الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار
قول أبي هريرة من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة
مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ ، وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ ، فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ . 514 - مَعْنَى إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ هَاهُنَا : أَنْ يَرْكَعَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ . 515 - هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ .
516
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْأَدْرَكَ الْقَوْمَ رُكُوعًا يَعْتَدُّ بِهَا .
517
وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَفِيهِ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ .
518
وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ أَشْهَبَ ، وَرَوِيَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ضِدُّ ذَلِكَ .
519
قَالُوا : إِذَا أَحْرَمَ الدَّاخِلُ وَالنَّاسُ رُكُوعٌأَجْزَأَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكِ الرُّكُوعَ .
520
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَزُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ قَالُوا : إِذَا كَبَّرَ قَبْلَأَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ رَكَعَ كَيْفَ أَمْكَنَهُ ، وَاتَّبَعَ الْإِمَامَ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ ، وَاعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ .
521
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَزُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَالْحَسَنِ بْنِزِيَادٍ : أَنَّهُ إِذَا كَبَّرَ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ اعْتَدَّ بِهَا .
522
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ وَلَمْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهُمْوَقَدْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكْتَ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَئِمَّةُ بَعْضٍ .
523
قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَرَكَعَ ، وَأَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَالرَّكْعَةَ ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ ، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْهُ السَّجْدَةُ ، أَيْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا ، وَيَسْجُدُهُمَا .
524
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمْ ،وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ .
525
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِمَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .
526
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَبِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ .
527
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَعُرْوَةُبْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ .
528
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِبْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَا : إِذَا أَدْرَكَ الْقَوْمَ رُكُوعًا فَإِنَّهُ تُجِزِئُهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ .
529
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَعُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَمَيْمُونٍ، وَجَمَاعَةٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ : وَاحِدَةً لِلْإِحْرَامِ ، وَثَانِيَةً لِلرُّكُوعِ .
530
وَإِنْ كَبَّرَ وَاحِدَةً لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ .
531
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : لَا يُجْزِئُهُحَتَّى يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ : وَاحِدَةً يَفْتَتِحُ بِهَا ، وَثَانِيَةً يَرْكَعُ بِهَا .
532
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَ لِمَا عَدَا الْإِحْرَامِمَسْنُونٌ يُسْتَحَبُّ ، قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ سُقُوطُ التَّكْبِيرَةِ مِنْهُ وَالتَّكْبِيرَتَيْنِ .
533
وَسَنُبَيِّنُ هَذَا الْبَابَ وَنُوَضِّحُهُ فِيافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
534
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌفَإِنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ ، وَجَمَاعَةً مَعَهُ ، قَالُوا ذَلِكَ لِمَوْضِعِ التَّأْمِينِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
535
يَعْنُونَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ وَافَقَتَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
536
وَسَيَأْتِي هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - .