالَ : لَا يُكَلِّفُ مِثْلَهُمْ فِي الْحُسْنِ ، إِنَّمَا يُكَلِّفُ مِثْلَهُمْ فِي الذَّرْعِ . 32384 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ عَطَاءٌ : أَرَى أَنْ يُفَادي فِيهِمْ آبَاؤُهُمْ . 32385 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّهُ قَالَ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ تَفِرُّ مِنْ نَفْسِهَا عَبْدَانِ . 32386 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : مَكَانُ كُلِّ عَبْدٍ عَبْدٌ وَمَكَانُ كُلِّ جَارِيَةٍ جَارِيَةٌ . 32387 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي الْأَمَةِ يَنْكِحُهَا الرَّجُلُ ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَلِدُ أَوْلَادًا ، فَقَضَى فِيهَا عُثْمَانُ مَكَانَ كُلِّ وَلَدٍ عَبْدٌ ، أَوْ مَكَانَ كُلِّ جَارِيَةٍ جَارِيَتَانِ . 32388 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : نَكَحَ رَجُلٌ أَمَةً ، فَوَلَدَتْ لَهُ ، فَكَتَبَتْ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَكَتَبَ أَنْ تُفَادِي أَوْلَادَهُ بِوَصِيفَيْنِ أَحْمَرَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ ، أَحَبَّ أَهْلُ الْجَارِيَةِ ، أَوْ كَرِهُوا . 32389 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ ، يُقَالُ لَهُ : إِنَّهَا حُرَّةٌ قَالَ : صَدَاقُهَا عَلَى الَّذِي غَرَّهُ . 32390 - قَالَ شُعْبَةُ : وَقَالَ حَمَّادٌ مِثْلَ ذَلِكَ . 32391 - وَقَالَ الْحَكَمُ : إِذَا وَلَدَتْ فَفِدَاءُ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ . 32392 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي الْأَمَةِ تَغُرُّ مِنْ نَفْسِهَا الْحُرَّ ، فَقَالَ : عَلَى الْأَبِ قِيمَةُ الْوَلَدِ . قَالَ : وَلَوْ غَرَّهُ غَيْرُهَا كَانَتِ الْقَيِّمَةُ أَيْضًا عَلَى الْأَبِ ، وَيَتْبَعُ الَّذِي غَرَّهُ . 32393 - قَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : يَغْرَمُ الْقِيمَةَ . 32394 - قَالَ : وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَقُومُونَ حِينَ وُلِدُوا ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ . 32395 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَقُومُونَ حِينَ يَقْضِي فِيهِمُ الْقَاضِي . 32396 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا غَرَّتِ الْأَمَةُ مِنْ نَفْسِهَا ، وَتَزَوَّجَتْ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ، وَدَخَلَ بِهَا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْمَهْرُ . 32397 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا مَا فَضَلَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ . 32398 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَى الْغَارِّ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ لِلْأَبِ ، وَعَلَى الْأَبِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِعُقْرِهِ . 32399 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا زَوَّجَ رَجُلٌ رَجْلًا امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ ، فَعَلَى الْأَبِ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ وَالْعُقْرِ ، وَيَرْجِعُ بِالْقَيِّمَةِ عَلَى الْغَارِّ ، وَلَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ . 32400 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا أَخْبَرَهُ أَنَّهَا حُرَّةٌ ، وَزَوْجُهَا مِنْهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ مِنَ الْوَلَدِ ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ فِي رَأْيٍ ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ ، قَالَ : وَإِذَا أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَهَا ، ثُمَّ زَوَّجَهُ مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ . 32401 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَرْجِعُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْغَارِّ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ سَبَبَ الْوَلَدِ ، وَلَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلَّتِي نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذَنْ وَلِيِّهَا صَدَاقَهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، وَقَالَ : إِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا . 32402 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ ، وَيَوْمَ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهَا . 32403 - قَالُوا : وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ . 32404 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فَإِنْ تَخَلَّفَ الِابْنُ الْمَيِّتُ قَبْلَ الْخُصُومِ فِيهِمْ مَالًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَبِ فِيهِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُتِلَ ، فَأَخَذَ الْأَبُ دِيَتَهُ . 32405 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : اسْتَحَبُّوا الْقِيمَةَ يَوْمَ يَسْقُطُ الْوَلَدُ ، قَالَ : وَالْقِيَاسُ يَوْمَ يَسْتَحِقُّ . 32406 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَى الْأَبِ الْقِيمَةُ يَوْمَ وُلِدُوا . 32407 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : الْأَوْلَادُ رَقِيقٌ ، وَلَا قِيمَةَ فِيهِمْ عَلَى أَحَدٍ . 32408 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَمْلُوكِينَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ عَلَى الْأَبِ قِيمَتُهُمْ . 32409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّ كُلَّ أَمَةٍ تَلِدُ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا ، فَالْقِيَاسُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا ، إِلَّا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ السَّلَفَ ، فَاتِّبَاعُهُمْ خَيْرٌ مِنَ الِابْتِدَاعِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1449 21 - بَابُ الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ 1416 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي . فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ ، وَقَالَ : ابْنُ أَخِي ، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي ، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي . وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَتْ : فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . 32251 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مَالِكٍ ، وَلَا عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَرْوِيهِ مُخْتَصَرًا ، لَا يَذْكُرُ فِيهِ إِلَّا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . 32252 - وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، دُونَ قِصَّةِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَسَعْدٍ . 32253 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32254 - وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32255 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي التَّمْهِيدِ . 32256 - وَهُوَ أَثْبَتُ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ وَأَصَحُّهَا ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَهُوَ مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا فِي شَيْءٍ مِنْ مَعْنَاهُ ، نَذْكُرُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 32257 - وَأَمَّا قِصَّةُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَدْ أَشْكَلَ مَعْنَاهَا عَلَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَتَأَوَّلُوا فِيهَا تَأْوِيلَاتٍ ، فَخَرَجَ جَوَابُهَا عَنِ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 32258 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِي عَنْ أَحَدٍ دَعْوَى إِلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنَ الْمُدَّعِي ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوْكِيلَ عُتْبَةَ لِأَخِيهِ سَعْدٍ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دَعْوَى سَعْدٍ لِذَلِكَ ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 32259 - وَأَمَّا دَعْوَى عُتْبَةَ لِلْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا ، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ سَعْدٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عِلْمِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَحُكْمِهِمْ دَعْوَى الْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا ، فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى جَاهِلِيَّتِهِمْ حَتَّى يُؤْمَرُوا ، أَوْ يُنْهُوا ، وَيَبِينَ لهمْ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ ، وَفِيمَا يُرَادُ مِنْهُ التَّعَبُّدُ بِهِ ، فَكَانَتْ دَعْوَى سَعْدٍ سَبَبَ الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّ الْعَاهِرَ لَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَلَدٌ يَدَّعِيهِ مِنَ الزِّنَا ، وَأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 32260 - وَالْفِرَاشُ النِّكَاحُ ، أَوْ مِلْكُ الْيَمِينِ لَا غَيْرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِرَاشٌ وَادَّعَى أَحَدٌ وَلَدًا مِنْ زِنًا ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمن اسْتَلَاطَهُمْ ، وَيُلْحِقُهُمْ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا كَذَلِكَ . 32261 - وَأَمَّا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ أَحْكَمَ اللَّهُ شَرِيعَتَهُ ، وَأَكْمَلَ دِينَهُ ، فَلَا يُلْحَقُ وَلَدٌ مِنْ زِنًا بِمُدَّعِيهِ أَبَدًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، كَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ . 32262 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا ابْنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ قَالُوا : وَمَا الْأَثْلَبُ ؟ قَالَ : الْحَجَرُ . 32263 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ - لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيمَا عَلِمْتُهُ - أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ وَلَدٌ يَسْتَلْحِقُهُ إِلَّا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، فَإِذَا كَانَ نِكَاحٌ ، أَوْ مِلْكٌ فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 32264 - وَالْفِرَاشُ فِي الْحُرَّةِ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ . 32265 - وَالْفِرَاشُ فِي الْأَمَةِ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ إِقْرَارُ سَيِّدِهَا بِأَنَّهُ كَانَ يُلِمُّ بِهَا ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ إِقْرَارُهُ بِالْوَلَدِ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَا يُنْتَفى وَلَدُ الْحُرَّةِ إِذا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ إِلَّا بِلِعَانٍ ، وَحُكْمُ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32266 - وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كُلُّهَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّا نَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِلَّا فِيمَا وَصَفْتُ . 32267 - وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا - ادِّعَاءُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ عَلَى أَبِيهِ وَلَدًا بِقَوْلِهِ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ ، تَشْهَدُ عَلَى أَبِيهِ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ ، وَفِي الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَى أَبِيهِ ، وَلَا دَعْوَى أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا 32268 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى مَا نُورِدُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى . 32269 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ : هُوَ لَكَ ، أَيْ هُوَ أَخُوكَ ، كَمَا ادَّعَيْتَ ، قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ زَمْعَةَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ صِهْرَهُ ، وَسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَةَ كَانَ يَمَسُّهَا زَمْعَةُ سَيِّدُهَا ، فَصَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِذَلِكَ ، فَأَلْحَقَ وَلَدَهَا بِهِ ؛ لِمَا قَدْ عَلِمَهُ مِنْ فِرَاشِ زَمْعَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَضَى بِهِ ؛ لِاسْتِلْحَاقِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ لَهُ . 32270 - وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ . 32271 - وَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْأَخَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 32272 - وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يَسْتَلْحِقُ أَحَدٌ غَيْرَ الْأَبِ ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ . 32273 - وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ . 32274 - وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَا يَسْتَلْحِقُ الْأَخُ بِحَالٍ . 32275 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ ، وَالْبُوَيْطِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ : أَنَّ الْأَخَ لَا يَسْتَلْحِقُ ، وَحْدَهُ كَانَ أَوْ مَعَ أَخٍ يُخَالِفُهُ . 32276 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهُ يَقْبَلُ إِقْرَارَ الْوَارِثِ عَلَى الْمَوْرُوثِ بِالنَّسَبِ ، كَمَا يَقْبَلُ إِقْرَارَهُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمُقِرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . 32277 - وَرَوَى الرَّبِيعُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ ، قَالَ : لا يَجُوزُ إِقْرَارُ الْأَخِ بِأَخِيهِ إِذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَدْفَعُهُ مِنَ الْوَرَثَةِ ، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَدْفَعُهُ لَحِقَ نَسَبَهُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ . 32278 - قَالَ الرَّبِيعُ : قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي ، كَانَ مَنْ يَدْفَعُهُ ثَمَّ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهَذَا يُقِرُّ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَلْحَقَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بِأَبِيهِ ؛ لِمَعْرِفَتِهِ بِفِرَاشِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32279 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَخَ لَا يَسْتَلْحِقُ وَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ نَسَبٌ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرُّ بِأَخٍ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا مِنَ الْمِيرَاثِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلُهُ . 32280 - وَسَنَذْكُرُ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 32281 - وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : لَوْ قَبِلَ اسْتِلْحَاقَ غَيْرِ الْأَبِ كَانَ فِيهِ حُقُوقٌ عَلَى الْأَبِ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ ، وَلَا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ . 32282 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ : أَيْ هُوَ عَبْدٌ مِلْكًا ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِيكَ ، وَكُلُّ أَمَةٍ تَلِدُ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ، فَوَلَدُهَا عَبْدٌ ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقُلُ فِي الْحَدِيثِ اعْتِرَافَ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا ، وَلَا شُهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَكَانَتِ الْأُصُولُ تَدْفَعُ قَبُولَ ابْنِهِ عَلَيْهِ ؛ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ تَبِعَ لِأُمِّهِ ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهُ إِلَّا شِقْصًا . 32283 - وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الطَّبَرِيِّ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَخِي وَابْنَ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ خَارِجٌ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْأُصُولِ . 32284 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فَمَعْنَاهُ هُوَ لَكَ بِيَدِكَ عَلَيْهِ ، لَا أَنَّكَ تَمْلِكُهُ ، وَلَكِنْ تَمْنَعُ بِيَدِكَ عَلَيْهِ كُلَّ مَنْ سِوَاكَ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ فِي اللُّقَطَةِ : هِيَ لَكَ بِيَدِكَ عَلَيْهَا ، تَدْفَعُ غَيْرَكَ عَنْهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا ، لَيْسَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنًا لِزَمْعَةَ ، ثُمَّ يَأْمُرَ أُخْتَهُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، هَذَا مِحَالٌ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32285 - قَالَ : وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ ادِّعَاءَ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَا دَعْوَى بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا ادَّعَى شَيْئًا كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لُحُوقِ وَلَدِ الزِّنَا بِمَنِ ادَّعَاهُ . 32286 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَقْضِي بِذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ - إِذَا لَمْ يَكُنْ فِرَاشٌ - فَادَّعَى سَعْدٌ وَصِيَّةَ أَخِيهِ بِمَا كَانَ يَحْكُمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ لِأَخِيهِ كَدَعْوَى أَخِيهِ لِنَفْسِهِ ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَابَلَهُ بِدَعْوَى تُوجِبُ عِتْقًا لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَهُ كَانَ يَمْلِكُ بَعْضَهُ حِينَ ادَّعَى فِيهِ مَا ادَّعَى ، وَيُعْتِقُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَمْلِكُ مِنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَبْطَلَ دَعْوَى سَعْدٍ ، وَلَمَّا كَانَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ شَرِيكٌ فِيمَا ادَّعَاهُ ، وَهِيَ أُخْتُهُ سَوْدَةُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ التَّصْدِيقَ لِمَقَالَتِهِ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أُخْتِهِ إِذْ لَمْ تُصَدِّقْهُ ، وَلَمْ تَجْعَلْهُ أَخَاهَا ، وَأَمَرَهَا بِالْحِجَابِ مِنْهُ . 32287 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ حَسَنٌ كُلُّهُ إِلَّا قَوْلَهُ ؛ فَكَانَتْ دَعْوَى سَعْدٍ لِأَخِيهِ كَدَعْوَى أَخِيهِ لِنَفْسِهِ ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِي ذَلِكَ مَا يُصَدِّقُ دَعْوَاهُ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . 32288 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَابَ فِيهِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، فَأَعْلَمَهُمْ بِالْحُكْمِ أَنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ إِذَا ادَّعَى صَاحِبُ فَرَاشٍ ، وَصَاحِبُ زِنًا إِلَّا أَنَّهُ قَبِلَ عَلَى عُتْبَةَ قَوْلَ أَخِيهِ سَعْدٍ ، وَلَا عَلَى قَوْلِ زَمْعَةَ قَوْلَ ابْنِهِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، أنَّ أَبَاهُ أَوْلَدَهَا الْوَلَدَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ . 32289 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ خَرَجَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيُعَرِّفَهُمْ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي مِثْلِهَا إِذَا نَزَلَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِسَوْدَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ . 32290 - وَقَدْ حَكَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ : إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ ، وَلَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلَكِنَّهُمْ كَلَّمُوهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ؛ لِيَعْرِفَ بِهَا مَا أَرَادُوا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُؤْنِسُنِي عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَكَانَ عِنْدِي ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32291 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : لَمْ تَصِحَّ دَعْوَى سَعْدٍ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَا دَعْوَةُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ عَلَى أَبِيهِ ، وَلَا أَقَرَّتْ سَوْدَةُ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيهَا ، فَيَكُونُ أَخَاهَا مَنَعَهُ مِنْ رُؤْيَتِهَا ، وَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُوهَا مَا أَمَرَهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ : إِنَّهُ عَمُّكَ ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . 32292 - وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْمُرَ زَوْجَتَهُ أَنْ لَا تَحْتَجِبَ مِنْ عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَيَأْمُرَ زَوْجَةً لَهُ أُخْرَى أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْ أَخِيهَا لِأَبِيهَا . 32293 - قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ مَا عَلِمَهُ أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَسَكَتَتْ . 32294 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ أَخٌ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ ، أَوِ الْإِقْرَارِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ زَادَهُ بُعْدًا فِي الْقُلُوبِ شَبَهُهُ بِعُتْبَةَ ، أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، فَكَانَ جَوَابُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السُّؤَالِ ، لَا عَنْ تَحْقِيقِ زِنَا عُتْبَةَ بِقَوْلِ أَخِيهِ ، وَلَا بِالْوَلَدِ ، إِنَّهُ لِزَمْعَةَ بِقَوْلِ أَبِيهِ ، بَلْ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ عَلَى قَوْلِكَ : يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ، لَا عَلَى مَا قَالَ سَعْدٌ ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا بِالَّذِي يَكُونُ إِذَا ثَبَتَ مِثْلُ هَذَا . 32295 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْمُزَنِيِّ هَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ ، وَأَثْبَتُ فِي حُكْمِ الْأُصُولِ مِنْ قَوْلِ سَائِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقَائِلِينَ إِنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا . 32296 - وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ أَخُوهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَأَلْحَقَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ بِفِرَاشِ زَمْعَةَ ، قَالُوا : وَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ . 32297 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : احْتَجِبِي مِنْهُ حُكْمٌ آخَرُ يَجُوزُ بِهِ أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا . 32298 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : فِي قَوْلِهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لِلزِّنَا حُكْمًا ، فَحَرَّمَ بِهِ رُؤْيَةَ ذَلِكَ الْمُسْتَلْحَقِ لِأُخْتِهِ سَوْدَةَ ، وَقَالَ لَهَا : احْتَجِبِي مِنْهُ ؛ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، فَمَنَعَهَا مِنْ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنا فِي الْبَاطِنِ إِذْ كَانَ شَبِيهًا بِعُتْبَةَ ، فَجَعَلُوهُ كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ لَا يَرَاهَا بِحُكْمِ الزِّنَا ، وَجَعَلُوهُ أَخَاهَا بِالْفِرَاشِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَا حَرَّمَهُ الْحَلَالُ فَالزِّنَا أَشَدُّ تَحْرِيمًا لَهُ . 32299 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : جَعْلَهُ أَخَاهَا فِي الْحُكْمِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخَاهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ قَوْلٌ فَاسِدٌ ، لَا يُعْقَلُ ، وَتَخْلِيطٌ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يُعْقَلُ ، وَلَا يُفْهَمُ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُبْتَغَى هُوَ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ ، وَخِلَافُهُ بَاطِلٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَيْءٍ وَضِدِّهِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ ، فَيَجْعَلُهُ أَخَاهَا مِنْ وَجْهٍ ، وَغَيْرَ أَخِيهَا مِنْ وَجْهٍ . 32300 - هَذَا لَا يُعْقَلُ ، وَلَا تَحِلُّ إِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَيْفَ يُحْكَمُ لِشَبَهِهِ عُتْبَةَ بِحُكْمٍ بَاطِلٍ ، وَسُنَّتُهُ فِي الْمُلَاعَنَةِ أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ . 32301 - وَقَدْ حَكَى الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رُؤْيَةَ ابْنِ زَمْعَةَ لِسَوْدَةَ مُبَاحٌ فِي الْحُكْمِ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِلشُّبْهَةِ ، وَأَمَرَهَا بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ اخْتِيَارًا . 32302 - وَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ سَوْدَةَ لَمْ تَعْرِفْهُ ، وَلَمْ تَقُلْ إِنَّهُ أَخُوهَا ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا إِقْرَارُ أَخِيهَا . 32303 - وَقَدْ مَضَى فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَبَيَانٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32304 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ زَنَا بِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، أَوْ بِأَمَةِ قَوْمٍ ، فَالْوَلَدُ وَلَدُ زنَا ، لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . 32305 - قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : قَالَ : أَوَّلُ حُكْمٍ بُدِّلَ فِي الْإِسْلَامِ اسْتِلْحَاقُ مُعَاوِيَةَ زِيَادًا . 32306 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : أَوَّلُ قَضَاءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدُّ دَعْوَةِ زِيَادٍ . 32307 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُهُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيجَابُ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي إِذَا كَانَ مُحْصَنًا دُونَ الْبِكْرِ . 32308 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْبِكْرَ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . 32309 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، أَيْ أَنَّ الزَّانِيَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ إِذَا ادَّعَاهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، كَقَوْلِهِمْ : بِفِيكَ الْحَجَرُ : أَيْ لَا شَيْءَ لَكَ مِمَّا قُلْتَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1451 1418 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَأَتَى رَجُلَانِ ، كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَائِفًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ، فَقَالَ الْقَائِفُ : لَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ ، ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ : أَخْبِرِينِي خَبَرَكِ فَقَالَتْ : كَانَ هَذَا - لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ - يَأْتِينِي ، وَهِيَ فِي إِبِلٍ لِأَهْلِهَا . فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَتَظُنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا حَبَلٌ . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا ، فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا ، تَعْنِي الْآخَرَ ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ ؟ قَالَ : فَكَبَّرَ الْقَائِفُ ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ . 32332 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءٌ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : جَعَلَهُ عُمَرُ بَيْنَهُمَا يَرِثَانِهِ ، وَيَرِثُهُمَا حِينَ اشْتَرَكَا فِيهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ لِلَّذِي أَتَاهَا أَحْرَى ، قَالَ سُفْيَانُ : وَقَوْلُهُ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ أَيِ انْتَسِبْ إِلَى أَيِّهِمَا شِئْتَ . 32333 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ أَنَّ هَذَا مِنْهُ كَانَ خَاصًّا فِي وِلَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِرَاشٌ . 32334 - وَأَمَّا فِي وِلَادَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُلْحَقَ وَلَدٌ مِنْ زِنًا . 32335 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى شَيْخٍ مَنْ بَنِي زُهْرَةَ - مِنْ أَهْلِ دَارِنَا ، فَذَهَبْتُ مَعَ الشَّيْخِ إِلَى عُمَرَ ، وَهُوَ فِي الْحِجْرِ فَسَأَلَهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا نُكِحَتْ بِغَيْرِ عِدَّةٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا النُّطْفَةُ فَمِنْ فُلَانٍ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ ، فَهُوَ عَلَى فِرَاشِ فُلَانٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ ، وَلَكِنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ . 32336 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحِجْرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ ، فَأَتَاهُ ، وَهُوَ فِي الْحِجْرِ ، فَسَأَلَهُ ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ ، أَوْ طَلَّقَ لَمْ تَعْتَدَّ امْرَأَتُهُ ، فَقَالَ : أَمَّا النُّطْفَةُ فَمِنْ فُلَانٍ ، وَأَمَّا الْفِرَاشُ فَلِفُلَانٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : صَدَقْتَ ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ . 32337 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَلْتَفِتْ عُمَرُ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ مَعَ الْفِرَاشِ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْقَافَةِ فَأَبَاهُ الْكُوفِيُّونَ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَرَوَوْا عَنْ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا وَلَدَ امْرَأَةٍ : هُوَ ابْنُكُمَا ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا . 32338 - وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلَانِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ : الْوَلَدُ بَيْنَكُمَا ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا . 32339 - وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : هُوَ ابْنُهُمَا يَرِثَانِهِ ، وَيَرِثُهُمَا . 32340 - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا وَلَدًا ، يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : إِنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، قَالَ : هُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ إِذَا وَضَعَتْهُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ كَانَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِيَوْمٍ ، أَوْ يَوْمَيْنِ ، قَالَ : هَذَا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، ثُمَّ يَدَّعِي وَلَدَهَا وَيَدَّعِي الْمُشْتَرِي . 32341 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي الْوَلَدِ يَدَّعِيهِ الرَّجُلَانِ أَنَّهُ يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ ذَكَرٍ تَامٍّ ، وَهُمَا جَمِيعًا يَرِثَانِهِ الثُّلُثَ ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا ، وَمَنْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يُضْرَبِ الْحَدَّ حَتَّى يَنْفِيَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَإِذَا صَارَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَرِثُ إِخْوَتَهُ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَلَا يَرِثُونَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْجُبُهُمْ أَبُوهُ الْحَيُّ ، وَيَرِثُهُمْ هُوَ ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُمْ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِلْبَاقِي وَعَقْلُهُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ صَارَ عَقْلُهُ وَمِيرَاثُهُ لِلْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ جَمِيعًا . 32342 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يُقْضَى بِقَوْلِ الْقَافَةِ فِي شَيْءٍ ، لَا فِي نَسَبٍ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ . 32343 - قَالُوا : وَإِنِ ادَّعَى رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ وَلَدًا جُعِلَ بَيْنَهُمَا وَجُعِلَتِ الْأَمَةُ أَمَّ وَلَدٍ لَهُمَا . 32344 - فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، وَادَّعَوْا وَلَدًا ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . 32345 - وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَكُونُ ابْنَ الثَّلَاثَةِ إِذَا ادَّعَوْهُ مَعًا ، كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ . 32346 - وَلَوْ كَانَتِ الْأَمَةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ، فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا ، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ ابْنَ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا عِنْدَهُمْ ، وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْأَمَةِ لِشَرِيكِهِ ، وَنِصْفَ الْعَقْدِ . 32347 - وَقَالَ زُفَرُ : يَكُونُ ابْنَهُمَا جَمِيعًا ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ . 32348 - وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَافَةِ : 32349 - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ . 32350 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . 32351 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 32352 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَبِهِ قَضَى فِي مَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . 32353 - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى الْقَوْلَ بِالْقَافَةِ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا ضَرَبَ الْقَائِفَ بِالدِّرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ قَوْلَهُ شَيْئًا يُعْمَلُ بِهِ ، وَهَذَا تَعَسَّفٌ يُشْبِهُ التَّجَاهُلَ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ عُمَرَ بِالْقَافَةِ أَشْهَرُ وَأَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَيْهِ إِلَى شَاهِدٍ ، بَلْ إِنَّمَا ضَرَبَهُ بِقَوْلِهِ : اشْتَرَكَا فِيهِ ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ مَاءَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَلَدٍ وَاحِدٍ ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَلَمْ يَقُلْ مِنْ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَضَى بِقَوْلِ الْقَائِفِ ، وَقَالَ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ . 32354 - قَالَ أَحْمَدُ : إِذَا ادَّعَى اللَّقِيطَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ، أَرَى الْقَافَةَ ، فَبِأَيِّهِمْ أَلْحَقُوهُ لَحِقَ بِهِ . 32355 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ إِذَا قَالَتِ الْقَافَةُ : قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ أَنْ يُوقَفَ الصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ فِيهِ ، وَيُقَالُ لَهُ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، وَإِنَّهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْمُوَالَاةِ كَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ . 32356 - وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ وَقَفَ مِيرَاثُ الْوَلَدِ مِنْهُ ، فَإِنْ وَالَاهُ أَخَذَ مِيرَاثَهُ ، وَإِنْ وَالَى الْحَيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ . وَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْبُلُوغِ فَهَاهُنَا اخْتَلَفُوا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَقْوَالِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . 32357 - وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ أَمْ لَا ؟ 32358 - فَعِنْدَ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : لَا يُقْبَلُ إِلَّا قَائِفَانِ . وَالْأُخْرَى : يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ . 32359 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ كَالْحَاكِمِ ، لَا كَالشُّهُودِ . 32360 - وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ . 32361 - وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيهِ إِلَّا قَائِفِينَ جَعَلَهُمَا كَالشَّاهِدَيْنِ ، وَهُوَ عِنْدِي أَحْوَطُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32362 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا كَانَ صَغِيرًا انْتُظِرَ بِهِ الْبُلُوغُ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً ، فَلَا يَكُونُ ابْنًا لَهُمَا ، وَلَكِنْ يُوَالِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا عَلَى مَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 32363 - وَفِي دُعَاءِ عُمَرَ لَهُ الْقَافَةُ حِينَ ادَّعَاهُ اثْنَانِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ ابْنًا لِاثْنَيْنِ أَبَدًا ، وَإِنَّمَا دَعَا لَهُ الْقَائِفُ لِيُلْحِقَهُ بِأَحَدِهِمَا ، فَلَمَّا قَالَ : اشْتَرَكَا فِيهِ ، قَالَ لَهُ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ . 32364 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قَالَ : لَمْ أَجِدِ اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسَبَا أَحَدًا إِلَّا إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ . 32365 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَكُونُ ابْنَهُمَا إِذَا قَالَ الْقَائِفُ : قَدِ اشْتُرِكَ فِيهِ ، يَرِثُهُمَا ، وَيَرِثَانِهِ . 32366 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَعَلَهُ ابْنَهُمَا . 32367 - وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَافَةِ فِي أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ . 32368 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : لَيْسَ لِلْقَافَةِ فِي أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ قَوْلٌ ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِمَاءِ . 32369 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْحَرَائِرُ ، وَالْإِمَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِذَا أَمْكَنَتِ الدَّعْوَى بِهِ . 32370 - وَقَالَ أَشْهَبُ : مَا كَانَتِ الْقَافَةُ إِلَّا فِي الْحَرَائِرِ ، وَبِهِ نَقُولُ . 32371 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا ادَّعَى الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، أَوِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ مَوْلُودًا - قَدْ وَجَدَ لَقِيطًا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، كَمَا لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِيمَا يَمْلِكُونَ - فَرَآهُ الْقَافَةُ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ ابْنُهُ أَبَدًا ، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِأَكْثَرَ لَمْ يَكُنِ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَنْتَسِبَ إِلَى أَيِّهِمْ شَاءَ ، وَيَكُونُ ابْنَهُ ، وَتَنْقَطِعُ عَنْهُ دَعْوَى الْآخَرِ ، وَهُوَ حُرٌّ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ ، بِأَيِّهِمْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ حَتَّى يَعْلَمَ الْعُبُودِيَّةَ . 32372 - وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَافَةِ ، مَعَ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْرُورًا ، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ ، وَأُسَامَةَ - وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا فَقَالَ - : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ . 32373 - رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ . 32374 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : أَنَّ عُمَرَ دَعَا الْقَافَةَ فَرَأَوْا شَبَهَ الْوَلَدِ فِي الرَّجُلَيْنِ ، وَرَأَى عُمَرُ مِثْلَ مَا رَأَتِ الْقَافَةُ قَالَ : قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الْكَلْبَةَ تُلْقَحُ الْأَكْلُبَ ، فَيَكُونُ كُلُّ جَرْوٍ لِأَبِيهِ ، وَمَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ مَاءَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي وَلَدٍ وَاحِدٍ . 32375 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي هَذَا : أَمْرٌ لَا أَقْضِي فِيهِ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ : اجْعَلْ نَفْسَكَ حَيْثُ شِئْتَ . 32376 - وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا ، فَدَعَا عُمَرُ بِالْقَافَةِ ، وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِنَظَرِ الْقَافَةِ ، وَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ . 32377 - وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى أَمَةٍ فِي عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا ، فَقَالَ : يُدْعَى لِوَلَدِهَا الْقَافَةُ ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَمَنْ بَعْدَهُ قَدْ أَخَذُوا بِنَظَرِ الْقَافَةِ فِي مِثْلِ هَذَا . 32378 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ حَسَنٌ ، أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِهِ ، وَمِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 32379 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْيَمَنِ ، فَأُتِيَ بِامْرَأَةٍ وَطِئَهَا ثَلَاثَةٌ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلَ كُلَّ مِنْهُمْ أَنْ يُقِرَّ لِصَاحِبِهِ فَأَبَى ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْجَبَهُ وَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . 32380 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الْأَجْلَحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلِيلِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ : أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْيَمَنِ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ ، وَقَعُوا عَلَى جَارِيَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ، فَجَاءُوا يَخْتَصِمُونَ فِي وَلَدِهَا فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَحَدِهِمْ : تَطِيبُ نَفْسًا ، وَتَدَعُهُ لِهَذَيْنَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَقَالَ لِلْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا ، وَقَالَ لِلْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ، وَإِنِّي أُقْرِعُ بَيْنَكُمْ ، فَأَيُّكُمْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَلْزَمْتُهُ الْوَلَدَ ، وَغَرَّمْتُهُ ثُلُثَيِ الْقِيمَةِ ، أَوْ قَالَ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، وَقَالَ : مَا أَعْلَمُ فِيهَا غَيْرَ مَا قَالَ عَلِيٌّ .
1450 1417 - مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ؛ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَاعْتَدَّتَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ . فَمَكَثَتْ عند زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا تَامًّا ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ ، فَسَأَلَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ ، فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ ، فَحَشَّ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، فَلَمَّا أَصَابَهَا زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا ، وَأَصَابَ الْوَلَدَ الْمَاءُ ، تَحَرَّكَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَكَبِرَ ، فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا إِلَّا خَيْرٌ ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ . 32310 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشَرِ لَيَالٍ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِيقَاتًا لِعِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، هَلْ تَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى حَيْضَةٍ أَمْ لَا ؟ 32311 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَبْرَأُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُوطَأُ إِلَّا بِحَيْضَةٍ تَأْتِي بِهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ ، وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَرَابَةٌ . 32312 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، إِلَّا أَنْ تَسْتَرِيبَ نَفْسَهَا رِيبَةً بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْحَيْضِ فِي الْأَغْلَبِ مَنْ أَمْرِ النِّسَاءِ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ممن لَا تَحِيضُ ، أَوْ مِمَّنْ عَرَفَتْ مِنْ نَفْسِهَا ، أَوْ عُرِفَ مِنْهَا أَنَّ حَيْضَتَهَا لَا تَأْتِيهَا إِلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ . 32313 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمُسْتَرَابَةِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32314 - وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُلْحَقُ إِلَّا فِي تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ النِّكَاحِ ، فَمَا زَادَ إِلَى أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا . 32315 - فَمَالِكٌ يَجْعَلُهُ خَمْسَ سِنِينَ . 32316 - وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ يَجْعَلُهُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ . 32317 - وَالشَّافِعِيُّ مُدَّتُهُ عِنْدَهُ الْغَايَةُ فِيهَا أَرْبَعَةُ سِنِينَ . 32318 - وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : سَنَتَانِ لَا غَيْرَ . 32319 - وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ : سَنَةٌ ، لَا أَكْثَرَ . 32320 - وَدَاوُدُ يَقُولُ : تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ، لَا يَكُونُ عِنْدَهُ حَمْلٌ أَكْثَرُ مِنْهَا . 32321 - وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا إِلَّا الِاجْتِهَادُ ، وَالرَّدُّ إِلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 32322 - وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ ، لَمْ يُلْحَقْ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ . 32323 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا فِي حِينِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ ، أَوِ الشُّهُودِ ، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عُقَيْبَ الْعَقْدِ : 32324 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لَهُ إِذْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوَطْءُ ، وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا بِالْعَقْدِ الْمُجَرَّدِ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ إِمْكَانُ الْوَطْءِ فِي الْعِصْمَةِ وَهُوَ كَالصَّغِيرِ أَوِ الصَّغِيرَةِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْوَطْءُ . 32325 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ فِرَاشٌ لَهُ ، وَيَلْحَقُهُ وَلَدُهَا إِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ ، كَأَنَّهُ جَعَلَ الْفِرَاشَ ، وَلُحُوقَ الْوَلَدِ بِهِ تَعَبُّدًا ، كَمَا لو رَأَى رَجُلٌ رَجُلًا يَطَأُ امْرَأَتَهُ ، أَوْ سُرِّيَّتَهُ ، أَوْ قَامَتْ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ ، وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ دُونَ الزَّانِي بِهَا إِذَا كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ . 32326 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ : كَمَا لَوْ رَأَى رَجُلٌ رَجُلًا يَطَأُ امْرَأَتَهُ ، وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ أُلْحِقَ بِهِ دُونَ الزَّانِي إِذَا كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ . 32327 - وَإِنَّمَا احْتَجَّ لَهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ عِنْدَهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ الزِّنَا ، وَالْفِرَاشُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ : إِذَا قَالَ : رَأَيْتُهَا الْيَوْمَ تَزْنِي ، وَوَطأتُهَا قَبْلَ الرُّؤْيَةِ فِي الْيَوْمِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَلَمْ أَسْتَبْرِئْ ، وَلَمْ أَرَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ لَاعَنَ ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَلَدُهُ إِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إِذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ . 32328 - وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ غَلَبَ فِيهِ الزِّنَا عَلَى الْفِرَاشِ ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ قَبْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ مَرَّةً ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . 32329 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 32330 - وَقَالَ أَشْهَبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : الْوَلَدُ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ ، وَرَآهَا تَزْنِي ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، فَنَفَى الْوَلَدَ عَنْهُ الِاشْتِرَاكُ وَالْإِمْكَانُ عَنِ الْعَاهِرِ ، وَأَلْزَمَهُ بِالْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لِلْفِرَاشِ . 32331 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ رَآهَا تَزْنِي ، ثُمَّ وَطِئَهَا فِي يَوْمِ الزِّنَا ، أَوْ بَعْدَهُ أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِهِ ، لَا يَنْفِيهِ بِلِعَانٍ أَبَدًا ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
11 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ 1403 - قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ رَهَنَ حَائِطًا لَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَيَكُونُ ثَمَرُ ذَلِكَ الْحَائِطِ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَجَلِ : إِنَّ الثَّمَرَ لَيْسَ بِرَهْنٍ مَعَ الْأَصْلِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فِي رَهْنِهِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ارْتَهَنَ جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إِيَّاهَا : إِنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا . 32017 - قَالَ مَالِكٌ : وَفَرْقٌ بَيْنَ الثَّمَرِ وَبَيْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ . 32018 - قَالَ : وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ ، أَنَّ ذَلِكَ الْجَنِينَ لِلْمُشْتَرِي ، اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ . فَلَيْسَتِ النَّخْلُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ . وَلَيْسَ الثَّمَرُ مِثْلَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . 32019 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا : أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ ، وَلَا يَرْهَنُ النَّخْلَ ، وَلَيْسَ يَرْهَنُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنَ الرَّقِيقِ ، وَلَا مِنَ الدَّوَابِّ . 32020 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَا تَلِدُهُ الْمَرْهُونَةُ فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهَا ، وَأَنَّ الثَّمَرَةَ الْحَادِثَةَ لَيْسَتْ بِرَهْنٍ مَعَهَا ، وَأَنَّ الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ لَا مَعَ الِاشْتِرَاطِ . 32021 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا دَخَلْتِ الثَّمَرَةُ فِي الرَّهْنِ ، وَإِذَا كَانَ إِلَى أَجَلٍ ، فَالثَّمَرَةُ إِلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ . 32022 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً يَوْمَ الرَّهْنِ فِي الشَّجَرِ . 32023 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَدْخُلُ الْوَلَدُ الْحَادِثُ ، وَلَا الثَّمَرَةُ الْحَادِثَةُ فِي الرَّهْنِ ، كَمَا لَا يَدْخُلُ مَالُ الْعَبْدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِذَا رُهِنَ الْعَبْدُ . 32024 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْهُونَةُ بَعْدَ الرَّهْنِ دَخَلَ وَلَدُهَا فِي الرَّهْنِ ، وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ ، وَالصُّوفُ وَثَمَرُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ . 32025 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 32026 - وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْغَلَّةُ وَالْخَرَاجُ ، كُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ بِغَيْرِ شَرْطٍ . 32027 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَوْضَحَ مَالِكٌ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 32028 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَحُجَّتُهُ أَنَّ الثَّمَرَةَ لَمَّا لَمْ تَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَصْلِ إِلَّا بِالشَّرْطِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَصْلِ ، وَلَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إِلَّا بِالشَّرْطِ بَعْدَ ظُهُورِهَا ، وَالْأَمَةُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ جَنِينِهَا فِي بَطْنِهَا ، فَإِذَا وَلَدَتْ ، فَهُوَ مُبَايِنٌ لَهَا ، لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الرَّهْنُ ، فَهُوَ لِلرَّاهِنِ . 32029 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَاسَهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ الَّتِي وَلَدُهَا مِثْلُهَا إِذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَمَى مِنَ الْأَصْلِ . 32030 - وَالِاحْتِجَاجُ بِمَذَاهِبِهِمْ فِيهِ تَشْعِيبٌ ، وَالْأَصْلُ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ .
30 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَا يُعْطَى الْعُمَّالَ 1439 - قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى الْغَسَّالِ ثَوْبًا يَصْبُغُهُ فَصَبَغَهُ ، فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ : لَمْ آمُرْكَ بِهَذَا الصِّبْغِ . وَقَالَ الْغَسَّالُ : بَلْ أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ : فَإِنَّ الْغَسَّالَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْخَيَّاطُ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَالصَّائِغُ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ لَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي مِثْلِهِ ، فَلَا يَجُوزُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلْيَحْلِفْ صَاحِبُ الثَّوْبِ ، فَإِنْ رَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ ، حَلَفَ الصَّبَّاغُ . 32741 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِثْلِهَا : 32742 - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِ مَالِكٍ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْعُمَّالِ . 32743 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ . 32744 - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَعْرِفَةُ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالْقَوْلُ أَبَدًا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ . 32745 - فَمَنْ جَعَلَ رَبَّ الثَّوْبِ مُدَّعِيًا فَلِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَذِنَ لِلصَّبَّاغِ فِي صَبْغِ الثَّوْبِ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لَهُ مَا أَمَرَّهُ بِهِ وَكَذَلِكَ الْخَيَّاطُ ، قَدْ أَقَرَّ لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهُ الْقَطْعَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ ؛ لِيَمْضِيَ عَمَلُهُ بَاطِلًا . 32746 - وَمَنْ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ رَبِّ الثَّوْبِ فَحُجَّتُهُ أَنَّ الصَّبَّاغَ أَحْدَثَ فِي ثَوْبِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ رَبُّهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ ، وَصَارَ مُدَّعِيًا ، وَرَبُّ الثَّوْبِ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُمَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ عَمِلَهُ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : لَمْ يَعْمَلْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَمَلِ . 32747 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي حَنِيفَةَ : لَوِ اخْتَلَفَا فِي ثَوْبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ : أَمَرْتُكَ أَنْ تَقْطَعَهُ قَمِيصًا ، وَقَالَ الْآخَرُ : بَلْ قُبَاءً ، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْقَطْعِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ ، قَالَ : لِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَهُ بِالْقَطْعِ ، فَلَمْ يَعْمَلْ لَهُ عَمَلَهُ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ بِإِجَارَةٍ فَقَالَ : لَقَدْ حَمَلْتُهُ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا بِإِقْرَارِ صَاحِبِهِ . 32748 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ ، وَكِلَاهُمَا مَدْخُولٌ . 32749 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : هُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ بِحَدَثِهِ ، وَأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَنْفَعُهُ ، وَالْخَيَّاطُ مُقِرٌّ بِأَنَّ الثَّوْبَ لِرَبِّهِ ، وَأَنَّهُ أَحْدَثَ حَدَثًا وَادَّعَى إِذْنَهُ وَإِجَازَتَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ ، وَإِلَّا حَلَفَ صَاحِبُهُ ، وَضَمِنَ مَا أَحْدَثَهُ فِي ثَوْبِهِ . 32750 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُدَّعِي مَتَى أَشْكَلَ أَمْرَهُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَوَاجِبُ الِاعْتِبَارِ فِيهِ هَلْ هُوَ آخِذٌ ، أَوْ دَافِعٌ ؟ وَهَلْ يَطْلُبُ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ ، أَوْ ينفيه ، فَالطَّالِبُ أَبَدًا مُدَّعٍ ، وَالدَّافِعُ الْمُنْكِرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُصِبْ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 32751 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ لِلصَّانِعِ : أَوْدَعْتُكَ الثَّوْبَ ، وَقَالَ الصَّانِعُ : بَلْ أَعْطَيْتَنِيهِ لِلْعَمَلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ . 32752 - قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَالَ غَيْرُهُ : الصَّانِعُ مُدَّعٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَمْ أَدْفَعْهُ إِلَيْكَ ، وَلَكِنْ سُرِقَ مِنِّي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ . 32753 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَمْرُ فِي هَذَا وَاضِحٌ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ فِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ : رَهَنْتَنِي ثَوْبَكَ هَذَا ، وَقَالَ رَبُّهُ : بَلْ أَوْدَعْتُكَهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ .
1440 - قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبَّاغِ يَدْفَعُ إِلَيْهِ الثَّوْبَ فَيُخْطِئُ بِهِ ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ حَتَّى يَلْبَسَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ : إِنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الَّذِي لَبِسَهُ ، وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ ، وَذَلِكَ إِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ ، عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ، فَإِنْ لَبِسَهُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ . 32754 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَالَفَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا ؛ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّ ، وَقَالُوا : رَبُّ الثَّوْبِ مُخَيَّرٌ - إِنْ شَاءَ ضَمِنَ لَابَسُهُ قِيمَةَ مَا لَبِسَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخْلَقَهُ جِدًّا فَيَضْمَنُ وَإِنْ شَاءَ ذَلِكَ لِلْغَسَّالِ الَّذِي أَخْطَأَ بِالثَّوْبِ ، فَدَفَعَهُ إِلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ غَرِمَ الْغَسَّالُ رَجَعَ عَلَى لَابِسِ الثَّوْبِ بِقِيمَةِ مَا نَقَصَهُ اللِّبَاسُ أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ أَخْلَقَهُ ، وَإِنْ غَرِمَ اللَّابِسُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُغْرِمَ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ كَمَا لَوْ أَخَذَ خُبْزًا ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمَأْكُولِ لِغَيْرِهِ ، فَأَعْطَاهُ لِمَنْ أَكَلَهُ أَنَّ صَاحِبَهُ مُخَيَّرٌ ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْآكِلَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الَّذِي أَخَذَ خُبْزَهُ . 32755 - إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَاهُنَا ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنْ ضَمَّنَ الْآكِلَ ، ورَجَعَ عَلَى الْمُعْطِي ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، وَكَأَنَّهُ تَطَوَّعَ لَهُ بِمَا أَعْطَاهُ . 32756 - هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْآكِلُ أَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ ، فَإِنْ عَلِمَ ضَمِنَ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ . 32757 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَغْرَمُهُ الَّذِي أَكَلَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ تُضْمَنُ بِالْخَطَأِ ، كَمَا تُضْمَنُ بِالْعَمْدِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
3 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ 1393 - مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ بَلَّغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سُئِلُوا : عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ . إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ . مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 31677 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 31678 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْتُهُ هُنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ قُسَيْطٍ مِثْلَهُ فِي شَهَادَةِ الْمُفْتَرِي فَدَلَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَلَى أَنَّ مَالِكًا أَخَذَهُ بِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، أَنَّهُ مِنْ كُتُبِ أَبِيهِ بُكَيْرٍ ، وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَسْتَعِيرُهَا مِنْهُ كَثِيرًا ، وَيَقُولُ : كَانَ بُكَيْرٌ مِنْ عُلَمَاءِ النَّاسِ . 31679 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَيُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِهِ - يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُ . 31680 - قال : وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ عَنِ الْمَحْدُودِ إِذَا تَابَ ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ ؟ فَقَالَا : إِذَا تَابَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ . 31681 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ تَوْبَةَ بْنِ نَمِرٍ الْحَضْرَمِيِّ الْقَاضِي بِمِصْرَ كَانَ يَرُدُّ شَهَادَةَ الْقَذِفِ ، وَإِنْ تَابَ . 31682 - قَالَ اللَّيْثُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةَ ، فَكُلُّهُمْ رَأَى أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الْحُدُودِ كُلِّهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ . 31683 - قَالَ اللَّيْثُ : وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . 31684 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ أَنَّهُ قَالَ : شَهَادَةُ الزَّانِي وَالسَّارِقِ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ إِذَا رُئِيَ مِنْهُمَا إِقْبَالٌ عَلَى الْخَيْرِ وَتَوْبَةٌ حَسَنَةٌ . 31685 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ - وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ ، وَسَائِرِ الْحُدُودِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ - تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِذَا تَابَ ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ . 31686 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَهُمْ . 31687 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ فِي أَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ . 31688 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ هَاهُنَا فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ أَنَّهَا تُقْبَلُ إِذَا تَابَ - مَعْنَاهُ عِنْدَهُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ - قَذْفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - وَتُقْبَلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَدْلًا ، وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ . 31689 - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ . 31690 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفٍ ، وَسَحْنُونٍ ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ . 31691 - وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ إِذَا حَسُنَتْ حَالَتُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ . 31692 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ كِنَانَةَ . 31693 - وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ . 31694 - وَبِهِ يَقُولُ سَائِرُ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا : إِنَّ الْمَحْدُودَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ مَا شَهِدَ بِهِ . 31695 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْقَاذِفَ إِذَا تَابَ وَأَصْلَحَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ . 31696 - وَرِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْهُ قَالَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ إِذَا تَابَ . 31697 - وَرِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي الْقَاذِفِ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ . وَقَالَ : كُلُّنَا نَقُولُهُ ، قُلْتُ : مَنْ ؟ قَالَ : عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ . 31698 - وَرِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ رَوَاهَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْقَاذِفِ : إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ . 31699 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَبِهِ يَقْضِي ، وَيَكْتُبُ إِلَى الْبُلْدَانِ . 31700 - وَقَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَسْرُوقٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ . 31701 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 31702 - وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي تَوْبَةِ الْقَاذِفِ إِذَا حُدَّ مَا هِيَ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا تَابَ ، وَأَصْلَحَ ، وَحَسُنَتْ حَالُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، أَكَذَّبَ نَفْسَهُ ، أَوْ لَمْ يُكَذِّبْ . 31703 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ بِلِسَانِهِ ، كَمَا كَانَ الْقَذْفُ بِلِسَانِهِ . 31704 - وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ كَانَ كُفْرُهُ بِلِسَانِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ حَتَّى يَنْطِقَ بِهَا بِلِسَانِهِ . 31705 - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّمَا تَفْتَرِقُ تَوْبَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ ، وَتَوْبَةُ غَيْرِهِ مِنَ الْمَحْدُودِينَ أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ لَا تَكُونُ حَتَّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ ، وَإِكْذَابُهُ كَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ ، وَأَصْلَحَ فِي حَالِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَلَيْسَ سَائِرُ الْمَحْدُودِينَ كَذَلِكَ . 31706 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ . 31707 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ . 31708 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ : إِنْ تُبْتَ قُبِلَتْ شَهَادَتُكَ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ . 31709 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ ، وَنَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ . 31710 - فَأَمَّا هَذَانَ فَتَابَا ، وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا ، وَاسْتَتَابَ أَبَا بَكْرَةَ ، فَأَبَى ، وَأَقَامَ عَلَى قَوْلِهِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ وَكَانَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ . 31711 - وَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ، وَنَكَلَ زِيَادٌ ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ ، وَقَالَ لَهُمْ : تُوبُوا ، تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ ، فَتَابَ رَجُلَانِ ، وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى مَاتَ . 31712 - قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ فِي حَدِيثِهِ ، وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنَ الْعِبَادَةِ . 31713 - وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ أَخَا زِيَادٍ لِأُمِّهِ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ ، حَلَفَ أَبُو بَكْرَةَ أَلَّا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَ . 31714 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ . 31715 - ذَكَرَ الْخَبَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 31716 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : وَقَدْ أَجَازَ عُمَرُ شَهَادَةَ مَنْ تَابَ مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ ، وَأَبْطَلَ شَهَادَةَ مَنْ لَمْ يَتُبْ . 31717 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ إِذَا جُلِدَ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ : طَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ . 31718 - قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ . 31719 - وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ . 31720 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 31721 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ أَبَدًا ، تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 31722 - وَقَالُوا : تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ رَبِّهِ . 31723 - وَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ فِي قَوْلِهِ : إِلا الَّذِينَ تَابُوا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَا إِلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ . 31724 - وَمِمَّنْ قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ الْمَجْلُودِ أَبَدًا : شُرَيْحٌ الْقَاضِي . 31725 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ . وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ ، وَمَكْحُولٌ . 31726 - وَرِوَايَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ ، رَوَاهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْهُمَا . 31727 - وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَثْبَتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31728 - وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ أَبَدًا ، وَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ . 31729 - وَرِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ، رَوَاهَا يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ عَنْهُ . 31730 - وَرِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، رَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : إِذَا جُلِدَ قَاذِفُ الْحُرِّ أَوِ الْحُرَّةِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ حَتَّى يَمُوتَ . 31731 - وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا حَتَّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ ، لَا يَنْفَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الثِّقَاتَ قَدْ نَصُّوا عَنْهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ حَتَّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ . 31732 - وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَحْدُودٍ ، وَلَا مَحْدُودَةٍ فِي الْإِسْلَامِ . 31733 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ مِنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ . 31734 - وَذَكَرَ أَبُو يَحْيَى السَّاجِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ جَابِرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ : الْحُرُّ إِذَا جُلِدَ الْحَدَّ فِي الْفِرْيَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا ، وَالْعَبْدُ إِذَا جُلِدَ حَدًّا فِي فِرْيَةٍ عَلَى حَرٍّ ، أَوْ حُرَّةٍ لَمْ تَقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا قَالَ : فَأَمَّا الْيَهُودِيُّ ، وَالنَّصْرَانِيُّ إِذَا جُلِدَا حَدَّ الْفِرْيَةِ عَلَى الْحَرِّ الْمُسْلِمِ ، ثُمَّ أَسْلَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا . 31735 - وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الْقَذْفِ إِذَا شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُجْلَدَ : 31736 - فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يُجْلَدْ . 31737 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ . 31738 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ . 31739 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لأنَّهُ عَلَى أَصْلِ عَدَالَتِهِ ، وَرُبَّمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِمَا قَالَ ، أَوِ اعْتَرَفَ لَهُ مَقْذُوفُهُ ، وَهُوَ حَقٌّ لَا يَجِبُ إِلَّا حِينَ يَطْلُبُهُ صَاحِبُهُ فَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ شَهَادَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31740 - وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَذِفِ قَبْلَ الْجَلْدِ وَلَا بَعْدَهُ إِذَا قَذَفَ حُرًّا مُسْلِمًا ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ . 31741 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَسْأَلُ عَنِ الْقَاذِفِ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ؟ فَقَالَ : إِذَا قَذَفَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ حَتَّى يَتُوبَ ضُرِبَ الْحَدَّ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ . 31742 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَخَالَفَهُ مَالِكٌ ، فَقَالَ : شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ مَا لَمْ يُضْرَبِ الْحَدَّ ، فَإِنَّ ضُرِبَ ، سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ تَوْبَةً ظَاهِرَةً . 31743 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ شَرٌّ مِنْهُ بَعْدُ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي شَرِّ حَالَتَيْهِ ، وَتُرَدُّ فِي أَحْسَنِ حَالَتَيْهِ . 31744 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ فَاسِقِينَ بِرَمْيِهِمْ لَهُنَّ لَا بِجِلْدِهِمْ ، وَالْمُحْصَنُونَ فِي حُكْمِ الْمُحْصَنَاتِ بِإِجْمَاعٍ ، وَكَذَلِكَ وكُلُّ مُؤْمِنٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَفَافِ حَتَّى يَصِحَّ غَيْرُهُ ، وَقَذْفُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَبَائِرِ فَمَنْ قَذَفَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى تَصِحَّ بَرَاءَتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
12 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ 1404 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ : أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ ، فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَعَلِمَ هَلَاكَهُ فَهُوَ مِنَ الرَّاهِنِ ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ مَنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا ، وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ فَهُوَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ ، وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ . يُقَالُ لَهُ : صِفْهُ ، فَإِذَا وَصَفَهُ ، أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ . وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ ، ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أخذه الراهن ، وإن كان أقل مما سمى أحلف الراهن على ما سمى المرتهن ، وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنَ فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ . وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ أُعْطِيَ الْمُرْتَهِنُ مَا فَضَلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ : لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ . وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ ، إِذَا جَاءَ بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ ، وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ . 32031 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ الرُّهُونِ ، وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا : بَابِ غَلْقِ الرَّهْنِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا . 32032 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرَّهْنِ وَالرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فِيمَا عَلَى الرَّاهِنِ مِنَ الدَّيْنِ ؛ فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ . 32033 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ . 32034 - وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَاعَى قِيمَةَ الرَّهْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ مَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ إِلَّا إِلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَأَشْبَهَ إِلَيْهِ ، وَصَارَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنِ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ إِلَى مِقْدَارِ قِيمَتِهِ ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا ، وَاخْتَلَفَا فِي الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ قَدْرَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ ، وَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الرَّاهِنِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ . 32035 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ وَاخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي الدَّيْنِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا قَوْلَ لِلْمُرْتَهِنِ هَاهُنَا إِلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَلَا مَا دُونَ ، وَلَا مَا فَوْقَ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عِنْدَهُمْ . 32036 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُرْتَهِنُ مُدَّعٍ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ، وَلَا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ الْهَالِكِ ، أَوْ صِفَتِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ الضَّامِنُ لِقِيمَتِهِ ، وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، وَالرَّاهِنُ مُدَّعٍ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُقِرُّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهَذَا بَابٌ مُطَّرِدٌ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُدَّعِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1448 20 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ 1415 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ - أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . قَالَ : فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : مَا حَمْلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ ؟ فَقَالَ : وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَكَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ . 32207 م - قَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ ، أَنَّهُ حُرٌّ ، وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ . 32208 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ أَخْذَ الْمَنْبُوذِ ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ . 32209 - وَكَانَ عُمَرُ يَفْرِضُ لِلْمَنْبُوذِ ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِيَلِيَ أَمْرَهُ وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضُ لَهُ ، فَيُصْلِحَ فِيهِ مَا شَاءَ ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ : إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ تَرَكَ ظَنَّهُ ، وَأَخْبَرَهُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ فِيهِ بِأَنَّهُ حَرٌّ وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَحْرَارَ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِمْ . 32210 - وَقَوْلُهُ : وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ، يَعْنِي أَنَّ رَضَاعَهُ وَنَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ حُرًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنْ لَا يَقُولَ أَحَدٌ فِي عَبْدٍ لَهُ يُولَدُ عِنْدَهُ ، فَيَطْرَحُهُ ثُمَّ يَأْخُذُهُ وَيَقُولُ : وَجَدْتُهُ مَنْبُوذًا لِيُفْرَضَ لَهُ ، مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ . 32211 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَنْبُوذِ تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ عَبْدٌ : 32212 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ لِقَوْلِ عُمَرَ : هُوَ حُرٌّ ، وَمَنْ قَضَى بِحَدِيثِهِ لَمْ يَقْبَلِ الْبَيِّنَةَ فِي أَنَّهُ عَبْدٌ . 32213 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِقْرَارِهِ إِذَا بَلَّغَ ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدٌ . 32214 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ ؛ أَنَّهُ عَبْدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِقَّ نَفْسَهُ . 32215 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ . 32216 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ إِذَا كَانَ بَالِغًا . 32217 - قَالُوا : وَإِقْرَارُهُ بِالرِّقِّ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ . 32218 - قَالُوا : وَمَا يُقْبَلُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ يُقْبَلُ فِيهِ إِقْرَارُهُ . 32219 - وَاخْتَلَفُوا فِي اللَّقِيطِ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا يَهُودٌ ، وَنَصَارَى ، وَمُسْلِمُونَ : 32220 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُجْعَلُ عَلَى دِينِ أَكْثَرِهِمْ عَدَدًا ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهِ زِيُّ الْيَهُودِ فَهُوَ يَهُودِيٌّ ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهِ زِيُّ النَّصَارَى فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْلِمٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ . 32221 - وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ مُسْلِمٌ أَبَدًا ؛ لِأَنِّي أَجْعَلُهُ مُسْلِمًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَمَا أَجْعَلُهُ حُرًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ . 32222 - وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَاهُ ابْنًا لَهُ : 32223 - فَقَالَ أَشْهَبُ : تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إِلَّا أَنْ يَبِينَ كَذِبُهُ . 32224 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إِلَّا أَنْ يَبِينَ صِدْقُهُ . 32225 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وَلَاءِ اللَّقِيطِ : 32226 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ ، لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ . 32227 - وَتَأَوَّلُوا فِي قَوْلِ عُمَرَ : لَكَ وَلَاؤُهُ : أَيْ لَكَ أَنْ تَلِيَهُ ، وَتَقْبِضَ عَطَاءَهُ ، وَتَكُونَ أَوْلَى النَّاسِ بِأَمْرِهِ حَتَّى يَبْلُغَ رُشْدَهُ ، وَيُحْسِنَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ ، فَإِنْ مَاتَ كَانَ مِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ . 32228 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، قَالَ : جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْوَلَاءُ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ . 32229 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ لَا يُوَالِي أَحَدًا وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ بِالْوَلَاءِ . 32230 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 32231 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : جَرِيرَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَعَقْلُهُ لَهُمْ ، وَمِيرَاثُهُ عَلَيْهِمْ . 32232 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ : اللَّقِيطُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ ، فَمَنْ وَالَاهُ فَهُوَ يَرِثُهُ ، وَيَعْقِلُ عَنْهُ . 32233 - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَلَائِهِ حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ الَّذِي وَالَاهُ ، فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ جِنَايَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ بِوَلَائِهِ أَبَدًا . 32234 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : الْمَنْبُوذُ حُرٌّ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَالِيَ الَّذِي الْتَقَطَهُ وَالَاهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَالِيَ غَيْرَهُ وَالَاهُ . 32235 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ هَارُونَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : السَّاقِطُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ . 32236 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 32237 - وَقَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعْطَى مِيرَاثَ الْمَنْبُوذِ لِلَّذِي كَفَلَهُ . 32238 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مِيرَاثُ اللَّقِيطِ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ . 32239 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا وَالَى رَجُلٌ رَجُلًا فَلَهُ مِيرَاثُهُ ، وَعَلَيْهِ عَقْلُهُ . 32240 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّهُ قَالَ : تَرِثُ الْمَرْأَةُ عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَابْنَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ . 32241 - وَهُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ؛ انْفَرَدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ رُؤْبَةَ ، وَهُوَ شَامِيٌّ ضَعِيفٌ . 32242 - وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ بِأَلْفَاظٍ أَتَمَّ مِنْ أَلْفَاظِ حَدِيثِ مَالِكٍ . 32242 م - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُنَيْنًا أَبَا جَمِيلَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ ، فَجِئْتُ ، وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا ، قَالَ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا . كَأَنَّهُ اتَّهَمَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفِي : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ بِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : عَلَامَ أَخَذْتَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ ؟ قُلْتُ : وَجَدْتُ نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هُوَ حُرٌّ ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ . 32243 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ هَذَا الْخَبَرَ فِي كِتَابِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَثَلٌ تَتَمَثَّلُ بِهِ الْعَرَبُ ، إِذَا خَافَتْ شَرًّا أَوْ تَوَقَّعَتْهُ وَظَنَّتْهُ ؛ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ . 32244 - وَذَكَرَ فِي أَصْلِ الْمَثَلِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ خَبَرَيْنِ مُخْتَلِفَينِ : أَحَدُهُمَا : عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ : أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْمَثَلِ الزَّبَّاءُ إِذْ بَعَثَتْ قَصِيرًا اللَّخْمِيَّ ، وَكَانَ يَطْلُبُهَا بِدَمِ جُذَيْمَةَ الْأَبْرَشِ ، فَكَادَهَا ، وَخَبَّأَ لَهَا الرِّجَالَ فِي صَنَادِيقَ ، أَوْ غَرَائِرَ ، فَلَمَّا أَحَسَّتْ بِذَلِكَ ، قَالَتْ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا . 32245 - قَالَ : وَالْغُوَيْرُ : مَاءٌ لِكَلْبَ ؛ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ فِي جِهَةِ السَّمَاوَةِ . 32246 - وَذَكَرَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ غَارٌ أُصِيبَ فِيهِ قَوْمٌ قَدِ انْهَارَ عَلَيْهِمْ وَقُتِلُوا فِيهِ . 32247 - وَالْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ غَارٍ ، وَالْأَبْؤُسُ جَمْعُ الْبَأْسِ ، فَصَارَ هَذَا الْكَلَامُ مَثَلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يُخَافُ بِأَنْ يَأْتِيَ مِنْهُ شَرٌّ . 32248 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَوْلُ ابْنِ الْكَلْبِيِّ عِنْدِي أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ . 32249 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَلْخِيصُ مَا نَزَعَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ : عَسَى الْغُوَيْرُ ، أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَبَا جَمِيلَةَ مُقْبِلًا بِالْمَوْلُودِ الْمَنْبُوذِ قَالَ ذَلِكَ الْمَثَلَ السَّائِرَ ، يُرِيدُ أَلَّا يَأْتِيَ مُلْتَقِطُ الْمَنْبُوذِ بِخَيْرٍ ؛ خَوْفًا مِنْهُ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ ، حَتَّى أَخْبَرَهُ عَرِيفُهُ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ ، لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْحَقِّ ، فَقَضَى فِيهِ بِمَا قَضَى . 32250 - وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِيهِ عَنِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
31 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْحَمَالَةِ وَالْحِوَلِ . 1441 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُحِيلُ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ إِنْ أَفْلَسَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ ، أَوْ مَاتَ فَلَمْ يَدَعْ وَفَاءً ، فَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ يَتَحَمَّلُ لَهُ الرَّجُلُ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ ، ثُمَّ يَهْلِكُ الْمُتَحَمِّلُ ، أَوْ يُفْلِسُ ، فَإِنَّ الَّذِي تُحُمِّلُ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ . 32758 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عِنْدَ مَالِكٍ فِي بَابِ الْحَوَالَةِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . 32759 - وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحِوَلِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ ، وَهُوَ عِنْدُ جَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ هَاهُنَا . 32760 - وَالْحَوَالَةُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ خِلَافُ الْحَمَالَةِ . 32761 - وَالَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْحَوَالَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ : إِذَا غَرَّهُ مَنْ فَلَسٍ عَلِمَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَالْحَمَالَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ فَهِيَ حَمَالَةٌ يَرْجِعُ بِهَا إِنْ لَحِقَهُ تَوًّا . 32762 - وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالُوا عَنْ مَالِكٍ : إِذَا حَالَ غَرِيمُهُ عَنْ غَرِيمٍ لَهُ ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُحَالُ بِإِفْلَاسٍ ، وَلَا مَوْتٍ إِلَّا أَنْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ عَلِمَهُ مِنْ غَرِيمِهِ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ عَلِمَهُ إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ ، وَإِنْ غَرَّهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِذَا أَحَالَهُ ، قَالَ : وَهَذِهِ حَمَالَةٌ . 32763 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ الْمُحِيلُ بِالْحَوَالَةِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَوْتٍ ، وَلَا إِفْلَاسٍ . 32764 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَوْتٍ ، وَلَا إِفْلَاسٍ ، وَسَوَاءٌ غَرَّهُ ، أَوْ لَمْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِ . 32765 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَبْدَأُ الْمُحِيلُ بِالْحَوَالَةِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ التَّوِيِّ . 32766 - وَالتَّوِيُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا ، أَوْ يَحْلِفَ مَا لَهُ شَيْء ، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُحِيلِ بَيِّنَةٌ . 32767 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : هَذَا تَوِّيٌّ ، وَإِفْلَاسُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَوِّيٌّ أَيْضًا . 32768 - وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ : إِذَا أَفْلَسَ ، أَوْ مَاتَ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ . 32769 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : الْحَوَالَةُ لَا تُبَرِّئُ الْمُحِيلُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ بَرَاءَتَهُ ، فَإِنْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ بِيَدِ الْمُحِيلِ إِذَا أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ ، وَإِنْ أَحَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّهُ مُفْلِسٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ ، وَإِنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُفْلِسٌ وَأَبْرَأَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ . 32770 - وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ إِذَا أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ فَأَفْلَسَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِمَحْضَرِهِمَا ، وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا رَجَعَ : حَضَرُوا ، أَوْ لَمْ يَحْضُرُوا . 32771 - وَرَوَى الْمُعَافِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ : إِذَا كَفَلَ لِمَدِينٍ رَجُلٌ بِمَالٍ وَأَبْرَأَهُ بَرِئَ ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ الْكَبِيرُ أَوْ يَمُوتَ ، فَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ حِينَئِذٍ . 32772 - وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الْحَوَالَةِ : لَا يَرْجِعُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ . 32773 - وَقَالَ زُفَرُ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ فِي الْحَوَالَةِ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ . 32774 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَبْرَأُ صَاحِبُ الْأَصْلِ بِالْحَوَالَةِ . 32775 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَوَالَةِ ، وَأَمَّا الْكَفَالَةُ وَالْحَمَالَةُ ، وَهُمَا لَفْظَتَانِ مَعْنَاهُمَا الضَّمَانُ ، فَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الضَّمَانِ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ بِحَوْلِ اللَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . 32776 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مَلِيئًا بِالْحَقِّ لَمْ يَأْخُذِ الْكَفِيلُ الَّذِي كَفَلَ بِهِ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنَ الْمَطْلُوبِ ، فَإِنْ نَقَصَ شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْحَمِيلِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِغَيْرِهِ ، فَيَخَافُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يُخَاصِمَهُ الْغُرَمَاءُ ، أَوْ كَانَ غَائِبًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ ، وَيَدَعَهُ . 32777 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَقَدْ كَانَ يَقُولُ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ . 32778 - وَقَالَ اللَّيْثُ : إِذَا كَفَلَ الْمَالَ ، وَعَرَّفَ مُبَلِّغَهُ جَازَ عَلَيْهِ ، وَأَخَذَ بِهِ ، وَقَالَ : إِنْ كَفَلْتُ لَكَ بِحَقِّكَ ، وَلَمْ أَعْرِفِ الْحَقَّ لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ . 32779 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِذَا كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِمَالٍ ، فَلِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ مِنَ الْمَطْلُوبِ ، وَمِنَ الْكَفِيلِ . 32780 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ سَوَاءٌ ، وَمِنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ مَالًا لَزِمَهُ ، وَبَرِئَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالًا وَاحِدًا عَنِ اثْنَيْنِ . 32781 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ . 32782 - قَالَ أَبُو يُوسُفَ : وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ فِي الْكَفَالَةِ : إِنِ اشْتَرَطَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ أَخْذَهُ ، وَبَرِئَ الْآخَرُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهَا إِنْ شَاءَ جَمِيعًا . 32783 - وَرَوَى شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ فِيمَنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ مَالًا أَنَّهُ يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ، وَالْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ . 32784 - وَقَالَ فِي رَجُلَيْنِ أَقْرَضَا رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا بِأَصْلِ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا كَفَلَ لَهُ عَنْ صَاحِبِهِ ، وَهَذِهِ خِلَافُ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ . 32785 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ أَقْوَالُهُمْ ، وَمَذَاهِبُهُمْ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ ، وَأَمَّا الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ ، فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، إِلَّا فِي الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ . 32786 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ . 32787 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَمَرَّةً ضَعَّفُ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَمَرَّةً أَجَازَهَا عَلَى الْمَالِ . 32788 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَفَلَ بِنَفْسِهِ إِلَى أَجَلٍ وَعَلَيْهِ مَالٌ غَرِمَ الْمَالَ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ ، وَيَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ ، فَإِنِ اشْتَرَطَ الضَّامِنُ بِالنَّفْسِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْمَالَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ . 32789 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَفَلَ بِالنَّفْسِ ، وَمَاتَ الْمَطْلُوبُ بَرِئَ الْكَفِيلُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ . 32790 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِذَا كَفَلَ بِنَفْسٍ فِي قِصَاصٍ ، أَوْ جِرَاحٍ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَجِئْ بِهِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ ، أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، وَهِيَ لَهُ فِي مَالِ الْجَانِي ، وَلَا قِصَاصَ - عَلِمْتُ - عَلَى الْكَفِيلِ . 32791 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْحَوَالَةُ فَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . 32792 - وَهَذَا هُوَ الْحَالَةُ بِعَيْنِهَا بِدَلِيلِ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتْبَعْهُ . 32793 - وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتْبَعْهُ ، وَقَوْلُهُ : إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ ، فَلْيَتْبَعْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُحِيلَ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لَمْ تَصِحَّ الْإِحَالَةُ . 32794 - وَفِي ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ لَكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُحِيلَ إِذَا غَرَّ الْمُحَالَ مِنْ فَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا تُلْزِمُهُ الْحَوَالَةُ ، وَلَهُ رُجُوعُهُ بِمَالِهِ عَلَى الْمُحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ الْمَلِيءَ فِي الْحَوَالَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ يُوجِبُ غُرْمَ الْمَالِ . 32795 - وَلَا حُجَّةَ عِنْدِي لِلْكُوفِيِّينَ فِيمَا نَزَعُوا بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ ، أَوْ مَاتَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحَالِ . 32796 - وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَجٌ مِنْ جِهَةِ الْمُقَايَسَاتِ ، لَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا . 32797 - وَكَذَلِكَ قَالُوا : إِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يُوجِبُ جَوَازَ الْحَوَالَةِ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُحِيلِ ، وَبَيْنَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ . 32798 - وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ كَمَا قَالُوا ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَعْنَاهَا ابْتِيَاعُ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ ، وَمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْمُحِيلِ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّطَوُّعَ بِمَا فِي الذِّمَّةِ كَالذِّمَّةِ الَّتِي تَكُونُ عَنْ بَدَلٍ . 32799 - وَالْكَلَامُ فِي هَذَا تَشْغِيبٍ ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ ، وَشَغَبٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 32800 - وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : الْحَوَالَةُ عَلَى الْمَلِيءِ لَازِمَةٌ ، رَضِيَ بِهَا أَوْ لَمْ يَرْضَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ ابْتِيَاعَ الذِّمَمِ بِالذِّمَمِ كَابْتِيَاعِ الْأَعْيَانِ فِي سَائِرِ التِّجَارَاتِ ، وَالتِّجَارَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ . 32801 - وَأَمَّا الْأَصْلُ فِي الضَّمَانِ ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أَيْ كَفِيلٌ ، وَحَمِيلٌ ، وَضَامِنٌ . 32802 - وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، قَالَ : تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا ؟ ، فَقَالَ : نُخْرِجُهَا عَنْكَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَرُدَّهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 32803 - وَفِي إِحْلَالِهِ الْمَسْأَلَةَ لِمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً عَنْ قَوْمٍ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ الْحَمَالَةِ لِلْمُتَحَمِّلِ ، وَوُجُوبِهَا عَلَيْهِ . 32804 - وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ تَجُوزُ لَهُ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ كَانَ الْمَكْفُولُ عَلَيْهِ مَلِيئًا ، أَوْ مُعْدَمًا ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَكْفُولَ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ إِذَا قَدَرَ عَلَى مُطَالَبَةِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ الْمَسْأَلَةَ الْمُحَرَّمَةَ بِنَفْسِ الْكَفَالَةِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ حَالَ الْمُحْتَمَلِ عَنْهُ . 32805 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْحَمَالَةِ بِالْمَالِ الْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا قَدْرًا ، وَلَا مَبْلَغًا . 32806 - وَمِمَّنْ أَجَازَ الْكَفَالَةَ بِالْمَجْهُولِ مِنَ الْمَالِ : مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 32807 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ . 32808 - وَفِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَجُلًا مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قَالَ أَبُو الْيُسْرِ : هُوَ عَلَيَّ ، فَصَلَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَجَاءَهُ مِنَ الْغَدِ يَتَقَاضَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَمْسُ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ ، فَأَعْطَاهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْآنَ بَرُدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ . 32809 - هَكَذَا رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ ابن عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ . 32810 - وَقَدْ قَالَ : رَوَاهُ زَائِدَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَقَالَ فِيهِ : وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : دَيْنُهُ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَجَعَلَ مَكَانَ أَبِي الْيُسْرِ أَبَا قَتَادَةَ . 32811 - وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَبْرَأُ بِكَفَالَةِ الْكَفِيلِ حَتَّى يَقَعَ الْأَدَاءُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ أَيَّهُمَا شَاءَ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَلَ عَنْ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَقَامَ فِيهِ مَقَامَ الطَّالِبِ صَاحِبِ أَصْلِ الدَّيْنِ ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، وَلَا كَانَتْ جِلْدَتُهُ لِتَبْرُدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32812 - وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دِينَارَيْنِ ، وَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ ، فَتَحَمَّلَ بِهَا أَبُو قَتَادَةَ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32813 - وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أَتُصَلِّي عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قَضَيْتُ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَضَى عَنْهُ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32814 - وَقَدْ رَوَاهُ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ : قَالَ : سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ : أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 32815 - وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ كُلُّهَا ؛ لِلِاخْتِلَافِ فِي أَسَانِيدِهَا ، وَأَلْفَاظِهَا وَتَضْعِيفِهِمْ لِبَعْضِ نَاقِلِيهَا ، وَأَحْسَنُهَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ . 32816 - وَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ أَيْضًا ، فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ ، فَقَالَ : أَعْلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، دِينَارَانِ ، فَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ . 32817 - قَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ : هُمَا عَلِيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا ، فَلِوَرَثَتِهِ . 32818 - هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ضَمَانَ أَبِي قَتَادَةَ ، وَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ . 32819 - وَرَوَاهُ عَقِيلٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْتَصَرًا ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا : أَنَا أَوْلَى بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إِلَى آخِرِهِ لَا غَيْرَ .
13 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ 1405 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ بَيْنِهِمَا ، فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ رَهْنِهِ ، وَقَدْ كَانَ الْآخَرُ أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ سَنَةً ، قَالَ : إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الرَّهْنُ ، وَلَا يَنْقُصَ حَقُّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ بَيْعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا ، فَأوفي حَقَّهُ ، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ بَيْعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ ، فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ . فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ الثَّمَنِ إِلَى الرَّاهِنِ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مَا أَنْظَرَهُ إِلَّا لِيُوقِفَ لِي رَهْنِي عَلَى هَيْئَتِهِ ، ثُمَّ أُعْطِيَ حَقَّهُ عَاجِلًا . 32037 - قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ ، وَلِلْعَبْدِ مَالٌ : إِنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِرَهْنٍ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ . 32038 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي بَابِ الْقَضَاءِ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ مَا يُغْنِي عَنِ الْكَلَامِ فِي مَالِ الْعَبْدِ . 32039 - وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَسْتَفِيدُهُ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ ، هَلْ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ أَمْ لَا ؟ 32040 - وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَصْحَابُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ 32041 - وَاتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَا يُوهَبُ الْعَبْدُ ، وَلَا خَرَاجُهُ رَهْنًا . وَخَالَفَهُمَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ، فَقَالَ : ذَلِكَ كُلُّهُ رَهْنٌ مَعَهُ . 32042 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَرَاجُ ، وَلَا غَيْرُهُ مِمَّا يَسْتَفِيدُهُ رَهْنًا ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ ، لَمْ يَتَعَاقَدْ عَلَيْهِ الرَّهْنُ . 32043 - وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ إِلَّا بِالشُّرَطِ ، وَهِيَ السُّنَّةُ ، فَالرَّهْنُ أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَأَوْلَى . 32044 - وَأَمَّا الْقَضَاءُ فِي ارْتِهَانِ الرَّجُلَيْنِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 32045 - وَقَالَ أَيْضًا : إِذَا ارْتَهَنَ رَجُلَانِ بِدِينٍ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا وَهُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ لَمْ يَصِحَّ قَضَاءُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَلَا يَقْبِضُ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُرْتَهِنُ مَالَهُ عَلَيْهِ مَا فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِيهِ شَرِيكَيْنِ فَإِنَّهُ إِذَا قَبَضَ أَحَدَهُمَا قَبَضَ حِصَّتَهُ . 32046 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : سَوَاءٌ كَانَا شَرِيكَيْنِ ، أَوْ غَيْرَ شَرِيكَيْنِ لَا يَأْخُذَانِ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَا جَمِيعَ الدَّيْنِ . 32047 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ الرَّهْنُ مِنْ رَجُلٍ لِرَجُلَيْنِ ، وَمِنْ رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الرَّهْنِ ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَخَذَ نَصِيبَهُ مِنَ الرَّهْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَاحِدًا ، وَالرَّاهِنَانِ اثْنَيْنِ فَأَجْرُ أَحَدِهِمَا ، أَوْ قَبَضَ مِنْهُ حِصَّتَهُ مِنَ اثْنَيْنِ خَرَجَتْ حِصَّتُهُ مِنَ الرَّهْنِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا رَجُلَيْنِ فَأَجْرُ أَحَدِهِمَا ، أَوْ قَبَضَ حِصَّتُهُ فَنَصِفُهُ خَارِجٌ مِنَ الرَّهْنِ ، وَيُقَاسِمُهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ .
31821 - قَالَ مَالِكٌ : مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ ، فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ ، فَإِنَّ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً ، وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ ، وَلَا فِي نِكَاحٍ وَلَا فِي طَلَاقٍ . وَلَا فِي عَتَاقَةٍ وَلَا فِي سَرِقَةٍ ، وَلَا فِي فِرْيَةٍ . 31822 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَهِيَ رِوَايَةُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَ عَمْرٌو : وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ . 31823 - وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ مَا عَدَاهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . 31824 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّافِعِيُّ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 31825 - قَالَ عَمْرٌو : فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً . 31826 - وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَا : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 31827 - قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً . 31828 - قَالَ الْبَزَّارُ : سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ثِقَتَانِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمَا يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِمَا لِشُهْرَتِهِمَا فِي الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ كَثِيرًا . 31829 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ جَمَاعَةٌ . 31830 - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ شَاذَانَ . 31831 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 31832 - وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 31833 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَأَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْيَمِينَ مَقَامَ الشَّاهِدِ ، وَالْمَرْأَتَيْنِ مَعَهُ ، فَكَأَنَّهُ قَضَى بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ . 31834 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْلِفُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ لَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الرَّجُلُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ . 31835 - قَالَ : وَفِي مَعْنَى السُّنَّةِ أَنْ تَحْلِفَ الْمَرْأَةُ مَعَ شَاهِدِهَا كَمَا يَحْلِفُ الرَّجُلُ ، فَلَوْ أَخَذْنَا شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ يَمِينِهِمَا كَمَا قَدْ قَضَيْنَا بِخِلَافِ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يُجِيزَ أَرْبَعًا مِنَ النِّسَاءِ فِي الْأَمْوَالِ فَأَتَى فِي هَذَا بِكَلَامٍ كَثِيرٍ حَسَنٍ كُلِّهِ ، ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ عَنْهُ . 31836 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُتَنَقِّلَةِ مِنْ مِلْكِ مَالِكٍ إلى ملك مالك قَضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عِنْدَهُمْ فِي طَلَاقٍ ، وَلَا عِتْقٍ ، وَلَا فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 31837 - وَأَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَهُوَ أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مُوجِبُونَ الْيَمِينَ ، وَرَدَّهَا فِي كُلِّ دَعْوَى مَالٍ وَغَيْرِ مَالٍ طَلَاقًا كَانَ أَوْ عِتْقًا ، أَوْ نِكَاحًا ، أَوْ دَمًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ مُدَّعِي الدَّمِ دَلَالَةٌ كَدَلَالَةِ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ ، فَيَدَّعِي حِينَئِذٍ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ ، وَتَكُونُ قَسَامَةً ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَلَالَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا يَحْلِفُ فِيمَا سِوَى الدَّمِ . 31838 - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي دَعْوَى المرأة الطلاق ، وقول العبد العتق ، كقول الشافعي : يستحلف السيد والزوج لهما إلا أنه يقضي عليهما بالنكول دون يمين على مذهبهم في ذلك . 31839 - وقال الشافعي : ولو ادعى أنه نكح امْرَأَةٍ لَمْ أَقْبَلْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ : نَكَحْتُهَا بَوْلِيٍّ ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ، وَرِضَاهَا ، فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ ، وَإِنْ نَكَلَتْ حَلَفَ ، وَقَضَى لَهَا بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ . 31840 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْلِيفِ زَوْجِ الْمَرْأَةِ الْمُدَّعِيَةِ لِلطَّلَاقِ ، وَتَحْلِيفِ سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمُدَّعِي لِلْعِتْقِ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ ، هَلْ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى السَّيِّدِ ، أَوِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنَ الْمَرْأَةِ أَوِ الْعَبْدِ أَمْ لَا ؟ 31841 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ ، وَلَا عَلَى السَّيِّدِ حَتَّى تُقِيمَ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا ، أَوْ يُقِيمَ الْعَبْدُ شَاهِدًا عَدْلًا بِأَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فِي دَعْوَى الْعِتْقِ ، وَعَلَى الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ . 31842 - وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْخُلْطَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ يَمِينًا لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا . 31843 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ الْيَمِينَ وَاجِبَةٌ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ الْمُدَّعِيَةِ بِالطَّلَاقِ ، وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمُدَّعِي لِلْعِتْقِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمِينٌ مَعَ شَاهِدٍ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ . 31844 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَلَا يَقُولُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ . 31845 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ لِزَوْجَتِهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ، أَوْ لِعَبْدٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ ، فَأَبَى مِنَ الْيَمِينِ . 31846 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ . 31847 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَتُطَلَّقُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ إِذَا أَبَى وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا قُلْتُ لَكَ . 31848 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَيَقُولُ الْآخَرُ أَقُولُ . 31849 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِذَا أَبَى مِنَ الْيَمِينِ طَلَّقَ عَلَيْهِ ، وَأَعْتَقَ عَلَيْهِ . 31850 - وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : إِذَا طَالَ سِجْنُهُ أُطْلِقَ ، وَرُدَّ إِلَى زَوْجَتِهِ . قَالَ : وَأَرَى أَنَّ الطُّولَ فِي سِجْنِهِ عَامٌ . 31851 - وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ . 31852 - وَلِمَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ تَنْظِيرُ مَسَائِلَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِيهِ احْتِجَاجًا لِمَذْهَبِهِ ، يَرِدُ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهَا ، وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1429 1394 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ : أَنِ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 1395 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا : هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ؟ فَقَالَا : نَعَمْ . 31798 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ؛ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ مَعَ شَاهِدِهِ . 31799 - قَالَ مَالِكٌ : فَمِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا أَلَيْسَ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا ذَلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ إِنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ ؟ 31800 - فَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَى آخِرِ الْبَابِ . 31801 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مَا يَقْضِي عَلَى أَلَّا يَحْكُمَ إِلَّا بِهَذَا ، بَلِ الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَذَا ، وَبِكُلِّ مَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . 31802 - وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَكَانَ زِيَادَةَ بَيَانٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 31803 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ عِلْمِ مَالِكٍ بِاخْتِلَافِ مَنْ قَضَى قَبْلَهُ مَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَظُنَّ أَحَدٌ بِهِ أَنَّهُ جَهِلَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ دُونَ رَدِّ يَمِينٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَنْ قَالَ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي ، وَكَانَ أَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ، وَيَمِينُ الطَّالِبِ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مُدَّيْنِ تُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَانَ قَوْلًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ : يُجْزِئُ الْمُدُّ كَانَ أَحْرَى ، أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ الْمُدَّانِ . 31804 - هَذَا مَا أَرَادَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31805 - أَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ : 31806 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعِي ، وَإِنْ لَمْ يُدْعَ الْمَطْلُوبُ إِلَى يَمِينٍ ، وَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْلِفَ . 31807 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى النَّاكِلِ عَنِ الْيَمِينِ بِحَقِّ الطَّالِبِ إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ . 31808 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ رَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ ، فَقُلْتُ لَهُ : احْلِفْ ، ثُمَّ بَدَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنَا أَحْلِفُ - لَمْ أَجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ ؛ لِأَنِّي قَدْ أَبْطَلْتُ أَنْ يَحْلِفَ ، وَجَعَلْتُ الْيَمِينَ قَبْلَهُ . 31809 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَأَى رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ حَدِيثُ الْقَسَامَةِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ فِيهَا الْيَمِينَ عَلَى الْيَهُودِ إِذْ أَبَى الْأَنْصَارُ مِنْهَا ، وَلَيْسَ بِالْأَمْوَالِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الدِّمَاءِ . 31810 - وَهُوَ قَوْلُ الْحِجَازِيِّينَ ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُوجِبُ رَدَّ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُ الْحُكْمَ بِهَا مَعَ النُّكُولِ . 31811 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ ، رَدَدْتُهَا عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يُتَّهَمُ ، فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ لَمْ أَرُدَّهَا عَلَيْهِ . 31812 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَرُدُّهَا بِغَيْرِ تُهْمَةٍ . 31813 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : إِذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى . 31814 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِذْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فِي عَيْبِ الْغُلَامِ لِلَّذِي بَاعَهُ قَضَى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِالنُّكُولِ ، وَقَضَى هُوَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ . 31815 - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَحْتَمِلُ فِعْلُهُ أَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْيَمِينَ لَقَدْ بَاعَ الْغُلَامَ ، وَمَا بِهِ أَذًى يَعْلَمُهُ كَرِهَ الْيَمِينَ فَاسْتَرْجَعَ الْعَبْدُ ، فَكَأَنَّهُ أَقَالَهُ فِيهِ كَرَاهِيَةً لِلْيَمِينِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِالْحُكْمِ بِالنُّكُولِ . 31816 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَاوَبَهُ فِي الْمَرْأَتَيْنِ ادَّعَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنَّهَا أَصَابَتْ يَدَهَا بِإِشْفَى ، وَأَنْكَرَتْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أن ادْعُهَا ، وَاقْرَأْ عَلَيْهَا : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا الْآيَةَ فَإِنْ حَلَفَتْ فَخَلِّ عَنْهَا ، وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ فَضَمِّنْهَا . 31817 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاسْتِدْلَالُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ أَوْلَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ . 31818 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، لَا سَبِيلَ إِلَى نَقْلِ الْبَيِّنَةِ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا إِلَى نَقْلِ الْيَمِينِ إِلَى الْمُدَّعِي . 31819 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا يَلْزَمُ ؟ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي سَنَّ رَدَّ الْيَمِينِ إِلَى الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ . 31820 - وَاسْتِعْمَالُ النُّصُوصِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلٍ لَمْ يُتَابَعْ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ أَصْلُهُمْ جَمِيعًا فِي الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ .
1428 4 - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 1393 م - مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 31745 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ . 31746 - وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُسْنَدًا جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ ، مِنْهُمْ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَدَّادٍ الْمَدَنِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31747 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 31748 - وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . 31749 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ - مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ - يَقُولُ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ ، وَيَمِينِ الْمُدَّعِي . 31750 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ دِينَارٍ ، جَمِيعًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مُرْسَلًا . 31751 - وَفِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ آثَارٌ مَرْفُوعَةٌ حِسَانٌ أَصَحُّهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رُوَاةُ كُلِّهَا ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، رَوَاهُ سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 31752 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي التَّمْهِيدِ . 31753 - وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثَبْتٌ مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْهُ . 31754 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ : إِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، وَقَيْسٌ ثِقَةٌ . 31755 - وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ . 31756 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَكْثَرُ طُرُقًا ، وَأَصَحُّ نَقْلًا ، وَحَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهْمٌ مِنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ . 31757 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَكْثَرُ تَوَاتُرًا . 31758 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ . 31759 - وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، يُقَالُ لَهُ : سُرَّقٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 31760 - وَكُلُّهَا لَهَا طُرُقٌ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 31761 - وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَضَوْا بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ . 31762 - وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْهُمُ : الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَلِيُّ ابْنُ حُسَيْنٍ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 31763 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ . 31764 - وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 31765 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . 31766 - لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ ، وَلَهُ احْتَجَّ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَلَمْ يَحْتَجَّ فِيهِ بِمَسْأَلَةٍ غَيْرِهَا ، كَاحْتِجَاجِهِ لَهَا ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيِّينَ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ ، فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى تَرَكَهُ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّيْثَ يُفْتِي بِهِ ، وَلَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ . 31767 - وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : يُقْضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ ، وَيَحْمِلُونَ عَلَيْهِ . 31768 - قَالَ : وَلَا يقْضى بِالْعُهْدَةِ فِي الرَّقِيقِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ، أَوْ بَيْنَ قَوْمٍ يَشْتَرِطُونَهَا بَيْنَهُمْ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ . 31769 - وَرَوَى أَبُو ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ ، أَتُرَى أَنْ يَحْمِلَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِكُلِّ الْبِلَادِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 31770 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَنْ أَقَامَ شَاهِدِينَ عَلَى الْغَرِيمِ ، وَأَقَامَ آخَرُ عَلَيْهِ شَاهِدًا ، وَيَمِينًا ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِي أُسْوَةِ الْغُرَمَاءِ . 31771 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ جِلَّةِ الْعُلَمَاءِ يُفْتُونَ وَيَقْضُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ . 31772 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : أَنْ شُرَيْحًا أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ . 31773 - قَالَ حَمَّادٌ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ قَضَى بِذَلِكَ . 31774 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ مِثْلَهُ . 31775 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ الْأَشْعَثِ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . 31776 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ خَالِدٍ أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ : أَجَازَ شَهَادَةَ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ وَحْدَهُ - يَعْنِي - مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ . 31777 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا الْمُغِيرَةُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَيَمِينُ الطَّالِبِ ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ ذَلِكَ . 31778 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ . 31779 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَعَطَاءٍ . 31780 - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا وَلِيَ الْقَضَاءَ قَضَى بِهِ ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ رَدُّهُ . 31781 - قَالَ مَعْمَرٌ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ؟ فَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ ، لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ . 31782 - هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ . 31783 - وَقَدْ حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُفَسِّرِ - أَبُو أَحْمَدَ - بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَدْرَكْتُ الْعُلَمَاءَ وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ إِلَّا شَهَادَةَ عَدْلَيْنِ ، ثُمَّ أَخَذَتِ النَّاسُ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَيَمِينَ صَاحِبِ الْحَقِّ . 31784 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينٍ . 31785 - وَقَالَ عَطَاءٌ : أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ . 31786 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَفْسَخُ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ . 31787 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا جَهْلٌ ، وَعِنَادٌ ، وَكَيْفَ يَكُونُ خِلَافَ الْقُرْآنِ ؟ وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ . 31788 - كَنَحْوِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ 31789 - مَثَلُ ذَلِكَ : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ ، أَوْ غَسْلِهِمَا ، 31790 - وَكَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الْآيَةَ . 31791 - وَكَذَلِكَ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ 31792 - بَلْ هَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالشَّهِيدِينَ ، وَبِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَشَرِيعَةِ دِينِهِ فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى سَنَةِ نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 31793 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَضَاءِ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ . 31794 - وَالَّذِينَ يَرْفَعُونَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ يَقْضُونَ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ الْيَمِينِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ ، وَيَقْضُونَ مَعَاقِدَ الْقِمْطِ ، وَأَنْصَافَ اللَّبَنِ وَالْجَزُوعِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْحِيطَانِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ . 31795 - فَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْلَى بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهِ ، وَسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ . 31796 - وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ قَالُوا : الْيَمِينُ إِنَّمَا جُعِلَتْ لِلنَّفْيِ لَا لِلْإِثْبَاتِ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، لَا عَلَى الْمُدَّعِي . 31797 - فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي مِنْهُ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
32 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنِ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ 1442 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ خَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ ، فَأَحْدَثَ فِيهِ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَدَثًا مِنْ تَقْطِيعٍ يَنْقُصُ ثَمَنُ الثَّوْبِ ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ غُرْمٌ فِي تَقْطِيعِهِ إِيَّاهُ . قَالَ : وَإِنِ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ عَوَارٍ ، فَزَعَمَ الَّذِي بَاعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ قَطَعَ الثَّوْبَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ، أَوْ صَبَغَهُ ، فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ ، وَيُمْسِكُ الثَّوْبَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَ التَّقْطِيعُ أَوِ الصَّبْغُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيَرُدَّهُ فَعَلَ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صَبْغًا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ ، فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الثَّوْبِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِلَّذِي بَاعَهُ الثَّوْبَ فَعَلَ ، وَيَنْظُرَ كَمْ ثَمَنُ الثَّوْبِ وَفِيهِ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، وَثَمَنُ مَا زَادَ فِيهِ الصَّبْغَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَعَلَى حِسَابِ هَذَا ، يَكُونُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ . 32820 - هَكَذَا [ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ ] عِنْدَ جَمِيعِهِمْ . 32821 - وَقَوْلُهُ : قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ إِذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ . 32822 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : إِذَا دَلَّسَ بِالْعَيْبِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ ثُمَّ أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّوْبِ صبغا ينقص الثوب ، أَوْ قَطَعَهُ قَمِيصًا ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ حَبَسَ الثَّوْبَ ، وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 32823 - وَإِنْ كَانَ الصَّبَّاغُ يَزِيدُ فِيهِ فَذَكَرَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدْنَاهُ . 32824 - وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ . 32825 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ لَبِسَهُ الْمُشْتَرِي ، فَأَنْقَصَهُ لُبْسُهُ ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ لُبْسُهُ إِنْ أَرَادَ رَدَّهُ . 32826 - قَالَ مَالِكٌ : وَالتَّدْلِيسُ بِالْحَيَوَانِ وَغَيْرُ التَّدْلِيسِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَمْ يَبِعْهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ ، وَالثِّيَابُ اشْتَرَاهَا لِتُقْطَعَ . 32827 - وَإِذَا اشْتَرَى حَيَوَانًا ، فَاعْوَرَّ عِنْدَهُ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ مَعَهُ مَا نَقَصَ إِذَا كَانَ عَوَرًا ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ عَيْبٍ مُفْسِدٍ ، دَلَّسَ أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ ، وَمَا كَانَ مِنْ عَيْبٍ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ ، وَلَا يَرُدَّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ . 32828 - وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الثَّوْبَ ، فَيَقْطَعُهُ ، ثُمَّ يَجِدُ فِيهِ الْعَيْبَ : فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْخَرْقِ ، وَالرَّفْوِ حَلَفَ الْبَائِعُ بِاللَّهِ مَا عَلِمَ ذَلِكَ فِيهِ . 32829 - وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ السَّقْطِ ، فَإِنَّهُ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ ، وَيَغْرَمُ لَهُ الْبَائِعُ أَجْرَ الْخِيَاطَةِ . 32830 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَرُدَّهُ ، وَرَجَعَ بِقَيِّمَةِ الْعَيْبِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ . 32831 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الثَّوْرِيِّ . 32832 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ ، لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهُ ، وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا . 32833 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا خَاطَ الثَّوْبَ قَمِيصًا ، أَوْ صَبَغَهُ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْبَلَهُ ، وَإِنْ قَطَعَهُ قَمِيصًا ، وَلَمْ يَخِطْهُ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ، رَجَعَ بِالْعَيْبِ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهُ ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ ثَمَنَهُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي . 32834 - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : يَرُدُّهُ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ ، وَيَرُدُّ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَهُ . 32835 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : فِي الثَّوْبِ وَالْخَشَبِ إِذَا قَطَعَهُمَا ، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا رَدَّهُمَا مَقْطُوعَيْنِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْقَطْعِ . 32836 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَطْعُ مِنَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّوْبِ ، وَالصَّبْغُ الَّذِي يَنْقُصُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ ، وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ بِحَالِهِ كَمَا أَخَذَهُ ، وَأَمَّا إِذَا زَادَ الصَّبْغُ فِي الثَّوْبِ فَهُوَ عَيْنُ مَا لِلْمُشْتَرِي ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ . 32837 - وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ مَا وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ ، وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، فَلِمَا وَصَفْنَا ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ قَدْ دَخَلَهُ مَا غَيَّرَهُ عَنْ حَالِهِ الَّتِي بَاعَهَا عَلَيْهِ الْبَائِعُ ، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إِلَّا الرُّجُوعُ بِمَا دَلَّسَ لَهُ بِهِ الْبَائِعُ ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي ذَهَابِ الْأَمْوَالِ كَالْعَمْدِ . 32838 - وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : يُرَدُّ الْمَبِيعُ بِالْعَيْبِ ، فَيَرُدُّ مَعَهُ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَيْبِ ، فَهُوَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَدَّ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَيْبِ ، فَكَأَنَّهُ رَدَّهُ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ النُّقْصَانَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ . 32839 - وَأَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْعَيْبُ ، فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى الْقَطْعِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ الْفَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَقُولُ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَطْعِ ، وَاللُّبْسِ كَذَلِكَ أَذِنَ لَهُ فِي الْوَطْءِ وَالتَّأْدِيبِ . 32840 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِرَدِّ الثَّوْبِ الْمَوْجُودِ فِيهِ الْعَيْبُ أَنَّهُ إِذَا لَبِسَهُ لُبْسًا يُبْلِيهِ بِهِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ إِلَّا وَيَرُدُّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ اللُّبْسُ ، وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ ، وَأَنَّ لَهُ قِيمَةَ الْعَيْبِ .
14 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ 1406 - قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنِ ارْتَهَنَ مَتَاعًا فَهَلَكَ الْمَتَاعُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ . وَأَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَسْمِيَةِ الْحَقِّ . وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّسْمِيَةِ . وَتَدَاعَيَا فِي الرَّهْنِ . فَقَالَ الرَّاهِنُ : قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا . وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ . وَالْحَقُّ الَّذِي لِلرَّجُلِ فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا . قَالَ مَالِكٌ : يُقَالُ لِلَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ : صِفْهُ . فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَيْهِ . ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا . فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا رُهِنَ بِهِ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ : ارْدُدْ إِلَى الرَّاهِنِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ . وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا رُهِنَ بِهِ أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ مِنَ الرَّاهِنِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ . 32048 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَصْلِهِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ الرُّهُونِ أَنَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مَضْمُونٌ ، فَلَمَّا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، وَكَانَ لَهُ دَيْنُهُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ وَهُوَ تَالِفٌ قَدْ ضَاعَ ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي صِفَةِ الرَّهْنِ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ وَثِيقَةٌ بِدَيْنِهِ ، فَصَارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِيمَا لَا يُقِرُّ بِهِ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَوَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فِي صِفَتِهِ ، ثُمَّ ضَمِنَ تِلْكَ الصِّفَةَ وَتَرَادَّا الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا عَلَى تَسْمِيَةِ الدَّيْنِ ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ كَانَ الْقَوْلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الرَّهْنِ قَوْلُ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ . 32049 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَالرَّهْنُ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ ، وَمَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ فَلَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ إِلَى هَلَاكِهِ وَدِينِهِ ، فَإِنَّ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا له ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى مَبْلَغِ الدَّيْنِ لَزِمَ الرَّاهِنَ الْخُرُوجُ عَنْهُ وَالْأَدَاءُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْمُرْتَهِنُ مُدَّعٍ ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ . 32050 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَالرَّهْنُ عِنْدَهُ بِمَا فِيهِ إِذَا هَلَكَ ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ كَالدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِتَمَامِ دَيْنِهِ . وَبِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِيمَا مَضَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
32051 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ . يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبُهُ . فَيَقُولُ الرَّاهِنُ : أَرْهَنْتُكَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ . وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ : ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ . قَالَ : يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يُحِيطَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ عَمَّا حَلَفَ أَنْ لَهُ فِيهِ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ . وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّبْدِئَةِ بِالْيَمِينِ ؛ لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ . إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ . 32052 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ مِنَ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى . ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ : إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أنَّكَ رَهَنْتَهُ بِهِ ، وَيَبْطُلُ عَنْكَ مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ . فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ . 32053 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا بَيِّنٌ كُلُّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِ قَوْلِهِ ، لَا خِلَافَ عِنْدِ أَصْحَابِهِ ، وَمُنْتَحِلِي مَذْهَبِهِ فِيهِ ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ : أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى ، ثُمَّ قِيلَ لِلرَّاهِنِ : إِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى مَا قُلْتَ ، وَلَا يَلْزَمُكَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ رَهْنِكَ ، أَوْ مَبْلَغٍ أَقْرَرْتَ بِهِ مِنَ الدَّيْنِ ، وَإِمَّا أَنْ يَغْرَمَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ . 32054 - فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا . 32055 - وَبَعْضُهُمْ قَالَ : قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ إِنْ لَمْ يُقِمِ الْمُرْتَهِنُ بَيِّنَةَ بِمَا ادَّعَاهُ ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ الرَّاهِنُ . 32056 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا لِمَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ عِنْدِهِ ، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ فِيه الْبَيِّنَةِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَهُ أَيْضًا عِنْدَهُ رَدُّ الْيَمِينِ إِنْ شَاءَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . 32057 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ ، قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الرَّهْنُ إِذَا اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الْمُرْتَهِنِ يَمِينَهُ عَلَيْهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ إِذَا ضَاعَ فِي يَدِهِ ، وَاخْتَلَفَ هُوَ وَالرَّاهِنُ فِي قِيمَتِهِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الرَّاهِنِ يَمِينُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ الرَّاهِنُ فِيهِ . 32058 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ إِذَا خَالَفَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ مَا رُهِنَ بِهِ الرَّهْنُ ، وَلَمْ يُرَاعُوا مَبْلَغَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يُسَاوِي مَا رُهِنَ بِهِ ، وَقَدْ لَا يُسَاوِي ، وَالْمُرْتَهِنُ يَدَّعِي فِيهِ مَا لَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ الرَّاهِنُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، وَالْبَيِّنَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الرَّاهِنُ ، وَأَخَذَ رَهَنَهُ ، وَادَّعَى مَا أَقَرَّ بِهِ . 32059 - وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَطَائِفَةٍ . 32060 - وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِجْمَاعُهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنِ ادَّعَى مِنَ الثَّمَنِ مَا يَكُونُ قِيمَةَ السِّلْعَةِ . 32061 - وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ قَالَ : فَجَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنَ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ بِحَقِّهِ وَثِيقَةً لَهُ ، فَكَأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَبْلَغِ الْحَقِّ ، فَقَامَ مَقَامَ الشَّاهِدِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ قِيمَتَهُ ، وَمَا جَاوَزَ قِيمَتَهُ فَلَا وَثِيقَةَ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الرَّاهِنِ . 32062 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
32063 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ ، وَتَنَاكَرَا الْحَقَّ ، فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : كَانَتْ لِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا . وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهِ إِلَّا عَشْرَةُ دَنَانِيرَ . وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ . وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا . قِيلَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ : صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ ، أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ . ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا . فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ، أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى ، ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ، أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ ، ثُمَّ قَاصَّهُ بِمَا بَلَغَ الرَّهْنُ ، ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي بَقِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الرَّهْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صَارَ مُدَّعِيًا عَلَى الرَّاهِنِ ، فَإِنَّ حَلَفَ بَطَلَ عَنْهُ بَقِيَّةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِمَّا ادَّعَى فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ . وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ . 32064 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِهِ : مُكَرَّرًا ، وَالْمَعْنَى لَا خَفَاءَ فِيهِ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٌ ، وَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْكَلَامِ عَلَيْهِ إِلَّا مُكَرَّرًا مُعَادًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى مَعْنَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا غَيْرَ مُشْكِلٍ عَلَى كُلِّ مُتَأَمِّلٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1475 1445 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا . فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ ، قَالَ : مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا . وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ : هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ . مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نُحِلَهَا ، حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلٌ . 32919 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : صَحَّ الْقَضَاءُ مِنَ الْخَلِيفَتَيْنِ : أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِأَنْ يَحُوزَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ ، وَيَنْفَرِدَ بِهَا دُونَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ . 32920 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَاهَا نَحَلَهَا جَادًّا عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، يَا بُنَيَّةُ ، فَإِنِّي - وَاللَّهِ - إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي لَأَنْتِ ، وَإِنَّ أَعَزَّ النَّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي لَأَنْتِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلَتُكِ جَادًّا عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي ، وَدِدْتُ أَنَّكِ حُزْتِيهِ وَجَدَّدْتِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مِنْ مَالِ الْوَارِثِ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ ، وَأُخْتَاكِ ، قَالَتْ : هَذَا أَخَوَايَ ، فَمَنْ أُخْتَايَ ؟ قَالَ : ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ ، فَإِنِّي أَظُنُّهَا جَارِيَةً ، قَالَتْ : لَوْ كَانَ مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا لَرَدَدْتُهُ . 32921 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْحِيَازَةِ لَهَا . 32922 - وَمَعْنَى الْحِيَازَةِ الْقَبْضُ بِمَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْهِبَةِ . 32923 - إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمَشَاعِ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 32924 - وَالْهِبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا أَصِفُهُ لَكَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنَ الْوَاهِبِ وَالْقَبُولِ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ ، وَمَا دَامَ الْوَاهِبُ حَيًّا ، فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا الْوَاهِبَ حَتَّى يَقْبِضَهَا ، فَإِنْ قَبَضَهَا تَمَّتْ لَهُ ، وَصَارَتْ مِلْكًا مِنْ مِلْكِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتِ الْهِبَةُ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا حِينَ وَهَبَهَا ، وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ مَنْزِلَةَ مَنْ أَرَادَ إِخْرَاجَ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ ، وَكَانَتْ فِي يَدِهِ طُولَ حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يَرْضَ بِهَا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . 32925 - هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ إِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ بِالْمُطَالَبَةِ لَهَا حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ الْوَاهِبُ . 32926 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمُ : الْهِبَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَتَسْلِيمٍ مِنَ الْوَاهِبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، فَهِيَ بَاطِلٌ ، وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ بِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْوَاهِبَ بِتَسْلِيمِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَا لَمْ تُقْبَضْ عِدَةً وَعَدَهُ بِهَا فَإِنْ وَفَّى حُمِدَ ، وَإِنْ لَمْ يُوفِ بِمَا وَعَدَ ، وَلَمْ يُوهِبْ بِمَا سَلَّمَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بشَيْءٍ . 32927 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : تَصِحُّ الْهِبَةُ ، وَالصَّدَقَةُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ . 32928 - وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَجُّ بِهِ . 32929 - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً . 32930 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ ، أَوْ يُوزَنُ لَمْ يَصَحَّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ بِالْقَوْلِ ، وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ . 32931 - وَاخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ وَكَيْفَ الْقَبْضُ فِيهَا : 32932 - فَقَالَ مَالِكٌ : هِبَةُ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبْضِ الْجَمِيعِ ، وَتَصِحُّ لِلشَّرِيكِ فِي الْمُشَاعِ إِذَا تَخَلَّى الْوَاهِبُ عَنْهَا وَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ، وَانْفَرَدَ الشَّرِيكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا . 32933 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : تَصِحُّ الْهِبَةُ فِي الْمُشَاعِ ، وَالْقَبْضُ فِيهَا كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ . 32934 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْهِبَةُ لِلْمُشَاعِ بَاطِلٌ ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً مَعْلُومَةً مُفْرَدَةً ، كَمَا يَصِحُّ الرَّهْنُ عِنْدَهُمْ ، فَيُفْرَدُ الْمُرْتَهَنُ ، وَكَذَلِكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَيَقْبِضُهُ ، وَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ .
1474 1444 - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، قَالَ : وَاللَّهِ يَا ابْنَتِي مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ ، وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ ، وَأُخْتَاكِ ، فَاقْتَسَمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ! وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ ، فَمَنِ الْأُخْرَى ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أَرَاهَا جَارِيَةً . 32866 - قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا : أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ قَبَضَ الْمَوْهُوبِ لَهَا قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْمَرَضِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ مَوْتُهُ ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى قَبْضِ الْهِبَةِ وَحِيَازَتِهَا بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِ عُمَرَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا الْحَدِيثَ . 32867 - وَفِي هذا حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا جَوَازُ الْهِبَةِ الْمَجْهُولِ عَيْنُهَا إِذَا عُلِمَ مَبْلَغُهَا ، وَجَوَازُ هِبَةِ الْمَشَاعِ أَيْضًا . 32868 - وَفِيهِ : أَنَّ الْغِنَى أَحَبُّ إِلَى الْفُضَلَاءِ مِنَ الْفَقْرِ . 32869 - وَأَمَّا إِعْطَاءُ الرَّجُلِ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ، وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ . 32870 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : تَرْكُ التَّفْضِيلِ فِي عَطِيَّةِ الْأَبْنَاءِ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ . 32871 - قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ . 32872 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي النُّحْلِ : يُجَوِّزُهُ فِي الْحُكْمِ وَيَقْضِي بِهِ . 32873 - وَقَالَ طَاوُسٌ : لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ رَغِيفًا مُحْتَرِقًا . 32874 - وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 32875 - وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ ، بِنَحْوِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ عَطِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ . 32876 - وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . 32877 - قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِرَدِّهَا ، وَأَمَرَهُ بِتَأْكِيدِهَا بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَشْهَدْ هُوَ عَلَيْهَا ؛ لِتَقْصِيرِهِ عَنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِهِ ، وَتَرَكَ الْأَفْضَلَ لَهُ . 32878 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ بِمَا شَاءَ . 32879 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنَّ الْقَضَاءَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطِيَّةِ . 32880 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنْ أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ كَرِهْنَا ذَلِكَ لَهُ ، وَأَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِ . 32881 - وَقَدْ كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ . 32882 - وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 32883 - وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إِنْ فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ نَفَذَ ، وَلَمْ يُرَدَّ . 32884 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ . 32885 - وَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْهُ قَالَ : فَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ أُمِرَ بِرَدِّهِ ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ . 32886 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطِيَّةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْ إِيجَابِ ذَلِكَ . 32887 - إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي اسْتِحْبَابِهِمْ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ : 32888 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَرَ مِثْلَ مَا يُعْطِي الْأُنْثَى ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ . 32889 - قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ، فَلَوْ كُنْتُ مُؤُثِرًا أَحَدًا أَثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ . 32890 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ . 32891 - وَقَالَ آخَرُونَ : التَّسْوِيَةُ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، قِيَاسًا عَلَى قَسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ ، وَممَنْ قَالَ ذَلِكَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ . 32892 - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 32893 - وَلَا أَحْفَظُ لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا . 32894 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ : فَارْجِعْهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى . 32895 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ . 32896 - وَمَعْنَى الِاعْتِصَارِ عِنْدَهُمُ : الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ . 32897 - وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِغَيْرِ الْأَبِ ، إِلَّا أَنَّ الْأُمَّ عِنْدَهُمْ إِذَا وَهَبَتْ لِابْنِهَا شَيْئًا ، وَهُمْ أَيْتَامٌ لَمْ تَرْجِعْ فِي هِبَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّدَقَةِ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَيْتَامًا ، وَكَانَ أَبُوهُمْ حَيًّا كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا . 32898 - هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ أَصْلًا . 32899 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَدَّ لَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِ ابْنِهِ . 32900 - وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا وَهَبَ لَهُ أَبُوهُ هِبَةً ، ثُمَّ اسْتَحْدَثَ الْوَلَدُ دَيْنًا دَايَنَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْهِبَةِ ، أَوْ نَكَحَ ، لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ - حِينَئِذٍ - الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْ هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ . 32901 - وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْهِبَةِ . 32902 - فَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ فِيهَا لِلْأَبِ ، وَلَا لِغَيْرِ أَبِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِصَارُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فِي بَابِ الِاعْتِصَارِ فِي الْهِبَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِذَلِكَ . 32903 - وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هُنَا قَوْلَ مَالِكٍ ؛ لِمَا ارْتَبَطَ بِهِ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ . 32904 - وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا : إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ ، فَمَنِ الْأُخْرَى ؟ فَأَجَابَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : إِنَّ ذَا بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً ، فَهَذَا مِنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ظَنٌّ لَمْ نخطِّئْهُ ، فَكَانَتْ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ جَارِيَةً أَتَتْ بَعْدَهُ ، فَسُمِّيَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ . 32905 - وَأَمَّا بِنْتُ خَارِجَةَ فَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَاسْمُهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ ابْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الَّذِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ إِذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَكَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ظَنًّا كَالْيَقِينِ . 32906 - وَالْعَرَبُ تَقُولُ : ظَنُّ الْحَلِيمِ مَهَابَةٌ . 32907 - وَتَقُولُ أَيْضًا : مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِظَنِّهِ ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِيَقِينِهِ . 32908 - وَتَقُولُ أَيْضًا : الظَّنُّ مِفْتَاحُ الْيَقِينِ . 32909 - وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ : الْأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ لَكَ الظَّنْـ نَ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا . 32910 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - 32911 - وَمِمَّا يُمْدَحُ بِهِ الظَّنُّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 32912 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَلْيَظُنَّ بِي مَا يَشَاءُ . 32913 - وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ ، فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ . 32914 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا ظَنُّ الْفَاسِقِ ، وَالْكَافِرِ ، وَالْمُنَافِقِ فَمَذْمُومٌ غَيْرُ مَمْدُوحٍ . 32915 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا . 32916 - وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلَا تَجَسَّسُوا ، وَلَا تَحَسَّسُوا . 32917 - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا 32918 - فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِنْتَ خَارِجَةَ الْمَذْكُورَةَ وَابْنَتَهَا بِمَا يَجِبُ مِنْ ذِكْرِهِمَا هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1473 33 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّحْلِ 1443 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ؛ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا ، غُلَامًا كَانَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْتَجِعْهُ . 32841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ : النِّحَلُ ، وَالنِّحْلَةُ الْعَطَايَا بِلَا اسْتِعَاضَةٍ . 32842 - وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً أَيْ هِبَةً مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُنَّ ، وَفَرِيضَةً عَلَيْكُمْ . 32843 - وَبِهَذَا الْمَعْنَى رَوَى جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمَا قَالَ فِيهِ : فَارْتَجِعْهُ . 32844 - وَبَعْضُهُمْ قَالَ : فَارْدُدْهُ . 32845 - وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فِيهِ وَاحِدٌ . 32846 - وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ : الشَّعْبِيُّ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَثْبَتُّهَا هُنَاكَ بِالْأَسَانِيدِ . 32847 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُحْلًا ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ ، فَقَالَ : أَكُلَّ بَنِيكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ . 32848 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنِ النُّعْمَانِ . 32849 - وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النُّعْمَانِ ، وَقَالَ فِيهِ : فَارْدُدْهُ . 32850 - وَقَالَ فِيهِ حُصَيْنٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً ، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَعْطَيْتَ أَوْلَادَكَ مَثَلَ سَائِرِ وَلَدِكَ ، مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، فَقَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ، قَالَ : فَرَجَعَ ، فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ ، فَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِرَدِّ الْعَطِيَّةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ رَجَعَ ، فَرَدَّ الْعَطِيَّةَ إِذْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَدْلِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ . 32851 - وَرَوَاهُ هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ ، وَمُغِيرَةُ ، وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، وَمَجَالِدٌ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَ : أَنْحَلَنِي أَبِي نُحْلًا - قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ : نَحَلَهُ غُلَامًا لَهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ . 32852 - وَفِيهِ قَالَ لَهُ : أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : أَكُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ النُّعْمَانَ ؟ قُلْتُ : لَا . 32853 - قَالَ هُشَيْمٌ ؛ فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ : هَذَا جَوْرٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذِهِ تَلْحِيَةٌ ، فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . 32854 - وَقَالَ مُغِيرَةُ فِي حَدِيثِهِ : أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . 32855 - وَذَكَرَ مُجَالِدٌ فِي حَدِيثِهِ : إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَنَّ لَكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ . 32856 - فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَطِيَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا مِنْ أَجْلِ مَا خَافَ عَلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْعُقُوقِ عَلَيْهِ مِنْ بَنِيهِ . 32857 - وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَدِّ الْعَطِيَّةِ . 32858 - وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ : 32859 - فَقَالَ طَاوُسٌ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْفُذْ ، وَفُسِخَ . 32860 - وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ . 32861 - وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ . 32862 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْتَجِعْهُ ، وَقَوْلُهُ : فَارْدُدْهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . 32863 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ : لَا بَأْسَ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ بِالنِّحْلَةِ دُونَ بَعْضٍ ، وَيُؤْثِرَهُ بِالْعَطِيَّةِ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْعَطَايَا إِلَى الْبَنِينَ أَحَبُّ إِلَى جَمِيعِهِمْ . 32864 - وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ فِيمَنْ نَحَلَ بَعْضَ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ . 32865 - قَالَ : وَقَدْ نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ دُونَ وَلَدِهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ .
34 - بَابُ مَا يَجُوزُ من الْعَطِيَّةِ 1446 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَعْطَى أَحَدًا عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّذِي أُعْطِيَهَا ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي أُعْطِيَهَا . قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي إِمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، إِذَا قَامَ عَلَيْهِ بِهَا صَاحِبُهَا أَخَذَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ أُعْطِيَ عَطِيَّةً ، ثُمَّ نَكَلَ الَّذِي أَعْطَاهَا ، فَجَاءَ الَّذِي أُعْطِيَهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ ، عَرَضًا كَانَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ حَيَوَانًا ، أُحْلِفَ الَّذِي أُعْطِيَ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ . فَإِنْ أَبَى الَّذِي أُعْطِيَ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ الْمُعْطِي ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَيْضًا أَدَّى إِلَى الْمُعْطَى مَا ادَّعَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطَى ، فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعْطَى عَطِيَّتَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَ عَطَاءً لَمْ يَقْبِضْهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي أَنْ يُمْسِكَهَا ، وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ أَعْطَاهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، إِذَا قَامَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا . 32935 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُثْمَانَ فِي نِحْلَةِ الرَّجُلِ ابْنَهُ الصَّغِيرِ وَهِبَتِهِ لَهُ ، وَحِيَازَتِهِ . 32936 - وَهُوَ عِنْدَ يَحْيَى فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي آخِرِ الْأَقْضِيَةِ ، وَهُنَاكَ نَذْكُرُهُ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 32937 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، وَأَوْضَحْنَا فِيهِ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبَ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَالَّذِي دَعَانَا إِلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِعَائِشَةَ فِيهِ : لَوْ كُنْتِ حُزْتِيهِ ، وَجَدَّدْتِيهِ لَكَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ . 32938 - وَقَوْلُ عُمَرَ فِيهِ أَيْضًا : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نِحَلًا ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا ، فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ ، قَالَ : مَالِي بِيَدِي الْحَدِيثَ . 32939 - وَهَذَانَ الْحَدِيثَانِ أَصْلُ حِيَازَةِ الْهِبَةِ فِي الْمُوَطَّأِ . 32940 - وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي قَبْضِ الْهِبَةِ وَحِيَازَتِهَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا . 32941 - وَذَكَرْنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْوَاهِبِ بِهَا إِنْ مَنْعَهُ إِيَّاهَا . 32942 - وَذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
1446 19 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا 1413 - مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا ، أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ . 32194 - زَعَمَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ زَائِدَةٌ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 32195 - وَأَظُنُّ الْبَزَّارَ لَمَّا رَأَى حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ قَدْ أَرْسَلَهُ ظَنَّ أَنَّ مَالِكًا وَحْدَهُ أَرْسَلَهُ ، فَغَلِطَ فِي ظَنِّهِ . 32196 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : النَّهْيُ عَنْ إِقَامَةِ حَدٍّ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ ، وَبِغَيْرِ شُهُودٍ ، وَقَطْعُ الذَّرِيعَةِ إِلَى سَفْكِ دَمٍ مُسْلِمٍ بِدَعْوَى يَدَّعِيهَا عَلَيْهِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُبِيحَ دَمَهُ ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِهِ : وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَظَّمَ دَمَ الْمُسْلِمِ ، وَعَظَّمَ الْإِثْمَ فِيهِ ، فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ ، وَذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ دُونَ غَيْرِهِ : لِيَمْتَثِلَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 32197 - وَقَدْ أَرْدَفَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قد أَوْضَحَ الْحُكْمَ فِيهِ .
1447 1414 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، يُقَالُ لَهُ : ابْنُ خَيْبَرِيِّ ، وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ ، أَوْ قَتَلَهُمَا مَعًا ، فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عن ذلك ، فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالب ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي ، عَزَمَتْ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : كَتَبَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَبُو حَسَنٍ : إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ . 32198 - رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ . 32199 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَاهُ عِنْدَهُ : فَلْيُسَلِّمْهُ بِرُمَّتِهِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ يَقْتُلُونَهُ ، وَقِيلَ : يُسَلَّمُ إِلَيْهِمْ بِحَبَلٍ فِي عُنُقِهِ لِلْقِصَاصِ إِنْ لَمْ يُقِمْ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ . 32200 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَصِحُّ عَنْهُ ، قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي التَّمْهِيدِ وَأَوْضَحْتُهُ . 32201 - وَعَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32202 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : رَجُلٌ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ، إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ . 32203 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الْحُدُودُ إِلَى السُّلْطَانِ . 32204 - وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُهُ ، وَهُوَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . 32205 - وَأَمَّا خَبَرُ الشَّعْبِيِّ فِي الَّذِي أَشْرَفَ عَلَى زَوْجَةِ أَخِيهِ ، وَهُوَ غَائِبٌ ، وَمَعَهَا عَلَى فِرَاشِهَا رَجُلٌ يَتَغَنَّى : وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنَّا خَلَوْتُ بِعُرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ يَبِيتُ عَلَى حَسَائِهِا وَيُمْسِي عَلَى وَهْمَاءَ لَاحِقَةِ الْحِزَامِ كَأَنَّ مَوَاضِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا نَعَامٌ قَدْ جُمِعْنَ إِلَى نَعَامِ 32205 م - هَكَذَا ذَكَرَهُ وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَذَكَرَ فِيهِ : لَهَوْتُ بِعُرْسِهِ . 32206 - وَقَالَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي : أَبَيْتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيَطْوِي عَلَى حَمْرَاءَ مَائِلَةِ الْحِزَامَ كَأَنَّ مَجَامِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا قِيَامٌ يَرْجِعُونَ إِلَى قِيَامِ 32207 - وَهَذَانَ الْخَبَرَانِ مُنْقَطِعَانِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا شَهَادَةٌ قَاطِعَةٌ بِمُعَايَنَةِ قَتْلٍ ، وَلَا إِقْرَارٌ بِهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِلَّا فِي إِيجَابِ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَجَحَدَ الْجِمَاعَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
1448 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ ، بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ، فَإِنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا . 32946 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ ، وَقَدْ أَرْجَأْتُ الْقَوْلَ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لِذِي رَحِمٍ وَغَيْرِهِ إِلَى بَابِ الِاعْتِصَارِ فِي الصَّدَقَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 32947 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ غَيْرُ مَرْدُودَةٍ إِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ كَانَ لِلْوَاهِبِ مُطَالَبَتُهُ بِالثَّوَابِ مِنْهَا ، ذَا رَحِمٍ مِنْهُ كَانَ أَوْ غَيْرَ رَحِمٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ ، فَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرٌ فِي رَدِّهَا ، أَوْ إِعْطَاءِ الْعِوَضِ مِنْهَا ، هَذَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ كَانَ لِلْوَاهِبِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ . 32948 - وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ . 32949 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ جَوَازُ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ . 32950 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ ، لَيْسَتْ بِشَيْءٍ . 32951 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ ، وَذَلِكَ بَيْعٌ لَا يَجُوزُ . 32952 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُمْ جَائِزَةٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ زَادَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، أَوْ نَقَصَتْ أَوْ هَلَكَتْ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ فِيهَا رُجُوعٌ إِنْ كَانَتْ لِذِي رَحِمٍ ؛ لِأَنَّهُ - حِينَئِذٍ - صِلَةٌ خَالِصَةٌ لَهُ . 32953 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 32954 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ أَنَّ كُلَّ هِبَةٍ وَقَعَتْ عَلَى شَرْطِ عِوَضٍ فَهِيَ وَالْعِوَضُ مِنْهَا عَلَى حُكْمِ الْهِبَةِ ، لَا تَصِحُّ مَا لَمْ تُقْبَضْ ، وَيَمْنَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ إِنْ شَاءَ ، فَإِنْ مَضَتْ وَقَبَضَ الْعِوَضَ مِنْهَا فَهِيَ كَالْبَيْعِ ، وَيَرُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وُجِدَ فِيهِ الْعَيْبُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ . 32955 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَيْسَ لِأَحَدٍ رُجُوعٌ ، وَلَا ثَوَابَ فِي هِبَةٍ ، وَلَا هَدِيَّةٍ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . 32956 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ . 32957 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَثَلُ السَّوْءِ ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ .
1477 35 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْهِبَةِ 1447 - مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي غَطْفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ ، يَرْجِعُ فِيهَا ، إِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا . 32943 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً ، فَلَمْ يُثَبْ مِنْهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . 32944 - وَعَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لَمْ يُثَبْ مِنْهَا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا إِلَّا لِذِي رَحِمٍ . 32945 - وَعَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : مَنْ أَعْطَى فِي صِلَةِ رَحِمٍ ، أَوْ قَرَابَةٍ ، أَوْ حَقٍّ ، أَوْ مَعْرُوفٍ فَعَطِيَّتُهُ جَائِزَةٌ ، وَالْجَانِبُ الْمُسْتَعِزِزُ يُثَابُ مِنْ هِبَتِهِ ، أَوْ تُرَدُّ إِلَيْهِ .
15 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا 1407 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الدَّابَّةَ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى ، ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ وَيَتَقَدَّمُ : إِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يُخَيَّرُ . فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تعدِّي بِهَا إِلَيْهِ أُعْطِيَ ذَلِكَ ، وَيَقْبِضُ دَابَّتَهُ وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ . وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُسْتَكْرِي ، وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ إِنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدْأَةَ ، فَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ، ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ ، فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْبَدَاءَةِ وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ . وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ بِهَا الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إِلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ . قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُ أَهْلِ التَّعَدِّي ، وَالْخِلَافِ لِمَا أَخَذُوا الدَّابَّةَ عَلَيْهِ . 32065 - ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً فِي الْمُقَارِضِ يُخَالِفُ ، فَيَشْتَرِي غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ صَاحِبُ الْمَالِ لِيَكُونَ لَهُ الرِّبْحُ كُلُّهُ ، وَيَضْمَنَ رَأْسَ الْمَالِ . 32066 - وَالْمِبْضَعُ مَعَهُ يُخَالِفُ رَبَّ الْبِضَاعَةِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَيَتَعَدَّى لِيَضْمَنَ الْبِضَاعَةَ ، وَيَأْخُذَ رِبْحَهَا ، فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ فِعْلَهُ ، وَيَكُونُ عَلَى شَرْطِهِ . 32067 - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ . 32068 - وَأَمَّا تَعَدِّي الْمُكْتَرِي بِالدَّابَّةِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ خَالَفُوا مَالِكًا فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ ، وَلَا الْمُبْضِعُ مَعَهُ يُخَالِفَانِ مَا أَمَرَا بِهِ فِي ذَلِكَ . 32069 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ : وَلَوِ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى مَرٍّ فَتَعَدَّى بِهَا إِلَى عُسْفَانَ فَعَلَيْهِ كِرَاؤُهَا إِلَى مِرٍّ ، وَكِرَاءُ مِثْلِهَا إِلَى عُسْفَانَ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ يَعْنِي - إِنْ عَطَبَتْ . 32070 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنِ اكْتَرَى دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا جَاوَزَ ، وَإِنْ تَلَفَتْ فَعَلَيْهِ أَيْضًا قِيمَتُهَا . 32071 - ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ . 32072 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ : مَنِ اكْتَرَى دَابَّةً إِلَى مَكَانٍ فَجَاوَزَ بِهَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ كَانَ ضَامِنًا لَهَا سَاعَةَ جَاوَزَ بِهَا ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مُجَاوَزَتِهِ بِهَا بَعْدَ سَلَامَتِهَا ، وَإِنْ عَطَبَتْ فِي مُجَاوَزَاتِهِ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهَا سَاعَةَ تَجَاوَزَ بِهَا . 32073 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُهُمْ أَنَّهُ إِذَا جَاوَزَ بِهَا كَانَتْ فِي ضَمَانِهِ إِنْ سَلِمَتْ ، أَوْ عَطَبَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ لِمَا هُوَ ضَامِنٌ لَهُ . 32074 - وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَظَاهِرِ السُّنَّةِ . 32075 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ 32076 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ . 32077 - وَالْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ إِذَا تَجَاوَزَ بِهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي اكْتَرَاهَا إِلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَ لِصَاحِبِهَا عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ كَانَ قَدْ أَكَلَ مَالَهُ بَاطِلًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمُكْتَرِي كِرَاءَ مَا تَعَدَّى فِيهِ بِهَا فَقَدْ أَعْطَاهُ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ، وَلَيْسَ اعْتِلَالُهُ بِرَأْيِهِ أَنَّهَا صَارَتْ فِي ضَمَانِهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلِ الدَّابَّةَ إِذَا سَلِمَتْ فِي ضَمَانِ الْمُتَعَدِّي بِهَا ، وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَيْهِ ، بَلِ الْجُمْهُورُ يَقُولُونَ : إِذَا سَلِمَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهَا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَعَدَّى عَلَيْهَا . 32078 - وَقَدْ تَنَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ فِيمَنْ تَعَدَّى فِي بِضَاعَةٍ أُبْضِعَتْ مَعَهُ فَتَجُرَّ فِيهَا : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرِّبْحُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ . 32079 - وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
22 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمُسْتَلْحَقِ 1420 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ بَنُونَ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : قَدْ أَقَرَّ أَبِي أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ : إِنَّ ذَلِكَ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الَّذِي أَقَرَّ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ ، يُعْطَى الَّذِي شَهِدَ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَهْلِكَ الرَّجُلُ وَيَتْرُكَ ابْنَيْنِ لَهُ ، وَيَتْرُكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ ، فَيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ، ثُمَّ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ الْهَالِكَ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ ، فَيَكُونُ عَلَى الَّذِي شَهِدَ لِلَّذِي اسْتُلْحِقَ مِائَةُ دِينَارٍ ، وَذَلِكَ نِصْفُ مِيرَاثِ الْمُسْتَلْحَقِ لَوْ لَحِقَ ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ الْآخَرُ أَخَذَ الْمِائَةَ الْأُخْرَى ، فَاسْتَكْمَلَ حَقَّهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ . وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ عَلَى زَوْجِهَا ، وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إِلَى الَّذِي أَقَرَّتْ لَهُ بِالدَّيْنِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ ، لَوْ ثَبَتَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ ، إِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ وَرِثَتِ الثَّمَنَ ، دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ ثَمَنَ دَيْنِهِ ، وَإِنْ كَانَتِ ابْنَةً وَرِثَتِ النِّصْفَ ، دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ نِصْفَ دَيْنِهِ عَلَى حِسَابِ هَذَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى مِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا ، أُحْلِفَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ ، وَأُعْطِي الْغَرِيمُ حَقَّهُ كُلَّهُ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ أَنْ يَحْلِفَ ، وَيَأْخُذَ حَقَّهُ كُلَّهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَخَذَ مِنْ مِيرَاثِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، وَجَازَ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ . 32410 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْمُقِرُّ بِأَخٍ مَجْهُولٍ ، وَلَهُ أَخٌ مَعْرُوفٌ يَجْحَدُ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِمَا يَلْزَمُهُ أَخَاهُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ : فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ ، لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِإِقْرَارِهِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ . 32411 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 32412 - وَالْكُوفِيُّونَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ فِيمَا تَرَكَ أَبُوهُ ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، قَالُوا : يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ ظُلْمِ أَخِيهِ لَهُ كَمَا يَدْخُلُ عَلَى الْمَجْحُودِ الَّذِي أَقَرَّهُ بِهِ . 32413 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا بِإِقْرَارِ أَخِيهِ وَحْدَهُ إِذَا كَانَ ثَمَّ مِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يَدْفَعُهُ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِ أَخِيهِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنَ الْمِيرَاثِ ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِيهِ عِنْدَنَا ، وَإِنْ شَاءَ الْمُقِرُّ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا أَعْطَاهُ . 32414 - وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 32415 - وَاتَّفَقُوا أَنَّ نَسَبَ الْأَخِ الْمُقَرِّ بِهِ يَثْبُتُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ الِابْنَانِ جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ . 32416 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا جَحَدَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ ، وَأَقَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ : 32417 - فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا . 32418 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الِابْنِ الْوَاحِدِ يُقِرُّ بِهِ الْأَخُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَلْحَقُ نَسَبُهُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 32419 - وَأَمَّا إِقْرَارُ الْوَارِثِ بِدَيْنٍ إِذَا أَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ ؛ فَالَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَمِصْرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا يُصِيبُهُ فِي حِصَّتِهِ إِذَا كَانَتِ ابْنَةٌ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهَا فَالنِّصْفُ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا فَالثُّلُثُ ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجًا فَالرُّبُعُ ، أَوِ الثُّمُنُ ، وَإِنْ كَانَ أَخًا لِأُمٍّ فَالسُّدُسُ . 32420 - عَلَى هَذَا جَمَاعَتُهُمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ كَالْإِقْرَارِ بِالْوَلَدِ وَكَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ . 32421 - إِلَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ مَالِكٍ وَهْمًا ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِوَارِثٍ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ . 32422 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَلْ أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ قَوْلَهُ هَذَا . 32423 - وَكَانَ أَبُو عُمَرَ ؛ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُنْكِرُ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ كُلَّ الْإِنْكَارِ ، يُنْكِرُ وَيَقُولُ : لَا أَعْرِفُ مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . 32424 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِالدَّيْنِ مِنَ الْوَرَثَةِ إِلَّا بِمِقْدَارِ مِيرَاثِهِ . 32425 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ : يَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِالدَّيْنِ أَدَاءُ الدَّيْنِ كُلِّهِ مِنْ حِصَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرِثَ وَعَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ ، وَجَعَلُوا الْجَاحِدَ كَالْغَاصِبِ بِبَعْضِ مَالِ الْمَيِّتِ . 32426 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يُؤَدِّي الدَّيْنَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْغَصْبِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ . 32427 - وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَارِثًا وَاحِدًا ، وَأَقَرَّ لَزِمَهُ الدَّيْنُ كُلُّهُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَرِثْ إِلَّا مَا فَضَلَ عَنِ الدَّيْنِ . 32428 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ . 32429 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ إِقْرَارَ الْمُقِرِّينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَقَرُّوا بِهِ ، وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّيْنِ لَمْ يَلْزَمِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إِلَّا مِقْدَارُ حِصَّتِهِ مِنَ الْمِيرَاثِ . 32430 - وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِوَصِيَّةٍ ، أَوْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ . 32431 - وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ بِمِقْدَارِ مِيرَاثِهِ . 32432 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَوْ كَانَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ لَزِمَهُمَا الدَّيْنُ كُلُّهُ فِي حِصَّتَيْهِمَا ، وَلَمْ يَلْزَمْ سَائِرَ الْوَرَثَةِ شَيْءٌ ، فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ مَنْ إِذَا ثَبَتَتْ شَهَادَتُهُ كَانَ بِهَا جَارًا إِلَى نَفْسِهِ ، أَوْ دَافِعًا عَنْهَا .
36 - بَابُ الِاعْتِصَارِ فِي الصَّدَقَةِ 1449 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِصَدَقَةٍ قَبَضَهَا الِابْنُ ، أَوْ كَانَ فِي حِجْرِ أَبِيهِ فَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ نَحَلَ وَلَدَهُ نِحَلًا ، أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ ، إنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ ، مَا لَمْ يَسْتَحْدِثِ الْوَلَدُ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ ، وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ ، فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدُّيُونُ ، أَوْ يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ ، فَتَنْكِحُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ ، وَإِنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ ، وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ ، فَيُرِيدُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ الْأَبُ ، أَوْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ ، قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النِّحَلَ ، إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا لِغِنَاهَا وَمَالِهَا ، وَمَا أَعْطَاهَا أَبُوهَا ، ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ : أَنَا أَعْتَصِرُ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنِ ابْنِهِ وَلَا مِنِ ابْنَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، إِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ . 32958 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قُلْنَا : إِنَّ الِاعْتِصَارَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُوَ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ فِيهَا لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا . 32959 - وَكُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ - مِنَ الْهِبَاتِ - وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الصَّدَقَةِ فِي تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِيهَا . 32960 - وَأَمَّا الْهِبَاتُ إِذَا لَمْ يَقُلِ الْوَاهِبُ فِيهَا لِلَّهِ ، وَلَا أَرَادَ بِهِبَتِهِ الصَّدَقَةَ الْمُخْرَجَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا : 32961 - فَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُوَطَّأِ عَلَى مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ تَرْكِ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ إِذَا نَكَحَتِ الِابْنَةُ ، أَوِ اسْتَدَانَ الِابْنُ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ . 32962 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ ، ثُمَّ وَقَفَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَوِ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ : لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ لَقُلْتُ بِهِ ، وَلَمْ أَزِدْ وَاهِبًا غَيْرَهُ وَهَبَ لِمَنْ يَسْتَثِيبُ مِنْهُ ، أَوْ لِمَنْ لَا يَسْتَثِيبُ مِنْهُ . 32963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ وَصَلَ حَدِيثَ طَاوُسٍ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . 32964 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ، أَوْ يَهَبَ هِبَةً ، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ ، وَمِثْلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ ، فَإِذَا شَبِعَ قَاءَهُ ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ . 32965 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . 32966 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ . 32967 - وَمِنْ أَحْسَنِ أَسَانِيدِهِ حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 32968 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ ، فَلَيْسَ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، كَمَا وَصَفْتُ لَكَ . 32969 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 32970 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : كُلُّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مُحَرَّمَةٍ كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ ، وَابْنِ الْأخْوَةِ ، وَالْأَخَوَاتِ . 32971 - وَكَذَلِكَ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ ، وَالْأَخْوَالُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَالْآبَاءُ ، وَإِنْ عَلَوْا ، وَالْبَنِينَ وَإِنْ سَفُلُوا ، وَكُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ ، وَالصِّهْرِ . 32972 - وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ إِنْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، كَمَا لَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ صَدَقَتِهِ ، فَإِنْ وَهَبَ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ مَا لَمْ تَزِدْ فِي بَدَنِهَا ، أَوْ يَزِيدُ فِيهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ، وَمَا لَمْ يَمُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَمَا لَمْ تَخْرُجِ الْهِبَةُ مِنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَمَا لَمْ يُعَوِّضِ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ عِوَضًا يَقْبَلُهُ ، وَيَقْبِضُ مِنْهُ ، فَأَيُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَتْ فَلَا رُجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَعَهُ ، كَمَا لَا يَرْجِعُ فِي الصَّدَقَةِ ، وَلَا فِيمَا وَهَبَ لِذِي رَحِمِ مُحَرَّمَةٍ مِنْهُ ، وَلَا فِيمَا وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ . 32973 - وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَالشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَالْأَوْصَافُ الَّتِي وَصَفْنَا كَانَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَهُ فِيهَا ، أَوْ بِتَسْلِيمٍ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ . 32974 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ فِي مُخْتَصَرِهِ . 32975 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ - الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي غَطْفَانَ ، عَنْ مَرْوَانَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ . فَسَوَّى بَيْنَ الْهِبَةِ لِذِي الرَّحِمِ ، وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ . 32976 - وَرَوَى الْأَسْوَدُ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ فِيمَنْ وَهَبَ لِصِلَةِ رَحِمٍ ، أَوْ قَرَابَةٍ . 32977 - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ذِكْرُ الزَّوْجَيْنِ . 32978 - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَلَا غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ ، كَمَا فَعَلَ الْكُوفِيُّونَ . 32979 - وَالْأَصْلُ عِنْدِي الَّذِي تَلْزَمُ الْحُجَّةُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الرَّجْعَةُ فِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ، إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ سُنَّةٌ تَخُصُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ، أَوْ يَتَّفِقُ عَلَى مَعْنًى مِنْ ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1443 16 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمُسْتَكْرَهَةِ مِنَ النِّسَاءِ 1408 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَضَى فِي امْرَأَةٍ أُصِيبَتْ مُسْتَكْرَهَةً بِصَدَاقِهَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا . 32080 - قَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَغْتَصِبُ الْمَرْأَةَ ؛ بَكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا . إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا . وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ ، وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُغْتَصِبُ عَبْدًا فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسَلِّمَهُ . 32081 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ قَدْ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَلَمْ يَرَوِهِ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَلَا ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَلَا مُطَرِّفٍ . 32082 - وَرَوَوْا كُلُّهُمْ - وَلَا عُقُوبَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ - إِلَّا الْقَعْنَبِيَّ فَلَمْ يَرْوِهِ . 32083 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُسْتَكْرِهِ الْمُغْتَصِبِ الْحَدَّ إِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ ، وَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهَا إِذَا صَحَّ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا وَغَلَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا ، وَذَلِكَ يُعْلَمُ بِصُرَاخِهَا وَاسْتِغَاثَتِهَا ، وَصِيَاحِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ دَمِهَا ، وَنَحْوِهَا مِمَّا يُفْصِحُ بِهِ أَمْرُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ، وَقَالَتِ : اسْتُكْرِهْتُ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ كَانَ الْحَمْلُ وَالِاعْتِرَافُ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 32084 - وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُسْتَكْرَهَةَ لَا حَدَّ عَلَيْهَا إِذَا صَحَّ اسْتِكْرَاهُهَا بِمَا ذَكَرْنَا وَشَبْهَهُ . 32085 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنِيُّ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ . 32086 - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَالْخُلَفَاءِ ، وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ . 32087 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَى الْمُغْتَصِبِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَالْحَدُّ جَمِيعًا . 32088 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ . 32089 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، لَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ صَدَاقٌ وَحَدٌّ . 32090 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي السَّارِقِ أَنَّهُ إِذَا قُطِعَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُرْمٌ . 32091 - وَمَسْأَلَةُ السَّارِقِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَيْضًا . 32092 - وَالصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وُجُوبُ الصَّدَاقِ ، وَوُجُوبُ الْغُرْمِ ؛ لِأَنَّ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَهُمَا حَقَّانِ وَاجِبَانِ ، أَوْجَبَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَرَسُولُهُ ، فَلَا يَضُرُّ اجْتِمَاعُهُمَا . 32093 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ فِي بِكْرٍ افْتُضَّتْ بِصَدَاقِ مِثْلِهَا مِنَ النِّسَاءِ ، قَالَ : قَضَى بِذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ . 32094 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : الْبِكْرُ تُسْتَكْرَهُ ؟ قَالَ : لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا . قَالَ : وَآيَةُ ذَلِكَ أَنْ تَصِيحَ أَوْ أَنْ يُوجَدَ بِهَا أَثَرٌ . 32095 - قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : مَنِ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً بِكْرًا ، فَلَهَا صَدَاقُهَا ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا . 32096 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ قَتَادَةُ مِثْلَ ذَلِكَ . 32097 - قَالَ : وَآيَةُ الْبِكْرِ تُسْتَكْرَهُ أَنْ تَصِيحَ . 32098 - قَالَ : وَالثَّيِّبُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْبِكْرِ . 32099 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي حُرَّةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : اسْتَكْرَهَ عَبْدٌ امْرَأَةً ، فَوَطِئَهَا ، فَاخْتَصَمَا إِلَى الْحَسَنِ ، وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ ، فَضَرَبَهُ الْحَدَّ ، وَقَضَى بِالْعَبْدِ لِلْمَرْأَةِ . 32100 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ بِجِنَايَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32101 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ بِمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ . 32102 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا عَنْ مَمْلُوكٍ انْتَزَعَ جَارِيَةً ؟ فَقَالَا : عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ .
1432 6 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الدَّعْوَى 1397 - مَالِكٌ ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنِ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا ، نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ ، أَحْلَفَ الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُحَلِّفْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّهُ مَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَعْوَى ، نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أُحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ، وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَحَلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ ، أَخَذَ حَقَّهُ . 31863 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي رَدِّ الْيَمِينِ ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، هَلْ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى دُونَ خُلْطَةٍ أَوْ مُلَابَسَةٍ تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَمْ لَا ؟ 31864 - فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالْخُلْطَةِ . 31865 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ . 31866 - ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : إِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ الْفَاجِرُ عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ شَيْئًا ، يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ فِيهِ كَاذِبٌ ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا أَخْذٌ وَلَا إِعْطَاءٌ لَمْ يُسْتَحْلَفْ . 31867 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : إِنَّا - وَاللَّهِ - لَا نُعْطِي الْيَمِينَ كُلَّ مَنْ طَلَبَهَا ، وَلَا نُوجِبُهَا إِلَّا بِشَبِيهٍ بِمَا يُوجِبُ بِهِ الْمَالَ . 31868 - قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُخَالَطَةَ ، وَاللَّطْخَ ، وَالشَّبَهَ . 31869 - قَالَ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 31870 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِمُعَامَلَةِ النَّاسِ مِثْلَ التُّجَّارِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، وَمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مِنْ غَرِيبٍ ، وَغَيْرِهِ ، وَعُرِفَ بِهِ ، فَالْيَمِينُ عَلَيْهِ بِمَنِ ادَّعَى مُعَامَلَتَهُ ، وَمُدَايَنَتَهُ فِيمَا يُمْكِنُ ، وَمَا كَانَ بِخِلَافِ هَذِهِ الْحَالِ مِثْلَ الْمَرْأَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمُحْتَجِبَةِ ، وَالرَّجُلِ الْمَسْتُورِ الْمُنْقَبِضِ عَنْ مُدَاخَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمُلَابَسَتِهِ ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ إِلَّا بِخُلْطَةٍ ، وَفِي الْأُصُولِ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِمَا لَا يُشْبِهُ ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الْأَغْلَبِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ . 31871 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا أُوتِيَ يَعْقُوبُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا ، قَالَ : كَذَبْتُمْ ، لَوْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ . 31872 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ فِي قَمِيصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثُ آيَاتٍ : حِينَ قُدَّ قَمِيصُهُ مِنْ دُبُرٍ ، وَحِينَ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ ، فَارْتَدَّ بَصِيرًا ، وَحِينَ جَاءُوا بِالدَّمِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ شَقٌّ عَلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ . 31873 - وَمِمَّا يَشْهَدُ بِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ؛ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 31874 - وَهَذَا أَصْلٌ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي كُلِّ مَا يُشْبِهُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 31875 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ، وَلَا الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ وَمَا أَشْبَهَهُ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ ، فَيَسْتَحْلِفُ لَهُ كَالطَّلَاقِ ، وَالْعِتْقِ إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ ، أَوِ الْعَبْدُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ ، أَوِ السَّيِّدُ مَا طَلَّقَ ، وَلَا أَعْتَقَ . 31876 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : كُلُّ مَنِ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ اسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْحُقُوقِ كُلِّهَا . 31877 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى أَقْوَامٌ دَمَ أَقْوَامٍ ، وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . 31878 - وَمِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا يَذْكُرُ فِيهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَإِنَّمَا يَقُولُ : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . 31879 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، قَالَا : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ عُمَرَ - يَعْنِي الْجُمَحِيَّ - عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَجُوزَانِ فِي الْبَيِّنَةِ ، وَأَخْرَجَتْ إِحْدَاهُمَا يَدَهَا تَشْخُبُ دَمًا فَقَالَتْ : أَصَابَتْنِي هَذِهِ ، وَأَنْكَرَتِ الْأُخْرَى ، فَكَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دَمَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 31880 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ . 31880 م - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي ، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 31881 - وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْخُلْطَةِ . 31882 - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْيَمِينُ أَنَّهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي - أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِيمَا يَدَّعِيهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ دَعْوَى أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ، فَجَاءَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِعَيْنِ الْمُحَالِ ، وَإِلَى اللَّهِ أَرْغَبُ فِي السَّلَامَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 31883 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ : أَلِكَ بَيِّنَةٌ ؟ فَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَبْدَأُ بِالْمُدَّعِي ، فَيَسْأَلُهُ : هَلْ لَكَ بِمَا تَدَّعِيهِ بَيِّنَةٌ ؟ وَلَا يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَقُولُ الْمُدَّعِي ، وَهَذَا مَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ .
1481 1452 - وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ بِأَثَرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ دَارَهَا ، قَالَ : وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ ، وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ . 32985 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَ حَفْصَةَ ، وَالْمُنْفَرِدَ بِمِيرَاثِهَا ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ الدَّارُ بَعْدَ مَوْتِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِسْكَانَ لَا يُمْلَكُ بِهِ إِلَّا الْمَنْفَعَةُ دُونَ الرَّقَبَةِ . 32986 - وَكَذَلِكَ الْإِعْمَارُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَفِيمَا أَعْطَوْا ، يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ الْعُمْرَى يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُعْمِرِ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي أُعْمِرَ إِلَّا مَنْفَعَتُهُ ، وَعُمْرُهُ لَا غَيْرَ . 32987 - وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثِهِ الْمُسْنَدِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْمُوَطَّأَ . 32988 - وَرَوَى عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ مُحَمَّدًا ، وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يُعَاتِبُ مُحَمَّدًا ، وَمُحَمَّدٌ يَوْمَئِذٍ قَاضٍ يَقُولُ لَهُ : مَا لَكَ لَا تَقْضِي بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعُمْرَى ؟ - يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَيَقُولُ لَهُ مُحَمَّدٌ : يَا أَخِي ، لَمْ أَجِدِ النَّاسَ عَلَى هَذَا ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يُكَلِّمُهُ ، وَمُحَمَّدٌ يَأْبَاهُ . 32989 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ الْعُمْرَى ، وَرَدَّهُ بِالْعَمَلِ عِنْدَهُ ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ . 32990 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَكَ ، وَلِعَقِبِكَ ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ : هِيَ لَكَ مَا عِشْتُ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا . 32991 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِذَلِكَ . 32992 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . 32993 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : قُلْتُ : لِلزُّهْرِيِّ : الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : جَارِيَتِي هَذِهِ لَكَ حَيَاتَكَ ، أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا ؟ قَالَ : لَا : قُلْتُ : فَقَالَ : هِيَ لَكَ عُمْرِي ، أَوْ عُمْرَكَ ، فَيَحِلُّ لَهُ فَرْجُهَا ؟ قَالَ : لَا ، حَتَّى يَبِينَهَا لَهُ ، إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا لِلْمُعْمَرِ شَيْءٌ ، أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَكَ ، وَلِعَقِبِكَ ، يُعْطِيهَا لَهُ وَلِعَقِبِهِ ، لَا يَكُونُ لِلْمُعْطِي فِيهَا مَثُوبَةٌ . 32994 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ : حَدِيثُ مَعْمَرٍ هَذَا إِنَّمَا مُنْتَهَاهُ إِلَى قَوْلِهِ : هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ ، وَمَا بَعْدَهُ عِنْدَنَا مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَمَا رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ يَرُدُّ حَدِيثَ مَعْمَرٍ هَذَا . 32995 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، وَلَا تُعْمِرُوهَا ، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ . 32996 - وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ . 32997 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءً يَقُولُ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُعْمِرُوا ، وَلَا تُرْقِبُوا ، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا ، أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ . قَالَ سُفْيَانُ : وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : قَضَى طَارِقٌ بِالْمَدِينَةِ بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ عَنْ قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهَا . 32998 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ . 32999 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ قَالَ فِي الْعُمْرَى بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَمَا كَانَ مَثَلَهُ فِي الْعُمْرَى جَعَلَ الْعُمْرَى هِبَةً مَبْتُولَةً مِلْكًا لِلَّذِي أَعْمَرَهَا ، وَأَبْطَلَ شَرْطَ ذِكْرِ الْعُمُرِ فِيهَا . 33000 - وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 33001 - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِالْعُمْرَى هِبَةً مَبْتُولَةً ، يَمْلِكُ الْمُعْمَرُ رَقَبْتَهَا ، وَمَنَافِعَهَا ، وَاشْتَرَطُوا فِيهَا الْقَبْضَ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ ، فَإِذَا قَبَضَهَا الْمُعْمَرُ وَرِثَهَا عَنْهُ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْطَلَ شَرْطَ الْمُعْمَرِ فِيهَا ، وَجَعَلَهَا مِلْكًا لِلْمُعْمَرِ مَوْرُوثًا عَنْهُ . 33002 - قَالُوا : وَسَوَاءٌ ذِكْرُ الْعَقِبِ فِي ذَلِكَ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْمَرَهَا مَنْ أَعْقَبَهَا ، أَوْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ عَقِبٌ كَالْمَجْبُوبِ ، وَالْعَقِيمِ ، فَقَالَ : لَكَ وَلِعَقِبِكَ ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَقِبٌ ، فَمَاتُوا قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْعَقِبِ مَعْنًى يَصِحُّ ، إِلَّا أَنَّهَا حِينَئِذٍ تُورَثُ عِنْدَهُمْ عَنْهُ ، وَقَدْ يَرِثُهُ غَيْرُ عَقِبِهِ . 33003 - قَالُوا : فَذِكْرُ الْعَقِبِ لَا مَعْنَى لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى الصَّحِيحُ مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ وَاضِحًا أَنَّ الْعُمْرَى تُورَثُ عَنِ الْمُعْطِي لِمِلْكِهِ لَهَا بِمَا جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ لَهُ حَيَاتَهُ ، وَمَوْتَهُ . 33004 - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . 33005 - ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، وَسَأَلَهُ أَعْرَابِيٌّ أَعْطَى ابْنَهُ نَاقَةً لَهُ حَيَاتَهُ ، فَأَنْتَجَتْ إِبِلًا ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : هِيَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ . قَالَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُ . 33006 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْعُمْرَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فِي الْإِسْكَانِ وَالسُّكْنَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ أُخْتِهِ دَارًا كَانَتْ أَسْكَنَتْهَا بنت زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ ، فَلَمَّا مَاتَتْ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ مَوْتِ حَفْصَةَ وَرِثَ ابْنُ عُمَرَ الدَّارَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَى مِلْكِهَا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَارِثَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَهَا . 33007 - وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْإِعْمَارِ وَالْعُمْرَى ؛ إِذْ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْإِسْكَانِ وَالسُّكْنَى . 33008 - وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ يُسَوُّونَ بَيْنَ الْعُمْرَى وَالسُّكْنَى ، وَقَالُوا : مَنْ أَسْكَنَ أَحَدًا دَارَهُ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهِ أَبَدًا . 33009 - وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ : إِذَا قَالَ : هِيَ لَكَ سُكْنَى حَتَّى تَمُوتَ ، فَهِيَ لَهُ حَيَّاتَهُ وَمَوْتَهُ ، وَإِذَا قَالَ : دَارِي هَذِهِ اسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوتَ ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا . 33010 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّكْنَى كَالْعُمْرَى هِبَةً تُمْلَكُ بِهَا الرَّقَبَةُ ، وَجَعَلَ مِلْكَ الْعُمْرَى كَالسُّكْنَى ، لَا تُمْلَكُ بِهَا إِلَّا الْمَنْفَعَةُ دُونَ الرَّقَبَةِ . 33011 - وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي السُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ أَنَّهُ لَا تُمْلَكُ بِهِ رَقَبَةُ الشَّيْءِ . 33012 - وَالْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعُمْرَى رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَا تَحِلَّ الْعُمْرَى ، وَلَا الرُّقْبَى ، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ، وَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . 33013 - وَالْخَبَرُ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 33014 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَبِهِ كَانَ يَقْضِي شُرَيْحٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ هَذَا الْبَابِ ، وَطُرُقَهَا ، وَأَلْفَاظَهَا ، وَاخْتِلَافَهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 33015 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : خَاصَمَ رَجُلٌ إِلَى شُرَيْحٍ فِي الْعُمْرَى ، فَقَضَى لَهُ ، وَقَالَ : لَسْتُ أَنَا قَضَيْتُ لَكَ ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِذَلِكَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً : الْعُمْرَى مِيرَاثٌ عَنْ أَهْلِهَا ، مَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ إِذَا مَاتَ . 33016 - فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، فَقَدْ أَوْرَدْنَا فِيهِ رِوَايَةَ مَالِكٍ لَهُ بِأَلْفَاظِهِ ، ثُمَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ لَهُ بِأَلْفَاظِهِ . 33017 - وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدٌ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ . 33018 - فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، فَذَكَرَهَا فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى فِيمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ قَبْلَهُ ، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ ، وَلَا مَثُوبَةٌ . 33019 - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ بِهِ الْمَوَارِيثُ ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ . 33020 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَيَّنَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مَوْضِعَ الْمُسْنَدِ الْمَرْفُوعِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَجَعَلَ سَائِرَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ ، فَجَوَّدَهُ . 33021 - وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِذْ جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ . 33022 - وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى ؛ لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا ، وَهِيَ لِمَنْ أَعْمَرَهَا ، وَلِعَقِبِهِ . 33023 - وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَابِرٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا ، هِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ . 33024 - وَرِوَايَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ . 33025 - وَمَعَانِي رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ . 33026 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ وَرِثَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ دَارَهَا ، فَأَسْقَطَ حَرْفَ الْجَرِّ ، وَهِيَ لُغَةٌ لِلْعَرَبِ . 33027 - قَالَ أَبُو الْحَجْنَاءِ : أَضْحَتْ جِيَادُ ابْنِ قَعْقَاعٍ مُقَسَّمَةً فِي الْأَقْرَبِينَ بِلَا مَنٍّ وَلَا ثَمَنِ وَرَّثْتِيهِمْ فَتَسَلَّوْا عَنْكَ إِذْ وَرِثُوا وَمَا وَرِثْتُكَ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ 33028 - أَرَادَ : وَمَا وَرِثَتْ مِنْكَ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ . 33029 - وَقَالَتْ زَيْنَبُ الطَّثَرِيَّةُ : مَضَى وَوَرِثْنَاهُ دَرِيسَ مُفَاضَةٍ وَأَبَيَضَ هِنْدِيًا طَوِيَلًا حَمَائِلُهُ
1479 37 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْعُمْرَى 1450 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا ، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . 1451 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا الدِّمَشْقِيَّ يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعُمْرَى : مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَفِيمَا أُعْطُوا . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا ، إِذَا لَمْ يَقُلْ : هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ . 32980 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يَرْوِهَا عَنْ مَالِكٍ أَحَدٌ فِي الْمُوَطَّأِ قَوْلُهُ : إِنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا إِذَا لَمْ يَقُلْ : لَكَ ، وَلِعَقِبِكَ - غَيْرُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ رَمَى بِهَا ابْنُ وَضَّاحٍ مِنْ كِتَابِهِ . 32981 - وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي الْعُمْرَى أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي إِذَا مَاتَ الْمُعْطَى . 32982 - وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الْمُعْطِي لِلْمُعْطَى : هِيَ لَكَ ، وَلِعَقِبِكَ تَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى الْمُعْطِي عِنْدَ انْقِرَاضِ عَقِبِ الْمُعْطَى إِذَا كَانَ الْمُعْطِي حَيًّا ، وَإِلَّا قَالَ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ وَرَثَتِهِ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُعْمَرُ بِلَفْظِ الْعُمْرَى عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ رَقَبَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ بِلَفْظِ الْعُمْرَى وَالسُّكْنَى ، وَالِاعْتِمَارِ ، وَالْإِعْلَالِ . 32983 - وَالْإِعْمَارُ عِنْدَهُمْ وَالْإِسْكَانُ سَوَاءٌ ، لَا يَمْلِكُ بِذَلِكَ رَقَبَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْإِفْقَارُ وَالْإِخْبَالُ وَالْإِطْرَاقُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَطَايَا ، لَا يَمْلِكُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَقَبَةَ الشَّيْءِ الْمُعْطَى ، وَإِنَّمَا تُمْلَكُ بِهِ مَنْفَعَتُهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ . 32984 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ .
32116 - قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : إِذَا اسْتُودِعَ الرَّجُلُ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَرَبِحَ فِيهِ . فَإِنَّ ذَلِكَ الرِّبْحَ لَهُ . لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ . حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ . 32117 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 32118 - فَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي يَقُولُونَ : إِذَا رَدَّ الْمَالَ طَابَ لَهُ الرِّبْحُ غَاصِبًا كَانَ الْمَالَ أَوْ مُسْتَوْدَعًا عِنْدَهُ مُسْتَعْدِيًا فِيهِ . 32119 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَقُولُونَ : يُؤَدِّي الْمَالَ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ كُلِّهِ ، وَلَا يَطِيبُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ . 32120 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الَّذِي هُوَ أَسْلَمُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ . 32121 - وَقَالَ ابْنُ خُوَازَ بِنِدَادَ : مَنِ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مَغصُوبَةٍ ، فَرَبِحَ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ ، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ . 32122 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ كَانَ اشْتَرَى بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ ، فَالسِّلْعَةُ وَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ . 32123 - وَحَكَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : إِذَا اشْتَرَى الْغَاصِبُ السِّلْعَةَ بِمَالٍ بغَيْرِ عَيْنِهِ ، ثُمَّ نَفِدَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ ، أَوْ مَالُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهَا ، فَالرِّبْحُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا اسْتَهْلَكَ خَاصَّةً مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ ، فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ الْمَالِ وَالسِّلْعَةِ . 32124 - قَالَ الرَّبِيعُ : وَلَهُ فِيهَا قَوْلٌ آخَرُ ؛ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ إِذَا اشْتَرَى بِالْمَالِ الْمَغْصُوبِ بِعَيْنِهِ . 32125 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ . 32126 - وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 32127 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الرِّبْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِرَبِّ الْمَالِ . 32128 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ؛ الرِّبْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِرَبِّ الْمَالِ . 32129 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 32130 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبٌ الْمَاوَرْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اسْتَبْضَعَ بِضَاعَةً ، فَخَالَفَ فِيهَا ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : هُوَ ضَامِنٌ ، فَإِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ . 32131 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَجْعَلِ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعَمَلَ مَعْنًى يُوجِبُ بِهِ اسْتِحْقَاقَ رِبْحٍ ، وَلَا غَيْرِهِ . 32132 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لَهُ بِالضَّمَانِ . 32133 - رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ قَفَلًا مِنْ غَزْوَةٍ فَمَرَّا بِأَبِي مُوسَى ، فَأَسْلَفَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَاشْتَرَيَا بِهِ مَتَاعًا ، فَحَمَلَاهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَرَبِحَا فِيهِ . قَالَ عُمَرُ : أَدِّيَا الْمَالَ وَرَبِحَهُ ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : مَا يَنْبَغِي لَكَ هَذَا ، لَوْ هَلَكَ الْمَالُ ، وَنَقَصَ ضَمِنَّاهُ ، وَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ ، فَأَعَادَ الْقَوْلَ عَمَرُ عَلَيْهِمَا ، فَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : لَوْ جَعَلَتْهُ قِرَاضًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ الرِّبْحِ . 32134 - فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ عَلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَوْلَهُ : لَوْ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ ضَمِنَّاهُ ، يَعْنِي فَلِذَلِكَ طَابَ لَنَا رِبْحُهُ ، وَدَلَّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . 32135 - وَيَحْتَمِلُ بِأَنْ يَكُونَ فَعَلِ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمَا ؛ لِانْفِرَادِهِمَا دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لِمَالٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَشَاطَرَهُمَا فِي ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ بِعُمَّالِهِ إِذْ شَاطَرَهُمْ أَمْوَالَهُمْ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
17 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ 1408 م - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ ، أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ . لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِمِثْلِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ . وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهُ ، فِيمَا اسْتَهْلَكَ ، شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ . وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ . الْقِيمَةُ أَعْدَلُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا ، فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ . قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ ، فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذَنِ صَاحِبِهِ : فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ . بِمُكَيَّلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ . وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . إِنَّمَا يَرُدُّ مِنَ الذَّهَبِ الذَّهَبَ . وَمِنَ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ . وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ . فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ السُّنَّةُ ، وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ . 32103 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ - لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ ذَهَبًا ، أَوْ وَرَقًا ، أَوْ طَعَامًا مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا أَنَّهُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ صِنْفِهِ بِوَزْنِهِ وَكَيْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ 32104 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ : 32105 - فَقَالَ : مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَا يَقْضى بِالْقِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَثَلِ . 32106 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُمْ . 32107 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ الْآيَةَ . 32108 - وَمِنَ الْأَثَرِ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدٌ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ، جَمِيعًا عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمِهَا قَصْعَةً فِيهَا طَعَامٌ ، قَالَ : فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا ، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ . قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي حَدِيثِهِ : فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكِسْرَتَيْنِ ، فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ ، وَيَقُولُ : غَارَتْ أُمُّكُمْ ، كُلُوا فَأَكَلُوا ، حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا ، زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى : كُلُوا ؛ فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا - ثُمَّ رَجَعَ إِلَى لَفْظِ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ ، وَقَالَ : كُلُوا ، وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا ، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ . 32109 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي فُلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ ، قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ ، صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ ، فَأَخَذَنِي أَفْكَلٌ ، فَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ ؟ قَالَ : إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ . 32110 - وَاحْتَجَّ بِهَذَا كُلُّ مَنْ قَالَ بِالْمِثْلِ فِي الْعُرُوضِ ، وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ الْقَصْعَةَ بِقَصْعَةٍ مِثْلِهَا ، كَمَا ضَمِنَ الطَّعَامَ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ . 32111 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَمِنْ تَابَعَهُ : لَا يُقْضَى فِي الْحَيَوَانِ مِنَ الْعُرُوضِ ، وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ . 32112 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى فِيمَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ دُونَ حِصَّتِهِ مِنْ عَبْدٍ مِثْلِهِ . 32113 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمِثْلُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ ، وَكَمَا أَنَّ الْقِيمَةَ تُدْرَكُ بِالِاجْتِهَادِ ، وَقِيمَةُ الْعَدْلِ فِي الْحَقِيقَةِ مِثْلٌ . 32114 - وَقَدْ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ إِنَّ الْقِيمَةَ مِثْلٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَتَنَاقَضُوا . 32115 - وَالْحَدِيثُ فِي الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ فِي الشِّقْصِ مِنَ الْعَبْدِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْقَصْعَةِ ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَمْتَثِلَ ، وَيَعْمَلَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1489 41 - بَابُ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ 1460 - مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَحَضَرَتْ أُمُّهُ الْوَفَاةَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقِيلَ لهَا : أَوْصِي . فَقَالَتْ : فِيمَ أُوصِي ؟ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ ، فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ . فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ ، فَقَالَ سَعْدٌ : حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا ، لِحَائِطٍ سَمَّاهُ . 33183 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ مِنْهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو الْمُصْعَبِ ، وَقَالَ فِيهِ الْقَعْنَبِيُّ سَعْدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ سَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِيُّ ؛ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ ، قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ .
1462 - مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ ، فَهَلَكَا ، فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ ، وَهُوَ نَخْلٌ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ . 33196 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، أَحْسَنُهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ . 33197 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ ، وَأَنَّهَا مَاتَتْ ، وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ ، قَالَ : وَجَبَ أَجْرُكِ ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ بِالْمِيرَاثِ . 33198 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْحَارِثِيِّ الْخَزْرَجِيِّ - وَهُوَ الَّذِي أُرِي الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ فِيهِ لِينٌ ، وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ . 33199 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ : مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ . 33200 - وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا . 33201 - وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَمْ تَعْرِفِ الْحَدِيثَ ، فَكَرِهَتْ لَهُ أَخْذَهَا بِالْمِيرَاثِ ، وَرَأَتْهُ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ . 33202 - وَقَدْ مَضَى قَوْلُنَا فِي الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ : 33203 - مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ فِي الْفَرَسِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرَيْرَةَ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا . 33204 - وَرَوَيْنَا عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ ، فَقَالَ : مَا رَدَّ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَكُلْ . 33205 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ كَرِهَ رُجُوعَ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا بِالْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي عُمُومِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ ، وَمُخَالِفٌ الْأَثَرَ ، وَجُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1490 1461 - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ . 33184 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ . 33185 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ ، وَلَمْ تُوصِ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ، قَالَ : نَعَمْ . 33186 - قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ عَمْرٌو : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ ، وَلَمْ تُوصِ ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهَا تَرَكَتْ مَخْرَفًا أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا . قَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ ، فَحَدَّثَنِي بِهِ . 33187 - وَالْأَحَادِيثُ فِي قِصَّةِ أَمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذِهِ مُتَوَاتِرَةٌ مُسْنَدَةٌ ، وَمُرْسَلَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ . 33188 - وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مُتَلَقًّى عِنْدَهُمْ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ . 33189 - وَأَمَّا حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فَمُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . 33190 - وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَوْتَى بِالْمَالِ خِلَافُ أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تُقْضَى صَلَاةٌ عَنْ أَحَدٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ والْأَكْثَرِ . 33191 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ : افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، فَمَعْنَاهُ اخْتُلِسَتْ مِنْهَا نَفْسُهَا ، وَمَاتَتْ ، فَجْأَةً ، 33192 - قَالَ الشَّاعِرُ : مَنْ يَأْمَنِ الْأَيَّامَ بَعْدَ صُبَيِرَةَ الْقُرَشِيِّ مَاتَا سَبَقَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ وَكَانَتْ مَنِيَّتُهُ افْتِلَاتًا 33193 - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ : سَأَلْتُ أَبَا زَيْدٍ النَّحْوِيَّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ : كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً ، وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا ، فَقَالَ : أَرَادَ كَانَتْ فَجْأَةً ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ : وَكَانَتْ مَيْتتُهُ افْتِلَاتًا . 33194 - قَالَ : وَتَقُولُ الْعَرَبُ إِذَا رَأَتِ الْهِلَالَ بِغَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ : رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَلْتَةً . 33195 - قَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مُصْعَبٍ : فَإِنْ تَفْتَلِتْهَا فَالْخِلَافَةُ تَنْفَلِتْ بِأَكْرَمِ عَلْقِي مِنْبَرٍ وَسَرِيرِ .
1486 40 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ 1457 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَمْرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ : إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ . 1458 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ؛ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ قَالَ ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ : مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ . 1459 - مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً ، تَنَاتَجُ ، لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ، ثُمَّ تُبَاعُ ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا . 33167 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْخَبَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَنَاتَجُ هَمَلًا لَا يُعْرَفُ لَهَا أَحَدٌ ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَضَعَ عَلَيْهَا مَيْسَمَ الصَّدَقَةِ . وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسِيَاقَةُ مَالِكٍ لَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَتَمُّ مَعْنًى ، وَأَحْسَنُ لَفْظًا . 33168 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ : إِذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا أُخِذَتِ الْإِبِلُ ، وَدُفِعَتْ إِلَيْهِ لِيَعْرِفَهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا رَدَّهَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ . 33169 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هَذَا رَأْيٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ . 33170 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنْ لَمْ يَأْتِ رَبُّهَا بَاعَهَا ، وَأَمْسَكَ ثَمَنَهَا ؛ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ . 33171 - قَالُوا : وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ تُؤْخَذْ ضَالَّةُ الْإِبِلِ ، وَتُرِكَتْ فِي مَكَانِهَا . 33172 - وَأَمَّا ضَالَّةُ الْبَقَرِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبَعِيرِ . 33173 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ . 33174 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنْ كَانَ لَهَا مِنْ أَنْفُسِهَا مَنَعَةٌ فِي الْمَرْعَى كَالْإِبِلِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ كَالْغَنَمِ . 33175 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ الْبَقَرُ ، وَالْإِبِلُ كَالْغَنَمِ ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا ، وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ تَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِهَا ، وَتَرِدَانِ الْمِيَاهَ ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، وَتَعِيشَانِ فِي الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ بِلَا رَاعٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهَا . 33176 - قَالَ : وَالْخَيْلُ ، وَالْبِغَالُ ، وَالْحَمِيرُ كَالْبَعِيرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّهَا قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الْأَثَرِ فِي الْأَرْضِ كَالظَّبْيِ ، وَالْأَرْنَبِ ، وَالطَّيْرِ الْمُنْعَتَةِ بِالِاحْتِيَالِ وَالسُّرْعَةِ . 33177 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : جَاءَ النَّصُّ فِي الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ قِيَاسًا عَلَيْهَا . 33178 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ضَوَالِّ الْإِبِلِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أنَّ الْبَعِيرَ لَا يُؤْخَذُ ، وَيُتْرَكُ حَيْثُ وُجِدَ . 33179 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . 33180 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَقُولُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي الضَّوَالِّ . 33181 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : سَوَاءٌ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَعِيرًا ، أَوْ شَاةً ، أَوْ بَقَرَةً ، أَوْ حِمَارًا ، أَوْ بَغْلًا ، أَوْ فَرَسًا يَأْخُذُ ذَلِكَ الْوَاجِدُ لَهُ ، وَيُعَرِّفُهُ ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَاسْتَحَقَّهُ ، كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَا أَنْفَقَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي ، فَيَكُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى الضَّالَّةِ دَيْنًا فِي رَقَبَتِهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَإِلَّا بِيعَتْ لَهُ ، وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي قَبْلَ مَجِيءِ صَاحِبِهَا الْأَمْرَ بِبَيْعِهَا ؛ لِمَا رَآهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ لِصَاحِبِهَا أَمَرَ بِبَيْعِهَا ، وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَإِنْ كَانَ غُلَامًا أَجَرَهُ الْقَاضِي وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ أَيْضًا فَعَلَهُ . 33182 - قَالُوا : وَمَنْ وَجَدَ بَعِيرًا ضَالًّا فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَخْذُهُ ، وَتَعْرِيفُهُ ، وَأَلَّا يَتْرُكَهُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِضَيَاعِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
39 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ 33160 - هَذَا الْبَابُ - أَغنى التَّرْجَمَةَ - لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فِيهِ فَهُوَ فِي آخِرِ بَابِ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ ، لَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، وَكَانَ صَوَابُهُ أَنْ يَكُونَ لَوْ كَانَ بَاب الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ . 1456 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ، وَذَلِكَ سَنَةٌ : أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ ؛ إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدَهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ ، وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا ، كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ . يُتْبَعُ بِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ . 33161 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يُخَالِفُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ : وَإِذَا الْتَقَطَ الْعَبْدُ اللُّقَطَةَ ، فَعَلِمَ السَّيِّدُ بِهَا ، فَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ ، فَالسَّيِّدُ ضَامِنٌ لَها فِي مَالِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ وَغَيْرِهَا إِنِ اسْتَهْلَكَ الْعَبْدُ . 33162 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَمِمَّا وُجِدَ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ : لَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ غُرْمٌ حَتَّى يُعْتِقَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا . 33163 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : الْأَوَّلُ أَقْيَسُ إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ ، وَالْعَبْدُ عِنْدِي لَيْسَ لَهُ ذِمَّةٌ . 33164 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ إِنِ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ ، وَبَعْدَهَا دُونَ مَالِ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ اللُّقَطَةَ عُدْوَانٌ ، إِنَّمَا يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ . 33165 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : هَذَا أَشْبَهُ ، قَالَ : وَلَا يَخْلُو السَّيِّدُ إِذَا عَلَّمَ بِهَا ، وَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعَدِّيًا ، فَكَيْفَ لَا يَضْمَنُ مَا يَتَعَدَّى فِيهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ ، أَوْ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا ، فَلَا يَعْدُو رَقَبَةَ عَبْدِهِ . 33166 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ الْعَبْدُ بِيعَ فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ .
1444 32140 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ : أَنَّهُ من خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ ، مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ ، فَإِنَّ أُولَئِكَ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا وَلَمْ يُسْتَتَابُوا ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ الْإِسْلَامَ ، فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُسْتَتَابُوا ، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ . وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا ، وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ ، فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَنْ خَرَجَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، وَلَا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا ، إِلَّا الْإِسْلَامَ ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ الَّذِي عني بِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32141 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، أَوْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ ، أَوِ الْمَجُوسِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا ، وَلَهُ ذِمَّتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ ، وَالْيَهُودِيَّةَ ، وَالْمَجُوسِيَّةَ أَدْيَانٌ ، قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ بِأَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا ذِمَّةً إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، وَأَعْطَوْهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ ، لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا وَصَفْنَا . 32142 - إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إِذَا كَانَ الْمُبَدِّلَ لِدِينِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ بَلَدِهِ ، وَيُلْحِقَهُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ ، وَجَازَ لَهُ اسْتِحْلَالُ مَالِهِ مَعَ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينِ إِنْ غَلَبَ عَلَى الدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الذِّمَّةَ عَلَى الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي حِينِ عَقْدِ الْعَهْدِ لَهُ . 32143 - هَكَذَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ . 32144 - وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الذِّمِّيَّ ، إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ كَانَ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ ، بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ : مَنْ بَدَّلِ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ . 32145 - وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ ، وَالرَّبِيعِ عَنْهُ . 32146 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ قَبْلَ أَنْ تُعْقَدَ لَهُ الذِّمَّةُ حَلَّالُ الدَّمِ ، ثُمَّ صَارَتْ لَهُ الذِّمَّةُ بِمَا عَقَدَ لَهُ الْإِمَامُ مِنَ الْعَهْدِ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى ذَلِكَ الدِّينِ إِذَا بَذَلَ الْجِزْيَةَ ، فَلَمَّا خَرَجَ عَنِ الدِّينِ الَّذِي عُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ عَلَيْهِ عَادَ حُكْمُهُ إِلَى حَكَمِ الْحَرْبِيِّ ، فَجَازَ قَتْلُهُ ، وَهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32147 - وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ : 32148 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ سَاعَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ تَابَ ، وَانْصَرَفَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِلَّا قُتِلَ . 32149 - وَقَالَ آخَرُونَ : يُسْتَتَابُ شَهْرًا . 32150 - وَقَالَ آخَرُونَ : يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِمْ 32151 - وَلَمْ يَسْتَتِبِ ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنَ النَّوَّاحَةِ وَحْدَهُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ مُسَيْلِمَةَ : لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَقَتَلْتُكَ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذْ أَظْهَرْتَ الرِّدَّةَ أَنْتَ الْيَوْمَ لَسْتَ بِرَسُولٍ فَقَتَلَهُ ، وَاسْتَتَابَ غَيْرَهُ .
1444 18 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ 1411 - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ . 32136 - هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا . 32137 - وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ مَالِكِ إِسْنَادٌ مُنْكِرٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، لَا يَصِحُّ بِهِ . 32138 - وَالصَّحِيحُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ . 32139 - وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَنْ غَيَّرَ دِينَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ بَدَّلَهُ فَلْيُقْتَلْ ، وَيُضْرَبْ عُنُقُهُ ، إِلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا : إِنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، فَكَأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُمْ خَرَجَ عَلَى مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، وَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ ، كَمَا خَرَجَ أَيْضًا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ دُونَ غَيْرِهِ .
1445 1412 - وَرَوَى مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ ، فَأَخْبَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةٍ خَبَرٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ ، قَالَ : فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ : قَرَّبْنَاهُ ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي . 32152 - وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الْعُقَيْبِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَدِمَ وَفْدُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى عُمَرَ ، فَأَخْبَرُوهُ بِفَتْحِ تُسْتَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ حَدَثَ فِيكُمْ حَدَثٌ ؟ فَقَالُوا : لَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ ، فَقَتَلْنَاهُ ، قَالَ : وَيْلَكُمْ ، أَعَجَزْتُمْ أَنْ تُطَيِّنُوا عَلَيْهِ بَيْتًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ تُلْقُوا إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ، فَإِنْ تَابَ قَبِلْتُمْ مِنْهُ ، وَإِنْ أَقَامَ كُنْتُمْ قَدْ أَعْذَرْتُمْ إِلَيْهِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَشْهَدْ ، وَلَمْ آمُرْ ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي . 32153 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، فَقَالَ فِيهِ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ . 32154 - وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 32155 - وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنْ نَفَرًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ يَوْمَ تُسْتَرَ ، فَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ ، فَلَمَّا فُتِحَتْ قُتِلُوا فِي الْقِتَالِ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ عُمَرَ بِفَتْحِهَا ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ؟ فَعَرَضْتُ عَنْ حَدِيثِهِ لِأَشْغَلَهُ عَنْ ذِكْرِهِمْ ، فَقَالَ : لَا . مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ؟ فَقُلْتُ : قُتِلُوا ، قَالَ : لَأَنْ أَكُونَ كُنْتُ أَخَذْتُهُمْ سَلْمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ ، قُلْتُ : وَهَلْ كَانَ سَبِيلُهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : كُنْتُ أَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْبَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ ، فَإِنْ قَبِلُوا قَبِلْتُ مِنْهُمْ ، وَإِلَّا اسْتَوْدَعْتُهُمُ السِّجْنَ . 32156 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي اسْتَوْدَعْتُهُمُ السِّجْنَ حَتَّى يَتُوبُوا ، فَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا ، هَذَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ . 32157 - وَرَوَى عُبَادَةُ ، عَنِ الْعَلَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخَذَ رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ تَنَصَّرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ شَهْرًا ، فَأَبَى ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ . 32158 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثًا ، فَإِنْ عَادَ قُتِلَ . 32159 - وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالْمُسْتَوْرِدِ الْعِجْلِيِّ ، وَقَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَاسْتَتَابَهُ ، فَأَبَى أَنْ يَتُوبَ ، فَقَتَلَهُ . 32160 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ كَثِيرًا . 32161 - وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ خِلَافًا فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ ، فَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ : أَيْ بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32162 - إِلَّا حَدِيثَ مُعَاذٍ مَعَ أَبِي مُوسَى ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْقَتْلُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ الْمُرْتَدَّ قَدْ كَانَ اسْتُتِيبَ . 32163 - رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْيَمَنِ ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُقَيَّدًا بِالْحَدِيدِ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُ هَذَا ؟ فَقَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ، وَارْتَدَّ - وَرَاجِعَ دِينَهُ دِينَ السُّوءِ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . 32164 - وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى إِلَّا أَنَّ بَعْضُهُمْ قَالَ فِيهِ : قَدْ كَانَ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ أَيَّامًا . 32165 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا أَتَى أَبَا مُوسَى ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : يَهُودِيٌّ أَسْلَمُ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، وَقَدِ اسْتَتَابَهُ أَبُو مُوسَى شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ . 32166 - وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الِاسْتِتَابَةَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ هَذَا . 32167 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتْلِ قَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، فَاقْتُلُوهُ . 32168 - وَذَكَرَ سَحْنُونٌ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ يَقُولُ : يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ ، وَلَا يُسْتَتَابُ . 32169 - وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ مَعَ أَبِي مُوسَى . 32170 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَطَائِفَةٌ مَعَهُ : لَا يُسْتَتَابُ مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ ارْتَدَّ إِذَا شُهِدَ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يَتُبْ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ . 32171 - وَاخْتَلَفُوا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُقْتَلُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ . 32172 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُسْتَتَابُ مِائَةَ مَرَّةٍ . 32173 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَأَى قَتْلَهُ بِالِاسْتِتَابَةِ جَعَلَهُ حَدًّا مِنَ الْحُدُودِ ، وَلَمْ يَقْبَلْ فِيهِ تَوْبَتَهُ . 32174 - وَقَالَ : تَوْبَتُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي آخِرَتِهِ ، وَرَأَى أَنَّ حَدَّهُ إِذَا بَدَّلَ دِينَهُ الْقَتْلُ . 32175 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : يُعْرَضُ عَلَى الْمُرْتَدِّ الْإِسْلَامُ ثَلَاثًا ، فَإِنَّ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ . 32176 - قَالَ : وَإِنِ ارْتَدَّ سواء قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ كَمَا تُقْتَلُ الزَّنَادِقَةُ . 32177 - قَالَ : وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ مَنْ أَظْهَرَ دِينَهُ الَّذِي ارْتَدَّ إِلَيْهِ . 32178 - قَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ الزَّنَادِقَةُ ، وَلَا يُسْتَتَابُونَ . 32179 - قَالَ : وَالْقَدَرِيَّةُ يُسْتَتَابُونَ ، يُقَالُ لَهُمُ : اتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا قُتِلُوا . 32180 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : لَيْسَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ أَمْرٌ مِنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ . 32181 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ظَاهِرًا ، وَالزِّنْدِيقُ جَمِيعًا ، فَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُمَا قُتِلَ . 32182 - وَفِي الِاسْتِتَابَةِ ثَلَاثًا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ عُمَرَ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِأَنَاةٍ ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْخَبَرِ . 32183 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالرِّدَّةِ قُتِلَ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ غَيْرِهِ . 32184 - وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ . 32185 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ . 32186 - قَالُوا : وَمَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَابَ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . 32187 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي السِّيَرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ ، وَإِلَّا قُتِلَ مَكَانَهُ إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ أَنْ يُؤَجِّلَ فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ أُجِّلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 32188 - وَالزِّنْدِيقُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ الْمُرْتَدِّ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُ الزَّنَادِقَةَ ، وَأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ ، قَالَ : أَرَى إِنْ أُتِيتُ بِزِنْدِيقٍ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَلَا أَسْتَتِيبَهُ ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ أَقْتُلَهُ لَمْ أَقْتُلْهُ وَخَلِيَّتُهُ . 32189 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : الْمُرْتَدُّ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ ، ثُمَّ إِنِ ارْتَدَّ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ ، ثُمَّ إِنِ ارْتَدَّ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ ، فَإِنِ ارْتَدَّ بَعْدَ الثَّلَاثِ قُتِلَ ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ . 32190 - وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَنَزَعَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا الْآيَةَ . 32191 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَأَى مَالِكٌ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ اسْتِتَابَةَ أَهْلِ الْقَدَرِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ . 32192 - وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ . 32193 - وَأَمَّا حُكْمُ فِرَاقِهِ لِنِسَائِهِ وَسُرَّارِيهِ وَإِمَائِهِ ، وَسَائِرِ مَالِهِ ، وَحُكْمُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَاةٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ إِذَا تَابَ فَلَيْسَ هَذَا الْبَابُ بِمَوْضِعِ ذِكْرِ ذَلِكَ .
1484 1455 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ؛ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً ، فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً ، فَمَاذَا تَرَى فِيهَا ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عَرِّفْهَا ، قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، قَالَ : زِدْ ، قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا ، وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا . 33055 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَهَا . 33056 - وَرَأَى آخَرُونَ أَخْذَهَا ، وَتَعْرِيفَهَا ، وَكَرِهُوا تَرْكَهَا ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . 33057 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إِذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا . 33058 - قَالَ : وَسَوَاءٌ قَلِيلُ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرُهَا . 33059 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً ، أَوْ ضَالَّةً كَانَ الْأَفْضَلُ لَهُ أَخْذَهَا ، وَتَعْرِيفَهَا ، وَأَلَّا يَكُونَ سَبَبًا لِضَيَاعِهَا . 33060 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ ؟ فَقَالَ : هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ ، فَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ . 33061 - وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ ، فَقَالَ : خُذْهَا ، إِنَّمَا هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ . 33062 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ بِهَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّمْهِيدِ . 33063 - وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِأَخْذِ الشَّاةِ وَيَقُولُ : خُذْهَا ، وَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ . 33064 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللُّقَطَةَ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنْهُمَا عَلَى مَنْ أَرَادَهُ بِهَلَاكٍ أَوْ فَسَادٍ . 33065 - وَفِي أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَعْرِيفِ الضَّالَّةِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْهَا ، وَلَمْ يَقِلْ لَهُ : لِمَ أَخَذْتَهَا ؟ وَأَمَرَهُ أَيْضًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَخْذِ الشَّاةِ ، وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - كَمَا قَالَ فِي الْإِبِلِ - دَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا دَلِيلٌ ، عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَخْذُهَا ، وَتَعْرِيفُهَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا عَوْنٌ عَلَى ضَيَاعِهَا . 33066 - وَمِنَ الْحَقِّ أَنْ يَحْفَظَ الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُسْلِمِ مَالَهُ ، وَيَحُوطَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ . 33067 - وَمَنْ قَاسَ اللُّقَطَةَ عَلَى الْإِبِلِ ، فَقَالَ : لَا تُؤْخَذُ لَمْ يُصِبِ الْقِيَاسَ . 33068 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ ؛ 33069 - فَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ ؛ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ ، وَقَالَ الضَّالَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَيَوَانِ ، وَاللُّقَطَةُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ . 33070 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِنَّمَا الضَّوَالُّ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ اللُّقَطَةَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الضَّالَّةِ . وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ الْجَارُودِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ . 33071 - وَبِحَدِيثُ جَرِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ . 33072 - وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : اللُّقَطَةُ وَالضَّالَّةُ سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ . 33073 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَنْكَرَ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدٍ : الضَّالَّةُ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ ، وَقَالَ : هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ قَوْلَهُ لِلْمُسْلِمِينَ : إِنَّ أَمَّكُمْ ضَلَّتْ قِلَادَتَهَا ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى الْقِلَادَةِ . 33074 - وَقَالَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوهَا لِلرُّكُوبِ وَالِانْتِفَاعِ ، لَا لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا . 33075 - وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا . 33076 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ . 33077 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ : هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَفِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ : مَا لَكَ وَلَهَا : مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا . 33078 - الْحَدِيثُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ خَوْفُ التَّلَفِ ، وَالذَّهَابِ ، لَا جِنْسُ الْوَاهِبِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ ، وَمَا لَمْ يَضِلَّ بِنَفْسِهِ ، وَلَا بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَفْظُهُ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَخَوْفُ ذَهَابِهِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْإِبِلَ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا تَرَكَهَا وَاجِدُهَا ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهَا وَجَدَهَا صَاحِبُهَا سَالِمَةً عِنْدَ طَلَبِهِ لَهَا ، وَبَحْثِهِ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَمْرِهَا ، وَصَبْرُهَا عَنِ الْمَاءِ فَوْقَ صَبْرِ غَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 33079 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ الْمُلْتَقَطِ : هَلْ يُعَرَّفُ حَوْلًا كَامِلًا أَمْ لَا ؟ 33080 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ تَافِهًا يَسِيرًا تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ . 33081 - وَقَالَ فِي مِثْلِ الْمِخْلَاةِ وَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ وَضَعَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ لِيُعْرَفَ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَدِينَةٍ انْتَفَعَ بِهِ ، وَعَرَّفَهُ ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ كَانَ عَلَيَّ حَقُّهُ . 33082 - وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ اللُّقَطَةَ تُعَرَّفُ سَنَةً ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا . 33083 - وَرَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا قَلَّ عَنْ ذَلِكَ عَرَّفَهُ أَيَّامًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ تَصَدَّقَ بِهِ وإِنْ كَانَ غَنِيًّا ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا أَكَلَهُ . 33084 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعَرَّفُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ مِنْ مَالِهِ بَقَاءً حَوْلًا كَامِلًا ، وَلَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِصَدَقَةٍ ، وَلَا غَيْرِهَا . 33085 - فَإِذَا عَرَّفَهَا حَوْلًا أَكَلَهُ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، فَإِذَا جَاءَهُ صَاحِبُهُ كَانَ غَرِيمًا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ . 33086 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ طَعَامًا لَا يَبْقَى فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ ، وَيَغْرَمَهُ لِرَبِّهِ . 33087 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : وَمِمَّا وُجِدَ بِخَطِّهِ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَبِيعَهُ ، وَيُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفِهِ حَوْلًا ، ثُمَّ يَأْكُلَهُ . 33088 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : هَذَا أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِلْمُلْتَقِطِ : فَشَأْنَكَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ السَّنَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . 33089 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَا كَانَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا عَرَّفَهُ حَوْلًا كَامِلًا ، وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى . 33090 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ كَقَوْلِهِمْ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَا كَانَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . 33091 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الَّذِي يَجِدُ الدِّرْهَمَ : يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ . 33092 - رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ . 33093 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَمْصَارِ ؛ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ أَنْ يُعَرِّفَ اللُّقَطَةَ سَنَةً كَامِلَةً ؛ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ أَنْ يَأْكُلَهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَشَاءَ أَنْ يَضْمَنَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ . 33094 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ - قَالَ : إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا ، وَجَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَجْرِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ، أَوِ الضَّمَانِ يَضْمَنُ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا إِنْ شَاءَ . 33095 - وَاخْتَلَفُوا : هَلْ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَهَا ، وَيَسْتَنْفِقَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ أَمْ لَا ؟ فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يَحْبِسَهَا ، وَإِنْ أَكَلَهَا ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضِمِنَهَا . 33096 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : مَا قَوْلُ عُمَرَ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ؟ قَالَ : شَأْنُهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ - إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا . قَالَ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إِلَيْهِ . 33097 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَأْكُلُهَا الْغَنِيُّ الْبَتَّةَ بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا حَاجَةٍ إِلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُهَا الْفَقِيرُ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ مُخَيَّرًا عَلَى الْفَقِيرِ الْأَكْلُ ، وَعَلَى الْغَنِيِّ التَّصَدُّقُ . 33098 - وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَتَصَدَّقُ بِهَا ، وَلَا يَأْكُلُهَا : عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ . 33099 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ مَالًا كَثِيرًا جَعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ . 33100 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ الْحَوْلِ . 33101 - وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَعَلَيْهِ يُنَاطُ أَصْحَابُهُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِوَاجِدِهَا : شَأْنَكَ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ ، وَلَا سَأَلَهُ أَغَنِيٌّ أَنْتَ أَمْ فَقِيرٌ ؟ 33102 - وَفِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . 33103 - وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ انْطِلَاقُ يَدِ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَكْلِ لَهَا وَاسْتِنْفَاقِهَا ، أَوِ الصَّدَقَةِ بِهَا ، وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهَا إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . 33104 - وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ مُخَيَّرٌ بَعْدَ الْحَوْلِ فِي أَكْلِهَا ، أَوِ الصَّدَقَةِ بِهَا - عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . 33105 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ . 33106 - وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْعِ اللُّقَطَةِ إِلَى مَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ : 33107 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَسْتَحِقُّ بِالْعَلَامَةِ . 33108 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إِلَيْهِ ، فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ ، فَاسْتَحَقَّهَا بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ يَضْمَنِ الْمُلْتَقِطُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . 33109 - قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ اللُّصُوصُ إِذَا وُجِدَ مَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَادَّعَوْهَا ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ ، أَنَّ السُّلْطَانَ يَتَلَوَّمُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْآبِقُ . 33110 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فِي اللُّقَطَةِ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ . 33111 - وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ - قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ، وَعِدَّتَهَا - فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا يُعَرِّفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . 33112 - وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ يُوجِبُ طَرْحَ مَا خَالَفَهُ . 33113 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، أَبُو عُبَيْدٍ . 33114 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُلْتَقِطُ لَهَا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى مَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ ، وَيَسَعُهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ دُونَ قَضَاءٍ . 33115 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : فَإِذَا عَرَّفَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ الْعِفَاصَ ، وَالْوِكَاءَ ، وَالْعِدَّةَ ، وَالْوَزْنَ وَحَلَّاهَا بِحِلْيَتِهَا ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُلْتَقِطِ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا ، وَلَا أُجْبِرُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنْ يَسْمَعَ الْمُلْتَقِطَ يَصِفُهَا . 33116 - قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا مَعَهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنْ يُؤَدِّيَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا مَعَهَا ، وَلِيَعْلَمَ إِذَا وَضَعَهَا فِي مَالِهِ أَنَّهَا لُقَطَةٌ . 33117 - وَقَدْ يَكُونُ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى صِدْقِ الْمُعَرَّفِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَفَهَا عَشَرَةٌ أَيُعْطَوْنَهَا كُلُّهُمْ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إِلَّا وَاحِدٌ بِغَيْرِ عَيْنِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا . 33118 - وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ دَنَانِيرَ ، أَوْ دَرَاهِمَ ، فَسَمَّى طَالِبُهَا وَزْنَهَا وَعَدَدَهَا ، وَعِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ، وَأَخَذَهُ بِهَا كَفِيلًا . 33119 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَوْلَى مِمَّا قَالَ هَؤُلَاءِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُلْتَقِطِ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، فَإِنَّ عَرَفَهَا صَاحِبَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . 33120 - هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 33121 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا ، وَأَنَّهَا عِنْدَهُ ؛ لِيُعَرِّفَهَا ، ثُمَّ هَلَكَتْ عِنْدَهُ ، وَهُوَ لَمْ يَشْهَدْ . 33122 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ . 33123 - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ . 33124 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : إِنْ أَشْهَدَ حِينَ أَخَذَهَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيُعَرِّفَهَا لَمْ يَضْمَنْهَا إِنْ هَلَكَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا . 33125 - وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً ، فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ ، أَوْ ذَوِي عَدْلٍ وَلْيُعَرِّفْ وَلَا يَكْتُمْ ، وَلَا يُغَيِّبْ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . 33126 - رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 33127 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ - إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْمَغْصُوبَاتِ لَوْ أَشْهَدَ الْغَاصِبُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ غَصَبَهَا لَمْ يُدْخِلْهَا إِشْهَادُهُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْأَمَانَاتِ ، فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ عَلَى الْأَمَانَاتِ ، لَا يُدْخِلُهَا فِي حُكْمِ الْمَضْمُونَاتِ . 33128 - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللُّقَطَةِ : إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 33129 - وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ أَمِينٌ ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا تُضْمَنُ بِهِ الْأَمَانَاتُ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّضْيِيعِ ، وَالِاسْتِهْلَاكِ . 33130 - وَمَعْنَى حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مُلْتَقِطَ اللُّقَطَةِ إِذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا ، وَلَمْ يَسْلُكْ بِهَا سُنَّتَهَا مِنَ الْإِشَادَةِ ، وَالْإِعْلَانِ بِهَا ، وَغَيَّبَ وَكَتَمَ ، ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ وَجَدَ لُقَطَةً ، وَأَنَّهُ أَخَذَهَا ، وَضَمَّهَا إِلَى بَيْنَِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ ، وَيَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ فِيهَا خَارِجٌ عَنِ الْأَمَانَةِ فَيَضْمَنُ ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِتَلَفِهَا . 33131 - وَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا ، وَأَعْلَنَ أَمْرَهَا ، وَسَلَكَ فِيهَا سُنَّتَهَا مِنَ الْإِشَادَةِ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَأَبْوَابِ الْجَوَامِعِ ، وَشِبْهِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 33132 - فَهَذَا مَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي اللُّقَطَةِ . 33133 - وَأَمَّا حُكْمُ الضَّوَالِّ مِنَ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ : 33134 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ : مَا قَرُبَ مِنَ الْقُرَى فَلَا يَأْكُلُهَا ، وَضَمِنَهَا إِلَى أَقْرَبِ الْقُرَى ، لِتُعَرَّفَ فِيهَا . 33135 - قَالَ : وَلَا يَأْكُلُهَا وَاجِدُهَا ، وَلَا مَنْ تُرِكَتْ عِنْدَهُ حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ ، أَوْ أَكْثَرُ . 33136 - كَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ . 33137 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ لِلشَّاةِ صُوفٌ ، أَوْ لَبَنٌ ، وَوَجَدَ مَنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ بَاعَهُ ، وَدَفَعَ ثَمَنَهُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ إِنْ جَاءَ . 33138 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُصِيبَ مِنْ نَسْلِهَا وَلَبَنِهَا بِنَحْوِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا . 33139 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ تَيْسًا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَهُ يَنْزُو عَلَى غَنَمِهِ مَا لَمْ يُفْسِدْهُ ذَلِكَ . 33140 - هَذَا كُلُّهُ إِذَا وُجِدَ بِقُرْبِ الْقُرَى مِنَ الْغَنَمِ . 33141 - وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْفَلَوَاتِ ، وَالْمَهَامِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا ، وَيَأْكُلُهَا ، وَلَا يُعَرِّفْهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ . 33142 - قَالَ : وَالْبَقَرُ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا السِّبَاعَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ . 33143 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الشَّاةِ إِنْ أَكَلَهَا وَاجِدُهَا ضِمِنَهَا لِصَاحِبِهَا . 33144 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْخُذُ الشَّاةَ بِالْفَلَاةِ ، وَيُعَرِّفُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا أَكَلَهَا ، ثُمَّ ضَمِنَهَا إِنْ جَاءَ . 33145 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ . 33146 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لِلشَّاةِ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَكَلَ مِنْ لَبَنِهَا وَثَمَنِ صُوفِهَا ، وَقِيمَةِ نَزَوَاتِهِ عَلَى ضَأْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِقِيَامِهِ عَلَيْهَا ، لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ . 33147 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ فَيَعْرِضَ ذَلِكَ لَهُ . 33148 - وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : لَمْ يُوَافِقْ مَالِكٌ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ إِنْ أَكَلَهَا وَاجِدُهَا ، لَمْ يَضْمَنْهَا وَاجِدُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ . 33149 - وَاحْتِجَاجُهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَهِيَ لَكَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ : أَوْ لِلذِّئْبِ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّمْلِيكَ ؛ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يُمَلَّكُ ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَيَنْزِلُ عَلَى أَجْرِ مُصِيبَتِهَا ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِدُ إِنْ أَكَلَهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، فَإِنْ جَاءَ ضَمِنَهَا لَهُ . 33150 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الشَّاةِ : هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ ، فَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، فَإِنْ أَكَلَهَا أَحَدٌ ضَمِنَهَا . 33151 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ ، فَأَكَلَهُ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ ، وَالشَّاةُ الْمُلْتَقَطَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ . 33152 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ صَاحِبَهَا إِنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ لَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ مَذْبُوحَةً ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكَلَ بَعْضَهَا أَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْهَا . 33153 - وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا لَهَا بِالْفَلَوَاتِ ، وَغَيْرِهَا . 33154 - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّاةِ : هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ لِوَاجِدِهَا : إِذَا عَرَّفْتَهَا سَنَةً ، وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَشَأْنَكَ بِهَا ، بَلْ هَذَا أَشْبَهُ بِالتَّمْلِيكِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ فِي لَفْظِ التَّمْلِيكَ دَيْنًا ، وَلَا غَيْرَهُ . 33155 - وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي اللُّقَطَةِ أَنَّ وَاجِدَهَا يَغْرَمُهَا إِذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا طَالِبًا لَهَا ، فَالشَّاةُ أَوْلَى بِذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا . 33156 - وَقَدْ شَبَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّاةَ الْمَوْجُودَةَ بِالْفَلَاةِ بِالرِّكَازِ ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ قَبْلَ وَاجِدِهِ . 33157 - وَالشَّاةُ مِلْكُ رَبِّهَا لَهَا . صَحِيحٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْلِهِ ، أَوْ سُنَّةٍ لَا إِشْكَالَ فِيهَا ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ فِيهَا . 33158 - وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ : إِنْ أَكَلَ الشَّاةَ وَاجِدُهَا بِالْفَلَاةِ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ . 33159 - وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1482 38 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ 1453 - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ ، مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ؛ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ؟ فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا . ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ، قَالَ : فَضَالَةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ ، قَالَ : فَضَالَةُ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . 1454 - مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ ؛ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ ، فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا ، فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الشَّامِ سَنَةً ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا . 33030 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ فِي هَذَا الْبَابِ جَمَاعَةٌ عَنْ رَبِيعَةَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . 33031 - وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ . 33032 - كَمَا رَوَاهُ رَبِيعَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ إِلَّا فِي شَيْءٍ نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 33033 - وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، فِيهِ مُعَانٍ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا ، وَمَعَانٍ اخْتَلَفُوا فِيهَا ، فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَنَّ عِفَاصَ اللُّقَطَةِ وَهِيَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ . 33034 - وَأَصْلُ الْعِفَاصِ فِي اللُّغَةِ : مَا سُدَّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ ، وَكُلُّ مَا سُدَّ بِهِ فَمُ إِنَاءٍ فَهُوَ عِفَاصٌ . 33035 - الْوِكَاءُ : هُوَ الْخَيْطُ الَّتِي تُرْبَطُ بِهِ ، وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ عَلَامَاتِ اللُّقَطَةِ إِذَا جَاءَ بِوَصْفِهَا صَاحِبُهَا كَانَ لَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَخَذُهَا ، وَجَازَ لِلْمُلْتَقِطِ لَهَا دَفْعُهَا إِلَيْهِ . 33036 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ اللُّقَطَةَ مَا لَمْ تَكُنْ تَافِهًا يَسِيرًا ، أَوْ شَيْئًا لَا بَقَاءَ له ، فَإِنَّهَا تُعَرَّفُ حَوْلًا كَامِلًا . 33037 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَاحِبَهَا إِنْ جَاءَ ، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ مُلْتَقِطِهَا ، وَأَنَّهُ يَضْمَنُ الْمُلْتَقِطُ قِيمَتَهَا إِنْ كَانَ أَكَلَهَا ، أَوِ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ اسْتِهْلَاكُ الْمُلْتَقِطِ لَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، كَانَ صَاحِبُهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ الْمُلْتَقِطُ قِيمَتَهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ فِعْلَهُ فَيَنْزِلَ عَلَى أَجْرِهَا . 33038 - هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ . 33039 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ يَدَ الْمُلْتَقِطِ لَهَا لَا تَنْطَلِقُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ قَبْلَ الْحَوْلِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَبْقَى مِثْلُهَا حَوْلًا دُونَ فَسَادٍ يَدْخُلُهَا . 33040 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ لِآخِذِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا أَكْلُهَا . 33041 - وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : 33042 - فَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ أَخَذِ اللُّقَطَةِ ، أَوْ تَرْكِهَا : 33043 - فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ ، أَيَأْخُذُهَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ بَالٌ : فَإِنِّي أَرَى ذَلِكَ . قَالَ : وَإِنْ كَانَ لَا يَقْوَى عَلَى تَعْرِيفِهِ ، فَإِنَّهُ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ يُعْطِيهِ فَيُعَرِّفُهُ ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لَهُ بَالٌ : فَأَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ . 33044 - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَ اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ جَمِيعًا ، قَالَ : فَإِنْ أَخَذَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَأَبَقَ ، أَوْ ضَاعَتِ اللُّقَطَةُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَلَمْ يُضَيِّعْ - لَمْ يَضْمَنْ . 33045 - وَقَوْلُ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ . 33046 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مَالِكًا ، وَاللَّيْثَ يَقُولَانِ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ : مَنْ وَجَدَهَا فِي الْقُرَى أَخَذَهَا ، وَعَرَّفَهَا ، وَمَنْ وَجَدَهَا فِي الصَّحَارِي ، فَلَا يَقْرَبْهَا . 33047 - قَالَ : وَقَالَ اللَّيْثُ : وَلَا أُحِبُّ لِضَالَّةِ الْغَنَمِ أَنْ يَقْرَبَهَا أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يُجَوِّزَهَا لِصَاحِبِهَا . 33048 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَتِ اللُّقَطَةُ كَالْآبِقِ ، وَلَا كَالضَّالَّةِ ؛ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا ، وَفِي حِفْظِهَا عَلَى صَاحِبِهَا أَجْرٌ لَا مُؤْنَةَ فِيهِ ، وَلَا مُؤْذِيَةَ ، وَلَيْسَتْ ضَوَالُّ الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُؤْنَةِ ، وَلَمْ يُكَلِّفِ اللَّهُ عِبَادَهُ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 33049 - وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ فِي الَّذِي يَأْخُذُ الضَّالَّةَ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَرُدُّهَا إِلَى مَكَانِهَا : فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ تَبَاعَدَ ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ . وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَضْمَنُ ، وَإِنْ تَبَاعَدَ . 33050 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهِ لَهَا . 33051 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ . 33052 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَرِهَ قَوْمٌ أَخْذَ اللُّقَطَةِ ، وَرَأَوْا تَرْكَهَا فِي مَوْضِعِهَا . 33053 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 33054 - فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَفِي هَذَا الْبَابِ فِي الْمُوَطَّأِ رَوَاهُ .
33464 - قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْطَى بَعْضَ وَرَثَتِهِ شَيْئًا لَمْ يَقْبِضْهُ ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ مِيرَاثًا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ ، وَلَا يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 33465 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ ، لَمْ يُعْلَمْ بِهَا إِلَّا فِي الْمَرَضِ ، أَوْ عَطِيَّةٌ مِنْ صَحِيحٍ ذَكَرَهَا فِي وَصِيَّتِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ ، فَإِذَا لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ لَمْ يَجُزْ ، وَلَا سَبِيلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِقْرَارِهِ فِي مَرَضِهِ شَيْءٌ يُنْقَلُ إِلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ . 33466 - وَهَذَا رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ ، وَهُوَ مَرِيضٌ صَنِيعَ صَحِيحٍ ، فَيُعْطِي الْوَارِثَ وَهُوَ مَرِيضٌ عَطِيَّتَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، فَلَمْ يُجِزْ لَهُ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ ، وَهُوَ مَرِيضٌ : كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ شَيْئًا فِي صِحَّتِي لَمْ يَقْبِضْهُ وَأَنَا أُوصِي بِهِ لَهُ الْآنَ ، فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ . 33467 - وَلَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَقَدْ قَالَ : أَنْفِذُوا لَهُ مَا أَعْطَيْتُهُ فِي الصِّحَّةِ ، فَقَدْ أَوْصَيْتُ لَهُ بِهِ ، وَأَنْفَذْتُهُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا له مِنْ ثُلُثِهِ ، رَضِيَ الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يَرْضَوْا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إِجَازَتِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَا . 33468 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
33456 - قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي ، فَيَسْتَأْذِنُ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا ثُلُثُهُ ، فَيَأْذَنُونَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ : إنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ . وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ ، صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذَلِكَ ، فَإِذَا هَلَكَ الْمُوصِي ، أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ ، وَمَا أُذِنَ لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ . قَالَ : فَأَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي صِحَّتِهِ ، فَيَأْذَنُونَ لَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ ، وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إِنْ شَاءُوا ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ خَرَجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ، أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ شَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِئْذَانُهُ وَرَثَتَهُ جَائِزًا عَلَى الْوَرَثَةِ إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ ، وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ بِثُلُثَيْ مَالِهِ مِنْهُ ، فَذَلِكَ حِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ ، فَإِنْ سَأَلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ حِينَ تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيَفْعَلَ ، ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ وَهَبَهُ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَيِّتُ : فُلَانٌ ، لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ ، ضَعِيفٌ ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ . قَالَ : وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ ، ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضٌ ، فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الَّذِي وَهَبَ ، يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ . 33457 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : 33458 - ( أَحَدُهَا ) : قَوْلُ مَالِكٍ : إِنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ لِلْمَرِيضِ فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثِهِ ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُخَافُ دُخُولُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْعِ رِفْدٍ ، وَإِحْسَانٍ ، وَقَطْعِ نَفَقَةٍ وَمَعْرُوفٍ ، وَنَحْوِ هَذَا إِنِ امْتَنَعُوا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُمْ إِذْنُهُمْ ، وَكَانَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَذِنُوا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَإِنِ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي صِحَّتِهِ ، فَأَذِنُوا لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 33459 - ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) : إِنْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ ، وَيَلْزَمُهُمْ إِذْنُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا فِي مُوَطَّئِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ مِنْ مَذْهَبِهِ . 33460 - ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) : إِنَّ إِذْنَهُمْ ، وَإِجَازَتَهُمْ لِوَصِيَّتِهِ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ سَوَاءٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ حِينَ يَجِبُ لَهُمُ الْمِيرَاثُ ، وَيَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةُ; لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ، وَقَدْ لَا يَمُوتُ ، وَقَدْ يَمُوتُ ذَلِكَ الْوَارِثُ الْمُسْتَأْذَنُ قَبْلَهُ ، فَلَا يَكُونُ وَارِثًا ، وَيَرِثُهُ غَيْرُهُ ، وَمَنْ أَجَازَ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَلَمْ يَجِبْ لَهُ ، فَلَيْسَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لَهُ . 33461 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . 33462 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَطَاوُسٍ . 33463 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
33454 - قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّهُ إِنْ أَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ ، وَأَبَى بَعْضٌ ، جَازَ لَهُ حَقُّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ أَبَى أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ . 33455 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ أَيْضًا مُجَوَّدَةً فِيمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِلَالِ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِهَا .
( 5 ) بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَالْحِيَازَةِ 1468 - قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ نَسَخَهَا مَا نَزَلَ مِنْ قِسْمَةِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 33453 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ التَّنَازُعِ ، وَهَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُحْكَمَةٌ ، وَمَا النَّاسِخُ لَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا .
1498 ( 6 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ مِنَ الرِّجَالِ وَمَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ 1469 - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ; أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا ، فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ» . 33469 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ «الْمُوَطَّأِ» عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، إِلَّا سَعْدَ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . 33470 - وَلَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ; لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ . 33471 - وَهَذَا أَصَحُّ أَسَانِيدِهِ عِنْدِي ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33472 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً ، فَقَالَ : إِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا ، لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ» فَحَجَبُوهُ . 33473 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا ، وَلَمْ يَقُلْ : عَلَيْكُنَّ; لِأَنَّهُ خَاطَبَ الرِّجَالَ أَلَّا يَدْخُلَ بُيُوتَهُمْ عَلَى نِسَائِهِمْ ، فَحَجَبُوهُ . 33474 - فَهَكَذَا رِوَايَةُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ : «عَلَيْكُمْ» ، وَقَدْ رُوِيَ : لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ مُخَاطَبَةً مِنْهُ لِنِسَائِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33475 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ عِنْدِي مُخَنَّثٌ ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ أَخِي : إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا ، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ ، فَقَالَ : «لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ» . 33476 - وَبِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : وَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْلًى لِخَالَتِهِ فَاخِتَةَ ابْنَةِ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ مُخَنَّثٌ ، يُقَالُ لَهُ : مَاتِعٌ ، يَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَكُونُ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَفْطِنُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ مِمَّا يَفْطِنُ إِلَيْهِ الرِّجَالُ ، وَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ إِرْبًا ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : يَا خَالِدُ ، إِنْ فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ ، فَلَا يَنْفَلِتَنَّ مِنْكُمْ بَادِيَةُ ابْنَةُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَهَا مِنْهُ : «لَا أَرَى هَذَا الْخَبِيثَ يَفْطِنُ لِمَا أَسْمَعُ» ثُمَّ قَالَ : لِنِسَائِهِ : «لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ» ، فَحُجِبَ عَنْ بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33477 - هَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْمُؤَنَّثِ أَنَّ اسْمَهُ مَاتِعٌ ، وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ اسْمَهُ « هِيتٌ » . 33478 - كَذَلِكَ ذَكَرَ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ اسْمَ ذَلِكَ الْمُخَنَّثِ هِيتٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ ، وَابْنِ الْكَلْبِيِّ . 33479 - وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْلَى خَالَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيِّ . 33480 - وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَ هِيتٌ الْمُخَنَّثُ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَ : وَكَانَ طُوَيْسٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَيْضًا . 33481 - وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَقَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ : فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ . 33482 - كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الطَّائِفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَى أُمَيَّةَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ . 33483 - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، وَالْوَاقِدِيِّ أَنَّ هِيتًا هَذَا الْمُخَنَّثَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ - وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ - : إِنِ افْتَتَحْتُمُ الطَّائِفَ ، فَعَلَيْكَ بِبَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ ؛ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ إِنْ قَعَدَتْ تَثَنَّتْ ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ بَيْنَ رِجْلَيْهَا مِثْلُ الْإِنَاءِ الْمَكْفُوِّ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَقَدْ غَلْغَلْتَ النَّظَرَ إِلَيْهَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ» ، ثُمَّ أَجْلَاهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحِمَى . قَالَ : فَلَمَّا افْتُتِحَتِ الطَّائِفُ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَوَلَدَتْ لَهُ بُرَيْهَةَ . 33484 - هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، قَالَ : وَلَمْ يَزَلْ هِيتٌ بِذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ كُلِّمَ فِيهِ ، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كُلِّمَ فِيهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ قَدْ كَبِرَ وَضَعُفَ ، وَاحْتَاجَ ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ جُمُعَةٍ ، فَيَسْأَلُ النَّاسَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهِ . 33485 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَقَدْ فَسَّرَهُ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَعْنَاهُ بِمَا نَذْكُرُهُ هَاهُنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ وَصَفَهَا الْمُخَنَّثُ بِأَنَّهَا امْرَأَةٌ لَهَا فِي بَطْنِهَا أَرْبَعُ عُكَنٍ تَبْلُغُ خَصْرَتَهَا ، فَتَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ فِي كُلِّ خَصْرٍ ، فَتَصِيرُ ثَمَانِيًا ، أَرْبَعًا مِنْ هُنَا ، وَأَرْبَعًا مِنْ هُنَا ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ إِلَيْكَ وَاسْتَقْبَلْتَهَا رَأَيْتَ فِي بَطْنِهَا أَرْبَعَ عُكَنٍ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ رَأَيْتَ ثَمَانِيًا مِنْ جِهَةِ الْأَطْرَافِ فِي خَصْرَيْهَا . 33486 - هَكَذَا فَسَّرَهُ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّابِغَةِ فِي قَوَائِمِ نَاقَتِهِ : عَلَى هَضَبَاتٍ بَيْنَمَا هُنَّ أَرْبَعٌ أَنَخْنَ لِتَعْرِيسٍ فَعُدْنَ ثَمَانِيَا 33487 - وَقَدْ رُوِيَ خَبَرُ هَذَا الْمُخَنَّثِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِتَمَامِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33488 - وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ أَحَدٍ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ ، وَهُمُ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ عِنْدَنَا الْمُؤَنَّثِينَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ 33489 - وَهَذِهِ الصِّفَةُ هُوَ الْأَبْلَهُ الْأَحْمَقُ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ ، وَلَا يَفْطِنُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَايِبِهِنَّ ، وَمَحَاسِنِهِنَّ ، فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ بِدُخُولِهِ عَلَى النَّاسِ بَأْسٌ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ بِهِيتٍ الْمُخَنَّثِ أَنَّهُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُ مَا سَمِعَ أَمَرَ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى النِّسَاءِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَنَفَاهُ عَنْهَا . 33490 - وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَنْ يُتَأَذَّى بِهِ ، وَلَا يُقْدَرُ عَلَى الِاحْتِرَاسِ مِنْهُ أَنْ يُنْفَى إِلَى مَكَانٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنْهُ الْأَذَى . 33491 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ صَحَّفَ قَوْمٌ مِنَ الرُّوَاةِ اسْمَ ابْنَةِ غَيْلَانَ هَذِهِ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ : « بَادِيَةُ » بِالْبَاءِ وَالْيَاءِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ بَدَا يَبْدُو أَيْ ظَهَرَ ، فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ ظَاهِرَةً . 33492 - هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1498 1470 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ ، ثُمَّ إِنَّهُ فَارَقَهَا ، فَجَاءَ عُمَرُ قُبَاءَ ، فَوَجَدَ ابْنَهُ عَاصِمًا يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ ، فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ ، حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، فَقَالَ عُمَرُ : ابْنِي ، وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : ابْنِي . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ، قَالَ : فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ الْكَلَامَ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ . 33493 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ مَرْوِيٌّ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ وَمُتَّصِلَةٍ ، تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ . 33494 - وَزَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أُمُّ ابْنِهِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ هِيَ جَمِيلَةُ ابْنَةُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي خِلَافَتِهِ يَقْضِي بِهِ ، وَيُفْتِي ، وَلَمْ يُخَالِفْ أَبَا بَكْرٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ الصَّبِيُّ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ . 33495 - ذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : إِنَّ عُمَرَ طَلَّقَ جَمِيلَةَ ابْنَةَ عَاصِمٍ ، فَجَاءَتْ جَدَّتُهُ الشَّمُوسُ ، فَذَهَبَتْ بِالصَّبِيِّ ، فَجَاءَ عُمَرُ عَلَى فَرَسٍ ، فَقَالَ : أَيْنَ ابْنِي ؟ فَقِيلَ : ذَهَبَتْ بِهِ الشَّمُوسُ فَدَفَعَ ، فَلَحِقَهَا ، فَخَاصَمَهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَضَى لَهَا أَبُو بَكْرٍ بِهِ ، وَقَالَ : هِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ . 33496 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَبْصَرَ عُمَرُ عَاصِمًا ابْنَهُ مَعَ جَدَّتِهِ أُمِّ أُمِّهِ ، فَكَأَنَّهُ جَاذَبَهَا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ مُقْبِلًا قَالَ لَهُ : مَهْ مَهْ ، هِيَ أَحَقُّ بِهِ ، فَمَا رَاجَعَهُ الْكَلَامَ . 33497 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَهُ الْأَنْصَارِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ عَاصِمٍ ، فَلَقِيَهَا تَحْمِلُهُ بِمِحْسَرٍ ، وَقَدْ فُطِمَ ، وَمَشَى ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ لِيَنْتَزِعَهُ مِنْهَا ، وَنَازَعَهَا إِيَّاهُ حَتَّى أَوْجَعَ الْغُلَامَ ، وَبَكَى ، وَقَالَ : أَنَا أَحَقُّ بِابْنِي مِنْكِ ، فَاخْتَصَمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَضَى لَهَا بِهِ ، وَقَالَ : رِيحُهَا وَحِجْرُهَا ، وَفِرَاشُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ . 33498 - وَمِحْسَرٌ سُوقٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ . 33499 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : خَاصَمَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ طَلَّقَهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْأُمُّ أَعْطَفُ ، وَأَلْطَفُ ، وَأَرْحَمُ ، وَأَحَقُّ ، وَأَرْأَفُ ، هِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ . 33500 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى عَلَى عُمَرَ فِي ابْنِهِ مَعَ أُمِّهِ ، وَقَالَ : أُمُّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ . 33501 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بِمُوَافَقَتِهِ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، قَالَ : اخْتُصِمَ إِلَى عُمَرَ فِي صَبِيٍّ ، فَقَالَ عُمَرُ : هُوَ مَعَ أُمِّهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَيَخْتَارُ . 33502 - وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، ذَكَرَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ . 33503 - وَفِي ذَلِكَ تَخْيِيرُ الصَّبِيِّ إِذَا مَيَّزَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ . 33504 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ، أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ - سُلَيْمَانَ - مَوْلًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : جَاءَتْ أُمٌّ وَأَبٌ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنٍ لَهُمَا ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ; إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي ، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ ، وَنَفَعَنِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «يَا غُلَامُ ! هَذَا أَبُوكَ ، وَهَذِهِ أُمُّكَ ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ» . 33505 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْخَلَفِ فِي الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَنَّهَا أَحَقُّ بِوَلَدِهِا مِنْ أَبِيهِ مَا دَامَ طِفْلًا صَغِيرًا ، لَا يُمَيِّزُ شَيْئًا إِذَا كَانَ عِنْدَهَا فِي حِرْزٍ وَكِفَايَةٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا فِسْقٌ ، وَلَمْ تَتَزَوَّجْ . 33506 - ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَخْيِيرِهِ إِذَا مَيَّزَ ، وَعَقِلَ بَيْنَ أُمِّهِ ، وَبَيْنَ أَبِيهِ ، وَفِيمَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الْفُتَيَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 33507 - وَمِمَّنْ خَيَّرَ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ مِنَ السَّلَفِ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ . 33508 - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ ، أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَيَّرَ صَبِيًّا بَيْنَ أُمِّهِ وَأَبِيهِ . 33509 - وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيِّ ، عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيِّ ، قَالَ : قَدِمَ عَمِّي مِنَ الْبَصْرَةِ ، يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَنِي مِنْ أُمِّي ، فَأَرْسَلَتْنِي أُمِّي إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَدْعُوهُ إِلَيْهَا ، فَدَعَوْتُهُ ، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أُمِّي وَعَمِّي . قَالَ : وَأَبْصَرَ عَلِيٌّ أَخًا لِي أَصْغَرَ مِنِّي مَعَ أُمِّي ، فَقَالَ : وَهَذَا إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ هَذَا خُيِّرَ . 33510 - وَعَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ ، وَأُمِّهِ . 33511 - قَالَ سُفْيَانُ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ صَغِيرًا ، فَإِذَا بَلَغَ سِتًّا وَعَقِلَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ . 33512 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ شَيْءٌ ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا وَصَفْنَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 33513 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : الْأَبُ أَحَقُّ ، وَالْأُمُّ أَرْفَقُ . 33514 - رَوَاهُ هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَهِشَامٌ ، وَأَشْعَثُ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : الْأَبُ أَحَقُّ ، وَالْأُمُّ أَرْفَقُ . 33515 - وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَحَقُّ بِهِ إِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ مَا نُورِدُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى . 33516 - وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْنَاه عَلَى شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى أَنَّ الصَّبِيَّ مَعَ أُمِّهِ إِذَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ مَعَهُمْ مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُصْلِحُهُمْ . 33517 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ بِالْكُوفَةِ ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا إِلَى الْبَادِيَةِ ، فَخَاصَمَهَا الْعَصَبَةُ إِلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ : هُمْ مَعَ أُمِّهِمْ مَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً ، فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِهِمْ أُخِذُوا مِنْهَا ، وَقَالَ : الْأَبُ أَحَقُّ ، وَالْأُمُّ أَرْفَقُ . 33518 - سُفْيَانُ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا إِلَى الرُّسْتَاقِ ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى الشَّعْبِيِّ ، فَقَالَ : الْعَصَبَةُ أَحَقُّ . 33519 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأُمِّ عَنْ حَضْرَةِ الْأَبِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 33520 - وَأَمَّا مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَضَانَةِ : 33521 - فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ، ثُمَّ لَا حَضَانَةَ لَهَا ، بِذَلِكَ قَضَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ ، فَإِذَا أَثْغَرُوا فَوْقَ ذَلِكَ ، فَلَا حَضَانَةَ لَهَا . 33522 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ، وَلَهَا ابْنٌ فِي الْكُتَّابِ ، أَوْ بِنْتٌ قَدْ بَلَغَتِ الْحَيْضَ : لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا ؟ 33523 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى ذَلِكَ ، لَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ الْغُلَامَ ، وَيُعَلِّمَهُ ، وَيَقْلِبَهُ إِلَى أُمِّهِ ، وَلَا يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ ، وَلَكِنْ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُتَّابِهِ ، وَيَقَرُّ عِنْدَ أُمِّهِ ، وَيَتَعَاهَدُ الْجَارِيَةَ ، وَهَى عِنْدَ أُمِّهَا مَا لَمْ تُنْكَحْ . 33524 - قَالَ مَالِكٌ : وَلِلْجَدَّةِ مِنَ الْأُمِّ الْحَضَانَةُ بَعْدَ الْأُمِّ ، ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأَبِ . 33525 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْأُمِّ ، وَلَا لِلْجَدَّةِ أَنْ يَخْرُجَا بِالْوَلَدِ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ . 33526 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ وَلَدَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ ذَكَرًا فَهِيَ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَيَدْخُلْ بِهَا حَتَّى يَبْلُغَ ، فَإِذَا بَلَغَ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ 33527 - خَالَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ فِي اعْتِبَارِ الْبُلُوغِ . 33528 - وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الرِّوَايَتَيْنِ . 33529 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ ابْنَتِهَا ، وَإِنْ بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ، وَعَلَى الْأَبِ نَفَقَةُ ابْنَتِهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ . 33530 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَوْلِيَاءُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِهِمْ - وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا - مِنْ أُمِّهِمْ إِذَا نَكَحَتْ . 33531 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ فَالْجَدَّةُ مِنَ الْأُمِّ أَوْلَى ، فَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهَا الْوَلَدُ ، وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَّمَتْهُ الْأُمُّ اسْتِثْقَالًا لِلْوَلَدِ ، ثُمَّ طَلَبَتْهُ لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهَا . 33532 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : فَإِنْ مَاتَتْ جَدَّتُهُ لِأُمِّهِ ، فَخَالَتُهُ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ ، ثُمَّ بَعْدَهَا جَدَّتُهُ لِأَبِيهِ ، ثُمَّ الْأُخْتُ ، ثُمَّ الْعَمَّةُ ، وَبِنْتُ الْأَخِ أَوْلَى بِالْوَلَدِ مِنَ الْعَصَبَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ تَخْيِيرَ الْوَلَدِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : وَيُنْظَرُ لِلْوَلَدِ بِالَّذِي هُوَ أَكْفَأُ وَأَحْوَطُ . 33533 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ ، فَالْخَالَةُ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْيِيرًا . 33534 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْأُمُّ إِذَا تَزَوَّجَتْ ، فَالْعَمُّ أَحَقُّ مِنَ الْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَخْذَ الْوَلَدِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْيِيرَ الصَّبِيِّ . 33535 - وَذُكِرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا : الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ ، وَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةُ ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَإِنْ سَلَّمَتْهُ إِلَى جَدَّتِهِ ، فَمَتَى ارْتَجَعَتْهُ مِنْهُ رَدَّ عَلَيْهَا نَفَقَتَهَا ، وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّةِ إِذَا قَوِيَتْ عَلَى النَّفَقَةِ ، وَلَا تَعُودُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِطَلَاقِهَا . 33536 - وَاللَّيْثُ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِالِابْنِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَمَانِيَ سِنِينَ ، أَوْ تِسْعَ سِنِينَ ، أَوْ عَشْرًا ، ثُمَّ الْأَبُ أَوْلَى بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ فِي نَفْسِهَا وَأَدَبِهَا لِوَلَدِهَا أُخِذَ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ . 33537 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا كَانَتِ الِابْنَةُ كَاعِبًا ، وَالْغُلَامُ قَدْ أَيْفَعَ وَاسْتَغْنَى عَنْ أُمِّهِ خُيِّرَا بَيْنَ أَبَوَيْهِمَا ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَا فَهُوَ أَوْلَى ، فَإِنِ اخْتَارَا بَعْدَ ذَلِكَ الْآخَرَ حُوِّلَ ، وَمَتَى طُلِّقَتْ بَعْدَ التَّزْوِيجِ رَجَعَ حَقُّهَا ، فَإِن كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ غَيْرَ مَأْمُونٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمَأْمُونِ حَتَّى يَبْلُغَ . 33538 - وَالْبِكْرُ إِذَا بَلَغَتْ ، فَأَخْتَارُ لَهَا أَنْ تَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، فَإِنْ أَبَتْ ، وَهِيَ مَأْمُونَةٌ ، فَلَهَا ذَلِكَ . 33539 - وَالِابْنُ إِذَا بَلَغَ ، وَأُونِسَ رُشْدُهُ وَلِيَ نَفْسَهُ . 33540 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ خُيِّرَ إِذَا كَانَتْ دَارُهُمَا وَاحِدَةً ، وَكَانَا مَأْمُونَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَأْمُونٍ ، فَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ مِنْهُمَا ، كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، فَإِنْ مُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ ، فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ غَيْرَهُ رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا فِي وَلَدِهَا ; لِأَنَّهَا مُنِعَتْ لِوَجْهٍ ، فَإِذَا ذَهَبَ فَهِيَ كَمَا كَانَتْ . 33541 - وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ . 33542 - وَعَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهُ ، وَيُؤَدِّبُهُ بِالْكُتَّابِ وَالصِّنَاعَةِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَيَأْوِي إِلَى أُمِّهِ ، وَلَا يُمْنَعُ إِنِ اخْتَارَ الْأُمَّ مِنْ إِتْيَانِ الْأَبِ وَلَا الْأُمَّ مِنْ إِتْيَانِ ابْنَتِهَا ، وَتَمْرِيضِهَا عِنْدَ الْأَبِ . 33543 - قَالَ : وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ، ثُمَّ الْجَدَّةُ لِلْأُمِّ ، وَإِنْ عَلَتْ ، ثُمَّ الْجَدَّةُ لِلْأَبِ ، وَإِنْ عَلَتْ ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ ، ثُمَّ الْخَالَةُ ، ثُمَّ الْعَمَّةُ . 33544 - وَلَا وِلَايَةَ لِأُمِّ أَبٍ الأم ; لِأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبٍ لَا بِأُمٍّ . 33545 - وَقَرَابَةُ الصَّبِيِّ مِنَ النِّسَاءِ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَخْبُولًا فَهُوَ كَالصَّغِيرِ . 33546 - قَالَ : وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَ الْأَبِ غَيْرَ الْأُمِّ ، وَأُمَّهَاتِهَا ، فَأَمَّا أَخَوَاتُهَا ، وَغَيْرُهُنَّ فَإِنَّمَا حُقُوقُهُنَّ بِالْأَبِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُنَّ حَقٌّ مَعَهُ ، وَهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ . 33547 - وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ ، وَأَقْرَبُ الْعَصَبَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ ، أَوْ كَانَ غَائِبًا ، أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ . 33548 - وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، قَالَ : الْأُمُّ أَوْلَى بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ الصَّغِيرَيْنِ ، ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأُمِّ ، ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأَبِ ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ وَالْأَبِ ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ ، ثُمَّ الْخَالَةُ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ هِيَ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ لِأَبٍ ، وَفِي الْأُخْرَى : الْأُخْتُ أَوْلَى ، ثُمَّ الْعَمَّةُ ، وَالْأُمُّ وَالْجَدَّتَانِ أَوْلَى بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَحِيضَ ، وَبِالْغُلَامِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ ، فَيَأْكُلَ وَحْدَهُ ، وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ ، وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ ، وَمَنْ سِوَاهُمَا أَحَقُّ بِهِمَا حَتَّى يَسْتَغْنِيَا وَلَا يُرَاعَى الْبُلُوغُ . 33549 - وَقَالَ زُفَرُ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَالِدٍ عَنْهُ : الْخَالَةُ أَوْلَى مِنَ الْأُخْتِ لِلْأَبِ . 33550 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْأُخْتُ أَوْلَى . 33551 - وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ أَيْضًا عَنْ زُفَرَ : الْخَالَةُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْجَدَّةِ لِلْأَبِ . 33552 - وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ أَوْلَى بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ بَعْدَ الْأُمِّ ، ثُمَّ أُمَّ الْأَبِ ، ثُمَّ الْأُخْتَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْأُخْتَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْحَضَانَةِ ، وَلَا تَتَقَدَّمُ إِحْدَاهُمَا فِيهِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، ثُمَّ الْخَالَةُ ، ثُمَّ الْعَمَّةُ ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ كَانَ غَيْرُهَا أَوْلَى إِذَا كَانَ زَوْجُهَا ذَا رَحِمٍ مِنَ الْوَلَدِ ، مَتَى عَادَتِ الْأُمُّ أَوْ غَيْرُهَا غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ عَادَتْ إِلَيْهَا حَضَانَتُهَا . 33553 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي الْخَالَةِ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ تَرَافَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ فِي حِينِ دُخُولِهِ مَكَّةَ ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَعْفَرٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ ، وَقَالَ : «الْخَالَةُ أُمٌّ ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» . 33554 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ ، وَهُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ إِلَّا أَنِّي اخْتَصَرْتُهُ . 33555 - وَرَوَى حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ .
( 4 ) بَابُ أَمْرِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ وَالَّذِي يَحْضُرُ الْقِتَالَ فِي أَمْوَالِهِمْ . 1467 - قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي وَصِيَّةِ الْحَامِلِ وَفِي قَضَايَاهَا فِي مَالِهَا وَمَا يَجُوزُ لَهَا ، أَنَّ الْحَامِلَ كَالْمَرِيضِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْخَفِيفُ غَيْرُ الْمَخُوفِ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَصْنَعُ فِي مَالِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ ، إِلَّا فِي ثُلُثِهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ ، أَوَّلُ حَمْلِهَا بِشْرٌ وَسُرُورٌ ، وَلَيْسَ بِمَرَضٍ وَلَا خَوْفٍ; لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وَقَالَ : حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ إِذَا أَثْقَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهَا ، فَأَوَّلُ الْإِتْمَامِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ وَقَالَ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا فَإِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ فِي مَالِهَا ، إِلَّا فِي الثُّلُثِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ : إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفِّ لِلْقِتَالِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ شَيْئًا ، إِلَّا فِي الثُّلُثِ ، وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ ، مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَالِ . 33432 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ عَلَامَاتِ الْمَرَضِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ صَاحِبُهُ الْفِرَاشَ ، وَلَا يُعْذَرُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ ، وَيَغْلِبُ عَلَى الْقُلُوبِ أَنَّهُ يَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْمَوْتَ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالُ الْمَرِيضِ . 33433 - فَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ . 33434 - وَأَمَّا الْحَامِلُ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِهَا هِيَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ فِي أَفْعَالِهِ ، وَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ . 33435 - وَأَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّهَا إِذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ ، وَالطَّلْقُ أَنَّهَا كَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ ، لَا يَنْفُذُ لَهَا فِي مَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهَا . 33436 - وَاخْتَلَفُوا فِي حَالِهَا إِذَا بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِهَا إِلَى حِينِ يَحْضُرُهَا الطَّلْقُ : 33437 - فَقَالَ مَالِكٌ مَا وَصَفَهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . 33438 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ . 33439 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : الْحَامِلُ كَالصَّحِيحِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَخَاضُ ، وَالطَّلْقُ ، أَوْ يَحْدُثُ بِهَا مِنَ الْحَمْلِ مَا تَصِيرُ بِهِ صَاحِبَةَ فِرَاشٍ . 33440 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَتْ مِنْهُ الْجِرَاحُ إنْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ ، أَوْ قُدِّمَ لِلْقَتْلِ فِي قِصَاصٍ ، أَوْ لِرَجْمٍ فِي زِنًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ فِي مَالِهِ إِلَّا مَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ . 33441 - وَكَذَلِكَ الَّذِي يَبْرُزُ فِي الْتِحَامِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ . 33442 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْمَرِيضِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ الثَّقِيلِ الْمَرَضِ لِعَبِيدِهِ فِي مَرَضِهِ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَحْمِلُ ثُلُثَ مَالِهِ . 33443 - وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ثُمَّ مَاتَ ، فَأَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، وَعَتَقَ ثُلُثَهُمْ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ ثُلُثَيْهِمْ أَرْبَعَةً . 33444 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ هِبَاتِ الْمَرِيضِ ، وَصَدَقَاتِهِ ، وَسَائِرَ عَطَايَاهُ إِذَا كَانَتْ حَالُهُ مَا وَصَفْنَا لَا يَنْفُذُ مِنْهَا إِلَّا مَا حَمَلَ ثُلُثُهُ . 33445 - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : أَمَّا عِتْقُ الْمَرِيضِ فَعَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ يَنْفُذُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ . 33446 - وَأَمَّا هِبَاتُهُ وَصَدَقَاتُهُ وَمَا يُهْدِيهِ وَيُعْطِيهِ ، وَهُوَ حَيٌّ ، فَنَافِذٌ ذَلِكَ كُلُّهُ ، جَائِزٌ عَلَيْهِ مَاضٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ ، وَإِنَّمَا الْوَصِيَّةُ مَا يُسْتَحَقُّ بِمَوْتِ الْمُوصِي . 33447 - وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ : إِنَّ هِبَاتِ الْمَرِيضِ كُلِّهَا وَعِتْقَهُ ، وَصَدَقَاتِهِ ، لَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ نُفِّذَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَيُرَاعُونَ فِيهَا مَا عَدَا الْعِتْقَ الْقَبْضَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أُصُولِهِمْ مَنْ قَبْضِ الْهِبَاتِ ، وَالصَّدَقَاتِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 33448 - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : أَمَّا الْعِتْقُ خَاصَّةً فِي الْمَرَضِ ، فَلَا يُنَفَّذُ مِنْهُ إِلَّا الثُّلُثُ مَاتَ الْمُعْتِقُ مِنْ مَرَضِهِ ، أَوْ صَحَّ; لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يَعْلَمُ مَا مِنْهُ الْمَوْتُ ، وَمَا مِنْهُ الصِّحَّةُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى . 33449 - وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِتْقَ ثُلُثِ الْعَبِيدِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ بِالْمَرَضِ ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ . 33450 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ عَلَى دَاوُدَ قَائِمَةٌ بِنَصِّ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِمْ ، وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَا أَعْتَقَ جَمِيعَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ . 33451 - وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَحْفُوظَةٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . 33452 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهُ فِي «التَّمْهِيدِ» ، وَفِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
( 7 ) بَابُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ وَضَمَانِهَا 1471 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ الْعُرُوضِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزٍ ، فَيُرَدُّ وَيُؤْمَرُ الَّذِي قَبَضَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ سِلْعَتَهُ . قَالَ مَالِكٌ : فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ ، وَلَيْسَ يَوْمَ يُرَدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَمِنَهَا مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نُقْصَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ ، فَبِذَلِكَ كَانَ نَمَاؤُهَا وَزِيَادَتُهَا لَهُ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْبَضُ السِّلْعَةَ فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ نَافِقَةٌ ، مَرْغُوبٌ فِيهَا ، ثُمَّ يَرُدُّهَا فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ سَاقِطَةٌ ، لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ ، فَيَقْبِضُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، فَيَبِيعُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَيُمْسِكُهَا وَثَمَنَهَا ذَلِكَ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ ، أَوْ يَقْبِضَهَا مِنْهُ الرَّجُلُ فَيَبِيعُهَا بِدِينَارٍ ، أَوْ يُمْسِكُهَا ، وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا وَقِيمَتُهَا يَوْمَ يَرُدُّهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا مِنْ مَالِهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ ، إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَبَضَ يَوْمَ قَبَضَهُ . قَالَ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ . أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ السِّلْعَةَ ، فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى ثَمَنِهَا يَوْمَ يَسْرِقُهَا ، فَإِنْ كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِنِ اسْتَأْخَرَ قَطْعُهُ ، إِمَّا فِي سِجْنٍ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي شَأْنِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَهْرُبَ السَّارِقُ ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اسْتِئْخَارُ قَطْعِهِ بِالَّذِي يَضَعُ عَنْهُ حَدًّا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ سَرَقَ ، وَإِنْ رَخُصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَا بِالَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ أَخَذَهَا ، إِنْ غَلَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ . 33556 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَنَى مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْبَابَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَنْ ضَمِنَ شَيْئًا أَنَّهُ يَطِيبُ لَهُ النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ فِيهِ وَالنُّقْصَانُ . 33557 - وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ وَالثِّيَابَ دُونَ الْعَقَارِ ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ الْمَشْهُورَ الْمَعْمُولَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ بِالنَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْأَثْمَانِ فَوْتٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كُلِّهِ إِذَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ ، أَوِ الثِّيَابِ ، أَوِ الْحَيَوَانِ ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَهُ وَتَغَيَّرَ أَوْ حَالَتْ أَسْوَاقُهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ فِيهِ الْقِيمَةُ ، وَلَمْ يَرُدَّهُ . 33558 وَأَمَّا الْعَقَارُ ، فَلَيْسَ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فِيهِ فَوْتًا عِنْدَهُمْ ، وَلَا يَفُوتُ الْعَقَارَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إِلَّا بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ بِبُنْيَانٍ أَوْ هَدْمٍ ، أَوْ غَرْسٍ . 33559 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْعُرُوضِ كُلِّهَا مِنَ الْحَيَوَانِ ، أَوِ الثِّيَابِ ، أَوْ غَيْرِهَا أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَوْتٌ أَيْضًا ، وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبَضَهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ فَاتَتْ مِنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ ، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَيْهِ ، وَرَجَعَتْ إِلَى مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ وَتُحَوَّلَ أَسْوَاقُهَا ، فَإِنَّ هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلٌ مَالِكٍ ; فَقَالَ مَرَّةً : عَلَى أَيِّ وَجْهٍ رَجَعَتْ إِلَيْهِ ، وَلَمْ تَتَغَيَّرْ سُوقُهَا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا . وَقَالَ مَرَّةً : لَا يَرُدُّهَا إِذْ قَدْ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ ، يَعْنِي بِفَوْتِهَا بِالْبَيْعِ ، وَلَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ عَبْدًا ، أَوْ أَمَةً اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، أَوْ دَبَّرَ ، أَوْ كَاتَبَ ، أَوْ تَصَدَّقَ ، أَوْ وَهَبَ ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَوْتًا إِذَا كَانَ مَلِيًّا بِالثَّمَنِ ، وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ فَوْتِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَ مَا قَبَضَ فِي صِفَتِهِ ، وَكَيْلِهِ ، وَوَزْنِهِ . 33560 - هَذَا كُلُّهُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَلَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ حِوَالَةَ الْأَسْوَاقِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ ، أَوِ النُّقْصَانِ فَوْتٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا أَصْحَابُهُ . 33561 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ بَيْعٌا فَاسِدٌا بَاطِلٌا لَا يَنْفُذُ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ هِبَتُهُ ، وَلَا تَدْبِيرُهُ ، وَلَا عِتْقُهُ ، وَلَا بَيْعُهُ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفِهِ ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا عِنْدَهُ ، وَيَرُدُّهُ بِحَالِهِ ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ ، وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي لَهُ بَاطِلٌ ، فَإِذَا فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِذَهَابِ عَيْنِهِ ، وَفَقْدِهِ ، وَاسْتِهْلَاكِهِ لَزِمَهُ فِيهِ الْقِيمَةُ فِي حِينِ فَوْتِهِ ، وَذَهَابِ عَيْنِهِ لَا تُعْتَبَرُ سُوقُهُ ، وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَهُ ، حُكْمُهُ كَالْمَغْصُوبِ سَوَاءٌ . 33562 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ . 33563 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ شِرَاءً فَاسِدًا ، وَيَقْبِضُهَا ، ثُمَّ يَبِيعُهَا ، أَوْ يَهَبُهَا ، أَوْ يَمْهَرُهَا ، فَتَصِيرُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْهُ ، أَوْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، أَوْ عِنْدَ الْمَرْأَةِ الْمَمْهُورَةِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ ، وَفِعْلُهُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهَا ، أَوْ وَهَبَهَا ، إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمَوْهُوبَةَ لَوِ افْتَكَّهَا قَبْلَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقَاضِي قِيمَتَهَا رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبَةُ إِنْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ . 33564 - قَالُوا : وَلَوْ رَدَّهَا الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَلَا يَرُدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
1492 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 37 - كِتَابُ الْوَصِيَّةِ ( 1 ) بَابُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ 1463 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . 33206 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ : عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَالٌ يُوصَي فِيهِ ، تَأْتِي عَلَيْهِ لَيْلَتَانِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ . 33207 - وَقَالَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَبِيتُ ثَلَاثًا ، إِلَّا وَوَصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . 33208 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33209 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، وَالتَّأْكِيدُ فِي ذَلِكَ . 33210 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، أَوْ أَمَانَةٌ ، فَيُوصِي بِذَلِكَ . 33211 - وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، فَأَوْجَبُوا الْوَصِيَّةَ فَرْضًا إِذَا تَرَكَ الرَّجُلَ مَالًا كَثِيرًا ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا فِي وُجُوبِهَا شَيْئًا ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَكُونُ إِلَّا مُؤَقَّتَةً مَعْلُومَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33212 - وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ : بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمَعْرُوفُ : التَّطَوُّعُ بِالْإِحْسَانِ ، قَالُوا : وَالْوَاجِبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُتَّقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ . 33213 - وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ وَهَذَا لَا يُحْتَجُّ لَهُ; لِأَنَّ مَا تَخَلَّفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا . 33214 - قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، وَلَا بَعِيرًا ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ . 33215 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ . 33216 - فَأَيُّ وَصِيَّةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ أَنْ تَكُونَ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا صَدَقَةً ، لَا مِيرَاثَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا نَدَبَ إِلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ أُمَّتِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ . 33217 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ 33218 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا 33219 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِنْسَانِ : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ الْخَيْرُ عِنْدَهُمْ هُنَا الْمَالُ . 33220 - كَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ حَاكِيًا عَنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ 33221 - وكَذَلِكَ قَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ قَالُوا : الْغِنَى . 33222 - وَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْخَيْرِ بِمَعْنَى الْمَالِ وَالْغِنَى ، وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، وَلَا بَعِيرًا ، فَلَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا ، وَلَا مَالًا يُوصَى فِيهِ . 33223 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، وَلَا بَعِيرًا ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ . 33224 - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى : أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 33225 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33226 - وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَالِ الَّذِي تُسْتَحَبُّ فِيهِ الْوَصِيَّةُ ، أَوْ تَجِبُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا . 33227 - فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِيهِ وَصِيَّةٌ . 33228 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ مَالٌ فِيهِ وَصِيَّةٌ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ لِمَنْ شَاءَ . 33229 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَرَكَ مَالًا يَسِيرًا ، فَلْيَدَعْهُ لِوَرَثَتِهِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ . 33230 - وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ . 33231 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا وَصِيَّةَ فِي ثَمَانِي مِائَةِ دِرْهَمٍ . 33232 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَرْبَعٌ مِنَ الْوَلَدِ ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ : لَا وَصِيَّةَ فِي مَالِهَا . 33233 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : الْخَيْرُ - يَعْنِي فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ - أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ . 33234 - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَنْ تَرَكَ ثَمَانِي مِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا ، فَلَا يُوصِ . 33235 - وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ وَقَالَ : الْخَيْرُ أَلْفٌ فَمَا فَوْقَهَا . 33236 - وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، مَرْغُوبٌ فِيهَا ، وَأَنَّهَا جَائِزَةٌ لِمَنْ أَوْصَى فِي كُلِّ مَالٍ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، مَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ . 33237 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 33238 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ . 33239 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آيَةَ الْوَصِيَّةِ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ . 33240 - قَالَ ذَلِكَ : مَالِكٌ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ . 33241 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ . 33242 - وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مُرْسَلَةً فَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ فِي الْبَيَانِ ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، إِذْ كَانَ لَا يَرِثُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرُهُمْ إِلَّا وَصِيَّةً إِنْ كَانَ لِلْأَقْرَبِينَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ قَالَ : فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِيرَاثَ الْأَبَوَيْنِ ، وَأَمَرَ بِوَصِيَّةِ الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ . 33243 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ : وَالْأَقْرَبُونَ الَّذِينَ تَجُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ لَيْسُوا بِوَارِثِينَ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَأَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْ آيَةِ الْوَصِيَّةِ الْوَالِدَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا كَانَا عَلَى دِينِ وَلَدِهِمَا; لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ وَارِثَانِ لَا يُحْجَبَانِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَارِثٍ مِنَ الْأَقْرَبِينَ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . 33244 - وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ تَجِبُ لَهُ الْوَصِيَّةُ لَانْتَقَضَتْ قِسْمَةُ اللَّهِ لَهُمْ فِيمَا وَرَّثَهُمْ وَصَارَ لَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ . 33245 - فَمِنْ هُنَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33246 - وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ لَا يُجِيزُ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ . وَقَدْ قَالَ : لَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ . 33247 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيِّينَ ، وَدَاوُدَ ، وَسَمُّوا السُّنَّةَ بَيَانًا ، لَا نَسْخًا . 33248 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، وَقَالُوا : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : نَسَخَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مِنَ الْوَصِيَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . 33249 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . 33250 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33251 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهُمْ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَّمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ . 33252 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ قَطْعًا مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَلَقِّيًا مِنْهُمْ لَهُ بِالْقَبُولِ ، فَسَقَطَ الْكَلَامُ فِي إِسْنَادِهِ . 33253 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ ، هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ لَهُمْ أَمْ لَا ؟ 33254 - فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَهُمْ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا النَّدْبُ كَمَا وَصَفْنَا . 33255 - وَقَالُوا : الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ أَفْضَلُ . 33256 - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ وَاجِبَةٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ ، وَإِنَّمَا انْتُسِخَ الْوَارِثُونَ ، وَالْآيَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِيجَابِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ . 33257 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ : 33258 - فَقَالَ طَاوُسٌ : تُرَدُّ وَصِيَّتُهُ عَلَى قَرَابَتِهِ . 33259 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ . 33260 - وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ . 33261 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ - أَبُو الشَّعْثَاءِ - : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ رُدَّ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَا الثُّلُثِ ، وَيَمْضِي لِمَنْ أَوْصَى لَهُ ثُلُثُ الثُّلُثِ . 33262 - وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا . 33263 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33264 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 33265 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ ، فَبِئْسَ مَا صَنَعَ ، وَفِعْلُهُ مَعَ ذَلِكَ مَاضٍ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ أَوْصَى لَهُ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ ، مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ . 33266 - وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ . 33267 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ . 33268 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ . 33269 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ . 33270 - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَوْصَتْ لِمَوْلَاتِهَا . 33271 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ ؟ فَقَالَ : يَمْضِي ، وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُلْقَى ثُلُثُهُ فِي الْبَحْرِ . 33272 - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : أَمَّا فِي الْبَحْرِ ، فَلَا ، وَلَكِنْ يَمْضِي كَمَا قَالَ . 33273 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لِلرَّجُلِ ثُلُثُهُ يَطْرَحُهُ فِي الْبَحْرِ إِنْ شَاءَ . 33274 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . 33275 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ فِي هَذَا وَعَنْ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا فِي «التَّمْهِيدِ» . 33276 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَنْ لَمْ يُجِزِ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . 33277 - فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فِي ثُلُثِهِ ; لِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ كُلَّهَا وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِهِ فَقَدْ أَجَازَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَصِيَّةَ بِعِتْقِهِمْ ، وَهُمْ - لَا مَحَالَةَ - مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ . 33278 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ ، وَأَمَّا مَنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِإِجْمَاعٍ ، وَأَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الْوَارِثَ ، فَقَدْ حَافَ وَجَارَ ، وَأَتَى الْجَنَفَ ، وَالْجَنَفُ فِي اللُّغَةِ الْمَيْلُ ، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ : الْإِثْمُ وَالْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ . 33279 - رَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْجَنَفُ : أَنْ يُوصِيَ لِابْنِ ابْنَتِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَتَهُ . 33280 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُدَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ الْحُدَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ ، أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يَحْضُرُهَما الْمَوْتُ ، فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ، وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ 33281 - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ، ثُمَّ قَرَأَ : غَيْرَ مُضَارٍّ إِلَى قَوْلِهِ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَإِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ 33282 - وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ جَازَتْ ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ . 33283 - وَلَهُمْ فِي إِجَازَتِهِا إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ قَوْلَانِ : 33284 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ إِجَازَتَهُمْ لَهَا تَنْفِيذٌ مِنْهُمْ لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ . 33285 - ( وَالْأُخْرَى ) : أَنَّهَا لَا تَكُونُ وَصِيَّةً أَبَدًا ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى حُكْمِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ عِنْدَهُمْ . 33286 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا . 33287 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ : الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ جَائِزَةٌ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ النَّاقِدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ . 33288 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ مُسْنَدًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَذَلِكَ رِوَايَةُ الثِّقَاتِ لَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ . 33289 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَمْ يَقُلْ : إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ ، وَحَسْبُهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءُوا . 33290 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : إِنَّمَا مُنِعَ الْوَارِثُ مِنَ الْوَصِيَّةِ; لِئَلَّا يَأْخُذَ مَالَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . 33291 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ تَجْوِيزَ الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَأَجَازَهُ الْوَرَثَةُ جَازَ ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
33292 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ ، فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ ، وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ ، وَيُبَدِّلَهَا فَعَلَ ، إِلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا ، فَإِنْ دَبَّرَ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . 33293 - قَالَ مَالِكٌ : فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ . وَلَا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ ، كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنَ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ . 33294 - قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ . 33295 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي أَنَّ لِلْمُوصِيَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ غَيْرَ التَّدْبِيرِ 33296 - هُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ إِلَّا التَّدْبِيرَ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الرُّجُوعِ فِي الْمُدَبَّرِ ، وَفِي بَيْعِهِ ، فَكُلُّ مَنْ رَأَى بَيْعَهُ رَأَى الرُّجُوعَ فِيهِ لِمَنْ شَاءَ . 33297 - وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ . 33298 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 33299 - وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ ، وَلَا الرُّجُوعُ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ . 33300 - وَقَدْ أَجَازَ اللَّيْثُ بَيْعَهُ لِلْعِتْقِ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ . 33301 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا يُبَاعُ إِلَّا مِنْ نَفْسِهِ . 33302 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ . 33303 - وَكَرِهَ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ . 33304 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُدَبَّرِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
( 9 ) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا أَفْسَدَ الْعَبِيدُ أَوْ جَرَحُوا 1474 - قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي جِنَايَةِ الْعَبِيدِ ; أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنْ جُرْحٍ جَرَحَ بِهِ إِنْسَانًا ، أَوْ شَيْءٍ اخْتَلَسَهُ ، أَوْ حَرِيسَةٍ احْتَرَسَهَا ، أَوْ ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ جَذَّهُ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهَا ، إِنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ ، لَا يَعْدُو ذَلِكَ الرَّقَبَةَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ غُلَامُهُ ، أَوْ أَفْسَدَ ، أَوْ عَقْلَ مَا جَرَحَ ، أَعْطَاهُ ، وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَسَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ . 33656 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى ، كُلُّهُمْ يَرَى جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ ، وَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ فِي فِدَائِهِ بِجِنَايَتِهِ ، وَإِسْلَامِهِ فِي ذِمَّتِهِ . 33657 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ ، وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ . 33658 - وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا يَعْنِي مَا وَصَفْنَا . 33659 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا يَسْتَهْلِكُهُ الْعَبْدُ مِمَّا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي رَقَبَتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . 33660 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْعَبْدُ مِمَّا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّتِهِ . 33661 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ : هُوَ فِي رَقَبَتِهِ . 33662 - وَرَوَى سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْجِرُهُ الرَّجُلُ لِيُبْلِغَ بَعِيرًا لَهُ إِلَى مَوْضِعٍ ، فَيَذْبُحُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ ، فَقَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ أُرَاهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ . 33663 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ فِي الْعَبْدِ يَتَوَسَّلُ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِهِ ، وَيُنْكِرُ سَيِّدُهُ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ . 33664 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا ، أَوْ حُرًّا ، فَاسْتَحْيَاهُ وَلِيُّ الدَّمِ كَانَ سَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِجَمِيعِ دِيَةِ الْحُرِّ ، أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، أَوْ يُسْلِمَهُ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ ، وَيَسْتَرِقَّهُ ، وَيُضْرَبَ مِائَةً ، وَيُسْجَنَ عَامًا . 33665 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ . 33666 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ بِالْخِيَارِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي قَتَلَ عَبْدَهُ ; إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ ، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فِي عُنُقِ الْقَاتِلِ ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ بِيعَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رُدَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ . 33667 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ ، قَالَ : وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا خَطَأ قِيلَ لِمَوْلَاهُ : ادْفَعْهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، أَوِ افْدِهِ مِنْهُ بِالدِّيَةِ ، فَإِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ بِالدِّيَةِ كَانَ مَأْخُوذًا بِهَا حَالَّةً لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ ، وَإِنْ ثَبَتَ بعد ذلك إِعْسَارُهُ بِهَا ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ : قَدْ زَالَتِ الْجِنَايَةُ عَنْ عِتْقِ الْعَبْدِ بِاخْتِيَارِ مَوْلَاهُ أَيَّاهُ ، وَصَارَتْ دَيْنًا عَلَى مَوْلَاهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي . 33668 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى مِنَ الْمَالِ مِمَّا هُوَ وَاصِلٌ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ اخْتِيَارِهِ إِيَّاهُ مِقْدَارُ الدِّيَةِ كَانَ اخْتِيَارُهُ إِيَّاهُ بَاطِلًا وَكَانَ حَقُّ الْجِنَايَةِ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إِذَا كَانَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ ، فَقَالَ لَهُ : ادْفَعِ الْعَبْدَ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، أَوِ افْدِهِ مِنْهُ بِالدِّيَةِ . 33669 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : الِاخْتِيَارُ جَائِزٌ مُعْسِرًا كَانَ الْمَوْلَى أَوْ مُوسِرًا ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ دَيْنًا لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، يَتْبَعُهُ فِيهَا مَوْلَاهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ . 33670 - قَالُوا : وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ عَلَى رَجُلٍ ، فَقَتَلَهُ خَطَأ أَوِ اسْتَهْلَكَ الْآخَرُ مَالًا ، وَحَضَرَا جَمِيعًا يَطْلُبَانِ الْوَاجِبَ لَهُمَا ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ الْآخَرُ فِيمَا اسْتَهْلَكَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ ، وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الْمَالِ أَوَّلًا ، وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ بَاعَهُ لَهُ الْقَاضِي فِي مَالِهِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ لَهُ ، فَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ . هَذَا آخَرُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ «الْمُوَطَّأِ» إِلَّا يَحْيَى بْنَ يَحْيَى
1501 1473 - مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِلَافٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ ، فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا ، ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ ، فَأَفْلَسَ ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ ; أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ ، رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ : سَبَقَ الْحَاجَّ ، أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا ، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ . فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ ، نُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنِ ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ هُمٌّ وَآخِرَهُ حَرَبٌ . 33629 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَيُرْوَى : قَدْ دَانَ ، وَقَدْ أَدَانَ ، وَيُرْوَى بِلَا قَدْ . وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَرْوُونَهُ : قَدْ دَانَ مُعْرِضًا ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ . 33630 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، فَأَفْلَسَ ; فَإِنَّهُ أَرَادَ صَارَ مُفْلِسًا ، وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ ، ثُمَّ دَعَا غُرَمَاءَهُ لِيُقَسِّمُوهَا عَلَيْهِمْ . 33631 - وَهَذَا شَأْنُ مَنْ أَحَاطَ دَيْنُ غُرَمَائِهِ بِمَالِهِ ، وَقَامُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ يَطْلُبُونَهُ ، وَأَثْبَتُوا دُيُونَهُمْ عَلَيْهِ بِمَا لَا مَدْفَعَ فِيهِ . 33632 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوهٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . 33633 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ فِي الدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ ; لِأَنَّ حَبْسَهُ لَهُ تَفْلِيسٌ . 33634 - وَإِنَّمَا قِيلَ : مَنْ شَاءَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهِ مَا وَصَفْنَا التَّفْلِيسَ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِقْرَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ . 33635 - قَالَ : وَإِذَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْلِيسِ فَهُوَ حَجْرٌ أَيْضًا . 33636 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا حَبَسَهُ الْقَاضِي فِي الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى يُفَلِّسَهُ ، فَيَقُولُ : لَا أُجِيرُ لَهُ أَمْرًا . 33637 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ صَدَقَتُهُ . 33638 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 33639 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُمَا هَذَا قَدْ قَالَ بِنَحْوِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ هِبَةٌ ، وَلَا صَدَقَةٌ ، وَلَا عِتْقٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقِفِ السُّلْطَانُ مَالَهُ ، وَلَمْ يَضْرِبْ عَلَى يَدِهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مِنْ أَجْلِ قِيَامِ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ . 33640 - وَأَمَّا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فَفِعْلُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَائِزٌ فِي هِبَتِهِ ، وَصَدَقَتِهِ ، وَقَضَاءِ مَنْ شَاءَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهِ مَا وَصَفْنَا . 33641 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ ، حَاشَا ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّفِيهَ الَّذِي لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَبٌ ، وَلَا وَصِيٌّ ، وَلَا قَاضٍ أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا نَافِذَةٌ حَتَّى يَضْرِبَ الْحَاكِمُ عَلَى يَدَيْهِ . 33642 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : إِذَا رُفِعَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّفْلِيسَ إِلَى الْقَاضِي أَشْهَدَ الْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ أَوْقَفَ مَالَهُ ، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ ، وَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ فَعَلَ جَازَ . ( وَالْأُخْرَى ) : أَنَّهُ بَاطِلٌ . 33643 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا أَفْلَسَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ ، وَلَا صَدَقَتُهُ ، وَيَبِيعُ الْقَاضِي مَالَهُ ، وَيَقْضِيهِ الْغُرَمَاءَ . 33644 - وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي «نَوَادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ » : قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ : إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ ، وَلَا عِتْقُهُ ، وَلَا شَيْءٌ يَتْلَفُ بِهِ مَالُهُ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ . 33645 - قَالَ مُحَمَّدٌ : وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ : إِذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فَحُبِسَ لَهُ ، فَحَبْسُهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ الْأَوَّلَ . 33646 - وَقَالَ شَرِيكٌ مِثْلَ قَوْلِهِ . 33647 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَجُوزُ إِقْرَارُهُ ، وَبَيْعُهُ ، وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، وَيَبْطُلُ إِقْرَارُهُ بَعْدَ حَبْسِهِ بِالدَّيْنِ . 33648 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْحَجْرَ بِالدَّيْنِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ ، وَلَا لِسَفَهٍ ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُهُ . 33649 - وَقَالَ فِي الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ : لَا يُبَاعُ عَلَى الْمَدِينِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يَبِيعَ هُوَ إِلَّا الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ . 33650 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : يُبَاعُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، وَيُقْضِي غُرَمَاؤُهُ ، فَإِنْ قَامَ مَالُهُ بِدُيُونِهِمْ ، وَإِلَّا قُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْحِصَصِ بِقَدْرِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . 33651 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ «الْأُسَيْفِعُ» فَهُوَ تَصْغِيرُ أَسْفَعَ ، وَالْأَسْفَعُ الْأَسْمَرُ الشَّدِيدُ السُّمْرَةِ ، وَقِيلَ : الْأَسْفَعُ الَّذِي تَعْلُو وَجْهَهُ حُمْرَةٌ تَنْحُو إِلَى السَّوَادِ . 33652 - وَقَوْلُهُ : «أَدَانَ مُعْرِضًا» ، أَيِ : اسْتَدَانَ مُتَهَاوِنًا بِذَلِكَ ، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ ، أَيْ : أُحِيطَ بِهِ ، يُرِيدُ أَحَاطَ بِهِ غُرَمَاؤُهُ ، وَأَحَاطَ الدَّيْنُ بِهِ . 33653 - وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ الْآيَةَ ، أَيْ غَلَبَ الدَّيْنُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، فَاسْوَدَّ جَمِيعُهَا ، فَلَمْ تَعْرِفْ مَعْرُوفًا ، وَلَا أَنْكَرَتْ مُنْكَرًا . 33654 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الدَّيْنِ : آخِرُهُ حَرَبٌ ، وَالْحَرَبُ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ السَّلَبُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : رَجُلٌ حَرِيبٌ ، أَيْ : سَلِيبٌ مَسْلُوبٌ . 33655 - قَالَ الشَّاعِرُ ، وَهُوَ الْقَاسِمُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ : قَوْمٌ إِذَا نَزَلَ الْحَرِيبُ بِدَارِهِمْ رَدُّوهُ رَدَّ صَوَاهِلٍ وَنِيَاقِ .
33621 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَالِدَ يُحَاسِبُ وَلَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَكُونُ لِلْوَلَدِ مَالٌ ، نَاضًّا كَانَ أَوْ عَرَضًا ، إِنْ أَرَادَ الْوَالِدُ ذَلِكَ . 33622 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَلَدَ الْغَنِيَّ ذَا الْمَالِ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى أَبِيهِ نَفَقَةٌ ، وَلَا كُسْوَةٌ ، وَلَا مُؤْنَةٌ ، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ . 33623 - وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُوسِرٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ فِي مَالِهِ وَيُحَاسِبَهُ بِذَلِكَ ؟ 33624 - فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَهُ . 33625 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ مُتَبَرِّعٌ ، وَلَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 33626 - وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي لِيَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ مُتَبَرِّعٌ . 33627 - وَإِذَا فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي فِي مَالِ الصَّبِيِّ نَفَقَةً ، لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ يُنْفِقَ وَيَتَصَرَّفَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ . 33628 - هَذَا عِنْدِي قِيَاسُ قَوْلِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
33596 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ ، وَلِمِثْلِهِ إِجَارَةٌ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الْعَبْدُ ، إِنْ أُصِيبَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ سَلِمَ الْعَبْدُ فَطَلَبَ سَيِّدُهُ إِجَارَتَهُ لِمَا عَمِلَ ، فَذَلِكَ لِسَيِّدِهِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 33597 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضْمَنُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ، وَالْعَبْدُ مَالٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُهُ لِلَّذِي اسْتَعَانَهُ ، فَكَانَ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا عَلَى مَالِ غَيْرِهِ جَانِيًا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إِنْ عَطِبَ ، أَوْ تَلِفَ فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ ، وَإِنَّ سَلِمَ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ فِي الَّذِي عَمِلَهُ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ خَرَاجَهُ ، وَلَا شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ ; لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ . 33598 - وَهَذَا كُلُّهُ اتَّفَقَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ . 33599 - وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : مَنِ اسْتَعَانَ مَمْلُوكًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، أَوْ صَبِيًّا بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهِ ضَمِنَ . 33600 - وَمَعْمَرٌ عَنْ حَمَّادٍ مِثْلَهُ . 33601 - وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ . 33602 - وَرَوَى الْحَكَمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا صَغِيرًا ، أَوْ كَبِيرًا ، أَوْ صَبِيًّا حُرًّا ، فَهَلَكَ ضمن ، وَمَنِ اسْتَعَانَ حُرًّا كَبِيرًا لَمْ يَضْمَنْ . 33603 - وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ فِي الصَّبِيِّ الْحُرِّ ، وَفِي الْعَبْدِ ، قَالَ : فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُ الصَّبِيِّ ، أَوْ سَيِّدُ الْعَبْدِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .
33604 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مُسْتَرَقًّا : إِنَّهُ يُوقِفُ مَالَهُ بِيَدِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَكِنَّهُ يَأْكُلُ فِيهِ وَيَكْتَسِي بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِذَا هَلَكَ ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ . 33605 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَكُونُ الْعَبْدُ نِصْفُهُ حُرًّا ، وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا مِنْ وُجُوهٍ : مِنْهَا : أَنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَارِثَيْنِ ، أَوْ مُبْتَاعَيْنِ ، أَوْ بِوَجْهٍ يَصِحُّ مِلْكُهُمَا لَهُ أَحَدُهُمَا مُعْسِرٌا ، وَالْآخِرُ مُوسِرا ، فَيُعْتِقُ الْمُعْسِرُ حِصَّتَهُ مِنْهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِجَازِيِّينَ مَا أَعْتَقَ مِنْهُ الْمُعْسِرُ حُرًّا وَسَائِرُهُ عَبْدًا . 33606 - وَيَكُونُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَبْدًا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ نِصْفَهُ ، أَوْ يَكُونُ عَبْدًا أَوْصَى بِعِتْقِ نِصْفِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ الْعِتْقَ فِي ثُلُثِهِ ، وَوُجُوهٌ غَيْرُ هَذِهِ . 33607 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ يُوقَفُ مَالُهُ بِيَدِهِ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ نِصْفَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ قَبْلَ وُقُوعِ عِتْقِهِ ، وَمَا يَكْسِبُهُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يَعْمَلُ فِيهَا لِنَفْسِهِ . 33608 - قَالَ مَالِكٌ : يَصْطَلِحُ هُوَ وَمَالِكُ نَصِفِهِ عَلَى الْأَيَّامِ . 33609 - وَقَالَ غَيْرُهُ : يَخْدِمُ لِنَفْسِهِ ، وَيَكْسِبُ لَهَا يَوْمًا ، وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ خِدْمَتُهُ يَوْمًا مِمَّا كَسَبَ فِي يَوْمِ الْحُرِّيَّةِ فَلَهُ ، وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مُؤْنَتُهُ كُلُّهَا ، وَفِي يَوْمِ خِدْمَتِهِ لِسَيِّدِهِ مُؤْنَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ . 33610 - فَهَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 33611 - فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : مِيرَاثُهُ لِمَنْ فِيهِ الرِّقُّ ; لِأَنَّهُ فِي شَهَادَتِهِ وَحُدُودِهِ ، وَطَلَاقُهُ عِنْدَهُمْ كَالْعَبْدِ . 33612 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 33613 - وَقَالَ آخَرُونَ : مِيرَاثُهُ بَيْنَ سَيِّدِ نَصِفِهِ ، وَبَيْنَ مَنْ كَانَ يَرِثُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا كُلُّهُ نِصْفَيْنِ . 33614 - رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَطَاوُسٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ . 33615 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، غَلَّبُوا الْحُرِّيَّةَ هُنَا لِانْقِطَاعِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ . 33616 - وَقَالَتْ طَائِقَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ : يُوَرَّثُ الْمُعْتِقُ نِصْفَهُ وَيَرِثُ . 33617 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ ، وَلَا يُوَرَّثُ . 33618 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْكُوفِيِّينَ . 33619 - وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ : إِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ بَعْضَهُ وَرِثَهُ كُلَّهُ الَّذِي أَعْتَقَ بَعْضَهُ . 33620 - وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي حُرَّةٍ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّهُ يُحَدُّ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا .
1500 ( 8 ) بَابُ جَامِعِ الْقَضَاءِ وَكَرَاهِيَتِهِ 1472 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ : أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا ، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا تُدَاوِي ، فَإِنْ كُنْتَ تُبْرِئُ فَنِعِمَّا لَكَ ، وَإِنْ كُنْتَ مُتَطَبِّبًا فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إِنْسَانًا فَتَدْخُلَ النَّارَ ، فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَدْبَرَا عَنْهُ ، نَظَرَ إِلَيْهِمَا ، وَقَالَ : ارْجِعَا إِلَيَّ ، أَعِيدَا عَلَيَّ قِصَّتَكُمَا . مُتَطَبِّبٌ ، وَاللَّهِ . 33564 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا كَرَاهَةُ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَقَدْ كَرِهَهُ وَفَرَّ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءَ الْعُلَمَاءِ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ 33565 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسَيِّ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ وَالْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ . 33566 - وَقَالَ : حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ . 33567 - وَقَالَ : حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ ، حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ . 33568 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ ، فَلَهُ أَجْرٌ . 33569 - رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهِ . 33570 - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ ، وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ ، أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ . 33571 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ . 33572 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِثْمَ إِذَا كَانَ مُعَظَّمًا فِي مَعْنًى كَانَ الْأَجْرُ مُعَظَّمًا فِي ضِدِّهِ . 33573 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا أَيِ : الْجَائِرُونَ . 33574 - وَالْجَوْرُ : الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ، وَعَنِ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ . 33575 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ 33576 - وَمَنْ جَارَ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَسْرَفَ فِي الظُّلْمِ ، فَقَدْ نَسِيَ يَوْمَ الْحِسَابِ . 33577 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَاضِي الْعَادِلِ الْحَاكِمِ بِالْقِسْطِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ : «الْمُقْسِطُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وَقِيلَ : الْقَاسِطُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : «الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أَهْلِيهِمْ ، وَفِيمَا وُلُّوا» . 33578 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ : إِمَامٌ عَادِلٌ » وَذَكَرَ سَائِرَ السَّبْعَةِ . 33579 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 33580 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ . 33581 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قال عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ ، وَيُطِيعُوا ، وَيُجِيبُوا إِذَا دُعُوا . 33582 - قَالَ : وَمَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ ، فَلْيَعْدِلْ فِي الْمَجْلِسِ ، وَالْكَلَامِ ، وَاللَّحْظِ . 33583 - وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ - عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ - قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنَانِيُّ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ : عَفِيفٌ حَلِيمٌ ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ ، مُسْتَشِرٌ لِذَوِي الْأَلْبَابِ ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . 33584 - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا وَاحِدًا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 33585 - وَقَالَ مَالِكٌ : قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ مُسْتَشِيرًا لِذَوِي الْعِلْمِ . 33586 - وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةٌ فِي مَعْنَى مَا أَوْرَدْنَاهُ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا إِلَيْهِ قَصَدْنَا ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ فَالْقَلِيلُ يَكْفِيهِ إِذَا عَمِلَ بِهِ . 33587 - وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ الْحُكَمَاءِ ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : حَكِيمُ أُمَّتِي . 33588 - وَقَالَ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . 33589 - وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : مَا حَمَلَتْ غَبْرَاءٌ ، وَلَا أَظَلَّتْ زَرْقَاءُ أَعْلَمَ مِنْكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ . 33590 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، فَكَانَا مُتَوَاخِيْنِ مُتَحَابَّيْنِ اجْتَمَعَا أَوْ تَفَرَّقَا . 33591 - وَكَانَ سَلْمَانُ عَالِمًا فَاضِلًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا . 33592 - وَمَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ قَاضِيًا عَلَيْهَا لِعُثْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِ عُثْمَانَ بِسَنَتَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا . 33593 - وَمَاتَ سَلْمَانُ بِالْمَدَائِنِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ . 33594 - وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ - خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْمَيْمُونِ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ صَفْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُسْهِرٍ - عَبْدُ الْأَعْلَى ابْنُ مُسْهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ عُمَرُ : أُمِرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِالْقَضَاءِ يَعْنِي بِدِمَشْقَ ، وَكَانَ الْقَاضِي يَكُونُ خَلِيفَةَ الْأَمِيرِ إِذَا غَابَ . 33595 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَسَلْمَانَ ، وَفَضَائِلَهُمَا فِي بَابِ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
( 10 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّحَلِ 33671 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا الْبَابُ عِنْدَ غَيْرِ يَحْيَى فِي «الْمُوَطَّأِ» وَلَا لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَدِيثٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ «الْمُوَطَّأِ» فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعَطِيَّةِ ، وَآخِرُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عِنْدَهُمْ بَابُ مَا أَفْسَدَهُ الْعَبِيدُ ، أَوْ جَرَحُوا ، وَوَقَعَ لِيَحْيَى كَمَا تَرَى ، وَأَظُنُّهُ سَقَطَ لَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَأُلْحِقَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ كَمَا صَنَعَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا ، سَقَطَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، فَأَلْحَقَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ . 1503 1475 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ قَالَ : مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا ، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَجُوزَ نَحْلُهُ ، فَأَعْلَنُ ذَلِكَ لَهُ ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا ، فَهِيَ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ . 33672 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : شُكِيَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَوْلُ عُمَرَ : لَا نِحْلَةَ إِلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ ، فَرَأَى عُثْمَانُ أَنَّ الْوَالِدَ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ مَا كَانُوا صِغَارًا . 33673 - يَقُولُ : إِذَا وَهَبَ لَهُ الْأَبُ ، وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهَا حِيَازَةٌ . 33674 - وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : سَأَلْتُ شُرَيْحًا : مَا يُبَيِّنُ لِلصَّبِيِّ مِنْ نَحْلِ أَبِيهِ ؟ قَالَ : أَنْ يَهَبَ لَهُ وَيُشْهِدَ لَهُ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : إِنَّهُ يَلِيهِ ؟ قَالَ : هُوَ أَحَقُّ مَنْ وَلِيَهُ . 33675 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى قَضَاءِ عُثْمَانَ فِي هِبَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا يُخَالِفُونَ سَائِرَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْكُونِ ، وَالْمَلْبُوسِ ، وَالْمَوْقُوفِ ، فَلَا يَرَوْنَ إِشْهَادَ الْأَبِ فِي ذَلِكَ حِيَازَةً حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مُدَّةً أَقَلَّهَا سَنَةٌ مِنَ الْمَسْكُونِ لِيَظْهَرَ فِعْلُهُ ذَلِكَ ، وَإِذَا رَكِبَ مَا يُرْكَبُ ، أَوْ لَبِسَ مَا يُلْبَسُ ، فَقَدْ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ . 33676 - وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي رُجُوعِ الْأَبِ وَغَيْرِهِ فِي الْهِبَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
33677 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ; أَنَّ مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا ، ذَهَبًا أَوْ وَرِقًّا ، ثُمَّ هَلَكَ ، وَهُوَ يَلِيهِ ، إِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلِابْنِ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا ، أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلِابْنِ . 33678 - إِلَى هُنَا انْتَهَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى . 33679 - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَتِ النِّحْلَةُ عَبْدًا ، أَوْ وَلِيدَةً ، أَوْ شَيْئًا مَعْلُومًا مَعْرُوفًا ، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَأَعْلَنَ ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، وَهُوَ يَلِي ابْنَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِابْنِهِ . 33680 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ وَسَائِرِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ - أَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا كَانَ فِي حِجْرِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بَالِغًا كُلَّ مَا يَهَبُ لَهُ ، وَيُعْطِيِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْعُرُوضِ كُلِّهَا ، وَالْعَقَارِ ، وَكُلِّ مَا عَدَا الْعَيْنِ ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْطِيهِ غَيْرُهُ ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ الْإِشْهَادُ ، وَالْإِعْلَانُ ، وَإِذَا أَشْهَدَ فَقَدْ أَعْلَنَ ، وَإِذَا فَشَا الْإِشْهَادُ وَظَهَرَ . 33681 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنَّ مَا يَسْكُنُ الْأَبُ لَا تَصِحُّ فِيهِ عَطِيَّةٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ سَنَةً وَنَحْوَهَا ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا ، وَسُكْنَاهُ لَهَا مَا لَمْ يَمُتِ الْأَبُ فِيهَا ، أَوْ يَبْلُغِ الصَّغِيرُ رُشْدَهُ ، فَلَا يَقْبِضُهَا ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ سَاكِنًا فِيهَا ، أَوْ بَلَغَ الِابْنُ رُشْدًا ، فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْأَبُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِيَازَتُهُ لَهُ تِلْكَ السَّنَةَ ، وَجَعَلُوا الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ جَوَازُهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْعَافِيَةِ فِيهَا ، فَإِنْ سَلِمَتْ فِي الْعَافِيَةِ مِنَ الرَّهْنِ ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ لَحِقَهَا رَهْنُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ . 33682 - وَكَذَلِكَ الْمَلْبُوسُ عِنْدَهُمْ إِذَا لَبِسَ الْأَبُ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي وَهَبَهَا لِلصَّغِيرِ مِنْ وَلَدِهِ بَطَلَتْ فِيهِ هِبَتُهُ ، وَمَا عَدَا الْمَلْبُوسِ وَالْمَسْكُونِ فَيَكْفِي فِيهِ الْإِشْهَادُ عَلَى وَصْفِنَا . 33683 - وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّ الْأَبَ إِذَا أَشْهَدَ ، وَأَعْلَنَ الشَّهَادَةَ بِمَا يُعْطِيهِ لِابْنِهِ فِي صِحَّتِهِ ، فَقَدْ نَفَذَ ذَلِكَ لِلِابْنِ مَا كَانَ صَغِيرًا . 33684 - وَحِيَازَةُ الْأَبِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَحِيَازَتِهِ لَهُ مَا يُعْطِيهِ غَيْرُهُ لِابْنِهِ النَّاظِرِ لَهُ ، وَلَا يَرْهَنُ عَطِيَّتَهُ لَهُ فِي صِحَّتِهِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا ، وَلَا سُكْنَاهُ ، وَلَا لِبَاسَهُ ، كَمَا لَا يَضُرُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا سَكَنَ بَعْدَ السَّنَةِ ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ رُجُوعًا فِيمَا أَعْطَى ، كَمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا بَعْدَ السَّنَةِ ، وَمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ عُثْمَانَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 33685 - وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ; فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . 33686 - وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا فِي ظَرْفٍ ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ أَوْ خَاتَمِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلِابْنِ كَمَا لَوْ جَعَلَهَا لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ . 33687 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَأَشْهَبَ . 33688 - وَبِهِ كَانَ أَبُو عُمَرَ - أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ - شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ يُفْتِي . 33689 - وَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْأَبُ عَنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ - يَحُوزُهَا لِلِابْنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ خَاتَمُهُ عَلَيْهَا . 33690 - وَبِهَذَا كَانَ يَقْضِي الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، مُحَمَّدُ بْنُ يَبْقَى بْنِ زَرْبٍ . 33691 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ التَّبَاعُدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ . 33692 - وَاخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ مِنَ الْغَنَمِ ، وَغَيْرِهَا يَهَبُهَا الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ : 33693 - فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ . 33694 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ . 33695 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَحُوزُ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ إِلَّا مَا يَهَبُهُ مَبْرُوزًا مَقْسُومًا . 33696 - قَالَ : وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ ، وَأَصْبَغُ . 33697 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ حَدِيثِ عُثْمَانَ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ ، وَهُوَ الْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ . 33698 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ غَيْرُ أَبِيهِ ، وَمَنْ يَقُومُ لَهُ فِي الْحِيَازَةِ مَقَامَ أَبِيهِ فِيمَا يُعْطِيهِ : 33699 - فَرَوَى يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الْأُمَّ لَا تَحُوزُ مَا يُعْطَى ابْنُهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ وَصِيَّةً ، قَالَ : وَلَا يَحُوزُ لِلطِّفْلِ إِلَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ إِنْكَاحُهُ ، وَالْمُبَارَاةُ عَلَيْهِ ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لَهُ . 33700 - قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ : تَحُوزُ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا مَا تَهَبُ لَهُمْ ، وَكَذَلِكَ الْجَدَّةُ ، وَالْأَجْدَادُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَ عَلَيْهِ . 33701 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا تَحُوزُ الْأُمُّ مَا يُوهَبُ لِوَلَدِهَا . 33702 - وَقَالَ أَشْهَبُ : تَحُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِهِبَةٍ ، يَمْضِي مَعَهُمْ إِلَى الْكِتَابِ ، وَلَا يَحُوزُ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْوَصِيُّ عِنْدَهُمْ يَحُوزُ مَا يُوهَبُ لِلْيَتِيمِ فِي حِجْرِهِ . 33703 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْجِدُّ عِنْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ فِيمَا يَهَبُهُ لِلْأَطْفَالِ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ ، يَحُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الْقَبْضِ لِأَنْفُسِهِمْ . 33704 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الْأُمَّ كَالْأَبِ فِيمَا تَهَبُ لِابْنِهَا الْيَتِيمِ فِي حِجْرِهَا عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا مَعْلُومًا إِذَا أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ جَازَ ، وَلَمْ تَرْجِعْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ تَقْبِضُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْئًا يَصِحُّ قَبْضُهُ ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَضَ لِلْيَتِيمِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّينَ مَا أَعْطَى الْيَتِيمَ . 33705 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا عَنْهُمْ قَالَ : وَلِلْأَبِ أَنْ يَقْبِضَ مَا يَهَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مِمَّا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْآبَاءِ إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ وَقَبْضُهُ مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ إِشْهَادُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، وَإِعْلَانُهُ بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّنَ ، وَعَلَى أَهْلِهِ الطَّيِّبِينَ ، وَسَلَّمْ تَسْلِيمًا .
( 2 ) بَابُ جَوَازِ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمُصَابِ وَالسَّفِيهِ 1464 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ أَخْبَرَهُ ; أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا ، لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ ، وَهُوَ ذُو مَالٍ ، وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إِلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَلْيُوصِ لَهَا ، قَالَ : فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ : بِئْرُ جُشَمٍ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ : فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا ، هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَّقِيِّ . 1465 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ; أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ فُلَانًا يَمُوتُ ، أَفَيُوصِي ؟ قَالَ : فَلْيُوصِ . قَالَ : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ ، أَوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً . قَالَ : فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ . فَبَاعَهَا أَهْلُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . 33305 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ ، أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ ، فَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ فُلَانَا يَمُوتُ ، قَالَ : مُرُوهُ فَلْيُوصِ . فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ ، قَالَ : فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا . 33306 - قَالَ : وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ ، أَوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً . 33307 - هَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . 33308 - وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، مِثْلَهُ . 33309 - وَسُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُرَيْحٍ ، قَالَ : مَنْ أَوْصَى مِنْ صَغِيرٍ ، أَوْ كَبِيرٍ ، فَأَصَابَ الْحَقَّ ، فَاللَّهُ قَضَاهُ عَلَى لِسَانِهِ ، لَيْسَ لِلْحَقِّ مَدْفَعٌ . 33310 - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ . 33311 - قَالَ سُفْيَانُ : وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أبي لَيْلَى : لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ . 33312 - قَالَ : وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : أَنَا لَا أُجِيزُ صَدَقَتَهُ ، فَكَيْفَ أُجِيزُ وَصِيَّتَهُ ؟ ! .
33313 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا; أَنَّ الضَّعِيفَ فِي عَقْلِهِ ، وَالسَّفِيهَ ، وَالْمُصَابَ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا ، تَجُوزُ وَصَايَاهُمْ ، إِذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا يَعْرِفُونَ مَا يُوصُونَ بِهِ ، فأما من ليس معه من عقله ما يعرف بذلك ما يوصي به ، وَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ . 33314 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا وَصِيَّةُ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ مَا أَوْصَى بِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، فَوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ مَاضِيَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَلَا حَدَّ عِنْدَهُمْ فِي صِغَرِهِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَا يَأْتِي بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَأَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ . 33315 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا أَوْصَى فِي وَسَطِ مَا يَحْتَلِمُ لَهُ الْغِلْمَانُ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ . 33316 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ . 33317 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَمْ أَجِدْ لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ذَكَرَهُ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ . 33318 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : كَقَوْلِ مَالِكٍ . ( وَالثَّانِي ) : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 33319 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ ، وَلَا عِتْقُهُ ، وَلَا يُقْبَضُ مِنْهُ فِي جِنَايَةٍ وَلَا يُحَدُّ بِهِ فِي قَذْفٍ ، فَلَيْسَ كَالْبَالِغِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ وَصِيَّتُهُ . 33320 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ وَصِيَّةَ الْبَالِغِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يَعْقِلُ مِنَ الصِّبْيَانِ مَا يُوصِي بِهِ ، فَحَالُهُ حَالُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ . 33321 - وَعِلَّةُ الْحَجْرِ تَبْدِيدُ الْمَالِ وَإِتْلَافُهُ ، وَتِلْكَ عِلَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَنْهُ بِالْمَوْتِ ، وَهُوَ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَعَ الْأَثَرِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 33322 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 33323 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْبَالِغِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ مَضَى قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مُوَطَّئِهِ . 33324 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : إِنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَأَوْصَى بِوَصَايَا فَذَلِكَ جَائِزٌ . 33325 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ - وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - : وَالْقِيَاسُ فِي وَصَايَا الْغُلَامِ الَّذِي قَدْ بَلَغَ ، وَهُوَ مُفْسِدٌ ، غَيْرُ مُصْلِحٍ أَنَّهَا بَاطِلٌ ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فِي وَصَايَاهُ إِذَا وَافَقَ الْحَقَّ فِيهَا ، وَلَمْ يَأْتِ سَرَفًا أَنَّهَا تَجُوزُ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَمَا تَجُوزُ مِنْ ثُلُثِ غَيْرِهِ . 33326 - وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ : تَجُوزُ وَصِيَّةُ كُلِّ مَنْ عَقَلَ الْوَصِيَّةَ مِنْ بَالِغٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَغَيْرِ مَحْجُورٍ . 33327 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا مُنِعَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ; لِمَا يُخَافُ مِنْ إِفْسَادِ مَالِهِ احْتِيَاطًا عَلَيْهِ ، فَإِذَا صَارَ فِي حَالِ الْمَوْتِ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
33410 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، وَيَقُولُ : غُلَامِي يَخْدِمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ ، فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، قَالَ : فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ ، ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ ، يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ ، وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ ، إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ ، بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ ، عَتَقَ الْعَبْدُ . 33411 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَا زَادَ مِنَ الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ . 33412 - وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ ، وَغَلَّةِ الْبَسَاتِينِ ، وَسُكْنَى الْمَسَاكِينِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ : 33413 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا الْحَسَنِ قَاضِيَا الْبَصْرَةِ : الْوَصِيَّةُ بِسُكْنَى الدَّارِ ، وَغَلَّةِ الْبَسَاتِينِ فِيمَا يُسْتَأْذَنُ ، وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ . وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ . 33414 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ : الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ ذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ . 33415 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَنَافِعٌ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ ، لَمْ يَمْلِكْهَا الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ . 33416 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ وَمَاتَ ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلٌ . 33417 - وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، وَهِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَمْلِكُ الْمُؤَاجِرُ بِهَا الْبَدَلَ مِنْ مَنَافِعِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ; لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ عَلَى مِلْكِهِ كُلُّ مَا يَطْرَأُ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا دَامَ الْأَصْلُ فِي مِلْكِهِ ، وَكَانَ حَيًّا ، وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِمَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ . 33418 - وَأَمَّا الْأَوْقَافُ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَجَازَتْهَا بِخُرُوجِ مِلْكِ أَصْلِهَا عَنِ الْمُوقِفِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيَتَحَرَّى عَلَيْهَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ ، وَلَيْسَتِ الْمَنَافِعُ فِيهَا طَارِئَةً عَلَى مِلْكِ الْمُوقِفِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَمْلِكَ الْمَيِّتُ شَيْئًا . 33419 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ أُصُولَ الْأَوْقَافِ عَلَى مِلْكِ الْمُوقِفِ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَنْقَطِعُ عَمَلُ الْمَرْءِ بَعْدَهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا صَدَقَةً يَجْرِي عَلَيْهِ نَفْعُهَا . 33420 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الثَّوَابَ ، وَالْأَجْرَ الَّذِي يَنَالُهُ الْمَيِّتُ فِيمَا يُوقِفُهُ مِنْ أُصُولِ مَالِهِ إِنَّمَا كَانَ; لِأَنَّ أَصْلَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ كَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ، فَعَمِلَ بِهَا غَيْرُهُ . 33421 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أبي لَيْلَى : مَنْ أَوْصَى بِفَرْعِ شَيْءٍ وَلَمْ يُوصِ بِأَصْلِهِ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 33422 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ .
33423 - قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ ، فَيَقُولُ : لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ : قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ ، وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَسِّمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ ، فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِيهِ إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ . 33424 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِمَالِكٍ ، وَأَصْحَابُهَا يَدْعُونَهَا مَسْأَلَةَ خَلْعِ الثُّلُثِ . 33425 - وَخَالَفَهُمْ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَنْكَرُوهَا عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . 33426 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِمَوْتِ الْمُوصِي ، وَقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي . 33427 - وَإِذَا صَحَّ مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ لِلشَّيْءِ الْمُوصَى بِهِ ، فَكَيْفَ تَجُوزُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ بِثُلُثٍ لَا يَبْلُغُ إِلَّا مَعْرِفَتَهُ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ . 33428 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْبِيَاعَاتُ وَالْمُعَاوَضَاتُ فِي الْمَجْهُولَاتِ . 33429 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِلْكُ مَالِكٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ مَا قَدْ مَلَكَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي ، وَقَبُولِهِ لَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . 33430 - وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الثُّلُثَ مَوْضِعٌ لِلْوَصَايَا ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُخْرِجُوا مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ خُيِّرُوا بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا لِلْمُوَصَّى لَهُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ لَهُمْ ، أَوْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ ثُلُثَ الْمَيِّتِ ، كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَالْعَبْدُ قِيمَتُهُ أَلْفٌ كَانَ سَيِّدُهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ ، فَلَا يَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى الْعَبْدِ سَبِيلٌ ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَبْدَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَضْعَافَ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ . 33431 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ الْوَرَثَةَ إِذَا ادَّعَوْا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُوصَى بِهِ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ كُلِّفُوا بَيَانَ ذَلِكَ ، فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ ، وَكَانَ كَمَا ذَكَرُوا أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ مِنَ الْمُوصِي لَهُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَكَانَ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِذَلِكَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ أُجْبِرُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
( 3 ) بَابُ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى 1466 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ; أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا» فَقُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : «لَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، إِلَّا أُجِرْتَ ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ» قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا ، إِلَّا ازْدَدتَّ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» . 33328 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ ، فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ . 33329 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ . 33330 - وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ . 33331 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِهِ مِنَ الْعَطَايَا الْمُقْبِلَةِ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ : 33332 - فَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَيُعْتِقُ ، وَيَهَبُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْهُ كُلَّهَا فِي ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا . 33333 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ : أَفَأُوصِي ؟ وَإِنَّمَا قَالَ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِلَّا الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 33334 - وَابْنُ شِهَابٍ حَافِظٌ غَيْرُ مُدَافَعٍ فِي حِفْظِهِ . 33335 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33336 - وَقَدْ قَالَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ : أَفَأُوصِي . 33337 - وَكَذَلِكَ قَالَ : مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَفَأُوصِي ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ سَوَاءً . 33338 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ إِذَا قُبِضَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ . 33339 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَدَاوُدُ . 33340 - وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، فَقَالُوا : هِبَةُ الْمَرِيضِ ، قُبِضَتْ ، أَوْ لَمْ تُقْبَضْ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا . 33341 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 33342 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً; فَأَمْضَى لَهُ مِنْ مَالِهِ ثُلُثَهُ ، وَرَدَّ سَائِرَ مَالِهِ مِيرَاثًا . 33343 - وَهَذَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 33344 - وَأَجْمَعُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا مَاتَ عَنْ بَنِينَ ، أَوْ عَنْ كَلَالَةٍ تَرِثُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ . 33345 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَنِينَ ، وَلَا عَصَبَةً . 33346 - فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . 33347 - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلُهُ . 33348 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدَةَ ، وَمَسْرُوقٍ . 33349 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ . 33350 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 33351 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعُبَيْدَةَ ، وَمَسْرُوقٍ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33352 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَشَرِيكٌ الْقَاضِي : إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ . 33353 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَنِ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ ، وَمَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ ، وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . 33354 - وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، كَانَ لَهُ بَنُونَ أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً ، أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ . 33355 - وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ . 33356 - وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . 33357 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا يُصْرَفُ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا اسْتَحَقَّهُ الرَّجُلُ وَابْنُهُ ، وَلَا مَنْ يُحْجَبُ مَعَ مَنْ يَحْجُبُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَرَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَالِحِهِمْ . 33358 - وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ . 33359 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ ، وَالْحِجَازِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالشَّامِ . 33360 - وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ ، فَلَمْ يُجِيزُوا الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، وَقَالُوا : لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لِلْمُوصِي ذَلِكَ ، وَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوا الْمُوصَى لَهُ مِنْ فَرَائِضِهِمْ ، وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءُوا . 33361 - وَكَرِهَ الْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ فِي الثُّلُثِ لِمَنْ يَرِثُهُ ذُرِّيَّتُهُ ، وَاسْتَحَبَّتْ مِنْهُمُ جَمَاعَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْخُمُسِ . 33362 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : رَضِيتُ فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ . يَعْنِي مِنَ الْغَنِيمَةِ . 33363 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ ، وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . 33364 - وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 33365 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَعْرِفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٍ ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ . 33366 - وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ ; لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . 33367 - رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ فِيهَا لِينٌ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي «التَّمْهِيدِ» . 33368 - مِنْهَا مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 33369 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو هَذَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ . 33370 - وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ غَضَّ النَّاسُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فِي الْوَصِيَّةِ ، لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ; لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ . 33371 - قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : أَرْضَى فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخُمُسِ . 33372 - قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي خُمُسَ الْفَيْءِ; لِقَوْلِهِ : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية . 33373 - وَقَالَ قَتَادَةُ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ ، وَالرُّبُعُ قَصْدٌ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . 33374 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : الثُّلُثُ جَهْدٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ . 33375 - وَقَالَ قَتَادَةُ : أَوْصَى عُمَرُ بِالرُّبُعِ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . 33376 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانَ الْخُمُسُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ ، وَالرُّبُعُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ . 33377 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33378 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ ، وَسَائِرِ الْجِلَّةِ لِلْمَرِيضِ . 33379 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا يَزْكُو مِنْهَا إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا . 33380 - وَفِيهِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْبَنِينِ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ، وَأَنَّ تَرْكَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ إِذَا كَانَ فَضْلًا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ . 33381 - وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ : «أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي» ، فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَأُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُتَصَدِّقِينَ مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ . قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا وَإِشْفَاقًا مِنْ بَقَائِهِ فِي مَوْضِعٍ قَدْ هَجَرَهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . 33382 - وَأَمَّا جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى كَلَامِهِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ; لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، وَلَكِنَّ مَنْ خُلِّفَ ، وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَقَعَتْ بِهِ دَرَجَتُهُ . 33383 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، فَهَذَا مِنْ ظُنُونِهِ الصَّادِقَةِ الَّتِي كَانَ كَثِيرًا مِنْهَا يَقِينًا ، فَقَدْ خُلِّفَ سَعْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ ، وَهَلَكَ بِهِ آخَرُونَ . 33384 - رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِسَعْدٍ : وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ؟» فَقَالَ : أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ ، فَأَضَرَّ بِهِمْ ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ ، فَتَابُوا ، فَانْتَفَعُوا . 33385 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّرَهُ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى حَرْبِ الْقَادِسِيَّةِ ، وَعَمَّرَ سَعْدٌ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسً وَأَرْبَعِونَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ . 33386 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، فَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ لَهُمْ فِي أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ هِجْرَتَهُمْ سَالِمَةً مِنْ آفَاتِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِجْرَتِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى هِجْرَتِهِمْ تِلْكَ ، وَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعُودُوا كَالْأَعْرَابِ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ; لِأَنَّ الْأَعْرَابَ لَمْ يُتَعَبَّدُوا بِالْهِجْرَةِ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى وَطَنِهِ . 33387 - وَلَمْ تَكُنِ الْهِجْرَةُ مُقْتَصَرَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطَنِ ، وَتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ ، إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَاتَّبَعُوهُ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْغَايَةُ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ خَاصَّةٌ افْتُرِضَتِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضُ فِيهَا الْبَقَاءُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ اسْتَقَرَّ ، وَالتَّحَوُّلُ مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّلَ لِنُصْرَتِهِ ، وَمُؤَازَرَتِهِ ، وَصُحْبَتِهِ ، وَالْحِفْظِ لِمَا يَشْرَعُهُ ، وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ . 33388 - وَلَمْ يُرَخَّصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ ، وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ; لِأَنَّ هِجْرَةَ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ كَانَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنُ أَنْ يَهْجُرَ دَارَ الْكُفْرِ; لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الشَّيْطَانِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هِجْرَتِهِ هَذِهِ حَالَةَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إِذَا عَادَتْ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ . 33389 - وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الْمَمَاتِ ، وَهُمُ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ . 33390 - أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرْخَصُ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ وَحَجِّهِ . 33391 - رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . 33392 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، قَالَ : خَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا ، وَقَالَ لَهُ : ( إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا ) . قَالَ سُفْيَانُ : لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . 33393 - وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 33394 - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ : «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا» ; لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . 33395 - وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الْمُقَامِ وَالْجِوَارِ بِمَكَّةَ ; فَقَالَ : أَمَّا الْمُهَاجِرُ فَلَا يُقِيمُ بِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ خَشْيَةَ أَنْ يَكْثُرَ النَّاسُ بِهَا ، فَتَغْلُوا أَسْعَارُ أَهْلِهَا . 33396 - وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَخَافُ ، أَوْ قَالَ : إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا » ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 33397 - وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا هِجْرَةَ تُبْتَدَأُ بَعْدَ الْفَتْحِ مُفْتَرَضَةٌ لَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ . 33398 - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ كُلِّهَا ، وَفِي بَعْضِهَا : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ ، فَانْفِرُوا ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . 33399 - وَقَالَ لِبَعْضِهِمْ إِذْ سَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ : «أَقِمِ الصَّلَاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَاجْتَنِبْ مَا نَهَاكَ عَنْهُ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ» . 333400 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضَةُ الْبَاقِيَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ; إِلَّا أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِهِجْرَتِهِمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَدِينَةِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ أَبَدًا . 33401 - أَلَا تَرَى أَنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لَا يَطُوفُونَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إِلَّا وَرَوَاحِلُهُمْ قَدْ رُحِّلَتْ . 33402 - وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ صلى الله عليه وسلم حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِ ، فَافْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ 33403 - وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ . 33404 - وَفِيهِ : لَكِنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ الْبَائِسَ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي قَدْ هَاجَرَ مِنْهَا . 33405 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : « يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ » مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ صَحِيحٌ . 33406 - وَمَعْلُومٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ : «الْبَائِسَ» إِنَّمَا كَانَ رُثِيَ بِذَلِكَ لِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ ، وَاخْتَارَ التَّوَدُّدَ بِهَا حَتَّى أَدْرَكَتْهُ فِيهَا مَنِيَّتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33407 - وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 33408 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، قَالَ : تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 33409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ بَدْرِيٌّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
1103 ( 10 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَمَّةِ 1053 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ كَانَ قَدِيمًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ مِرْسَى ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمَّا صَلَّى الظَّهْرَ ، قَالَ : يَا يَرْفَأُ . هَلُمَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ - لِكِتَابٍ كَتَبَهُ فِي شَأْنِ الْعَمَّةِ - فَنَسْأَلُ عَنْهَا وَنَسْتَخْبِرُ فِيهَا ، فَأَتَاهُ بِهِ يَرْفَأُ ، فَدَعَا بِتَوْرٍ أَوْ قَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ ، فَمَحَا ذَلِكَ الْكِتَابَ فِيهِ . ثُمَّ قَالَ : لَوْ رَضِيَكَ اللَّهُ وِرَاثَةً أَقَرَّكَ ، لَوْ رَضِيَكَ اللَّهُ أَقَرَّكَ . 1054 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيرًا يَقُولُ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ . 22818 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ ، ثُمَّ الْخَلَفُ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُمْ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَرَابَةِ الْمَيِّتِ وَلَيْسَ بِعَصَبَةٍ . 22819 - فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَوْرِيثِ الْعَمَّةِ ، وَالْخَالِ ، وَالْخَالَةِ ، وَبِنْتِ الْأُخْتِ ، وَبِنْتِ الِابْنَةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا فَرْضَ لَهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا هُمْ عَصَبَةٌ . 22820 - وَأَبَى ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا ، مَا لَهُمْ فِي الْعَمَّةِ ، خَاصَّةً ، مِنَ الِاخْتِلَافِ ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لَمْ يَتَضَمَّنْ غَيْرَهَا ، وَنُؤَخِّرُ الْقَوْلَ فِي سَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِلَى بَابِ مِنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 22821 - أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَرَوَوْا عَنْ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْعَمَّةِ مَا أَرْسَلَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ . 22822 - وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ . 22823 - وَمِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّا رَوَاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَا : 22824 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّاشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَارِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ رَجُلًا هَلَكَ ، وَتَرَكَ عَمَّةً وَخَالَةً ، انْطَلِقْ تُقَسِّمْ مِيرَاثَهُمْ ، فَتَبِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حِمَارٍ ، فَقَالَ : يَا رَبُّ : رَجُلٌ تَرَكَ عَمَّةً وَخَالَةً ، ثُمَّ سَارَ هُنَيْهَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَبُّ : رَجُلٌ تَرَكَ عَمَّةً وَخَالَةً ثُمَّ قَالَ لَا أَرَى لَهُمَا شَيْئًا . 22825 - قَالَ يَزِيدُ : وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُحَبَّرِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 22826 - وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ عُمَرِ خِلَافَ مَا رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ . 22827 - وَكَذَلِكَ رِوَايَتُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ ذَلِكَ أَيْضًا . 22828 - فَمِنْ ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَيَّاشُ بِمِصْرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ أَبُو غَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى لِلْعَمَّةِ بِثُلُثَيِ الْمِيرَاثِ وَلِلْخَالَةِ بِالثُّلُثِ . 22829 - قَالَ : وحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ عُمَرَ قَضَى لِلْعَمَّةِ الثُّلُثَيْنِ ، وَلِلْخَالَةِ الثُّلُثَ . 22830 - قَالَ : وحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أُتِيَ زِيَادٌ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ عَمَّةً ، وَخَالَةً ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ كَيْفَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيهَا ؟ فَقَالُوا : لَا . قَالَ زَيْدٌ : وَاللَّهِ إِنِّي لِأَعْلَمُ النَّاسِ بِقَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِيهَا ، جَعَلَ الْعَمَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، وَالْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ، فَأَعْطَى الْعَمَّةَ الثُّلُثَيْنِ ، وَالْخَالَةَ الثُّلُثَ . 22830 م - وَرَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، ذَكَرَهُ يَزِيدُ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْعَمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَبٌ ، وَالْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أُمٌّ . 22831 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَمَّةِ ، وَالْخَالَةِ : الثُّلُثَانِ لِلْعَمَّةِ ، وَالثُّلُثُ لِلْخَالَةِ . 22831 م - وَرَوَى سُفْيَانُ ، عَنْ عُمَرِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ . 22832 - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَإِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ . 22832 م - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ . 22833 - وَقَدْ رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ بِنِصْفَيْنِ . 22834 - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ أَعْطَى الْعَمَّةَ الْمَالَ كُلَّهُ بِالْفَرْضِ ، وَالرَّدِّ ، وَقَالَ : هَكَذَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ . 22835 - وَرَوَى الْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عُمَرَ : أَنَّهُ أَعْطَى الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ الثُّلُثَ . 22836 - وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ وَرَّثَ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَسَمَهُ لَهُمَا .
22790 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ؛ أَنَّ الْكَلَالَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ : فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا 4 وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ قَالَ مَالِكٌ : فَهَذِهِ الْكَلَالَةُ الَّتِي لَا يَرِثُ فِيهَا الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ حَتَّى لَا يَكُونَ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 22791 - قَالَ مَالِكٌ : فَهَذِهِ الْكَلَالَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْإِخْوَةُ عَصَبَةً ، إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، فَيَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ فِي الْكَلَالَةِ . 22792 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ هُنَا ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، فَيَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ وَلَمْ يَقُلْ : وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، وَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ : إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، فَيَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ ؛ لِأَنَّهُ وَغَيْرَهُ وَكُلَّ مِنْ تَكَلُّمٍ فِي الْفَرَائِضِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَخٌ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مَعَ الْوَالِدِ كَمَا لَا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ ، وَهَذَا أَصْلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ . 22793 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ لَا مَعَ الْأَبِ عَلَى حَسَبِ مَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ ، فِي بَابِ مِيرَاثِ الْجَدِّ . 22794 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ مُوَطَّئِهِ : إنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ وَلَا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ شَيْئًا ، وَلَا مَعَ الْأَبِ دِنْيَا شَيْئًا . 22795 - وَبِهَذَا اسْتَغْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ يَذْكُرَ الْوَالِدَ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لَا يَرِثُونَ إلا مَنْ يُورَثُ كَلَالَةً ، ولا يورث كلاله إِلَّا مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ أَنَّ الْكَلَالَةَ : مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ . 22796 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْكَلَالَةَ فِي كِتَابِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا وَارِثًا غَيْرَ الْإِخْوَةِ . 22797 - فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي صَدْرِ سُورَةِ النِّسَاءِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ 22798 - فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، عُنِيَ بِهِمُ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَوْ لِلْأَبِ لَيْسَ مِيرَاثُهُمْ هَكَذَا . 22799 - وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ إِلَى قَوْلِهِ 4 وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ 22800 - فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ لَيْسَ هَكَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - جَعَلَ جَمَاعَةَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ شُرَكَاءَ فِي الثُّلُثِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ ، وَعَلِمَ الْجَمِيعُ بِذَلِكَ ، أَنَّ الْإِخْوَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، أَوْ لِأَبِيهِ ، وَدَلَّتِ الْآيَتَانِ جَمِيعًا أَنَّ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ كَلَالَةٌ . 22801 - وَإِذَا كَانَ الْإِخْوَةُ كَلَالَةً فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُمْ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ كَلَالَةً وَكُلُّ مَنْ لَا يَرِثُهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ فَقَدْ يُورَثُ كَلَالَةً . 22802 - قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْكَلَالَةِ ، وَصَارَ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ مَا خَلَا الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ .
22803 - قَالَ مَالِكٌ : فَالْجَدُّ يَرِثُ مَعَ الْإِخْوَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَرِثُ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى السُّدُسَ وَالْإِخْوَةُ لَا يَرِثُونَ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى شَيْئًا . وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ ، وَهُوَ يَأْخُذُ السُّدُسَ مَعَ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى ؟ فَكَيْفَ لَا يَأْخُذُ الثُّلُثَ مَعَ الْإِخْوَةِ ، وَبَنُو الْأُمِّ يَأْخُذُونَ مَعَهُمُ الثُّلُثَ ؟ فَالْجَدُّ هُوَ الَّذِي حَجَبَ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ وَمَنَعَهُمْ مَكَانُهُ الْمِيرَاثَ ، فَهُوَ أَوْلَى بِالَّذِي كَانَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ سَقَطُوا مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَوْ أَنَّ الْجَدَّ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ الثُّلُثَ ، أَخْذَهُ بَنُو الْأُمِّ ، فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَكَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ هُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ الثُّلُثِ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَكَانَ الْجَدُّ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ . 22804 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُرِدْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ خَاصَّةً مَعَ الْجَدِّ ، بَلْ أَرَادَ بِذَلِكَ جَمِيعَ الْإِخْوَةِ الَّذِينَ يَكُونُونَ عَصَبَةً لِلْأَبِ كَانُوا أَوْ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَيْسَ عَلَى مَذْهَبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَهُمْ فِي امْرَأَةٍ هَلَكَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا ، وَأُمَّهَا ، وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا ، وَإِخْوَتَهَا لِأَبِيهَا ، وَجَدَّهَا . 22805 - فَقَالَ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَجَعْلَ لِلْجَدِّ مَا بَقِيَ ، وَهُوَ الثُّلُثُ . 22806 - قَالَ : لِأَنَّ الْجَدَّ يَقُولُ : لَوْ لَمْ أَكُنْ أَنَا ، كَانَ لِلْإِخْوَةِ مَا بَقِيَ ، وَلَمْ يَأْخُذِ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ شَيْئًا ، فَلَمَّا حَجَبْتُ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ عَنْهُمْ ، كُنْتُ أَنَا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ . 22807 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فِي امْرَأَةٍ هَلَكَتْ ، وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا ، وَأُمَّهَا ، وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا ، وَإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا ، وَجَدَّهَا ، قَالَ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ . 22808 - وَيَحْيَى عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي سِتَّةِ إِخْوَةٍ مُعْتَرِفِينَ ؛ اثْنَانِ لِأَبٍ ، وَاثْنَانِ لِأُمٍّ ، وَاثْنَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَزَوْجٍ ، وَجَدٍّ ، يَكُونُ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ ، وَيَشْتَرِكُ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فِي السُّدُسِ ، وَيَسْقُطُ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ . 22809 - وَعَلَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، الْمَعْرُوفُ أَنَّ السُّدُسَ الْبَاقِيَ لِلْأَخَوَيْنِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، لِأَنَّ الْجَدَّ حَجَبَ الْأَخَوَيْنِ لِلْأُمِّ ، فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا فِي الْفَرِيضَةِ . 22810 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي الْجَدِّ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْإِخْوَةِ . 22811 - وَمَا احْتَجَّ بِهِ فَعَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ . 22812 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْجَدِّ قَوْلَ مَنْ حَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ وَقَوْلَ مَنْ قَاسَمَهُمْ بِهِ إِلَى الثُّلُثِ . 22813 - وَبِهِ احْتَجَّ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 22814 - وَذَكَرْنَا قَوْلَ عَلِيٍّ فِي مُقَاسَمَتِهِ لِلْجَدِّ بِهِمْ إِلَى السُّدُسِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . 22815 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ جَعَلَ الْأَخَ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ ، وَحَجَبَ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ بَلْ هُمْ عَلَى أَنَّ الْجَدَّ أَوْلَى مِنْهُمْ ، مُجْتَمِعُونَ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا مِنْ أُصُولِهِمْ . 22816 - وَذَكَرْنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ إِلَّا فِرْقَةً مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ ، فَإِنَّهُمْ حَجَبُوا الْجَدَّ بِالْأَخِ ، وَرَوَوْا فِيهِ عَنْ عُمَرَ شَيْئًا لَا يَصِحُّ ، وَشَذُّوا عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَالَفُوا سَبِيلَهُمْ ، فَلَمْ يَنْشَغِلْ بِهِمْ . 22817 - وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَالِكٍ - رَحْمَهُ اللَّهِ - عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا يُرْوَى عَنْ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ .
1101 ( 9 ) بَابُ مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ 1052 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْكَلَالَةِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ آخِرَ سُورَةِ النِّسَاءِ . 22768 - هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى إِرْسَالِهِ ، مِنْهُمُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ ، وَأَبُو عُفَيْرٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، كُلُّهُمْ رَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ : عَنْ أَبِيهِ . 22769 - وَوَصَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، فَقَالَا فِيهِ : عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ . 22770 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ : إِنَّ عُمَرَ سَأَلَ حَفْصَةَ أَنْ تَسْأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْكَلَالَةِ ، فَأَمْهَلَتْهُ حَتَّى إِذَا لَبِسَ ثِيَابَهُ ، سَأَلَتْهُ ، فَأَمْلَاهَا عَلَيْهَا فِي كَتِفٍ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وَقَالَ : مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا ؟ أَعُمَرُ ؟ مَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَفْهَمُهَا ، أَوَلَمْ تَكْفِيهِ آيَةُ الصَّيْفِ ؟ فَأَتَتْ حَفْصَةُ عُمَرَ بِالْكَتِفِ فَقَرَأَهُ ، فَلَمَّا بَلَغَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 4 . رَمَى بِالْكَتِفِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ مَنْ بَيَّنْتَ لَهُ فَلَمْ تُبَيِّنْ لِي . 22771 - قَالَ سُفْيَانُ : وَآيَةُ الصَّيْفِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ 22772 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : لَأَنْ أَكُونَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْكَلَالَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ . 22773 - قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ فِيهِ خَبَرٌ فِي الْكِتَابِ ، أَوْ عَنِ الرَّسُولِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ السَّائِلَ عَلَيْهِ ، وَيَكِلَ فَهْمَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، إِذَا كَانَ السَّائِلُ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ . 22774 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ عُمُومِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ . 22775 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْكَلَالَةِ ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُورَثُ كَلالَةً 22776 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْكَلَالَةُ صِفَةٌ لِلْوِرَاثَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، سُمِّيَتْ تِلْكَ الْوِرَاثَةُ كَلَالَةً . 22777 - وَمَنْ قَالَ بِهَذَا جَعَلَ كَلَالَةً نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : يُورَثُ وِرَاثَةً ، أَيْ يُورَثُ بِالْوِرَاثَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا : كَلَالَةً ، كَمَا تَقُولُ : قُتَلَ غِيلَةً ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً . 22778 - وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ تَكَلَّلَة النَّسَبُ : أَيْ أَحَاطَ بِهِ . 22779 - وَقَالَ آخَرُونَ : الْكَلَالَةُ صِفَةٌ لِلْوَرَثَةِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ سُمِّيَتِ الْوَرَثَةُ كَلَالَةً . 22780 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً ، وَكَانَ لَا وَلَدَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ . 22781 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : يُورِثُ كَلَالَةً ، بِكَسْرِ الرَّاءِ . 22782 - قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَنْ قَرَأَ يُورَثُ كَلَالَةً ، فَهُمُ الْعَصَبَةُ ، الرِّجَالُ الْوَرَثَةُ . 22783 - وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ أَنَّ الْكَلَالَةَ صِفَةٌ لِلْمَيِّتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، سُمِّي الْمَيِّتُ كَلَالَةً ، إِنْ كَانَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ ، كَمَا يَقال : رَجُلٌ صَرُورَةٌ وَامْرَأَةٌ صَرُورَةٌ ، فِيمَنْ لَمْ يَحُجَّ ، وَمِثْلُهُ رَجُلٌ عَقِيمٌ ، وَامْرَأَةٌ عَقِيمٌ . 22784 - وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَفْسِيرِ الْكَلَالَةِ : الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ . 22785 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 22786 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ خَاصَّةً . 22787 - وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ عَنْهُ ، وَعَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ . 22788 - وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولِيِّ ، قَالَ : أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ الْكَلَالَةَ : مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ . 22789 - وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْكَلَالَةِ أَنَّهُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ فَقَطْ ، وَأَنَّهُ وَرَّثَ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ مَنْ كَانُوا مَعَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي أَنَّ الْجَدَّاتِ تُحْجَبُ بِهَا الْإِخْوَةُ ، وَأَنَّ الْأُمَّ لَا يَحْجُبُهَا عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا ، فَجِيءَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا فِي امْرَأَةٍ خَلَّفَتْ مِنَ الْوَرَثَةِ زَوْجًا ، وَأَبَوَيْنِ ، وَأَخَوَيْنِ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثَ ، وَلِلْأَبِ السُّدُسَ ، وَيَسْقُطُ الْإِخْوَةُ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَحْجُبُهُ الْبَنُونَ عَنِ السُّدُسِ فَكَيْفَ يَحْجُبُهُ عَنْهُ الْإِخْوَةُ ؟ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِيهِ .
1098 ( 8 ) بَابُ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ 1049 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا . فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ . فَقَالَ : الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ ، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا . فَقَالَ لَهَا : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنُكُمَا وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . 1050 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ : أَتَتِ الْجَدَّتَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ السُّدُسَ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَمَّا إِنَّكَ تَتْرُكُ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَهُوَ حَيٌّ كَانَ إِيَّاهَا يَرِثُ . فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا . 22698 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَقَدْ خُولِفَ مَالِكٌ فِي عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، فَقَالَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ : إِنَّمَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي خَرَشَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ . 22699 - وَمَا أَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُشْتَهِرًا بِالرِّوَايَةِ لِلْعِلْمِ . 22700 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي سَمَاعِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ . 22701 - وَقَبِيصَةُ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ وُلِدَ فِي أَوَّلِ عَامِ الْهِجْرَةِ ، وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ . 22702 - وَذَكَرْنَا أَبَاهُ ذُؤَيْبًا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . 22703 - وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ : أَبُو أُوَيْسٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ . 22704 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ قَبِيصَةَ ، لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَ ابْنِ شِهَابٍ وَبَيْنَ قَبِيصَةَ أَحَدًا . 22705 - وَرَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ : يُونُسُ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ . 22706 - وَالْقَوْلُ عِنْدِي قَوْلُ مَالِكٍ وَمِنْ تَابَعَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا مَا قَصَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُمْ . 22707 - وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَجَوَّدَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ فَقَالَ مَرَّةً : حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ ، وَقَالَا مَرَّةً : حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ أَوْ أُمُّ الْأَبِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنَ ابْنِي ، أَوِ ابِنَ ابْنَتِي مَاتَ وَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ لِي فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقًّا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ حَقٍّ ، وَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِشَيْءٍ ، وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ ، قَالَ : فَسَأَلَ ، فَشَهِدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، قَالَ : وَمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَكَ ؟ قَالَ : ابْنُ مَسْلَمَةَ ، قَالَ : فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ جَاءَتِ الَّتِي تُخَالِفُهَا إِلَى عُمَرَ : قَالَ سُفْيَانُ : وَزَادَنِي فِيهِ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَكِنْ حَفِظْتُهُ عَنْ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَإِنَّهُ لَكُمَا ، أَوْ أَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . 22708 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : أَتَتِ الْجَدَّتَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ فَإِنَّهُ عَني أُمَّ الْأُمِّ وَأُمَّ الْأَبِ ، وَهُمَا اللَّتَانِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَوْرِيثِهِمَا . 22709 - رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ جَدَّتَانِ ، فَأَعْطَى الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ السُّدُسَ ، دُونَ أُمِّ الْأَبِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا - : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَعْطَيْتَ الَّتِي لَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا ، وَتَرَكْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا ، فَجَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَهُمَا . 22710 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّاتِ عَلَى مَا نُورِدُهُ هَاهُنَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ .
22737 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ؛ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ ، لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ دِنْيَا ، شَيْئًا ، وَهِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرَضُ لَهَا السُّدُسُ ، فَرِيضَةً وَأَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأَبِ ، لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ ، وَلَا مَعَ الْأَبِ شَيْئًا وَهِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرِضُ لَهَا السُّدُسُ فَرِيضَةً ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْجَدَّتَانِ ، أُمَّ الْأَبِ ، وَأُمَّ الْأُمِّ ، وَلَيْسَ لِلْمُتَوَفَّى دُونَهُمَا أَبٌ وَلَا أُمٌّ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ أُمَّ الْأُمِّ ، إِنْ كَانَتْ أَقْعَدَهُمَا ، كَانَ لَهَا السُّدُسُ ، دُونَ أُمِّ الْأَبِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْأَبِ أَقَعَدَهُمَا ، أَوْ كَانَتَا فِي الْقُعْدَدِ مِنَ الْمُتَوَفَّى ، بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ ، فَإِنَّ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ . 22738 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنَ الْجَدَّاتِ إِلَّا لِلْجَدَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ الْجَدَّةَ ، ثُمَّ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ ذَلِكَ ، حَتَّى أَتَاهُ الثَّبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ وَرَّثَ الْجَدَّةَ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا ، ثُمَّ أَتَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهَا : مَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا ، فَهُوَ بَيْنُكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . 22739 - قَالَ مَالِكٌ : ثُمَّ لَمْ نَعْلَمُ أَحَدًا وَرَّثَ غَيْرَ جَدَّتَيْنِ . مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْيَوْمِ . 22740 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . وَفِي كِتَابِ الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَيْضًا . 22741 - وَفِيمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا كِفَايَةٌ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 22742 - وَأَمَّا قَوْلُ زَيْدٍ : لَا تَرِثِ جَدَّةٌ وَابْنُهَا حَيٌّ ، فَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَدَّاشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُتْبَانَ مَالِكُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَجْعَلْ لِلْجَدَّةِ شَيْئًا مَعَ ابْنِهَا . 22743 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرَوَى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ عَنْ زَيْدٍ مِثْلَهُ سَوَاءً . 22744 - وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا ، فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُونَ : لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ مَعَ ابْنِهَا ، يَعْنُونَ أَنَّها لَا تَرِثُ أُمُّ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ . 22745 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ . 22746 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . 22747 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْجَدَّ لَمَّا كَانَ مَحْجُوبًا بِالْأَبِ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَدَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا أَحَدُ أَبَوَيِ الْمَيِّتِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْجُبَهَا الْأَبُ ، كَمَا حَجَبَ الْجَدَّ ، وَوَجَبَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ أُمُّ أُمٍّ لَمْ تَرِثْ مَعَ الْأُمِّ ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ أُمُّ أَبٍ ، لَا تَرِثُ مَعَ الْأَبِ . 22748 - وَوَجْهٌ آخَرُ : لَمَّا كَانَ ابْنُ الْأَخِ لَا يَرِثُ مَعَ الْأَخِ ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُدْلِي ، وَلَا يَرِثُ ابْنُ الْعَمِّ مَعَ الْعَمِّ ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُدْلِي ، وَجَبَ أَنْ لَا تَرِثَ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهَا بِهِ تُدْلِي . 22749 - وَأَمَّا دَاوُدُ فَحُجَّتُهُ : أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِهَا لَمْ تَرِثْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجِبْ عِنْدَهُ مِيرَاثٌ إِلَّا بِنَصِّ آيَةٍ ، أَوْ نَصِّ سُنَّةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ . 22750 - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ مَا هُوَ فِي بَابِ الْمُنَازَعَةِ مِثْلُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ قَرِيبٍ ذِي نَسَبٍ يَجِبُ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ إِلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا مَطْعَنَ فِيهَا ، أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْأُمَّةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعُ قَرِيبٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ مِيرَاثِ قَرِيبِهِ إِلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ . 22751 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالدِّينِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ النَّسَبِ . 22752 - وَقَالَ آخَرُونَ : تَرِثُ الْجَدَّةُ مَعَ ابْنِهَا . 22753 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ . 22754 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ . 22755 - وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَشَرِيكٍ الْقَاضِي ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرِيِّ . 22756 - وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الثَّوْرِيِّ : وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُهَا مَعَ ابْنِهَا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُهَا . 22757 - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُدُسًا : جَدَّةٌ مَعَ ابْنِهَا ، وَابْنُهَا حَيٌّ . 22758 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجَدَّةُ - أَرَادَ أُمَّ الْأُمِّ - وَهُوَ خَالُ الْمَيِّتِ . 22759 - فَإِنْ قِيلَ : رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : وَرَّثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَدَّةً مَعَ ابْنِهَا . وَقِيلَ لَهُ : وَهَذَا مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ . 22760 - فَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا أُمُّ أَبٍ فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا وَصَفْنَا . إِلَّا أَنَّ لَهُمْ قِيَاسًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ ، وَهُمْ يَرِثُونَ مَعَهَا . 22761 - وَكَذَلِكَ الْجَدَّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ ، وَتَرِثُ مَعَهُ . 22762 - وَوَجْهٌ آخَرُ : أَنَّ الْأُمَّ ، وَأُمَّ الْأُمِّ لَا يُحْجَبَانِ بِالذُّكُورِ . 22763 - وَكَذَلِكَ أُمُّ الْأَبِ لَا تُحْجَبُ بِابْنِهَا ، وَإِنَّمَا تَحْجُبُ الْجَدَّاتِ الْأُمَّهَاتُ وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ ابْنِهَا لَا يَزِيدُ فِي فَرْضِهَا لَمْ يَحْجُبْهَا . 22764 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ عَنْهُمْ أَثْبَتُ . 22765 - ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَجِدْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يُورِّثُ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ . 22766 - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ بَسَّامٍ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ مَعَ ابْنِهَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ . 22767 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُوَرِّثِ الْجَدَّةَ إِذَا كَانَ ابْنُهَا حَيًّا ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ .
1100 1051 - ذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ ، كَانَ لَا يَفْرِضُ إِلَّا لِلْجَدَّتَيْنِ . 22711 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَطَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ هُرْمُزَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . 22712 - وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُوَتِرُ بِرَكْعَةٍ ، فَعَابَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : أَتَعِيبُنِي أَنْ أُوتِرَ بِرَكْعَةٍ ، وَأَنْتَ تُورِثُ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : سَأَلَتُ مَالِكًا عَنِ الْجَدَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَرِثَانِ وَالثَّالِثَةِ الَّتِي تَطْرَحُ وَأُمَّهَاتُهَا ، فَقَالَ : اللَّتَانِ تَرِثَانِ ، أَمُّ الْأُمِّ ، وَأُمُّ الْأَبِ ، وَأُمَّهَاتُهُمَا إِذَا لَمْ يَكُونَا ، وَالثَّالِثَةُ الَّتِي تَطْرَحُ أُمُّ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ ، وَأُمَّهَاتُهَا ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : فَأَمَّا أُمُّ أَبِ الْأُمِّ فَلَا تَرِثُ شَيْئًا . 22713 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَذْهَبُونَ إِلَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّاتِ . 22714 - وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ : تَرِثُ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ ، وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ أَيَّتُهُمَا كَانَتْ أَخَذَتِ السُّدُسَ ، فَإِنِ اجْتَمَعَتَا فَالسُّدُسُ بَيْنَهَمَا ، وَلَا شَيْءَ لِلْجَدَّاتِ غَيْرَ السُّدُسِ إِذَا اسْتَوِيَنَ فِي الْعُقُودِ ، قَالَ : فَإِنْ قَرُبَتِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَانَ السُّدُسُ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِنْ قَرُبَتِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ كَانَ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا ، وَبَيْنَ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَإِنْ قُعْدِدَتْ . 22715 - هَذِهِ رِوَايَةُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 22716 - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ : أَيَّتُهُمَا كَانَتْ أَقْرَبُ ، فَالسُّدُسُ لَهَا . 22717 - وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْجَدَّاتِ كَقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُ الَّتِي كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَلَا يُشَرِّكُ مَعَهَا أَحَدًا لَيْسَ فِي قُعْدَدِهَا . 22718 - وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 22719 - وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُوَرِّثُ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ ، وَلَا يُوَرِّثُ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ : وَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَاثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ . 22720 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . 22721 - وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ ؛ اثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ . 22722 - حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ : قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ فَذَكَرَهُ . 22723 - وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَانَ يُوَرِّثُ الْجَدَّاتِ الْأَرْبَعَ : أُمَّ الْأُمِّ وَأُمَّهَا وَإِنْ عَلَتْ ، وَأُمَّ الْأَبِ وَأُمَّهَا وَإِنْ عَلَتْ . وَأُمَّ أَبِي الْأُمِّ وَأُمَّهَا ، وَأُمَّ أَبِي الْأَبِ وَأُمَّهَا . 22724 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . 22725 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . 22726 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : تَرِثُ الْجَدَّاتُ الْأَرْبَعُ ، قَرُبْنَ أَوْ بَعُدْنَ . 22727 - وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : تَرِثُ الْجَدَّاتُ الْأَرْبَعُ . وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يُوَرِّثَانِ أَرْبَعَ جَدَّاتٍ . وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُشَرِّكُ بَيْنَ الْجَدَّاتِ فِي السُّدُسِ دُنْيَاهُنَّ وَقُصْوَاهُنَّ مَا لَمْ تَكُنْ جَدَّةً أُمَّ جَدَّةٍ أَوْ جَدَّتَهَا ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، وَرَّثَ بَيْنَهُمَا مَعَ سَائِرِ الْجَدَّاتِ ، وَأَسْقَطَ أُمَّهَا أَوْ جَدَّتَهَا . 22728 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسْقِطُ الْقُصْوَى بِالدُّنْيَا إِذَا كَانَتْ مِنْ جَدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ أَبٍ ، وَأُمَّ أَبٍ ، فَيُوَرِّثُ أُمَّ الْأَبِ أَبٍ ، وَيُسْقِطُ أُمَّ أَبِي الْأَبِ . 22729 - فَكَانَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ يَخْتَارُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيُقَوِّيهَا . 22730 - وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يُوَرِّثُ الْجَدَّةَ أُمِّ أَبِي الْأَبِ مَعَ مَنْ يُحَاذِيهَا مِنَ الْجَدَّاتِ ، وَتَابِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . 22731 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ شَاذٌّ : أَنَّ الْجَدَّةَ كَالْأُمِّ إِذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ . 22732 - وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا تَرِثَ جَدَّةٌ ثُلُثًا ، وَلَوْ كَانَتْ كَالْأُمِّ ، وَرِثَتِ الثُّلُثَ ، وَأَظُنُّ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَاسَهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِّ لَمَّا جَعَلَهُ أَبًا ، ظَنَّ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْجَدَّةَ أُمًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 22733 - وَأَمَّا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ؛ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إِلَّا جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا تَرِثُ الْجَدَّةُ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ عَلَى حَالٍ ، وَلَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ أَحَدٌ مِنْ جَدَّاتِهِ ، وَلَا تَرِثُ جَدَّةٌ وَابْنُهَا حَيٌّ ، يَعْنِي الِابْنَ الَّذِي يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمِيرَاثِ ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ جَدَّةً أُمَّ عَمٍّ لِأَبٍ ، فَلَا يَحْجُبُهَا هَذَا الِابْنُ عَنِ الْمِيرَاثِ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ الْجَدَّاتِ مَعَ الْأُمِّ . 22734 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يُوَرِّثُ إِلَّا جَدَّتَيْنِ ؛ أُمَّ أُمٍّ ، وَأُمَّ أَبٍ ، وَأُمَّهَاتِهِمَا ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ . 22735 - وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ؛ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مَعَهُمْ . 22736 - وَمَذْهَبُ زَيْدٍ قَدْ جَوَّدَهُ مَالِكٌ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ .
( 11 ) بَابُ مِيرَاثِ وِلَايَةِ الْعَصَبَةِ . 22837 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ، فِي وِلَايَةِ الْعَصَبَةِ ، أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْأَخِ لِلْأَبِ . وَالْأَخُ لِلْأَبِ ، أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ . وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَوْلَى مَنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ ، وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ ، أَوْلَى مَنْ بَنِي ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَبَنُو ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ ، أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ ، وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ ، أَوْلَى مِنْ بَنِي الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ . وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الْأَبِ أَخِي أَبِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ . 22838 - قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ شَيْءٍ سُئِلْتَ عَنْهُ مِنْ مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ ، فَإِنَّهُ عَلَى نَحْوِ هَذَا : انْسُبِ الْمُتَوَفَّى وَمَنْ يُنَازِعُ فِي وِلَايَتِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ ، فَإِنْ وَجَدْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَلْقَى الْمُتَوَفَّى إِلَى أَبٍ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبٍ دُونَهُ ، فَاجْعَلْ مِيرَاثَهُ لِلَّذِي يَلْقَاهُ إِلَى الْأَبِ الْأَدْنَى ، دُونَ مَنْ يَلْقَاهُ إِلَى فَوْقِ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَجَدْتَهُمْ كُلَّهَمْ يَلْقَوْنَهُ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمْ جَمِيعًا ، فَانْظُرْ أَقْعَدَهُمْ فِي النَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبٍ فَقَطْ ، فَاجْعَلِ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ الْأَطْرَفِ ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبٍ وَأُمٍّ ، وَإِنْ وَجَدَتْهُمْ مُسْتَوِينَ ، يَنْتَسِبُونَ مِنْ عَدَدِ الْآبَاءِ إِلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ ، حَتَّى يَلْقَوْا نَسَبَ الْمُتَوَفَّى جَمِيعًا ، وَكَانُوا كُلُّهُمْ جَمِيعًا بَنِي أَبٍ ، أَوْ بَنِي أَبٍ وَأُمٍّ . فَاجْعَلِ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ سَوَاءً . وَإِنْ كَانَ وَالِدُ بَعْضِهِمْ أَخَا وَالِدِ الْمُتَوَفَّى لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ أَخُو أَبِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ فَقَطْ ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لِبَنِي أَخِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، دُونَ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَأَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ بِالْمِيرَاثِ . وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي . 22839 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ . وَأَهْلُ الْفَرَائِضِ ، لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ إِذَا اجْتَمَعَا فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ لِلْمُتَوَفَّى إِذَا أَدْلَى بِأُمٍّ مَعَ أَبٍ يَحْجُبُ الَّذِي فِي مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْقَرَابَةِ إِذَا لَمْ يُدْلِ إِلَّا بِأَبٍ دُونَ أُمٍّ . 22840 - وَهَذَا الْبَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ يُسَمَّى بَابَ الْحَجْبِ . 22841 - قَالُوا : الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ يَحْجُبُ ابْنَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْجُبُ ابْنَ الْأَخِ لِأَبٍ ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ يَحْجُبُ ابْنَ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ . 22842 - وَهَكَذَا سَبِيلُ الْعَصِبَاتِ مِنَ الْإِخْوَةِ ، وَبَنِيهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَامُ ، وَبَنُوهُمُ الْأَقْرَبُ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ ، فَإِذَا اسْتَوَوْا حَجَبَ الشَّقِيقُ مَنْ كَانَ لِأَبٍ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْلَى بِأُمٍّ زَادَ بِهَا قُرْبَى فِي الْقَرَابَةِ . 22843 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ . 22844 - وَإِنْ كَانَ أَحَدُ ابْنَيِ الْعَمِّ أَخًا لِأُمٍّ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : 22845 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخُ الْأُمِّ الْمَالَ كُلَّهُ سُدُسٌ مِنْهُ بِالْفَرِيضَةِ ، وَالْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْلَى بِقَرَابَتَيْنِ . 22846 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ . 22847 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ . 22848 - ( وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ) أَنَّ لِلْأَخِ السُّدُسَ فَرِيضَةً ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ لِأُمٍّ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ فَرْضَهُ بِالْقُرْآنِ وَسَاوَى ابْنَ عَمِّهِ بِالتَّعْصِيبِ . 22849 - وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ . 22850 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . 22851 - ذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ : أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي عُمَرَ ثَلَاثَةً : 22852 - ( أَحَدُهُمْ ) : أَخٌ لِأُمٍّ ، فَأَعْطَى الْمَالَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَا كَانَ إِلَّا عَالِمًا ، وَلَوْ أَعْطَى الْأَخَ مِنَ الْأُمِّ السُّدُسَ ، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُ . 22853 - قَالَ سُفْيَانُ : لَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 22854 - وَلَا خِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ ، وَالَّذِينَ لِلْأَبِ يَحْجُبُونَ الْأَعْمَامَ مَنْ كَانُوا ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ بَنُو أَبِ الْمُتَوَفَّى ، وَالْأَعْمَامُ بَنُو جَدِّهِ ، فَهُمْ أَقْرَبُ مِنَ الْأَعْمَامِ إِلَى الْمَيِّتِ . 22855 - وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ : يَحْجُبُ أَيْ يَمْنَعُهُ الْمِيرَاثَ ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ دُونَهُ ، فَالْأَبُ يَحْجُبُ أَبَوَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُمَا لِلْمُتَوَفَّى ، وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ بِهِ يُدْلُونَ إِلَى الْمَيِّتِ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ . 22856 - وَإِذَا حَجَبَ الْإِخْوَةُ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَحْجُبَ الْأَعْمَامَ كُلَّهُمْ ، وَبَنِيهِمْ . 22857 - وَالِابْنُ يَحْجُبُ مَنْ تَحْتَهُ مِنَ الْبَنِينَ ذُكُورِهُمْ وَإِنَاثِهُمْ ، وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ ذُكُورَهُمْ ، وَإِنَاثَهُمْ ، وَيَحْجُبُ الْأَعْمَامَ بَنُوهُمْ . 22858 - وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الْجَدِّ ، وَحُكْمُهُ مَعَ الْبَنِينَ ، وَبَنِي الْبَنِينَ ، وَمَعَ الْإِخْوَةِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعِ ، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . 22859 - وَالْأَبُ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْأَجْدَادِ بِإِجْمَاعٍ كَمَا يَحْجُبُ الْأَبُ الْأَعْمَامَ ، وَبَنِيهِمْ بِإِجْمَاعٍ ؛ لِأَنَّهُمْ بِهِ يُدْلُونَ إِلَى الْمَيِّتِ وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ بِإِجْمَاعٍ ، وَيَحْجُبُ بَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَبَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَبَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ بِإِجْمَاعٍ . 22860 - وَالْبَنَاتُ ، وَبَنَاتُ الْبَنِينَ يَحْجُبْنَ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأُمِّ . 22861 - وَقَدْ مَضَى فِي بَابِهِمْ ذِكْرُ كُلِّ مَنْ يَحْجُبُهُمْ أَيْضًا ، وَالْأُمُّ تَحْجُبُ الْجَدَّاتِ كُلَّهُنَّ مِنْ قِبَلِهَا ، وَمِنْ قِبَلِ الْأَبِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي الْجَدَّةِ ، هَلْ تَرِثُ مَعَ ابْنِهَا ؟ 22862 - وَمَذْهَبُ زَيْدٍ ، وَالْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْأَبَ لَا يَحْجُبُ مِنَ الْجَدَّاتِ إِلَّا مَنْ كَانَ بِسَبَبِهِ . 22863 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْجَدَّةِ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 22864 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي ، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُونَهُ فِي ذَلِكَ ، وَالْجَدُّ عِنْدَهُمْ أَوْلَى بِالْوَلَاءِ كَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالْمِيرَاثِ ، وَيَأْتِي بَابُ ( الْوَلَاءِ ) فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِتْقِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ .
1096 1047 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَضَ لِلْجَدِّ ، الَّذِي يَفْرِضُ النَّاسَ لَهُ الْيَوْمَ . 1048 - مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ ، الثُّلُثَ . 22646 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ؛ أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ ، لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ دِنْيَا شَيْئًا ، وَهُوَ يُفْرَضُ لَهُ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ ، وَمَعَ ابْنِ الِابْنِ الذَّكَرِ ، السُّدُسُ فَرِيضَةً ، وَهُوَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ، مَا لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى أُمًّا أَوْ أُخْتًا لِأَبِيهِ ، يُبْدَأُ بِأَحَدٍ إِنْ شَرَّكَهُ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ ، فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ؛ فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ فُرِضَ لِلْجَدِّ السُّدُسُ فَرِيضَةً . 22647 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَدُّ ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، إِذَا شَرَّكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ ، يُبْدَأُ بِمَنْ شَرَّكَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ . فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ . فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ ، أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِحَظِّ الْجَدِّ ، أُعْطِيَهُ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ لَهُ وَلِلْإِخْوَةِ ، أَوْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مِنَ الْإِخْوَةِ ، فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ وَلَهُمْ ، يُقَاسِمُهُمْ بِمِثْلِ حِصَّةِ أَحَدِهِمْ ، أَوِ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ . أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلُ لِحَظِّ الْجَدِّ ، أُعْطِيَهُ الْجَدُّ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ ، تَكُونُ قِسْمَتُهُمْ فِيهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَتِلْكَ الْفَرِيضَةُ : امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ ، وَتَرَكْتَ زَوْجَهَا ، وَأُمَّهَا ، وَأُخْتَهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا ، وَجَدَّهَا ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ وَالْأَبِ النِّصْفُ ، ثُمَّ يُجْمَعُ سُدُسُ الْجَدِّ ، وَنِصْفُ الْأُخْتِ ، فَيُقَسَّمُ أَثْلَاثًا ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَيَكُونُ لِلْجَدِّ ثُلُثَاهُ وَلِلْأُخْتِ ثُلُثُهُ . 22648 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، كَمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، سَوَاءٌ ، ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ ، وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ . فَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ ، فَإِنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، يُعَادُّونَ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهِمْ لِأَبِيهِمْ ، فَيَمْنَعُونَهُ بِهِمْ كَثْرَةِ الْمِيرَاثِ بِعَدَدِهِمْ وَلَا يُعَادُّونَهُ بِالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْجَدِّ غَيْرُهُمْ لَمْ يَرْثُوا مَعَهُ شَيْئًا ، وَكَانَ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ . فَمَا حَصَلَ لِلْإِخْوَةِ مِنْ بَعْدِ حَظِّ الْجَدِّ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ . دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَلَا يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَهُمْ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ امْرَأَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً ، فَإِنَّهَا تُعَادُّ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا مَا كَانُوا فَمَا حَصَلَ لَهُمْ وَلَهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا دُونَهُمْ ، مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ فَرِيضَتَهَا ، وَفَرِيضَتُهَا النِّصْفُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ . فَإِنْ كَانَ فِيمَا يُحَازُ لَهَا وَلِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَهُوَ لِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ . 22649 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِّيقَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَأَبَا مُوسَى كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْجَدَّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ كَالْأَبِ سَوَاءٌ ، وَيَحْجُبُونَ بِهِ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ ، وَلَا يُورِثُونَ أَحَدًا سِوَى الْإِخْوَةِ شَيْئًا مَعَ الْجَدِّ . 22650 - وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . 22651 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا قَالَا بِذَلِكَ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْهُ . 22652 - رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : كَتَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ : أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ يَجْعَلُ الْجَدَّ أَبًا ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كُنْتُ أَتَّخِذُ خَلِيلًا ، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا . 22653 - وَحُجَّةُ مَنْ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَبٍ . 22654 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ كَالْأَبِ فِي الشَّهَادَةِ لِابْنِ ابْنِهِ ، وَكَالْأَبِ فِيمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ جَدِّهِ ، كَمَا لَا يَقْتَصُّ لَهُ مِنْ أَبِيهِ ؛ وَلِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ مَعَ الْأَبِ الذَّكَرِ ، وَهُوَ عَاصِبٌ ، وَذُو فَرْضٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ ، وَغَيْرِ الْأَبِ . 22655 - وَلِمَا كَانَ ابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ كَانَ كَذَلِكَ أَبُو الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ كَذَلِكَ . 22656 - وَاتَّفَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ . 22657 - فَمَذْهَبُ زَيْدٍ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ . 22658 - وَأَمَّا عَلِيٌّ ، فَكَانَ يُشَرِّكُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْجَدِّ ، إِلَّا السُّدُسَ يَجْعَلُهُ كَأَحَدِهِمْ ، وَإِذَا كَانَ السُّدُسُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ أَعْطَاهُ السُّدُسَ ، وَإِذَا كَانَتِ الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ السُّدُسِ أَعْطَاهُ السُّدُسَ بَعْدَ أَخْذِ كُلِّ ذِي فَرْضٍ فَرْضَهُ ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَرِيضَةِ ذُو فَرْضٍ غَيْرُ الْإِخْوَةِ ، وَالْجَدِّ لَا يُنْقَصُ أَبَدًا مِنَ السُّدُسِ شَيْئًا ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ السُّدُسِ مَعَ ذَوِي الْفُرُوضِ ذَا فَرْضٍ ، وَعَاصِبًا وَمَعَ الْإِخْوَةِ أَخَا ، إِلَّا أَنْ تَنْقُصُهُ الْمُقَاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ ، فَلَا يَنْقُصُهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَا يَزِيدُهُ مَعَ الْوَالِدِ الذَّكَرِ شَيْئًا عَلَى السُّدُسِ ، وَلَا يَنْقُصُهُ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ غَيْرِهِمْ . 22659 - وَإِذَا كَانَتْ أُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأَخٌ لِأَبٍ ، وَجَدٌّ ، أَعْطَى الْأُخْتَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفَ فَرِيضَتَهَا ، وَقَسَّمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ الْأَخِ ، وَالْجَدِّ ، فَإِنْ كَانَ أَخٌ لِأُمٍّ وَأَخٌ لِأَبٍ ، أَوْ إِخْوَةٌ لِأُمٍّ وَأَبٍ ، أَوْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْإِخْوَةِ ، وَلِمَ يُعَادِّيهِمُ الْجَدَّ ، وَقَاسَمَ بِهِمُ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ . 22660 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ قَوْلِهِ فِي الْجَدِّ ، وَفِي مُعَادَّاتِهِ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَقُولُ بِرَأْيِي كَمَا تَقُولُ بِرَأْيِكَ . 22661 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْفَرَدَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بِقَوْلِهِ فِي مُعَادَّاتِهِ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، ثُمَّ يَصِيرُ مَا وَقَعَ لَهُمْ فِي الْمُقَاسَمَةِ إِلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ فِيهِ ، قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ فِي الْفَرَائِضِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ لَا يَرْثُونَ شَيْئًا مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، فَلَا مَعْنَى لِإِدْخَالِهِمْ مَعَهُمْ ، وَهُمْ لَا يَرِثُونَ ؛ لِأَنَّهُ خيف عَلَى الْجَدِّ فِي الْمُقَاسَمَةِ . 22662 - وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الْجَدِّ خَاصَّةً : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُئِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 22663 - وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى قَوْلِ زَيْدٍ فِي مَنْعِهِ مِنْ تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَفِي الرَّدِّ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ ، وَفِي قَوْلِهِ ، ثُلُثُ الْمَالِ بَعْدَ ذَوِي الْفُرُوضِ ، وَالْعَصَبَاتِ وَالْمَوَالِي أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا إِلَّا مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي أَبْوَابِهِ بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 22664 - وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجَدِّ : الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ ، وَالْفِقْهِ . 22665 - وَمِنْ حُجَّةٍ مِنْ وَرَّثَ الْأَخَ مَعَ الْجَدِّ أَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ مِنَ الْجَدِّ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ أَبُو أَبِي الْمَيِّتِ ، وَالْأَخُ ابْنُ أَبِي الْمَيِّتِ . 22666 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِابْنَ أَقْرَبُ مِنَ الْأَبِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ يُدْلِي بِالْأَبْعَدِ أَحَقُّ ، وَأَوْلَى ، فَكَيْفَ مَنْ يُدْلِي بِالْأَقْرَبِ ، هَذَا مُحَالٌ . 22667 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ ابْنَ الْأَخِ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ ، وَهُوَ يُدْلِي بِالْأَخِ ، وَالْعَمُّ يُدْلِي بِالْجَدِّ ، فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْجَدَّ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْأَخِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 22668 - وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُقَاسَمَةِ الْجَدِّ الْإِخْوَةَ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِيهِ . 22668 م - وَرُوِيَ عَنْهُ مثل قَوْلُ زَيْدٍ أَنَّهُ قَاسَمَ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ إِلَى الثُّلُثِ ، فَإِنْ نَقَصَتْهُ الْمُقَاسَمَةُ مِنَ الثُّلُثِ فَرَضَ لَهُ الثُّلُثَ عَلَى حَسَبِ قَوْلِ زَيْدٍ . 22669 - وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ . 22670 - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ الرِّوَايَاتِ فِي الْإِشْرَافِ . وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَقْوَالًا لِلصَّحَابَةِ شَاذَّةٌ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا هَاهُنَا . 22671 - وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ الَّتِي ذَكَّرَهَا مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْفَرْضِيِّينَ بِالْأَكْدَرِيَّةِ ، وَهِيَ : زَوْجٌ ، وَأَمٌّ ، وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، أَوْ لِأَبٍ ، وَجَدٌّ . 22672 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهَا . 22673 - فَكَانَ عُمَرُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخْتُ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ . 22674 - وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَيْضًا : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، مِمَّا بَقِيَ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ عَالَتِ الْفَرِيضَةُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ . 22675 - وَكَانَ عَلِيٌّ ، وَزَيْدٌ يَقُولَانِ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَالْفَرِيضَةُ مِنْ سِتَّةٍ عَالَتْ إِلَى تِسْعَةٍ ، إِلَّا أَنَّ زَيْدًا يَجْمَعُ سَهْمَ الْأُخْتِ ، وَالْجَدِّ ، وَهِيَ سَبْعَةٌ ، فَيَجْعَلُهَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ : سَهْمَانِ لِلْجَدِّ ، وَسَهْمٌ لِلْأُخْتِ ، عَمَلُهَا أَنْ تَضْرِبَ ثَلَاثَةً فِي تِسْعَةٍ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ : لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةِ تِسْعَةٌ ، وَلِلْأُمِّ سَهْمَانِ فِي ثَلَاثَةِ سِتَّةٌ ، وَتَبَقَّى اثْنَا عَشَرَ : لِلْأُخْتِ ثُلُثُهَا أَرْبَعٌ ، لِلْجَدِّ ثُلُثَاهَا ثَمَانِيَةٌ . 22676 - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : سَأَلْتُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ ، وَكَانَ مَنْ أَعْلَمِهِمْ بِقَوْلِ زَيْدٍ فِيهَا - يَعْنِي الْأَكْدَرِيَّةَ - فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا فَعَلَ زَيْدٌ هَذَا قَطُّ يَعْنِي أَنَّ أَصْحَابَهُ قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ . 22677 - وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ الْفَارِضُ : لَمْ يَصِحَّ عَنْ زَيْدٍ مَا ذَكَرُوا - يَعْنِي فِي الْأَكْدَرِيَّةِ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَتَسْقُطُ الْأُخْتُ كَمَا يَسْقُطُ الْأَخُ لَوْ كَانَ مَكَانَهَا ؛ لَأَنَّ الْأَخَ وَالْأُخْتَ سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ فِي قَوْلِ زَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ عَصَبَةٌ مَعَ الْجَدِّ ، يُقَاسِمَانِهِ . 22678 - وَاخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِتَسْمِيَةِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ بِالْأَكْدَرِيَّةِ : 22679 - فَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتُكَدِّرِ قَوْلِ زَيْدٍ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرِضْ لِلْأُخْتِ مَعَ الْجَدِّ ، وَفَرَضَ لَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 22680 - وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ سَأَلَ عَنْهَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْأَكْدَرُ ، فَأَخْطَأَ فِيهَا ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ . 22681 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : قُلْتُ لِلْأَعْمَشِ : لِمَ سُمِّيَتِ الْأَكْدَرِيَّةُ ؟ قَالَ : طَرَحَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الْأَكْدَرُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْفَرَائِضِ فَأَخْطَأَ فِيهَا ، فَسَمَّاهَا الْأَكْدَرِيَّةَ . 22682 - وَقَالَ وَكِيعٌ : وَكُنَّا نَسْمَعُ قَبْلَ هَذَا أَنَّهَا سُمِّيَتِ الْأَكْدَرِيَّةُ ، لِأَنَّ قَوْلِ زَيْدٍ تَكَدَّرَ فِيهَا ، لَمْ يَقِسْ قَوْلَهُ . 22683 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُعَادَّاةِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَلِلْأُمِّ مَعَ الْجَدِّ ، بِالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ثُمَّ انْفِرَادِهِمْ بِالْمِيرَاثِ دُونَهُمْ . فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ زَيْدٍ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ . 22684 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فِي ذَلِكَ فَإِجْمَاعٌ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَعَ الْجَدِّ . 22685 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْأُخْوَةِ لِلْأُمِّ . 22686 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ أَنَّهَا تُعَادُّ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا ، فَإِنْ حَصَلَ لَهَا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ النِّصْفُ ، فَهُوَ لَهَا دُونَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ ، فَالْفَضْلُ عَلَى النِّصْفِ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفَ فَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدٍ . 22687 - وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَفْرِضُ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِي لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ مَا لَمْ تَنْقُصْهُ الْمُقَاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ ، فَإِنْ نَقَصَتْهُ فُرِضَ لَهُ السُّدُسُ ، وَفَضَلَ الْبَاقِي لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ . 22688 - وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَأَسْقَطَ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْجَدِّ ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي أُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأُخْتٍ لِأُمٍّ وَجَدٍّ : الْمَالُ بَيْنَ الْأُخْتِ ، وَالْجَدِّ نِصْفَيْنِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ . 22689 - وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ : مَسْرُوقٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْكُوفَةِ . 22690 - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ : أُمٌّ ، وَأُخْتٌ ، وَجَدٌّ . 22691 - وَاخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ - ( رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - ) عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ : 22692 - ( أَحَدُهَا ) : مَنْ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمْ أَعْطَوُا الْأُمَّ الثُّلُثَ ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ ، وَحَجَبُوا الْأُخْتَ بِالْجَدِّ ، كَمَا تُحْجَبُ بِالْأَبِ . 22693 - ( وَالثَّانِي ) : قَوْلُ عَلِيٍّ ، قَالَ : لِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْجَدِّ . 22694 - ( وَالثَّالِثُ ) : قَوْلُ عُثْمَانَ ، جَعَلَهَا أَثْلَاثًا : لِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأُخْتِ الثُّلُثُ ، وَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ . 22695 - ( وَالرَّابِعُ ) : قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَالْجَدِّ الثُّلُثُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَكَانَ يَقُولُ : مَعَاذَ اللَّهُ أَنَّ أُفَضِّلَ أُمًّا عَلَى جَدٍّ . 22696 - ( وَالْخَامِسُ ) : قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : لِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَمَا بَقِيَ لِلْجَدِّ ، وَالْأُخْتِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . 22697 - وَهَذِهِ الْفَرِيضَةُ تُدْعَى الْخَرْقَاءُ .
1095 ( 7 ) بَابُ مِيرَاثِ الْجَدِّ 1046 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْجَدِّ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنِ الْجَدِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَقْضِي فِيهِ إِلَّا الْأُمَرَاءُ ، يَعْنِي الْخُلَفَاءَ ، وَقَدْ حَضَرْتُ الْخَلِيفَتَيْنِ قَبْلَكَ يُعْطِيَانِهِ النِّصْفَ مَعَ الْأَخِ الْوَاحِدِ . وَالثُّلُثَ مَعَ الِاثْنَيْنِ . فَإِنْ كَثُرَتِ الْإِخْوَةُ ، لَمْ يُنْقِصُوهُ مِنَ الثُّلُثِ . 22640 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنَ الْعِلْمِ فَضْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِمَامَتِهِ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ ، وَأَنَّهُ كَانَ الْمَسْئُولَ عَمَّا أَشْكَلَ مِنْهَا ، وَالْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ مِنَ الْآفَاقِ فِيهَا لِعِلْمِهِ بِهَا ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَ يُفْزَعُ إِلَى أَهْلِهَا مِنَ الْآفَاقِ فِي الْعِلْمِ . 22641 - وَعَلَى مَذْهَبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الْفَرَائِضِ رَسَمَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِتَابَهُ هَذَا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ . 22642 - وَكَانَ الْقَائِمُ بِمَذْهَبِ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ ابْنُهُ خَارِجَةُ ، ثُمَّ أَبُو الزِّنَادِ ثُمَّ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٌ ، وَجَمَاعَةُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَذْهَبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ . 22643 - وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبُلْدَانِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ . 22644 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَعْدُ شَيْئًا مِنْهُ . 22645 - وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيَذْهَبُونَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فِي فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ لَا يَعْدُونَهُ إِلَّا بِالْيَسِيرِ النَّادِرِ ، كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْحِجَازِ بِمَذْهَبِ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ ، وَمَنْ خَالَفَ زَيْدًا مِنَ الْحِجَازِيِّينَ أَوْ خَالَفَ عَلِيًّا مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ فَقِليلَ ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَرْوِيهِ مِمَّا يَلْزَمُ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ ، وَالْجُمْلَةُ مَا وَصَفْتُ لَكَ .
( 12 ) بَابُ مِنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ 22865 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ ، وَالْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ ، وَالْعَمَّ أَخَا الْأَبِ لِلْأُمِّ ، وَالْخَالَ وَالْجَدَّةَ أُمَّ أَبِي الْأُمِّ ، وَابْنَةَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْعَمَّةَ ، وَالْخَالَةَ ؛ لَا يَرِثُونَ بِأَرْحَامِهِمْ شَيْئًا . 22866 - قَالَ : وَإِنَّهُ لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ ، هِيَ أَبْعَدُ نَسَبًا مِنَ الْمُتَوَفَّى ، مِمَّنْ سُمِّيَ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، بِرَحِمِهَا شَيْئًا ، وَإِنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ شَيْئًا ، إِلَّا حَيْثُ سُمِّينَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ : مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا ، وَمِيرَاثَ الْبَنَاتِ مِنْ أَبِيهِنَّ ، وَمِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ ، وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ . وَوَرِثَتِ الْجَدَّةُ بِالَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا . وَالْمَرْأَةُ تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَتْ هِيَ نَفْسُهَا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ 22867 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَفُقَهَاءُ الْحِجَازِ أَكْثَرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهَمْ مِنْهُمُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ ، وَأَبُو سَلَمَةَ وَسَالِمٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَعَطَاءٌ وَعِمْرو بْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ . 22868 - وَتَرْتِيبُ مَذْهَبِ زَيْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ بَنُو الْبَنَاتِ ، وَلَا بَنُو الْأَخَوَاتِ مِنْ قِبَلِ مَنْ كُنَّ ، وَلَا تَرِثُ عِنْدَهُ بَنَاتُ الْإِخْوَةِ بِحَالٍ أَيْضًا ، وَلَا بَنَاتُ الْأَعْمَامِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ : وَلَا يَرْثِ الْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِأُمِّهِ ، وَلَا بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ، وَلَا الْعَمَّاتُ ، وَلَا الْأَخْوَالُ ، وَلَا الْخَالَاتُ ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ، وَأَوْلَادُهُمْ ، وَمَنْ عَلَا مِنْهُمْ مِثْلُ عَمَّةِ الْأَبِ ، وَخَالَةِ الْجَدِّ لَا يَرِثُونَ ، وَلَا يَحْجُبُونَ عِنْدَ زَيْدٍ ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ ، وَالْجَدَّةُ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ . 22869 - وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ . 22870 - وَأَمَّا سَائِرُ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ كُلَّهُمْ مَنْ كَانُوا . 22871 - وَبِهَذَا قَالَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالْكُوفَةِ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا نَذْكُرُهُ : 22872 - فَأَمَّا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : كَانَ عُمَرُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَعَلِيٌّ يُوَرِّثُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ دُونَ الْمَوَالِي ، قَالَ : وَكَانَ عَلِيٌّ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ . 22873 - وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ تَوْرِيثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ : الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ ، وَالْخَالِ ، وَبِنْتِ الْبِنْتِ ، وَبِنْتِ الْأَخِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ . 22874 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ . 22875 - وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ : شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَمَسْرُوقٌ وَعَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَمُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَشَرِيكٌ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ، وَنُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ . 22876 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 22877 - وَبِهِ قَالَ الْبَصْرِيُّونَ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . 22878 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا : قَوْلُ زَيْدٍ وَالْحِجَازِيِّينَ ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَالْعِرَاقِيِّينَ . 22879 - وَاخْتَلَفَ الْمُوَرِّثُونَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ : 22880 - فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى تَوْرِيثِهِمْ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصِبَاتِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ ، فَوَلِيُّ النِّعْمَةِ هُوَ الْعَصَبَةُ ثَمَّ . 22881 - وَكَذَلِكَ عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ ، ثُمَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ . 22882 - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ دُونَ الْمَوَالِي . 22883 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . 22884 - ذَكَرَ سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : مَاتَتْ مَوْلَاةُ إِبْرَاهِيمَ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ قَرَابَةٍ لَهَا بِمِيرَاثِهَا ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ ، وَقَالَ : هُوَ لَكِ ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو لَهُ ، فَقَالَ لَهَا : أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِي مَا أَعْطَيْتُكِهِ . 22885 - وَكَانَ يَرَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنَ الْمَوَالِي . 22886 - قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ " الرَّحِمُ أَوْلَى مِنَ الْمَوَالِي " . 22887 - وَذَهَبَ سَائِرُ مَنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى التَّنْزِيلِ ، وَهُوَ أَنْ يُنْزِلَ كُلَّ وَاحِدٍ ، وَيُنْزِلَ مَنْ أَدْلَى بِذِي سَهْمٍ أَوْ عَصَبَةٍ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُدْلِي بِهِ . 22888 - وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَعُمَرَ فِي الْعَمَّةِ ، وَالْخَالَةِ . 22889 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : الْأُمُّ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ ، وَالْأُخْتُ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ . 22890 - رَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْهُ . 22891 - وَمِنْ حُجَّةِ مِنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ 22892 - وَمَعْلُومٌ أَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْأَقْرَبِينَ ، فَوَجَبَ لَهُمْ نَصِيبُهُمْ ، لَا يَحْجُبُهُمْ عَنْهُ إِلَا مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ . 22893 - وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَمُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، لَا تَلْزَمُ بِهَا حُجَّةٌ ، قَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي كِتَابِ " الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ " ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 22894 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِمْ سَبَبَانِ : الْقَرَابَةُ ، وَالْإِسْلَامُ ، فَكَانُوا أَوْلَى مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، الَّذِينَ لَهُمْ سَبَبٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ . 22895 - وَهَذَا أَصْلُ الْمَوَارِيثِ عِنْدَ الْجَمِيعِ صَاحِبُ السَّبَبَيْنِ ، فَالْمُدلي بِالْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الَّذِي لَا يُدلي إِلَّا بِالْأَبِ وَحْدَهُ ، فَكَذَلِكَ الرَّحِمُ وَالْإِسْلَامُ أَوْلَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ . 22896 - وَقَاسُوا ابْنَةَ الِابْنَةِ عَلَى الْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ الَّتِي وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِتَوْرِيثِهَا . 22897 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ ، وَنَسَخَ بِهِمُ الْمُوَارَثَةَ بِالْهِجْرَةِ وَالْحِلْفِ ، وَنَسَخَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا فَالْآيَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَنْ ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْفُرُوضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْعَصَبَاتُ الَّذِينَ نَسَخَ بِهِمُ الْمِيرَاثَ بِالْمُعَاقَدَةِ ، وَالْحِلْفِ ، وَالْهِجْرَةِ . 22898 - وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " ، دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْكِتَابِ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ مِيرَاثَهُمْ فِي كِتَابِهِ . 22899 - وَمِمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ لِلْجَدَّةِ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يَرِثُونَ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي كِتَابِهِ ، وَنَسَخَ بِهِمُ الْمُوَارَثَةُ بِالْهِجْرَةِ . 22900 - وَلَمَّا لَمْ تَرِثِ ابْنَةُ الْأَخِ مَعَ أَخِيهَا لَمْ تَرِثْ وَحْدَهَا ، وَلَمَّا لَمْ يَرِثْ ذَوُو الْأَرْحَامِ مَعَ الْمَوَالِي لَمْ يَرِثُوا إِذَا انْفَرَدُوا قِيَاسًا عَلَى الْمَمَالِيكِ . 22901 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَا احْتَجَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَرَّثَهُمْ دُونَ الْمَوَالِي ، وَحَجَبَ الْمَوَالِيَ بِهِمْ ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَمَالِيكِ وَالْكُفَّارِ عَيْنُ الْمُحَالِ . 22902 - وَقَدْ تَقَصَّيْنَا احْتِجَاجَ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ " الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 22903 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ فِي الرَّدِّ . 22904 - فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَ يَجْعَلُ الْفَاضِلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ - إِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ - لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ . 22905 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . 22906 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِ زَيْدٍ فِي الْمَالِ الْفَائِضِ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . 22907 - وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ بِالرَّدِّ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ، وَأجْمَعُوا أَنْ لَا يُرَدَّ عَلَى زَوْجٍ ، وَلَا زَوْجَةٍ ، إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ لَا يَصِحُّ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الزَّوْجَ أَنْ يَكُونَ عَصَبَةً . 22908 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيمَنْ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ ، وَالْعَصَبَاتِ ، وَمَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ فِي كِتَابِ " الْإِشْرَافِ " ، وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ ؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الدِّينِ وَالنَّسَبِ أَوْلَى مِنْ قَرَابَةِ الدِّينِ وَحْدَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 6 ) بَابُ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ 22626 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ، كَمَنْزِلَةِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، سَوَاءٌ . ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ . وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ . إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُشَرَّكُونَ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي الْفَرِيضَةِ ، الَّتِي شَرَكَهُمْ فِيهَا بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ وِلَادَةِ الْأُمِّ الَّتِي جَمَعَتْ أُولَئِكَ . 22627 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنِ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ ، فَكَانَ فِي بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ذَكَرٌ ، فَلَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي الْأَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْإِنَاثِ ، لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ ، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، وَيُفْرَضُ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ ، تَتِمَّةَ الثُّلُثَيْنِ ، فَإِذَا كَانَ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ ذَكَرٌ ، فَلَا فَرِيضَةَ لَهُنَّ ، وَيُبْدَأُ بِأَهْلِ الْفَرَائِضِ الْمُسَمَّاةِ . فَيُعْطُونَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ ، كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ . فَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ امْرَأَتَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْإِنَاثِ فُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، وَلَا مِيرَاثَ مَعَهُنَّ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ ، بُدِئَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ ، فَأُعْطُوا فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ ، كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ . 22628 - قَالَ مَالِكٌ : وَلِبَنِي الْأُمِّ ، مَعَ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَمَعَ بَنِي الْأَبِ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ ، وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى ، هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ، سَوَاءٌ . 22629 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا رَسَمَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَجْبِهِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ بِالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ ، يُحْجَبُ الْأَخُ لِلْأَبِ عَنِ الْمِيرَاثِ بِالْأَخِ الشَّقِيقِ . 22630 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِيهِ . 22631 - وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنْ لَا يُشَرَّكَ بَيْنَ بَنِي الْأَبِ وَبَنِي الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنِهِمْ وَلَا نَسَبَ يَجْمَعُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الَّتِي وَرِثَ بِهَا بَنُو الْأُمِّ . 22632 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْضُلُ عَنِ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ ، أَوِ الْأُخْتَيْنِ ، أَوِ الْأَخَوَاتِ ، هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ مَعَ أُخْتِهِنَّ أَوْ مَعَ أَخَوَاتِهِنَّ أَمْ لَا ؟ . 22633 - وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ وَلَدِ الْبَنِينَ هَذَا الْمَعْنَى . 22634 - وَذَلِكَ أَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلِيًّا وَزَيْدًا وَغَيْرَهُمَا قَالُوا بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . 22635 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا فِي أُخْتٍ لِأَبٍ ، وَأُمٍّ ، وَإِخْوَةٍ ، وَأَخَوَاتٍ لِأَبٍ : لِلْأَخَوَاتِ لِأَبٍ الْأَقَلُّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ أَوِ السُّدُسُ . 22636 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 22637 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا فِي الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إِذَا اسْتَكْمَلُوا الثُّلُثَيْنِ ، فَالْبَاقِي لِلْأَخِ أَوِ الْإِخْوَةِ دُونَ الْأَخَوَاتِ . 22638 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 22639 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَغَيْرِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا ، إِلَّا عَلْقَمَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1104 ( 13 ) بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ 1055 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . 1056 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : إِنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ . وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ قَالَ : فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ . 22909 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمُسْنَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ، فَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، إِلَّا مَالِكًا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ . 22910 - وَقَدْ وَقَفَهُ عَلَى ذَلِكَ يَحْيِي الْقَطَّانُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَأَبَى إِلَّا عُمَرَ بْنَ عُثْمَانَ . 22911 - وَذَكَرَ ابْنُ مَعِينٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : تَرَانِي لَا أَعْرِفُ عُمَرَ مِنْ عَمْرٍو ، وَهَذِهِ دَارُ عُمَرَ ، وَهَذِهِ دَارُ عَمْرٍو . 22912 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ النَّسَبِ أَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ ابْنٌ يُسَمَّى عُمَرَ ، وَابْنٌ يُسَمَّى عَمْرًا ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لِعَمْرٍو ، عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، لَا لِعُمَرَ ، وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْبَنِينَ أَبَانٌ ، وَالْوَلِيدُ ، وَسَعِيدٌ ، وَلَكِنَّ صَلِيبَةَ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ . 22913 - وَمِمَّنْ قَالَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : مَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَعَقِيلٌ ، وَيُونُسُ ، وَشُعَيْبٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ ، وَهُمْ أَوْلَى أَنْ يُسَلَّمَ لَهُمْ ، وَيُصَوَّبَ قَوْلُهُمْ . 22914 - وَمَالِكٌ حَافِظُ الدُّنْيَا ، وَلَكِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ . 22915 - وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، فَاقْتَصَرَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَوْضِعِ الْفِقْهِ الَّذِي فِيهِ التَّنَازُعُ ، وَعَزَفَ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَقُلْ : وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَالِكٌ . 22916 - وَجَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا فِيهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَا يُوَرَّثَانِ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ . 22917 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلَا يَصِحُّ . 22918 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَهْلُ الشِّرْكِ نَرِثُهُمْ ، وَلَا يَرِثُونَا . 22919 - وَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ : لَا نَرِثُهُمْ ، وَلَا يَرِثُونَا . 22920 - ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُمَرَ . 22921 - وَرَوَى مَالِكٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي عَمَّتِهِ وَمَاتَتْ نَصْرَانِيَّةً : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا . 22922 - وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ الْعُرْسِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا . 22922 م - وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ مُعَاذٍ ، وَمُعَاوِيَةَ : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ قَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَلَا يَرِثُهُمُ الْكُفَّارُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ الْحَنَفِيَةِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ . 22923 - وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . 22923 م - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَرِثُهُمْ ، وَلَا يَرِثُونَا كَمَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ ، وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا . 22924 - وَرَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ مُسْنَدًا ، قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي الْإِشْرَافِ . 22925 - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدٌ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، كَمَا لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . 22926 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعدٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ . 22927 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . 22928 - وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ عَلَى قَوْلَيْنِ : 22929 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ مَالَهُ إِذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 22930 - وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ . 22931 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . 22932 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فِي قَطْعِ وِلَايَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُفَّارِ . 22933 - وَعُمُومُ قَوْلِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَمْ يَخُصَّ مُرْتَدًّا مِنْ غَيْرِهِ . 22934 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَجُمْهُورُ الْكُوفِيِّينَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ : إِذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ ، وَرِثَهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . 22935 - قال يحيى بن آدم : وهو قول جماعتنا . 22936 - قَالَ : وَلَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ أَحَدًا مِنْ مُسْلِمٍ ، وَلَا كَافِرٍ . 22937 - وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : أُتِي عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْمُسْتَوْرِدِ الْعِجْلِيِّ ، وَقَدِ ارْتَدَّ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ، فَأَبَى ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَجَعَلَ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . 22938 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ . 22939 - وَتَأَوَّلَ مِنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، أَيِ الْكَافِرَ الَّذِي يَقَرُّ عَلَى دِينِهِ . 22940 - وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ ، فَلَا دِينَ لَهُ ، وَلَا مِلَّةَ يَقَرُّ عَلَيْهَا . 22941 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ قَرَابَةَ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدِّ مُسْلِمُونَ . 22942 - فَقَدْ جَمَعُوا الْقَرَابَةَ وَالْإِسْلَامَ . 22943 - وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِقَرَابَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ ، وَكَانُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ ، وَلَا يُمْكِنُ عُمُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِمِيرَاثِهِ ذَلِكَ ، فَجَعَلَهُ لِوَرَثَتِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا عَلَى أَنَّهُ وَرَّثَهُمْ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمِيرَاثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 22944 - وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ . 22945 - فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَا يَرِثُ عِنْدَهُ يَهُودِيٌّ نَصْرَانِيًّا وَلَا يَرِثُهُ النَّصْرَانِيُّ ، وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيُّ لَا يَرِثُ نَصْرَانِيًّا وَلَا يَهُودِيًّا وَلَا يَرِثَانِهِ . 22946 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 22947 - وَبِهِ قَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ . 22948 - رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 22949 - وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَحَمَّادٍ : الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ يَتَوَارَثُونَ ، وَالْكَافِرُ يَرِثُ الْكَافِرَ عَلَى أَيِّ كُفْرٍ كَانَ ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ . 22950 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثُمَّ قَالَ : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فَلَمْ يَقُلْ أَدْيَانُكُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّةٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ مِلَلَهُمْ فَجَعَلَهُمْ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ . 22951 - قَالُوا : وَيُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ وَقَوْلُهُ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَجَعَلُوا الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةً وَاحِدَةً وَالْإِسْلَامَ مِلَّةً . 22952 - وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْقَاضِي يَجْعَلُونَ الْكُفْرَ ثَلَاثَ مِلَلٍ : الْيَهُودُ وَالسَّامِرَةُ مِلَّةٌ ، وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئُونَ مِلَّةٌ ، وَالْمَجُوسُ وَمَنْ لَا دِينَ لَهُ مِلَّةٌ ، وَالْإِسْلَامُ مِلَّةٌ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ شَرِيكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ . 22953 - وَأَمَّا تَقَدُّمُ إِسْلَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ، وَتَأَخُّرِ إِسْلَامِ عَقِيلٍ ، فَمَذْكُورٌ خَبَرُهُمَا بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 22954 - وَأَمَّا الشِّعْبُ ، فَشِعْبُ بَنِي هَاشِمٍ مَعْرُوفٌ ، وَإِلَيْهِ أَخْرَجَتْهُمْ قُرَيْشٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ حِينَ تَقَاسَمُوا عَلَيْهِمْ فِي أَنْ لَا يُبَايِعُوا وَلَا يَدْخُلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُمْ . 22955 - وَالشِّعْبُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَنَحْوِهِمَا ، وَمِنْ شِعَابِ مَكَّةَ أَزِقَّتُهَا وَأَبْطَانُهَا ؛ لِأَنَّهَا بَيْنَ آطَامٍ ، وَجِبَالٍ ، وَأَوْدِيَةٍ .
23004 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالسُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا : أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِقَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ وَلَا رَحِمٍ ، وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ وَارِثٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ . 23005 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْبَابِ . 23006 - وَالْوَلَاءُ وَالنَّسَبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 23007 - وَمَنْ لَا يَرِثِ بِالنَّسَبِ ، فَمَا لِوَلَاءِ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَرِثَ . وَهَذَا مَا لَا خِلَافِ فِيهِ . 23008 - وَأَمَّا الْحَجْبُ ، فَمَنْ لَا يَرِثُ مِنْ كَافِرٍ ، أَوْ عَبْدٍ ، أَوْ قَاتِلِ عَمْدٍ . 23009 - فَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ وَالْعَبْدَ وَالْقَاتِلَ يَحْجُبُونَ ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَ . 23010 - وَقَالَ بِقَوْلِهِ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ دَاوُدَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ . 23011 - وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حَجْبِ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ بِالْكُفَّارِ وَالْعَبِيدِ . 23012 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي حَجْبِ الزَّوْجَيْنِ ، وَالْأُمِّ بِهِمْ . 23013 - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَحْجُبُ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 23014 - وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالْيَمَنِ ، وَالشَّامِ ، وَالْمَغْرِبِ . 23015 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ فِي الْمَمْلُوكِينَ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : لَا يَحْجُبُونَ ، وَلَا يَرِثُونَ . 23016 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَا يَحْجُبُونَ ، وَلَا يَرِثُونَ . 23017 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ عُمَرُ : لَا يَحْجُبُ مَنْ لَا يَرِثُ . 23018 - قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَحْجُبُ بِالْمَمْلُوكِينَ ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَا يُوَرِّثُهُمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1059 - مَالِكٌ ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : أَبى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَدًا مِنَ الْأَعَاجِمِ إِلَّا أَحَدًا وُلِدَ فِي الْعَرَبِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ ، فَوَضَعَتْهُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ ، فَهُوَ وَلَدُهَا ، يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ ، مِيرَاثُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ . 22965 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ الثِّقَةَ هَاهُنَا مَنْ هُوَ ؟ وَالْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ مُسْتَفِيضٌ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَلِفَةُ الْمَعْنَى : فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثِ الْحُمَلَاءَ حَمْلَةً لَا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ . 22966 - وَالْحُمَلَاءُ : جَمْعُ حَمِيلٍ ، وَالْحَمِيلُ : الْمُتَحَمَّلُ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ . 22967 - وَقِيلَ : الْحَمِيلُ : الَّذِي يَحْمِلُ نَسَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِهِ مِنْهُمْ . 22968 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ أَنَّهُ وَرَّثَ الْحَمِيلَ إِذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَحَرَمَهُ الْمِيرَاثَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ . 22969 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُونَ ، وَيَصِلُونَ مِنْ أَرْحَامِهِمْ . 22970 - وَعَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَوْجُهِ وَالْمَعَانِي اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي تَوْرِيثِ الْحُمَلَاءِ . 22971 - ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ يُوَرِّثُونَ الْحَمِيلَ . 22972 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ : أَنْ لَا يُوَرَّثَ أَحَدٌ بِوِلَادَةِ الشِّرْكِ . 22973 - وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُعْتَمِرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ لَا يُوَرِّثُ بِوِلَايَةِ الشِّرْكِ . 22974 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَدْرَكْتُ الْحُمَلَاءَ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ ، وَعُثْمَانَ لَا يُوَرَّثُونَ . 22975 - وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُوَرِّثُ بِوِلَادَةِ الْأَعَاجِمِ . 22976 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنْ لَا يُوَرِّثُوا الْحَمِيلَ بِوِلَادَةِ الْكُفْرِ . 22977 - وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُهُمْ بِالْبَيِّنَةِ ، فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخِطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُوَرِّثَ الْحَمِيلَ ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ . 22978 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ : أَلَّا يُوَرَّثَ الْحَمِيلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ . 22979 - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ . 22980 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ تَوْرِيثِ الْحَمِيلِ : 22981 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنَّمَا تَفْسِيرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : لَا يَتَوَارَثُ بِوِلَادَةِ الْأَعَاجِمِ فِي الدَّعْوَى خَاصَّةً . 22982 - وَأَمَّا إِنْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِعُدُولٍ مُسْلِمِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ ، فَهُمْ كَوِلَادَةِ الْإِسْلَامِ . 22983 - وَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَابْنُ هُرْمُزَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : وَلَوْ ثَبَتَ بِالْعُدُولِ مَا تَوَارَثُوا . 22984 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : السُّنَّةُ فِي أَوْلَادِ الْأَعَاجِمِ إِذَا وُلِدُوا بِأَرْضِهِمْ ثُمَّ يُحْمَلُوا إِلَيْنَا أَنْ لَا يَتَوَارَثُوا . 22985 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ : كَانَ أَبِي ، وَمَالِكٌ ، وَالْمُغِيرَةُ ، وَابْنُ دِينَارٍ يَقُولُونَ بِقَوْلِ ابْنِ هُرْمُزَ ، وَرَبِيعَةَ ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ ، فَقَالَ بِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ . 22986 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا جَاءُونَا مُسْلِمِينَ ، لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ قَبِلْنَا دَعْوَاهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَدْرَكَهُمُ السِّبَاءُ ، وَالرِّقُّ ، وَثَبَتَ عَلَيْهِمُ الْوَلَاءُ وَالْمِلْكُ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ . 22987 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 22988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ عُمَرَ ، وَذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : كُلُّ نَسَبٍ يُتَوَاصَلُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُوَ وَارِثٌ مَوْرُوثٌ . 22989 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ . 22990 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ . 22991 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ . 22992 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْأَرْحَامِ الَّتِي يَتَوَاصَلُونَ بِهَا . 22993 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : إِذَا كَانَ نَسَبًا مَعْرُوفًا مَوْصُولًا وَرِثَ - يَعْنِي الْحَمِيلَ . 22994 - وَقَالَ مَسْرُوقٌ : إِذَا اشْتُهِرَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ يُحْرَمُ مِنْهُ ، وَمَنْ بَيْنِهِ مَا يُحْرَمُ الْأَخُ مِنْ أَخِيهِ وَرَّثْنَاهُ مِنْهُ . 22995 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : ذُكِرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي الْحُمَلَاءِ : لَا يَتَوَارَثُونَ إِلَّا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ . 22996 - فَقَالَ مُحَمَّدٌ : قَدْ تَوَارَثَتِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ نَسَبَهُمُ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ كَتَبَ بِهَذَا . 22997 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ ، أَوْ حِصْنٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمُوا ، فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنَّ هَذَا ابْنُ هَذَا ، وَهَذَا أَخُو هَذَا ، أَوْ أَبُو هَذَا ، فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ . 22998 - قَالَ : وَأَمَّا الَّذِينَ يُسْبَوْنَ ، فَيُسْلِمُونَ ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُقْبَلُونَ ، وَلَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ . 22999 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي أَهْلِ حِصْنٍ تَحَمَّلُوا وَنَزَلُوا بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ ، وَأَسْلَمُوا أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِذَا كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا ، وَأَرى الْعِشْرِينَ كَثِيرًا . 23000 - وَقَالَ سَحْنُونُ : لَا أَسْمَعُ بِأَنَّ الْعِشْرِينَ كَثِيرًا ، وَهُمْ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ . 23001 - الْحُمَلَاءُ : الَّذِينَ لَا يَتَوَارَثُونَ بِقَوْلِهِمْ . 23002 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اضْطَرَبَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْبَابِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا . 23003 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْحُمَلَاءِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ .
1106 1057 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَخْبَرَهُ ؛ أَنَّ عَمَّةً لَهُ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً تُوُفِّيَتْ ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ذَكَرَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ لَهُ : مَنْ يَرِثُهَا ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا . ثُمَّ أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : أَتُرَانِي نَسِيتُ مَا قَالَ لَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؟ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا . 1058 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ؛ أَنْ نَصْرَانِيًّا أَعْتَقَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، هَلَكَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنْ أَجْعَلَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . 22956 - فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ نَسَبٍ ، فَصَارَ مَالُهُ فَيْئًا ، فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَلَاءَ الْمُسْلِمِ يَمْنَعُهُ الْكُفْرُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ وِرِثَهُ كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَهُ نَصْرَانِيًّا لَمْ يَرِثْهُ ، فَلَوْ أَسْلَمَ وَرِثَهُ . 22957 - وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُعْتِقُهُ الْمُسْلِمُ ، وَفِي عَبْدٍ نَصْرَانِيٍّ يُسْلِمُ ، فَيُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 22958 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَيَّاشُ بِمِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ - مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ - قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ ، قَالَ : مِيرَاثُهُ لِقَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ . 22959 - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ ، فَفِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ . 22960 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ ، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا ، فَمَاتَ الْعَبْدُ ، وَتَرَكَ مَالًا ، قَالَ : مِيرَاثُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ . 22961 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يُعَضِّدُهُ الْحَدِيثُ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ . 22962 - وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : لَا نَرِثُهُمْ ، وَلَا يَرِثُونَا وَقَوْلُهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ فِي عَمَّتِهِ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا . 22963 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أُمَتَهُ . 22964 - وَهَذَا عِنْدِي أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا ، لَا مُعْتَقًا ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ وَالنَّسَبَ .
22609 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى أَبًا ، وَلَا جَدًّا أَبَا أَبٍ ، وَلَا وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، النِّصْفُ . فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، فُرِضَ لَهُمَا الثُّلُثَانِ . فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ ذَكَرٌ ، فَلَا فَرِيضَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُبْدَأُ بِمَنْ شَرِكَهُمْ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ ، فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَمَا فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ ، كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ فَاشْتَرَكُوا فِيهَا مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ ، وَتِلْكَ الْفَرِيضَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمُشْتَرَكَةِ هِيَ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ ، وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا ، وَأُمَّهَا ، وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا ، وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا ، فَكَانَ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ ، وَلِأُمِّهَا السُّدُسُ ، وَلِإِخْوَتِهَا لِأُمِّهَا الثُّلُثُ ، فَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَيَشْتَرِكُ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ فَيَكُونُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى لِأُمِّهِ ، وَإِنَّمَا وَرِثُوا بِالْأُمِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تُبَارِكُ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ فَلِذَلِكَ شُرِّكُوا فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى لِأُمِّهِ . 22610 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُشْتَرَكَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ هِيَ : زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ ، وَأَخٌ ، أَوْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَمَتَى اجْتَمَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ فَهِيَ الْمُشْتَرَكَةُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ ، أَوْ جَدَّةٌ مَكَانَ الْأُمِّ ، وَاثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فَصَاعِدًا ، وَأَخٌ أَوْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ . 22611 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهَا . 22612 - وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يُعْطِيَانِ الزَّوْجَ النِّصْفَ ، وَالْأُمَّ السُّدُسَ ، وَالْإخُوَّةَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ يُشَرِّكُهُمْ فِيهِ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، ذَكَرُهُمْ فِيهِ وَأُنْثَاهُمْ سَوَاءٌ . 22613 - وَهِيَ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 22614 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . 22615 - وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لَا يُدْخِلُونَ وَلَدَ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ وَلَدِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ ، وَقَدِ اغْتَرَفَتِ الْفَرَائِضُ الْمَالَ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَيْءٌ . 22616 - وَبِهِ قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَرَائِضِ . 22617 - وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا . 22618 - وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يُشَرِّكْ . 22619 - وَالْمَشْهُورُ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ يُشَرِّكْ . 22620 - وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ : اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ، إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ عَنْه أَنَّهُ لَمْ يُشَرِّكْ . 22621 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِيهَا فَلَمْ يُشَرِّكْ ، ثُمَّ قَضَى فِي الْعَامِ الثَّانِي فَشَرَّكَ . 22622 - وَقَالَ مَالِكٌ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذَا عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 22623 - وَحُجَّةُ مَنْ شَرَّكَ وَاضِحَةٌ ، لِاشْتِرَاكِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ، فِي أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ بَنُو أَمٍّ وَاحِدَةٍ ، وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُشَرِّكْ : أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ عَصَبَةٌ لَيْسُوا ذَوِي فُرُوضٍ ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ فَرْضُهُمْ فِي الْكِتَابِ مَذْكُورٌ . 22624 - وَالْعَصَبَةُ إِنَّمَا يَرِثُونَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ ، وَلَمْ يَفْضُلْ لَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ شَيْءٌ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ . 22625 - وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ الْحُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْجَمِيعِ فِي زَوْجٍ ، وَأُمٍّ ، وَأَخٍ لِأُمٍّ ، وَعَشْرَةِ إِخْوَةٍ أَوْ نَحْوِهِمْ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يَسْتَحِقُّ السُّدُسَ كَامِلًا ، وَالسُّدُسُ الْبَاقِي بَيْنَ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، فَنَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَقَلُّ مِنْ نَصِيبِ الْأَخِ لِلْأُمِّ ، وَلَمْ يَسْتَحِقُّوا بِمُسَاوَاتِهِمُ الْأَخَ لِلْأُمِّ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ أَنْ يُسَاوُوهُ فِي الْمِيرَاثِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي مَسْأَلَةٍ مُشْتَرَكَةٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 5 ) بَابُ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ 22571 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ؛ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ شَيْئًا ، وَلَا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ الذَّكَرِ شَيْئًا ، وَلَا مَعَ الْأَبِ دِنْيَا شَيْئًا ، وَهُمْ يَرِثُونَ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْأَبْنَاءِ ، مَا لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى جَدًّا أَبَا أَبٍ ، مَا فَضَلَ مِنَ الْمَالِ يكونون فيه عصبة ، يبدأ بمن كان له أصل فريضة مسماة فيعطون فرائضهم فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ . كَانَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا 4 لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ . 22572 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْجُبُونَ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ عَنِ الْمِيرَاثِ . 22573 - وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي رِوَايَةِ الْآحَادِ الْعُدُولِ . 22574 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ . 22575 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ : قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْعَصَبَةَ إِذَا كَانُوا مُسْتَوِيِينَ ، فَبَنُو الْأُمِّ أَحَقُّ . 22576 - وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سُنَيْنٍ قَالَ : أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " إِذَا كَانَتِ الْعَصَبَةُ سَوَاءٌ ، فَانْظُرُوا أَقْرَبَهُمْ بِأُمٍّ فَأَعْطُوهُ " . 22577 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ هَاهُنَا ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . 22578 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ . 22579 - وَكُلُّهُمْ يَجْعَلُ الْأَخَوَاتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَخٌ عَصَبَةً لِلْبَنَاتِ ، غَيْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةً لِلْبَنَاتِ . 22580 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَطَائِفَةٌ . 22581 - وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ 22582 - وَلَمْ يُورِّثِ الْأُخْتَ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ . 22583 - قَالُوا : وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِابْنَةَ مِنَ الْوَلَدِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَرِثَ الْأُخْتُ مَعَ وُجُودِهَا . 22584 - قَالُوا : وَالنَّظَرُ يَمْنَعُ تَوْرِيثَ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ ، كَمَا يَمْنَعُ مِنْ تَوْرِيثِهِنَّ مَعَ الْبَنِينَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفَرَائِضِ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ . 22585 - قَالَ : وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبِنْتَ أَقْرَبُ مِنَ الْأُخْتِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمَيِّتِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مَنْ وَلَدِ أَبِيهِ ، وَوَلَدُ أَبِيهِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مَنْ وَلِدِ جَدِّهِ . 22586 - وَهُمْ يَقُولُونَ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ . 22587 - وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 22588 - وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى أَخْبَرَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَّ مُعَاذًا قَضَى بِالْيَمَنِ فِي بِنْتٍ وَأُخْتٍ ، فَجَعَلَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ . 22589 - وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ، فَرَجَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ قَوْلِهِ إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ . 22590 - وَحَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ أَثْبَتِ الْأَحَادِيثِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ . 22591 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : أَخْبَرْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقُلْتُ : إِنْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَضَى فِيهَا بِالْيَمَنِ فِي ابْنَةٍ وَأُخْتٍ بِالنِّصْفِ ؛ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : أَنْتَ رَسُولِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ - وَكَانَ قَاضِيَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْكُوفَةِ - فَلْيَقْضِ بِهِ . 22592 - وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : " قَضَى فِينَا مُعَاذٌ بِالْيَمَنِ ، فِي ابْنَةٍ وَأُخْتٍ بِالنِّصْفِ وَالنِّصْفِ " . 22593 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ . 22594 - وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَأَتْبَاعِهِمْ ، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَخَوَاتِ إِذَا اجْتَمَعْنَ فِي الْمِيرَاثِ مَعَ الْبَنَاتِ فَهُنَّ عَصَبَةٌ لَهُنَّ ، يَأْخُذْنَ مَا فَضَلَ لِلْبَنَاتِ . 22595 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ ، وَالسُّنَّةُ الثَّابِتَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنَةٍ ، وَابْنَة ابْنٍ ، وَأُخْتٍ ، لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ ، فَلِلْأُخْتِ . 22596 - رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ ، وهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 22597 - وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْبَنَاتِ ، وَلَمْ يَرْعَوْا قُرْبَ الْبَنَاتِ ، فَكَذَلِكَ الْأَخَوَاتُ . 22598 - وَمِنَ الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ ، مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا فِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَتَجِدُونَهُ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ ، مِيرَاثُ الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ الْآيَةَ . 22599 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَسَتَجِدُونَهُ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ ، حُجَّةٌ عَلَيْهِ . 22600 - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُهُ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَوْلُهُ فِيهَا أَقْرَبُ مِنَ الشُّذُوذِ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا قَالَ بِقَوْلِهِ إِلَّا عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ وَأَبَا ثَوْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَجْتَمِعْنَ فِي فَرِيضَةٍ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ : أَنَّهُنَّ إِذَا اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ ، فَالْبَاقِي لِلْإخْوَةِ لِلْأَبِ دُونَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ . 22601 - وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ لِاخْتِيَارِ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَلْحِقُوا الْمَالَ بِأَهْلِ الْفَرَائِضِ . فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " . 22602 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ بَنَاتِ الْبَنِينَ مَعَ بَنِي الْبَنِينَ ، أَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا . 22603 - وَذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي وَلَدِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ وَخَالَفَهُ فِي الْأُخْتَيْنِ الشَّقِيقَتَيْنِ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأَبٍ ، فَقَالَ فِي هَذَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ . 22604 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِمَا جَمِيعًا . 22605 - وَكَانَ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ يَجْعَلَانِ الْبَاقِيَ عَلَى الْفَرَائِضِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا ، بَيْنَ بَنِي الْبَنِينَ وَبَنَاتِ الْبَنِينَ ، وَهُنَّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . 22606 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالنَّاسِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَوَلَدُ الْوَلَدِ وَلَدٌ . 22607 - وَقَوْلُهُ : وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ 22608 - وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَضَاءِ ابْنِ مَسْعُودٍ : هَذَا قَضَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ ، أَيَرِثُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ؟
( 4 ) بَابُ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ 22566 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ؛ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ ، وَلَا مَعَ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ ، ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ، شَيْئًا ، وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ وَلَا مَعَ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ ، شَيْئًا . وَأَنَّهُمْ يَرْثُونَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ، يُفْرَضُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمُ السُّدُسُ . ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى . فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ . فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ . فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ . يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ فَكَانَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، فِي هَذَا ، بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ . 22567 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ نَصٌّ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، لَا خِلَافَ فِيهِ ، لِلْوَاحِدِ مِنْهُمُ السُّدُسُ ، وَلِلِاثْنَيْنِ فَمَا زَادَ الثُّلُثُ . 22568 - وَقَدْ قُرِئَ ( وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ) . 22569 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِهِ ، وَالْإِجْمَاعُ يَشْهَدُ لَهُ . 22570 - وَيَسْقُطُ مِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ بِأَرْبَعَةٍ يَحْجُبُونَهُمْ عَنِ الْمِيرَاثِ ، وَهُمْ : الْأَبُ ، وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ ، وَإِنْ عَلَا ، وَالْبَنُونَ ، ذُكْرَانُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ ، وَبَنُو الْبَنِينَ ، وَإِنْ سَفَلُوا ، أَوْ بَنَاتُ الْبَنِينَ ، وَإِنْ سَفَلْنَ ، لَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا .
22507 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ ، هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ . فَلَا فَرِيضَةَ وَلَا سُدُسَ لَهُنَّ . وَلَكِنْ إِنْ فَضَلَ بَعْدَ فَرَائِضَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَضْلٌ ، كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ لِذَلِكَ الذَّكَرِ ، وَلِمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ . لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُمْ شَيْءٌ . فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَطْرَفُ هُوَ الْأَبْعَدُ . 22508 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ فِي هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . 22509 - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ، وَعَلِيٌّ ، وَزَيْدٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، كُلُّهُمْ يَجْعَلُونَ الْبَاقِيَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بَالِغًا مَا بَلَغَتِ الْمُقَاسَمَةُ ، زَادَتْ بَنَاتُ الِابْنِ عَلَى السُّدُسِ ، أَوْ لَمْ تَزِدْ . 22510 - إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَشَذَّ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا شَذَّ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيهَا عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِي بِنْتِ ، وَبَنَاتِ ابْنٍ ، وَبَنِي ابْنٍ : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ وَلَدِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الْمُقَاسَمَةُ بَنَاتِ الِابْنِ عَلَى السُّدُسِ ، فَيُفْرَضُ لَهُنَّ السُّدُسُ ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي لِبَنِي الِابْنِ . 22511 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 22512 - وَقَدْ شَذَّ أَيْضًا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفَرْضِيَّيْنِ ، فَقَالَ : الذَّكَرُ مَنْ بَنِي الْبَنِينَ يَعْصِبُ مَنْ بِإِزَائِهِ دُونَ مَنْ عَدَاهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ ، وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
27 - كِتَابُ الْفَرَائِضِ ( 1 ) بَابُ مِيرَاثِ الصُّلْبِ 22465 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ، فِي فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ : أَنَّ مِيرَاثَ الْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِمْ ، أَوْ وَالِدَتِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تُوُفِّيَ الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ ، وَتَرَكَا وَلَدًا رِجَالًا وَنِسَاءً . فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ . فَإِنْ شَرِكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ ، وَكَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ ، بُدِئَ بِفَرِيضَةِ مَنْ شَرِكَهُمْ . وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ، عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ . 22466 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مِيرَاثِ الْبَنِينَ ذُكْرَانًا كَانُوا ، أَوْ إِنَاثًا مِنْ آبَائِهِمْ ، أَوْ أُمَّهَاتِهِمْ ، فَكَمَا ذَكَرَ لَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانُوا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَاحِد مِنْهُمْ أَبَاهُ ، وَأُمَّهُ عَمْدًا . 22467 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ - فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَمْصَارِ الْفَتْوَى إِنْ كُنَّ نِسَاءً فوق اثْنَتَيْنِ ، فَمَا فَوْقَهَا . 22468 - وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً لَمْ تَصِحْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : لِلِاثْنَتَيْنِ النِّصْفُ ، كَمَا لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى تَكُونَ الْبَنَاتُ أُكْثَرُ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، فَيَكُونُ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ . 22469 - وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُنْكَرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً ، كُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا ، وَيَدْفَعُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . أَنَّهُ جَعَلَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ . 22470 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ . 22471 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ . 22472 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّبَّاعُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إِنْ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا ، فَأَخَذَ عَمُّهُمَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَمْ يَدَعْ مِنْ مَالِ أَبِيهِمَا شَيْئًا ، وَاللَّهِ مَا لَهُمَا مَالٌ ، وَلَا تُنْكِحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ ، فَنَزَلَتْ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّهُمَا ، فَقَالَ : أَعْطِ هَاتَيْنِ الْجَارِيَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مِمَّا تَرَكَ أَبُوهُمَا ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنُ ، وَمَا بَقِيَ ، فَهُوَ لَكَ . 22473 - رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 22474 - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَدْ قَبِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ حَدِيثَهُ ، وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ ، فَكَانَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ أَيِ اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا ، وَنَسْخًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَرْكِهِمْ تَوْرِيثَ الْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِهِمْ . 22475 - وَإِنَّمَا كَانُوا يُورِثُونَ الذُّكُورَ حَتَّى نَزَلَتْ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ 22476 - كَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . 22477 - وَقَدِ اسْتَدَلَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَوْمٌ مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ بِدَلَائِلَ عَلَى أَنَّ الِابْنَتَيْنِ حُكْمُهُمَا فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ الْبَنَاتِ ، مِنْهَا أَنَّ الِابْنَةَ لَمَّا أَخَذَتْ مَعَ أَخِيهَا السُّدُسَ ، كَانَ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا . 22478 - وَمِنْهَا أَنَّ الْبِنْتَ لَمَّا كَانَ لَهَا النِّصْفُ ، وَكَانَ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَجَعَلَ اللَّهُ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كَانَتِ الِابْنَتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ قِيَاسًا ، وَنَظَرًا صَحِيحًا . 22479 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى فِي بِنْتٍ ، وَبِنْتِ ابْنٍ ، وَأُخْتٍ ، فَجَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسَ ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لِلْأُخْتِ . 22480 - فَلَمَّا جَعَلَ لِلِابْنَةِ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ كَانَتِ الِابْنَتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الِابْنَةَ أَقْرَبُ مِنَ ابْنَةِ الِابْنِ .
22488 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنِ اجْتَمَعَ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ ، وَوَلَدُ الِابْنِ ، وَكَانَ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ ، فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَهُ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الِابْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ ، وَكَانَتَا ابْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَنَاتِ لِلصُّلْبِ ، فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِبَنَاتِ الِابْنِ مَعَهُنَّ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ ، هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ . أَوْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُنَّ ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ فَضْلًا إِنْ فَضَلَ ، فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ ، لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ . 22489 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِوَلَدِ الْأَبْنَاءِ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ ذُو فَرْضٍ ، فَلَا يُزَادُ عَلَى فَرْضِهِ ، وَيَدْخُلُ وَلَدُ الِابْنِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْضِ ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا اخْتِلَافًا قَدِيمًا ، وَحَدِيثًا : 22490 - فَالَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، هُوَ مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 22491 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَالْحِجَازِيِّينَ ، وَالشَّامِيِّينَ ، وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ : أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يَعْصِبُ مَنْ بِإِزَائِهِ وَأَعْلَى مِنْهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ فِي الْفَاضِلِ عَنِ الِابْنَةِ ، وَالِابْنَتَيْنِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . 22492 - وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : إِذَا اسْتَكْمَلَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ ، فَالْبَاقِي لِابْنِ الِابْنِ ، أَوْ لِبَنِي الِابْنِ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ ، وَدُونَ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ ، وَمَنْ تَحْتَهُمْ . 22493 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . 22494 - وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ . 22495 - وَحُجَّةُ مِنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضَ ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ . 22496 - هَذَا اللَّفْظُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلْحِقُوا الْمَالَ بِالْفَرَائِضِ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ : أَلْحَقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ ، أَوْ فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ . 22497 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَمَنْ أَرْسَلَهُ فِي كِتَابِ الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ ، وَالِاخْتِلَافِ . 22498 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبٍ عَلَيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدٌ . 22499 - وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُعْصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فِي جُمْلَةِ الْمَالِ ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُعَصِّبَهُ فِي الْفَاضِلِ مِنَ الْمَالِ ، كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ يَشْرِكَ ابْنُ الِابْنِ أُخْتَهُ ، كَمَا يَشْرِكُ الِابْنُ لِلصُّلْبِ أُخْتَهُ . 22500 - وَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ لِأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ مَا لَمْ تَرِثْ شَيْئًا مِنَ الْفَاضِلِ مِنَ الثُّلُثَيْنِ مُنْفَرِدَةً ، وَلَمْ يَعْصِبْهَا أَخُوهَا ، فَالْجواب أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَعَهَا أَخُوهَا قَوِيَتْ بِهِ ، وَصَارَتْ عَصَبَةً مَعَهُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وَهِيَ مِنَ الْوَلَدِ .
22481 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْزِلَةُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ وَلَدٌ ، كَمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ سَوَاءٌ : ذُكُورُهُمْ كَذُكُورِهِمْ ، وَإِنَاثُهُمْ كَإِنَاثِهِمْ ، يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ . وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ . 22482 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : وَلَدُ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ ، يُرِيدُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ مِنَ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ ، فَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ ، وَبِنْتُ الِابْنِ كَالْبِنْتِ عِنْدَ عَدَمِ الْبِنْتِ ، وَلَيْسَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 22483 - قَالَ الشَّاعِرُ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ . 22484 - وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْفَصْلِ إِجْمَاعٌ أَيْضًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ بَنِي الْبَنِينَ يَقُومُونَ مَقَامَ وَلَدِ الصُّلْبِ عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ ، وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ الْأُنْثَى . 22485 - رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : وَلَدُ الِابْنِ لَا يَحْجِبُونَ الزَّوْجَ ، وَلَا الزَّوْجَةَ ، وَلَا الْأُمَّ . 22486 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابِعَهُ عَلَى ذَلِكَ . 22487 - وَمَنْ شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا .
22501 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً ، فَلَهَا النِّصْفُ . وَلِابْنَةِ ابْنِهِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ ، مِمَّنْ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ، السُّدُسُ . 22502 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَيْضًا لَا خِلَافَ فِيهِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، لَمْ يُتَابِعْهُمَا أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَأَظُنُّهُمَا انْصَرَفَا عَنْهُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 22503 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، وَعَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَسَأَلَهُمَا عَنِ ابْنَةٍ ، وَابْنَةِ ابْنٍ ، وَأُخْتٍ ، فَقَالَا : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ الْبَاقِي ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا ، فَأَتَى الرَّجُلَ ابْنَ مَسْعُودٍ ، فَسَأَلَهُ ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَا ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا ، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ، وَلَكِنْ أَقْضِي فِيهَا كَمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ . 22504 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ ، وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ لِابْنَةِ الِابْنِ مَعَ الِابْنَةِ لِلصُّلْبِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلشِّيعَةِ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ مَسْأَلَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنْ لَا تَرِثَ ابْنَةُ الِابْنِ شَيْئًا مَعَ الِابْنَةِ ، كَمَا لَا يَرِثُ ابْنُ الِابْنِ مَعَ الِابْنِ شَيْئًا . 22505 - وَرَأَيْنَا أَنَّ نُنَزِّهَ كِتَابَنَا هَذَا عَنْ ذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْفَرَائِضِ . 22506 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذَاهِبَهُمْ ، وَمَذَاهِبَ سَائِرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ فِي أُصُولِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ ، مِنَ الْإِجْمَاعِ ، وَالِاخْتِلَافِ .
( 3 ) بَابُ مِيرَاثِ الْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ وَلَدِهِمَا 22516 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا : أَنَّ مِيرَاثَ الْأَبِ مِنَ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ ، أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا ، أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا ، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً . فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا ، وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِمَنْ شَرَّكَ الْأَبَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ ، فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ . فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ السُّدُسُ ، فَمَا فَوْقَهُ ، كَانَ لِلْأَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُمُ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ ، فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ ، فَرِيضَةً . 22517 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَبُ عَاصِبٌ ، وَذُو فَرْضٍ إِذَا انْفَرَدَ أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ . 22518 - وَإِنْ شَرِكَهُ ذُو فَرْضٍ كَالِابْنَةِ ، وَالزَّوْجِ ، وَالزَّوْجَةِ أَخَذَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ . 22519 - فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ مَنْ يَجِبُ لَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَسْدَاسِ الْمَالِ فُرِضَ لَهُ السُّدُسُ ، وَصَارَ ذَا فَرْضٍ وَسَهْمٍ مُسَمًّى مَعَهُمْ ، وَدَخَلَ الْعَوْلُ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِنْ ضَاقَ الْمَالُ عَنْ سِهَامِهِمْ . 22520 - فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى غَيْرَ أَبَوَيْهِ ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثَ ، وَبَاقِي مَالِهِ لِأَبِيهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ - لَمَّا جَعَلَ وَرَثَةَ الْمُتَوَفَّى أَبَوَيْهِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْأُمِّ مِنْ مَالِهِ الثُّلُثَ ، عُلِمَ أَنَّ لِلْأَبِ مَا بَقِيَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ . 22521 - وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَاتِّفَاقٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ ، وَالْفُقَهَاءِ .
22522 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا ، إِذَا تُوُفِّيَ ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا ، فَتَرَكَ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، أَوْ تَرَكَ مِنَ الْإِخْوَةِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ، مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ ، أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ مِنْ أُمٍّ ، فَالسُّدُسُ لَهَا . 22523 - وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى ، وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ، وَلَا اثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا ، فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلًا . إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ . 22524 - وَإِحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ ، أَنْ يُتَوَفَّى رَجُلٌ وَيَتْرُكَ امْرَأَتَهُ وَأَبَوَيْهِ ، فَلِامْرَأَتِهِ الرُّبُعُ ، وَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ ، وَهُوَ الرُّبُعُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . 22525 - وَالْأُخْرَى : أَنْ تَتَوَفَّى امْرَأَةٌ ، وَتَتْرُكَ زَوْجَهَا وَأَبَوَيْهَا ، فَيَكُونُ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ ، وَلِأُمِّهَا الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ . وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . 22526 - وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ 4 وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ 22527 - فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْإِخْوَةَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا . 22528 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ لَهَا مِنْ مِيرَاثِ وَلَدِهَا الثُّلُثُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ . 22529 - وَالْوَلَدُ عِنْدَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى 4 وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ . وَهُوَ الِابْنُ دُونَ الِابْنَةِ . 22530 - وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ ( الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ الْفَرَائِضِ مِنَ الْإِجْمَاعِ ، وَالِاخْتِلَافِ ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 22531 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ فِي أَبَوَيْنِ ، وَابْنَةٍ : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ ، وَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ . 22532 - هَذِهِ عِبَارَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 22533 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ . 22534 - وَهَذِهِ عِبَارَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَيْضًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . 22535 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا ، وَلَا وَلَدَ ابْنٍ - يَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ - وَلَا اثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ ، فَصَاعِدًا ، فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلًا إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ . 22536 - وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ : فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْإِخْوَةَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ 4 فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ 22537 - فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا يَنْقُلُهَا عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْإِخْوَةِ ، فَصَاعِدًا ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ إِخْوَةٍ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا . 22538 - وَقَالَتْ بِقَوْلِهِ فِرْقَةٌ ، وَقَالُوا : صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ غَيْرُ صِيغَةِ الْجَمْعِ . 22539 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَاحِدَ غَيْرُ الِاثْنَيْنِ ، فَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، قَالُوا : وَلَوْ كَانَ التَّثْنِيَةُ جَمْعًا لَاسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْجَمْعِ ، كَمَا اسْتَغْنَى عَنِ الْجَمْعِ مَرَّةً أُخْرَى . 22540 - وَلَهُمْ حُجَجٌ مِنْ نَحْوِ هَذَا . 22541 - وَقَالَ عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - : الِاثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ يَحْجُبَانِ الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثَ ، وَيَنْقُلَانِهَا إِلَى السُّدُسِ ، كَمَا يَفْعَلُ جَمَاعَةُ الْإِخْوَةِ . 22542 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ . 22543 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْبِنْتَيْنِ مِيرَاثُهُمَا كَمِيرَاثِ الْبَنَاتِ . 22544 - وَكَذَلِكَ مِيرَاثُ الْأَخَوَيْنِ لِلَّأُمِ . 22545 - وَقَدْ أَجْمَعُوا ، وَابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُمْ فِي زَوْجٍ ، وَأُمٍّ ، وَأُخْتٍ لِأُمٍّ ، أَوْ إِخْوَةٍ لِأُمٍّ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخِ ، أَوِ الْأُخْتِ السُّدُسُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ حَجَبَا الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ ، وَلَوْ لَمْ يَحْجُبَاهَا لَعَالَتِ الْفَرِيضَةُ ، وَهِيَ غَيْرُ عَائِلَةٍ بِإِجْمَاعٍ . 22546 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنْ حَجَبُوا الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِثَلَاثِ أَخَوَاتٍ ، وَلَسْنَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِإِخْوَةٍ ، وَإِنَّمَا هُنَّ أَخَوَاتٌ ، فَحَجْبُهَا بِاثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ أَوْلَى . 22547 - وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوهًا مِنْ حُجَجِ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ ( الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ ، وَالِاخْتِلَافِ ) . 22548 - وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ ، لَا أَنْقُلُ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِأُخْتَيْنِ وَلَا بِأَخَوَاتٍ مُنْفَرِدَاتٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ إِحْدَاهُمَا أَخٌ ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ وَالْأَخَوَاتِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا اسْمُ الْإِخْوَةِ مُنْفَرِدَاتٍ . 22549 - وَهَذَا شُذُوذٌ ، لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، قَدْ صَرَفُوا اسْمَ الْإِخْوَةِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى اثْنَيْنِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ رَأْيًا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ عَنْ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 22550 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَرِثُ السُّدُسَ الَّذِي تُحْجَبُ عَنْهُ الْأُمُّ بِالْإِخْوَةِ فِيمَنْ تَرَكَ أَبَوَيْنِ وَإِخْوَةً : 22551 - فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ السُّدُسَ لِلْإِخْوَةِ الَّذِينَ حَجَبُوا الْأُمَّ عَنْهُ ، وَلِلْأَبِ الثُّلُثَانِ . 22552 - وَالْإِسْنَادُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ . 22553 - وَقَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ : لِلْأُمِّ مَعَ الْإِخْوَةِ السُّدُسُ ، وَالْخَمْسَةُ الْأَسْدَاسِ لِلْأَبِ ، لَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ شَيْئًا مَعَ الْأَبِ . 22554 - وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي ( الْإِشْرَافِ ) . 22555 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : ( إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ ، وَإِحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ : أَنْ يُتَوَفَّى رَجُلٌ وَيَتْرُكَ امْرَأَتَهُ وَأَبَوَيْهِ ، فَلِامْرَأَتِهِ الرُّبُعُ ، وَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ ، وَهُوَ الرُّبُعُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . 22556 - وَالْأُخْرَى : أَنْ تُتَوَفَّى امْرَأَةٌ وَتَتْرُكَ زَوْجَهَا وَأَبَوَيْهَا ، فَيَكُونُ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ ، وَلِأُمِّهَا الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ ، وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ) . 22557 - فَالِاخْتِلَافُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدِيمٌ إِلَّا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفَتْوَى بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ . 22558 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ؛ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ . 22559 - وَقَالَ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ : لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ . 22560 - وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَفِرْقَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَرْضِي الْمِصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ اللَّبَّانِ ، فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا . 22561 - وَزَعَمَ أَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْمُشْتَرَكَةِ . 22562 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إِنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا . 22563 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) . 22564 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الْأَبَوَيْنِ إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْوِرَاثَةِ لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا ، كَانَ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأَبِ الثُّلُثَانِ ، فَكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَكَا فِي النِّصْفِ الَّذِي يَفْضُلُ عَنِ الزَّوْجِ ، كَانَا فِيهِ كَذَلِكَ عَلَى ثُلُثٍ وَثُلُثَيْنِ . وَهَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ . 22565 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حُجَّةَ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ ( الْإِشْرَافِ ) .
( 2 ) بَابُ مِيرَاثِ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا 22513 - قَالَ مَالِكٌ : مِيرَاثُ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ ، إِذَا لَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، النِّصْفُ . فَإِنْ تَرَكَتْ وَلَدًا ، أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، فَلِزَوْجِهَا الرُّبُعُ ، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ . 22514 - وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا ، إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ، الرُّبُعُ . فَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا ، أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، فَلِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ . مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ 22515 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِيهِ ، وَهُوَ مِنَ الْحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ ، وَمَا فِيهِ التَّنَازُعُ ، وَالِاخْتِلَافُ وَجَبَ الْعَمَلُ مِنْهُ بِمَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ ، وَقَامَ الْعُذْرُ فِيهِ لِمَنْ مَالَ إِلَى وَجْهٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى عِنْدَهُ ، وَوَجَبَ عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ عُلَمَائِهَا فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ ، وَوَسِعَهُمُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 15 ) بَابُ مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا 1061 - مَالِكٌ ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا : إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ ، حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ . وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ ، مَوَالِي أُمِّهِ . إِنْ كَانَتْ مُوَلْاةً . وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً ، وَرِثَتْ حَقَّهَا . وَوِرْثُ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ . وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ . 23027 - قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 23028 - قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 23029 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - كَانَ يُوَرِّثُ مِنَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، كَمَا يُوَرِّثُ مَنْ غَيْرِهِ ، وَلَا يَجْعَلُ عَصَبَةَ أُمِّهِ عَصَبَةً لَهُ ، وَيَجْعَلُ مَا فَضَلَ عَنْ أُمِّهِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ إِخْوَةٌ لِأُمٍّ ، فَيُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، وَالْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مُوَلَاةً جَعَلَ الْبَاقِي مِنْ فَرْضِ ذَوِي السِّهَامِ لِمَوَالِي أُمِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَوْلًى حَيٌّ جَعَلَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ . 23030 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . 23031 - وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَسُلَيْمَانُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 23032 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُ ، وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ يَجْعَلُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَيَجْعَلُونَ مَا فَضَلَ عَنْ فَرْضِ أُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ رَدًّا عَلَى أُمِّهِ ، وَعَلَى إِخْوَتِهِ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ مَوْلَاةً ، فَيَكُونُ الْفَاضِلُ لِمَوَالِيهَا . 23033 - وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ وَلَدِهِ . 23034 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ : عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ . 23035 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ يَرِثُهُمْ ، وَيَرِثُونَهُ . 23036 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ . 23037 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلَانِ أُمَّهُ عَصَبَتَهُ ، فَتُعْطَى الْمَالَ كُلَّهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ ، فَمَالُهُ لِعَصَبَتِهَا . 23038 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ . 23039 - وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ وَابْنِ سِيرِينَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، وَشَرِيكٍ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . 23040 - وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَجْعَلُ ذَا السَّهْمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ . 23041 - وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي " التَّمْهِيدِ " . 23042 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى خِلَافِ قَوْلِ زَيْدٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِأُمِّهِ . 23043 - وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ ، وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا 23044 - وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ : عَتِيقُهَا ، وَلَقِيطُهَا ، وَوَلَدُهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ . 23045 - وَمَكْحُولٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ ذَلِكَ مِثْلَهُ . 23046 - ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . 23047 - ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى صَدِيقٍ لِي مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ بَنِي زُرَيْقٍ ، أَسْأَلُهُ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ لِمَنْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ : إِنِّي سَأَلْتُ ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ . 23048 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قِيلَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، أَيْ هِيَ فِي ابْنِهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، تَكُونُ عَصَبَةً لَهُ ، وَعَصَبَتُهَا عَصَبَةٌ لِوَلَدِهَا ، وَصَارَ حُكْمُ التَّعْصِيبِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ، وَصَارَتْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ . 23049 - فَعَلَى هَذَا تَحْجُبُ الْإِخْوَةَ . 23050 - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِعَصَبَةِ أُمِّهِ . 23051 - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ بِالْمَدِينَةِ كَيْفَ صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ؟ قَالَ : أَلْحَقَهُ بِعَصَبَةِ أُمِّهِ . 23052 - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا ، قَالَ : بَعَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ رَجُلًا إِلَى الْحِجَازِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْأَلُ عَنْ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، فَجَاءَهُمُ الرَّسُولُ أَنَّهُ لِأُمِّهِ ، وَعَصَبَتِهَا . 23053 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : اخْتُصِمَ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ، فَأَعْطَى أُمَّهُ الْمِيرَاثَ ، وَجَعَلَهَا عَصَبَتَهُ . 23054 - وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَشْهَرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ . 23055 - وَقَدْ رَوَى خِلَاسٌ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : مَا فَضَلَ عَنْ إِخْوَتِهِ فَلِبَيْتِ الْمَالِ . 23056 - وَأَنْكَرُوهَا عَلَى خِلَاسٍ ، وَلِخِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَخْبَارٌ يُصِرُّ كَثِيرٌ مِنْ أَنَّهَا نَكَارَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَهُوَ حَسْبُنَا ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . تَمَّ كِتَابُ الْفَرَائِضِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
( 14 ) بَابُ مِنْ جُهِلَ أَمْرُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ 1060 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ؛ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ ، وَيَوْمَ صِفِّينَ ، وَيَوْمَ الْحَرَّةِ ، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ قُدَيْدٍ ، فَلَمْ يُوَرَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنْ صَاحَبِهِ شَيْئًا ، إِلَّا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ . 23019 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ مُتَوَارِثَيْنِ هَلَكَا ، بِغَرَقٍ ، أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْتِ . إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، لَمْ يَرِثْ أَحَدٌ مِنْهُمَا مَنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا . وَكَانَ مِيرَاثُهَا لِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَتَيْهِمَا ، يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَثَتَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ . إِلَى سَائِرِ قَوْلِهِ فِي الْبَابِ مِنْ مَسَائِلِهِ الَّتِي فَسَّرَ بِهَا أَصْلَ مَذْهَبِهِ هَذَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ . 23020 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُ يُوَرِّثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْغَرْقَى وَالْقَتْلَى ، وَمَنْ مَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِمَّنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُمْ ، فَلَا يُدْرَى أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا مِنْ صَاحِبِهِ . 23021 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ . 23022 - وَحَدِيثُ إِيَاسِ بْنِ عَبْدٍ - وَيُقَالُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ - رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، عَنْ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْتٍ وَقَعَ عَلَى قَوْمٍ فَمَاتُوا ؟ فَقَالَ يُوَرَّثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 23023 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْفُرَّاضُ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْهُمْ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ ، وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ . 23024 - وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّثُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا وَرِثَ عَنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا . 23025 - مِثَالُ ذَلِكَ : كَانَ زَوْجًا وَزَوْجَةً غَرِقَا جَمِيعًا ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَتُمِيتُ الزَّوْجَةَ أَوَّلًا ، فَنَصِيبُ الزَّوْجِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ يُمِيتُ الزَّوْجَ ، فَنَصِيبُ الزَّوْجَةِ مِنَ الْأَلِفِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ مَالِهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، وَلَا تُورِثُهَا مِنَ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي وَرِثَهَا عَنْهَا ، وَلَا تُورِثُهُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ الَّتِي وَرِثَتْهَا مِنْهُ ، فَلَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ الْمِقْدَارِ الَّذِي يُوَرَّثُهُ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَيَرِثُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ . 23026 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - أَنَّهَا شَهِدَتْ بِأَنَّ طَلْحَةَ مَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْجَمَلِ ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَعَهَا غَيْرُهَا ، فَوَرِثَ طَلْحَةَ ابْنُهُ مُحَمَّدا ، وَوَرِثَ مُحَمَّدًا ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ .
1508 ( 4 ) بَابُ الْقَضَاءِ فِي مَالِ الْعَبْدِ إِذَا أُعتقَ 1480 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ تَبِعَهُ مَالُهُ . 33864 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالُوا : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ . 33865 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 33866 - فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : إِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ فَمَالُهُ لَهُ دُونَ السَّيِّدِ . 33867 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . 33868 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ فِي «الْقَدِيمِ» الَّذِي يَرْوِيهِ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ . 33869 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ ، فَمَالُهُ لَهُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ . 33870 - رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، هَكَذَا بِإِسْنَادِهِ هَذَا ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ نَافِعٍ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ : نَافِعٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَأَيُّوبُ وَغَيْرُهُمْ ، عَنِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ . 33871 - هَكَذَا يَرْوِيهِ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ . 33872 - وَيَرْوِيهِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سَالِمٍ . 33873 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ مَالُهُ ، وَكَانَ يَأْذَنُ لِعَبِيدِهِ فِي التَّسَرِّي . 33874 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : «الْعَبْدُ إِذَا أُعْتِقَ تَبِعَهُ مَالُهُ» . 33875 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ . 33876 - وَأَمَّا خَبَرُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ . 33877 - وَكُلُّ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا مَالُ الْعَبْدِ تَبَعٌ لَهُ إِذَا عَتَقَ يَقُولُ : «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ» . 33878 - وَقَالَ آخَرُونَ : «إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ ; مَوْلَاهُ» . 33879 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ . 33880 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِمِصْرَ فِي الْكِتَابِ الْجَدِيدِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ . 33881 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . 33882 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ . 33883 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 33884 - وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ يُجْبِرُ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ ; لِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَذْكُورِ . 33885 - وَقَدْ رُوِيَ خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا . 33886 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ .
33887 - قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الْوَلَاءِ ، إِذَا تَمَّ ذَلِكَ ، ولَيْسَ مَالُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ لَهُمَا مِنْ وَلَدٍ ، إِنَّمَا أَوْلَادُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رِقَابِهِمَا لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمَا ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ ، تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا ، أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ إِذَا أَفْلَسَا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمَا ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمَا وَلَمْ تُؤْخَذْ أَوْلَادُهُمَا ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَمْوَالٍ لَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا ، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بِيعَ وَاشْتَرَطَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مَالَهُ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ فِي مَالِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا ، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جُرِحَ ، أُخِذَ هُوَ وَمَالُهُ ، وَلَمْ يُؤْخَذْ وَلَدُهُ . 33888 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخِلَافُ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ عَقْدِ كِتَابَتِهِ كَالْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ عِنْدَ عِتْقِهِ . 33889 - وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا يَقُولُونَ : مَالُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ ، إِلَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي كِتَابَتِهِ ، وَوَلَدُهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 33890 - وَقَوْلُهُمْ فِي مَالِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ فِي جِنَايَتِهِ إِلَّا بِرِضَا سَيِّدِهِ ، وَعَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يُسَلِّمَ رَقَبَتَهُ بِالْجِنَايَةِ ، أَوْ يَفْتَكَّهُ بِأَرْشِهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( 7 ) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ 1487 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ ، هَلْ تُشْتَرَى بِشَرْطٍ ؟ فَقَالَ : لَا . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا الَّذِي يُعْتِقُهَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، بِشَرْطٍ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا ; لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِرَقَبَةٍ تَامَّةٍ ; لِأَنَّهُ يَضَعُ فِي ثَمَنِهَا لِلَّذِي يَشْتَرِطُ مِنْ عِتْقِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّقَبَةَ فِي التَّطَوُّعِ ، وَيَشْتَرِطَ أَنْ يَعْتِقَهَا . 34020 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ . 34021 - ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : لَا يُجْزِئُ فِي رَقَبَةٍ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَعْتِقَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا . 34022 - وَأَجَازَ ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ ; لِأَنَّهَا رَقَبَةٌ تَامَّةٌ سَالِمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ .
34023 - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ فِيهَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ ، وَلَا يُعْتَقَ فِيهَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُدَبَّرٌ ، وَلَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَلَا مُعْتَقٌ إِلَى سِنِينَ ، وَلَا أَعْمَى ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ ، تَطَوُّعًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً فَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرِّقَابُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِيهَا إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَاتِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْعَمَ فِيهَا إِلَّا الْمُسْلِمُونَ ، وَلَا يُطْعَمَ فِيهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ . 34024 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي جُمْلَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، فَقَدْ أَوْضَحَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي موطئه ، وَهِيَ جُمْلَةٌ خُولِفَ فِي بَعْضِهَا ، وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَكْثَرِهَا ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَقْوَالَهُمْ جُمْلَةً عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 34025 - قَالَ مَالِكٌ : يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ إِذَا كَانَ خَفِيفَ الْعَرَجِ ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا لَمْ يُجْزِئْ ، وَلَا يُجْزِئُ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ ، وَلَا الرِّجْلَيْنِ ، وَيُجْزِئُ أَقْطَعُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ ، وَالْأَعْوَرُ ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَجْدَعُ ، وَلَا الْمَجْنُونُ ، وَلَا الْأَصَمُّ ، وَلَا الْأَخْرَسُ . 34026 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ أَلَّا يُجْزِئَ الْأَبْرَصُ ; لِأَنَّ الْأَصَمَّ أَيْسَرُ شَأْنًا مِنْهُ . 34027 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا يُجْزِئُ الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ . 34028 - وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ : إِنَّهُ يُجْزِئُ مِنْ رَأْيِهِ . 34029 - وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ ، كَمَا يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ . 34030 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ . 34031 - وَقَالَ أَشْهَبُ : يُجْزِئُ الْأَصَمُّ . 34032 - وَقَالَ مَالِكٌ : يُجْزِئُ الْمُوسِرَ عِتْقُ نِصْفِ الْعَبْدِ إِذَا قُوِّمَ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، وَعُتِقَ ، وَلَا يُجْزِئُ الْمُعْسِرُ . 34033 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . 34034 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، لَا فِي الظِّهَارِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ . 34035 - قَالَ : وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ كَمَا شَرَطَ الْعَدْلَ فِي الشَّهَادَةِ فِي مَوْضِعٍ ، وَأَطْلَقَ الشُّهُودَ ، فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ مَا أَطْلَقَ فِي مَعْنَى مَا شَرَطَ . 34036 - قَالَ : وَيَجُوزُ الْمُدَبَّرُ ، وَلَا يَجُوزُ الْمُكَاتَبُ أَدَّى مِنْ نُجُومِهِ شَيْئًا ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهِ ; لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ ، وَلَا تُجْزِئُ أُمُّ الْوَلَدِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يَبِيعُهَا . 34037 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : هُوَ لَا يُجِيزُ بَيْعَهَا ، وَلَهُ بِذَلِكَ كِتَابٌ . 34038 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْعَبْدُ الْمَرْهُونُ وَالْجَانِي إِذَا أَعْتَقَهُ ، وَافْتَكَّهُ مِنَ الرَّهْنِ ، وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِنَايَةِ أَجْزَأَ . 34039 - قَالَ : وَالْغَائِبُ إِذَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَيَاتِهِ فِي حِينِ عِتْقِهِ يُجْزِئُ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ . 34040 - وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ . 34041 - وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ ، وَهُوَ مُوسِرٌ أَجْزَأَهُ . 34042 - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، فَاشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ ، فَأَعْتَقَهُ أَجْزَأَهُ . 34043 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ . 34044 - قَالَ : فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا ذُكِرَ لِي عَنْهُ إِلَّا وَهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ مِنَ الرِّقَابِ مَا يُجْزِئُ ، وَمِنْهَا مَا لَا يُجْزِئُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِعِتْقِهَا بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ ، فَلَمْ أَجِدْ فِي مَعْنَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا أَقُولُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 34045 - وَجِمَاعُهُ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا يُتَّخَذُ لَهُ الرَّقِيقُ الْعَمَلُ ، وَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ تَامًّا حَتَّى يَكُونَ يَدُ الْمَمْلُوكِ بَاطِشَتَيْنِ ، وَرِجْلَاهُ مَاشِيَتَيْنِ ، وَلَهُ بَصَرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ يَعْقِلُ ، فَإِنْ كَانَ أَبْكَمَ ، أَوْ أَصَمَّ ، أَوْ ضَعِيفَ الْبَطْشِ أَجْزَأَ ، وَيُجْزِئُ الْمَجْنُونُ الَّذِي يُفِيقُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْيَانِ ، وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ ، وَالْعَرَجُ الْخَفِيفُ ، وَشَلَلُ الْحَيْضِ ، وَكُلُّ عَيْبٍ لَا يَضُرُّهُ فِي الْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْمَى ، وَلَا الْمُقْعَدُ ، وَلَا الْأَشَلُّ الرِّجْلِ ، وَيُجْزِئُ الْأَصَمُّ ، وَالْخَصِيُّ ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ مَرَضُ زَمَانَةٍ . 34046 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ مُدَبَّرٌ ، وَلَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَيُجْزِئُ الْمُكَاتَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى مِنْ كِتَابِهِ شَيْئًا اسْتِحْسَانًا ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى شَيْئًا لَمْ يُجْزِ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَعْمَى ، وَلَا الْمُقْعَدُ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الرِّجْلَيْنِ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْوَاحِدَةُ مَقْطُوعَةً ، أَوْ رِجْلُهُ ، أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ كَانَ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مَقْطُوعُ الْإِبْهَامَيْنِ ، وَلَا مَقْطُوعُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فِي كُلِّ كَفٍّ سِوَى الْإِبْهَامَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَجْزَأَ ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ . 34047 - وَيُجْزِئُ عِنْدَهُمُ الْكَافِرُ فِي الظِّهَارِ ، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ . 34048 - وَمَنْ أَعْتَقَ فِي رَقَبَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 34049 - وَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ إِذَا كَانَ مُوسِرًا ، وَلَا يُجْزِئُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا . 34050 - وَالْأَشَلُّ عِنْدَهُمْ كَالْأَقْطَعِ ، يُجْزِئُ ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَعْتُوهُ ، وَلَا الْأَخْرَسُ ، وَيُجْزِئُ الْمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ ، وَالْخَصِيُّ . 34051 - وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ . 34052 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ والْأَعْرَجُ إِلَّا أَنْ لَا يَمْشِيَ . 34053 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ شَيْءٌ فِيهِ عَيْبٌ ، وَلَا يُجْزِئُ الَّذِي يُجَنُّ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ صَحِيحًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ ، وَلَا الْأَجْدَعُ ، وَلَا الْأَعْوَرُ ، وَلَا الْأَشَلُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ . 34054 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْخَفِيفَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ يُجْزِئُ نَحْوَ الْحَوَلِ ، وَنُقْصَانِ الضِّرْسِ ، وَالظُّفْرِ ، وَأَثَرِ كَيِّ النَّارِ ، وَالْجُرْحِ الَّذِي قَدْ بَرِئَ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُرَدُّ بِهِ الْعَيْبُ إِذَا نَقَصَ مِنَ الثَّمَنِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُعْتَبَرُ فِي الرِّقَابِ السَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ . 34055 - وَالْقِيَاسُ لَهَا أَيْضًا عَلَى الضَّحَايَا بِأَلَا يَسْتَقِيمَ مِنْ أَجْلِ السِّنِّ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا . 34056 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يُطْعَمُ فِي الْكَفَّارَاتِ إِلَّا مَسَاكِينُ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
1509 ( 5 ) بَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَجَامِعُ الْقَضَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ 1481 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا ، وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ . 33891 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي عِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِهَا : 33892 - فَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا لَا تُبَاعُ عِنْدَهُ أَبَدًا ، وَأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِ سَيِّدِهَا . 33893 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 33894 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ . 33895 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ ، وَقَدْ أَجَازَ بَيْعَهَا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ . 33896 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : قَدْ قَطَعَ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِي كُتُبِهِ بِأَنْ لَا تُبَاعَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كُلُّهُمْ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ . 33897 - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُجِيزُونَ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ . 33898 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . 33899 - وَقَالَ جَابِرٌ ، وَأَبُو سَعِيدٍ : كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33900 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا ، لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . 33901 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ ، أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقُولُ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي إِمَارَتِهِ ، وَعُمَرَ فِي نِصْفِ إِمَارَتِهِ . 33902 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : تَعْتِقُ فِي نصيب وَلَدِهَا ، وَذِي بَطْنِهَا . 33903 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ . 33904 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَارِيَةَ سُرِّيَّتِهِ ، لَمَّا وَلَدَتِ ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ : «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا » مَعَ وَجْهٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَلَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ . 33905 - وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ إِذَا مَاتَ » . 33906 - وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحُسَيْنٌ هَذَا ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . 33907 - وَالصَّحِيحُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ ؟ فَقَالَ : هِيَ حُرَّةٌ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا ، فَقِيلَ لَهُ : عَمَّنْ هَذَا ؟ قَالَ : عَنِ الْقُرْآنِ ، قَالَ : كَيْفَ ؟ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، وَكَانَ عُمَرُ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ ، قَالَ : يَعْتِقُهَا وَلَدُهَا ، وَلَوْ كَانَ سِقْطًا . 33908 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَأَلَا ابْنَ عُمَرَ بِالْأَبْوَاءِ ، وَقَالَا : إِنَّا كُنَّا تَرَكْنَا ابْنَ الزُّبَيْرِ يَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَكِنَّ أَبَا حَفْصَةَ عُمَرَ - أَتَعْرِفَانِهِ ؟ - قَالَ : أَيُّمَا رِجْلٍ وَلَدَتْ مِنْهُ جَارِيَتُهُ ، فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ» . 33909 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : اسْتَشَارَنِي عُمَرُ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَرَأَيْتُ أَنَا وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا وَلَدَتْ عَتَقَتْ ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ ، وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ ، فَلَمَّا وَلِيتُهُ رَأَيْتُ أَنْ أَرِقَّهُنَّ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : فَمَا تَرَى أَنْتَ ؟ فَقَالَ : رَأْيُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ حِينَ أَدْرَكَهُ الِاخْتِلَافُ . 33910 - وَرَوَى مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ . قَالَ : ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدُ أَنْ يُبَعْنَ . قَالَ عُبَيْدَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : رَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ ، أَوْ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ ، فَضَحِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 33911 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : إِذَا أَسْقَطَتْ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى الْحُرَّةِ . 33912 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي فِي الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدِ انْعَقَدَ أَنَّهَا لَا تَعْتِقُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا ، وَأَنَّهَا فِي شَهَادَتِهَا وَدِيَتِهَا ، وَأَرْشِ جِنَايَتِهَا كَالْأَمَةِ ، وَقَدْ بَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ بِمَا ذَكَرْنَا فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . 33913 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ تَزْنِي : أَيَبِيعُهَا سَيِّدُهَا ؟ قَالَ : لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا سَيِّدُهَا ، وَلَكِنْ يُقَامُ عَلَيْهَا حَدُّ الْأَمَةِ . 33914 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : لَا يُرِقُّهَا حَدَثٌ . 33915 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَزْنِي ، قَالَ : فَأَرَانِي إِيَاسٌ جَوَابَ عُمَرَ : أَنْ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ ، لَا تَزِدْهَا عَلَيْهِ ، وَلَا تُسْتَرَقُّ . 33916 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرْتُ هَذَا ; لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي الْعَجْمَاءِ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ رُقَّتْ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنْ لَا تُبَاعَ أُمُّ الْوَلَدِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ ، يَرَوْنَ عَلَيْهَا إِقَامَةَ الْحَدِّ حَدِّ الْأَمَةِ ، وَلَا تُسْتَرَقُّ . 33917 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ الَّذِينَ أَجَازُوا بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بِأَنْ قَالُوا : قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُبَاعُ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِذَا وَضَعَتْ : 33918 - فَالْوَاجِبُ بِحَقِّ النَّظَرِ أَلَّا يَزُولَ حُكْمُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مَعَ جَوَازِ بَيْعِهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ ، إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْلِهِ إِذَا وَضَعَتْ ، وَلَا إِجْمَاعَ هَاهُنَا ، فَعُورِضُوا بِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ سَيِّدِهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَهِيَ مُعَارَضَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ دُونَ سَائِرِ الْقَائِلِينَ بِزَوَالِ مَا اعْتُلَّ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ ، وَالْقَائِسِينَ عَلَى الْمَعَانِي ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
33935 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ; أَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ رَجُلٍ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، أَوْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْمُحْتَلِمِ ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَإِنْ بَلَغَ الْحُلُمَ ، حَتَّى يَلِيَ مَالَهُ . 33936 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الدَّيْنُ أَنْ يُحِيطَهُ بِمَالِهِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ ، فَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 33937 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ . 33938 - وَخَالَفَهُمْ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا : عِتْقُ مَا عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَهِبَتُهُ ، وَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطٌ بِمَالِهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى يُفَلِّسَهُ الْحَاكِمُ ، وَيَحْبِسَهُ ، وَيُبْطِلَ إِقْرَارَهُ ، وَيَحْجُرَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا فَعَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ ، وَلَا عِتْقُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ . 33939 - وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ ، وَيُحْبِلَهَا ، وَلَا يُرَدُّ شَيْءٌ أَنْفَقَهُ مِنْ مَالٍ فِيمَا شَاءَ حَتَّى يَضْرِبَ الْحَاكِمُ عَلَى يَدِهِ ، وَيَحْجُرَ عَلَيْهِ . 33940 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَييٍّ : إِذَا حَبَسَهُ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى يُفْلِسَهُ الْقَاضِي ، فَيَقُولُ : «لَا أُجِيزُ لَكَ أَمْرًا» . 33941 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الْحَبْسُ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلدَّائِنِينَ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» فَخَالَفَ أَصْحَابَهُ ، وَمَالَ إِلَى قَوْلِ الثَّوْرِيِّ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَسَنَزِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا فِي الْأَقْضِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 33942 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، أَوْ يُبْلُغَ مَا يَبْلُغُ الْمُحْتَلِمُ ، فَالِاحْتِلَامُ مَعْلُومٌ . وَقَوْلُهُ : أَوْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ مَا يَبْلُغُهُ الْمُحْتَلِمُ ، فَإِنَّ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا بَلَغَ سِنًّا ، لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا الْمُحْتَلِمُ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمُحْتَلِمِ . 33943 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ لِمَنْ لَا يَحْتَلِمُ . 33944 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْبُلُوغُ ، وَالْإِنْبَاتُ ، أَوِ الِاحْتِلَامُ ، أَوِ الْحَيْضُ فِي الْجَارِيَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ بِالْإِنْبَاتِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، أَوْ يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَبْلُغُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ . 33945 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ فِي الْمَجْهُولِ الْأَوْلَادِ الْإِنْبَاتُ ، وَفِي الْمَعْلُومِ بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . 33946 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونَ . 33947 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ جَمِيعًا . 33948 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ أَنْبَتَ مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ ، وَاسْتَحْيَى مَنْ لَمْ يُنْبِتْ . 33949 - وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَلَّا يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ إِلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِيُّ » . 33950 - وَقَالَ عُثْمَانُ فِي غُلَامٍ سَرَقَ : انْظُرُوهُ ، فَإِنْ كَانَ خَضِرَ مَبْرَزُهُ ، فَاقْطَعُوهُ . 33951 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَنَةً ، فَهِيَ بَالِغٌ ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ ، وَفِي الْغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ قَبْلَ ذَلِكَ . 33952 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الْغُلَامِ : ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً ، وَفِي الْجَارِيَةِ إِذَا وَلَدَ مِثْلُهَا . 33953 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْغُلَامَ مَا لَمْ يَحْتَلِمْ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ وَصِيَّةٌ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، وَرَقِيقِهِ عِنْدَهُمْ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ، وَأَكْثَرَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا عِتْقَ أُمِّ وَلَدِهِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
1482 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ وَلِيدَةٌ قَدْ ضَرَبَهَا سَيِّدُهَا بِنَارٍ ، أَوْ أَصَابَهَا بِهَا ، فَأَعْتَقَهَا . 33919 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ : مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ رَجُلًا كَوَى غُلَامًا لَهُ بِالنَّارِ ، فَأَعْتَقَهُ عُمَرُ . 33920 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا أَقْعَدَ جَارِيَةً لَهُ عَلَى النَّارِ ، فَأَعْتَقَهَا عُمَرُ . 33921 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : وَقَعَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَمَةٍ لَهُ ، فَأَقْعَدَهَا عَلَى مِقْلَاةٍ ، فَاحْتَرَقَ عَجُزُهَا ، فَأَعْتَقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَوْجَعَهُ ضَرْبًا . 33922 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ مَثَّلَ بِمَمْلُوكِهِ عَامِدًا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ : مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . 33923 - قَالَ مَالِكٌ : يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ . 33924 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ . 33925 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَمَةً عَلَى مَوْلَاهَا لَمَّا مَثَّلَ بِهَا . 33926 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ مَثَّلَ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ . 33927 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا نَعْلَمُ قَالَهُ غَيْرُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33928 - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا نَقَصَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ . 33929 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : مَنْ مَثَّلَ بِمَمْلُوكِهِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ ، وَمَمْلُوكُهُ وَمَمْلُوكُ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 33930 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مَمْلُوكُهُ ، وَلَا غَيْرُ مَمْلُوكِهِ إِذَا مَثَّلَ بِهِ ، بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ ، أَوْ ضَرَبَهُ . 33931 - وَفِي بَعْضِ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ فِيهِ : أَوْ ضَرَبَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ . فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ . 33932 - قَالُوا : وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الضَّرْبِ مَا يَكُونُ مُثْلَةً ، فَلَمْ يَعْتِقْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا قَالَ : «كَفَّارَتُهُ ذلك» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ . 33933 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا بَيِّنٌ مِنَ الْحُجَّةِ ، وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ زِنْبَاعًا - أَبَا رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ - وَجَدَ غُلَامًا لَهُ مَعَ جَارِيَتِهِ ، فَقَطَعَ ذَكَرَهُ ، وَجَدَعَ أَنْفَهُ ، فَأَتَى الْعَبْدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ ؟» قَالَ : فَعَلَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اعْتِقْهُ ، فَاذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» . 33934 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ .
1485 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ ، هَلْ يَعْتِقُ فِيهَا ابْنَ زِنًا ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : نَعَمْ ، ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ 1486 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ وَلَدَ زِنًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ . 33999 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . 34000 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ وَلَدِ زِنًا ، وَوَلَدِ رِشْدَةٍ فِي الْعَتَاقَةِ ؟ فَقَالَ : انْظُرُوا أَكْثَرَهَمَا ثَمَنًا ، فَنَظَرُوا ، فَوَجَدُوا وَلَدَ الزِّنَا أَكْثَرَهُمَا ثَمَنًا ، فَأَمَرَهُمْ بِهِ . 34001 - وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ . 34002 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَا خَالَفَهُ ، فَضَرْبٌ مِنَ الشُّذُوذِ . 34003 - وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ أجَازَ عِتْقُ وَلَدِ الزِّنَا إِنْكَارًا مِنْهُ ; لِمَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ . 34004 - وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَنْ أَمْنَعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ أَحْمِلَ نَعْلَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنْيَةٍ . 34005 - وَقَدْ قَالَ الْقَعْقَاعُ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ : أَنْتَ تَقُولُ هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِنِّي لَمْ أَقُلْ هَذَا فِيمَنْ يُحْصِنُ أَمَتَهُ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ هَذَا فِي الَّذِي يَأْمُرُ أَمَتَهُ بِالزِّنَا . 34006 - وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَنْ رَوَى فِي وَلَدِ الزِّنَا أَنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ ، وَقَالَ : لَوْ كَانَ شَرَّ الثَّلَاثَةِ مَا اسْتَوْفَى بِأُمِّهِ أَنْ تُرْجَمَ حَتَّى تَضَعَهُ . 34007 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي «التَّمْهِيدِ» بِإِسْنَادِهِ . 34008 - وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي وَلَدِ الزِّنَا ، قَالَتْ : مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى 34009 - وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازُ عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا . 34010 - وَقَدْ قَالَ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا وَلَدُ الزِّنَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ ، يَرْوِي عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَأَنْ أَحْمِلَ عَلَى نَعْلَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنًا . 34011 - ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . 34012 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يُجْزِئُ وَلَدُ الْغَيَّةِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَا أُمُّ الْوَلَدِ ، وَلَا الْمُدَبَّرُ ، وَلَا الْكَافِرُ . 34013 - وَقَالَ عَطَاءٌ مِثْلَهُ ، وَقَدِ اضْطَرَبَ عَطَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 34014 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : وَلَدُ زِنًا صَغِيرٌ ، أَيُجْزِئُ فِي رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ كَبِيرٌ رَجُلُ صِدْقٍ . 34015 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : الرَّقَبَةُ الْمُؤْمِنَةُ الْوَاجِبَةُ ، أَيُجْزِئُ فِيهَا مُرْضَعٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَكَيْفَ ، وَلَمْ يُصَلِّ ؟ وَرَاجَعْتُهُ ، فَقَالَ : مَا أَرَاهُ إِلَّا مُسْلِمًا ، وَدِيَتُهُ دِيَةُ أَبِيهِ . 34016 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : مَا أَرَى إِلَّا الَّذِي قَدْ بَلَغَ وَأَسْلَمَ . 34017 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّبِيِّ أَيْضًا ; فَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ صَبِيٌّ مُرْضَعٌ . 34018 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِذَا لَمْ يُجْزِ فِي الظِّهَارِ ، فَأَحْرَى أَلَّا يُجْزِئَ فِي الْقَتْلِ ; لِأَنَّ النَّصَّ فِي الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْقَتْلِ ، وَالظِّهَارُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ . 34019 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ فِي الْعَدَالَةِ وَالرِّضَا فِي الشُّهَدَاءِ ، وَرَدَا فِي آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرَّجْعَةِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا ، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا الْعُدُولُ ، وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1511 ( 6 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ 1483 - مَالِكٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ; أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لِي ، فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ : أَكَلَهَا الذِّئْبُ فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا ، وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا ، وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأَعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لها رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَيْنَ اللَّهُ ؟» فَقَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، فَقَالَ : «مَنْ أَنَا ؟» فَقَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَعْتِقْهَا» . 33954 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَهَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ رُوَاةِ «الْمُوَطَّأِ» عَنْ مَالِكٍ ، كُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ : «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ » ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَوَهْمٌ مِنْهُ ، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَإِنَّمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ . 33955 - وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ كُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ هِلَالٍ هَذَا ، وَهُوَ هِلَالُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، وَأَبُو مَيْمُونَةَ اسْمُهُ أُسَامَةُ ، فَرُبَّمَا قَالَ : هِلَالُ بْنُ أُسَامَةَ ، وَرُبَّمَا قَالَ : هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ ، يَنْسُبُونَهُ كُلُّهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا قَالُوا : هِلَالُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، وَهُوَ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ . 33956 - وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ ، فَمَعْرُوفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، وَالْحَدِيثُ لَهُ مَحْفُوظٌ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ فِي اسْمِهِ جَاءَ مِنْ قِبَلِ هِلَالٍ شَيْخِ مَالِكٍ ، لَا مِنْ مَالِكٍ . 33957 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ فِي غَيْرِ «الْمُوَطَّأِ» وَلَمْ يَقُلْ : عُمَرَ بْنَ الْحَكَمِ ، وَقَالَ فِيهِ : مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قِصَّةَ إِتْيَانِ الْكُهَّانِ ، وَالطِّيَرَةِ ، لَا غَيْرَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ . 33958 - وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا كُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ ، فَجَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَإِنَّ رِجَالًا مِنَّا يَتَطَيَّرُونَ ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ فِي الطِّيَرَةِ ، وَفِي إِتْيَانِ الْكُهَّانِ ، وَفِي الْخَطِّ ، وَفِي كَلَامِهِمْ فِي الصَّلَاةِ . 33959 - وَقَوْلُهُ : «بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا ضَرَبَنِي ، ولا كَهَرَنِي . 33960 - قَالَ : ثُمَّ اطَّلَعْتُ غُنَيْمَةً لِي تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لي ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ : «إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ، فَأَعْتِقْهَا» . 33961 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33962 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْجَارِيَةِ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَرُوَاتُهُ الْمُتَفَقِّهُونَ فِيهِ ، وَسَائِرُ نَقَلَتِهِ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَقَوْلِهِ : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ 33963 - وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ التَّنْزِيلِ بِمَا لَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهِ هَاهُنَا ، وَزِدْنَا ذَلِكَ بَيَانًا فِي هَذَا الْبَابِ فِي «التَّمْهِيدِ» أَيْضًا . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يُشْكِلُ غَيْرَ مَا وَصَفْنَا . 33964 - وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَهَمَهُمْ أَمْرٌ يُقْلِقُهُمْ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ ، فَرَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَأَوْجُهَهُمْ نَحْوَ السَّمَاءِ يَدْعُونَهُ ، وَمُخَالِفُونَا يَنْسِبُونَا فِي ذَلِكَ إِلَى التَّشْبِيهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، وَمَنْ قَالَ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ، فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ . 33965 - رُوِّينَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَبْطَأَ عَنِ الْغَزْوِ عَامًا ، فَأَعْطَى رَجُلًا صُرَّةً فِيهَا دَرَاهِمُ ، وَقَالَ : انْطَلِقْ ، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَسِيرُ مَعَ الْقَوْمِ فِي نَاحِيَةٍ عَنْهُمْ فِي هَيْئَةِ بَذَاذَةٍ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . قَالَ : فَفَعَلَ ، فَرَفَعَ الَّذِي أُعْطِيَ الصُّرَّةَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَمْ تَنْسَ جَرِيرًا ، فَاجْعَلْ جَرِيرًا لَا يَنْسَاكَ . قَالَ : فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ ، وَأَوْلَى النِّعْمَةَ أَهْلَهَا . 33966 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَجَوَّدَ لَفْظَهُ يَحْيَى ، وَمَنْ تَابَعَهُ . 33967 - وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا : «فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً» ، قَالَا : «يَا رَسُولَ اللَّهِ ! عَلَيَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، أَفَأَعْتِقُ هَذِهِ ؟» 33968 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ . 33969 - وَمَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً » وَسَاقَ الْحَدِيثَ . 33970 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . 33971 - وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَحَذَفَ مِنْهُ : «إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً» ، وَقَالَ : إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَتَشْهَدِينَ » وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 33972 - وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، وَلَمْ يَقُلْهُ الْقَعْنَبِيُّ ، إِلَّا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : أَتَشْهَدِينَ بِكَذَا . 33973 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ «الْمُوَطَّأِ» فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ . 33974 - وَرَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِلَفْظِ حَدِيثِ «الْمُوَطَّأِ» سَوَاءً ، وَجَعَلَهُ مُتَّصِلًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا . 33975 - وَرَوَاهُ الْحَسَنُ هَذَا أَيْضًا عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا ، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . 33976 - وَلَيْسَ فِي « الْمُوَطَّأِ» مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» وَلَكِنْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . 33977 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أَعْتِقْهَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ مِثْلَ رِوَايَةِ يَحْيَى إِلَى آخِرِهَا . 33978 - وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهَا الْإِقْرَارَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . 33979 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، وَلَا مُسْلِمٍ ، وَلَا يَنْفَعُهُ مَا شَهِدَ بِهِ . 33980 - وَفِي ذَلِكَ مَعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَأْكِيدِ الْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا يُغْنِي وَيَكْفِي . 33981 - وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً نَذْرًا لِلَّهِ أَنْ يَعْتِقَهَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ إِلَّا مُؤْمِنَةٌ . 33982 - وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ بِشَرْطِ اللَّهِ ذَلِكَ فِي نَصِّ كِتَابِهِ هُنَالِكَ . 33983 - وَاخْتَلَفُوا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ . 33984 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 33985 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، هَلْ يُجْزِئُ فِيهَا الصَّغِيرُ إِنْ كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ؟ وَهَلْ يُجْزِئُ فِيهَا مَنْ لَمْ يَصُمْ ، وَلَا يُصَلِّ ؟ 33986 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَنْ صَامَ ، وَقَالَتْ : ذَهَبَ إِلَى هَذَا بَعْضُ مَنْ يَقُولُ : «الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ» . 33987 - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قَالَ : مَنْ عَقَلَ الْإِيمَانَ ، وَصَامَ ، وَصَلَّى . 33988 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى ، وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ لَيْسَتْ مُؤْمِنَةً ، فَالصَّبِيُّ يُجْزِئُ . 33989 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقُ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَدْ صَلَّى ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصِّيَامَ ، وَمَا لَمْ يَذْكُرْ مُؤْمِنَةً ، فَيُجْزِئُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ . 33990 - وعَنِ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ . 33991 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 33992 - وَرَوَى الْأَشْجَعِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الصَّبِيُّ ، وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى . 33993 - وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : كُلُّ رَقَبَةٍ وُلِدَتْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَهِيَ تُجْزِئُ . 33994 - وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ ; قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ : أَيُجْزِئُ عِتْقُ الصَّبِيِّ الْمُرْضَعِ فِي كَفَّارَةِ الدَّمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . 33995 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُؤْمِنًا جَازَ عِتْقُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ . 33996 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَسْتَحِبُّ أَلَّا يُعْتَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ إِلَّا مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِيمَانِ . 33997 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يُرَاعِي إِسْلَامَ الْأَبِ ، وَلَا يُرَاعِي إِسْلَامَ الْأُمِّ . 33998 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاخْتِيَارِ ، وَالتَّمْيِيزِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ فِي الْوِرَاثَةِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَدَفْنِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ دِيَتَهُ - إِنْ قُتِلَ - مِثْلُ دِيَةِ أَحَدِهِمْ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1504 38 - كِتَابُ الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ ( 1 ) بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ . 1476 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . 33706 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي «التَّمْهِيدِ» اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ رُوَاةِ «الْمُوَطَّأِ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاخْتِلَافَ أَلْفَاظِ أَصْحَابِ نَافِعٍ عَلَيْهِ ، وَأَصْحَابِ سَالِمٍ عَلَيْهِ . 33707 - وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ نَافِعٍ ، وَأَتْقَنَهُ ، وَبَانَ فِيهِ فَضْلُ حِفْظِهِ وَفَهْمِهِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَمِنْ أَحْسَنِ رُوَاةِ سِيَاقِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ صَاحِبُنَا ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَنْ مَالِكٍ : فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ : فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ كَثَّرَ ، وَلَمْ يُقِمِ الْحَدِيثَ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ . 33708 - وَكَذَلِكَ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَأَتْقَنَهُ فِي قَوْلِهِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَقَدْ عَتَقَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ ، وَأَعْتَقَ كُلُّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ، وَهَذَا كَرَاوِيَةِ مَالِكٍ سَوَاءٌ . 33709 - وَرَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ ، فَهُوَ عَتِيقٌ . 33710 - قَالَ أَيُّوبُ : قَالَ نَافِعٌ : وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . 33711 - قَالَ أَيُّوبُ : لَا أَدْرِي أَهَذَا فِي الْحَدِيثِ أَمْ هُوَ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ . قَوْلُهُ : فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ 33712 - وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ كُلِّفَ عِتْقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ جَازَ مَا صَنَعَ . 33713 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَعَنْ أَيُّوبَ ، وَعَنْ يَحْيَى بِمَا وَصَفْنَا مِنْ طُرُقٍ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33714 - وَهَذَا اللَّفْظُ ، أَعْنِي قَوْلَهُ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ، يَعْنِي الِاسْتِسْعَاءَ ، وَيُوجِبُ الْعِتْقَ عَلَى الْمُعْسِرِ ، وَإِنَّمَا مِلْكُ شَرِيكِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ دُونَ إِيجَابِ اسْتِسْعَاءٍ عَلَى الْعَبْدِ . 33715 - وَهَذَا الْمَوْضِعُ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَارُ ، وَاخْتَلَفَ فِي الْحُكْمِ بِهِ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ . 33716 - فَأَمَّا اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى فِي ذَلِكَ خِلَافَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا سَعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ . 33717 - هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى سَعِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ النَّضْرِ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33718 - كَذَلِكَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ . 33719 - وَقَدْ تَابَعَ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ عَلَى ذَلِكَ أَبَانُ الْعَطَّارُ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَمُوسَى بْنَ خَلَفٍ ، رَوَوْهُ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ ، وَذَكَرُوا فِيهِ السِّعَايَةَ . 33720 - وَأَمَّا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، فَرَوَوْهُ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ السِّعَايَةَ ، وَهُمْ أَثْبَتُ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِيهِ السِّعَايَةَ . 33721 - وَأَصْحَابُ قَتَادَةَ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ عَلَى غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ : شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، فَإِذَا اتَّفَقَ مِنْهُمُ اثْنَانِ ، فَهُمَا حُجَّةٌ عَلَى الْوَاحِدِ عِنْدَهُمْ ، وَقَدِ اتَّفَقَ شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَلَى تَرْكِ ذِكْرِ السِّعَايَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَضَعُفَ بِذَلِكَ ذِكْرُ السِّعَايَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33722 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طُرُقِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي «التَّمْهِيدِ» ، وَزِدْنَا الْقَوْلَ بَيَانًا فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَالنَّقْلِ هُنَالكَ . 33723 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ مَالِكًا ، وَأَصْحَابَهُ يَقُولُونَ : إِذَا أَعْتَقَ الْمَلِيءُ الْمُوسِرُ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يُعْتِقَ بَتْلًا ، وَلَهُ أَنْ يُقَوِّمَ إِذَا عَتَقَ نَصِيبَهُ ، كَمَا أَعْتَقَ شَرِيكُهُ قَبْلَ التَّقْوِيمِ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا كَانَ الْمِلْكُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يُقَوَّمْ ، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ ، فَهُوَ كَالْعَبْدِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ . 33724 - وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ لِنَصِيبِهِ مِنَ الْعَبْدِ عَدِيمًا لَا مَالَ لَهُ لَمْ يُعْتِقْ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرَ حِصَّتِهِ ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ رِقًّا لَهُ يَخْدِمُهُ الْعَبْدُ يَوْمًا وَيَكْتَسِبُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا ، وَهُوَ فِي حُدُودِهِ ، وَجَمِيعُ أَحْوَالِهِ كَالْعَبْدِ . 33725 - وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا بِبَعْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُوجَدُ مَعَهُ مِنْ مَالٍ وَرُقَّ بَقِيَّةُ النَّصِيبِ لَدَيْهِ ، وَيُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يُقْضَى فِي سَائِرِ الدُّيُونِ اللَّازِمَةِ ، وَالْجِنَايَاتِ الْوَاجِبَةِ ، وَيُبَاعُ عَلَيْهِ شَوَارُ بَيْتِهِ وَمَالِهِ بَالٍ مِنْ كُسْوَتِهِ . 33726 - والتقويم أن يقوم نصيبه يوم العتق قيمة عدل ثم يعتق عليه . 33727 - وَكَذَلِكَ قَالَ دَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْقِيمَةَ إِلَى شَرِيكِهِ . 33728 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي «الْقَدِيمِ» ، وَقَالَ فِي «الْجَدِيدِ» : إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ لِحِصَّتِهِ مِنَ الْعَبْدِ مُوسِرًا فِي حِينِ العتق عَتَقَ جَمِيعَهُ حِينَئِذٍ وَكَانَ حُرًّا مِنْ يَوْمِئِذٍ ، يَرِثُ وَيُورَثُ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَلَا سَبِيلَ لِلشَّرِيكِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ نَصِيبِهِ عَلَى شَرِيكِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ، وَسَوَاءٌ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ أَوْ مَنَعَهُ إِذَا كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ الْعِتْقِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَالشَّرِيكُ عَلَى مِلْكِهِ يُقَاسِمُهُ كَسْبَهُ ، أَوْ يَخْدِمُهُ يَوْمًا ، وَيُخَلَّى لِنَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ . 33729 - وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَلَهُ وَارِثٌ وَرِثَ بِقَدْرِ وِلَايَتِهِ ، وَإِنْ مَاتَ لَهُ مَوْرُوثٌ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا . 33730 - وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ فِيمَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا ، ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ فِي «الْقَدِيمِ» وَاخْتَارَ قَوْلَهُ فِي «الْجَدِيدِ» وَقَالَ : هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ : لَوْ أَعْتَقَ الثَّانِي كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا . 33731 - وَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ هَذَا أَصَحُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ ، وَقَالَهُ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ . 33732 - وَأَصْلُ مَا بَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يَقُلْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَضَعَّفَ قَوْلَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ السِّعَايَةَ . 33733 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ الْمُعْسِرُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِ الْبَاقِي ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَى وَرَثَتِهِ بِعِتْقِ النِّصْفِ الْبَاقِي . 33734 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ إِذَا مَاتَ ، وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ تَرِكَتِهِ إِلَّا أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ فَيُقَوَّمُ فِي الثُّلُثِ . 33735 - وَقَالَ سُفْيَانُ : إِذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ حِصَّتَهُ مِنَ الْعَبْدِ مَالٌ ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ ، وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ نَقَصَ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ ، وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ . 33736 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . 33737 - وَفِي قَوْلِهِمْ : يَكُونُ الْعَبْدُ كُلُّهُ حُرًّا سَاعَةَ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ عَبْدِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ لِلَّذِي لَمْ يُعْتِقْ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ ، وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مَا دَامَ فِي سِعَايَتِهِ مِنْ يَوْمِ أُعْتِقَ ، يَرِثُ ، وَيُورَثُ . 33738 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِثْلُهُ ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَعَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِمَا سَعَى فِيهِ مَتَى أَيْسَرَ . 33739 - وَرَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُعْتِقَ بَعْضَهُ حُرًّا فِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِ . 33740 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ ، فَإِنَّ الشَّرِيكَ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ ، كَمَا أَعْتَقَ صَاحِبُهُ ، وَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ شَرِيكُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ ، يَسْتَسْعِي فِيهِ إِنْ شَاءَ ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلشَّرِيكِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا ، فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْعَبْدُ نِصْفَ قِيمَتَهُ يَسْعَى فِيهَا ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ ، كَمَا أَعْتَقَ صَاحِبُهُ ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا . 33741 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْعَبْدُ الْمُسْتَسْعِي مَا دَامَ فِي سِعَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ . 33742 - وَقَالَ زُفَرُ : يُعْتَقُ الْعَبْدُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ حِصَّتُهُ مِنْهُ ، وَيُتْبَعُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا . 33743 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقُلْ زُفَرُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ . 33744 - وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَكُلُّ قَوْلٍ خَالَفَ السُّنَّةَ مَرْدُودٌ . 33745 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : إِنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مَالٌ ضَمِنَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عُتِقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ، وَكَانَ الْآخَرُ عَلَى نَصِيبِهِ ، وَلَا يَسْتَسْعِي الْعَبْدُ . 33746 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذِكْرُ السِّعَايَةِ ، وَأَحْمَدُ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِصَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ . 33747 - قَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يُبَاعُ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ دَارٌ ، وَلَا رِبَاعٌ ، وَلَمْ يَحِدَّ فِي الْعُسْرِ وَالْيَسَارِ حَدًّا . 33748 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ كَانَ لِلشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ مَالٌ ، فَكَمَا قَالَ أَحْمَدُ : يَضْمَنُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا دَارٌ وَخَادِمٌ ، فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ ذَلِكَ مَالًا ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّهُ يَسْتَسْعِي الْعَبْدُ لِصَاحِبِهِ . 33749 - وَاتَّفَقَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَسُفْيَانُ بِأَنَّ الْعِتْقَ إِذَا وَقَعَ ، وَالْمُعْتِقُ مُوسِرٌ ، ثُمَّ أَفْلَسَ لَمْ يَتَحَوَّلْ عَلَيْهِ الْغُرْمُ كَمَا لَوْ وَقَعَ ، وَهُوَ مُفْلِسٌ ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ . 33750 - وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا شَاذَّةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِنْهَا قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : فَمَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ أَنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ ، مُوسِرًا كَانَ الْمُعْتِقُ ، أَوْ مُعْسِرًا ، وَهَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ ، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَا عَلِمَهُ . 33751 - وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَعَلَ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ السُّنَّةِ . 33752 - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمَا قَالَا : الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ضَمِنَ ، أَوْ لَمْ يَضْمَنْ . 33753 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةٌ رَائِعَةً تُرَادُ لِلْوَطْءِ ، فَيَضْمَنُ مَا أَدْخَلَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنَ الضَّرَرِ . 33754 - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ زُفَرَ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا ، فَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَعْتَقَ حِصَّةً لَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ . 33755 - وَأَمَّا مَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا شِرْكَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مَعَهُ ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ يَقُولُونَ : يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ . 33756 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةُ . 33757 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَحَمَّادٍ : يَعْتِقُ مِنْهُ ذَلِكَ النَّصِيبُ ، وَيَسْعَى لِمَوْلَاهُ فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا . 33758 - وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ . 33759 - وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ ; أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ ، فَأَعْتَقُوا الْعَبْدَ كُلَّهُ دُونَ سِعَايَةٍ . 33760 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، كُلُّهُمْ قَالَ : يُعْتَقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْعِتْقُ مِنْهُ فِي الصِّحَّةِ . 33761 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَى رَبِيعَةَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ بِمَعْنَى السُّنَّةِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا وَرَدَ بِأَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ مُوسِرٌ بِهِ مَالِكٌ لَهُ ، وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَ الْأَثَرُ لَيْسَ إِلَيْهِ بِشَرِيكٍ . 33762 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوُدُ السِّخْتِيَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ - زَادَ أَبُو الْوَلِيدِ : عَنْ أَبِيهِ - : أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي غُلَامٍ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَيْسَ إِلَيْهِ بِشَرِيكٍ . زَادَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَأَجَازَ عِتْقَهُ . 33763 - وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةَ مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ ، أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِتْقَهُ . 33764 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ . 33765 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِنَّمَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ كُلُّهُ إِذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نِصْفَهُ . 33766 - وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ رَبِيعَةَ وَأَبِي حَنِيفَةَ . 33767 - وَهُوَ قَوْلُ عبيد اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : يَعْتِقُ الرَّجُلُ مِنْ عَبْدِهِ مَا شَاءَ . 33768 - رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33769 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ : لَوْ أَعْتَقَ مِنْ عَبْدِهِ عُضْوًا ، أَوْ إِصْبَعًا عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ . 33770 - وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ . 33771 - وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 33772 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ الْفَأْفَأ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : كَانَ لِي عَبْدٌ فَأَعْتَقْتُ ثُلُثَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : عَتَقَ كُلُّهُ ، لَيْسَ لِلَّهِ بِشَرِيكٍ . 33773 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ مَلَكَ شِقْصًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَهُ سِوَى الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عِنْدَ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ عَتَقَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِذَا أَعْتَقَ هُوَ حِصَّتَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْهُمْ ذِكْرَهُ ، فَإِنْ مَلَكَهُ بِمِيرَاثٍ ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ وَفِي السِّعَايَةِ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أُصُولِهِمْ . 33774 - وَفِي تَضْمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُعْتِقَ لِنَصِيبِهِ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ قِيمَةَ بَاقِي العبد دُونَ أَنْ يُلْزِمَهُ الْإِتْيَانَ بِنِصْفِ عَبْدٍ مِثْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ ، أَوِ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ ، وَلَا تُوزَنُ ، أَوْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قِيمَةُ مَا اسْتَهْلَكَ دُونَ الْمِثْلِ فِيهِ . 33775 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا : 33776 - فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنَ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ ، وَلَا تُوزَنُ ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقِيمَةُ لَا الْمِثْلُ ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : الْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِي ذَلِكَ . 33777 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . 33778 - وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّ الْقِيمَةَ لَا يُقْضَى بِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ . 33779 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَمْ يَقُلْ : بِقِيمَةِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ . 33780 - وهَذَا عِنْدَهُمْ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا . 33781 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُومِنِينَ جَارِيَةً بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، قَالَ : فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا ، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ ، وَسَقَطَ الطَّعَامُ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَسْرَتَيْنِ ، فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى ، وَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ ، وَيَقُولُ : «غَارَتْ أُمُّكُمْ ، كُلُوا» فَأَكَلُوا ، وَحَبَسَ الرَّسُولُ والْقَصْعَةَ حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَةُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ، وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ . 33782 - وَمِثْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ فُلَيْتِ بْنِ خَلِيفَةَ الْعَامِرِيِّ ، وَيُقَالُ لَهُ : قُلَيْتٌ ، عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيِّيٍّ ، صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا ، فَبَعَثَتْ بِهِ ، فَأَخَذَنِي أَفْكَلٌ ، وَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ ؟ فَقَالَ : «إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ» .
33783 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ سَيِّدُهُ مِنْهُ شِقْصًا ; ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ سَهْمًا مِنَ الْأَسْهُمِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ ، وَسَمَّى مِنْ ذَلِكَ الشِّقْصِ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَتَاقَةَ ذَلِكَ الشِّقْصِ ، إِنَّمَا وَجَبَتْ وَكَانَتْ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ مَا عَاشَ ، فَلَمَّا وَقَعَ الْعِتْقُ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي إِلَّا مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ ، وَلَمْ يَعْتِقْ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ ، فَكَيْفَ يَعْتِقُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسُوا هُمُ ابْتَدَءُوا الْعَتَاقَةَ ، وَلَا أَثْبَتُوهَا ، وَلَا لَهُمُ الْوَلَاءُ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ . وَإِنَّمَا صُنْعُ ذَلِكَ الْمَيِّتِ ، هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ وَأُثْبِتَ لَهُ الْوَلَاءُ ، فَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ فِي مَالِ غَيْرِهِ ، إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يَعْتِقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي مَالِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِشُرَكَائِهِ وَوَرَثَتِهِ ، وَلَيْسَ لِشُرَكَائِهِ أَنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ . 33784 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ ثُلُثَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَبَتَّ عِتْقَهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ فِي ثُلُثِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لِأَنَّ الَّذِي يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَوْ عَاشَ رَجَعَ فِيهِ وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَبُتُّ سَيِّدُهُ عِتْقَ ثُلُثِهِ فِي مَرَضِهِ ، يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِنْ عَاشَ ، وَإِنْ مَاتَ أَعْتَقَ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ الْمَيِّتِ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ ، كَمَا أَنَّ أَمْرَ الصَّحِيحِ جَائِزٌ فِي مَالِهِ كُلِّهِ . 33785 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَتْقَنَ مَالِكٌ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوصِي يَعْتِقُ حِصَّتَهُ فِي عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَفِي الَّذِي بَتَلَ عِتْقَ حِصَّتِهِ فِي مَرَضِهِ ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَصِيَّةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى . 33786 - وَخَالَفَهُ الْكُوفِيُّونَ فِي الْعِتْقِ الْبَتْلِ فِي الْمَرَضِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 33787 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ . 33788 - قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِذَا أَعْتَقَ شَرِيكًا لَهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عِتْقَ بَتَاتٍ ، ثُمَّ مَاتَ ، كَانَ فِي ثُلُثِهِ كَالصَّحِيحِ فِي كُلِّ مَالِهِ . 33789 - قَالَ : وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ النَّصِيبِ مِنْ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إِلَّا مَا أَوْصَى بِهِ . 33790 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُوصِي بِعِتْقِ شِقْصٍ لَهُ مِنْ أَعْبُدٍ ، وَيُوصِي أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ . 33791 - وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي الْمُوصِي بِعِتْقِ شِقْصٍ لَهُ مِنْ عَبْدٍ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ ، فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ : 33792 - وَكَانَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُ : يُسْتَهَمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فِي ثُلُثِهِ كَالصَّحِيحِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ . 33793 - قَالَ : وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الشَّرِيكُ تَقْدِيمَهُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَهُ مُبَاحٌ . 33794 - وَفِي «الْعَتْبِيَّةِ» رَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُعْتِقِ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ . 33795 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الَّذِي يَعْتِقُ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَيَمُوتُ مِنْ وَقْتِهِ : 33796 - وَفِي «الْمُدَوَّنَةِ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ ، أَوْ أَفْلَسَ ، لَمْ يُقَوَّمْ فِي مَالِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا بَيْنَ تَطَاوُلِ وَقْتِ مَوْتِهِ ، أَوْ قُرْبِ ذَلِكَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ . 33797 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مُطَرِّفًا رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ مَاتَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ فَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ . 33798 - وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ ذَلِكَ فَقَالَ : إِذَا مَاتَ بِحِدْثَانِ قَوْمٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ حَقًّا لَا يَتَطَلَّبُ الْمَعْرِفَةَ . 33799 - وَفِي الْعَتْبِيَّةِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي رَأْسِ مَالِهِ ، لَا فِي ثُلُثِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1516 ( 8 ) بَابُ عِتْقِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ 1488 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ; أَنَّ أَمَةً أَرَادَتْ أَنْ تُوصِيَ ، ثُمَّ أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ ، فَهَلَكَتْ ، وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تَعْتِقَ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَيَنْفَعُهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ : إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «نَعَمْ» . 1489 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمٍ نَامَهُ ، فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ ; زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رِقَابًا كَثِيرَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 34057 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْعِتْقَ وَالصَّدَقَةَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ جَائِزٌ ، كُلُّ ذَلِكَ فِعْلُهُ لِلْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ . 34058 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَلَاءِ إِذَا أَعْتَقَ الْمَرْءُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ . 34059 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . 34060 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَذَكَرْنَا خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
1506 ( 3 ) بَابُ مَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَا يَمْلِكُ مَالًا غَيْرَهُمْ 1478 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ; أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ ، سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ تِلْكَ الْعَبِيدِ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرُهُمْ . 1479 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّ رَجُلًا فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ ، كُلَّهُمْ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَأَمَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بتِلْكَ الرَّقِيقَ فقُسِّمَتْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ أَسْهَمَ عَلَى أَيِّهِمْ يَخْرُجُ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُونَ ، فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ ، فَعَتَقَ الثُّلُثُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ . 33808 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ سُنَّةً ، وَعَمَلًا بِالْمَدِينَةِ ، فَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ رَوَاهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33809 - وَحَدِيثُ عِمْرَانَ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ طُرُقًا ، وَهِيَ سُنَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَاحْتَاجَ فِيهَا إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ . 33810 - رَوَاهَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو الْمُهَلَّبِ الْجِرْمِيُّ ، وَرَوَاهَا عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْهُمْ : قَتَادَةُ ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ . 33811 - وَرَوَاهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، وَيَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . 3812 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَزِيدُ التُّسْتَرِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ جَمِيعًا ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . 33813 - وَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . 33814 - وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 33815 - وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، كُلُّهُمْ سَمِعُوا مَكْحُولًا ، يَقُولُ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ : أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَهَا مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . 33816 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْأَسَانِيدِ فِي «التَّمْهِيدِ» ، وَنَذْكُرُ هُنَا مِنْهَا طَرَفًا . 33817 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . 33818 - لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 33819 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَعَنْ قَتَادَةَ ، وَحُمَيْدٍ ، وَسِمَاكٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَتَرَكَ أَرْبَعَةً فِي الرِّقِّ . 33820 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ بَكْرٍ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ ، وَأَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . 33821 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ فِي مَرَضِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ عَبِيدًا لَهُ ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ : 33822 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا بِهَذَا الْأَثَرِ الصَّحِيحِ ، وَذَهَبُوا إِلَيْهِ . 33823 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ . 33824 - ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ قُسِّمُوا أَثْلَاثًا ، ثُمَّ يُسْهَمُ بَيْنَهُمْ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُمْ بِالسَّهْمِ ، وَيُرَقُّ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَضْلٌ رُدَّ السَّهْمُ عَلَيْهِمْ ، فَأَعْتَقَ الْفَضْلُ ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ مَالًا غَيْرَهُمْ ، أَوْ لَمْ يَتْرُكْ . 33825 - قَالَ : وَمَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِنِصْفِهِمْ ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ . 33826 - قَالَ : وَمَنْ قَالَ : ثُلُثُ رَقِيقِي حُرٌّ أُسْهِمَ بَيْنَهُمْ ، وَإِنْ أَعْتَقَ كُلَّهُمْ أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ . 33827 - وَإِنْ قَالَ : ثُلُثُ كُلِّ رَأْسٍ حُرٌّ ، وَنِصْفُهُ لَمْ يُسْهَمْ بَيْنَهُمْ . 33828 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كُلُّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبِيدِهِ ، أَوْ بَتْلِ عِتْقِهِمْ فِي مَرَضِهِ ، وَلَمْ يَدَعْ غَيْرَهُمْ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالسَّهْمِ ثُلُثَهُمْ . 33829 - وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ مَالًا ، وَالثُّلُثُ لَا يَسَعُهُمْ لَأَعْتَقَ مَبْلَغَ الثُّلُثِ مِنْهُمْ بِالسَّهْمِ . 33830 - وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ جُزْءًا سَمَّاهُ ، أَوْ عَدَدًا سَمَّاهُ . 33831 - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : رَأْسٌ مِنْهُمْ حر ، فَالسَّهْمُ يَعْتِقُ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتِقُ إِنْ كَانُوا خَمْسَةً ، فَخُمُسُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا سِتَّةً فَسُدُسُهُمْ ، خَرَجَ لِذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ وَاحِدٍ ، أَوْ أَكْثَرُ . 33832 - وَقَالَ : لَوْ قَالَ : عُشْرَهُمْ ، وَهُمْ سِتُّونَ عَتَقَ سُدُسُهُمْ أَخْرَجَ السَّهْمُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةٍ ، أَوْ أَقَلَّ . 33833 - هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ . 33834 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ فِي الَّذِي يُوصِي بِعِتْقِ عَبِيدِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثَهُمْ بِالسَّهْمِ . 33835 - وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الَّذِي أَعْتَقَ عَبِيدَهُ فِي مَرَضِهِ عِتْقًا بَتْلًا ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ . 33836 - وَقَالَ أَشْهَبُ ، وَأَصْبَغُ : إِنَّمَا الْقُرْعَةُ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَأَمَّا الْبَتْلُ ، فَهُمْ كَالْمُدَبَّرِينَ . 33837 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُ الْمُدَبَّرِينَ عِنْدَهُمْ إِذَا دَبَّرَهُمْ سَيِّدُهُمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَنَّهُ لَا يُبْدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، وَيُقْضَى الثُّلُثُ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِالْقِيمَةِ ، فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ لَمْ يَدَعْ مَالًا غَيْرَهُمْ عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ وَإِنْ دَبَّرَ فِي مَرَضِهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ ، كَمَا دَبَّرَهُمْ فِي الصِّحَّةِ ، أَوْ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ صَحَّ . 33838 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، وَخِلَافُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَلَمْ تَرِدِ السُّنَّةُ إِلَّا فِيمَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِتْقًا بَتْلًا ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، لَا فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْوَصَايَا ، فَأَرَقَّ ثُلُثَيْهِمْ ، وَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِالْحَدِيثِ فِي الْوَصِيَّةِ دُونَ الْعِتْقِ الْبَتْلِ ، فَيُخَالِفُهُمْ نَصُّهُ ، وَيَقُولُ بِمَعْنَاهُ . 33839 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ كِنَانَةَ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونَ ، وَمُطَرِّفٍ ، قَالُوا : إِذَا عَتَقَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ عَبِيدًا لَهُ عِتْقًا بَتْلًا ، أَوْ أَوْصَى لَهُمْ بِالْعَتَاقَةِ كُلِّهِمْ ، أَوْ بَعْضِهِمْ سَمَّاهُمْ ، أَوْ لَمْ يُسَمِّهِمْ إِلَّا أَنَّ الثُّلُثَ لَا يَحْمِلُهُمْ أَنَّ السَّهْمَ يُجْزِئُ فِيهِمْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ . 33840 - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ لَمْ يُسْهِمْ بَيْنَهُمْ ، وَأَعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَنُوبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ تَافِهٌ ، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ . 33841 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ عَبِيدًا لَهُ ، عِتْقَ بَتَاتٍ ، انْتُظِرَ بِهِمْ ، فَإِنْ صَحَّ عَتَقُوا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَإِنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، وَأَعْتَقَ ثُلُثُهُمْ . 33842 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْعِتْقَ الْبَتَاتَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ مَمْلُوكِينَ أَعْتَقَهُمُ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ وَأَنْزَلَ عِتْقَهُمْ وَصِيَّةً ، فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ . 33843 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا لَهُ عِتْقَ بَتَاتٍ ، وَلَهُ مُدَبِّرُونَ ، وَعَبِيدٌ ، أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ بُدِئَ بِالَّذِينِ بَتَّ عِتْقَهُمْ فِي مَرَضِهِ ; لِأَنَّهُمْ يَعْتِقُونَ عَلَيْهِ إِنْ صَحَّ ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمْ بِحَالٍ . 33844 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْقُرْعَةُ أَنْ تُكْتَبَ رِقَاعٌ ، ثُمَّ يُكْتَبُ أَسْمَاءُ الْعَبِيدِ ، ثُمَّ يُبَنْدَقُ بَنَادِقُ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ يُجْعَلُ فِي كُلِّ بُنْدُقَةٍ رُقْعَةٌ ، وَيُجْرَى الرَّقِيقُ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ يُؤْمَرُ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمْ يَحْضُرِ الرِّقَاعَ ، فَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى كُلِّ جُزْءٍ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا فِي الْقِيمَةِ عُدِّلُوا ، وَضُمَّ قَلِيلُ الثَّمَنِ إِلَى كَثِيرِ الثَّمَنِ ، وَجَعَلُوهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا عَبْدَيْنِ ، فَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ عَلَى جُزْءٍ فِيهِ عِدَّةُ رَقِيقٍ أَقَلُّ مِنَ الثُّلُثِ أُعِيدَتِ الرُّقْعَةُ بَيْنَ السَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ ، فَأَيُّهُمْ وَقَعَ عَلَيْهِ أَعْتَقَ مِنْهُ بَاقِي الثُّلُثِ . 33845 - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي هَذَا كُلِّهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً . 33846 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ ابْنُ مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ : أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَبِيدًا لَهَا سِتَّةً ، لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ وَقَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا شَدِيدًا ، ثُمَّ دَعَا بِسِتَّةِ قِدَاحٍ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ . قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى : كُنْتُ أُرَاجِعُ مَكْحُولًا ، فَأَقُولُ : إِنْ كَانَ عَبْدٌ ثَمَنُهُ أَلْفُ دِينَارٍ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ ذَهَبَ الْمَالُ ، فَقَالَ : قِفْ عِنْدَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِسُلَيْمَانَ : الْأَمْرُ يَسْتَقِيمُ عَلَى مَا قَالَ مَكْحُولٌ ، قَالَ : كَيْفَ ؟ قُلْتُ : يُقَيَّمُونَ قِيمَةً ، فَإِنْ زَادَ اللَّذَانِ أُعْتِقَا عَلَى الثُّلُثِ أُخِذَ مِنْهُمَا الثُّلُثُ ، وَإِنْ نَقَصَا عَتَقَ مَا بَقِيَ أَيْضًا بِالْقُرْعَةِ ، فَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْهُمْ . قَالَ : ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَهُمْ . 33847 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُمْ ، وَعَدَلَهُمْ بِالْقِيمَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ فِي إِخْرَاجِ الثُّلُثِ . 33848 - قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ سِتَّةُ أَعْبُدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُم ، فَأَعْتَقَهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . 33849 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمْ . 33850 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ : عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ ، وَسَعَوْا فِي الْبَاقِي . 33851 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 33852 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَادَامَ يَسْعَى حُكْمُ الْمُكَاتَبِ . 33853 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ : هُمْ أَحْرَارٌ ، وَثُلْثَا قِيمَتِهِمْ دَيْنٌ عَلَيْهِمْ يَسْعَوْنَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى الْوَرَثَةِ . 33854 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَدَّ الْكُوفِيُّونَ السُّنَّةَ الْمَأْثُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ إِمَّا بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ ، أَوْ بِأَنْ لَمْ تَصِحَّ عَنْهُمْ ، وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَرْضُ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ، أَوِ الْمَشْهُورَةِ الْمُنْتَشِرَةِ . 33855 - وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْجَامِعِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَيْسَ الْجَهْلُ بِالسُّنَّةِ ، وَلَا الْجَهْلُ بِصِحَّتِهَا عِلَّةٌ يَصِحُّ لِعَاقِلٍ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ، وَقَدْ أَنْكَرَهَا قَبْلَهُمْ شَيْخُهُمْ ; حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ . 33856 - وَرَوَى مُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ . قَالَ : هَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ يَعْنِي إِبْلِيسَ ، فَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ لَهُ : وُضِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ : مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ : وَأَنْتَ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : وَكَانَ حَمَّادُ رُبَّمَا صُرِعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ . 33857 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَنَى الْكُوفِيُّونَ مَذْهَبَهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَبِيدَ الْمُعْتَقِينَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ قَدِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعِتْقَ ، لَوْ كَانَ لِسَيِّدِهِمْ مَالٌ يُخْرَجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَقَّ بِالْعِتْقِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ عَتَقَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ ، وَسَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ ; لِقَوْلِهِمْ بِالسِّعَايَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُعْسِرٍ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي مَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 33858 - وَهَذَا عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُرَدَّ سُنَّةٌ بِمَعْنَى مَا فِي أُخْرَى إِذَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَجْهٍ مَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَالصَّوَابُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ . 33859 - وَفِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْفِقْهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ; لِأَنَّ عِتْقَهُمْ فِي الْعَبِيدِ لِمَرَضِهِمْ وَصِيَّةٌ لَهُمْ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بِوَالِدَيْنِ لِمَالِكِهِمُ الْمُعْتِقِ لَهُمْ ، وَلَا بِأَقْرَبِينَ لَهُ ، وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ ، وَلَا تَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ ، وَلَا عِنْدَ عَدَمِهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . 33860 - وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْوَصَايَا . 33861 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ كُلُّهَا مِنْ عِتْقٍ وَهِبَةٍ ، وَعَطِيَّةٍ كَالْوَصِيَّةِ ، لَا يَجُوزُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ . 33862 - وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ فِي رَأْسِ مَالِهِ كَأَفْعَالِ الصَّحِيحِ ، وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ كَالْوَصَايَا ، وَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 33863 - وَفِيهِ أَيْضًا إِبْطَالُ السِّعَايَةِ مَعَ دَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
( 2 ) بَابُ الشَّرْطِ فِي الْعِتْقِ 1477 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَبَتَّ عِتْقَهُ ، حَتَّى تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَتَتِمَّ حُرْمَتُهُ وَيَثْبُتَ مِيرَاثُهُ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا يُشْتَرَطُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ خِدْمَةٍ ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الرِّقِّ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ» . قَالَ مَالِكٌ : فَهُوَ إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ خَالِصًا أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالِ عَتَاقَتِهِ ، وَلَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الرِّقِّ . 33800 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ، وَبَتَّ عِتْقَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِمَّا يَشْتَرِطُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ - يَعْنِي مِنْ مَالٍ ، أَوْ خِدْمَةٍ ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ ، وَعَلَيْكَ الَّذِي عِنْدَهُ ، وَأَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا . 33801 - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْخِلَافِ ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ . 33802 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَهُوَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ خَالِصًا - أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالِ عَتَاقَتِهِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا أَنَّ رَبِيعَةَ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ - قَاضِي الْبَصْرَةِ - كَانُوا يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ بَعْضَ عَبْدِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا عَتَقَ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى لِسَيِّدِهِ فِي قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 33803 - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ . 33804 - وَذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي نَزَعَ بِهِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، وَأَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ قَالُوا بِهِ أَيْضًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى الْعَبْدِ سِعَايَةً . 33805 - وَذَكَرْنَا أَنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَأَبَا يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدًا ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَمَنْ سَمَّيْنَاهُ مَعَهُمْ ، قَالُوا : يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ . 33806 - وَمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ صَحِيحٌ ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ كُلُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِاسْتِكْمَالِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ مِنَ الَّذِي أَعْتَقَ حِصَّةً لَهُ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ . 33807 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي «التَّمْهِيدِ» ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
1518 ( 9 ) بَابُ فَضْلِ عِتْقِ الرِّقَابِ وَعِتْقِ الزَّانِيَةِ وَابْنِ الزِّنَا 1490 - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ ، أَيُّهَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» . 34061 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ : فَرَوَتْهُ عَنْهُ طَائِفَةٌ ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، مِنْهُمْ : مُطَرِّفٌ ، وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَرُوحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَرَوَاهُ عَنْهُ آخَرُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، مِنْهُمُ : ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْدِيُّ ، وَحَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مراوح ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 34062 - وَرَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ كَذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مُسْنَدًا . 34063 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنَ الطُّرُقِ بِذَلِكَ فِي «التَّمْهِيدِ» ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . 34064 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، وَأَعْلَاهَا أَثْمَانًا» 34065 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَوَكِيعٌ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . 34066 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، وَأَعْلَاهَا ثَمَنًا» .
1518 1491 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ أَعْتَقَ وَلَدَ زِنًا ، وَأُمَّهُ . 34067 - وَأَمَّا عِتْقُ ابْنِ عُمَرَ ، لِوَلَدٍ وَأُمِّهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مِثْلُهُ أَيْضًا ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ عِتْقَ الْمُذْنِبِ ذِي الْكَبِيرَةِ جَائِزٌ ، وَأَنَّ ذُنُوبَهُ لَا تُنْقِصُ مِنْ أَجْرِ مُعْتِقِيهِ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الزِّنَا ; لِأَنَّ ذُنُوبَ أَبَوَيْهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مَعْدُودًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا . 34068 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ عِتْقِ الْكَافِرِ تَطَوُّعًا ، فَالْمُسْلِمُ الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِذَلِكَ . 34069 - وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 34070 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ طَارِقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ : «أَعْتِقُوهُمْ ، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ ، وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» تَعْنِي أَوْلَادَ الْغَيَّةِ . 34071 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : قَالَ عُمَرُ : «أَعْتِقُوهُمْ ، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ ، وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» يَعْنِي اللَّقِيطَ . 34072 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا سَاحَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أُرِيَ شَيْئًا ، قَالَ : فَسَاحَ رَجُلٌ وَلَدُ غَيَّةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَلَمْ يَرَ مَا كَانَ يَرَى مَنْ قَبْلَهُ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْسَنْتُ وَأَسَاءَ أَبَوَايَ ، مَاذَا عَلَيَّ ؟ قَالَ : فَرَأَى مَا رَأَى السَّائِحُونَ قَبْلَهُ .
1527 ( 13 ) بَابُ مِيرَاثِ السَّائِبَةِ وَوَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ 1501 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبَةِ ؟ قَالَ : يُوَالِي مَنْ شَاءَ ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا ، فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي السَّائِبَةِ أَنَّهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا ، وَأَنَّ مِيرَاثَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلَهُ عَلَيْهِمْ . 34255 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : «أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ» ، أَنَّهُ يَدُلُّكَ عَلَى مَا سَمِعَ فِي مِيرَاثِ السَّائِبَةِ غَيْرَ مَا اسْتَحْسَنَهُ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ . 34256 - وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي السَّائِبَةِ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، إِلَّا أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا . 34257 - فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ مَالِكٍ قَالَ : أَيْ لَا تَعُودُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا . 34258 - وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَ : مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ . 34259 - وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَطَائِفَةٌ يَرَوْنَ لِلسَّائِبَةِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ ، فَإِنْ وَالَى مَنْ شَاءَ أَحَدًا كَانَ مِيرَاثُهُ لَهُ ، وَعَقْلُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُوَالِ أَحَدًا كَانَ مِيرَاثُهُ وَعَقْلُهُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 34260 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ . 34261 - وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ : السَّائِبَةُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ . 34262 - رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 34263 - وَكَانَ الشَّعْبِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ يَقُولَانِ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَلَاءِ السَّائِبَةِ وَهِبَتِهِ . 34264 - وَقَدْ كَرِهَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ مَوْلًى أَعْتَقَهُ سَائِبَةٌ ، وَأَمَرَ بِهِ ، فَاشْتُرِيَ بِهِ رِقَابٌ ، وأَعْتَقَهَا . 34265 - وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ لَهُ ، لَوْ لَمْ تَرَ الْمَالَ لَهُ مَا فَضَلَ ذَلِكَ فِيهِ . 34266 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : وَلَاءُ السَّائِبَةِ لِمُعْتِقِهِ ، لَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا . 34267 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ . 34268 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ ، لَا يُبَاعُ ، وَلَا يُوهَبُ . 34268 - وَرَوَى أَبُو قَيْسٍ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : إِنِّي أَعْتَقْتُ غُلَامًا لِي سَائِبَةً ، فَمَاتَ ، وَتَرَكَ مَالًا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ ، إِنَّمَا كَانَتْ تَسَيِّبُ الْجَاهِلِيَّةُ ، أَنْتَ وَارِثُهُ ، وَوَلِيُّ نِعْمَتِهِ . 34270 - وَرَوَى يَحْيَى بن يحيى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : لَسْتُ آخُذُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً ، وَأَقُولُ : وَلَاؤُهُ لَهُ ، وَلَا سَائِبَةَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ . 34271 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا فِي مِيرَاثِ السَّائِبَةِ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ .
34272 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ عَبْدُ أَحَدِهِمَا ، فَيَعْتِقَهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ : إِنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَدًا ، قَالَ : وَلَكِنْ إِذَا أَعْتَقَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا عَلَى دِينِهِمَا ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، ثُمَّ أُسْلَمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، رَجَعَ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ يَوْمَ أَعْتَقَهُ . 34273 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَ لِلْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ وَلَدٌ مُسْلِمٌ ، وَرِثَ مَوَالِي أَبِيهِ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ ، إِذَا أَسْلَمَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ حِينَ أُعْتِقَ مُسْلِمًا ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ النَّصْرَانِيِّ أَوِ الْيَهُودِيِّ الْمُسْلِمَيْنِ مِنْ وَلَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْيَهُودِيِّ وَلَا لِلنَّصْرَانِيِّ وَلَاءٌ ، فَوَلَاءُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 34274 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ فِي النَّصْرَانِيِّ يَعْتِقُ عَبْدَهُ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ . 34275 - وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إِذَا أَعْتَقَهُ النَّصْرَانِيُّ لِسَيِّدِهِ النَّصْرَانِيِّ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ نَسَبٌ مِنَ الْأَنْسَابِ ، لَا يُبَاعُ ، وَلَا يُوهَبُ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ يَرِثُهُ إِنْ مَاتَ ; لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ ، كَمَا لَا يَرِثُ الْأَبُ ابْنَهُ ، وَلَا الِابْنُ أَبَاهُ ، لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ كَافِرٌ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ بَعْدَ إِسْلَامِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَرِثَهُ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ إِذَا أَعْتَقَ كَافِرٌ مُسْلِمًا ، لَمْ يَرِثْهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ ، فَإِنْ أَسْلَمَ وِرْثَهُ . 34276 - هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَبِهِ أَقُولُ . 34277 - وَقَدْ أُجْمِعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِتْقَ النَّصْرَانِيِّ ، أَوِ الْيَهُودِيِّ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ صَحِيحٌ ، نَافِذٌ جَائِزٌ عَلَيْهِ . 34278 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ ، فَبِيعَ عَلَيْهِ أَنَّ ثَمَنَهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ بِيعَ ، وَعَلَى مِلْكِهِ ثَبَتَ الْعِتْقُ لَهُ ، إِلَّا أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِوُجُوبِ بَيْعِهِ عَلَيْهِ فَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا يُرِيدُ الِاسْتِرْقَاقَ وَالْمِلْكَ ، وَالْعُبُودِيَّةَ مِلْكًا مُسْتَقِرًا ; لِأَنَّهُ إِذَا فَطِنَ لِمِلْكِهِ لَهُ بِيعَ عَلَيْهِ . 34279 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شِرَاءِ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ عَلَى قَوْلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ . ( وَالثَّانِي ) : أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ ، وَيُبَاعُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 34280 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الذِّمِّيِّ يَعْتِقُ الذِّمِّيَّ ، ثُمَّ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ يُسْلِمُ الْآخَرُ أَنَّهُ يَرِثُ مِنْهُمَا السَّيِّدُ مَوْلَاهُ الَّذِي أَنْعَمَ بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمِ الْمُعْتِقُ ، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ مُسْلِمٌ وَرِثَهُ الِابْنُ الْمُسْلِمُ ، وَعُدَّ أَبُوهُ كَالْمَيِّتِ فِي الْمِيرَاثِ مَا دَامَ كَافِرًا كَمَا رَسَمَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ . 34281 - وَلَوْ أَنَّ الْحَرْبِيَّ يَعْتِقُ عَبْدَهُ عَلَى دِينِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجَانِ إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : هُوَ مَوْلَاهُ يَرِثُهُ . 34282 - وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ . 34283 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ ، فَلِلْعَبْدِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ ، وَلَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ . 34284 - وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ إِلَيْنَا مُسْلِمًا ، ثُمَّ خَرَجَ سَيِّدُهُ مُسْلِمًا ، عَادَ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ . 34285 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَعُودُ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَدًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مُسْلِمًا قَبْلَ سَيِّدِهِ ثَبَتَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ . 34286 - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبِيدًا خَرَجُوا إِلَيْهِ مِنَ الطَّائِفِ مُسْلِمِينَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ سَادَتُهُمْ ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ وَلَاؤُهُمْ . 34287 - وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْخُرُوجِ ، وَإِنَّمَا مَلَكُوا أَنْفُسَهُمْ بِخُرُوجِهِمْ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهُمُ الْمُسْلِمُونَ لَوْ سَبَوْهُمْ ، وَأَخَذُوهُمْ عَنْوَةً ، فَلَيْسَ بِخُرُوجِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ .
1525 1500 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ; أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَبُوهُ : أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، فَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَنَفَرٌ مَنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ مِنْ جُهَيْنَةَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، يُقَالُ : لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، فَمَاتَتِ الْمَرْأَةُ ، وَتَرَكَتْ مَالًا وَمَوَالِيَ ، فَوَرِثَهَا ابْنُهَا وَزَوْجُهَا ، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا ، فَقَالَ وَرَثَتُهُ : لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي ، قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ ، فَقَالَ الْجُهَنِيُّونَ : لَيْسَ كَذَلِكَ ، إِنَّمَا هُمْ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا ، فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَلَنَا وَلَاؤُهُمْ ، وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ ، فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لِلْجُهَنِيِّينَ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي . 34236 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْوَلَاءِ لِلْكَبِيرِ . 34237 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَرْأَةِ تَعْتِقُ عَبْدًا لَهَا ، ثُمَّ تَمُوتُ ، وَتُخَلِّفُ وَلَدًا ذُكُورًا ، وَإِنَاثًا ، وَعَصَبَةً لَهَا ، ثُمَّ يَمُوتُ مَوْلَاهَا الَّذِي أَعْتَقَتْهُ : 34238 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَالُ الْمَوْلَى الْمُتَوَفَّى لِعَصَبَتِهَا دُونَ وَلَدِهَا ; لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهَا ، وَعَنْ مَوَالِيهَا ، فَكَمَا يَعْقِلُونَ عَنْهَا ، فَكَذَلِكَ يَرِثُونَ مَوَالِيَهَا . 34239 - وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي مَوَالِي صَفِيَّةَ أُمِّهِ . 34240 - وَرَوَى عَلِيٌّ أَنَّهُ أَحَقُّ بِوَلَائِهِمْ مِنَ الزُّبَيْرِ ؛ لأنه عصبتها ، وَالزُّبَيْرُ ابْنُهَا . 34241 - وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَلِيًّا عُمَرُ ، فَقَضَى بِوَلَاءِ مَوَالِي صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَقَضَى بِالْعَقْلِ عَلَى عَصَبَتِهَا . 34242 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ اخْتَصَمَا فِي مَوَالِي صَفِيَّةَ ، فَقَضَى عُمَرُ بِالْعَقْلِ عَلَى عَلِيٍّ ، وَالْمِيرَاثِ لِلزُّبَيْرِ . 34343 - وَقَالَ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ . 34344 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 34245 - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَلَدِ الْمَرْأَةِ إِذَا مَاتُوا ، وَانْقَرَضُوا ، هَلْ يَرِثُ ذَلِكَ عَنْهُمْ عَصَبَتُهُمْ ، أَوْ يَنْصَرِفُ الْوَلَاءُ إِلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ : 34246 - كَانَ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ يَقُولَانِ بِمِثْلِ مَا قَضَى بِهِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي قِصَّةِ الْجُهَنِيَّةِ لِعَصَبَتِهَا الْجُهَنِيِّينَ . 34247 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . 34248 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . 34249 - وَقَالَ الْآخَرُونَ : الْوَلَاءُ قَدْ وَجَبَ لِابْنِ الْمَرْأَةِ ، فَلَا يَعُودُ إِلَى عَصَبَتِهَا أَبَدًا ، وَيَرِثُهُ عَنِ الِابْنِ بَنُوهُ دُونَ عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ قَدْ أَحْرَزَهُ الِابْنُ ، وَوَجَبَ لَهُ ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَّا إِلَى مَنْ يَرِثُهُ مِنْ وَلَدٍ وَعَصَبَتِهِ . 34250 - رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 34251 - وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ ، وَرَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ ، أَوِ الْوَالِدُ ، فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ . 34252 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَوْلٌ رَابِعٌ فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ ، وَتَتْرُكُ مَوَالِيَ : أَنَّ الْمِيرَاثَ مِنْهُمْ لِوَلَدِهَا ، وَالْعَقْلَ عَلَيْهِمْ . 34253 - وَبِهِ كَانَ يَقْضِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى . 34254 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا شُذُوذٌ فِي إِيجَابِهِ الْعَقْلَ عَلَى الِابْنِ وَوَلَدُهُ عَصَبَتُهُ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1524 ( 12 ) بَابُ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ 1498 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامٍ هَلَكَ ، وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً ، اثْنَانِ لِأُمٍّ ، وَرَجُلٌ لِعِلَّةٍ ، فَهَلَكَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ لِأُمٍّ ، وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ ، فَوَرِثَهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، مَالَهُ وَوَلَاؤه مَوَالِيهِ ، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمُوَالِي ، وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ ، فَقَالَ ابْنُهُ : قَدْ أَحْرَزْتُ مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ مِنَ الْمَالِ وَوَلَاءِ الْمَوَالِي ، وَقَالَ أَخُوهُ : لَيْسَ كَذَلِكَ ، إِنَّمَا أَحْرَزْتَ الْمَالَ ، وَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا ، أَرَأَيْتَ لَوْ هَلَكَ أَخِي الْيَوْمَ أَلَسْتُ أَرِثُهُ أَنَا ؟ فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَضَى لِأَخِيهِ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي . 1499 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ، ثَلَاثَةً ، وَتَرَكَ مَوَالِيَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ عَتَاقَةً ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَنِيهِ هَلَكَا ، وَتَرَكَا أَوْلَادًا ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : يَرِثُ الْمَوَالِيَ ، الْبَاقِي مِنَ الثَّلَاثَةِ ، فَإِذَا هَلَكَ هُوَ فَوَلَدُهُ وَوَلَدُ إِخْوَتِهِ فِي وَلَاءِ الْمَوَالِي شَرْعٌ سَوَاءٌ . 34223 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ الْوَلَاءَ لِلْكَبِيرِ . 34224 - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 34225 - قَالَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَرَبِيعَةُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 34226 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِنَّ الْوَلَاءَ لِلْكَبِيرِ . 34227 - وَمَعْنَى أَنْ يَسْتَحِقَّ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُعْتِقِ أَبْدًا فِي حِينِ مَوْتِ الْمُولَي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَضَاءِ عُثْمَانَ ، وَقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْبَابِ . 34228 - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : عَلَى هَذَا جُمْهُورُ النَّاسِ . 34229 - وَرُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْوَلَاءَ يُورَثُ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ ، وَأَنَّ مَنْ أَحْزَرَ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا مِثْلَهُ مِنْ وَلَاءِ الْمَوَالِي ، إِلَّا النِّسَاءَ . 34230 - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُمْ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِيعَةَ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ . 34231 - وَاخْتَلَفُوا فِي السَّيِّدِ الْمُعْتِقِ إِذَا تَرَكَ أَبَاهُ ، وَابْنَهُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ : 34232 - فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي : لِأَبِيهِ سُدْسُ الْوَلَاءِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِابْنِهِ ، فَإِنَّهُمَا فِي الْقُرْبِ مِنَ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ ، فَهُمَا فِيهِ كَهُمَا فِي مَالِ الْمَيِّتِ . 34233 - وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ : الْمِيرَاثُ الَّذِي يُخَلِّفُهُ الْمُعْتِقُ كُلُّهُ لِلِابْنِ دُونَ الْأَبِ ; لِأَنَّ الِابْنَ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ . 34234 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . 34235 - وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ أَصْلَانِ فِي بَابِهِمَا .
34220 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدًا لَهُ ، فَيَأْذَنُ لَهُ سَيِّدُهُ : إِنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ ، لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ، لَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، وَإِنْ عَتَقَ . 34221 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَتَّفِقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَعِتْقُ الْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ عِنْدَهُ الْعَبْدُ شَيْئًا كَعِتْقِ الْوَكِيلِ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى إِنْكَاحِهِ ، أَوْ طَلَاقِهِ . 34222 - وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ لَا يُجِيزُ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي مَا بِيَدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ كَانَ كَمَا وَصَفْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
34218 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ حَامِلٌ ، وَزَوْجُهَا مَمْلُوكٌ ، ثُمَّ يُعْتَقُ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ، أَوْ بَعْدَمَا تَضَعُ : إِنَّ وَلَاءَ مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا لِلَّذِي أَعْتَقَ أُمَّهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ قَدْ كَانَ أَصَابَهُ الرِّقُّ ، قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ أُمُّهُ ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ ، لِأَنَّ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ ، إِذَا أُعْتِقَ أَبُوهُ جَرَّ وَلَاءَهُ . 34219 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ : مَا وَلَدْتِ ، فَهُوَ حُرٌّ ; أَنَّهُ تَلْحَقُهُ الْحُرِّيَّةُ إِذَا وَلَدَتْهُ ، وَيَلْزَمُهُ فِيهِ قَوْلُهُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَهَا حَامِلًا ، فَوَلَدُهَا كَعُضْوٍ مِنْهَا ، فَكَذَلِكَ يَلْحَقُ الْعِتْقُ مَا فِي بَطْنِهَا ، فَكَيْفَ يَجُرُّ الْعَبْدُ إِذَا أَعْتَقَ وَلَاءَ مَنْ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ ؟
( 11 ) بَابُ جَرِّ الْعَبْدِ الْوَلَاءَ إِذَا أُعْتِقَ 1496 - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، وَلِذَلِكَ الْعَبْدِ بَنُونَ مِنِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُ الزُّبَيْرُ قَالَ : هُمْ مَوَالِيَّ ، وَقَالَ : مَوَالِي أُمِّهِمْ : بَلْ هُمْ مَوَالِينَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَضَى عُثْمَانُ لِلزُّبَيْرِ بِوَلَائِهِمْ . 1497 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ عَبْدٍ لَهُ وَلَدٌ مِنِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، لِمَنْ وَلَاؤُهُمْ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ مَاتَ أَبُوهُمْ ، وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ يُعْتَقْ فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِثْلُ ذَلِكَ ، وَلَدُ الْمُلَاعِنَةِ مِنَ الْمَوَالِي ، يُنْسَبُ إِلَى مَوَالِي أُمِّهِ ، فَيَكُونُونَ هُمْ مَوَالِيَهُ ، إِنْ مَاتَ وَرِثُوهُ ، وَإِنْ جَرَّ جَرِيرَةً عَقَلُوا عَنْهُ ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ أَبُوهُ أُلْحِقَ بِهِ ، وَصَارَ وَلَاؤُهُ إِلَى مَوَالِي أَبِيهِ ، وَكَانَ مِيرَاثُهُ لَهُمْ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ ، وَيُجْلَدُ أَبُوهُ الْحَدَّ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُلَاعِنَةُ مِنَ الْعَرَبِ ، إِذَا اعْتَرَفَ زَوْجُهَا الَّذِي لَاعَنَهَا ، بِوَلَدِهَا ، صَارَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ، إِلَّا أَنَّ بَقِيَّةَ مِيرَاثِهِ بَعْدَ مِيرَاثِ أُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ لِأُمِّهِ ، لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، مَا لَمْ يُلْحَقْ بِأَبِيهِ ، وَأَنَّمَا وَرَّثَ وَلَدُ الْمُلَاعِنَةِ الْمُولَاةِ ، مَوَالِي أُمِّهِ ، قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ أَبُوهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ وَلَا عَصَبَةٌ ، فَلَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ صَارَ إِلَى عَصَبَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي وَلَدِ الْعَبْدِ مِنِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، وَأَبُو الْعَبْدِ حُرٌ : أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْعَبْدِ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِ ابْنِهِ الْأَحْرَارِ مِنِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، يَرِثُهُمْ مَادَامَ أَبُوهُمْ عَبْدًا ، فَإِنْ عَتَقَ أَبُوهُمْ رَجَعَ الْوَلَاءُ إِلَى مَوَالِيهِ ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ كَانَ الْمِيرَاثُ وَالْوَلَاءُ لِلْجَدِّ ، وَإِنِ الْعَبْدُ كَانَ لَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، وَأَبُوهُ عَبْدٌ ، جَرَّ الْجَدُّ ، أَبُو الْأَبِ ، الْوَلَاءَ وَالْمِيرَاثَ . 34193 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَطَائِفَةٌ . 34194 - وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِكٍ ، بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا ، قَالَا : «جَرَّ الْجَدُّ الْوَلَاءَ ، وَكَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا» ، وَهَذَا صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ مِيرَاثُ مَالٍ ، لَا مِيرَاثُ وَلَاءٍ . 34195 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَجَرَّ الْجَدُّ الْوَلَاءَ إِلَى مَوَالِيهِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَجُرُّهُ إِلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ عَنْهُمْ . 34196 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ . 34197 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ اشْتَرَى عَبْدًا مَمْلُوكًا عِنْدَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، زَوَّجَهُ مَوْلَاةً لَهُ مِنْهَا بَنُونٌ ، فَلَمَّا اشْتَرَى الزُّبَيْرُ الْعَبْدَ أَعْتَقَهُ ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ ، فَقَضَى بالْوَلَاءَ لِلزُّبَيْرِ . 34198 - وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي انْتِقَالِ الْوَلَاءِ الَّذِي قَدْ ثَبَتَ لِمَوَالِي الْأَمَةِ الْمُعْتَقَةِ فِي بَنِيهَا مِنَ الزَّوْجِ الْعَبْدِ إِنْ أُعْتِقَ بَعْدُ : 34199 - فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ وَلَاءَهُمْ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ ، لَا يَجُرُّهُ الْأَبُ إِنْ أُعْتِقَ . 34200 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . 34201 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : عَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ . 34202 - وَقَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ قَبِيصَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ فِيهِ بِقَضَاءِ مَرْوَانَ ، أَنَّ الْوَلَاءَ يَعُودُ لِمَوَالِي أَبِيهِمْ إِنْ أُعْتِقَ . 34203 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مَرْوَانَ مِثْلُ ذَلِكَ . 34204 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا يَتَحَوَّلُ وَلَاؤُهُمْ إِلَى مَالِ أَبِيهِمْ . 34205 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَدَّوْا ذَلِكَ . 34206 - وَحَدَّثَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ مِثْلَ ذَلِكَ . 34207 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، كُلُّهُمْ ، وَأَصْحَابُهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ جَرَّ وَلَاءَ وَلَدِهِ إِلَى مَوَالِيهِ ، وَانْتَقَلَ وَلَاؤُهُمْ عَنْ أُمِّهِمْ ، وَعَنْ مَوَالِيهَا . 34208 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ . 34209 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 34210 - وَقَضَى بِهِ مَرْوَانُ عَنْ رَأْيِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 34211 - وَمَا نَظَرَ بِهِ مَالِكٌ مِنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ، فَتَنْظِيرٌ صَحِيحٌ ، وَقِيَاسٌ حَسَنٌ . 34212 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : إِنَّ الْجَدَّ أَبُ الْعَبْدِ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِ ابْنِهِ الْأَحْرَارِ مِنِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ يرثه مَادَامَ أَبُوهُمْ عَبْدًا ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَبُوهُمْ رَجَعَ الْوَلَاءُ إِلَى مَوَالِيهِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ . 34213 - وَقَوْلُهُ : إِنَّ الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ ، فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ . 34214 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ . 34215 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَجُرُّ الْجَدُّ الْوَلَاءَ ، قَالُوا فِي وَلَدِ الْعَبْدِ مِنِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ : إِذَا كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا لَمْ يَجُرَّ الْوَلَاءَ . 34216 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ وَلَدَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ ، وَأَنَّ أَبَاهُ لَوْ لَاعَنَ أُمَّة لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ الْجَرُّ ، فَكَذَلِكَ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَاؤُهُ . 34217 - قَالَ : وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَسَبَهُ إِلَى الْجَدِّ إِنَّمَا هُوَ بِأَبِيهِ ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهُ لِأَبِيهِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ وَلَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ جِهَةِ الْجَدِّ .
1519 ( 10 ) بَابُ مَصِيرِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ 1492 - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٍ ، فَأَعِينِينِي ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدُّهَا لَهُمْ عَنْكِ عَدَدْتُهَا ، وَيَكُونُ لِي وَلَاؤُكِ فَعَلْتُ ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا ، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَقَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا عَلَيَّ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهَا ، فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «خُذِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ » فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : «أَمَّا بَعْدُ» فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . 1493 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا ، فَقَالَ أَهْلُهَا : نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . 1494 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً ، وَأَعْتِقَكِ ، فَعَلْتُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا ، فَقَالُوا : لَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . 1495 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ . 34073 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْعَبْدِ يَبْتَاعُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ ، عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَذِنَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مَا جَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ ، فَإِذَا جَازَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ لَهُ ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ ، فَتِلْكَ الْهِبَةُ . 34074 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ خَرَجَ النَّاسُ فِي مَعَانِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ وُجُوهًا كَثِيرَةً ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ بَابٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ ، وَرُبَّمَا ذَكَرُوا مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا وَلَا يُثِيرُهُ ، وَنَحْنُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَوْنِهِ وَفَضْلِهِ - نَذْكُرُ مِنْ مَعَانِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَاهُنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي عَنَي بِذِكْرِهَا وَبِالْحِرْصِ فِيهَا الْفُقَهَاءُ ، وَأُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى . 34075 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ اسْتِعْمَالُ عُمُومِ الْخِطَابِ فِي السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ; لِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمَّا كَاتَبَهَا أَهْلُهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ دَاخِلُونَ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ الْآيَةَ ، وَأَنَّ الْأَمَةَ ذَاتَ زَوْجٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ دَاخِلَةٌ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ ، لَا خِلَافَ فِيهِ . 34076 - وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ كِتَابَةَ الْأَمَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ جَائِزَةٌ دُونَ زَوْجِهَا ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَوْجَهَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْكِتَابَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَئُولُ إِلَى فِرَاقِهِ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ إِذَا أَدَّتْ وَعَتَقَتْ ، وَخُيِّرَتْ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، وَلَا مَنْعُهَا مِنَ السَّعْيِ فِي كِتَابَتِهَا . 34077 - وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ; بِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا خِدْمَةُ زَوْجِهَا كَانَ حَسَنًا . 34078 - كَمَا أَنَّ لِلسَّيِّدِ عِتْقُ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى بُطْلَانِ نِكَاحِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بُطْلَانِ زوجيتيهما كَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزًا لَهُ كِتَابَتُهَا عَلَى رَغْمِ زَوْجِهَا . 34079 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِهِ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ مُكَاتَبَةُ عَبْدِهِ ، وَأَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابَتِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْهَا شَيْئًا . 34080 - كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، وَاللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَيَّ ، فَقَالَتْ : يَا عَائِشَةُ ! إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي ، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 34081 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِجَازَةِ كِتَابَةِ الْأَمَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ ذَاتِ صَنْعَةٍ ، وَكِتَابَةِ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ ، وَلَا مَالَ مَعَهُ إِذْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مِنْ حِينِ كُوتِبَتْ ، وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَهَا مَالٌ أَوْ عَمَلٌ وَاجِبٌ أَوْ مَالٌ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا لَسَأَلَ عَنْهُ لِيَقَعَ عِلْمُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 34082 - وَفِيمَا وَصَفْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا أَنَّ الْخَيْرَ هَاهُنَا الْمَالُ ، لَيْسَ بِالتَّأْوِيلِ الْجَيِّدِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ بَابِ الْمُكَاتَبِ . 34083 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ضَعْفِ هَذَا التَّأْوِيلِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ عِنْدِهِ انْتَزَعَهُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ، فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ إِلَّا أَنْ يَشَأْ تَرْكَ ذَلِكَ لَهُ ؟ 34084 - وَأَصَحُّ مَا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْخَيْرَ الْمَذْكُورَ فِيهَا هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاكْتِسَابِ مَعَ الْأَمَانَةِ ، وَقَدْ يُكْتَسَبُ بِالسُّؤَالِ كَمَا قِيلَ : السُّؤَالُ آخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ ، أَيْ : أَرْذَلُ كَسْبِ الرَّجُلِ . 34085 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ كِتَابَةَ الْعَبْدِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ مُكَاتَبُهُ مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ ، وَقَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ . 34086 - وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اكْتِسَابِ الْمُكَاتَبِ بِالسُّؤَالِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ طَيِّبٌ لِمَوْلَاهُ ، وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ : لَا تَجُوزُ كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ إِذَا عَدَلَ عَلَى السُّؤَالِ ; لِأَنَّهُ يُطْعِمُهُ أَوْسَاخَ النَّاسِ . 34087 - وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا أَنَّ مَا طَابَ لِبَرِيرَةَ أَخْذُهُ طَابَ لِسَيِّدِهَا أَخْذُهُ مِنْهَا اعْتِبَارًا بِاللَّحْمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا صَدَقَةً ، وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً ، وَاعْتِبَارًا أَيْضًا بِجَوَازِ مُعَامَلَةِ النَّاسِ لِلسَّائِلِ . 34088 - وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعَانَ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ ، أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظَلُّهُ ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ . 34089 - وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَفِي الرِّقَابِ أَنَّهُمُ الْمُكَاتَبُونَ ، يُعَانُونَ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ مَنِ اشْتَرَطَ مِنْهُمْ عَوْنَهُمْ فِي أَجْرِ الْكِتَابَةِ ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، وَأَجَازُوا لَهُمُ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فَضْلًا عَنِ التَّطَوُّعِ . 34090 - وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا قَالَ : صِدْقًا وَأَمَانَةً ، مَنْ أَعْطَاهُمْ كَانَ مَأْجُورًا ، وَمَنْ سُئِلَ ، فَرَدَّ خَيْرًا كَانَ مَأْجُورًا . 34091 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا : صِدْقًا وَوَفَاءً . 34092 - وَقَالَ عِكْرِمَةُ : قُوَّةٌ تُعِينُ عَلَى الْكَسْبِ . 34093 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : دِينًا وَأَمَانَةً . 34094 - وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَيْرُ هَاهُنَا الصَّلَاةُ وَالصَّلَاحُ . 34095 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِأَتَمِّ ذِكْرٍ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ . 34096 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ كِتَابَةِ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ ، وَلَا مَالَ مَعَهُ . 34097 - فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ . 34098 - وكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ كِتَابَةَ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ . 34099 - وَعَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَمَسْرُوقٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 34100 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِي وُجُوبِ كِتَابَةِ الْعَبِيدِ إِذَا ابْتَغَوْا ذَلِكَ مِنْ سَادَاتِهِمْ وَعَلِمُوا فِيهِمْ خَيْرًا فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ . 34101 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : «كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ» ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَبْلَغَ الْأُوقِيَّةِ ، وَالْأَصْلَ فِيهَا في كِتَابِ الزَّكَاةِ . 34102 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ تَكُونُ عَلَى النَّجْمِ ، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَأَقَلُّ الْأَنْجُمِ ثَلَاثَةٌ . 34103 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابَةِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ; فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُونَهَا عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ . 34104 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا تَجُوزُ حَالَّةٌ الْبَتَّةَ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كِتَابَةٌ ، وَإِنَّمَا هو عِتْقٌ عَلَى صِفَةِ كِتَابَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِقَوْلِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ . 34105 - وَمَنْ أَجَازَ النَّجَامَةَ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا ، وَلَا يَقُولُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، أَوْ فِي وَسَطِهِ ، أَوْ فِي آخِرِهِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ : إِنَّهَا كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُكَاتَبَ مُنْفَرِدٌ بِكَسْبِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ ، لَيْسَ كَالْعَبْدِ . 34106 - وَأَبَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَقُولَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، أَوْ فِي وَسَطِهِ ، أَوْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ ، أَوْ يُسَمِّيَ الْوَقْتَ مِنَ الشَّهْرِ أَوِ الْعَامِ ; لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبَيْعِ الْمُؤَجَّلِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، وَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ حَبَلَةٍ ، وَهِيَ إِلَى حِينِ تُبَاعُ النَّاقَةُ وَنَتَاجُ نَتَاجِهَا ، وَقَالُوا : لَيْسَ مُعَامَلَةُ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ كَالْبُيُوعِ ; لِأَنَّهُ لَا رِبَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ ، «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ» . 34107 - وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ : «إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا» ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَّ فِي الدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ يَقُومُ مَقَامَ الْوَزْنِ ، وَأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِهَا جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَزْنِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ : أَزِنُهَا لَهُمْ ، وَهَذَا عَلَى حَسَبِ سُنَّةِ الْبَلَدِ ، وَعِلْمِ ذَلِكَ فِيهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ بَلَدِنَا ، وَلَا مَعْرُوفٌ عِنْدَنَا . 34108 - وَالْأَصْلُ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ الْوَزْنُ ، وَفِي الْبُرِّ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ الْكَيْلُ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْعَدُّ فِي بَلَدٍ يَكُونُ الضَّارِبُ فِيهِ لِلدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يَعْتَبِرُ الْوَزْنَ ، وَلَا تَدْخُلُهُ فِيهِ دَاخِلَةٌ . 34109 - وَمَنْ أَجَازَ عَدَّ الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ إِنَّمَا يُجِيزُهَا فِي الْعُرُوضِ كُلِّهَا ، أَوْ فِي الذَّهَبِ بِالْوَزْنِ ، لَا فِي بَعْضِ الْجِنْسِ بِبَعْضِهِ . 34110 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : «وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ» فَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُمُ الْوَلَاءَ بَعْدَ عَقْدِهِمُ الْكِتَابَةَ لِأَمَتِهِمْ ، وَأَنْ تَوَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ إِلَيْهِمْ ; لِيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَقَالُوا : لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ إِلَّا لَنَا . 34111 - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ كَمَا نَقَلَهُ هِشَامٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ لَكَانَ النَّكِيرُ حِينَئِذٍ عَلَى عَائِشَةَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مَتْبُوعَةً بِأَدَاءِ كِتَابَةِ بَرِيرَةَ ، وَمُشْتَرِطَةٌ لِلْوَلَاءِ مِنْ أَجْلِ الْأَدَاءِ ، وَهَذَا بَيْعُ الْوَلَاءِ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . 34112 - فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْإِنْكَارُ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - دُونَ مَوَالِي بَرِيرَةَ ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا نَقَلَهُ غَيْرُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ ، وَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ هِشَامٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ . 34113 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ وُهَيْبَ بْنَ خَالِدٍ - وَكَانَ حَافِظًا - رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ فِيهِ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً ، فَأُعْتِقَكِ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي ، فَعَلْتُ ، فَقَوْلُهَا : وَأُعْتِقُكِ دَلِيلٌ عَلَى شِرَائِهَا لَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ; لِأَنَّهُ لَا يُعْتِقُهَا إِلَّا بَعْدَ الشِّرَاءِ لَهَا . 34114 - هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي قَوْلِهَا : «وَأُعْتِقُكِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ 34115 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ : «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ، ابْتَاعِي ، وَأَعْتِقِي» ، فَأَمَرَهَا بِابْتِيَاعِ بَرِيرَةَ ، وَعِتْقِهَا بَعْدَ مِلْكِهَا لَهَا . 34116 - وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ . 34117 - وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : «ابْتَاعِي ، وَأَعْتِقِي» تَفْسِيرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : «خُذِيهَا» ، أَيْ : خُذِيهَا بِالِابْتِيَاعِ ، ثُمَّ أَعْتِقِيهَا . 34118 - وَيُصَحِّحُ هَذَا كُلَّهُ حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَتَعْتِقَهَا ، فَقَالَ أَهْلُهَا : نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَنَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ . 34119 - وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثِ بَرِيرَةَ أَصَحُّ مِنَ الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ عَنْ عَائِشَةَ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْفَاظِ جِدًّا . 34120 - وَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ ، وَعِتْقَهَا ، فَأَبَى أَهْلُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ . 34121 - وَفِي هَذَا يَكُونُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَوَالِي بَرِيرَةَ ، لَا عَلَى عَائِشَةَ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ ، وَلَا يَتَحَوَّلُ بِبَيْعٍ ، وَلَا بِهِبَةٍ . 34122 - وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ بَاطِلًا ، وَتَصْحِيحُ الْبَيْعِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَت فِيهَا الْآثَارُ ، وَعُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ . 34123 - وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ أَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهَا ، وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اشْتَرِيهَا ، وَأَعْتِقِيهَا ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . 34124 - وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ عَائِشَةَ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ . 34125 - وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً ، وَتَعْتِقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهَا . 34126 - وَفِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : خُذِيهَا ، وَلَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ شِرَائِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 34127 - وَاشْتِرَاطُ أَهْلِ بَرِيرَةَ الْوَلَاءَ بَعْدَ بَيْعِهِمْ لَهَا لِلْعِتْقِ ، خَطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ ، وَقَالَ : «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ، لَيْسَتْ فِي حُكْمِ اللَّهِ ، أَيْ لَيْسَتْ فِي حُكْمِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى : « كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » . أَيْ حُكْمُ اللَّهِ فِيكُمْ . 34127 م - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ لِلْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فِي حَالِ تَعْجِيزِهِ ، وَحُكْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ . 34128 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِلْمُكَاتَبِ لَا يُوجِبُ لَهُ عِتْقًا . 34129 - وَفِي ذَلِكَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَالْغَرِيمِ مِنَ الْغُرَمَاءِ إِذَا عُقِدَتْ كِتَابَتُهُ . 34130 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : خُذِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : أَظْهِرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، أَيْ : عَرِّفِيهِمْ بِحُكْمِ الْوَلَاءِ ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ ، الْإِظْهَارُ ، وَمِنْهَا أَشْرَاطُ السَّاعَةِ ظُهُورُ عَلَامَاتِهَا . 34131 - قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ : فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا أَيْ : أَظْهَرَ نَفْسَهُ فِيمَا حَاوَلَ أَنْ يَفْعَلَ . 34132 - وَقِيلَ : اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، أَيِ اشْتَرِطِي عَلَيْهِمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا أَيْ : فَعَلَيْهَا . 34133 - وَكَقَوْلِهِ : أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ أَيْ : عَلَيْهِمْ . 34134 - وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا قَوْلُهُ : عَلَيْهِمْ ، بِمَعْنَى لَهُمْ . 34135 - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ وَالتَّهَاوُنُ لِمَنْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ الْآيَةَ . 34136 - ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ بَيَانًا بِفِعْلٍ مِنْ فِعْلِ مَا نَهَى عَنْهُ ، وَتَحْذِيرًا مِنْ مُوَافَقَةِ ذَلِكَ . 34137 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ إِعْلَامِهِمْ أَنَّ الْوَلَاءَ كَالنِّسَبِ ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ يَأْتِيَهُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ إِيَّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ لَا يَجُوزُ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُمْ ، وَلَا جَائِزٌ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لَهُمْ ; لِيَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ ، فَبَطَلَ الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ ; لِأَنَّ هَذَا مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ . 34138 - وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ هَذَا ، وَمِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا نُهِي عَنْ فِعْلِهِ ، وَأَنْ يَرْضَى لِغَيْرِهِ مَا لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَافِرٌ بِطَعْنِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَهْدِيدًا ، وَوَعِيدًا لِمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ وَحُكْمِهِ مِنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْوَلَاءِ ، وَهِبَتِهِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَمْرَهُ ، وَأَقْدَمَ عَلَى فِعْلِ مَا قَدْ نَهَى عَنْ فِعْلِهِ . 34139 - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي الْبَابِ تَخْيِيرُ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 34140 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ فِي الْبَيْعِ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَلَكِنَّهُ يَسْقُطُ ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ . 34141 - وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ يَطُولُ شَرْحُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ ، وَيَأْتِي كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْبُيُوعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 34142 - وَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَرَى أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يُفْسِدُ الْبَيْعَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بَيْعٌ ، وَلَا شَرْطٌ أَصْلًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَضُرُّ الْبَيْعَ كَائِنًا مَا كَانَ . 34143 - وَهَذِهِ أُصُولٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفْرَدَ لَهَا كِتَابٌ . 34144 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي «التَّمْهِيدِ» خَبَرَ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : قَدِمْتُ مَكَّةَ ، فَوَجَدْتُ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنَ شُبْرُمَةَ ، فَسَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ ، فَقُلْتُ : مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَشَرَطَ شَرْطًا ؟ فَقَالَ : الْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ ، فَقُلْتُ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ! ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ ، اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ ، وَشَرْطُ الْبَيْعِ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ ، فَأَعْتِقَهَا ، وَإِنِ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا لَكِ ، حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً ، وَشَرَطَ لِي حِمْلَانَهَا أَوْ ظَهْرَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ ، الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ . 34145 - وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ بِأَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ عَبْدُهُ وَلِيدَةَ قَوْمٍ ، وَاشْتَرَطَ عَلَى عَبْدِهِ أَنَّ مَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ مِنْ وَلَدٍ ، فَلَهُ شِطْرُهُ ، وَقَدْ أَعْطَاهَا الْعَبْدُ مَهْرَهَا ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : هَذَا مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي لَا نَرَى لَهُ جَوَازًا . 34146 - قَالَ : وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ شَرَطَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» . 34147 - قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : انْفَرَدَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ . 34148 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَمَعْنَاهُ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ مِنْ كِتَابِهِ ، أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ . 34149 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيْ : حُكْمَ اللَّهِ وَقَضَاءَهُ فِيكُمْ . 34150 - وَفِيهِ إِجَازَةُ السَّجْعِ الْحَقِّ مِنَ الْقَوْلِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . 34151 - وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ فِي سَجْعِ الْأَعْرَابِيِّ : «أَسَجْعًا كَسَجْعِ الْكُهَّانِ» ; لِأَنَّ الْكُهَّانَ يَسْجَعُونَ بِالْبَاطِلِ ; لَيُخَرِّصُونَ ، وَيَرْجِمُونَ الْغَيْبَ ، وَيَحْكُمُونَ بِالظُّنُونِ . 34152 - وَكَذَلِكَ عَابَ سَجْعَهُمْ ، وَسَجْعَ مَنْ أَشْبَهَ مَعْنَى سَجْعِهِمْ ، وَلِذَلِكَ عَابَ قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعَارَضَةِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا أَكَلَ ، وَلَا شَرِبَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ ؟ فَقَالَ لَهُ : «أَسَجْعًا كَسَجْعِ الْكُهَّانِ» ; لِأَنَّهُ كَانَ سَجْعًا فِي بَاطِلٍ ، اعْتِرَاضًا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 34153 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّجْعَ كَلَامٌ كَسَائِرِ الْكَلَامِ ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ . 34154 - وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ إِلَى الْمُعْتِقِ ، إِلَّا لِمَنْ أَعْتَقَ ، فَيَنْبَغِي بِظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِلَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَلِلْمُلْتَقِطِ . 34155 - فَأَمَّا الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ ، أَوْ يُوَالِيهِ ; فَقَالَ مَالِكٌ : لَا مِيرَاثَ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَلَا وَلَاءَ لَهُ ، وَمِيرَاثُ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . 34156 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ يَنْفِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ إِلَى الْمُعْتِقِ . 34157 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ . 34158 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ ، وَوَالَاهُ ، وَعَاقَدَهُ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَلَا وَارِثَ لَهُ ، فَمِيرَاثُهُ لَهُ . 34159 - وَقَالَ اللَّيْثُ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ ، فَقَدْ وَالَاهُ ، وَمِيرَاثُهُ لَهُ إِذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا . 34160 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِلَّا أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ ذَلِكَ فِيمَنْ جَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ كَافِرًا ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ . 34161 - قَالَ : وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ، فَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَبِيعَةُ ، وَلَا اللَّيْثُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ ، وَأَهْلِهِ . 34162 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةَ حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ : «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الْمُسْلِمِ ؟ فَقَالَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ ، وَأَحَقُّ النَّاسِ ، وَأَوْلَاهُمْ بِمَحْيَاهُ ، وَمَمَاتِهِ . 34163 - وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي «التَّمْهِيدِ» ، وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ . 34164 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَحَدِيثُ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَصَحُّ ، وَسَنَذْكُرُ مِيرَاثَ اللَّقِيطِ ، وَوَلَاءَهُ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُنَيْنِ بْنِ جَمِيلَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 34165 - وَأَمَّا وَلَاءُ السَّائِبَةِ ، وَوَلَاءُ الْمُسْلِمِ يَعْتِقُهُ النَّصْرَانِيُّ ، فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 34166 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعَبْدِ يَبْتَاعُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ بِقَوْلٍ صَحِيحٍ ، يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ، وَاحْتِجَاجُ مَالِكٍ بِذَلِكَ صَحِيحٌ حَسَنٌ جِدًّا ، إِلَّا أنَّهَا مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ قَدِيمًا وَمَنْ بَعْدَهُمْ . 34167 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ . 34168 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَدَاوُدَ . 34169 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ جَعَلَ إِسْلَامَهُ عَلَى يَدَيْهِ مُوَالَاةً ، وَجَعَلَ لِمَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ . 34170 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . 34171 - قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ وَالَى قَوْمًا أَنَّ مِيرَاثَهُ لَهُمْ ، وَعَقْلَهُ عَلَيْهِمْ . 34172 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : إِذَا لَمْ يُوَالِ أَحَدًا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ . 34173 - وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ . 34174 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الْمُوَالَاةَ ، وَوَرَّثُوا بِهَا . 34175 - وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ نَحْوُهُ . 34176 - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ ، فَعَقَلَ عَنْهُ ، وَرِثَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ لَمْ يَرِثْهُ » . 34177 - وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ . 34178 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا وَالَاهُ عَلَى أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ ، وَيَرِثَهُ عَقَلَ عَنْهُ ، وَوَرِثَهُ إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا . 34179 - قَالُوا : وَلَهُ أَنْ يَنْقُلَ وَلَاءَهُ عَنْهُ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ صِغَارِ وَلَدِهِ . 34180 - وَلِلْمُولِي أَنْ يَبْرَأَ مِنْ وَلَائِهِ بِحَضْرَتِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ ، وَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، وَلَمْ يُوَالِهِ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ . 34181 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ . 34182 - وهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ ، وَلَا ذُو رَحِمٍ . 34183 - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عِتْقُ الْمَرْءِ عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ : 34184 - فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْوَلَاءَ عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ . 34185 - وَقَالَ أَشْهَبُ : الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ، وَسَوَاءٌ أَمَرَهُ بِذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ . 34186 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ فِي بَلَائِهِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ ، وَيَذْكُرَانِ اللَّهَ تَعَالَى ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي ، فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا فِي حَقٍّ . 34187 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْأَسَانِيدِ فِي «التَّمْهِيدِ» . 34188 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عِتْقِ الْمَرْءِ عَنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ شَرِيعَةَ أَيُّوبَ كَانَتْ بِخِلَافِ شَرِيعَتِنَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ 34189 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَعْتَقْتَ عَبْدَكَ عَنْ رَجُلٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَوَلَاؤُهُ لَكَ ، وَإِنْ أَعْتَقْتَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ بِعِوَضٍ ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَوَلَاؤُهُ لَهُ ، وَيُجْزِئُهُ بِمَالٍ ، وَبِغَيْرِ مَالٍ ، وَسَوَاءٌ قَبِلَهُ الْمُعْتِقُ عَنْهُ ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ . 34190 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ . 34191 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : إِنْ قَالَ : أَعْتِقْ عَنِّي عَبْدَكَ عَلَى مَالٍ ذَكَرَهُ ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ ، وَإِذَا قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِغَيْرِ مَالٍ ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ; لِأَنَّ الْآمِرَ لَمْ يَمْلِكْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَهِيَ هِبَةٌ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ فِيهَا الْقَبْضُ . 34192 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ يَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَالْوَاحِدَةُ ، وَالْجَمَاعَةُ ; لِأَنَّهُ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ كُلُّهُ ، إِلَّا أَنَّ السَّفِيهَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ خَارِجٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ ، فَلَهُنَّ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ دُونَ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
34455 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ فِي كِتَابَتِهِ . 34456 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْعِتْقِ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُ ، وَمَذْهَبَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَفِي الْكِتَابَةِ عَقْدٌ مِنَ الْحُرِّيَّةِ . 34457 - وَسَنَذْكُرُ وُجُوهَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ ، فِي كِتَابِ الْعِتْقِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 34458 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ لِلْمُكَاتَبِ مَالَهُ إِذَا عُقِدَتْ كِتَابَتُهُ ، عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَابْنُ أبي لَيْلَى . 34459 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : كُلُّ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ إِذَا كُوتِبَ مِنَ الْمَالِ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ . 34460 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ السَّيِّدُ ، فَهُوَ لِلْمُكَاتَبِ ، وَإِنَّ اسْتَثْنَاهُ السَّيِّدَ فَهُوَ لَهُ . 34461 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ وَلَدَهُ لَيْسُوا بِمَالٍ بِيَدِهِ ، وَلَا مِلْكٍ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُمْ عَبِيدُ سَيِّدِهِ ، فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْكِتَابَةِ إِلَّا بِالشَّرْطِ . 34462 - وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، أَنَّ أَوْلَادَهُ عَبِيدُ السَّيِّدِ ، لَيْسُوا تَبَعًا لَهُ عِنْدَ عَقْدِ كِتَابَتِهِ ، إِنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ إِذَا تَسَرَّى وَهُوَ مُكَاتَبٌ ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ ، وَهَؤُلَاءِ يَدْخُلُونَ مَعَهُ بِلَا شَرْطٍ ، وَلَوْ وُلِدُوا لَهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي كِتَابَتِهِ ، إِلَّا أَنْ يُدْخِلَهُمْ بِالشَّرْطِ مَعَ نَفْسِهِ فِي كِتَابَتِهِ . 34463 - فَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ . 34464 - ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، فِي رَجُلٍ كَاتَبَ غُلَامًا ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ عَلَى سُرِّيَّةٍ ، أَوْ وَلَدٍ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : السُّرِّيَّةُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَالْوَلَدُ . 34465 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ ، فَكَتَمَهُ مَالَهُ - رَقِيقًا ، أَوْ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - وَوَلَدَهُ ، فَقَالَ : مَالُهُ كُلُّهُ لِلْعَبْدِ ، وَوَلَدُهُ لِسَيِّدِهِ . 34466 - وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَلِمَ تَخْتَلِفَانِ ؟ قال : مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ ، لَيْسَ مِثْلَ مَالِهِ . 34467 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ الْكُوفِيِّ ، وَدَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَحُمَيْدٍ ، قَالُوا : إِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ ، وَلَهُ مَالٌ ، أَوْ وَلَدٌ ، فَمَالُهُ لَهُ ، وَوَلَدُهُ مَمْلُوكَونَ . 34468 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدًا وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ ، لَمْ يَسْتَثْنِهَا ، قَالَ : أُمُّ وَلَدِهِ لَهُ . 34469 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلٌّ مَنْ يُجِيزُ لَهُ التَّسَرِّي فَالسُّرِّيَّةُ عِنْدَهُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ . 34470 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ ، وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَتِهِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمُ السَّيِّدُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي كِتَابَتِهِ ، قَالَ : إِنَّمَا كَاتَبَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَمَالِهِ ، وَوَلَدُهُ مِنْ مَالِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ مَالَهُ غَيْرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1528 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 39 - كِتَابُ الْمُكَاتَبِ ( 1 ) بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمُكَاتَبِ 1502 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . 1503 - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ; أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، كَانَا يَقُولَانِ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ رَأْيِي . 34288 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا رَأْيُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنْ بَعْضَهُمْ يَقُولُ : لَا يَكُونُ حُرًّا بِأَدَاءِ كِتَابَتِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدِ كِتَابَتِهِ : فَإِذَا أَدَّيْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ . 34289 - هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 34290 - وَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا : لَا يَضُرُّ الْمُكَاتَبَ أَنْ لَا يَقُولَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي حِينِ كِتَابَتِهِ إِيَّاهُ : إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ جَمِيعَ كِتَابَتِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَيُعْتَقُ إِذَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَيْهِ . 34291 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُمَا : لَكَانَ عَبْدًا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ إِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . 34292 - فَأَمَّا السَّلَفُ قَبْلَهُمْ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ مِنْهُ : 34293 - أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِنْ أُعْقِدَتْ لَهُ الْكِتَابَةُ ، فَهُوَ غَرِيمٌ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، لَا يَرْجِعُ إِلَى الرِّقِّ أَبَدًا ; لِأَنَّهُ قَدِ ابْتَاعَ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ . 34295 - وَهَذَا قَوْلٌ تَرَددُّهُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا ، لَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا . 34296 - وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ ، فَقَالَتْ : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةً ، فَأَعِينِينِي ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدُّهَا لَهُمْ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ» . 34297 - وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : «إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً ، وَأُعْتِقُكِ فَعَلْتُ» . 34298 - فَهَذَا يَدُلُّ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ جَائِزٌ بَيْعُهُ لِلْعَتَاقَةِ إِذَا عُقِدَتْ كِتَابَتُهُ ، وَلَمْ يُؤَدِّ مِنْهَا شَيْئًا ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْقِدُ كِتَابَتَهُ حُرًّا غَرِيمًا مِنَ الْغُرَمَاءِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . 34299 - وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ لِلْعِتْقِ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 34300 - فَهَذَا وَجْهٌ وَاحِدٌ مِنْ وُجُوهِ اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي حُكْمِ الْمُكَاتَبِ ، وَقَوْلٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ . 34301 - وَقَوْلٌ ثَانٍ : أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَيُوَرَّثُ وَيَرِثُ ، وَيُؤَدِّي بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنَ الْكِتَابَةِ . 34302 - رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : 34303 - وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ ، وَبِقَدْرِ مَا رُقَّ مِنْهُ دِيَةَ عَبْدٍ . 34304 - هَكَذَا رَوَاهُ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ ، وَغَيْرُهُمْ . 34305 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدَّثَنَاهُ سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ يَحْيَ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 34306 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ مُكَاتَبًا قُتِلَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِمَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ حُرٍّ ، وَمَا بَقِيَ دِيَةَ مَمْلُوكٍ» ، لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ . 34307 - وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . 34308 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ : يُوَرَّثُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَيُجْلَدُ الْحَدَّ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَتَكُونُ دِيَتُهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . 34309 - وَأَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . 34310 - فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : إِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، يَسْتَسْعَى حَوْلَيْنِ ، وَاسْتَوْفَى بِهِ حَوْلَيْنِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي السُّنَةِ الثَّانِيَةِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ نُجُومَهُ رُدَّ فِي الرِّقِّ قَبْلَ هَذَا . 34311 - يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يَكُنْ أَدَّى مِنْ نُجُومِهِ شَيْئًا ، فَاسْتَوْفَى بِهِ مَا ذَكَرَ ، فَلَمَّا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ نُجُومِهِ رُدَّ فِي الرِّقِّ . 34312 - وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ فِي كِتَابَتِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ مُكَاتَبَتِهَا شَيْئًا . 34313 - وَقَوْلٌ ثَالِثٌ : أَنَّهُ إِذَا أَدَّى شَطْرَ كِتَابَتِهِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، لَا يَرْجِعُ إِلَى الرِّقِّ أَبَدًا . 34314 - رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ الشَّطْرَ فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ . 34315 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكُ بْنُ مَرْوَانَ : إِذَا قَضَى الْمُكَاتَبُ شَطْرَ كِتَابَتِهِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ مِنَ الْغُرَمَاءِ . 34316 - وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ النِّصْفَ ، فَلَا رَدَّ عَلَيْهِ فِي الرِّقِّ . 34317 - وَقَوْلٌ رَابِعٌ : إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ . 34318 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَوَكِيعٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحًا كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ . 34319 - وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ ، فَهُوَ غَرِيمٌ . 34320 - وَقَوْلٌ خَامِسٌ : إِذَا أَدَّى الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعِ ، وَبَقِيَ الرُّبُعُ فَهُوَ غَرِيمٌ . 34321 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الْمُكَاتَبُ مِنَ الْقَضَاءِ فِي كِتَابَتِهِ ، ثُمَّ عَجَزَ ، لَمْ يُعَدَّ عَبْدًا ; قَالَ : مَا أَعْلَمُهُ ، وَلَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَمَا تَرَى إِنْ بَقِيَ الثُّلُثَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ الرُّبُعَ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَرَى إِذَنْ أَنْ لَا يَعُودَ . 34322 - وَقَوْلٌ سَادِسٌ : إِنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَدَّى قِيمَتَهُ ، فَهُوَ غَرِيمٌ . 34323 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنْ شُرَيْحًا كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ قِيمَتَهُ ، فَهُوَ غَرِيمٌ . 34324 - قَالَ الشَّعْبِيُّ : وَكَانَ يَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 34325 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحًا كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ ، فَهُوَ غَرِيمٌ . 34326 - قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَمَّا مُغِيرَةُ فَأَخْبَرَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : إِذَا أَدَّى ثَمَنَهُ فَهُوَ غَرِيمٌ . 34327 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ ، وَرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا . 34328 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَشْعَثَ ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَا : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثُلُثَ كِتَابَتِهِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ . 34329 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : إِذَا أَدَّى ثَمَنَهُ ، فَهُوَ غَرِيمٌ . 34330 - وَقَوْلٌ سَابِعٌ : إِنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، وَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . 34331 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ . 34332 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . 34333 - وَوَكِيعٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، جَمِيعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، مِثْلَهُ . 34334 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِمُكَاتَبٍ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ - يُقَالُ لَهُ : حِمْرَانُ - : ادْخُلْ عَلَيَّ ، وَلَوْ بَقِيَ عَلَيْكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . 34335 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى دَوْسٍ - قَالَ : قَالَتْ لِي عَائِشَةُ : أَنْتَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ شَيْءٌ . 34336 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . 34337 - وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . 34338 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 34339 - وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ : مَالِكٌ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 34340 - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَدْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُتْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . 34341 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو عُتْبَةَ ، هُوَ عِنْدِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 34342 - وَأَمَّا أَبُو بَدْرٍ هُوَ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ . 34343 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هَمَّامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ ، فَهُوَ عَبْدٌ . 34344 - وَأَيُّمَا عَبْدٌ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، فَهُوَ عَبْدٌ . 34345 - وَهَكَذَا رَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 34346 - وَهُوَ عِنْدِي فِي مَعْنَى قَوْلِهِ هُوَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ أَرَادَ الْقَلِيلَ بِذِكْرِ الدِّينَارِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقِنْطَارَ ، وأراد الكثير بذكره القنطار ، وَلَمْ يُرِدِ الدِّينَارَ بِعَيْنِهِ خَاصَّةً ، وَلَا الْقِنْطَارَ بِعَيْنِهِ خَاصَّةً . 34347 - وَمِثْلُ هَذَا مَا رُوِيَ مُنْقَطِعًا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَاتَبَ مُكَاتَبًا عَلَى مِائَةٍ ، فَقَضَاهَا كُلَّهَا إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، فَهُوَ عَبْدٌ ، أَوْ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، فَقَضَاهَا كُلَّهَا إِلَّا أُوقِيَّةً ، فَهُوَ عَبْدٌ . 34348 - رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ . 34349 - وَأَمَّا مَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِذَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ خُمُسُ أَوَاقٍ ، أَوْ خَمْسُ ذُوَدٍ ، أَوْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، فَهُوَ تَحْرِيمٌ ، فَخَطَأٌ ، لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ . 34350 - وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، يُعْتَقُ مِنَ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ . 34351 - وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ . 34352 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . 34353 - وَهَذَا الْإِسْنَادُ خَيْرٌ مِنَ الْإِسْنَادِ عَنْهُ ; بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ ، فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ . 34354 - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا . 34355 - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُثْمَانَ ، قَالَ : هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . 34356 - وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
34471 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ جَارِيَةٌ بِهَا حَبَلٌ مِنْهُ ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ هُوَ وَلَا سَيِّدُهُ يَوْمَ كِتَابَتِهِ : فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ ، وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، فَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَإِنَّهَا لِلْمُكَاتَبِ ; لِأَنَّهَا مِنْ مَالِهِ . 34472 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَصْلِهِ ، أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ ، إِلَّا أَنْ يُكَاتَبَ عَلَيْهِ ، وَيَشْتَرِطَ فِي كِتَابَتِهِ ، وَالْحَمْلُ كَالْمَوْلُودِ إِذَا خَرَجَ إِلَى الدُّنْيَا ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْمِيرَاثِ .
34473 - قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَرِثَ مُكَاتَبًا مِنِ امْرَأَتِهِ هُوَ وَابْنُهَا : إِنَّ الْمُكَاتَبَ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ كِتَابَتَهُ ، اقْتَسَمَا مِيرَاثَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ ثُمَّ مَاتَ ، فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ . 34474 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ ، مَاتَ عَبْدًا ، فَوَرِثَهُ عَنْهُمَا وَرَثَتُهَا ; وَهُمُ ابْنُهَا وَزَوْجُهَا ، كَسَائِرِ مَالِهَا ، وَأَمَّا إِذَا أَدَّى كِتَابَتَهُ ، وَقَدْ لَحِقَ بِأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَاؤُهُ لِسَيِّدَتِهِ إِلَى عُقْدَةِ كِتَابَتِهِ ، وَعَنْهَا يُورَثُ إِلَى وَلَائِهِ ، فَإِنْ مَاتَ ، لَمْ يَرِثْ وَلَاءَهُ إِلَّا عَصَبَةُ سَيِّدَتِهِ دُونَ ذَوِي الْفُرُوضِ مِنْ وَرَثَتِهَا . 34475 - وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْوَلَاءِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
34357 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ هَلَكَ الْمُكَاتَبُ ، وَتَرَكَ مَالًا أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَلَهُ وَلَدٌ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ ، أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ ، وَرِثُوا مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ ، بَعْدَ قَضَاءِ كِتَابَتِهِ . 34358 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : 34359 - ( أَحَدُهَا ) : مَا قَالَهُ مَالِكٌ ; لِأَنَّهُ وَلَدُهُ الَّذِينَ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِهِ ، وَعَلَيْهِمُ السَّعْيُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، لَوْ لَمْ يُخَلِّفُوا مَالًا ، وَلَا يُعْتَقُونَ إِلَّا بِعِتْقِهِ ، وَلَوْ أَدَّى عَنْهُمْ مَا رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ أَوْلَى بِمِيرَاثِهِ ; لِأَنَّهُمْ مُسَاوُونَ لَهُ فِي جَمِيعِ حَالِهِ . 34360 - ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) : إِنَّهُ يُؤَدِّي عَنْهُ مِنْ مَالِهِ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ ، وَجَعَلَ كَأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا وَيَرِثُهُ جَمِيعُ وَلَدِهِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ حُرًّا قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ وَلَدِهِ ، وَمَنْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ ، أَوْ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ ; لِأَنَّهُمْ قَدِ اسْتَوُوا فِي الْحُرِّيَّةِ كُلُّهُمْ حِينَ تَأَدَّتْ عَنْهُ كِتَابَتُهُ . 34361 - رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَمِنَ التَّابِعِينَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ . 34362 - وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ : الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ . 34363 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ . 34364 - ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) : أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ ، فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا ، وَكُلُّ مَا يُخَلِّفُهُ مِنَ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ ، فَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ ، لَا الْأَحْرَارُ ، وَلَا الَّذِينَ وُلِدُوا مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ ، فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا ، وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَلَا يَصِحُّ عِتْقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُعْتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَعَلَى وَلَدِهِ الَّذِينَ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَنْ يَسْعَوْا فِي بَاقِي الْكِتَابَةِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ مِنْهَا مِقْدَارُ حِصَّتِهِ ، فَإِنْ أَدُّوا عَتَقُوا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا تَبَعًا لِأَبِيهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدُّوا ذَلِكَ رُقُّوا . 34365 - هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 34366 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ . 34367 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُكَاتَبًا عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّ يَمُوتُ حُرًّا ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يَمُوتُ عَبْدًا .
34423 - قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ إِنَّ ذَلِكَ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ غُلَامَهُ ، ثُمَّ يَضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْئًا مُسَمًّى . 34424 - قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَدْرَكْتُ عَمَلَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا . 34425 - قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ وَضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . 34426 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ عَلَى الْإِيجَابِ عَلَى السَّيِّدِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ . 34427 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 34428 - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ; قَالُوا : هَذَا عَلَى النَّدْبِ وَالْحَضِّ عَلَى الْخَيْرِ ، إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَصْلٌ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَقْضِي بِهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ . 34429 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يُرَدْ بِذَلِكَ السَّيِّدُ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ جَمَاعَةُ النَّاسِ ; نَدَبُوا إِلَى عَوْنِ الْمُكَاتَبِينَ ، فَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ ، فَالْكِتَابَةُ عِنْدَهُمْ ، إِذَا سَأَلَهَا الْعَبْدُ وَاجِبَةُ ، وَالْإِيتَاءِ لَهُمْ مِنَ السَّيِّدِ وَاجِبٌ ، يَضَعُ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ مَا شَاءَ . 34430 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ مَا شَاءَ ، وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، وَهُوَ لَا يَرَى الْكِتَابَةَ لِغَيْرِهِ ; إِذَا سَأَلَهُ إِيَّاهَا وَاجِبَةً ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْإِيتَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَعْتَرِضُهُ أَصْلٌ ، وَرَأَى أَنَّ عَطْفَ الْوَاجِبِ عَلَى النَّدْبِ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا . 34431 - وَقَالَ مَالِكٌ : يُنْدَبُ السَّيِّدُ إِلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنَ الْكِتَابَةِ شَيْئًا فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحِدَّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ حَدًّا ، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُبُعَ الْكِتَابِ ، وَكَذَلِكَ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ يُوجِبُ الْإِيتَاءَ ، وَمَالِكٌ يَنْدُبُ إِلَيْهِ . 34432 - وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعْلُومَةً ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ ; فَلَوْ أَنَّ الْوَضْعَ مِنْهَا يَكُونُ وَاجِبًا مَجْهُولًا ، لِآلَ ذَلِكَ إِلَى جَهْلِ مَبْلَغِ الْكِتَابَةِ . 34433 - وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْوَضْعُ رُبُعَ الْكِتَابَةِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ . 34434 - وَمِنَ الْمَرْفُوعِ فِيهِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ غَالِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ قَالَ : «رُبُعُ الْكِتَابَةِ» وَبِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلُهُ . 34435 - وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا هَكَذَا مَرْفُوعَيْنِ . 34436 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، لَا يَذْكُرُ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 34437 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ، فَأَتَى مِنْهُ مِثْلُ هَذَا ، وَسَمَاعُ ابْنِ جُرَيْجٍ مِنْهُ أَحْرَى . 34438 وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ، وَالْجَمَاعَةُ مَرْفُوعًا . 34439 - فَمَنْ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مِنْ قَوْلِهِ ، سُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، وَمَعْمَرٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَالْمَسْعُودِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَالْمُحَارِبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فَضْلٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا . 34440 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا ، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ ، فَحَطَّ عَنْهُ أَلْفًا فِي آخِرِ نُجُومِهِ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تُكَاتِبُوهُمْ عَلَيْهِ . 34441 - وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ ، فَحَطَّ عَنْهُ أَلْفًا ، وَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ ذلك ، مَا فَعَلْتُهُ . 34442 - وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَتْرُكُ لَهُ طَائِفَةً مِنْ كِتَابَتِهِ . 34443 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ فِي أَوَّلِ نُجُومِهِ ; مَخَافَةَ أَنْ يَعْجِزَ . 34444 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ مَا كَانَ . 34445 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُعْطَى مِمَّا كُوتِبَ عَلَيْهِ الرُّبُعَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ 34446 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ وَضَعَ عَنْ مُكَاتَبِهِ السُّدُسَ . 34447 - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مِثْلُهُ . 34448 - وَقَالَ قَتَادَةُ : يُوضَعُ عَنْهُ الْعُشْرُ . 34449 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَأَوَّلَ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ فِي أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَحُطَّ عَنْ مُكَاتَبِهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ فِي آخِرِ نُجُومِهِ ، أَوْ فِي سَائِرِهَا ، أَوْ يُعْطِيَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ مِنْهُ ، مَنْ رَأَى ذَلِكَ نَدْبًا ، وَمَنْ رَآهُ وَاجِبًا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ مِنْهُمْ . 34450 - وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ سَادَاتُ الْمُكَاتَبِينَ ، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ سَائِرُ النَّاسِ فِي عَوْنِ الْمُكَاتَبِينَ ، فَمِنْهُمْ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ . 34451 - رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ قَالَ : حَثَّ النَّاسَ عَلَى أَنْ يُعِينُوا الْمُكَاتَبَ . 34452 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ . 34453 - وَعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حُضُّوا عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْمُكَاتَبَ وَالْمَوْلَى مِنْهُمْ . 34454 - عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، مَسْأَلَةٌ ; وَقَالَ الْبَطِّيُّ : إِنَّمَا أُعَيِّنُ بِهِ النَّاسَ لِيَتَصَدَّقُوا عَلَى الْمُكَاتَبِينَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَمَرَ بِذَلِكَ الْوُلَاةَ ; لِيُعْطُوهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ .
1530 1504 - مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ; أَنَّ مُكَاتَبًا كَانَ لِابْنِ الْمُتَوَكِّلِ ، هَلَكَ بِمَكَّةَ ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَدُيُونًا لِلنَّاسِ ، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ ، فَأَشْكَلَ عَلَى عَامِلِ مَكَّةَ الْقَضَاءُ فِيهِ ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ : أَنِ ابْدَأْ بِدُيُونِ النَّاسِ ، ثُمَّ اقْضِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، ثُمَّ اقْسِمْ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَمَوْلَاهُ . 34368 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ جَهِلَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْ تَجَاهَلَ ، فَقَالَ : إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِهَذَا الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَأَنَّ ابْنَةَ هَذَا الْمُكَاتَبِ كَانَتْ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ ، وَلِهَذَا وَرِثَهَا مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا جَهْلًا ، فَهُوَ قَبِيحٌ مِنَ التَّجَاهُلِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ مَحْفُوظَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ ابْنَتَهُ كَانَتْ حُرَّةً . 34369 - وَمَالِكٌ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ ، وَلَا يَأْخُذُ بِحَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا . 34370 - وَقَدِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَلَى مَنْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْأَحْرَارُ ، إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْعِتْقِ ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ فِي كِتَابَتِهِ . 34371 - قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، أَنَّ مُكَاتَبًا كَانَ لِابْنِ الْمُتَوَكِّلِ فَذَكَرَهُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : كَيْفَ تَرَكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَا رَوَى مَالِكٌ فَقِيهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِهِ ؟ 34372 - وَهُوَ عِنْدَنَا الصَّوَابُ . 34373 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَذْكُرُ أَنَّ عَبَّادًا مَوْلَى ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ مَاتَ مُكَاتَبًا ، وَقَدْ قَضَى النِّصْفَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَتَرَكَ مَالًا كَثِيرًا ، وَابْنَةً لَهُ حُرَّةً كَانَتْ أُمُّهَا حُرَّةً ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يَقْضِيَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَيْنَ ابْنَتِهِ ، وَمَوَالِيهِ . 34374 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : مَا أَرَاهُ كُلَّهُ إِلَّا لِابْنَتِهِ . 34375 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي ذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الِابْنَةِ ; لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَرِثُ مَعَ الْبَنِينَ ، وَلَا الْبَنَاتِ ، وَلَا مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْعَصَبَاتِ عِنْدَ أَهْلِ الرَّدِّ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ . 34376 - وَهَذَا الْقَضَاءُ الَّذِي قَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ . 34377 - ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : سَأَلَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنِ الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ ، وَلَهُ وَلَدٌ أَحْرَارٌ ، وَتَرَكَ مِنَ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ فِيهَا قَضَى عُمَرُ ، وَمُعَاوِيَةُ بِقِضَاءَيْنِ ، وَعُمَرُ خَيْرٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ ، وَقَضَاءُ مُعَاوِيَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ . قَالَ : وَلِمَ قَالَ ؟ قُلْتُ : لِأَنَّ دَاوُدَ كَانَ خَيْرًا مِنْ سُلَيْمَانَ ، وَفَهِمَهَا سُلَيْمَانُ ، قَضَى عُمَرُ أَنَّ مَالَهُ كُلَّهُ لِسَيِّدِهِ . 34378 - وَقَضَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ سَيِّدَهُ يُعْطَى بَقِيَّةَ كِتَابَتِهِ ، ثُمَّ مَا بَقِيَ فَهُوَ لِوَلَدِهِ الْأَحْرَارِ . 34379 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَبِي الْمِقْدَامِ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَضَى بِذَلِكَ . 34380 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : الْمَالُ كُلُّهُ لِسَيِّدِهِ .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-45
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة